نظام العُقوبات — موضوع مستورد

**حد أهل البغي

أهل البغي هم الذين خرجوا على الدولة الإسلامية، ولهم شوكة ومنعة، أي هم الذين شقوا عصا الطاعة على الدولة، وشهروا في وجهها السلاح، وأعلنوا حرباً عليها، ولا فرق في ذلك بين أن يخرجوا على خليفة عادل، أو خليفة ظالم، وسواء خرجوا على تأويل في الدين، أو أرادوا لأنفسهم دنيا، فإنهم كلهم بغاة ما داموا شهروا السيف في وجه سلطان الإسلام. وهؤلاء على الخليفة، أو من ينيبه عنه في الولاية أن يراسلهم، فيسألهم ما ينقمون من السلطان، فإن ذكروا مَظْلِمَةً أزالها، وإن ادّعوا شبهة كشفها، وإن البِسَ عليهم فاعتقدوا أن ما فعله مخالف للحق وهو ليس كذلك، عليه أن يبين لهم دليله، ويظهر لهم وجه الحق. لأنّ الإسلام أمر المسلمين أن يشهروا السيف في وجه الحاكم إذا رأوا كفراً بواحاً عندهم فيه من الله برهان، أو لم يطبق أحكام الإسلام. فقد يجوز أنهم خرجوا لشيء من ذلك إجابة لطلب الشرع، فيجب عليه أن يبين لهم وجه ما يشتبهون فيه، فإن رجعوا عن البغي تركهم، ولا يجوز بقاؤهم على خروجهم، وإن لم يرجعوا قاتلهم وجوباً، ولكن لا قتال حرب، بل قتال تأديب. ولذلك يحرم قِتَالُهم بما يعم إتلافهم إلاّ لضرورة. فلا يصح أن يُضرَبوا بالطائرات، ولا بالقنابل المحرقة، ولا بالمدافع الثقيلة، إلاّ إذا كانت هناك ضرورة قصوى تقتضيها الأساليب التأديبية، لا الأساليب الحربية. ويحرم قَتْل ذُريتهم أو قتل الهارب منهم. ومَنْ تَرَك القتال منهم تُرِك، وإذا قَتَلوا أحداً لا يُقْتَلون به، وإذا أُسِر منهم أحد حُبِس وعُومِل معاملة المذنب، لا معاملة الأسير، لأنّه ليس بأسير، وأموالهم لهم لا يحل أخذ شيء منها، لأنّهم رعية اقتضى تأديبهم اتّباع أسلوب القتال معهم، ولذلك لا يعتبر قِتالُهم حرباً ولا جِهاداً.

والأصل في حدّ البغاة قول الله سبحانه وتعالى: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين). فهذه الآية قد اعتبرت هؤلاء البغاة مؤمنين، فلم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، وهي صريحة بوجوب قتالهم، وفي إسقاط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله، وفي أنهم قد أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم، سواء أكان مالاً أم نفساً. وهي تدل في قوله: ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) على وجوب مراسلتهم قبل قتالهم. فهذه الآية تثبت الحدّ على البغاة، وتبينه ما هو، وهو قتالهم حتى يرجعوا، ولكن بعد مراسلتهم، ومحاولة إزالة ما دفعهم إلى الخروج، من مظلمة أو شبهة أو خطأ فهم، أو ما شاكل ذلك.

وإذا تمركز أهل البغي في جزء من البلاد الإسلامية، ونصبوا قضاة لهم يقضون بين النّاس، وأقاموا حكاماً يحكمون النّاس، مطبقين أحكام الإسلام، فإن حكم قضاتهم نافذ كحكم أهل العدل، وتصرفات حكامهم كتصرفات أهل العدل، ما دامت سائرة حسب أحكام الشرع. فإذا قدر الخليفة عليهم، أو رجعوا إلى حظيرة الدولة، كانت جميع أحكامهم نافذة، لأنّها أحكام إسلامية من حكام نصبوا بناء على شبهة الخروج. وما دام القرآن اعتبرهم مؤمنين، وما داموا لا يصح أن يتعرض لهم، إلاّ بما لا بد منه لتأديبهم فقط، فتصرفاتهم كلها كتصرفات أي مسلم، ممن هم في طاعة الخليفة، وتحت سلطان الدولة، وقتالهم إنما هو حدّ من حدود الله كحدّ السرقة، ولا يؤثر اعتبارهم واعتبار أحكامهم، ما داموا مسلمين ويطبقون الإسلام.**

حد قطاع الطرق

قتال المسلمين فيما بينهم على وجهين: قتال البغاة، وقتال قطاع الطرق. لأن البغاة قسمان لا ثالث لهما: إما قسم خرجوا على تأويل في الدين فأخطأوا فيه، كالذين يخرجون على الدولة الإسلامية، ومن جرى مجراهم من سائر أهل الأهواء المخالفة للحق، وإما قسم أرادوا لأنفسهم دنيا، فخرجوا على إمام حق، أو على من هو في السيرة مثلهم. فأما الذين خرجوا على تأويل في الدين فلهم حكم خاص وهم البغاة، وأما الذين خرجوا يريدون الدنيا، فإن لم يخيفوا الطريق، ولم يأخذوا مالاً، ولا سفكوا دماً فهم من قسم البغاة، وينطبق عليهم حكمهم. وأما إن تعدوا ذلك إلى إخافة الطريق، أو إلى أخذ مال من لقوا، أو سفك الدماء، انتقل حكمهم من حكم البغاة إلى حكم قطاع الطرق.

والأصل في حكم قطاع الطريق قوله تعالى:(إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقَتّلوا أن يصَلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوْا من الأرض ) فهذه الآية نزلت في قطاع الطريق، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، لأنّها عامة ولا يوجد ما يخصصها بالمسلمين، وأما قوله فيما بعد: ( إلاّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) فإنها لا تدل على أنّها خاصّة بالمسلمين، لأنّ التوبة هنا هي التوبة عن قطع الطريق، وهي تكون في المسلمين، وغير المسلمين فهي عامة. ويؤيد ذلك ما ورد من أن سبب نزول هذه الآية قصة العرنيين، وكانوا ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الرعاة، واستاقوا إبل الصدقة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم من جاء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وألقاهم في الحرة حتى ماتوا، قال أنس فأنزل الله تعالى في ذلك:( إنما جزاء الذين يحاربون الله ) الآية. وقد أخرج أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس " أن ناساً أغاروا على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً، فبعث في أثرهم فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، قال: فنزلت فيهم آية المحاربة " فهذا كله يدل على أن الآية عامة في قطاع الطريق، سواء أكانوا مسلمين أم كفاراً. فما ذكر في هذه الآية هو حدّ قطاع الطرق. أما كيفية إيقاع الحدّ بما ورد في الآية فقد روي عن ابن عباس قال: " وَادَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا برزة الأسلمي فجاء ناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم أصحابه، فنزل جبريل بالحدّ فيهم، أن مَنْ قَتَل وأخَذَ المال قُتِل وصُلِب، ومَنْ قَتَل ولم يأخذ المال قُتِل، ومن أخذ المال ولم يَقْتل قُطِعَتَ يَدُه ورجله من خلاف " وروى الشافعي في مسنده عن ابن عباس في قطاع الطرق: " إذا قَتَلوا وأخَذوا المال قُتِلوا وصُلِبوا، وإذا قَتَلوا ولم يَأخُذوا المال قُتِلوا ولم يُصْلَبوا، وإذا أخَذوا المال ولم يَقْتُلوا قُطِعَت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نُفوا من الأرض " . وعلى هذا فإن عقوبتهم تختلف باختلاف الأعمال التي قاموا بها، فإنّ أخذَهم المال فقط يستحقون عليه القطع لليد اليمنى والرجل اليسرى، وتقطع اليد من الكوع كالقطع في السرقة، وتقطع الرجل من مفصل الكعب. وإنّ إخافتهم السبيل فقط يستحقون عليها النفي من الأرض، وليس المراد من النفي الحبس، فانّ الحبس ليس نفياً، بل النفي هنا هو الإخراج من بلدهم إلى بلد بعيد. وإن قتلهم فقط يستحقون عليه القتل فقط، وإنْ قَتَلوا وأخَذوا المال قُتِلوا وصُلِبوا. والصلب يكون بعد القتل لا قبله، لأنّ الآية قد ذكرت الصلب بعد ذكر القتل، فالأولى إتباع ترتيب الآية بالذكر، ولأنّ الصلب قبل القتل تعذيب، والمقصود عقوبته لا تعذيبه، ولأنّ المقصود من الصلب ردع غيره، وهذا إنما يحصل بصلبه بعد قتله، أي يُقْتَل ثمّ يُصْلَب على مشهد من النّاس، حتى يشاهدوه مصلوباً وهو ميت. أما المدة التي يُصلَب فيها فيترك تقديرها لرأي الإمام، ولكنه على أي حال لا يترك مدّة تفضي إلى تغيره ونتنه.

هذه هي عقوبة قطاع الطرق، فالعقوبة بحسب الذنب المرتكب. غير أن الذنب محصور في هذه الثلاثة: القَتلُ، وأخَذُ المال، وإخافَةُ السبيل، فإذا فعلوا غيرها، كأنّ جرحوا فقط، أو كسروا الأيدي أو الأرجل أو الأضلاع أو الأنف، أي فعلوا ما دون القتل فإنّه لا حدّ عليهم، لأنّ الحدّ عقوبة مقدرة، فتكون بحسب النص، والنص إنما قدر العقوبة على هذه الثلاث، فلا حدّ في غيرها. إلاّ أنه ليس معنى كونه لا حد في غيرها أن لا عقوبة عليهم، بل معناه أن لا عقوبة حدّ من الحدود، ولذلك تكون من قبيل الجنايات، فتطبق في حقهم أحكام الجنايات، أي أحكام التعدي على البدن فيما دون النفس.

غير أن هذا الحدّ لقطاع الطرق إذا انطبق عليهم واقع قطاع الطرق، أي إذا توافرت فيهم شروط قطاع الطرق، فإذا لم تتوفر فلا حدّ عليهم. وشروط قطع الطرق ثلاثة هي:

أولاً: أن يكون ذلك خارج المدن، أي في القرى والجبال والسهول والصحراء ونحوها، ومثلها القطار والطائرة والسيارات خارج المدن، لأنّ قطع الطريق إنّما هو حيث يبعد حضور النجدة، أو حيث لا نجدة ولا غوث يأتي قريباً، أما المدن فإن الغوث يأت قريباً، ولهذا لا يكون من يفعل ذلك في المدن من قطاع الطرق، بل يكون مختلساً، والمختلس ليس بقاطع طريق، فلا حدّ عليه. ولكنهم إذا استولوا على مدينة، وقتلوا أو أخذوا المال، أو أخافوا السبيل حال استيلائهم عليها، فإنهم يعتبرون قطاع طرق، ويقام عليهم حد قطاع الطرق.

ثانياً: أن يكون معهم سلاح يقتل، كالسيوف والبنادق والمدافع الرشاشة والخناجر والسكاكين التي تقتل، ونحوها مما يقتل، فإن لم يكن معهم سلاح مطلقاً، أو كان معهم سلاح ولكن لا يقتل، كالعصي والكرابيج ونحوها، فإنهم لا يعتبرون قطاع الطرق فلا يقام عليهم الحدّ.

