نظام العُقوبات — موضوع مستورد

**أنواع العقوبات التعزيرية

التعزير عقوبة جعل للحاكم حق تقديرها، ولكنه لم يجعل له أن يعاقب بما يشاء، فهناك عقوبات جاء النص صريحاً في النهي عن العقاب بها فلا يجوز أن يعاقب بها، ثمّ إن نصوص الشرع من الكتاب والسنة جاءت بعقوبات معينة محددة، وجاء الأمر بإيقاع العقاب بها، فكون اجتهاد الحاكم في التعزير إنما هو في مقداره لا بأية عقوبة يرى، وكون الشارع جاء بعقوبات معينة فإن ذلك يدل على أن إيقاع العقوبات في التعزير محصور بما جاء الشارع بالعقاب به ولا يصح بغيره.

أما العقوبات التي جاء النهي الصريح عن العقوبة بها فهي الحرق بالنار، فالعقوبة بالحرق بالنار لا تجوز، فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة: " وإن النار لا يعذب بها إلاّ الله " وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تعذبوا بعذاب الله " يعني الحرق بالنار. وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وأنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلاّ رب النار " . فهذا كله صريح في تحريم العقوبة بالحرق بالنار، ويلحق بها ما هو من جنسها، مما فيه خاصية الإحراق كالكهرباء، وأما ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث العُرَنِيين من أنه صلى الله عليه وسلم " أمر بمسامير فأحميت فكحلهم " فإن ذلك هو الكي بالنار، ولم يرد نهي عنه، واستعمال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له بإيقاع العقوبة به دليل على جوازه، والمنهي عنه إنما هو الحرق بالنار، وأما العقوبات التي جاء الشارع بالعقاب بها فإنها العقوبات التالية:

1 - عقوبة القتل: يجوز للخليفة أن يبلغ في التعزير حد القتل، وأنه وإن كان القتل حدّاً من الحدود وهو حدّ الزاني المحصن، وحدّ اللواط، والحديث ينهى عن أن يُبْلَغَ الحدُّ في غير الحدِّ، ولكنه أي القتل ليس كالجلد حداً يمكن أن ينقص عن حدّه، بل هو حدّ واحد، ولذلك لا ينطبق عليه حديث: " من بلغ حدّاً في غير حدّ " على أن ذلك الحديث المراد به حدّ الجلد، لأنّه هو الذي يتصور فيه بلوغ الحدّ، وعدم بلوغ الحدّ، أما القتل فلا يتصور فيه ذلك، وكذلك قطع الأيدي والأرجل، وعلى هذا فإنّه يجوز أن يبلغ التعزير درجة قاسية، حتى يصل إلى القتل. والدليل على ذلك حديث العُرَنيين، فإنّه وإن أتى به في حدّ قطاع الطرق كدليل عليه، ولكن واقعه أنه خيانة وقتل وارتداد، وليس واقع قطاع الطرق. عن قتادة عن أنس: " أن أناساً من عُكْلٍ وعُرَينَة قَدِموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة، فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بِذَوْدٍ وراع، وأمرهم أن يخرجوا، فليشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمَّروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتُركوا في ناحية الحرَّة حتى ماتوا " فهذا هو واقع حادث العرنيين، وهو وإن كان خيانة وقتلاً وارتداداً، ولكنه في حقيقته إخلال بالأمن جمع الثلاث، ولذلك لم يعاقبهم الرسول عقوبات الخيانة والقتل والارتداد، بل نكّل بهم، فهو لم يقتلهم، وإنما تركهم في الحرة حتى ماتوا، وقبل أن يتركهم في الحرة كوى أعينهم بالنار وقطع أيديهم، وهذا يدل على أن الحادثة إخلال بالأمن فظيع، ومنها يستنبط أن الإمام يجوز أن يبلغ في التعزير حد القتل.

على أن عِلَّة العقوبة الزجر، فإن قوله تعالى: ( ولكم في القصاص حياة ) واضح فيه أنّ كون القصاص فيه حياة هو عِلّة القصاص، والزجر علّة لإيقاع العقوبة، والعقوبات المنصوص عليها لا يصح أن يتعداها المسلم، لأنّ الله يعلم أنّها تزجر، وشرعها وهو يعلم ذلك، ولكن الجرائم التي لم يعين الشارع عقوبة لها، وترك تقديرها للإمام فإن على الإمام أن يضع العقوبة الزاجرة، فإن وضع عقوبة، ورأى أنها غير زاجرة، كان عليه أن يضع عقوبة أشدّ منها حتى يتحقق الزجر. وهناك جرائم كثيرة لم يعين الشارع عقوبة معينة لها، ولا يحصل الزجر فيها إلا بالقتل، فهذه للإمام أن يجعل عقوبتها القتل. فمثلاً نص الشرع على أنه إذا بويع لإمامين فاقتلوا الآخر منهما، ولكنه لم ينص على من حرّض النّاس وجمعهم لبيعة إمام ثانٍ بعد انعقاد بيعة الإمام، فهذا لم يبايع إماماً على النّاس، فلا ينطبق عليه الحديث، ولكن جرمه ربما يكون أفظع من جرم من بويع، ولذلك فإنّه يجوز أن يجعل الإمام عقوبته القتل، ومثلاً من دعا إلى القومية، سواء أكانت قومية عربية أم تركية أم فارسية أم بربرية أم غير ذلك، وجمع النّاس على القومية، فهذا لم يرد من الشارع نص على عقوبة مقدرة له، ومعلوم ما ينتج عن الدعوة القومية من تمزيق الدولة الإسلامية، بل تمزيق المسلمين، فحامل هذه الدعوة يجوز للإمام أن يجعل عقوبته القتل، وكذلك من حمل الدعوة إلى انفصال إقليم عن جسم الدولة الإسلامية، فإنّه وإن كان يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " ولكنه ليس من الحدود، وإنما هو من التعزير متروك للإمام أن يقتله، أو يعاقبه عقوبة دون القتل، فهذا كذلك صريح النص فيه أنه يجوز للإمام أن يبلغ بعقوبته حد القتل، وهكذا.. وعليه فإنّه يجوز للخليفة أن يبلغ في التعزير حد القتل.

2 - الجلد: وهو الضرب بالسوط وما يشبهه، وقد جاءت عقوبة الضرب بالقرآن، قال تعالى: ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن )وجاءت عقوبة الجلد بالقرآن قال تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) وجاء الجلد بالسوط وبغيره، عن زيد بن أسلم: " أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله فاتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته ( أي طرفه ) فقال: بين هذين، فأُتي بسوط قد لأنّ ورُكِبَ به ( أي ضرب به حتى لأنّ ) فأمر به فجلد " . فهذا دليل على العقوبة بالسوط. وروى أحمد عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: " كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدج، فلم يُرَع الحي إلاّ وهو على أمة من إمائهم يخبث بها، فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الرجل مسلماً فقال: اضربوه حدّه، قالوا يا رسول الله انه أضعف مما تحسب، لو ضربناه مائة قتلناه، فقال خذوا له عِثْكالاً فيه مائة شِمْراخ، ثمّ اضربوه به ضربه واحدة، قال: ففعلوا " . فهذا دليل على العقوبة بغير السوط، والعُثْكول العنقود من النخل يكون فيه أغصان كثيرة، وكل واحد من هذه الأغصان يسمى شِمْراخاً، وعلى هذا فإن الضرب بغير السوط والجلد بالسوط عقوبة من العقوبات المشروعة، فيجوز للإمام أن يعاقب بالضرب بالقضيب وبالعصا، وأن يعاقب بالجلد بالسوط.**

**وأما حديث " ومن بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين " فإنّه يحمل على نوع العقوبة التي عاقب بها لا يصح أن تزيد عما قدره الشرع من العقوبة بها، أما أن يزيد بعقوبة من غيرها فلا يمنع ذلك الحديث، فمن بلغ في عقوبة القبلة حد الزنا فهو من المعتدين، أي إذا جلد عليها مائة جلده فهو من المعتدين، ولكن إذا جلد عليها تسعين جلده، مع حبس ثلاث سنوات، ونفي سنة، فإن هذه الزيادة من غير الحد لا يمنعها الحديث. فمثلاً لو أن رجلاً أتى من أمه أو ابنته أو أخته أو أحد محارمه جميع ما يأتي الرجل من امرأته من قبل ومداعبة ومفاخذة وغير ذلك إلاّ أنه لم يجامعها، فهل مثل هذا الرجل لا يبلغ القاضي في عقوبته حد الزنا ؟ أم أنه يجلده دون حد الزنا، ويوقع به عقوبات أخرى كالحبس والنفي والغرامة وغير ذلك، ومثلاً لو أن شخصاً مدمناً على الأفيون وقد عوقب أكثر من مرة ولم ينزجر، فهل مثل هذا الرجل لا يبلغ القاضي في عقوبته حد شارب الخمر ؟ أم أنه يجلده دون حد الشرب ويوقع به عقوبات أخرى كالكي بالنار، والحبس والنفي وغير ذلك ؟

إن الحديث ينهى عن بلوغ الحد، في غير الحد، والحد عقوبة معينة في جريمة معينة، فهذه العقوبة المعينة لا يتجاوزها، ولكن أن يوقع غيرها فإنّه غير داخل في النهي فيبقى لاجتهاد القاضي.

هذا ما يفهم من الحديث بأنه ينهى عن تجاوز العقوبة المعينة، ولا يشمل نهيه عدم إيقاع غيرها من العقوبات، وقال الشوكاني: ( ذكر بعض المتأخرين أن الحديث محمول على التأديب الصادر من غير الولاة، كالسيد يضرب عبده، والزوج يضرب زوجته والأب يضرب ولده ) ولكن تعبير الحديث بلفظ " مَنْ " بقوله: " مَنْ بلغ حدّاً " وهي من ألفاظ العموم ولم يرد ما يخصصه بغير الوالي يمنع هذا التأويل، ولكن تفسير الحديث بأن المراد منه من بلغ حداً في عقوبة معينة في غير ما وضعت له فهو معتد، أما لو أوقع عدة عقوبات، ولم يبلغ فيها جميعها الحد فإنّه لا ينطبق عليه أنه من المعتدين.

وتقدير عقوبة التعزير الأصل فيه أنه للخليفة، ولكن يجوز أن يجعله لاجتهاد القاضي، ويجوز أن يمنع القاضي من تقديرها، ويقدرها له، فإن القاضي نائب عن الخليفة، والقضاء يتخصص بالزمان والمكان والحادثة، فيجوز أن يخصصه ببعض القضايا، فيمنعه من تقدير العقوبة في التعزير مطلقاً، أو يمنعه من تقديرها في بعض القضايا، ويعطيها له في بعضها الآخر، ومهما يكن من أمر فإن عقوبة التعزير حين تقدر لا تخرج عن واحد من الأحكام الشرعية، ذلك أن الفعل إما أن يكون فرضاً، وإما أن يكون مندوباً، وإما أن يكون مباحاً، أو يكون حراماً، أو مكروهاً، ولا يخرج عن واحد من هذه الخمسة. إلاّ أن المباح هو تخيير للمكلف بأن يفعل الفعل أو يتركه، ولذلك لا يكون فاعله مخالفاً لأوامر الله ونواهيه، بل يكون في حالة فعله أو حالة تركه متبعاً لأوامر الله ونواهيه، وفي اختيار ما خيره الشرع فيه، أما المندوب والمكروه فإن الله تعالى لم يرتب عليهما عقوبة، فلم يرتب عقوبة على ترك المندوب، ولا على فعل المكروه، فلا يصح للدولة أن ترتب عليهما عقوبة، لأنّ ترتيب العقوبة يعني الإلزام بفعل المندوب، وهذا يعني جعله فرضاً، والإلزام بترك المكروه، وهذا يعني جعله حراماً، والدولة لا يحل لها أن تجعل المندوب فرضاً، والمكروه حراماً، ولذلك لا يحل لها أن تضع عقوبات تعزيرية على ترك المندوب، وفعل المكروه، ولذلك لا تدخل المباحات، والمندوبات، والمكروهات في أبحاث العقوبات.

بقي من الأبحاث ترك الفرض، وفعل المحرّم. أما ترك الفرض فلأن الله رتب عقوبة عليه، فتارك الصلاة، والممتنع عن صيام رمضان، أو عن الزكاة، أو عن أداء حق لآدمي، وما شاكل ذلك كلها ترك للفرض. وقد أوعد الله تارك هذه الفروض بالعذاب. وأما فعل المحرّم فلأن الله رتب كذلك عقوبة عليه، فقاذف غيره بغير الزنا، وكانز المال، والمختلس، والجاسوس، وما شاكلها كلها فعل المحرّم، وقد أوعد الله فاعل هذه المحرمات بالعذاب، فلا كلام في أن على الحاكم أن يقدر عليها عقوبات التعزير، لأنّها كلها معاص، إذ ترك الفرض، وفعل المحرم، كل منهما معصية تجب العقوبة عليها. ومن هذا كله يتبين أن الخليفة حين يرتب عقوبات معينة من عقوبات التعزير يجب أن يتقيد بما رتب الله عليه عقوبة فحسب، ولا يصح أن يتجاوز ذلك، فيجب أن تحصر عقوبة التعزير بترك الفرض، وفعل المحرم، ولا يجوز أن يتعدى ذلك مطلقاً. وأما ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من أنهم عاقبوا على ترك بعض المندوبات، وعلى فعل بعض المكروهات، فإن ذلك لا يصلح دليلاً إلاّ إذا كان إجماعاً ولم يرو الإجماع في ذلك.

