**أنواع العقوبات التعزيرية
التعزير عقوبة جعل للحاكم حق تقديرها، ولكنه لم يجعل له أن يعاقب بما يشاء، فهناك عقوبات جاء النص صريحاً في النهي عن العقاب بها فلا يجوز أن يعاقب بها، ثمّ إن نصوص الشرع من الكتاب والسنة جاءت بعقوبات معينة محددة، وجاء الأمر بإيقاع العقاب بها، فكون اجتهاد الحاكم في التعزير إنما هو في مقداره لا بأية عقوبة يرى، وكون الشارع جاء بعقوبات معينة فإن ذلك يدل على أن إيقاع العقوبات في التعزير محصور بما جاء الشارع بالعقاب به ولا يصح بغيره.
أما العقوبات التي جاء النهي الصريح عن العقوبة بها فهي الحرق بالنار، فالعقوبة بالحرق بالنار لا تجوز، فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة: " وإن النار لا يعذب بها إلاّ الله " وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تعذبوا بعذاب الله " يعني الحرق بالنار. وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وأنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلاّ رب النار " . فهذا كله صريح في تحريم العقوبة بالحرق بالنار، ويلحق بها ما هو من جنسها، مما فيه خاصية الإحراق كالكهرباء، وأما ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث العُرَنِيين من أنه صلى الله عليه وسلم " أمر بمسامير فأحميت فكحلهم " فإن ذلك هو الكي بالنار، ولم يرد نهي عنه، واستعمال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له بإيقاع العقوبة به دليل على جوازه، والمنهي عنه إنما هو الحرق بالنار، وأما العقوبات التي جاء الشارع بالعقاب بها فإنها العقوبات التالية:
1 - عقوبة القتل: يجوز للخليفة أن يبلغ في التعزير حد القتل، وأنه وإن كان القتل حدّاً من الحدود وهو حدّ الزاني المحصن، وحدّ اللواط، والحديث ينهى عن أن يُبْلَغَ الحدُّ في غير الحدِّ، ولكنه أي القتل ليس كالجلد حداً يمكن أن ينقص عن حدّه، بل هو حدّ واحد، ولذلك لا ينطبق عليه حديث: " من بلغ حدّاً في غير حدّ " على أن ذلك الحديث المراد به حدّ الجلد، لأنّه هو الذي يتصور فيه بلوغ الحدّ، وعدم بلوغ الحدّ، أما القتل فلا يتصور فيه ذلك، وكذلك قطع الأيدي والأرجل، وعلى هذا فإنّه يجوز أن يبلغ التعزير درجة قاسية، حتى يصل إلى القتل. والدليل على ذلك حديث العُرَنيين، فإنّه وإن أتى به في حدّ قطاع الطرق كدليل عليه، ولكن واقعه أنه خيانة وقتل وارتداد، وليس واقع قطاع الطرق. عن قتادة عن أنس: " أن أناساً من عُكْلٍ وعُرَينَة قَدِموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة، فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بِذَوْدٍ وراع، وأمرهم أن يخرجوا، فليشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمَّروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتُركوا في ناحية الحرَّة حتى ماتوا " فهذا هو واقع حادث العرنيين، وهو وإن كان خيانة وقتلاً وارتداداً، ولكنه في حقيقته إخلال بالأمن جمع الثلاث، ولذلك لم يعاقبهم الرسول عقوبات الخيانة والقتل والارتداد، بل نكّل بهم، فهو لم يقتلهم، وإنما تركهم في الحرة حتى ماتوا، وقبل أن يتركهم في الحرة كوى أعينهم بالنار وقطع أيديهم، وهذا يدل على أن الحادثة إخلال بالأمن فظيع، ومنها يستنبط أن الإمام يجوز أن يبلغ في التعزير حد القتل.
على أن عِلَّة العقوبة الزجر، فإن قوله تعالى: ( ولكم في القصاص حياة ) واضح فيه أنّ كون القصاص فيه حياة هو عِلّة القصاص، والزجر علّة لإيقاع العقوبة، والعقوبات المنصوص عليها لا يصح أن يتعداها المسلم، لأنّ الله يعلم أنّها تزجر، وشرعها وهو يعلم ذلك، ولكن الجرائم التي لم يعين الشارع عقوبة لها، وترك تقديرها للإمام فإن على الإمام أن يضع العقوبة الزاجرة، فإن وضع عقوبة، ورأى أنها غير زاجرة، كان عليه أن يضع عقوبة أشدّ منها حتى يتحقق الزجر. وهناك جرائم كثيرة لم يعين الشارع عقوبة معينة لها، ولا يحصل الزجر فيها إلا بالقتل، فهذه للإمام أن يجعل عقوبتها القتل. فمثلاً نص الشرع على أنه إذا بويع لإمامين فاقتلوا الآخر منهما، ولكنه لم ينص على من حرّض النّاس وجمعهم لبيعة إمام ثانٍ بعد انعقاد بيعة الإمام، فهذا لم يبايع إماماً على النّاس، فلا ينطبق عليه الحديث، ولكن جرمه ربما يكون أفظع من جرم من بويع، ولذلك فإنّه يجوز أن يجعل الإمام عقوبته القتل، ومثلاً من دعا إلى القومية، سواء أكانت قومية عربية أم تركية أم فارسية أم بربرية أم غير ذلك، وجمع النّاس على القومية، فهذا لم يرد من الشارع نص على عقوبة مقدرة له، ومعلوم ما ينتج عن الدعوة القومية من تمزيق الدولة الإسلامية، بل تمزيق المسلمين، فحامل هذه الدعوة يجوز للإمام أن يجعل عقوبته القتل، وكذلك من حمل الدعوة إلى انفصال إقليم عن جسم الدولة الإسلامية، فإنّه وإن كان يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " ولكنه ليس من الحدود، وإنما هو من التعزير متروك للإمام أن يقتله، أو يعاقبه عقوبة دون القتل، فهذا كذلك صريح النص فيه أنه يجوز للإمام أن يبلغ بعقوبته حد القتل، وهكذا.. وعليه فإنّه يجوز للخليفة أن يبلغ في التعزير حد القتل.
2 - الجلد: وهو الضرب بالسوط وما يشبهه، وقد جاءت عقوبة الضرب بالقرآن، قال تعالى: ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن )وجاءت عقوبة الجلد بالقرآن قال تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) وجاء الجلد بالسوط وبغيره، عن زيد بن أسلم: " أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله فاتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته ( أي طرفه ) فقال: بين هذين، فأُتي بسوط قد لأنّ ورُكِبَ به ( أي ضرب به حتى لأنّ ) فأمر به فجلد " . فهذا دليل على العقوبة بالسوط. وروى أحمد عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: " كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدج، فلم يُرَع الحي إلاّ وهو على أمة من إمائهم يخبث بها، فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الرجل مسلماً فقال: اضربوه حدّه، قالوا يا رسول الله انه أضعف مما تحسب، لو ضربناه مائة قتلناه، فقال خذوا له عِثْكالاً فيه مائة شِمْراخ، ثمّ اضربوه به ضربه واحدة، قال: ففعلوا " . فهذا دليل على العقوبة بغير السوط، والعُثْكول العنقود من النخل يكون فيه أغصان كثيرة، وكل واحد من هذه الأغصان يسمى شِمْراخاً، وعلى هذا فإن الضرب بغير السوط والجلد بالسوط عقوبة من العقوبات المشروعة، فيجوز للإمام أن يعاقب بالضرب بالقضيب وبالعصا، وأن يعاقب بالجلد بالسوط.**