ثالثاً: أن يأتوا مجاهرة، ويأخذوا المال قهراً، ويثبتوا في أماكنهم، فأما إن أخذوه مختفين فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون، وإن جاء واحد أو اثنان على آخر القافلة فاستلبوا منها شيئاً فإنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، وقطاع الطرق يرجعون إلى منعة وقوة، فهؤلاء كلهم ليسوا قطاع طرق فلا يطبق في حقهم حد قطاع الطرق.

فإذا استوفوا هذه الشروط الثلاثة كانوا قطاع الطرق، وأقيم عليهم الحدّ فإن اختل شرط منها فلا يكونون قطاع طرق، ولا حدّ عليهم.

فإن تاب قطاع الطرق هؤلاء قبل أن تقدر الدولة عليهم سقطت عنهم حدود الله تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلاّ أن يعفى فتسقط حينئذ عنهم، لقوله تعالى: ( إلاّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) أما إن تابوا بعد القدرة عليهم فلا يسقط عنهم شيء من الحدود، عملاً بمفهوم قوله تعالى: ( من قبل أن تقدروا عليهم ).

حد السرقة حق الله

حد السرقة كسائر الحدود حق الله تعالى، ولو كان فيه حق لآدمي. ولذلك تقبل فيه شهادة الحسبة، ولا يحتاج إلى مطالبة المسروق منه بماله، ولا يسقط بإسقاط صاحب الحق. ثمّ إن الآية عامة كآية حد الزنا، فالله تعالى يقول: ( والسارق والسارقة فاقطعوا ) ولأنّ موجب القطع ثبت، فوجب من غير مطالبة، كحدّ الزنا، بدليل حديث المخزومية، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم غضب من شفاعة أسامة بحدّ السرقة، وقال: " إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " أي أن هلاكهم كان من تضييع الحدود. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حدٌّ يُعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً " وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فهو مضاد لله في أمره " . فهذه الأدلة كلها صريحة في عدم سقوط الحدّ، وفي أنه حق الله تعالى، ولذلك لا يحتاج إلى مدع، وتجوز فيه شهادة الحسبة.
غير أن تنازل صاحب الحق عن حقه قبل أن ترفع الدعوى إلى الحاكم هل تسقط الحدّ أم لا ؟ هناك من يقول بأن القطع يسقط بالعفو قبل الرفع. ويستدلون على ذلك بما روي عن صفوان بن أمية قال: " كنت نائماً في المسجد عَلَيَّ خميصة لي فسُرِقتْ، فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقطعه، فقلت يا رسول الله أفي خميصة ثمن ثلاثين درهماً، أنا أهبها له، أو أبيعها، قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به " وبما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب " وبما أخرج الدارقطني من حديث الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه " . ولكن المدقق في النصوص يجد أن القطع لا يسقط بالعفو مطلقاً، لا قبل الرفع إلى الحاكم ولا بعده. والدليل على ذلك عموم آية السرقة، ولأنه إذا ثبت موجب القطع وجب القطع من غير مطالبة، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه يجب على السلطان الإقامة إذا بلغه الحدّ، وكذلك حكى في البحر الإجماع على ذلك. ولأنّ أحاديث النهي عن الشفاعة عامة فتشمل ما قبل رفع الدعوى وبعدها، ولأنّ حد السرقة حق الله بلا خلاف، وإن كان فيها حق الآدمي، وحق الله لا يسقط بالإسقاط. فهذا كله يثبت أن حدّ السرقة لا يسقط بالإسقاط. وأما الأحاديث المارة وهي حديث صفوان، وحديث عمرو بن شعيب، وحديث الزبير، فإنها لا تدل على إسقاط الحدّ، وإنما تدل فقط على جواز العفو من صاحب المال، وعفو صاحب المال لا يعني إسقاط الحدّ، ولا يعني عفو الحاكم. فحديث صفوان يقول: " أنا أهبها له أو أبيعها " فقال الرسول: " فهلا كان قبل أن تأتيني به " ، أي فهلا كان عفوك قبل أن تأتيني به. وهذا لا يعني أنه لو عفا صاحب الحق قبل أن تصل الحاكم عن طريقة، ثمّ جاء شاهد حسبة وادعى أنه سرق لا تقبل دعواه، وأنه يعفى عنه، فإن الحديث لا يدل على ذلك إذ أن صاحب الخميصة قال للرسول حين رأى أن السارق سيقطع بسبب خميصته: أنا أهبها له أو أبيعها له، وهذا كناية عن طلبه العفو عن السرقة، فأجابة الرسول كان ينبغي أن تهبها له أو تبيعها له قبل أن تأتيني، أي كان ينبغي أن تعفو قبل أن تأتيني، أما بعد أن أتيتني فلا، أي أن حقك في العفو إنما هو قبل أن تبلغ الحاكم، أما بعد التبليغ فلا حق لك. وهذا لا يدل على أن السرقة التي عفا صاحبها قبل أن تبلغ الحاكم يسقط الحدّ عن السارق فيها، ولا يدل على أنه إذا بلغت الحاكم من غير طريق صاحبها لا ينظر الحاكم فيها، بل يعفو بناء على عفو صاحبها، لا يدل على ذلك، ولا بوجه من الوجوه، وإنما دلالته محصورة بسقوط حق صاحب السلعة بالعفو بعد التبليغ عن السرقة، وجواز عفوه قبل التبليغ، ولا يدل على غير ذلك. وأما حديث عمرو بن شعيب فإنّه يدل على أن العفو بينهم جائز، ولهذا قال " فما بلغني من حدّ فقد وجب " وهذا عام سواء بلغه بادعاء صاحب الحق، أو بلغه بادعاء غيره، وحديث الزبير كذلك فإنّه يقول: " اشفعوا ما لم يصل الوالي " أي اشفعوا بعضكم لبعض ولهذا قال: " فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه " وهذا عام سواء وصل إلى الوالي من طريق صاحب المال، أو وصل من طريق غيره فلا عفو. فعموم حديث عمرو بن شعيب، وحديث الزبير يؤيد أن عفو صاحب المال قبل الوصول إلى الحاكم لا يسقط الحدّ فيما لو وصل إلى الحاكم، وكل ما في الأمر أن أصحاب المال يصح أن يصدر منهم العفو قبل الوصول إلى الحاكم.
وعليه فإن السرقة حق الله تعالى، ولا يسقط فيها الحدّ مطلقاً، سواء عفا صاحبها قبل الوصول إلى الحاكم أو بعده، فإذا بلغت الحاكم السرقة فيجب أن يسمع الدعوى، سواء رفعت من صاحبها أو من شاهد الحسبة أو من الشرطة، لأنّها لا تحتاج إلى مدع، ولا يحل له أن يرفض قبول الدعوى. وإذا ثبتت السرقة وجب أن يقيم الحدّ، لأنّه لا يسقط بالإسقاط، ولا يشفع به، ولا يدخله العفو، " فما بلغني من حدّ فقد وجب " . " فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه " .

**الشرط السابع: أن تثبت السرقة بالإقرار، أو البينة العادلة. أما الإقرار فلا بد أن يكون مقروناً بالوصف، أي أن يصف السارق الشيء الذي سرقه، لاحتمال أن يكون سرق مالاً لا قطع فيه، وهو يظن القطع. روى أحمد عن أبي أمية المخزومي: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بلص فاعترف اعترافاً، ولم يوجد معه المتاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخالك سرقت ؟ قال: بلى، مرتين أو ثلاثاً، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقطعوه " . فالرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يتثبت أن المال المسروق هو من السرقة التي تقطع، فقال له ما أخالك سرقت ؟ فلما أجابه أكثر من مرة، قال: اقطعوه. ويندب للقاضي الذي يقر أمامه السارق تلقين المسقط للحدّ، والمبالغة في الاستثبات، والإقرار يكفي فيه مرة واحدة ككل إقرار. أما ما ورد من تكرار الإقرار، فالمراد منه التثبيت، وليس شرطاً في الإقرار. وأما البينة فيشترط أن تكون رجلين عدلين، أو رجلاً وامرأتين، أي من نوع بينة العقوبات، وأن يصفا السرقة وصفاً يميزها إن كانت غائبة، أو يشيراً إليها إن كانت حاضرة، وأن لا يختلفا في الشهادة اختلافاً يجعلهما متناقضين، فإن اختلفا كأنّ شهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس، والآخر يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه سرق أتومبيلاً، والآخر شهد بأنه سرق موتوسيكلاً، فإنّه لا قطع لعدم اكتمال نصاب الشهادة.

هذه هي شروط القطع في السرقة، فإذا استوفت السرقة هذه الشروط قطع السارق. ولا يكتفى بقطع يده بل يجب أن يرد المال المسروق لصاحبه، فقد أخرج أبو داود عن الحسن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من وجد عَيْنَ مالِه عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه " وهذا عام يشمل السارق والمغتصب والمختلس والخائن، وأخرج أحمد عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سُرق من الرجل متاع، أو ضاع منه فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن " فهو نص في أن المال المسروق يُرَدُ لصاحبه. فإذا كانت العين قد تلفت، أو استهلكت ضمنها، فعليه أن يدفع ثمنها لصاحبها، وإن كانت العين قد نقصت بغير استعمال، كتعثث الثوب، وكتلف آلات الأوتومبيل، أو ما شاكل ذلك فيجب أخذ الأرْش. ومثل ذلك لو كان النقص بالاستعمال، وإذا كانت العين ذات منفعة كطائرة أو جمل، فإن له أن يطالب السارق بمنفعتها مدّة بقائها في يده، سواء انتفع بها بالفعل، أم لم ينتفع بها.

مالا قطع فيه

هنالك أموال وحالات لا قطع فيها، لورود الأحاديث الدالة على عدم القطع، ولأنها لا تدخل فيما يجب القطع بأخذه. فقد ورد عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا قطع في ثَمَرٍ، ولا كَثَرٍ " فالثمر اسم الرطب المعلق على الأشجار، وأما الكثر فهو النخل الصغار يسرق ليغرس في أرض أخرى، والكَثَرُ أيضاً جُمّار النخل وطلعها، والجمّار شحم النخلة. وعن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا قطع في الطعام المهيأ للأكل " ولا فرق في ذلك بين الطعام الذي يهيئه أهل البيت لأكلهم، وبين الطعام الذي يهيئه صاحب المطعم للبيع، فإن نص الحديث منطبق على كل طعام مهيأ لأن يأكله الناس. وأما الطعام الذي لا يزال حباً، أو سنبلاً كالقمح ونحوه، فإنها غير مهيأة للأكل، فإن كانت في غير حرزها كالحنطة في الحقل، سواء أكانت محصودة، أم غير محصودة فلا قطع فيها، أما إن كانت في حرز مثلها ففيها القطع، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حريسة الجبل، فقال: " هي ومثلها إذا جمعها المراح ففيها غرم مثله وجلدات نكال " وفي حديث عمرو بن شعيب قال: " يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها ؟ قال: من أخذ بِفيِه، ولم يتخذ خُبْنَةً فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين، وضرب نَكالٍ، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجنّ " فهذا كله يدل على أن البساتين والحقول ومراعي الماشية وما شاكل ذلك لا قطع فيها.