وكما أنه لا يجوز أن يعزر على فعل المكروه، وترك المندوب أو المباح كذلك لا يجوز أن توضع عقوبة التعزير بحجة رعاية الشؤون، أو باسم المصلحة فإن رعاية الشؤون محصورة فيما جعل للإمام أن يدبره برأيه واجتهاده، كتخطيط المدن، وكترتيب الموازين وهكذا… وما عدا ذلك فلا حق له، وأما المصلحة فليست دليلاً شرعياً فلا ترتب عقوبة بناء عليها.**

**الباب الثالث
التعزير

التعزير في اللغة المنع، واصطلاحاً التأديب والتنكيل، وتعريفه الشرعي الذي يستنبط من النصوص التي جاءت عقوبة تعزيرية هو العقوبة المشروعة على معصية لا حد فيها ولا كفارة. والتعزير قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به. فعن أنس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة " ، وعن الحسن " أن قوماً اقتتلوا فقُتِل بينهم قتيل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق ؟ فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنَةً فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية والعقوبة، ومن سرق شيئاً منه بعد أن يؤويه الجَرين فبلغ ثمن المِجَن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثلية والعقوبة " وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم " حبس رجلاً في تهمةٍ ساعةً من نهار، ثمّ أخلى سبيله، وأنه حكم بالضرب، وبالسجن " . وروي أن عمر قضى بالجلد على من زور كتاباً لبيت المال، ووضع عليه بصمة خاتم اصطنعه على نقش خاتم بيت المال، وقدمه لأمين بيت المال، وأخذ منه مالاً. وعليه فالتعزير ثابت بالسنة، وقد سار عليه الصحابة من بعد.
والتعزير مشروع لكل ما لم يعين الشارع له عقوبة مقدرة، أما ما أورد الشرع فيه عقوبة فيعاقب مرتكبه بالعقوبة التي قدرها الشارع، فكل ما لم يقدر له الشارع عقوبة ترك للحاكم أن يقدر له عقوبة، وقد أطلق على هذه العقوبة اسم التعزير.
ومن تتبع الجرائم، أي الأفعال القبيحة التي قبحها الشرع وهي الذنوب، وتتبع العقوبات التي وردت مقدرة من الشارع، يتبين أن التعدي على البدن قد جعل الشارع له عقوبات مالية، ما عدا القتل العمد فإن عقوبته القتل، إن لم يعف ولي المقتول، وما عداه فعقوبته عقوبة مالية، ما عدا السن في العظام، وما عدا الجراح. فباقي أنواع القتل عقوبتها عقوبات مالية، والجناية على الأعضاء وفي الشجاج عقوبات مالية، وفي العظام عقوبات مالية، ما عدا السن، وفي الجراح عقوبات بدنية وعقوبات مالية. وقد جاء الشرع بتقدير هذه العقوبات المالية فقدرها مبالغ معينة، وما لم يقدر لها مبالغ معينة فقد جعل فيها الحكومة. وعلى ذلك فإن التعزير لا يدخل في التعدي على البدن، ولا محل له في ذلك. ولا يقال إن التعدي على البدن دون إحداث بتر أو كسر أو جرح أو تلف أو خدش يستحق عقوبة التعزير، لا يقال ذلك لأنّ التعدي على البدن قد جاء الشرع بأحكامه، ولم يأتِ بأحكام لهذه فليس عليها التعزير، إلاّ إن عطلته عن العمل أو ألحفت به إهانة.
وأما المعاصي وهي عدم القيام بالفرض، والقيام بفعل الحرام، فانا وجدنا الشارع قد قدر عقوبات معينة لهذه المعاصي، كالسرقة وقطع الطريق، والردة وغيرها مما قدر له الشارع عقوبات معينة، وهذه هي الحدود، ووجدنا أن الشارع لم يقدر عقوبات معينة إلاّ لستة أشياء، أي الحدود، وما عداها لم يقدر لها عقوبات معينة، فهذه التي لم يقدر لها الشارع عقوبات معينة من المعاصي هي التعزير، فالتعزير إنما يأتي فيما هو من جنس الحدود ونوعها مما لم يرد له عقوبة مقدرة، ولا يأتي للتعدي على البدن.
وتقدر عقوبة التعزير على قدر الجريمة، فالجريمة الكبيرة تقدر لها عقوبة كبيرة، حتى يتحقق معنى العقوبة وهو الزجر، والجريمة الصغيرة تقدر لها عقوبة تزجر عن مثلها، ولا تقدر أكثر من ذلك، حتى لا تكون ظلماً للمذنب. وهل يطلق تقدير العقوبة لصاحب الصلاحية، أي للخليفة أو القاضي فيقدرها بما يراه يزجر، أم أنه مقيد بما لا يزيد عن الحد ؟ لقد ذكر بعض الفقهاء بأن التعزير لا يصح أن يزيد عن الحد، فقالوا: يشترط أن لا يبلغ التعزير مقدار الحد الذي وجب في نوع المعصية، واستدلوا على ذلك بما روي عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ومن بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين " وقالوا إن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها، فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين أعظمها. وقال مالك يجوز أن يزاد التعزير على الحد، إذا رأى الإمام، لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال، ثمّ جاء به صاحب بيت المال فأخذ مالاً، فبلغ عمر رضي الله عنه فضربه مائة وحبسه، فكلم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه، وروى أحمد بإسناده أن علياً أُتِيَ بالنجاشي قد شرب خمراً في رمضان فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطاً لفطره في رمضان، وأكثر الفقهاء على أن التعزير لا يصح أن يزيد على مقدار الحد.
غير أنه بإمعان النظر يتبين أن الشرع قد جعل تقدير عقوبة التعزير للخليفة، أو الأمير أو القاضي مطلقاً، يرجع فيه إلى اجتهاده فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص وما يستوجبه واقع الجريمة، وواقع وضعها في البلد. فهو متروك للاجتهاد فتقييد الاجتهاد بحد أعلى أو بحد أدنى هو تحديد، فيجعله حداً وهو ينافي كونه تعزيراً، وينافي تركه لاجتهاده، وأيضاً فإن بعض الجرائم غير الحدود قد تكون أفظع من الحد، فمثلاً الإدمان على المخدرات كالحشيش والأفيون أفظع من شرب الخمر، وسرقة مبالغ ضخمة من بيت المال أفظع من سرقة متاع ثمنه ربع دينار من رجل من النّاس وهكذا، ثمّ إن هناك جرائم يمكن أن تؤدي إلى تمزيق وحدة الأمّة، كالدعوة إلى القومية، أو إلى الإقليمية أو ما شاكل ذلك. لهذا فإن القول الحق أن لا يقدر التعزير بحد أعلى ولا بحد أدنى، بل يترك لاجتهاد الخليفة، أو الأمير ثمّ لاجتهاد القاضي.**

**عقوبة الشِّجاج

قال العلماء: الشجاج في الرأس، والجراح في البدن، وحكم الشجاج غير حكم الجراح. والشجاج تكون في الوجه، وتكون في الرأس، وهي الموضِّحَة وهي الجرح الذي أبدت وضح العظم وهو بياضه، وجراح أخرى في الرأس والوجه ويقال لها الهاشمة، وهي جرح يتجاوز الموضحة فيهشم العظم وسميت هاشمة لهشمها العظم، وجراح أخرى تكون في الرأس والوجه ويقال لها المُنَقِّلة بتشديد القاف وكسرها. وهي الجرح الذي يتجاوز الهاشمة فيكسر العظم ويزيلها عن مواضعها فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم، وجراح أخرى تكون في الرأس والوجه ويقال لها المأمومة، وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ أي إلى جلدته، فإذا وصلت الجراحة إليها سميت أمة ومأمومة. فهذه الشجاج جاء النص بمقدار ديتها، ففي الموضحة خمس من الإبل، لما ورد في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: " وفي الموضِّحة خمس من الإبل " . وفي الهاشمة دية الموضحة، وحكومة عدل، لأنها موضحة وزيادة، ونظراً لأنّه لم يرد نص بخصوصها بالذات أخذت دية الموضحة للنص، وجعلت حكومة على ما زاد، لأنّه جرح لا عقل له معلوماً. وفي المُنَقِّلة خمس عشرة من الإبل، لما رواه أبو بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وفي المنقِّلة خمس عشرة من الإبل " وفي المأمومة ثلث الدية لما ورد في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: " وفي المأمومة ثلث الدية " . هذه هي الشجاج الخاصة بالرأس والوجه التي جاء النص بها، وما عداها من باقي الشجاج، أي من باقي جروح الرأس والوجه مما لم يأت به نص فإن فيه حكومة عدل.

عقوبة الجراح

الجراح هي التي في البدن، وعقوبتها القود، أي القصاص في العمد فقط، وأما في غير العمد ففيه الدية فيما جاء فيه نص بمقدار الدية، وفيه حكومة عدل فيما لم يأت به نص. والنص إنما جاء في الجائفة وحدها، عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً إلى أهل اليمن ومما جاء فيه: " وفي الجائفة ثلث الدية " والجائفة هي الجرح الذي يصل إلى الجوف، قال في القاموس: الجائفة هي الطعنة التي تبلغ الجوف أو تنفذه، ثمّ فسر الجوف بالبطن، وبما أن النصوص الشرعية إنما يرجع في تفسيرها إلى المعنى اللغوي وحده إن لم يرد معنى شرعي في الكتاب والسنة، ولم يرد نص شرعي يفسر الجائفة فلم يبق إلاّ المعنى اللغوي، وعليه لا تكون الجائفة، إلاّ في الجوف أي البطن كما فسره القاموس، فكل جرح وصل إلى الجوف، أي داخل البطن ولو بمغرز إبرة فإنّه يكون جائفة، وما عداه لا يقال له جائفة، فالجرح الذي يصل إلى الداخل من ظهر أو صدر أو ثغرة نحر أو ورك أو غير ذلك لا يعتبر جائفة، ولا يطبق عليه حكمها، لأنّ الجائفة محصورة بشيء واحد هو ما يصل إلى الجوف من البطن ليس غير. وان أجاف جائفتين بينهما حاجز فعليه ثلثا الدية.

ومثل الجائفة فتق الصغيرة بالوطء، فمن وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها لزمه ثلث الدية، فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قضى في الإفضاء بثلث الدية، ولم يعرف عنه في الصحابة مخالف فكان إجماعاً. ومثل الزوجة المزنية فلو زنى بصغيرة فأفضاها لزمه ثلث الدية، ومهر مثلها، لأنّه حصل بوطء غير مستحق، ولا مأذون فيه فلزمه ضمان ما أتلف به كسائر الجنايات.

هذه هي ديات ما دون النفس التي ورد تقديرها في نصوص الشرع، وتقديرها إنما ورد للأعضاء والشجاج وبعض الجروح. أما تقدير دية الأعضاء فإنّه قد ورد النص في بعضها، ولم يرد في البعض الآخر، ولكنه نص جاء لأعضاء الجسم، ومن تتبعه نجده قد جعل الدية كاملة في العضو الذي يوجد في الإنسان منه شيء واحد كاللسان، وجعلها نصفاً في العضو الذي في الإنسان منه شيئان كاليدين، وجعل في الإصبع عشر الدية في اليدين، وعشرها في الرجلين، فاستنبطا من ذلك أي من هذا التتبع مقدار دية العضو سواء جاء النص به لذاته أو لم يأت. فتكون دية جميع الأعضاء قد ورد الدليل عليها.

وأما تقدير دية الشجاج فإنّه قد ورد النص في بعضها ولم يرد في البعض الآخر، وهو لم يأت لشجاج يكون سائر الشجاج مثلها كما هي الحال في دية الأعضاء، بل جاء لشجاج معينة سماها أو بيّنها، ولذلك لا يَصْدُق على كل شجاج، فما جاء نص عليه من الشجاج كالمأمومة والجائفة وغيرهما فإن الدية تكون بحسب النص، وما لم يأت نص عليه لا يدخل تحت ما ورد فيه النص، لأنّه لا يشمله، ولا يقاس على ما جاء فيه النص، لعدم وجود وجه للقياس، فلم يبق إلاّ أن تكون فيه حكومة عدل. وعلى هذا فإن كل شجاج لم يكن من الشجاج التي جاء فيها نص فإن فيه حكومة. وأما الجراح ففي الجائفة وفتق الصغيرة بالوطء ثلث الدية، وفيما عداهما من الجراح حكومة عدل.

والحكومة هي أن يُقَوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثمّ يُقَوَّم وهي به قد برأت، فما نقصه من الجناية فله مثله من الدية. قال ابن المنذر " كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن معنى قولهم حكومة أن يقال: إذا أصيب الإنسان بجرح لا عقل له معلوماً كم قيمة هذا المجروح لو كان عبداً لم يجرح هذا الجرح، فإذا قيل مائة دينار، قيل وكم قيمته وقد أصابه هذا الجرح وانتهى برؤه ؟ قيل خمسة وتسعون، فالذي يجب على الجاني نصف عشر الدية، وإن قالوا تسعون فعشر الدية، وإن زاد أو نقص فعلى هذا المثال، وإنما كان كذلك لأنّ جملته مضمونة بالدية فأجزاؤه مضمونة منها " . ولا يكون التقويم إلاّ بعد برء الجرح لأنّ ارش الجرح المقدر إنما يستقر بعد برئه، فإن لم تنقصه الجناية شيئاً بعد البرء فلا شيء على الجاني لأنّ الحكومة لأجل النقص.**

**الأضلاع: مجموع أضلاع الرجل عضو واحد وهو الصدر، وهو عضو يوجد في الإنسان منه شيء واحد، وأما الأضلاع فإنها تكون أجزاء في هذا العضو، وليس كل واحد منها عضواً وفي الصدر أي مجموع الأضلاع الدية، لأنّه عضو، عملاً بما دل عليه الحديث. وفي كل ضلع منها من الدية بقدر ما فيه من أضلاع، فتحسب مجموع الأعضاء، ويؤخذ بنسبة كل واحد من المجموع. فإذا كسر الضلع وصحح ففيه حكومة عدل، وإذا كسر واتلف ففيه الدية بقدره.

