نظام العُقوبات — موضوع مستورد

**استعانة البغاة بالكفار

يحرم على أهل البغي - كما يحرم على سائر المسلمين - الاستعانة بالكفار على قتال المسلمين، سواء أكانوا أفراداً أم دولة. لأنّه إذا كان يحرم قتال المسلم للمسلم، فإن حرمة استعانة المسلم بالكافر لقتال المسلم أشد. وإذا كان الله اعتبر قتال المسلم للمسلم كالكفر في عظم الذنب، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " فإن الاستعانة بالكافر على المسلم أشد. إلاّ أنه مع حرمة ذلك لا يخرج أهل البغي عن كونهم مؤمنين، ولا يغير حكم الله في حقهم، فيبقون يعتبرون بغاة، ويعاملون معاملة البغاة، ولو استعانوا بالكفار. أما الكفّار الذين استعانوا بهم فإن حكمهم يختلف باختلاف أحوالهم. فإن استعان أهل البغي بالكفار أهل الحرب وأمنوهم، أو عقدوا لهم ذمة، فإنهم يظلون كفاراً محاربين في نظر الإسلام، ولا يعتبر تأمين البغاة، ولا عقدهم للذمة، لأنّها خاصّة بالخليفة المبايع بيعة شرعية، وهم لا يملكون ذلك. ولهذا يُقاتِل المسلمون البغاة قتال تأديب، أما الكفّار المحاربون الذين معهم فإنهم يُقاتَلون قتال حرب، ويجاهدون جهاداً شرعياً، ويحاربون حرباً لا هوادة فيها، وتطبق في حقهم حالة الحرب، فيؤخذ أسيرهم أسيراً، ويعامل معاملة الأسرى، وتؤخذ أموالهم غنائم، وتطبق في حقهم جميع أحكام الجهاد، وكل ما ينطبق على أهل الحرب. وكذلك الحال إذا كان هؤلاء الكفّار مستأمنين، لأنّهم إذا أعانوا البغاة فقد نقضوا عهدهم، وصاروا كأهل الحرب. إلاّ أن هذا يطبق عليهم إذا فعلوا ذلك مختارين طائعين، أي إذا أعانوا البغاة مختارين، أما إذا أعانوهم مكرهين خوفاً من أذاهم وبطشهم، فإنهم حينئذ يعاملون معاملة البغاة، لا معاملة المحاربين. أما إن كان الكفّار الذين استعان بهم البغاة من أهل الذمّة، فإن إعانتهم لهم لا تخرجهم عن كونهم من أهل الذمّة، سواء أعانوهم مختارين أو مكرهين، لأنّهم رعية من رعايا الدولة الإسلامية، فيطبق في حقهم حكم البغاة، ويقاتلون قتال تأديب لا قتال حرب. ولا يقال إنهم في إعانتهم على الدولة الإسلامية نقضوا عهدهم، فإن محل ذلك لو أعانوا كفاراً، أو دولة كافرة على الدولة الإسلامية، فإنهم يكونون قد نقضوا عهدهم، أما إعانتهم مسلمين على الدولة الإسلامية، أي إعانتهم البغاة فإنهم لا يكونون قد نقضوا عهدهم، لأنّ عهدهم هو عقد ذمة لهم في أعناق المسلمين، فلهم في ذمة المسلمين عهد، ومنهم البغاة فلا يكونون بإعانتهم مسلمين على الدولة الإسلامية قد نقضوا عهدهم، ولأنّ عهدهم ليس عهداً مؤقتاً كالمستأمنين، بل هو عهد مؤبد، ولا يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم، فلا يجوز نقضه لإعانتهم مسلمين على مسلمين.

أما إذا خرج أهل الذمّة وحدهم على الدولة وحاربوها، بأن كانوا هم الخارجين، وقادة الخروج، فإنهم حينئذ يكونون قد نقضوا عهدهم المؤبد، وصاروا أهل حرب، فيقاتلون قتال حرب، وتطبق في حقهم جميع أحكام الحرب، وإذا جرى التغلب عليهم وسحقهم، فإنهم يعاملون معاملة الكفّار المحاربين، فأموالهم غنائم، وأسراهم أسرى حرب، وللإمام أن يفعل بهم ما يفعله بأهل الحرب.

وإنما اختلف الحكم مع الذميين باختلاف الواقع الذي يكونون فيه، فإن لكل واقع حكماً ينطبق عليه حكم الكفّار في الحالات التي جاء بها الإسلام.**