ولا قطع في عام السَّنَةِ وهي زمان القحط، لما روي عن مكحول رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا قطع في مجاعة مضطر ". وذكر الحسن عن رجل قال: " رأيت رجلين مكتوفين ولحماً فذهبت معهم إلى عمر رضي الله عنه، فقال صاحب اللحم: كانت لنا ناقة عشراء، ننتظرها كما ننتظر الربيع، فوجدت هذين قد اجتزراها، فقال عمر رضي الله عنه: هل يرضيك من ناقتك ناقتان عشراوان مربعتان، فانا لا نقطع في العذق، ولا في عام السَّنة " أي عام المجاعة، وكان ذلك في عام المجاعة. والعشراء الحامل التي أتى عليها عشرة أشهر قرب موعد ولادتها، فهي أعز ما يكون عند أهلها، ينتظرون الخصب والسعة للبنها، كما ينتظرون الربيع، ومعناه لا قطع في عام السَّنَة. ومثل ذلك سرقة الجائع الذي لا يجد ما يأكله، فانه إذا سرق ليشبع جوعته لا قطع عليه، لأنه ينطبق عليه قول الرسول: " لا قطع في مجاعة مضطر ".

وعلى هذا فإن صغار النخل التي تؤخذ لتغرس في أرض أخرى وكذلك جميع الفسائل، أي جميع ما يؤخذ ليغرس في غيره، وجُمّار النخل وطلعها فإنّه لا قطع فيه، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا قطع في ثَمَر أو كَثَر " ولم يرد ما يقيد الكَثَر بشيء، فيكون لا قطع فيها مطلقاً، سواء أخذت من حرزها أو من غيره، وكذلك لا قطع في الطعام المهيأ للأكل من غير أي قيد، سواء أخذ من حرزه أو من غير حرزه، لإطلاق حديث " لا قطع في الطعام المهيأ للأكل " . أما الثمر والحنطة ونحوها فإنّه لا قطع فيها إن أخذت من غير الحرز، أما إن أخذت من الحرز فيقطع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " وما أخذ من أجرانه ففيه القطع " .**

**الشرط الثالث: أن يكون المسروق مالاً محترماً، أذِنَ الشارع بتملكه، فيشترط أن يكون مالاً، وأن يكون هذا المال محترماً، أي أذِنَ الشارع بتملكه. فإن سَرَق غير مال، أي ما لا يعتبر مالاً، فلا يقطع. فلو سرق حُراً لا يقطع، لأنّه لا يعتبر مالاً، وإن سرق مالاً غير محترم، أي لم يأذن الشارع بتملكه فإنّه لا يقطع. فلا قطع في سرقة الخمر والخنزير من المسلم، لأنّها ليست مالاً محترماً، أما سرقتها من غير المسلم ففيها القطع، لأنّ الشارع أذِنَ لهم بتملك الخمر والخنزير، فهي بالنسبة لهم مال محترم، وكذلك يقطع في سرقة آنية الخمر إذا بلغت نصاباً، ويقطع في سرقة المصحف، وكتب العلم إذا بلغ ثمنها نصاباً.

الشرط الرابع: أن يسرقه من حرز، ويخرجه منه، فإن وجد باباً مفتوحاً، أو حرزاً مهتوكاً فلا قطع عليه، لما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحريسة التي توجد في مراتعها، قال: فيها ثمنها مرتين، وضَرْبُ نَكال، وما أُخِذ من عطنة ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن " والحريسة هي التي ترعى وعليها حرس. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً من مزينة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الثمار فقال: " ما أخذ في غير أكمامه فاحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الخزائن ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن " وروى النسائي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق فقال: مَنْ أصاب منه بفيه مِنْ ذي حاجة، غير متخذ خُبْنَة فلا شيء عليه، ومَنْ خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومَنْ سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجَرِين فبلغ ثمن المِجنّ فعليه القطع " فدل كل ذلك على أن الحرز شرط في القطع. فالماشية إذا أخذت من المرعى فلا قطع بأخذها، لأنّها لم تؤخذ من حرز مثلها، فإذا أخذت من عطنها، أو زريبتها أو ما شاكل ذلك مما هو حرز مثلها ففيها القطع. والثمر إذا أخذ عن الشجر فلا قطع بأخذه، فإذا أخذ من المكان الذي يحفظ فيه، وهو الجرين ففيه القطع، وهكذا كل شيء لا قطع فيه إذا أُخذ مِنْ غير حرز مثله، وفيه القطع إذا أُخذ مِنْ حرز مثله، وبلغ ثمنه ربع دينار ذهباً.

ويرجع في الحرز إلى اصطلاح النّاس، لا إلى نصوص اللغة، ولا إلى نصوص الشرع، وذلك لأنّه وصف واقع، واصطلاح على تسمية هذا الواقع، فلا يرجع فيه إلى الدليل، وإنما إلى ما اصطلح النّاس عليه. أي أن الحرز هو ما اصطلح النّاس عليه لحفظ المال فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان، فحرز النقود غير حرز المواشي، وغير حرز الثياب وهكذا… ويشترط أن يخرجه من الحرز، حتى يحصل القطع، فإن لم يخرجه منه فلا قطع. ويستثنى من اشتراط الحرز العارية، فإن جاحد العارية يقطع، لأنّ المخزومية التي أراد أن يشفع لها أسامة، والتي قال لأجلها الرسول والله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، قد حدها الرسول، لأنّها كانت تستعير، ثمّ تنكر ما استعارته، وقطع الرسول يدها لجحدها العارية، فتكون العارية مستثناة بنص الحديث من اشتراط الحرز، عن عائشة قالت: " كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أسامة لا أراك تشفع في حد من حدود الله عز وجل، ثمّ قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، فقطع يد المخزومية " .

الشرط الخامس: أن تنتفي الشبهة عن المال المسروق، من حيث أن له حقاً فيه، أو أن له أن يأخذ منه، وعليه فلا قطع بالسرقة من مال أبيه، ولا من مال ابنه، ولا من مال له فيه شراكة. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت ومالك لأبيك " وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه " وكذلك لا قطع فيما أخذه من بيت المال. لما روى ابن ماجة بإسناده عن ابن عباس أن عبداً من رقيق الخمس، سرق من الخمس، فرفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقطعه وقال: " مال الله سرق بعضه بعضاً " وسأل ابن مسعود عمر رضي الله عنه عمن سرق من بيت المال فقال: " أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق " وعن الشعبي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: " ليس على من سرق من بيت المال قطع " ومثل بيت المال ما هو داخل في الملكية العامة، فإن فيه شبهة أن يكون له حق فيه، سواء أكان نفس المال ملكية عامة كالنفط، أم صار ملكية عامة، لأنّه صار من الحمى، كالكهرباء والماء، فإنّه إن سرق منها لا يقطع، ولكن يعزر، لوجود الشبهة، ولأنه كالمال الذي لبيت المال. وكذلك لا يقطع أحد الزوجين إذا سرق من مال الآخر، لأنّ أحد الزوجين يتصرف في مال الآخر بغيابه، فتكون هذه شبهة فلا قطع. والحاصل أن كل مال فيه شبهة الأخذ لا يجري فيه القطع إذا سرق لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات.

الشرط السادس: كون السارق بالغاً عاقلاً ملتزماً أحكام المسلمين، مسلماً كان أو ذمياً، فإن كان صبياً أو مجنوناً فلا قطع، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رُفِعَ القلم عن ثلاث: النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المبتلى حتى يعقل " ورَفْعُ القلم عنهم يعني أنهم غير مكلفين شرعاً.**

**حد السرقة

حد السرقة هو قطع اليد، لقوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ولما روى البخاري عن عائشة قالت: قال صلى الله عليه وسلم " تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً " ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه " ولما روي عن عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد امرأة، قالت عائشة وكانت تأتي بعد فارفع حاجتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتابت وحسنت توبتها " .

والسرقة أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، على شرط أن يكون نصاباً يقطع عليه، ون يخرجه من حرز مثله، وأن لا تكون في هذا المال شبهة. سواء أكان أخذ المال ليلاً أم نهاراً، وسواء أكان دخل إلى المكان بالخلع أم بغيره، وسواء أكان مكاناً للسكنى، أم كان مكانا عاماً، وسواء أكان مقنعاً متخفياً، أم كان ظاهراً، وسواء أكان يحمل سلاحاً، أم لا يحمل. فكل أخذ للمال على وجه الاختفاء يعتبر سرقة. ولكنه لا يقطع على السرقة إلاّ إذا استكملت شروطها الشرعية، التي جاءت بها النصوص الصحيحة. ولهذا لا يجب القطع إلاّ بسبعة شروط: أحدها: أن ينطبق على الأخذ تعريف السرقة، ومعنى السرقة هو أخذ المال على وجه الاختفاء والاستتار. فإن اختطف، أو اختلس، أو انتهب، أو خان لم يكن سارقاً، ولا قطع عليه، لما روى أبو داود عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع " ولا قطع على جاحد الوديعة، لأنّ واقعه جاحد وليس بسارق، فهو خائن وليس بسارق، والخائن لا قطع عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس على الخائن ولا المختلس قطع " . والاختلاس نوع من الخطف والنهب، فهو يستخفي في ابتداء اختلاسه، ويستثنى من الخائن جاحد العارية فإنّه يقطع للنص الوارد فيه. وأما النشال فإنّه يقطع لأنّه ينطبق عليه تعريف السرقة فهو يأخذ المال على وجه الاختفاء.

الشرط الثاني: أن يكون المسروق نصاباً. وقال البعض يثبت القطع في القليل والكثير، واستدلوا بعموم الآية، فإن لفظ السارق والسارقة اسم جنس محلى بالألف واللام فهو من ألفاظ العموم فيشمل كل سارق، ولما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله السارق، يسرق الحبْلَ فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده " والبيضة لا تساوي ربع دينار، وسياقها هنا للدلالة على القليل لا على نفس البيضة، أي يقطع مهما كانت سرقته قليلة، ولكن ما تدل عليه النصوص اشتراط النصاب، فعن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً " وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقطع يد السارق إلاّ في ربع دينار فصاعداً " وفي رواية قال: " اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك " . فهذه الروايات صريحة الدلالة في النص على النصاب، فتعتبر مخصصة لعموم الآية كتخصيص عموم الزنا بالرجم، وأما حديث أبي هريرة فيجمع بينه وبين حديث النصاب بأن المراد بالبيضة بيضة السلاح، وقد قال الأعمش في رواية حديث البيضة: " كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي دراهم " وروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: " أنه قطع يد سارق في بيضة من حديد ثمنها ربع دينار " ثمّ أنه لا يدل على القلة، بل يدل على قلة محدده، وحددها بتمثيله بالحبل والبيضة. وعليه فإن النصاب شرط في القطع فإن لم يبلغ نصاباً فلا قطع.

ونصاب القطع مقدر بربع دينار من الذهب، وهو يساوي 1,0625 غراماً ذهباً، لأنّ دينار الذهب الشرعي يساوي 4,25 غراماً ذهباً.

والدليل على أن هذا هو نصاب السرقة، ما رُوي عن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلميقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً " وما رواه البخاري عن هشام عن أبيه قال: " أخبرتني عائشة أن يد السارق لم تقطع على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلاّ في ثمن مجنّ جحفة أو ترس " والمجنّ والجحفة مثل الترس، وما رواه البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: " قطع النبي صلى الله عليه وسلم في مجنّ ثمنه ثلاثة دراهم " .