الألْيتان: في الأليتين الدية لأنهما عضو يوجد في الإنسان منه شيئان، وفي كل واحد منهما نصف الدية، والدية تجب فيهما إذا أخذتا إلى العظم الذي تحتهما، أما إذا ذهب بعضهما فيجب من الدية بقدره، لأنّ ما وجبت فيه الدية وجب في بعضه بقدره، فإن جهل المقدار وجبت حكومة عدل، لأنّه نقص لم يعرف قدره.

البطن: وفي البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط الدية، وذلك لأنّه عضو، إلاّ أن منفعته لا يتصور فصلها عنه، فإنّه إن قطع لم يستمسك الغائط، وإن ضرب وبقي لم يستمسك الغائط، وما دام عضواً لا يوجد في الإنسان منه إلاّ شيء واحد ففيه الدية، والبحث فيه بحث في منفعته والحكم فيه حكم في منفعته.

المثَانة: وفي المثانة إذا لم تستمسك البول الدية، وذلك لأنّها عضو لا يوجد في الإنسان منه إلاّ شيء واحد، فكانت فيه الدية، ومنفعته كمنفعة البطن لا تنفصل عنه، وهي غير البطن فلا يقال إن البول والغائط كلاهما من جنس الخروج، لأنّه مع كونهما ليسا من جنس واحد فإن المسألة ليست جنس المنفعة، بل جنس العضو، والمثانة والبطن عضوان منفصلان، وكل منهما غير الآخر، ولذلك كانت في المثانة وحدها الدية، وفي البطن وحده الدية.

الذكر: وفي الذكر الدية لما ورد في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: " وفي الذكر الدية " ولأنه عضو لا يوجد منه في الإنسان إلاّ شيء واحد، فإذا قطع أو أصابه الشلل، أو لم يعد ينفع للجماع ففيه الدية. وتجب الدية في ذكر الصغير والكبير والشيخ والشاب والخصي، عنيناً أو سالماً من العنة، قدر على الجماع أم لم يقدر، لأنّ الذكر عضو، ومنفعته ليست آتية منه، فمن أتلف ذكره ذهبت منفعته، ولكن قد تذهب منفعته ويبقى ذكره، فمن أتلف ذكره مطلقاً وجبت الدية مطلقاً، لأنّه لا يتأتى بقاء منفعته، ولكن من ضرب على ذكره فذهبت منفعته، وبقي ذكره فتجب الدية في المنفعة، هذا إذا كانت فيه منفعة عند ضربه، أما إذا لم تكن فيه منفعة قبل ضربه، كالشيخ الفاني الذي لم يعد قادراً على الجماع ولا على الإنزال فلا دية فيه، أما إذا كان قادراً على الجماع ولم يعد قادراً على الإنزال أو كان قادراً على الإنزال ولم يعد قادراً على الجماع فإن فيه بقدر ما نقص من منفعته، لأنّ منفعة الذكر الجماع والإنزال، فإن تلف ما كان قادراً عليه ففيه الدية بقدر ما فقد. أما العِنِّين فإنّه كالسليم لأنّه قادر على جماع الثيب بخلاف الخصي فإنّه غير قادر على الجماع ومتحقق فيه عدم الإنزال، ولذلك إذا ضرب على ذكره ولم يقطع أو لم يكسر عظمه فإن نقص من قيمته ففيه حكومة، ولا دية فيه، لأنّ العضو لم يذهب، ولأنه لم تكن هناك منفعة قد ذهبت.

البيضتان: وفي الأنثيين الدية وهما البيضتان، لما ورد في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لابن حزم: " وفي البيضتين الدية " ولأنها عضو في الإنسان منه شيئان فوجبت فيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية. ونفعهما في وجودهما فلو قطعا وذهبت منفعتهما ففيهما الدية وكذلك إحداهما، ولكن لو ضرب عليهما فذهبت منفعتهما وبقيا ففي المنفعة الدية كأي عضو من الأعضاء له منفعة.

الأسْكَتان: وهما اللحم المحيط بالفرج من جانبيه إحاطة الشفتين بالفم، وأهل اللغة يقولون الشُّفران حاشيتا الأسْكَتين كما أن أشفار العين أهدابها. غير أنه وإن كان أهل اللغة أطلقوا اسم الاسكتين على اللحم المحيط بالفرج واسم الشفرين على حاشيتي الاسكتين كأشفار العين إلاّ أن وضعهما غير وضع أشفار العين، فإن أشفار العين تعني أجفانها، وأهدابها هي الشعر الذي على الأجفان أي ما يسمى بالرمش، فالأهداب فيها الدية، والأجفان فيها الدية لأنهما شيئان، وكل منهما غير الآخر، ولكن الأسكتين هما اللحم المحيط بالفرج. والشفران طرفه فهما جزء من الأسكتين، وليستا شيئاً ثانياً، ولذلك كانت الأسكتان والشفران معاً عضواً واحداً، وليسا عضوين اثنين، فكانا عضواً واحداً يوجد في الإنسان منه شيئان، وفي الأسكتين الدية عملاً بما فهم من الحديث، لأنهما عضو في الإنسان منه شيئان، وفي أحدهما نصف الدية. وإن جُنِيَ عليهما فأشلّهما وجبت ديتهما، كما لو قطعهما لأنهما كالشفتين. ولا فرق بين كونها غليظتين أو دقيقتين، قصيرتين أو طويلتين، من بكر أو ثيب، صغيرة أو كبيرة، مختونة أو غير مختونة، لأنهما عضوان فيهما الدية فاستوى فيهما جميع ما ذكر كسائر أعضائها. ولا فرق بين الرتقاء والقرناء والسليمة، لأنّ الرتق والقرن عيب في غيرهما كما هي الحال في الصمم بالنسبة للأذن.

الدُّبُر: وفي الدبر الدية فإن ضرب فأزيل ففيه الدية، لأنّ منفعته قد ذهبت بذهابه، ولكنه إن ضرب ولم يقطع وبقي كما هو، ولكن ذهبت منفعته كأنّ سد أو شق أو ما شاكل ذلك ففيه كذلك الدية، لأنّه عضو في الإنسان منه شيء واحد فوجبت فيه الدية كسائر الأعضاء.

العظام: العظام ليست أعضاء للجسم فلا تنطبق عليها الأحاديث الواردة في الأعضاء، وعلى ذلك فالترقوتان، والزندان، في كل منهما حكومة عدل، لأنهما ليسا عضوين، ومثل ذلك عظم الساقين، وعظم الفخذين، والذراع، والعضد، وعظم الظهر وغيره كل ذلك لا دية فيه، وإنما فيه حكومة عدل.**

**أعضاء الجسم دون الرأس

اليدان: والمراد باليد اليد التي تجب فيها الدية، وهي اليد من الكوع، أي الرسغ وهي اليد التي تقطع في السرقة، لأنّ هذا هو معناها اللغوي عند الإطلاق. فإذا أريد بها غير هذا المعنى وضعت قرينة تدل عليه، أو وصف يدل عليه، ولذلك قال الله تعالى في الوضوء: ( وأيدِيَكم إلى المرافق ) ولما أراد بها هذا المعنى أطلقها فقال: ( فاقطعوا أيديَهما ). فاليدان اللتان فيهما الدية هما اليدان إلى الكوعين أي إلى الرسغين. أما إذا كانتا مقطوعتين وأحدث فيهما إتلافاً فيما فوق الكوعين، أو أحدث كسراً في اليد من أعلى، أو عند الكوعين أو ما شاكل ذلك فإن في ذلك حكومة عدل أي تقدير قيمة اليد الصحيحة، وقيمة اليد بعد الكسر أو الإتلاف، ودفع الفرق بينهما، وإتلاف اليدين بأية حال من حالات الإتلاف فلو قطعها أو أشلها أو عطلها أو غير ذلك وجبت الدية.

الرجلان: وتجب في الرجلين الدية، لأنهما عضو في الإنسان، وللإنسان منهما شيئان، ولحديث معاذ بن جبل: " في الرجلين الدية " . وفي الرجل الواحدة نصف الدية. والمراد بالرجلين الرجلان إلى الكعبين، لأنّ هذا هو معنى الرجل إذا أطلقت ولا ينصرف إلى غيرها. فإذا أتلفت الرجلان ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي قدم الأعرج كيد الأعسم الدية لأنّ العرج لمعنى في غير القدم، والعسم هو الاعوجاج في الرسغ وهو لمعنى في غير اليد، وليس العرج عيباً في قدم، ولا العسم عيباً في كف. وإذا حصل الكسر في الساق أو الفخذ أو الركبة أو ما شاكل ذلك ففيها حكومة عدل. ولا تجب الدية إلاّ في الرجلين بمعناهما اللغوي أي إلى الكعبين.

الأصابع: وفي كل إصبع من اليدين والرجلين عشر من الإبل، وذلك لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل إصبع " وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه وهذه سواء " يعني الإبهام والخنصر، وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: " وفي كل إصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل " . فهذه الأدلة دليل صريح على دية الأصابع، لكل إصبع عشر من الإبل، وإذا كانت هناك إصبع زائدة عن الخمس في اليد أو الرجل وأتلفت ففيها حكومة عدل لأنها لا تدخل تحت منطوق الحديث. وإذا تلفت الأنامل فأنه ينظر فيها فإن كانت في غير الإبهام ففي كل أنملة ثلث دية الإصبع، لأنّ في الإصبع ثلاث أنامل، أما إذا أتلفت في الإبهام ففي كل أنملة نصف دية الإصبع لأنّ فيها أنملتين، والنص جعل للإصبع كلها عشراً من الإبل، فتكون دية قسم منها بمقداره من الإصبع.

الثَّديان: في الثديين الدية، لأنهما عضو يوجد منه في الإنسان شيئان، وفي أحدهما نصف الدية، عملاً بنصوص الحديث وما يؤخذ منها، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، لأنهما عضوان في الرجل كما أنهما عضوان في المرأة. غير أن في ثدي المرأة منفعة وهي اللبن، فإذا ذهبت منفعة الثدي من الإصابة فلم يعد يدر اللبن ففي المنفعة الدية، أي أن الدية في الثدي إذا ذهب لأنّ منفعته تذهب معه فالدية للثدي ودخلت فيها المنفعة، ولكن إذا بقي الثدي ولكن ذهبت منفعته كان في المنفعة الدية. وقطع الثديين وشلهما سواء، لأنّ شلهما يعني إماتتهما. أما إذا كسر ثديان ناهدان ففيهما حكومة عدل، لأنّه لم يحصل إتلاف لهما. وإذا أتلف حلمتهما فإن أذهب ذلك اللبن ففيها الدية، وإن لم يذهب اللبن ففيها بمقدارها من الثدي، وتقدر بثُمن الدية.

الصُّلْب: عظم من لدن الكاهل إلى العَجْبِ، وفيه قناة تمتد من الدماغ حتى العَجْب، وهو مركب من فقرات، ومنفعته تفريق الرطوبة في الأعضاء، وإذا حصل فيه تلف منع الجماع، ومنع استواء الجسم وغير ذلك، ولا يحتاج ذهاب منفعته إلى إتلاف جميع فقراته، بل إذا تلفت بعضها ذهبت منفعة الإنسان، والرجل والمرأة في ذلك سواء. وهو يعتبر من الأعضاء التي في جسم الإنسان منها شيء واحد، ففقراته جزء منه لا أعضاء، فالعضو هو الصلب، وليس كل فقرة من فقراته، فإذا أتلف الصلب كانت فيه الدية، وإذا أتلفت منفعته كانت فيها الدية، فإذا أتلفت فقرة أو أكثر من فقراته فإن ذهبت منفعة الصلب كله كانت فيها الدية، أما إذا ذهب قسم من منفعتها فتقدر بقدر ما ذهب منها، ويحسب بقدره من الدية، وإذا أتلفت فقرة ولم تذهب بإتلافها المنفعة ففيها جزء من الدية بعدد الفقرات التي في سلسلة الظهر، وإذا ذهبت بعض منافعه كمنع الجماع، وبقي بعضها فإنّه يقدر بقدر ما فيه من منافع، وهكذا يكون حكم الصلب كحكم أي عضو يوجد منه في الإنسان شيء واحد. على أنه جاء النص عليه في الحديث ففي كتاب النبي  لعمرو بن حزم: " وفي الصلب الدية " .**

**هذا كله في اللسان الناطق، أما اللسان الأخرس، فإنّه لا تجب فيه الدية كاملة، إذ هو ليس كالأنف والأذن لا يؤثر ذهابه على نفعه بل هو كاليد والرجل إذا شلت فإنها تؤثر على نفعها وكذلك لسان الأخرس يعتبر كاللسان المشلول فيؤثر على نفعه، ولهذا ينقص من الدية الكاملة بمقدار ما نقص اللسان الأخرس عن اللسان الناطق من النفع.

الأجفان: الأجفان أو الأشفار في الإنسان أربعة لكل عين جفنان، ففي هذه الأجفان الأربعة الدية، وذلك عملاً بالقاعدة التي استنبطت من مجموع أحاديث الرسول في أعضاء البدن بأن ما يوجد منها شيء واحد ففيه الدية، وما وجد منها اثنان ففيه نصف الدية، وما وجد منها أكثر ففيه من الدية بقدر ما له من أجزاء، ومن هنا كان في الأجفان الدية، وفي كل جفن منها ربع الدية، ومثل ذلك أهداب العينين وهو الشعر الذي على الأجفان، وهو غير الأجفان، فللإنسان أهداب أربعة ففيها الدية، وفي كل هدب ربع الدية، وهي دية أخرى غير دية الأجفان.