**مقدار ما يقطع

إن آية القطع وهي قوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) قد نصت على قطع اليد، فقالت ( أيديهما ) ويرجع في تفسير اليد لمعناها اللغوي، ولفظ اليد في اللغة إذا أطلق ينصرف إلى الكف وإلى طرف الأصابع إلى آخر الكف، أي إلى الرسغ، ولا يطلق على غير ذلك إلاّ بقرينة، ولهذا قال في آية الوضوء: ( وأيديكم إلى المرافق ) فبين غسل اليد بأنها إلى المرفق، ولو لم يذكر كلمة إلى المرافق لكان الغسل إلى الرسغين، أي لكان غسل اليد بما يفهمه معناها اللغوي. وعليه فإن السارق تقطع يده من مفصل الكف وهو الكوع، وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة. وإن الآية تقول ( أيديهما ) فهي أطلقت اليد، ولم تعينها فتدل على أنه يجوز قطع اليد اليمنى، ويجوز قطع اليد اليسرى من غير فرق، ولكن قراءة ابن مسعود " فاقطعوا أيمانهما " والثابت عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: " فاقطعوا يمينه " فيكون القطع هو قطع اليد اليمنى إلى الكوع، أي إلى الرسغ، يعني إلى نهاية الأصابع من آخر الكف، وهو العظمة التي بين الرسغين وبين الكف، وهو ما يطلق عليه اسم اليد لغة عند الإطلاق من غير قرينة.

وحين يقطع السارق يحسم، لما روي عن أبي هريرة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بسارق قد سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله إن هذا قد سرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخاله سرق ؟ فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال: اذهبوا فاقطعوه ثمّ احسموه " . والحسم أن يغلى الزيت، فإذا قطع غمس عضوه في الزيت، لتسد أفواه العروق لئلا ينزف الدم فيموت. وليس الحسم واجباً، لأنّه حسم، بل هو واجب لعلة هي عدم هلاكه، ولذلك يجوز أن يستعمل غير الحسم لإيقاف نزيف الدم، فيجوز استعمال الوسائل الطبية بدل الحسم.

ويقطع السارق بأسهل ما يمكن، لأنّ المقصود عقوبته لا تعذيبه ولا قتله، وإذا كانت يده قد قطعت، وليس له يد تقطع، كأنّ كانت يده ذهبت بآفة، أو تعدى عليه معتد، فإنّه في هذه الحالة يسقط القطع عنه، ولا شيء عليه، وذلك لأنّ الله أمر بقطع اليد، فإذا لم توجد سقط القطع، ولا يصار إلى غيرها. لعدم وجود نص غير هذا النص الدال على قطع اليد لا على غيرها. ولا تقطع حامل حال حملها، ولا بعد وضعها حتى ينقضي نفاسها، لئلا يفضي إلى تلفها وتلف ولدها، ولا يقطع مريض في مرضه، فينتظر حتى يشفى، لئلا يأتي على نفسه، وإذا سرق مرات قبل القطع أجزأ قطع واحد. وإذا قطعت يد السارق، ثمّ عاد فسرق بعد قطع يده لم يقطع منه شيء آخر، ولكنه يحبس. أما كونه لم يقطع منه شيء فلأن الآية نصت على قطع يده وقد قطعت، ولم تنص على قطع شيء آخر فيكون الحدّ المقدر قد نفذ، وأما أنه يحبس فلأن السرقة في المرة الثانية لم يأت نص على حد لها فتكون من باب التعزير.**

**حد الزنا

يقول البعض إن حد الزانية والزاني مائة جلدة للمحصن وغير المحصن سواء، ولا فرق بينهما، لقول الله تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) وقالوا لا يجوز ترك كتاب الله بطريق القطع واليقين لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها، ولأن هذا يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة وهو غير جائز، ويقول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار أن غير المحصن يجلد مائة جلدة، والمحصن يرجم حتى يموت لأن الرسول صلى الله عليه وسلم : " رجم ماعزاً " ولما روي عن جابر بن عبد الله " أن رجلاً زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد ثمّ أخبر أنه محصن فأمر به فرجم " .

والناظر في الأدلة يرى أن قوله تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) عام، فإن كلمة الزانية وكلمة الزاني من ألفاظ العموم، فهو يشمل المحصن وغير المحصن ولما جاء الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " وأغد يا أُنيْس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " ، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً بعد ما سأل عن إحصانه، ورجم الغامدية وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة، فإنّه يكون الحديث مخصصاً للآية، فهذه الأحاديث خصصت هذا العام الذي في الآية في غير المحصن، واستثنت منه المحصن فالأحاديث خصصت هذا العام، ولم تنسخ القرآن، وتخصيص القرآن بالسنة جائز، وواقع في آيات كثيرة، جاءت عامة، وجاء الحديث وخصصها.

والحكم الشرعي الذي تدل عليه الأدلة الشرعية، أي الكتاب والسنة هو أن عقوبة الزنا جلد غير المحصن مائة جلدة عملاً بكتاب الله، وتغريب عام عملاً بسنة رسول الله. إلاّ أن التغريب جائز، وليس بواجب، وهو متروك للإمام، إن شاء جلده ونفاه سنه، وإن شاء جلده ولم ينفه. ولكن لا يجوز أن ينفيه ولا يجلده، لأنّ عقوبته هي الجلد، وأما عقوبة المحصن فهي رجمه حتى يموت، عملاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي جاءت مخصصة لكتاب الله. ويجوز في المحصن أن يجمع عليه الجلد والرجم، فيجلد أولاً ثمّ يرجم، ويجوز أن تفرد عليه عقوبة الرجم فلا يجلد، ولكن لا يجوز أن تفرد عليه عقوبة الجلد لأنّ عقوبته الواجبة هي الرجم.