ونصاب السرقة لا يقدر إلاّ بالذهب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجنّ، قيل لعائشة ما ثمن المجنّ ؟ قالت: ربع دينار " فالنصاب قدّر بالذهب، فيجب تقديره بالذهب عملاً بالنص. ويجعل الذهب أساساً في التقدير، فتقدر به الفضة، وكانت قد قدّرت به أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، كما تقدر به النقود الورقية اليوم، إذ يبقى الذهب هو الأساس في تقدير نصاب السرقة. وكان قد وردت أحاديث تقدّر ربع الدينار بثلاثة دراهم أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والدرهم يساوي 2,975 غراماً فضة على أساس أن دينار الذهب كان يساوي 12 درهماً فضة تقريباً أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما اليوم يزيد ثمن دينار الذهب على 60 درهماً فضة، لذلك فإن ربع الدينار الذهب في هذه الأيام يساوي أكثر من 15 درهماً فضة تقريباً. فقد ورد في رواية " وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم " وورد في رواية لأحمد " أنه كان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم " وأخرج ابن المنذر " أنه أُتي عثمان بسارق سرق أترجّة فقوّمت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع " . فذلك كله يدل على أن النصاب ربع دينار، وتقدر به الفضة والنقود الورقية، وإن المال المسروق يقدر على أساس ذلك.**

**ومن ذلك كله يتبين أن شارب الخمر يجلد أربعين جلدة عملاً بالأحاديث التي نصت على الأربعين، والتي نصت على أنه حول الأربعين. فيكون لحدّ الشرب حدّ معين هو الأربعون. وأما الدليل على أنه يجوز أن يزيد عن أربعين، ولكن لا ينقص عن الأربعين، فهو الأحاديث التي نصت على نحو الأربعين وهي حديث أنس: " فجلد بجريدتين نحو أربعين " وحديث النسائي: " ضربه بالنعال نحواً من أربعين " وحديث البيهقي: " فأمر نحواً من عشرين رجلاً فجلده كل واحد جلدتين " فإنها كلها تدل على أنه يجوز أن يكون قد جلد أقل من أربعين أو أكثر من أربعين، غير أنه لما كان قول الرسول صلى الله عليه وسلم " أربعين " قد ثبت في أحاديث متعددة فإن النص على الأربعين ينفي أن يكون أقل من أربعين فيمنع احتمال تفسير كلمة " نحو أربعين " بأقل من أربعين ويبقى معناها أربعين أو أكثر من أربعين، وهذا إشارة إلى جواز الزيادة على الأربعين، ويؤيده حديث الزهري بأنه عليه السلام " كان يأمر من حضر أن يضربوا بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم ارفعوا " فإنّه إذا قرن بالأحاديث التي تنص على " الأربعين " يفهم منه أنه لم يقل لهم ارفعوا قبل الأربعين ولكن يجوز أن يكون قد قال لهم ارفعوا بعد الأربعين، وعلى ذلك فإنّه تصح الزيادة على الأربعين. ولعل هذا هو الذي اختلف فيه الصحابة أي اختلفوا بمقداره، فإنا نجد عمر رضي الله عنه يستشير في حد شارب الخمر فعن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عهد عمر استشار النّاس، فقال عبد الرحمن أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر " وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: " شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية الكريمة، فاستشار فيهم ( يعني عمر ) فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين، وإلا ضربت أعناقهم لأنّهم استحلوا ما حرم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين " فهذان الحديثان يدلان على أن عمر استشار الصحابة في مقدار حد الخمر، وإذا كان يمكن أن يقال إن عمر لم يستشر الصحابة في جلد هؤلاء الشاربين من النفر من أهل الشام حد الخمر، وإنما استشارهم فيما فعلوه من شرب الخمر ومن تأولهم الآية الكريمة، فالاستشارة قد وقعت في الشرب على أساس التأول وليس في حد الشارب، ولذلك أشار عليه علي بأن يستتيبهم لأنّهم أحلوا الحرام فإن لم يتوبوا قتلهم وإن تابوا جلدهم ثمانين. فيمكن أن يقال هذا عن استشارة عمر في حديث النفر من أهل الشام، ولكن حديث أنس صريح في أن الاستشارة في مقدار حد الشرب، ويدل عليه قول عبد الرحمن له " أخف الحدود ثمانين " فهو نص في أن الاستشارة في مقدار الحد. فكيف يستشير عمر في مقدار الحدّ، وأحاديث ضرب الشارب أربعين ونحو أربعين ثابتة ويعرفها عمر، فالاستشارة في مقدار الحد إذا قرنت بأحاديث الأربعين وأحاديث نحو الأربعين تدل على أنه كان يستشير فيما زاد على الأربعين، أي كان يستشير في ضرب الشارب فوق أربعين فأشار عليه عبد الرحمن بأن أخف الحدود ثمانين، وبذلك يظهر أمران: أحدهما أن الصحابة قد فهموا أنه يجوز زيادة الحدّ على أربعين، والثاني أن اختلاف الصحابة في مقدار حدّ الخمر إنما هو فيما زاد على الأربعين لا في الأربعين.

وأيضاً فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت، وأجد في نفسي منه شيئاً إلا صاحب الخمر، فإنّه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسُنّه " وقد قال فيه أبو داود وابن ماجة: لم يسن فيه شيئاً إنما قلناه نحن. ومعنى لم يسنه يعني لم يقدره ولم يوقته بلفظه ونطقه. فهذا الحديث يقول فيه علي أن الرسول لم يقدر لحدّ الخمر مقداراً معيناً، في حين أن علياً نفسه يقول: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سُنّة " فكيف يتأتى أن يقول: " وذلك أن رسول الله لم يَسُنّه " مع أنه يقول: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين " إلاّ أن يكون قد قصد في قوله " لم يَسُنّه " أي لم يقدّر له حدّاً فيما زاد على الأربعين، فكأن البحث إنما هو فيما زاد على الأربعين، إذ مسألة الأربعين مبتوت فيها بالأحاديث التي جاءت نصاً صريحاً بها.

ومن ذلك يتبين أن اختلاف الصحابة في مقدار الحدّ إنما هو اختلاف فيما زاد على الأربعين، لا في الأربعين، وأن قول علي بأن الرسول لم يقدر حداً معيناً في الخمر، وما ورد من أحاديث " أن الرسول لم يفرض في الخمر حداً " إنما هو فيما زاد على الأربعين، بدليل قول علي بأن الرسول جلد أربعين وبدليل الأحاديث التي تنص على الأربعين. ويتبين أن النص على الأربعين إذا قرن بأن الرسول لم يحدد حدّاً وبقول الرسول نحو أربعين يكون دليلاً على أنه تجوز الزيادة على الأربعين. إلاّ أن هذه الزيادة لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حد معين، فلم يثبت أنّها ثمانون، ولا أقل ولا أكثر، وإنما ثبت مطلق الزيادة ليس غير.

غير أن الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان اجتهادهم لا يعتبر من الأدلة الشرعية، ولكنه حكم شرعي توصلوا إليه باجتهاد صحيح، فهو فوق كونه يصح أخذه لأنّه حكم شرعي رآه مجتهد، فإنّه يؤتنس بقولهم، ويؤنس برأيهم، ولذلك يعين ما زاد على الأربعين بحدّ معين هو ثمانون جلدة، فيكون الحدّ أربعين، ويجوز أن يأمر الخليفة بجلده ثمانين. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد أربعين، والصحابة رضوان الله عليهم جلدوا أربعين، وجلدوا ثمانين، فيكون الحدّ أربعين وثمانين. أما الدليل على أن الصحابة قد ضربوا أربعين، وضربوا ثماني فأحاديث كثيرة تدل على ذلك: روى أحمد ومسلم عن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برجل قد شرب الخمر فَجُلِدَ بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عهد عمر استشار النّاس فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر " وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: " شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية الكريمة، فاستشار فيهم ( يعني عمر ) فقلت: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا ضربتهم ثمانين، وإلا ضربت أعناقهم لأنّهم استحلوا ما حرم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين " وعن حضين بن المنذر قال: " شهدت عثمان بن عفان أُتِيَ بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثمّ قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حُمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارّها من تولى قارّها، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثمّ قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة، وهذا أحب إلي " وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في شرب الخمر قال: " إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة " فهذه الأحاديث والآثار صريحة في أن ما عليه الصحابة هو أنهم كانوا يجلدون شارب الخمر أربعين، ويجلدونه ثمانين، وأن عملهم استقر على هذين الحدين، أما الأربعون فثابتة بنص الحديث فهم قد جلدوا أربعين عملاً بنص الحديث لا باجتهادهم بدليل قول علي: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين " وأما الثمانون فقد جلدوها الشارب باجتهادهم، لما فهموه من جواز الزيادة على الأربعين، ولأنهم رأوا أن أخف الحدود ثمانون، أو لأنّ الشارب إذا سكر هذى وإذ هذى افترى فجعلوا عليه حد المفتري أي حد القذف وهو ثمانون. هذا هو ما سار عليه الصحابة، وما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فجلد الأربعين ثابت بالسنة، وجلد الثمانين ثابت عن كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون حد شارب الخمر أربعين وثمانين.

هذان الحدان هما حدّ شارب الخمر، ولا يجوز غير هذين الحدّين مطلقاً، لأنّه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم أنه جلد غير الأربعين والثمانين، فلا يجوز أن يكون خمسين ولا تسعين ولا غير ذلك لأنّه حد وليس تعزيراً، ولأنه ثبت فيه مقداران عن الرسول وعن الصحابة فيقتصر على أخذ المقدارين ليس غير. إلاّ أنه يجوز للخليفة أن يوجب أحدهما، أي يجوز له أن يأمر بأحدهما إلزاماً ويجعله واجباً، لأنّه إن أوجب الثمانين فقد دخلت فيها الأربعون الثابتة بالسنة والزيادة الجائزة بالتقدير الذي اتفق عليه الصحابة وهو الثمانون، وإن أوجب الأربعين فإنها ثابتة بالسنة، وما زاد عليها جائز للإمام، وليس واجبا عليه، فيكون لا شيء عليه بإيجاب الأربعين فقط.

وإنما يضرب من شرب الخمر الحدّ إذا كان عالماً أن كثيره يسكر، فأما غيره فلا حد عليه لأنّه غير عالم بتحريمها، ولا يجب الحدّ حتى يثبت شرعاً بأحد شيئين: الإقرار أو البينة، ويكفي أن يشهد أحد الشاهدين على شرب الخمر والآخر على القيء، لما جاء في حديث حُضّيْن: " فشهد رجلان: أحدهما حُمْران أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها " .**

**مقدار عقوبة شارب الخمر

عقوبة شارب الخمر من الحدود، فيجب الحد على من شرب الخمر، أي على من شرب أي شراب مسكر، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من شرب الخمر فاجلدوه " وقد ثبت أن كل مسكر خمر فيتناول الحديث قليله وكثيره. وقد انعقد إجماع الصحابة على أن للشراب حدّاً، وعلى جلد شارب الخمر، وقد اتفقوا على ثبوت حد الشارب، وأجمعوا على أنه لا ينقص عن أربعين.