الحاجبان: الحاجبان يعتبران عضواً واحداً كالعينين، ففيهما الدية وفي كل واحد منهما نصف الدية، والحاجبان منفعتهما ليست ناتجة عنهما، فهما كالأذن، ولهذا فإن تلفا وذهبت منفعتهما كانت فيهما الدية، وإن ذهبت منفعتهما، ولم يتلفا كانت فيهما الدية، وإن تلفا وبقيت منفعتهما كانت فيهما الدية، فهما كالأذن سواء بسواء.

الأسنان: الأسنان كلها عضوا واحد، وكل سن منها جزء من هذا العضو، ولكن الدية في الأسنان لا تحسب بحسب ما يوجد للإنسان منها لأنّ النص قد عين الدية لكل سن ولذلك يتبع النص. ودية كل سن خمس من الإبل، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في السن خمس من الإبل " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في الأسنان خمس خمس " ولا فرق في ذلك بين السن والضرس لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأصابع سواء، والأسنان سواء الثنية والسن سواء هذه وهذه سواء " غير أنه يفرق بين أن تعود وبين أن لا تعود، فإنّه إذا سقطت السن ولم تعد أخذت ديتها خمس من الإبل، وإن نبت مكانها أخرى لم تجب ديتها، لكن إن عادت قصيرة أو مشوهة ففيها حكومة، لأنّ الظاهر أن ذلك سبب الجناية عليها، فإن أمكن تقدير نقصها عن نظيرتها ففيها من ديتها بقدر ما نقص، وكذلك إن كانت فيها ثلمة يمكن تقديرها ففيها بقدر ما ذهب منها. وإذا كسرت السن ففيها بقدر ما ذهب منها من الدية.

الشعور: شعر الرأس، وشعر اللحية والشارب، وشعر الحاجبين، في كل واحد منها الدية، فإذا أحدثت الإصابة قرعاً في الرأس ينظر فإذا لم ينبت ففيها الدية، وكذلك إذا أحدث في شعر اللحية والشارب ولم ينبت، الدية، ومثله الحاجبان. والحاجب الواحد فيه نصف الدية أي في شعره. وإذا ذهب قسم منه وبقي قسم، أو أنبت قسم وبقي قسم يقدر بالمساحة كالأذنين، ومارن الأنف فيدفع من الدية بمقدار ما نقص. ولا فرق في ذلك في هذه الشعور بين كونها كثيفة أو خفيفة أو جميلة أو قبيحة أو كونها من صغير أو كبير، لأنّ سائر ما في الدية من الأعضاء لا يفترق الحال فيه بذلك. وصاحب اللحية المحلوقة كمن أعفى لحيته سواء ما دام الشعر كان ينبت ويحلق وأصبح بعد الإصابة لا ينبت.

اللَّحْيان ( الفكان ): وفي اللحيين الدية وفي كل منهما نصف الدية، لأنّه يوجد عند الإنسان منهما شيئان ففيهما الدية، وفي كل منهما نصف الدية، ولا يقال إنه إذا أتلف قسم من أحدهما في اللحيين لا يتلفان إتلافاً، وإنما يكسران كسراً، أما إذا جرحا فإنهما يأتيان في قسم الجراح، أما في إتلاف العضو فالذي يحصل هو الكسر، فإذا كسرا ففيهما الدية وإذا كسر أحدهما ففيه نصف الدية.

العقل: وفي ذهاب العقل الدية لما ورد في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: " وفي العقل الدية " وهو وإن لم يكن متمثلاً في الدماغ وحده، بل هو مجموع الإحساس والدماغ والمعلومات السابقة ولكنه ينحصر في الدماغ لأنّه مركز الإحساس، فأي عطل يحصل للعقل إنما يحصل للدماغ، ولذلك يعتبر العقل منفعة الدماغ، فإذا أتلف الدماغ وذهب العقل وجبت الدية، وإذا ذهب العقل ولم يقلع الدماغ بل بقي في الرأس، ولكن العقل ذهب فقد وجبت الدية، فإن أصل البحث هو في العقل، لا في الدماغ، وإن كان عضوه هو الدماغ باعتباره مركز الإحساس، ومركز تذكر المعلومات السابقة، ومركز الربط. وإذا ذهب قسم من العقل كأنّ كان يجن جنوناً منقطعاً ففيه من الدية بنسبة ما نقص من عقله، وإذا فقد ذاكرته فقد تعذر عليه الحكم على الأشياء، أما إن حصل له ضعف في الحكم على الأشياء، مثل ما يسمى بالهبل فإنّه يجب فيه من الدية بنسبة ما نقص، لأنّ ما وجب فيه الدية وجب بعضها في بعضه.

الصعر: الصعر هو أن يصير وجهه في جانب، وأصل الصعر داء يأخذ البعير في عنقه فيلتوي، فمن جنى على إنسان جناية فعوج عنقه حتى صار وجهه في جانب، ففيه الدية، فإنّه وإن كان ليس عضواً معيناً في الجسم ولكنْ روي عن زيد بن ثابت أنه قال: " وفي الصعر الدية " ولم يعرف له في الصحابة مخالف فكان إجماعاً، لأنّه مما ينكر، إذ هو حكم بالدية في غير عضو وفي غير ما جاء فيه نص كالعقل، فسكوت الصحابة عليه يجعله من الإجماع السكوتي، ومثل الصعر الشلل نصف الوجهي، فإذا ضربه فأصابه الشلل فإن فيه الدية. أما إذا ضربه فجمد وجهه عن الحركة ففيه حكومة عدل، لأنّه لا يشبه الصعر فلا يدخل تحته، ولأنه لم يرد نص به.**

**الأعضاء التي في الرأس

العينان: إذا أصيبت العينان ففيهما الدية، وفي العين الواحدة نصف الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " وفي العينين الدية " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وفي العين الواحدة خمسون من الإبل " ولا فرق في ذلك بين أن تكون العينان صغيرتين أو كبيرتين، مليحتين أو قبيحتين، مريضتين، أو حولاوين، أو رمضتين، فإن كان فيهما بياض لا ينقص البصر فلا ينقص الدية، وإن نقص البصر نقص من الدية بقدرة وليس المراد من نقص البصر نقصه عن كماله مثل 6/6 أو 6/9 بل المراد نقصه عما كان عليه قبل أن تصاب. وفي ذهاب البصر الدية، لأنّ كل عضوين وجبت الدية بذهابهما وجبت بإذهاب نفعهما. وإن جنى على رأسه جناية ذهب بها بصره فعليه ديته، لأنّه ذهب بسبب جنايته، وإن لم بذهب بها فداواها فذهب بالمداواة فعليه ديته لأنّه ذهب بسبب فعله، وإن اختلفوا في ذهاب البصر رجع إلى اثنين فأكثر من أهل الخبرة، لأنّ لهما طريقاً إلى معرفة ذلك، لمشاهدتهما العين التي في محل البصر، ومعرفة بحالها. وإذا ثبت ذهاب بصره، وقال أهل الخبرة لا يرجى عوده وجبت الدية، وإن قالوا يرجى عوده إلى مدّة عينوها انتظر إليها، ولم يعط الدية حتى تنقضي المدة، فإن عاد البصر سقطت عن الجاني، وإن لم يعد استقرت الدية، وإن مات المجني عليه قبل العود استقرت الدية، سواء مات في المدة أو بعدها، وإن جاء أجنبي فقلع عينه في المدة استقرت الدية على الأول، لأنّه أذهب البصر فلم يعد، وعلى الثاني حكومة عدل، لأنّه أذهب عيناً لا ضوء لها يرجى عودها.

وإذا جُنِيَ على الشخص فنقص ضوء عينيه ففي ذلك حكومة عدل. وفي عين الأعور نصف الدية لقوله عليه السلام: " وفي العينين الدية " ولا يقال إن عمر وعثمان وعلياً قضوا في عين الأعور بالدية، وإن الصحابة سكتوا على ذلك فكان إجماعاً، لا يقال ذلك لأنّه قد ثبت بالسنة أن عليها نصف الدية، ولو فرضنا أنه قد ثبت إجماع الصحابة فإن الإجماع لا ينسخ السنة، فلا يعمل به وتبقى السنة هي الدليل.

الأذنان: وفي الأذنين الدية، وفي الأذن الواحدة نصف الدية، لما ورد في كتاب النبي  لعمرو بن حزم: " وفي الأذنين الدية " وهذا يعني أن في الأذن الواحدة نصف الدية، ومنه يفهم أنه إن قطع بعض إحداهما وجب بقدر ما قطع من ديتها، ففي نصفها نصف ديتها، وفي ربعها ربع ديتها وهكذا، سواء قطع من أعلى الأذن أو أسفلها أو اختلف في الجمال أم لم يختلف، وإن جنى على الأذن فأصابها الشلل فإن عليها نصف الدية، وإن أصاب الأذنين ففيهما الدية، لأنّ الشلل كالقطع، وما وجبت ديته لقطعه، وجبت بإصابته بالشلل، ولا يقال إن شللها لا يمنع بقاء السمع، فإن القطع كذلك لا يمنع بقاء السمع، فإن لم يقطعا ولكن ذهب سمعهما ففيهما الدية، لأنّ ذهاب منفعة العضو كذهاب العضو، ولما رُوي عن معاذ: " وفي السمع الدية " وإن ذهب السمع من إحدى الأذنين وجب نصف الدية، وإن قطع أذنه فذهب سمعه وجبت ديتان، لقول الرسول: " وفي الأذنين الدية " وقوله: " وفي السمع الدية " وهذا يعني أن للعضو دية ولمنفعته دية ثانية وهو صريح في ذلك.

الأنف: لا شك أن الأنف ثلاثة أعضاء هي المنخران والحاجز بينهما، لأنّ الحاجز جزء منه، إذ هو مكون من ثلاثة أشياء، فإذا أصيب الأنف كله بأن قطع مارنه ففيه الدية، لقول رسول الله : " وفي الأنف إذا أوعب جَدْعُه الدية " وفي رواية " في الأنف إذا أوعب مارنُه جدعاً الدية " فإذا جدعت أرنبته فقط فنصف الدية لقول رسول الله : " وإذا جدعت أرنبته فنصف العقل " وإن قطع أحد المنخرين ففيه ثلث الدية، وإن قطع الحاجز بينهما ففيه ثلث الدية، وإن ضرب فأشَلّه فإن أشَلّه كلّه ففيه الدية، لأنّه كالقطع يذهب منه الحياة، وإن أشَلَّ منخراً واحداً ففيه ثلث الدية، وإن أشلَّ الحاجز بينهما فقط ففيه ثلث الدية. وإذا أذهب حاسة الشم، أي أتلفها ففيها الدية، لقول النبي : " وفي المشام الدية " أي الشم، وإن قطع أنفه فذهب شمه فعليه ديتان، لأنّ الشم غير الأنف فلا تدخل دية أحدهما في الآخر كالسمع مع الأذن.

الشفتان: إذا قطعت الشفتان أو أتلفتا أو أصابهما بالشلل ففيهما الدية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وفي الشفتين الدية " فإن كان ذلك في إحداهما ففيها نصف الدية، فإذا ذهبت منفعتهما كالنفخ ومخارج الحروف ورد الريق وستر الأسنان ووقاية ما يؤذي الفم ينظر فإن ذهبت كل منافعهما ففيها الدية، وإن ذهبت منفعة واحدة فتقدر ويعطى مقدار ما تساويه من منافعها من الدية، فيعطى - حسب ما هو معروف عن منافعها - النفخ خمس الدية، وتعطى وقاية الفم من الأذى خمس الدية وهكذا.

اللسان: اللسان الناطق إذا أتلف ففيه الدية، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وفي اللسان الدية " سواء أكان كبيراً يتكلم أم صغيراً لم يتكلم بعد. وإن جنى عليه فذهبت منفعته ففيها الدية، ومنفعة اللسان الكلام والذوق، فإن أذهب الكلام وحده ففيه الدية كاملة، وإن ذهب الذوق، وحده ففيه الدية، لأنّ الذوق حاسة كالشم. غير أنه إن ذهبا معاً فإن في المنفعة كلها الدية، لأنّ منفعة اللسان كاللسان فيها الدية، ولما كانت منفعة اللسان هي الكلام كان فيها الدية، ولما كان الذوق حاسة كالشم كان فيها الدية. وإن قطع بعض لسانه فإنّه يطبق عليه ما طبق على الأذن من مقدار ما يقطع، فيحسب ويعطى من الدية النسبة التي قطعت من اللسان، وكذلك إن نقصت منفعته يعطى من الدية بمقدار ما نقص حسب قول أهل الخبرة.**

**غير أن القود في الجراح لا يجري إلاّ إذا توفرت شروطه، فمن شروطه أن يكون عمداً، فإن كان غير عمد، أي خطأ فلا قود، وفيه حكومة، إن لم يكن جائفة، أو فتقاً بالوطء، فإن كان كذلك ففيه الدية، ومن شروطه أن لا يكون مخوفاً، أي أن لا يخشى من القصاص موت المقتص منه، فإن كان مخوفاً، أي يخشى منه الهلاك فلا قصاص، وفيه حكومة، إن لم يكن جائفة ولا فتقاً بالوطء. ومن شروطه أن لا يكون مما لا يوصل إلى القصاص فيه إلاّ بأن يخطئ الضارب، أو يزيد أو ينقص، فإن كان كذلك فلا قصاص، وفيه حكومة إن لم يكن جائفة، ولا فتقاً بالوطء، وكذلك لا قصاص إذا عفا صاحب الحق، أو إذا أخذ الدية، أو الحكومة وترك طلب القصاص. والقصاص إنما يجري إذا طلب المجني عليه، فإن لم يطلب فلا قصاص، لأنّ هذا حق العبد، فإذا توفرت هذه الشروط يجري القصاص، وإذا اختل شرط منها فلا قصاص، وإنما تكون عقوبتها العقوبة المالية الواردة في الشرع، ولا يجري القصاص إلاّ بعد أن يندمل الجرح، لحديث جابر المار، ولأنه جاء في حديث عمرو بن شعيب بعد إذن الرسول قول: " ثمّ نهى رسول الله " فإن هذا القول يدل على تحريم الاقتصاص قبل الاندمال، لأنّ لفظ " ثمّ " يقتضي الترتيب فيكون النهي الواقع بعدها ناسخاً للإذن الواقع قبلها. فلا يجري القود في الجراح إلاّ بعد أن يبرأ الجرح.