أما دليل عقوبة غير المحصن فآية الجلد، وهي قوله تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) وأما دليل تغريب سنة فأحاديث كثيرة منها: عن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام، وإقامة الحد عليه " وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني، حذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة " وقد سار الصحابة على ذلك فجلدوا غير المحصن وغرّبوه سنة. إلاّ أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلد ولم يغرب. فعن أبي داود عن سهل بن سعد " أن رجلاً من بكر بن ليث أقر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة، وكان بكراً، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة، وسأله البينة على المرأة إذ كذبته فلم يأت بشيء، فجلده النبي حدّ الفرية ثمانين جلدة " ففي هذا الحديث جلد الرسول الزاني ولم يغربه، وجاء حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها " مما يدل على أن التغريب جائز، وليس بواجب، فللإمام أن يجلد ويغرب، وله أن يجلد ولا يغرب، لأنّ الرسول جلد وغرب، وجلد ولم يغرب.**

**الأفعال التي يعاقب عليها

الأفعال التي يعاقب عليها هي ترك الفرض، وارتكاب الحرام، ومخالفة ما أصدرته الدولة من أوامر ونواه جازمة، وما عدا هذه الثلاثة فلا يعاقب على أي فعل. ذلك أن الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال العباد خمسة، هي الفرض وهو الواجب، والمندوب وهو السنة والنافلة، والمباح، والحرام وهو الحظر، والمكروه. والفرض هو طلب الفعل طلباً جازماً، والمندوب هو طلب الفعل طلباً غير جازم، والمباح هو التخيير بين الفعل والترك، والحرام هو طلب الترك طلباً جازماً، والمكروه هو طلب الترك طلباً غير جازم. والله سبحانه وتعالى إنما يعاقب على مخالفة طلب الفعل طلباً جازماً وعلى مخالفة طلب الترك طلباً جازماً، أي على مخالفة الأمر الجازم، والنهي الجازم، ولا يعاقب على غير ذلك، فتارك السنة لا عقاب عليه، وفاعل المكروه لا عقاب عليه، والمخيَّر بين الفعل والترك ظاهر ظهور الشمس بأنه لا عقاب عليه إن فعل، ولا عقاب عليه إن ترك، إذ هو مخير أن يفعل وأن يترك ؛ فالله تعالى حين أوعد على مخالفة أوامره ونواهيه إنما أوعد العاصين، فقال:  ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً ، وقال:  ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين . فالوعيد إنما هو للعاصين، وتارك المندوب وفاعل المكروه ليسوا بعصاة، لأنّ الطلب منهم لم يكن جازماً، سواء طلب الفعل، وطلب الترك، وما داموا ليسوا عصاة فلا يعذبون على فعلهم، الذي هو ترك المندوب وفعل المكروه، وترك المباح أو فعله أي أن الله لا يعاقبهم على أفعالهم، وما دام الله لا يعاقبهم فكيف يجوز للدولة أن تعاقبهم ؟!. إن إيقاع الدولة للعقوبات المقدرة من قبل الشارع أمر لا جدال فيه، وهي كلها عقوبات على فعل حرام أو ترك فرض، وإيقاع الدولة للعقوبات غير المقدرة محددة بالتعزير، والتعزير هو عقوبة غير مقدرة على معصية لا حد فيها ولا كفارة، فهو محصور بالمعاصي، فلا يدخل تحته المندوب، ولا المكروه، ولا المباح، لأنّها ليست من المعاصي. وأما المخالفات فهي معصية، لأنّ الرسول يقول: " ومن يعص الأمير فقد عصاني " فتكون عقوبة على معصية، وعليه فإنّه لا توجد عقوبة إلاّ على المعاصي، وما ليس بمعاصي فلا عقوبة عليه. ومن هنا لا عقوبة على ترك الأفعال المندوبة، ولا على فعل الأفعال المكروهة، ولا على ترك المباح أو فعله، وحتى لو أمر بها أمير المؤمنين، فإن أمره بها لا يجعل القيام بها فرضاً، وتركها حراماً، بل أمره بها هو تبني رأي شرعي من الآراء المتعددة بشأنها، وإلزام النّاس به، وترك غيره هو أمر بالشرع، لا أمر من عنده، فيبقى الأمر أمر الله، ويظل الحكم كما هو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً كما جاء به الشرع. وبناء على هذا فإن الأفعال التي يعاقب عليها محصورة في فعلين اثنين هما. ترك الفروض، وفعل المحرمات.**

**بسم الله الرحمن الرحيم

**

**عَبد الرحمن المَـالكِي

نظَامُ العُقُوبَات

الطبعة الثانية

1410هـ - 1990م

الطبعة الأولى

1385هـ - 1965م

.**