والناظر في الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع جلد شارب الخمر يجد أنّها تدل على أن شارب الخمر يجلد أربعين، وأنه يجوز أن تزيد على أربعين فأما الأحاديث الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد أربعين فقد أخرج مسلم في حديث حُضَين بن المنذر في جلد الوليد أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة " وأخرج الترمذي عن أبي سعيد: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين " وعن أبي سعيد قال: " جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بنعلين أربعين "، وعن أبي سعيد قال " جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطاً " . فهذه الأحاديث صريحة في الدلالة على أن شارب الخمر يجلد أربعين، فإنها كلها تدل على الأربعين نصاً، ويكفي فيها حديث علي وهو قوله: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين " ويؤيدها في ذلك الأحاديث الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد نحواً من أربعين، فقد أخرج مسلم عن أنس قال: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برجل قد شرب الخمر فَجُلِدَ بجريدتين نحو أربعين " وأخرج النسائي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربه ( أي شارب الخمر ) بالنعال نحواً من أربعين " وأخرج أحمد والبيهقي: " فأمر نحواً من عشرين رجلاً فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال " أي أن الرسول أمر نحواً من عشرين رجلا. فهذه الأحاديث لم تعين الأربعين تحديداً بل قالت نحواً من أربعين فيجوز أن تكون أكثر، ويجوز أن تكون أقل، غير أن أحاديث التحديد بالأربعين قد منعت أن تكون أقل من أربعين، لأنّها نصت على الأربعين، ولا يوجد أحاديث أخرى قد نصت على أقل من أربعين، فينفى احتمال أن يكون أقل من أربعين ويبقى احتمال أن يكون أكثر من أربعين، لأنّ اقتران قوله ( أربعين ) بقوله نحواً من أربعين ينفي النقصان عن الأربعين، وبذلك تكون هذه الأحاديث مؤيدة القول بأن الحدّ أربعون، ولكنها تعطي معنى آخر وهو جواز الزيادة على الأربعين، غير أن هناك أحاديث لم تبين عدداً معيناً للحدّ، بل جاءت تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يضرب الشارب، ولم تبين مقدار ما يضرب. فعن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين " . عن عقبة بن الحارث قال: " جِئَ بالنعمان أو ابن النعمان شارباً فأمر رسول الله مَنْ كان في البيت أن يضربوه فكنت فيمن ضربه، فضربناه بالنعال والجريد " ، وعن السائب بن يزيد قال: " كنا نُؤْتى بالشارب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمْرَةِ أبي بكر وصدراً من إِمْرَة عمر فنقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان صدراً من إِمْرَة عمر فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين " . وعن الزهري: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرض في الخمر حدّاً، وإنما كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول ارفعوا " وأخرج أبو داود بسند قوي عن ابن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حداً " ، وأخرج النسائي عن ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَقِتْ في الخمر حدّاً " ، وكلمة يقت من التوقيت أي لم يقدره بقدر، ولم يحدّه بحدّ. فهذه الأحاديث لم تذكر حدّاً معيناً لشارب الخمر، بل إن بعضها صرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفرض في الخمر حداً. وهذا يعني أن تحديد الجلد بعدد معين أي بأربعين لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو يعارض تحديد الحد بأربعين. بل إن الأحاديث تنفي صراحة تحديد الحدّ بـعدد معين، فيكون ذلك معارضاً لتحديد الحدّ بأربعين وتكون هذه الأحاديث معارضة للأحاديث التي حددت الحدَّ بأربعين. والجواب على ذلك بالنسبة للأحاديث التي لم تذكر عدداً معيناً تعتبر من قبيل المطلق، أي كأنها تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بضرب شارب الخمر، ولم تذكر مقدار ما أمر أن يضربه من الحدّ. فحديث أنس يقول: " جلد في الخمر بالجريد والنعال " فهو مطلق، وحديث عقبة يقول: " فأمر رسول الله من كان في البيت أن يضربوه " فهو مطلق، فهذان الحديثان واضح فيهما أنهما من قبيل المطلق، وإذا ورد نص مطلق من قيد عدد أو صفة، وورد نص مقيد بعدد أو صفة فإنّه يحمل المطلق على المقيد ويسري القيد على الجميع، وهنا ورد نص مطلق من غير أن يقيد بعدد، وورد نص مقيد بعدد معين، فإنّه من غير شك يحمل المطلق على المقيد، فتحمل الأحاديث التي لم تذكر العدد على الأحاديث التي ذكرت العدد. وأما حديث السائب فإنّه يدل على أنهم كانوا يضربونه من غير التقيد بعدد معين فهو ليس من قبيل المطلق بل من قبيل الإخبار بأنه لم يكن لحدّ الخمر مقدار معين فهو مثل الأحاديث التي بعده أي مثل حديث الزهري وابن عباس. وهذه الأحاديث التي تنص على أن الرسول لم يحد حداً للخمر هي نفي وليس إثباتاً، فتحمل على أنه حسب علمهم لم يعرفوا أنه قد حدّ حدّاً معيناً، بدليل أن غيرهم قد روى أن الرسول قد حدّ حدّاً معيناً. مثل حديث أبي سعيد: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين " ومثل ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أزهر: " أنه صلى الله عليه وسلم أمر بجلد الشارب أربعين " فيكون من نفى تحديد الحدّ نفى بحسب علمه، فلا يعارض الحديث الصحيح الذي أثبت العدد. على أن هذه الأحاديث نفي وأحاديث الأربعين إثبات، والقاعدة الأصولية إذا تعارض النفي والإثبات قدم الإثبات على النفي، فتقدم الأحاديث التي تثبت حدّاً معيناً، على الأحاديث التي تنفي وجود حدّ معين. على أن إعمال الدليلين أولى ولذلك يحمل النفي على أنه حسب علمهم، وهذا لا ينفي أن غيرهم يعلم غير هذا، أي يعلم أن لحدّ الشرب حداً معيناً عينه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.**

**حد شارب الخمر

حُرِّمت الخمرة بآية المائدة وهي قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ). فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حُرِّمت الخمر " . وفي حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حرّم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع، قال: فاستقبل النّاس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها " .

والمراد بالخمر الوارد في الآية كل شراب مسكر، وليست الخمر خاصّة بما يتخذ من العنب فقط، بل هو وما يتخذ من غير العنب من الأشربة المسكرة، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل " وقد أراد عمر بذلك التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية أي آية المائدة ليس خاصاً بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها. ويوافقه حديث أنس، فقد روى البخاري قال: حدثنا مسدد حدثنا معتمر عن أبيه قال: " سمعت أنساً قال: كنت قائماً على الحي أَسقيهم عمومتي - وأنا أصغرهم - الفضيخ، فقيل حرمت الخمر، فقال إكفئها فكفأتها، قلت لأنس ما شرابهم ؟ قال: رطب وبسر، فقال أبو بكر بن أنس، وكانت خمرهم فلم ينكر أنس " فهذا يدل على أن الصحابة فهموا أن تحريم الخمر تحريم كل مسكر، ويؤيد ذلك ما أخبره أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البِتْعِ، وهو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل شراب أسكر فهو حرام " . وهناك أحاديث كثيرة أن الشراب الذي يتخذ من أي شيء إذا أَسكر فهو خمر. عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن العسل خمراً " . وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام " فثبت من ذلك أن الخمر ما خامر العقل أي ستره، وأن كل مسكر خمر. وعلى هذا فكل شراب أسكر وغطى العقل يعتبر خمراً سواء أكان متخذاً من العنب أم متخذاً من الذرة أم التمر أم الشعير أم القهوة أم غير ذلك. فكل مسكر يقال له خمر. وفي الحبشة يتخذون من القهوة خمراً وهي خمر خاصّة بإمبراطور الحبشة. وعليه فالسبيرتو والكلونيا وشراب الجن وما أشبه ذلك خمر لأنّها مسكرة والرسول يقول " كل مسكر خمر " . وعلى هذا فإن الخمر لها معنى شرعي غير معناها اللغوي، وهذا المعنى الشرعي هو الذي نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم وجاء في الأحاديث. فالحرمة للخمر الوارد في الآية هي حرمة كل شراب مسكر سواء اتخذ من العنب أم من غيره، لأنّه كله خمر.

وتحريم الخمر لم يكن لعلة من العلل وإنما حرمت لأنّها خمرة تماماً كتحريم الميتة، فالله تعالى قال: ( حُرمتْ عليكم الميتة ) ولم يعلل فتكون حراماً لأنّها ميتة، وكذلك فإن الله تعالى قال: ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ) إلى قوله ( فهل أنتم منتهون ) لم يعلل النهي عنها بل أمر باجتنابها أي حرمها من غير تعليل فتكون حراماً لأنّها خمر، لا لعلة من العلل، لا سيما وقد ورد ما يدل على أنّها حرمت لأنّها خمر، فقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حرمت الخمرة لعينها والمسكر من كل شراب " أي حرمت لأنّها خمر، وحرم المسكر من كل شراب لأنّه مسكر، فلا علة في تحريم الخمر ولذلك لا تعلل.**

**حد القذف

القذف هو الرمي بالزنا، وقذف المؤمنات الغافلات المحصنات هو المحرّم، وإلا فمن قذف زانية وأتى بشهداء فليس كذلك. والقذف المحرّم قد حُرِّم بالكتاب والسنة، قال تعالى: ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون ) وقال سبحانه: ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعِنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات " وكلمة المحصنات هنا في الآيتين والحديث: العفائف جمع عفيفة. وكلمة المحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان: أحدها العفائف، هنا في الآيتين، والثاني بمعنى المتزوجات، كقوله تعالى: ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) وقوله تعالى: ( محصنات غير مسافحات ) والثالث بمعنى الحرائر مقابل الإماء، كقوله تعالى: ( ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات ) وقوله تعالى: ( والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) وقوله تعالى: ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) والمعنى الرابع بمعنى الإسلام كقوله تعالى: ( فإذا أحصن ) قال ابن مسعود إحصانها إسلامها. فكلمة المحصنات من الألفاظ المشتركة ككلمة عين تطلق على عدة معان، والمراد هنا معنى واحد منها وهو العفائف.

ومن قذف مسلمة محصنة جُلِد الحدّ ثمانين جلدة، على أن يكون القاذف مكلَّفاً مختاراً، وأن تكون المحصنة قد جمعت شرائط الإحصان. وشرائط الإحصان الذي يجب الحدّ بقذف صاحبته خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا، وأن تكون كبيرة يجامع مثلها.

ويعتبر لإقامة الحدّ بعد تمام القذف بشروطه الخمسة شرط واحد أساسي، وهو: أن لا يأتي القاذف ببينة على قذفه، لقول الله تعالى: ( والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ) فيشترط في جلدهم عدم البينة، وكذلك يشترط عدم الإقرار من المقذوف لأنّه في معنى البينة. فإن كان القاذف زوجاً اعتبر شرط آخر وهو امتناعه عن اللعان، أما إن امتنعت الزوجة عن اللعان فترجم.**

**أما في الجنايات فإن للآدمي أن يعفو عن حقه قبل رفعها إلى القاضي وبعده، لما روى أحمد عن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أصيب بدم أو خَبَلٍ - والخبل الجراح - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل أو يعفو " فهو صريح بجواز العفو من قبل الآدمي عن حقه. وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما عفا رجل عن مظلمة إلاّ زاده الله بها عزاً " وروى الترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله يقول: " ما من رجل يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلاّ رفعه الله به درجة، وحط عنه خطيئة " وقد جاء العفو عن الجنايات في القرآن قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) وقال تعالى: ( وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) فهذه الأدلة تدل على أن للآدمي أن يعفوا في حقه في الجنايات، لأنّ موضوعها هو الجنايات فكانت خاصّة في الموضوع الذي جاءت فيه. فالعفو في الجنايات يصح من صاحب الحق.