هذا في الجراح وهي التي في البدن، وأما الشجاج وهي التي في الرأس فلا قود فيها، أي لا يجري فيها القصاص، وذلك لأنّها لا تدخل تحت أحاديث الجراح، لأنّها ليست جراحاً، ولا يطلق عليها اسم الجراح، ومعروف عند العلماء أن الشجاج في الرأس، والجراح في البدن، فلا تكون أحاديث الجراح دليلاً عليها، لأنّها لا تدل عليها لا لغة ولا شرعاً، ثمّ إنه لم يرد نص يدل على القصاص في الشجاج، لا في الكتاب ولا في السنة، وإنما ورد النص في دية الجراح، ولذلك كانت عقوبة الشجاج هي الدية الواردة في السنة.

ومن ذلك كله يتبين أن عقوبة ما دون النفس فيها تفصيل، فأعضاء جسم الإنسان جميعها، وعظام جسم الإنسان جميعها ما عدا الأسنان، والشجاج أي الجراح التي في الرأس، عقوبتها جميعها عقوبة مالية بحتة، وهي الدية الواردة في السنة، ولا عقوبة بدنية فيها، فلا قود فيها أي لا قصاص، وأما الأسنان والجراح التي في البدن فلها عقوبة بدنية وعقوبة مالية، فالأسنان إن كان الاعتداء عليها عمداً فعقوبتها القصاص، وإن كان غير عمد أي خطأ، أو ترك المجني عليه القصاص وطلب الدية، ففي الحالتين فيها الدية ليس غير، أي تكون حينئذ عقوبتها عقوبة مالية. والجراح إن استوفت شروطها جميعها، ولم يترك المجني عليه القصاص فإن عقوبتها حينئذ عقوبة بدنية، وهي القود أي القصاص، وإن اختل شرط من شروطها، أو ترك المجني عليه القصاص فحينئذ تكون عقوبتها عقوبة مالية. أما مقدار هذه العقوبة فينظر فيه فإن جاء نص بين مقدار ديتها كانت عقوبة الجرح هي الدية التي جاء بها النص، وذلك منحصر في جرحين: أحدهما الجائفة وهي الجرح الذي يصل إلى الجوف، والثاني فتق الصغيرة بالوطء، فالأول ورد فيه حديث، والثاني دليله الإجماع السكوتي، وما عدا هذين الجرحين من جراح البدن فإنّه لم يأت فيها نص يبين ديتها، فتكون عقوبتها حكومة عدل.

دية أعضاء جسم الإنسان وعظامه

دية كل عضو من أعضاء جسم الإنسان، وكل عظم من عظامه هي ما ورد في السنة، وقد وردت الدية في السنة صريحة. عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً وكان في كتابه أن من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنّه قود، إلاّ أن يُرضِيَ أولياءَ المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وأن في الأنف إذا أوعب جَدْعُه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنَقِّلة خمسة عشر من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يُقْتَلُ بالمرأة، وعلى أهل الذهب الف دينار " رواه النسائي. وعلى ذلك فإن عقوبة الأعضاء هي الدية أي الأرْش ليس غير.

وتفصيل هذه العقوبات هو: أن مَنْ أتلف ما في الإنسان منه شيءٌ واحدٌ ففيه الدية، وما فيه منه شيئان ففي كل واحد منهما نصف الدية. فإن الرسول صلى الله عليه وسلمكتب في كتابه لأهل اليمن وفيه: " وأن في الأنف إذا أوعب جَدْعُهُ الدية، وفي اللسان الدية " وفيه: " وفي الذكر الدية " ، " وفي الصلب الدية " فهذه الأعضاء يوجد في الإنسان شيء واحد منها، وكتب الرسول في كتابه: " وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية " وكتب فيه: " وفي العينين الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية " وهذه الأعضاء يوجد في الإنسان منها شيئان فكان الواحد منها نصف الدية. والصلب جاء في القاموس في تفسيره ( والصلب بالضم وبالتحريك: عظم من لدن الكاهل إلى العَجْبِ )، ويريد بذلك أنه المتن أي الظهر، وقيل أن المراد بالصلب هنا هو ما في الجدول المنحدر من الدماغ لتفريق الرطوبة في الأعضاء لا نفس المتن، بدليل ما رواه ابن المنذر عن علي رضي الله عنه أنه قال: " في الصلب الدية إذا منع الجماع " ولكن نصوص الشرع تفسر بالمعنى اللغوي، لا بأقوال الصحابة إلاّ أن يرد لها معنى شرعي في الكتاب والسنة، وهنا لم يرد فيكون معنى الصلب هو ما جاء في اللغة. وأما ما في الإنسان منه أربعة أشياء ففيها كلها الدية، وفي كل واحد منها ربع الدية، وهذه الأشياء هي، أجفان العينين وأهدابهما. وما فيه منه عشرة ففيها الدية وفي كل واحد منها عشرها، وهي أصابع اليدين وأصابع الرجلين، وما فيه منها ثلاثة أشياء ففيها الدية في الواحد ثلثها وهو المنخران والحاجز بينهما. وهكذا جميع أعضاء الجسم، لأنّ الأحاديث تدل على ذلك، ومن تتبع جميع ما جاء في دية الأعضاء. أما تفاصيل ذلك فهي ما يلي:**

**هذا بالنسبة لأعضاء الجسم، أما بالنسبة لعظام الجسم فهناك دليل من السنة على أن عظم السن يجري فيه القصاص. فقد أخرج البخاري عن أنس: " أن الرُّبَيِّع عمَّتَه كسرت ثنية جارية فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الارش فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا إلاّ القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر يا رسول الله أتكسر ثنية الرُّبَيِّع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمكتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " فهذا الحديث فيه دلالة على أن عظم السن إذا كسر ففيه القصاص، أي يكسر سن من كسره. إلاّ أن هذا الحديث فيه أمور يقتضي أن تلاحظ حين الاستدلال به. فمنها أن قول الرسول: " كتاب الله القصاص " ليس إشارة إلى آية ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) وإنما هو إشارة إلى قوله تعالى: ( كتب عليكم القصاص )، وذلك لأنّ آية: ( وكتبنا عليهم ) إنما تكون الإشارة إليها بقاعدة " السن بالسن " ، لأنّها مشهورة بها، بل أشهر ما فيها هو قاعدة " السن بالسن " فلو كانت الإشارة إليها لقال: كتاب الله السن بالسن، لا سيما وأن الحادثة حادثة سن، فكونه قال: " كتاب الله القصاص " يدل على أن المراد آية القصاص، وهي قوله تعالى: ( كتب عليكم القصاص ) وليس آية: ( وكتبنا عليهم ) وأيضاً فإن آية: ( وكتبنا عليهم ) لم تعبر عن عقوبة الأعضاء بالقصاص وإنما عددت الأعضاء التي يجري فيها حكم قاعدة السن بالسن، وأما القصاص فقد عبرت به عن عقوبة الجراح، فبعد أن عددت الأعضاء انتقلت إلى الجراح فقالت: ( والجروح قصاص ) والحادثة حادثة عظم، وليست حادثة جراح، لذلك لا تكون إشارة إلى آية: ( السن بالسن ) بل إلى آية القصاص وهي قوله تعالى: ( كتب عليكم القصاص ). ومنها أن الحديث نص على السن وحدها، فهو دليل على وجوب القصاص في السن ليس غير، فلا يصح أن يستدل به على القصاص في عظم آخر، لأنّ النص خاص بالسن، ولا يوجد هنا قياس ولا شبهة القياس، فلا يكون الحديث دليلاً على القصاص في أي عظم من عظام الجسم، ومن باب أولى أن لا يكون دليلاً على أي عضو من أعضاء الجسم، لأنّه في العظم، وليس في عضو من أعضاء الجسم، وفي عظم السن خاصّة.

فهذه الأمور إذا لوحظت عند الاستدلال بالحديث يتبين أن الحديث دليل على أن السن إذا كسرت يجري فيها القصاص، ولا يجري القصاص في غيرها من العظام مطلقاً، لعدم وجود دليل على ذلك، ولأنّ حديث أنس لا يدل إلاّ على كسر السن. ومن هذا يتبين أنه لا قصاص في أي عضو من أعضاء جسم الإنسان، ولا قصاص في أي عظم من عظام جسم الإنسان سوى السن إذا كسرت. وإنما عقوبة كل عضو ما ورد بشأنها في الحديث من الأرْش.

ثمّ إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: السن بالسن، وإنما قال: القصاص، وهذا يعني أن تجري في السن المماثلة عند العقوبة، فإن كسرت السن تكسر سن من كسرها، وإن قلعت السن تقلع سن من قلعها، وإن قلقلت من مكانها مجرد قلقلة فعل بسن الكاسر كذلك لأنّ هذا هو القصاص.

غير أنه لا بد أن يعلم أنه كما ورد القصاص في السن وردت الدية في السن، فقد جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن: " وفي السن خمس من الإبل " فمتى يجب القصاص ومتى تجب الدية ؟ يقول بعض الفقهاء إن القصاص في السن إنما هو في العمد، فمن أصاب سن أحد عمداً ففيه القصاص، على حديث أنس، وأما في غير العمد ففيه الدية، وعلى ذلك فإنّه إن ضربه قاصداً كسر سنه بشيء يكسر غالباً، أو بفعل الغالب منه أن يكسر السن، أو بشيء لا يكسر السن، ولكن اقترن بشيء يجعله يكسر السن، أو فعل فعلاً الغالب منه أن يكسر السن، فإنّه في هذه الحالات فقط يكون عمداً، ويجري فيه القصاص، فإن ضربه غير قاصد كسر سنه، أو بشيء لا يكسر السن، وكسر سنه فإنّه لا قصاص، وإنما تجب الدية، وهي خمس من الإبل.

هذا هو حكم القصاص في أعضاء جسم الإنسان، وفي عظام جسم الإنسان، فلا قصاص في أي عضو من أعضاء جسم الإنسان مطلقاً، ولا قصاص في أي عظم من عظام جسم الإنسان سوى السن، ففيه وحده القصاص. وأما الجراح وهي التي في البدن فإن القصاص فيها ثابت بالسنة. ففي صحيح مسلم عن أنس " أن أخت الرُّبَيِّع - أم حارثة - جرحت إنساناً فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القصاص القصاص " فقالت أم الرُّبَيِّع: يا رسول الله أيقتص من فلانه ؟ ! والله لا يقتص منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله يا أم الرُّبَيِّع القصاص كتاب الله " قالت: لا، والله لا يقتص منها أبداً، فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " فهذا الحديث يدل على أن الجراح فيها القصاص، وإشارة الرسول هنا في قوله: " القصاص كتاب الله " إشارة إلى قوله تعالى: ( كتب عليكم القصاص ) وليس إشارة إلى قوله تعالى: ( وكتبنا عليهم فيها ). وعن جابر " أن رجلاً جُرِحَ فأراد أن يستقيد، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقدني، فقال: حتى تبرأ، ثمّ جاء إليه فقال: أقدني إليه، فأقاده، ثمّ جاء إليه فقال يا رسول الله عرجت، قال: قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله، ويُطَلّ عرجك، ثمّ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه " فهذان الحديثان وإن جاءا للدلالة على أن القود في الجراح إنما يكون بعد أن يبرأ الجرح، ولكنهما كذلك يدلان على أن الجراح فيها القود، أي فيها القصاص بدلالة الإشارة، فيصلحان دليلاً على أن الجراح فيها القصاص أي فيها القود. وعليه فإن القود يجري في الجراح أي التي في البدن.**

الجناية فيما دون النفس

الجناية فيما دون النفس هي الجناية على عضو من أعضاء جسم الإنسان، أو على عظم من عظامه، أو على رأسه بالشج، أو على أي جزء من جسمه بالجرح، وذلك بغض النظر عن كونه رجلاً أو امرأة حراً أو عبداً مسلماً أو ذمياً أو مستأمناً. ويرى بعض الفقهاء أن قصاص ما دون النفس من الأعضاء هو ما ورد في آية: ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ) فيجعل قصاص ما دون النفس من الأعضاء قاعدة " السن بالسن " فمَنْ قَلَعَ عين أحد قُلِعَت عَينُه وهكذا، مع أن هذه الآية نزلت في حق بني إسرائيل، وهي حكاية عنهم، وليست خطاباً لنا، وشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، ولذلك أخطأ الذين استشهدوا بها واتخذوها دليلاً، لاننا لم نخاطب بها.
والحقيقة أن الجناية فيما دون النفس لا يستدل عليها بهذه الآية، وإنما يستدل عليها بما ورد في ذلك من الأحاديث. لأنّ هذه الآية حكاية عن بني إسرائيل، وهي شريعة اليهود، ونحن غير مخاطبين بها، فلا تصلح دليلاً، بل لا يصح أن تكون دليلاً ما دمنا لسنا مخاطبين بها، وفوق هذا فإنّه لم يرد في القرآن دليل ينص على الجناية فيما دون النفس. وأما قوله تعالى: ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) فانها نزلت في معاملة المسلمين للكفار، لا في عقوبات ما دون النفس، فإن نص الآية هو: (الشهر الحرام بالشهر بالحرام والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ) ذلك أنه لم يكن هنالك قتال في الشهر الحرام، فبين الله في هذه الآية أنه إذا قاتلكم المشركون في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، ومن اعتدى عليكم فقاتلوه بمثل ما اعتدى عليكم، والمراد به أن يقابل الكفّار بمثل ما حصل منهم، فالله تعالى يقول إن القاعدة مع المشركين هي أن الشهر الحرام بالشهر الحرام، ثمّ قال الحرمات قصاص، أي تجري المماثلة في الحرمات، ثمّ فَرَّع على هذه القاعدة بأن أي عدوان عليكم قابلوه بالعدوان بمثله. فالموضوع موضوع القتال بين المسلمين والكفار، وليس الموضوع موضوع عقوبة فيما دون النفس. والدليل على ذلك الآيات التي قبلها، والمتصلة بها فإنها نص في القتال، فالله يقول: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلاّ على الظالمين، الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) فهذا صريح بأن الموضوع هو موضوع الحرب بين المسلمين والكفار، فتكون الآية خاصّة بهذا الموضوع. وعليه لا تصلح دليلاً على عقوبة ما دون النفس. وأما قوله تعالى: ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) فإنّه مثل قوله تعالى: ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) المراد منه دفع الأذى عن النفس، ومقابلة الاعتداء بمثله، فليس هو بيان عقوبة ما دون النفس، بل هو متعلق بدفع الاذى، بانه لا يصح أن يكون إلاّ بمثل ما أوذي به، ولا يصح أن يزيد على ذلك، بدليل قوله بعدها: ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ). وعليه لا تصلح هذه الآية دليلاً على عقوبة ما دون النفس من قبل الدولة. ومن ذلك يتبين أنه لا يوجد في القرآن ما يدل على عقوبة ما دون النفس، ولذلك كان الدليل هو السنة ليس غير.
أما ما ورد في السنة في عقوبات ما دون النفس فإن المدقق فيه لا يرى أن هناك قصاصاً في عضو من أعضاء الجسم مطلقاً، ولا في عظم من عظامه سوى السن. وأما ما ورد عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه " وما أخرج أبو داود بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من خصى عبده خصيناه " فإنّه خاص في عقوبة السيد لعبده، وليس عاما، فإنّه في موضوع معاملة السيد لعبده، وليس في موضوع بيان العقوبات، فيختص بعقوبة السيد إذا فعل بعبده ذلك، ولا يعم كل إنسان، فلا يكون عاماً لعقوبة جميع النّاس، حتى لو جدع أنف عبدٍ، غير عبده، لا يُجدَع به، ولو خصى عبداً غير عبده، لا يخصى به، لأنّ الحديث لا يدل على ذلك، إذ يقول " عبده " فقال: " جدع عبده " وقال: " خصى عبده " ولم يقل عبداً، ولا قال أحداً، فالإسناد هو للفظ " عبده " فيختص به، ولا يتجاوزه إلى غيره ولا بوجه من الوجوه، فلا يدل على القصاص في أعضاء الجسم، ولا بدلالة من الدلالات.
وقد يقال إنا قد استشهدنا بحديث من قتل عبده قتلناه، وجعلناه دليلاً على أن الحر يقتل بالعبد، مع أنه كذلك خاص في موضوع معاملة السيد لعبده، والجواب على ذلك هو أن حديث: " من قتل عبده قتلناه " لا يدل على أن الحر يقتل بالعبد دلالة منطوق، بل يدل على ذلك بدلالة المفهوم، فإن قوله صلى الله عليه وسلم : " من قتل عبده " يدل بمنطوقه على أن السيد إذا قتل عبده يقتل به، ولا يدل على غير ذلك، فلا يدل على أن السيد يُقتَل بالعبد، بل يدل على أنه يُقتَل بعبده فقط. ولكن فحوى الخطاب يدل على أن غير السيد يقتل بعبده بالأولى، أي أنه إذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه يتصرف به فإن قتله لغير عبده من العبيد من باب أولى أن يقتل به، فهو يدل على ذلك دلالة مفهوم، لا دلالة منطوق، وهذه الدلالة غير موجودة في حديث: " من جدع عبده جدعناه " ولا في حديث: " من خصى عبده خصيناه " فإنّه لا يدل بفحوى الخطاب على أنه لو جدع عبداً، غير عبده، يُجدَع به، ولو خصى عبداً، غير عبده، يخصى به، لأنّ للسيد أن يؤدب عبده، فنهي عن التأديب الذي يصل إلى حد إتلاف عضو من أعضائه، فكونه ينهى عن أن يجدعه، أو ينهى عن أن يخصيه لا يفهم منه أنه من باب أولى أن يفعل به ذلك لو فعله في عبدٍ غير عبده، ذلك أن مفهوم الموافقة قد يكون من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، وقد يكون من قبيل التنبيه بالأعلى على الأدنى، وقد يكون من قبيل المساوي، وليس في " من جدع عبده " ولا في " من خصى عبده " شيء من هذا، فليس فيه أي تنبيه بشيء على شيء، ولكن " مَنْ قتل عبده " فيه تنبيه بالأعلى على الأدنى، فاذا كان عبده يقتل به فيقتل بعبدٍ غير عبده من باب أولى، ولذلك صح أن يكون قوله: " مَنْ قتل عبده قتلناه " دليلاً على قتل الحر بالعبد من باب فحوى الخطاب، ولم يصح قوله " من جدع عبده " ، " من خصى عبده " أن يكون دليلاً على أن من جدع غيره يجدع به، ومن خصى غيره يخصى به، وإذا لم يصح دليلاً على القصاص فيما جاء نصاً به وهو الجدع والخصاء، فلا يصح أن يكون دليلاً على القصاص في غيرهما، وعليه لا يصح أن يكون هذان الحديثان دليلاً على القصاص في الأعضاء. ثمّ إن من تتبع الأحاديث يجد أنه لم يصح ولا حديث واحد في القصاص في أي عضو من أعضاء الجسم. وعليه فإنّه لا قصاص في أعضاء الجسم مطلقاً، فلا تقلع عين من قلع عين غيره، ولا تقطع أذن من قطع أذن غيره، ولا تقطع شفة من قطع شفة غيره، لأنّ آية: ( وكتبنا عليهم ) هي في حق اليهود، وليست في حقنا، ولسنا مخاطبين بها، وشَرْعُ مَنْ قبلنا ليس شرعاً لنا، ولأنه لم يأت في ذلك نص، لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله. وبما أنه قد وردت أحاديث صحيحة في دية كل عضو من أعضاء الجسم فتكون عقوبة أي عضو من أعضاءالجسم هي الدية الواردة في نص الحديث بشأن ذلك العضو.

**خيانة الأمانة بالمال

1 - كل من سلمت إليه أموال على سبيل الأمانة، أو كانت يده على المال يد أمين، وفرط في هذه الأمانة المالية يعاقب بالجلد وبالحبس حتى خمس سنوات.

2 - كل من خان المال الذي تحت يده، كأنّ كان وصياً على يتيم، أو متولي وقف، أو وكيلاً أو أجيراً أو ما شاكل ذلك يعاقب بالجلد وبالحبس حتى خمس سنوات.

3 - كل من أقدم قصداً على كتم أو اختلاس أو تبديد أو إتلاف أو تمزيق سند يتضمن تعهداً، أو إبراءً أو أية أوراق مالية أو مستندات يعاقب بالحبس حتى سنتين.

الغش في المعاملات

1 - كل من استعمل أو اقتنى مكاييل، أو موازين أو مقاييس غير مقررة من قبل الدولة، أو غير متعارف عليها، أو كال أو وزن أو قاس غاشاً في كيله، أو وزنه أو مقياسه يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر.

2 - كل من غش آخر، سواء في كمية الشيء المسلم، أو ماهيته يعاقب بالحبس حتى سنة، وبالغرامة التي يراها القاضي.

3 - كل من غش العاقد عن معرفة في طبيعة البضاعة، أو صفاتها الجوهرية، أو تركيبها أو الكمية التي تحتويها من العناصر المفيدة يعاقب بالحبس من شهر إلى سنتين.

4 - كل من عطل مزاداً متعلقاً ببيع أو شراء، أو تأجير أموال منقولة أو غير منقولة، أو متعلقاً بتعهد بمقاولة أو توريد أو استغلال شيء، أو نحو ذلك يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر.

5 - كل من توصل بالغش لرفع، أو تخفيض أسعار البضائع يعاقب بالسجن من شهر إلى سنتين.

الإفلاس

1 - المفلسون احتيالاً يعاقبون بالسجن حتى خمس سنوات.

2 - المتهمون بالإفلاس العادي إفلاساً حقيقياً، لا احتيالاً إذا ثبت أن ذلك كان عن تقصير، أو عن إنفاق المال في الحرام يعاقبون بالسجن حتى سنتين.

3 - كل مدين يقوم بقصد إضاعة حقوق الدائنين، بأي عمل من شأنه أن يضيع حقوقهم، كتوقيع سندات وهمية، أو بكتم بعض أمواله أو تهريبها، أو ما شاكل ذلك يعاقب بالجلد وبالحبس حتى سنتين.

الغصب

1 - كل من غصب مالاً منقولاً سواءً استعمله، أم لم يستعمله يعاقب بالسجن حتى ستة أشهر، وان أتلفه يغرم ثمنه وتضاعف عقوبته، وإن غير شكله ينظر، فإن أنقص من قيمته يحبس سنة، وإن لم ينقص من قيمته فتظل عقوبته حتى ستة أشهر.

2 - كل من اغتصب مالاً غير منقول، أرضاً أو عقاراً أو بساتين يجبر على ردها، ويعاقب بالسجن حتى ستة أشهر، وإن أحدث فيها ما يجلب الضرر لها، أو للمالك تضاعف عقوبته.

3 - كل من حاز لنفسه دون غيره مالاً من الأملاك العامة يعتبر غاصباً، ويعاقب بالسجن حتى ستة أشهر.

متفرقات

1 - كل من قام بتهديد الغير للحصول على المال يعاقب بالحبس حتى خمس سنوات.

2 - كل من قام بالتجارة مع العدو مباشرة، أو بالواسطة وهو يعلم يعاقب بالحبس حتى عشر سنوات.

3 - كل من باشر صناعة محرمة، كالنحت للتماثيل لكل ذي روح، وكالرسم لكل ذي روح يعاقب بالسجن حتى ستة أشهر.

4 - كل من قدم بيانات مالية كاذبة، أو كتم مالاً طلب منه بيانه، سواء كان بنكاً أو شركة أو تاجراً أو غير ذلك يعاقب بالسجن حتى خمس عشرة سنة، ويغرم حتى ضعف ما كذب به، وضعف ما كتمه.**

التعدي على الأموال

الأموال المنقولة

1 - كل من سرق سرقة لا تنطبق عليها شروط القطع، كأنّ لم يخرجها من الحرز، أو أخذها من غير حرز، أو كان فيها شبهة، كسرقة بيت المال، وما شاكل ذلك، يعاقب بالجلد والسجن من شهر حتى خمس عشرة سنة.

2 - من دخل البيوت لأجل السرقة، سواء سرق أو لم يسرق، وسواء دخلها ليلاً أو نهاراً، وسواء استعمل الكسر والخلع أو لم يستعمله، يعاقب من ثلاثة أشهر حتى سنتين.

3 - يعاقب الذين يرتكبون السلب أو النهب أو الاختلاس من ستة أشهر حتى خمسة سنوات، وإذا استعمل العنف تضاعف عقوبته.

4 - من اشترى مالاً مسروقاً أو منهوباً أو مسلوباً أو مختلساً وهو يعلم ذلك يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر حتى سنتين، ويرد المال لصاحبه ويضمنه إن تلف ويحكم له بمنفعته أثناء وجوده عنده إن كانت له منفعة. وكذلك من آوى سارقاً أو ناهباً أو مختلساً وهو يعلم يعاقب نفس العقوبة.

5 - كل من أخفى مالاً مسروقاً أو منهوباً أو مسلوباً أو مختلساً وهو يعلم بقصد حفظه لصاحبه، أو بقصد ستره أو غير ذلك يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى خمس سنوات.

6 - كل من أتلف مال الغير قصداً، أو ألحق ضرراً به عن عمد يجلد ويعاقب بالسجن حتى ثلاث سنوات.

7 - كل من اغتصب شيئاً لغيره يعاقب بالسجن حتى سنتين، وإذا استعمل العنف أو التهديد تضاعف عقوبته.

8 - كل من استعمل بغير حق شيئاً يخص غيره، بصورة تلحق به ضرراً، دون أن يكون قاصداً اختلاس ذلك الشيء يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر، وبغرامة يقدرها القاضي.

9 - كل من احتكر مالاً، سواء أكان طعاماً أم غيره يعاقب بالجلد وبالحبس حتى ثلاث سنوات، ويجبر على إخراج المال للبيع.

10 - كل من ملك مالاً بعقد من العقود الباطلة وهو يعلم، يعاقب بالجلد والسجن حتى ثلاثة أشهر ويبطل العقد.

11 - كل مخالفة من مخالفات العقود الشرعية، كمخالفات الرهن والبيع والإجارة والشركة وغير ذلك من العقود والتصرفات يعاقب مرتكبها بالسجن حتى ستة أشهر.