وأما الدولة في الجنايات فإنها إن عفا صاحب الحق سقطت العقوبة، ولم يبق لها مجال للعقوبة، فلا تكون قد عفت، إنما الذي عفا هو الآدمي صاحب الحق، وأما إن لم يَعْفُ الآدمي صاحبُ الحق، فإنه لا يحل للدولة أن تعفو، فلا يصح للقاضي أن يعفو، ولا للخليفة أن يعفو، لقوله تعالى: ( ولكم في القصاص حياة ) أي إن وجود القصاص يحفظ الحياة، وعدمه من حيث هو، يؤدي إلى عدم الحياة، والقصاص هنا العقوبة، والحياة علة القصاص فهي تدور مع المعلول وجوداً وعدماً. وبما أن محافظة الدولة على الحياة فرض فيكون العفو مؤدياً إلى ترك الفرض، وهو لا يجوز. وأيضاً فإن الحدود قد حرّم الله على الحاكم العفو عنها صراحة، لأنّها حق الله، فكذلك حق الله في الجنايات لا تملك الدولة إسقاطه، ولا العفو عنه، فلا يجوز للحاكم أن يعفو عنه، بل يجب أن يوقع العقوبة التي قدرها الشارع من أجل حق الله.

وأما التعزير فإن تقدير عقوبته متروك إلى الخليفة، وإلى القاضي باعتباره نائباً عن الخليفة، أما الخليفة فله أن يخفف العقوبة، وله أن يعفو وليس فرضاً عليه أن يوقع العقوبة، والدليل على ذلك ما رواه أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلاّ قد أتاه منها، غير أنه لم يجامعها فأنزل الله هذه الآية ( وأقم الصلاة طَرَفَيِ النهار وزُلفَاً من الليل )الآية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلمتوضأ ثمّ صَلّ " فهذا رجل ارتكب حراماً، واقر أمام النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يعاقبه، وعفا عنه، واكتفى منه في رواية بقوله: " توضأ وصلّ " وفي رواية أخرى قال له: " أصليت معنا " قال: نعم فتلا عليه صلى الله عليه وسلم (إن الحسنات يذهبن السيئات ). وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعاقب من قال له إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وكذلك لم يعاقب من قال له في حكمٍ حَكَمَ به للزبير، أنْ كان ابن عمتك، مع أن الرسول غضب منه. فهذا دليل على أن الحاكم إذا رفعت له قضية من قضايا التعزير فإن له أن يعفو عن المجرم.

وكذلك له أن يخفف عقوبتهم، وأن يجعلها أدنى حد، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلاّ الحدود " وأقال عثرته ساعده على النهوض من كبوته، يعني إما بالعفو عنه وإما بالتخفيف عنه. وعن أنس بن مالك أن رسول الله قال: " الأنصار كرشي وعيبتي والناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم " والتجاوز عن المسيء بالعفو عنه فإن التجاوز هو الصفح، وعلى ذلك فإن التعزير يجوز العفو فيه، ويجوز تخفيف العقوبة. غير أن ذلك إنما هو للخليفة. أما القاضي فإنّه ينظر فيه فإن حدد له الخليفة أدنى حد من العقوبة فإنّه لا يجوز له أن يعفو، إذ لا يجوز له أن يعاقب بأقل من الحد الأدنى الذي عينه له الخليفة، وإن لم يعين له أدنى حد فإن له كالخليفة أن يعفو، وأن يخفف العقوبة. والمخالفات كالتعزير بالنسبة للعفو ويجري فيها ما يجري في التعزير في موضوع العفو من غير فرق بينهما.

هذا كله في الجريمة إذا رفعت إلى القاضي، ولم يحكم بها بعد. أما إن حكم بها فإنّه لا يجوز العفو فيها إلاّ في الجنايات إذا عفا صاحب الحق. أما عدم جواز العفو بعد الحكم فإنّه في الحدود ظاهر، لأنّه لا عفو في الحدّ، فهو عام سواء قبل الحكم أو بعده، وأما في الجنايات إذا لم يعف صاحب الحق فلأنها كالحدود حق الله، ولا فرق في ذلك قبل الحكم أو بعده، وأما بالنسبة للتعزير والمخالفات فلان حكم القاضي إذا تم فقد الزم به كافة المسلمين فلا يحل نقضه ولا إلغاؤه ولا تغييره ولا تخفيفه ولا أي شيء مطلقاً، ما دام الحكم ضمن حدود الشرع لأنّ الحكم متى نطق به القاضي لا يرفع مطلقاً والعفو نقض للحكم ولذلك لا يصح. وأما استثناء الجنايات إذا عفا صاحب الحق فلأن النصوص التي وردت فيها عامة قال الله تعالى: ( فمن عفا وأصلح )وقال عليه السلام: " ما عفا رجل من مَظْلِمة " فهو عام يشمل ما قبل الحكم وما بعده ولذلك يستثنى بصريح النص، وما عداه فلا عفو بعد الحكم ولا بوجه من الوجوه.**

العفو

الجريمة إذا وقعت ورفعت إلى القاضي ولم يحكم بها بعد، فإنها حينئذ ينظر فيها وهي أمام القاضي هل يؤاخذ مقترفها أم لا ؟ وهل يسقط عنه العقاب أم لا ؟ وهل له أن يعفو عنها أم لا ؟ وفي ذلك تفصيل:
أما بالنسبة لمؤاخذة مرتكب الجريمة، فإن العقوبات كلها من حدود وجنايات ومخالفات تطبق على جميع من هم تحت سلطان الدولة، إذا حصلت الجريمة أو أحد العناصر التي تؤلفها أو تنتجها فيما للدولة عليه سلطان، من أراض وهواء وبحار وأنهار، وتطبق على جميع من يحملون التابعية الإسلامية، بما في ذلك الخليفة والحكام، وأعضاء مجلس الأمّة، إذ لا حصانة لأحد ممن يحملون التابعية، سواء أكانوا في البلاد أم خارجها، وعليه فلا عقوبة على أجنبي ارتكب جريمة خارج سلطان الدولة، ويعاقب كل من يحمل التابعية الإسلامية إذا فعل جرماً، سواء أفعله داخل سلطان الدولة أم خارجه. ويعاقب المعاهَد والمستأمن إذا فعل جرماً داخل سلطان الدولة، ويستثنى من ذلك البعثات الدبلوماسية من سفراء ورسل فإن لهم الحصانة.
غير أن هذه العقوبات إنّما تطبق عليه إذا كان مكلفاً شرعاً، أي كان بالغاً عاقلاً وفعلها مختاراً. أما إذا كان صبياً أو مجنوناً فلا يعاقب لقول رسول الله ïپ²: " رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق " فهذا صريح في عدم مؤاخذة الصبي والمجنون، ولا يصح أن يوضع الأولاد غير البالغين في سجن خاص بهم، وهو ما يسمى بإصلاحيات الأحداث، لأنّ ذلك لا دليل عليه، ويخالف نص الحديث، فالحديث يقول: " رفع القلم " يعني لا يؤاخذ، وإنما إذا ارتكب جريمة يسأل وليه المسؤول عنه عن ذلك، فإن كان ارتكابه للجريمة ناشئاً عن إهمال وليه يعاقب وليه، وإلاّ فلا، أما الولد فلا يعاقب ولا بوجه من الوجوه، وكذلك المجنون، فهما سواء لنص الحديث، وكذلك السكران بغير إرادته لا يعاقب، لأنّ حكمه حكم المجنون.
وأما المكره فإنّه ينظر فيه فإن أكره على الجريمة إكراهاً ملجئاً بأن هُددَ بالقتل تهديداً صادقاً، إن لم يقم بالفعل فإنّه كذلك لا يؤاخذ لقول رسول الله ïپ²: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " والإكراه المعتبر إنّما هو الإكراه الملجئ ليس غير، أما لو أكره بالطرد من الوظيفة، أو بحبسه أو بغير ذلك لا يعتبر إكراهاً يمنع المؤاخذة، لأنّ الإكراه الذي يمنع المؤاخذة إنما هو الإكراه الملجئ ليس غير.
وأما بالنسبة لإسقاط العقاب عنه فإن الذي يرتكب الجريمة دفاعاً عن دينه، أو عن نفسه، أو عن ماله أو عن عرضه يسقط عنه العقاب، لأنّ الدفاع مبرر شرعي لارتكاب الجريمة، ولو كانت جريمة قتل، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد " . فهذا الحديث يدل على أنه لا عقوبة على من دافع دون دينه، أو دون نفسه، أو دون ماله أو عرضه، وإذا قُتِل في الدفاع عن ذلك كان شهيداً، وإذا قَتَل فلا شيء عليه، بدليل قول الرسول في حديث آخر: " فإن قُتِلْتَ ففي الجنة وإن قَتَلتَ ففي النار " وقوله لمن قال له: " يا رسول الله إن جاء رجل يريد مالي ؟ قال: فلا تعطه مالك، قال أرأيت إن قاتلني قال: قاتله " فهذا أمر له بالقتال دفاعاً عن ماله، ولهذا يعتبر الدفاع مبرراً لارتكاب الجريمة، وتسقط العقوبة عنه إذا ثبت أنه ارتكب الجريمة دفاعاً عن دينه، أو نفسه أو ماله أو عرضه.
وأما بالنسبة للعفو فإنّه يختلف باختلاف الأفعال، فإن كانت الجريمة من الحدود فلا كلام في عدم جواز العفو عنها ولا بوجه من الوجوه، للأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك، فقد روى ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حدٌّ يُعمل به في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحاً " وروى أبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فهو مضاد لله في أمره " وروى مسلم عن صفوان بن أمية قال: " كنت نائماً في المسجد على خميصة لي فسرقت، فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بقطعه، فقلت يا رسول الله أفي خميصة ثمنُ ثلاثين درهماً ؟ أنا أهبها له، قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به " وفي رواية لأحمد والنسائي " فقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم " وروى مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: " أن الزبير بن العوام لقي رجلاً قد أخذ سارقاً، وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا، حتى أبلغ به السلطان، فقال الزبير: إذا بَلّغْتَ به السلطان فلعن الله الشافِعَ والمشفَّع " . فهذه الأحاديث صريحة في الدلالة على عدم جواز العفو في الحدود مطلقاً، لا للخليفة ولا لصاحب الحق، بعد أن تصل القضية إلى الحاكم.