12 - كل من قام بمعاملة ربا، أو كان طرفاً فيها، أو شاهداً عليها أو كاتباً لها يعاقب بالجلد والحبس حتى سنتين.

في الاحتيال وضروب الغش

1 - كل من حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول، أو إسنادا تتضمن تعهداً، أو إبراء فاستولى عليها احتيالاً يعاقب بالجلد وبالسجن حتى خمس سنوات، وبالغرامة التي يراها القاضي.

2 - كل من استغل حاجة شخص لم يبلغ سن التكليف، أو مجذوب أو معتوه أو مخبول، فأخذ منه بصورة مضرة به سنداً يتضمن اقتراضه دراهم، أو استعارة أشياء، أو تنازلاً عن أوراق تجارية أو غيرها، أو تعهداً أو إبراء يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات.

3 - كل من أعطى بسوء نية شيكاً لا يقابله شيء، أو كان الرصيد أقل من قيمة الشيك، أو سحب بعد إعطاء الشيك كل الرصيد أو بعضه، بحيث يصبح الباقي لا يفي بقيمة الشيك يعاقب بالجلد وبالحبس حتى سنتين، وبالغرامة التي يراها القاضي.

4 - كل من زور توقيعاً على الأوراق المالية، أو زور أوراقاً مالية، من سندات وشيكات وغير ذلك يعاقب بالجلد وبالحبس حتى سنتين.

5 - كل من زور عملة الدولة، أو أي عملة أجنبية، أو روج عملة مزورة وهو يعلم، يعاقب بالسجن حتى خمس وعشرين سنة، وبالغرامة التي يراها القاضي.

6 - كل من حمل الغير على تسليمه بضاعة مع حق الخيار أو لأجل، وهو ينوي عدم دفع ثمنها يعاقب بالحبس حتى سنة.

7 - من وهب أو أفرغ أو رهن أو تسبب في ذلك بقصد الاحتيال على دائنيه، أو باع أو نقل أي قسم من أمواله بعد صدور حكم أو قرار يقضي عليه بدفع مبلغ من المال يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين.

8 - كل من أخفى عن الشاري، أو المرتهن مستنداً جوهرياً يتعلق بملكية المبيع، أو المرهون أو حق الرهن أو رهن آخر يتعلق به، أو زور شهادة تتوقف، أو يحتمل أن تتوقف عليها الملكية يعاقب بالحبس حتى سنة.

الأفعال المخلة بالآداب

1 - كل من قام بمغازلة أو مشاكسة أنثى يعاقب بالسجن شهراً، وإذا قامت الأنثى بذلك مع الذكر عوقبت نفس العقوبة مع الجلد عشر جلدات.

2 - كل رجل تنكر بزي امرأة، فدخل مكاناً خاصاً بالنساء، أو محظوراً دخوله وقت الفعل لغير النساء عوقب حتى ستة أشهر.

3 - كل من طبع، أو باع أو أحرز بقصد البيع أو التوزيع، أو عرض أية مادة مزينة مطبوعة أو مخطوطة، أو أية صورة، أو رسم نموذجي أو أي شيء آخر يؤدي إلى فساد الأخلاق يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر.

4 - من استحم على مرأى من المارة بوضع مغاير للحشمة، ومن ظهر في محل عام، أو مباح للعامة بمثل ذلك الوضع يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر، ومن استحمت من النساء في مكان يسهل رؤية الرجال لها تعاقب نفس العقوبة.

5 - كل من فعل فعلاً منافياً للحياء في مكان عام، أو في مجتمع عام، أو بصورة يمكن معها لمن كان في مكان عام أن يراه يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر.

6 - كل من كشفت شيئاً من عورتها غير وجهها وكفيها تعاقب بالجلد، فإن لم ترتدع عوقبت بالحبس حتى ستة أشهر.

7 - كل ذكر ظهر بلباس أو هيئة أو حركات غير طبيعية، أو مخلة بالآداب، أو مخنثة يجلد فإن لم يرتدع يعاقب بالحبس حتى السنة.

8 - كل من اطلع في بيت إنسان من ثقب، أو شق باب، أو نحوه فإنّه يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر وبالجلد، فإن تطلع من أعلى المنزل أو من أسفله يعاقب بالجلد.

الأفعال المتعلقة بالزواج

1 - كل من تزوج زواجاً يخالف الشرع، كأنّ تزوج بمجوسية وكزواج مسلمة بكافر، أو تزوج خامسة، أو تزوج مطلقته طلاقاً بائناً، وما شاكل ذلك وهو يعلم عوقب بالحبس حتى عشر سنوات، ويعاقب مثله من يجري عقد الزوج، ويكون طرفاً أو شاهداً وهو يعلم ذلك.

2 - كل من أجرى عقد زواج مكذوب، كأنّ زوج آخر بنتاً له كذباً واحتيالاً، يعاقب بالحبس حتى خمس سنوات.

3 - كل من طلق زوجته طلاقاً بائناً وظل يعاشرها معاشرة الأزواج يعاقب بالسجن حتى خمس سنوات.

4 - كل من تزوج بمحرم عليه حرمة مؤقتة كأخت زوجته وعمتها وخالتها وهو يعلم يعاقب بالجلد وبالسجن حتى ثلاث سنوات.

الاعتداء على الكرامة

الذم والقدح والتحقير

الفرق بين الذم والقدح والتحقير، أن الذم هو نسبة أمر معين إلى شخص، ولو في معرض الشك والاستفهام، من شأنه أن ينال من شرفه، أو كرامته، أو يعرضه إلى بغض النّاس واحتقارهم، سواء أكان الفعل المذكور جريمة أم لا، كأنّ قال له أنت كذاب فنسب له الكذب، أو سراق أو ما شاكل ذلك. أما القدح فهو كل شيء ينال من شرف الشخص وكرامته من غير نسبة أمر معين له، كأنّ قال له يا ساقط يا منحط يا دون أو ما شاكل ذلك. وأما التحقير فهو كل لفظ سباب، أو ازدراء، وكل تعبير أو إشارة أو حركة أو رسم من شأنه التحقير. وتتلخص الخطوط العريضة في هذه الثلاث بما يلي:

1 - كل من ذم آخر بنسبة أمر معين إليه يعاقب بالجلد وبالحبس من شهر إلى سنتين. إلاّ أن المدعى عليه إذا أثبت الأمر الذي نسبه للشخص ببينة شرعية لا يعاقب على الذم قياساً على القذف.

2 - يعاقب على القدح بأحد النّاس بالجلد وبالسجن من شهر إلى سنتين، ولا يسمح لمرتكب القدح تبريراً لنفسه بإثبات حقيقة ما قدحه به.

3 - كل من حقر شخصاً بأية وسيلة من وسائل التحقير يعاقب بالجلد والحبس حتى ستة أشهر.

4 - الذم والقدح إنّما يستوجب العقاب إذا وقع على صورة من الصور التالية:

أ - الذم والقدح الوجاهي ويشترط أن يقع:

1 - في مجلس بمواجهة المعتدى عليه.

2 - في مكان يمكن لأشخاص آخرين أن يسمعوه، قل عددهم أو كثر.

ب - الذم والقدح الغيابي، وشرطه أن يقع بصورة الاجتماع بأشخاص مجتمعين أو منفردين، ولو كان المعتدى عليه غائباً عن مجلس المعتدي ومن اجتمع بهم.

جـ - الذم أو القدح الخطي، وشرطه أن يقع:

1 - بما ينشر ويذاع بين النّاس، أو بما يوزع على فئة منهم من الكتابات أو الرسوم أو الصور الاستهزائية أو مسودات الرسوم، " أي الرسوم قبل أن تزين وتصنع " .

2 - بما يرسل إلى المعتدى عليه من المكاتيب المفتوحة ( غير المغلقة ) وبطاقات البريد.

د - الذم والقدح بواسطة المطبوعات، وشرطه أن يقع:

1 - بواسطة الجرائد والصحف اليومية أو الموقوتة.

2 - بأي نوع كان من المطبوعات، من كتب ونشرات وغير ذلك.

5 - التحقير إنّما يستوجب العقاب إذا وقع على صورة من الصور التالية:

أ - إذا حصل في محل عام، أو مكان مباح للجمهور، أو معرض للأنظار، أو شاهده بسبب خطأ الفاعل من لا دخل له بالفعل.

ب - الكلام أو الصراخ سواء جهراً بهما أو نقلاً بالوسائل الآلية، بحيث يسمعها في كلا الحالين من لا دخل له بالفعل.

جـ - الكتابة والرسوم والصور اليدوية والشمسية والأفلام والشارات والتصاوير على اختلافها، إذا عرضت في محل عام، أو مكان مباح للجمهور، أو معرض للأنظار، أو بيعت أو عرضت للبيع، أو وزعت على شخص أو أكثر.

د - إذا حصل في برقية أو مخابرة تلفونية، ولو كان تلفوناً آلياً، وكذلك إذا حصل في مكتوب مفتوح ( غير مغلق ) أو بطاقة بريد.

6 - الإشاعات الكاذبة فيما يضر بالإفراد أو الجماعات أو الشركات، أو في سمعتها يعتبر من قبيل القدح والذم فيعاقب من يقوم بترويج هذه الإشاعات من أسبوع إلى سنتين.

7 - الادعاء على شخص بأنه قال قولاً معيناً أو فعلاً معيناً، وهو لم يقله ولم يفعله يعتبر جريمة يعاقب بالتوبيخ والجلد والحبس حتى سنتين.

**الاعتداء على الأعراض

يمكن إجمال الخطوط العريضة في الاعتداء على الأعراض بما يلي:

الأفعال المنافية للحياء

1 - كل من حاول الزنا بأنثى، أو اللواط بذكر، وحالت دون ارتكابه للجريمة موانع قاهرة، ولولاها لارتكب الجريمة يعاقب بالسجن حتى ثلاث سنوات، وبالجلد والنفي. وإذا كان المجني عليه تحت سلطته كخادمة أو خادم له، أو موظف أو موظفة عنده، أو ما شاكل ذلك تطبق في حقه أقصى العقوبة، وتعاقب الأنثى أو الذكر الذي تجري المحاولة معه نفس العقوبة، إذا قبل غير مكره.

2 - من أغوى أنثى بالمال أو الزواج أو بغير ذلك، وعاشرها معاشرة الأزواج، وفعل بها ما يفعل الرجل بزوجته إلاّ الجماع يعاقب بالسجن حتى أربع سنوات، ومن فعل ذلك بمحرمه ولو من غير إغواء يعاقب بالسجن حتى عشر سنوات ويجلد ويغرب وتعاقب الأنثى إذا استجابت له نفس العقوبة.

ومن طلب أموراً مخالفة للآداب من أنثى أو ذكر، أو عرض على أي منهما عملاً منافياً للحياء، أو وجه إليهما كلاماً مخلاً بالحشمة يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين. ويعاقب المطلوب منه نفس العقوبة إذا استجاب للطلب.

3 - من أقدم على إغواء أنثى أو ذكر باستعمال الخداع، أو بالعنف والتهديد أو صرف النقود أو غير ذلك يعاقب بالسجن حتى ثلاث سنوات وبالجلد. ويعاقب الشخص الذي أُغْوِيَ أنثى كان أو ذكراً نفس العقوبة.

4 - من حض شخصاً أو أكثر، ذكراً كان أو أنثى على الفجور أو الفساد أو على تسهيلها له أو مساعدته على إتيانها عوقب بالسجن حتى سنتين، ويعاقب الشخص الذي حض على الفجور نفس العقوبة إذا استجاب للحض.

5 - كل من سهل للغير أياً من الزنا أو اللواط بأية وسيلة، وبأي أسلوب بنفسه أو بغيره يعاقب بالحبس حتى خمس سنوات وبالجلد. وإذا كان الشخص زوجاً أو محرماً كانت عقوبته مضاعفة أي حتى عشر سنوات.

6 - كل من يؤوي في بيته أجنبية عنه، أو تؤوي أجنبياً عنها يمنع من ذلك فوراً، ويحبس من ستة أشهر إلى سنة.

7 - إذا وجد شخصان في حالة مزرية منافية للحشمة، ولم يثبت عليهما الوقاع يعاقبان بالسجن حتى أربع سنوات.

8 - كل من قام بمداعبة أنثى أو ذكر، والعبث به بالتخدير والتنويم ولكنه لم يصل إلى حد الجماع يعاقب بالسجن حتى أربع سنوات، ومن فعل ذلك بمحرمة يعاقب حتى عشر سنوات ويجلد ويغرب. وإذا كان من غير تخدير ولا تنويم يعاقب حتى سنتين. ويعاقب الذي دوعب نفس العقوبة أي يسجن حتى سنتين إذا استجاب للمعتدي.

9 - إذا رقصت امرأة بقصد الفحش، على صورة مخلة بالآداب العامة، في مكان مكشوف، أو شبه مكشوف، يسهل إطلاع النّاس عليه عوقب الحامل على الرقص، والراقصة إذا كانت مختارة بالسجن حتى ثلاث سنوات.

10 - كل من تقوم بحركات مغرية من شأنها أن تثير الشهوة في الأمكنة العامة، كالطريق والدكان والمقهى وغير ذلك تعاقب بالحبس حتى ستة أشهر، وإذا كرر ذلك منها تزاد العقوبة حتى سنتين وتجلد.

11 - كل من جامع بهيمة أو حيواناً يعاقب بالحبس حتى خمس سنوات، وبالجلد وبالتغريب.

الخطف

1 - كل من خطف بالتحيل أو الإكراه شخصاً، ذكراً كان أو أنثى، وهرب به إلى إحدى الجهات، ولم يرجعه خلال ثلاثة أيام يعاقب بالسجن حتى خمس سنوات إذا كانت المخطوفة أنثى ذات بعل، أو كان المخطوف ذكراً غير بالغ، سواء أكان برضاهما، أم جبراً عنهما، ويعاقب بالسجن حتى ثلاث سنوات إذا كان المخطوف بالغاً وكانت الأنثى ليست ذات بعل، هذا إذا لم يعتد عليهما بالاغتصاب أو هتك العرض، ولكن إذا اعتدى عليهما، ولم يثبت ذلك بالبينة الشرعية، ولكنه ثبت بشهادة طبيب، أو قابلة يعاقب بالسجن حتى خمس عشرة سنة، وبالجلد وبالتغريب، أما إذا أرجع المخطوف خلال ثلاثة أيام، ولم يمسه بسوء فيعاقب بالسجن حتى سنة واحدة.

2 - كل من خطف أنثى للزواج بها يعاقب بالسجن حتى خمس سنوات، إن كان جبراً عنها، وأما إن كان برضاها ينظر، فإن تزوجها بعقد شرعي يحبس حتى ستة أشهر بجرم الخطف، وإن لم يتزوجها يحبس حتى سنة واحدة، هذا إن لم يواقعها، فإن واقعها ولم يثبت ذلك بالإقرار، أو البينة الشرعية، بل ثبت بشهادة طبيب أو قابلة يعاقب بالسجن حتى خمس عشرة سنة.**

**أنواع وقائع التعزير

إنه من الصعب حصر وقائع التعزير في أنواع معينة، فالذنوب أنواع كثيرة متشعبة، ثمّ إن تجدد وقائع الحياة يجعل الجرائم التي تحدث كثيرة، وهي جرائم لم تكن معروفة من قبل، ومن هنا جاءت صعوبة حصر أنواع الجرائم. غير أنه لما كان التعزير مقابل الحدود، وهو في الغالب يحصل فيما لم تذكر له عقوبة مقدرة في نوع الحد المقدر، لذلك فإن الأفضل أن يعمد إلى وضع العقوبات على وقائع الأنواع التي جاءت حدود من جنسها، ثمّ ما يمكن إدخالها تحتها دخل، وإلا فإن الأفضل تركها للقضاة. وعليه فإن الوقائع التعزيرية المتبنى لها عقوبات معينة يمكن إجمالها في سبعة أنواع هي:

1 - الاعتداء على الأعراض.

2 - الاعتداء على الكرامة.

3 - فعل ما يؤذي العقل.

4 - التعدي على الأموال.

5 - الإخلال بالأمن.

6 - العرض لسلامة الدولة.

7 - فعل ما يمس بالدين.**

**دية الجنين

إذا ضُرِبَت امرأة حبلى، فسقط جنينها من جراء ضربها، سواء ماتت من الضرب، أم لم تمت فإن على الضارب دِيَةً للجنين، وهي عبد أو أمة، فإن لم توجد، فعشر من الإبل. أما وجوب الدية، فلما روي عن المغيرة: " أن امرأة ضربتها ضرتها بفسطاط فقتلتها وهي حبلى، فأُتِيَ بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى فيها على عصبة القاتلة بالدية في الجنين غُرَّة، فقال عصبتها: أتدي ما لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صاح ولا استهلّ، مِثْلُ ذلك يُطَلّ، فقال: سجع مثل سجع الأعراب " وعن ابن عباس في قصة حَمَل بن مالك قال: " فأسقطت غلاماً قد نبت شعره ميتاً، وماتت المرأة، فقضى ( أي النبي ) على العاقلة بالدية، فقال عمها: إنها قد أسقطت يا نبي الله غلاماً نبت شعره، فقال أبو القاتلة: إنه كاذب، إنه والله ما استَهَلَّ ولا شرب، فمِثْله يُطَلّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أسجعُ الجاهلية وكُهّانها ؟ أدِّ في الصبي غُرّة " فهذا دليل على أن الواجب في الجنين هو الدية، وأما كون الدية هي غرة: عبدٌ أو أمَةٌ، فلِما رُوي عن أبي هريرة قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرةٍ عبدٍ أو أمةٍ " وفي رواية " فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرةٌ: عبدٌ أو وليدة " وأما كونه إذا لم يوجد عبد أو أمة فعشر من الإبل، فلما ورد في رواية ابن أبي عاصم: " ما له عبد أو أمة، قال عشر من الإبل، قالوا: ما له شيء إلاّ أن نعينه من صدقة بني لحيان فأعانه بها " .**

**الإخلال بالأمن

أعمال العنف

1 - كل من اغتصب سلطة، أو إدارة للدولة، أو احتفظ بسلطة أو إدارة بعد إعفائه منها يعاقب بالسجن من سنتين إلى عشر سنوات.

2 - كل اعتداء يستهدف حرباً أهلية، أو إثارة فتنة بين النّاس يعاقب من يقوم به بالجلد والسجن من ثلاث سنوات حتى عشرين سنة، ويجوز أن تصل العقوبة حد القتل والصلب.

3 - كل من قام بأعمال إرهابية، ونتج عنها تعكير صفو الأمن، أو حالة ذعر واضطراب بين النّاس، أو عطلت أعمال النّاس، يعاقب بالسجن من ستة أشهر حتى خمس سنوات.

التعرض لسلامة الدولة

الكتابة والخطابة

1 - كل كتابة أو خطابة من شأنها التشكيك في الأحكام الشرعية، أو في صلاحية نظام الإسلام، كلاً أو بعضاً يعاقب مرتكبها بالحبس من سنتين حتى خمس عشرة سنة، ويجوز أن تصل العقوبة إلى حد القتل.

2 - كل كتابة أو خطابة من شأنها إثارة القومية، أو الإقليمية أو الوطنية يعاقب مرتكبها بالسجن من خمس سنوات حتى خمس عشرة سنة، ويجوز أن تصل إلى حد القتل.

3 - كل كتابة أو خطابة من شأنها زعزعة ثقة المسلمين بالدولة الإسلامية، أو زعزعة ثقتهم بكيان الأمّة، أو تحريض المسلمين على غير المسلمين، أو العكس يعاقب مرتكبها بالسجن من خمس سنوات حتى خمس عشرة سنة.

4 - كل من تأخر عن أداء الضريبة عن وقت الطلب، مدّة شهر من غير عذر شرعي يغرم ضعف الضريبة، وتحصل منه الضريبة فوراً بالقوة، وكل من تمنع عن دفع الضريبة يجبر على دفعها، ويعاقب بالجلد وبالسجن حتى خمس عشرة سنة.

التكتلات

1 - كل تكتل يقوم على أساس فصل الدين عن الدولة، أو على أساس المادية، أو على أي أساس غير أساس الإسلام يعاقب من يقوم به، أو ينتسب إليه بالقتل والصلب.

2 - كل تكتل يقوم على أساس الوطنية أو القومية الإقليمية، ولو اتخذ الإسلام نظاماً يعاقب مرتكبه بالسجن خمس عشرة سنة، ويجوز أن تصل العقوبة إلى حد القتل والصلب.

3 - كل تكتل يقوم من أجل تغيير الحكام، أو نظام الحكم، بالقوة يعاقب مرتكبه بالسجن حتى خمس عشرة سنة، ويجوز أن تصل العقوبة إلى حد القتل ؟

4 - كل تكتل سري لم يكن أساسه ولا غايته شيئاً مما تقدم يعاقب على سريته بالسجن حتى سنتين.

5 - كل تكتل له صلة مع دولة أجنبية، أياً كانت هذه الدولة يعاقب بالسجن من سنتين حتى خمس عشرة سنة.

التجسس

1 - كل أجنبي يتجسس في البلاد يعاقب بالقتل.

2 - كل ذمي يتجسس لحساب دولة أجنبية يعاقب بالسجن من خمس سنوات حتى خمس وعشرين سنة، ويجوز أن تصل العقوبة حد القتل.

3 - كل مسلم يتجسس لحساب دولة أجنبية يعاقب بالسجن من خمس سنوات حتى خمس وعشرين سنة.

العملاء

1 - كل من اشتغل سياسياً لحساب دولة أجنبية، أو عدة دول يعاقب بالسجن من خمس سنوات حتى خمس وعشرين سنة.

2 - كل سياسي تربطه صداقات شخصية مع حكام دولة أجنبية، أو أحد سياسييها، أو رجال الجيش فيها، أو من يشتبه بهم من رعاياها يعاقب بالسجن حتى عشر سنوات.

3 - كل ترويج لأجنبي، أو للاستعانة به يعاقب مرتكبه بالسجن حتى خمس سنوات.

الدسائس

1 - كل من دس الدسائس لدى دولة أجنبية، ليحرضها على الدولة أو على حكامها، أو ليهون من قوة الدولة الإسلامية، أو ليحط من مكانتها يعاقب بالسجن حتى خمس عشرة سنة، ويجوز أن تصل العقوبة حد القتل.

2 - كل من قام بأعمال، أو أقوال في البلاد من شأنها أن تثير دولة، أو دولاً أجنبية ضد الدولة يعاقب بالسجن حتى خمس سنوات.

3 - كل من كشف سراً من أسرار الدولة، من شأنه أن يؤذي الدولة كشفه، سواء كشفه بالكتابة أو الخطابة أو الحديث يعاقب بالسجن حتى خمس عشرة سنة.**

**فعل ما يؤذي العقل

يمكن إجمال الخطوط العريضة بما يلي:

1 - كل من يتعاطى مخدراً من المخدرات كالحشيش والهيروين، وأمثالهما يعتبر أنه ارتكب جريمة، ويعاقب بالجد وبالسجن حتى خمس عشرة سنة، وبالغرامة ويترك أمر تقديرها للقاضي.

2 - كل من باع أو اشترى أو عصر أو نقل أو حاز خمراً يعاقب بالجلد وبالسجن حتى خمس سنوات، يستثني من ذلك من يبيح له دينه شرب الخمر.

3 - كل من باع أو اشترى أو صنع أو نقل أو حاز مادة مخدرة يعاقب بالجلد وبالسجن حتى خمس عشرة سنة، ويغرم ضعف ثمنها.

4 - كل من باع عنباً أو زبيباً، أو أية مادة يصنع منها الخمر وهو يعلم أنه يبيعها من أجل صنعها، سواء أباعها مباشرة، أم بالواسطة يعاقب بالجلد وبالحبس من ستة أشهر حتى ثلاث سنوات، ويستثنى من ذلك من يبيح له دينه شرب الخمر.

5 - كل من فتح محلاً سرياً أو علنياً لتعاطي المواد المخدرة يجلد ويسجن حتى خمس عشرة سنة.

6 - كل من فتح محلاً لبيع المسكرات، سراً أو علناً يعاقب بالجلد وبالسجن حتى خمس سنوات.

7 - لا يقبل قول من يدعي بأنه باع الخمر للتداوي إلاّ إذا كانت صنعته صناعة الدواء وبيعه كالصيدلي ونحوه، غير أنه إذا أثبت أنه باعه للتداوي تسمع بينته.**

**هذه هي أنواع عقوبات التعزير التي ورد من الشرع دليل على جواز أن يعاقب بها الحاكم، وما عداها من العقوبات لا يجوز للحاكم أن يوقع عقوبة بها، ولم يرد نص من الشارع في النهي عنها، وذلك لأنّ العقوبة فعل فلا بد من دليل على جوازه. ولا يقال لا بد من دليل على منعه من العقوبة بعقوبات معينة، لا يقال ذلك لأنّ الأصل هو عدم العقوبة، فإيقاع العقوبة بعقوبة معينة هو الذي يحتاج إلى دليل. أما أن الأصل عدم العقوبة فذلك أن الدليل العام قام على كرامة الإنسان، وعدم إيقاع الأذى به، فإيقاع عقوبة معينة عليه تحتاج إلى دليل يجيز إيقاعها، وما لم يقم الدليل على جواز عقوبة بعينها فلا يجوز إيقاعها.

ولا يقال إن التعزير قد جعل للحاكم مطلقاً دون قيد، فله أن يعزر بالعقوبة التي يراها، لا يقال ذلك، لأنّ الذي جعل للحاكم هو تقدير مقدار العقوبة، ولم يجعل له غير ذلك، وقد تدخل الشارع في العقوبات فعين أنواعها، أي عين أنواع العقوبات التي يعاقب بها، فصار القاضي مقيداً بهذه العقوبات، أي أن تعيين الشارع أنواع العقوبات قد قيد القاضي بها، فلا يحل له أن يعاقب بغيرها، وله أن يختار منها ما يراه زاجراً. وعليه فإنّه يجب على الحاكم حين يوقع عقوبة التعزير أن يتقيد بالأحكام الشرعية، فلا يعاقب إلاّ بالعقوبات التي جاء الشارع بها. ومن هنا لا يجوز للحاكم أن يوقع عقوبة المصادرة، لأنّه لم يرد نص شرعي بجواز العقوبة بها، ولا يقال أن المصادرة كالغرامة، لأنّها عقوبة مالية، إذ هي من جنس الغرامة، لا يقال ذلك لأنّ المصادرة غير الغرامة، إذ الغرامة دفع مال جزاء على ذنب، وأما المصادرة فهي أخذ عين المال الذي جرى بسببه الذنب، فهذه غير تلك، وأيضاً فإن النص الشرعي لم يكن نصاً على عقوبات مالية حتى يقال هذه عقوبة مالية تدخل تحت نص الشرع، وإنما نص على الغرامة، وعلى تغيير المال، وعلى إتلاف المال، ولم ينص على المصادرة فيوقف عند حدود النص، ولا يقاس عليه لعدم وجود عِلّة صالحة للقياس. على أن المصادرة نزع ملكية المال جبراً عن مالكه، وتمليكه للدولة بدون سبب من أسباب التملك الشرعية، وهذا لا يجوز.**