الباب الرابع
المخالفات

المخالفات هي عدم الامتثال لما تصدره الدولة من أوامر ونواه، ومعلوم أن الخليفة لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً، فلا يوجب مندوباً، أو مباحاً، ولا يحرم مكروهاً، فكذلك لا يبيح حراماً، ولا يوجبه، ولا يحرم واجباً أو مندوباً أو مباحاً. وإنما هو يقوم برعاية شؤون الأمّة، وتصريف مصالح النّاس، فهو يصرفها بحسب أحكام الشرع، إلاّ أن الشارع جعل له تصريف كثير من الشؤون برأيه واجتهاده، مثل تصرفه في بيت المال فهو موكول لرأيه واجتهاده، ومثل تجهيز الجيش جعله له برأيه واجتهاده، ومثل تعيين الولاة وادارة مصالح النّاس، وتمصير المدن وشق الطرق، ودفع النّاس بعضهم عن بعض، وحماية الحقوق العامة وغير ذلك. فهذه الأمور وأمثالها ترك للخليفة أن يصدر الأوامر التي يراها، أي يسن القوانين التي تلزم لها، فهذه الأوامر أو هذه القوانين تنفيذها فرض على المسلمين، ومخالفتها معصية، فما لم ينفذ مما الزم النّاس به، وما خولف به مما نهى النّاس عنه يعتبر مخالفة أي جرماً يعاقب عليه، فهذه الجرائم تسمى مخالفات، والعقوبات التي توضع لها تسمى مخالفات.
وكما جعل الشارع للخليفة حق أمر النّاس ونهيهم، وجعل مخالفتهم له معصية، كذلك جعل له حق عقاب النّاس على هذه المخالفات، وحق تقدير العقوبة التي يراها على هذه المخالفات، فهي تشبه التعزير من ناحية كونها لم ينص الشارع على عقوبة مقدرة لها، ومن حيث أنها تركت للخليفة وللقاضي بوصفه نائباً عن الخليفة، ولكنها تخالف التعزير من حيث أنّها عقوبة على ترك فعلٍ أمر السلطان به، أو فعل أمرٍ نهى عنه السلطان، بخلاف التعزير فهو ترك فعل أمر الله به، وفعل أمر نهى الله عنه.
والمخالفات لا تحتاج إلى مدع فالقاضي يملك الحكم في المخالفة فور العلم بها في أي مكان، دون حاجة لمجلس قضاء، بل يحكم في المخالفة بمجرد التحقق من حدوثها. وقد كان عمر بن الخطاب يعاقب على المخالفات، فقد ضرب رجلاً لأنه وقف في منتصف الطريق ومنع المرور، وكان يعاقب من يخالف أوامره.

أنواع المخالفات
ليس للمخالفات أنواع معينة محصورة، فكل ما يخالف قوانين الدولة يعتبر مخالفة، والخليفة يقدر أنواع العقوبات التي يراها للمخالفات التي تحصل. فمثلاً ساحات البلدة، والطرق العامة له أن يعين لها مسافة معينة، وحدّاً معيناً، ويمنع النّاس من البناء أو الغرس على جوانبها لمسافة كذا متراً، فإذا خالف أحد ذلك عاقبه بالغرامة أو الجلد أو الحبس أو غير ذلك. ومثلاً له أن يعين مكاييل مخصوصة، وموازين مخصوصة، ومقاييس مخصوصة لإدارة شؤون البيع والتجارة، فله أن يعاقب من يخالف أوامره في ذلك. ومثلاً له أن يجعل للمقاهي وللفنادق ولميادين الألعاب وغير ذلك من الأمكنة العامة أنظمة خاصّة ينظم بها شؤونها، فيعاقب من يخالف هذه الأنظمة، وهكذا.
وقد كان من الممكن تقدير عقوبات معينة لوقائع معينة في خطوط عريضة كما حصل في التعزير، ولكن الوقائع الجارية اليوم قد يصيبها تغيير إلى وقائع أخرى، وقد يحصل في بعضها تغيير جذري ولذلك فإن تقدير عقوبات معينة للوقائع الجارية قد لا يكون دقيقاً، وقد يكون مجافياً للصواب، ولذلك تبقى العقوبات المقدرة للوقائع الجارية إذا أقرت كما هي، ولكنها إذا غيرت بقوانين جديدة وأوامر ونواه جديدة فإنها توضع تقديرات جديدة حسب القوانين الجديدة.

**فعل ما يمس الدين

1 - كل من يقوم بالتبشير بمبدأ كفر، أو أفكار كفر يعاقب بالسجن من سنتين حتى عشر سنوات إن كان غير مسلم، أما إن كان مسلماً فتطبق في حقه أحكام المرتد أي يقتل، وكل من يقوم بالتبشير بدين كفر بين المسلمين يعاقب نفس العقوبة.

2 - كل كتابة أو خطابة تتضمن طعناً في عقيدة من عقائد المسلمين يعاقب مرتكبها بالسجن من خمس سنوات حتى خمس عشرة سنة، إن كان غير مسلم، أو كان الطعن لا يكفر قائله، أما إن كان مسلماً، وكان الطعن يكفر قائله فيعاقب عقوبة المرتد.

3 - كل ترغيب بأفكار كفر لغير العلماء، وكل ترويج لأفكار كفر سواء أكانت كتباً أم صحفاً أم أفكاراً معينة أم غير ذلك، يعاقب مرتكبه بالسجن حتى خمس سنوات.

4 - كل من يدعو إلى عقائد ظنية، أو إلى أفكار من شأنها أن تثير سخط المسلمين يعاقب بالجلد والسجن حتى خمس سنين.

5 - كل من ترك الصلاة يعاقب بالسجن حتى خمس سنوات، وكل من كان يصلي بعض الأوقات ويترك بعضها يعاقب بالسجن حتى سنتين.

6 - كل من أفطر يوماً في رمضان بغير عذر شرعي يعاقب بالسجن شهرين عن كل يوم أفطره، وإذا أفطر علناً منتهكاً حرمة رمضان يعاقب على الانتهاك بالسجن حتى ستة أشهر علاوة على عقوبة الإفطار.

7 - كل من تأخر عن أداء الزكاة عن الوقت الذي تستحق فيه مدّة، كان من الممكن أن يتمكن من أدائها فيها، تحصل منه الزكاة مضاعفة جبراً، ويعاقب بالسجن حتى ستة أشهر. وأما إذا امتنع عن أداء الزكاة فإنّه يعاقب بالسجن حتى خمس عشرة سنة، وتحصل منه الزكاة مضاعفة جبراً.

أنواع أخرى من التعزير

ومن أنواع التعزير العقوبات للمحافظة على النفس ولمنع المنكر مثال ذلك ما يلي:

1 - كل من رأى شخصاً يتعرض لخطر الموت، أو طلب منه إنقاذ شخص يتعرض لخطر الموت، وكان باستطاعته أن ينقذ ذلك الشخص دون أن يعرض نفسه، أو غيره للخطر ولم يقم بإنقاذه، يعاقب بالجلد وبالسجن من ثلاثة أشهر حتى سبع سنوات، سواء أكان تعرض الشخص للخطر بسبب الغرق، كالذي يسبح في الماء، أو بسبب المرض كالذي بحاجة إلى طبيب، أو بسبب العطش، كالظمآن في الصحراء، أو في مكان لا ماء فيه، أو بسبب الحريق أو الهدم أو ما شاكل ذلك، أو بأي سبب من الأسباب، إذا ترتب على عدم القيام بالإنقاذ موت الشخص. أما إذا لم يمت الشخص الذي تعرض للخطر فإن المقصر في الإنقاذ يعاقب بالجلد وبالغرامة التي يراها القاضي.

2 - كل من كان باستطاعته منع وقوع جرم القتل، دون أن يعرض نفسه، أو غيره للخطر، ولم يقم بمنع وقوع الجرم المذكور يعاقب بالجلد وبالحبس حتى ثلاث سنوات.

3 - كل من رأى شخصاً يرتكب منكراً من المنكرات علناً في مكان عام، وكان باستطاعته أن يردعه عن ارتكاب المنكر، دون أن يعرض نفسه، أو غيره للخطر، ولم يردعه الردع الكافي لمنعه من ارتكاب المنكر، أو لتركه للمنكر يعاقب بالجلد وبالحبس حتى ستة أشهر.

بقية أنواع التعزير

هذه بعض وقائع التعزير في بعض أنواعها. أما باقي الوقائع وسائر الأنواع فإنها تترك للقاضي. فمثلاً القمار بجميع أنواعه، من ألعاب ويانصيب، من أفظع أنواع الجرائم، والقاضي لا يبعد كثيراً عن الصواب حين يقدر عقوباتهما، والرشوة من أفظع الأمور تأثيراً على أجهزة الدولة، وعلى الثقة بها، فليس من المحتمل أن تجد رحمة لدى قاض مسلم، واسترقاق الحر، أو حجز حرية النّاس، أو ما شاكل ذلك من الأفعال القبيحة، التي تبعث في النّاس الغيظ على مرتكبيها، فلا يلزم القاضي من يقول له لا بد أن يكون قاسياً في عقوبة المجرمين بارتكابها. وهكذا بقية الوقائع وسائر أنواع التعزير، لذلك تركت للقاضي. على أن الترك للقاضي في التعزير مما تقتضيه طبائع الحياة والعلاقات وتجددها وتعددها، ومن الصعب جداً حصر الوقائع والأنواع ولذلك كان الترك للقاضي في التعزير أمراً لا مناص منه، لذلك اكتفي بالوقائع السابقة وبالأنواع التي تقابل الحدود وترك ما عدا ذلك للقاضي يقدر العقوبة التي يراها.**

**وقائع من التعزير

وعقوبات متبناة لها

إن التعزير هو عقوبة على معصية لا حد فيها ولا كفارة، يعني هو عقوبات على معاصٍ لم يقدّر الشارع عقوبات لها، وقد ترك الشارع تقدير عقوبة هذه المعاصي للقاضي الذي ينظر في أمر المعصية، بوصفه نائباً عن الخليفة في القضاء، وهذا يعني أنه تركه للخليفة وبالتالي تركه للقاضي، ومن هنا نجد الفقهاء قد فَصّلوا في أحكام العقوبات واجتهدوا ودونوا أراء متعددة، ولكنهم في التعزير اقتصروا على الأبحاث العامة، ولم يخوضوا في التفصيلات، لأنّها متروكة للقاضي يضع العقوبات على الحوادث التي ترفع إليه ليفصل فيها وهي حوادث متجددة ومختلفة، بل قد تكون متباينة فوضع قواعد لها قد لا يكون ضابطاً مطرداً لها.

والواقع أن ترك التعزير للقاضي أكثر انطباقاً على الحوادث لأنّها تختلف باختلاف الظروف، وأخذ بيد القاضي لأنّ يسير في طريق الاجتهاد من حيث العقوبة، وفي طريق الإبداع من حيث فهم الوقائع. ولذلك كان ترك الأمر للقاضي هو عين الحكمة والصواب. غير أن هذا إنما يكون كذلك حين يكون القضاة يحكمون بالشرع، وقد ساروا على ذلك مدّة حتى صارت لديهم دُرْبَة واكتسبوا ملكة قضائية، أو ملكة فقهية على الأقل. أما القضاة اليوم في أواخر القرن الرابع عشر الهجري سنة 1385، وأوائل النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي 1965 فإنهم وقد مضى على المسلمين وهم يطبقون أحكام الفقه الغربي في العقوبات مدّة تزيد عن نصف قرن، فإنّه قد بعدت بهم الشقة عن أحكام الشرع، وضعف لديهم تصورها، لا سيما وأن القضاة الذين يتربعون على كرسي القضاء ليس فيهم من مارس تطبيق أحكام الشرع في العقوبات، بل ليس فيهم من عني بدراستها إلاّ النزر اليسير دراسة نظرية كمعلومات، لا دراسة عملية كقوانين وأحكام، ولذلك فإنّه من غير الحكمة ترك التعزير لهؤلاء القضاة تركاً كلياً، لأنّه ترك لغير الخبراء بالشريعة في العقوبات، بل لخبراء في شرائع الكفر بشأن العقوبات. وفوق ذلك فإن أذواق المسلمين لا سيما المتعلمين ومنهم القضاة قد طغى عليها ما طغى على المجتمع من التحسين والتقبيح العقليين، وهان عليها رفض أذواق الشرع، فصارت ترى أن عقوبة الصلب وحشية، وأن قطع اليد عمل غير إنساني، وأن يحمى المسمار في النار ثمّ تكوى به العيون عمل همجي، لذلك فإنّه من غير الصواب ترك تقدير العقوبات لأصحاب هذه الأذواق. وأيضاً فإن هناك جرائم فظيعة قد أثبت الواقع فظاعتها فلا تردع فيها إلاّ العقوبة القاسية، فإذا ترك أمر هذه الجرائم لهؤلاء القضاة، وهم لم يمارسوا السياسة لا نظرياً في محاسبات الحكام، ولا عملياً في تولي السلطة، والقضاء الذي يتولونه ليس سلطة، لذلك قد يستكثرون الحكم بالعقوبات القاسية التي لا بد منها ليحصل الزجر، فقد يستكثرون الحكم على من يحمل الدعوة القومية بالجلد والسجن عشر سنوات، وقد يستكثرون أن يحكم على من يقيم حزباً سياسياً على أساس القومية بالقتل أي بالإعدام، فيوقعون عقوبات غير زاجرة تكون مشجعة لهذه الجرائم البالغة الفظاعة. لهذا فإن حماية كيان الأمّة تقتضي أن لا يترك تقدير مثل هذه العقوبات لأمثال هؤلاء القضاة. ومن هنا كان لا بد من أن يتبنى الخليفة عقوبات معينة، لوقائع معينة من وقائع التعزير، فترة من الزمن إلى أن تصحح المفاهيم والأذواق لدى جمهرة المسلمين.

غير أنه حين تبني عقوبات معينة لوقائع من التعزير معينة، يجب أن يعلم أن هذه العقوبات ليس كعقوبات الحدود والقصاص، لا تختلف باختلاف النّاس، بل هي عقوبات من طبيعتها أن تختلف باختلاف النّاس، وقد جاء الشرع ونص على أنّها تختلف باختلاف النّاس، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: " أقيلوا ذوي الهيئات إلاّ الحدود " وقال صلى الله عليه وسلم في الأنصار: " اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم " . وهذا يعني أن الذين لم يعرف عنهم ارتكاب المعاصي، أو الذين عرفوا بالتزام الطاعات وبالتقوى يعاقبون اخف العقوبات. وعن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه " وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السارق: " إذا سرق فاقطعوا يده ثمّ إن سرق فاقطعوا رجله " وهذا يعني أن الذين تتكرر منهم المعاصي، وهم الذين يسمون أصحاب السوابق تشدد عليهم العقوبة. وبهذا يتبين أن تقدير عقوبة التعزير لا يصح أن يكون تقديراً لعقوبة معينة لا تزيد ولا تنقص، بل لا بد أن يكون له حد أعلى للعقوبة بحيث لا يتجاوزه القاضي، ثمّ يترك له ما دونه يقدره هو حسب الأشخاص، وحسب الذنوب، فيوقع أقصى العقوبة على الذين يتكرر الإجرام منهم، أو على الجرائم الكبيرة، ويوقع أخف من ذلك حسب ما يرى بقدر ما يستحق الأشخاص، وبقدر ما تستحق الجرائم، لهذا ينبغي أن يكون التقدير موسعاً على القاضي فيذكر فيه الحد الأعلى فقط. والسؤال الذي يرد هو هل يذكر الحد الأدنى أيضاً ؟ والجواب على ذلك أن ذكر الحد الأدنى لا معنى له بشكل عام، إذ قد يرى القاضي في الجريمة التي عقوبتها السجن ثلاث سنوات أن الشخص المتهم من الأتقياء البررة فكانت جريمته عثرة جواد فيكتفي بتوبيخه، ولهذا كان الأولى أن لا يذكر حد أدنى. غير أن هناك بعض الجرائم لا تصح فيها الرحمة، فالله تعالى قد قال في عقوبة الزنا: ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) ولم يقل ذلك في عقوبة السرقة، فإذن هناك جرائم لا تصح فيها الرحمة، فخشية أن لا يعرفها القاضي، وأن تصيبه الرحمة فيها خاصّة مع الأتقياء البررة، لذلك كان الأولى أن يقيد الحد الأدنى للعقوبة في بعض الجرائم قصداً، لأنّ تكون العقوبة في هذه الجريمة بالذات رادعة للمجرم ورادعة للناس.

وإنه مع استحسان تبني عقوبات معينة لوقائع معينة في التعزير فإنّه لا يتبنى بتفصيلات، أي بمسائل وفروع، وإنما يتبنى بخطوط عريضة، لأنّ الوقائع تتجدد وتتفرع فإذا لم يكن المتبنى خطاً عريضاً لم يشمل تلك الوقائع المتجددة ولا تلك الفروع، فيكون التبني قاصراً وحينئذ يضطر القاضي لأنّ يضع العقوبة، وربما وقع المحذور من البعد عن وضع العقوبة الزاجرة، وأيضاً فإن كون الوقائع المتبناة ليس خطوطاً عريضة فإنّه يبعد القاضي عن الاجتهاد، لأنّ الاجتهاد بذل الوسع في فهم النص، والنص القاصر لا يحتاج إلى بذل وسع في فهمه وتطبيقه على الوقائع، لذلك كان لا بد أن تكون العقوبات المتبناة متبناة في خطوط عريضة لا في مسائل وفروع.**

8 - إتلاف المال: وذلك بإهلاك المال إهلاكاً تاماً بحيث لا ينتفع به، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأصنام المعلقة في الكعبة، فانه أمر بها فحطمت وأُتلفت، وما فعله المسلمون حين نزلت آية تحريم الخمر، فقد أراقوا ما كان لديهم من جرار الخمر وكسروا جرارها وروي أن النبيصلى الله عليه وسلم أمر بإراقة الخمر وكسر الدنان، وقد سار الصحابة على ذلك، فقد روي أن عمر أراق اللبن المغشوش.
9 - التغيير في عين المال: وذلك بتغيير شكله أو صفته، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه نهى عن كسر العملة الجائزة بين المسلمين كالدراهم والدنانير إلاّ إذا كان بها بأس، فإذا كانت كذلك كسرت " أي نهى الرسول عن كسر قطع النقد الفضية أو الذهبية - إلاّ إذا كانت مغشوشة فإنها حينئذ يحكم بكسرها وتفتيتها عقوبة ويعاقب الغاش. وقطع الرسول صلى الله عليه وسلم رأس التمثال فصار كالشجرة، وهكذا إذا صار المال على شكل محرم فإنّه يغير هذا المال على الشكل الذي تزول به الحرمة، فضلاً عن معاقبة من فعله على الوجه الذي يراه الحاكم.
10 - التهديد الصادق: وذلك أن يهدد المذنب بإيقاع العقوبة عليه إذا فعل كذا، والدليل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رحم الله امرءاً علق سوطه بحيث يراه أهله " .
11 - الوعظ: وذلك أن يعظ القاضي المذنب بتخويفه من عذاب الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ).
12 - الحرمان: وذلك أن يحكم على المذنب بالحرمان من بعض الحقوق المالية التي يستحقها كحرمان النفقة للناشز، وكالحرمان من سَلَبِ القتيل، وكالحرمان من حصته في أموال الملكية العامة وهكذا.
13 - عقوبة التوبيخ: وهو إهانة المذنب بالقول. وقد ثبت التوبيخ بالسنة، فقد روى أبو ذر أنه سابَّ رجلاً فعيره بأمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر أعيرته بأمه ؟ انك امرؤ فيك جاهلية " وخاصم عبد عبد الرحمن بن عوف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فغضب عبد الرحمن وسبَّ العبد بقوله يا ابن السوداء، فغضب النبي لذلك غضباً شديداً ورفع يده قائلاً: " ليس لابن بيضاء على ابن سوداء سلطان إلا بالحق " فخجل عبد الرحمن بن عوف واستخذى، ووضع خده على التراب ثمّ قال للعبد طأ عليه حتى ترضى. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سب الرجلين اللذين خالفا نهيه حين نهى أن يشرب من البئر قبل وصوله إليها. فهذا كله يدل على أن التوبيخ والسب من العقوبات في التعزير، وقد سار على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روي عن عمر أنه وبخ عبادة بن الصامت بأن قال له: " يا أحمق " وعلى هذا يجوز للقاضي أن يوبخ المذنب، ولا يكون ذلك شتماً من القاضي، وإنما يكون عقوبة يوقعها القاضي على المذنب، وليس لعقوبة التوبيخ لفظ معين، وإنما كل لفظ يعتبر من قبيل التوبيخ يصح استعماله من قبل القاضي والحاكم إلاّ الألفاظ التي تعتبر من قبيل القذف فلا يجوز استعمالها، لورود النهي عنها عامّاً فيشمل الحاكم وغيره.
14 عقوبة التشهير: التشهير بمن توقع عليه العقوبة لرفع ثقة النّاس منه، وهو اعلام النّاس بجرم الجاني وتحذيرهم منه، وفضيحته على رؤوس الأشهاد. والأصل في عقوبة التشهير قوله تعالى: ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) فإن المقصود به التشهير بهما. فإن في حضور عقابهما بالجلد تقريعاً وتوبيخاً وفضيحة، وقد ورد في السنة ما يدل على عقوبة التشهير، فقد روى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: " استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني أسد يقال له ابن الاتبيَّه على صدقة، فلما قدِم قال: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ. فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، قال سفيان: فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي، فهلاّ جلس في بيت أبيه وأمه فينظر هل يُهدى له أم لا، والذي نفس محمد بيده لا يأتي بشيء إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثمّ رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه: ألا هل بلغت. ثلاثاً " . ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن من يأخذ من الأموال العامة، ومن يأخذ هدية لأنّه والٍ أو عاملٌ سيعاقبه الله يوم القيامة بفضيحته حيث يأتي يحمل ما أخذه من مال، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، وهذا يعني فضيحة الولاة على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم. فيكون التشهير مما يعذب به الله، ولم يرد نص أنه خاص بعذاب الله كما ورد في العذاب بالنار، فيدل على أنه يجوز للحاكم أن يعاقب المذنب بالتشهير به. فالحديث دليل على جواز التعزير بالتشهير. وقد سار الصحابة على ذلك فعزروا بالتشهير. فقد نقل عن عمر بن الخطاب أنه كان يشهر بشاهد الزور بأن يطاف به، وقد نقل عن مشهوري القضاة إنهم كانوا يحكمون بالتشهير، فقد كان القاضي شريح يحكم بالتشهير به وشريح هذا كان قاضياً على عهد عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وهو من مشاهير القضاة.

**والحبس هو اعتقال، وليس تشغيلاً، فالتشغيل شيء آخر غير الحبس، ولذلك فإنّه إذا حكم الشخص بالحبس لا يجوز أن يشغل، لأنّ كلمة الحبس لا تشمل التشغيل، ولكن هل يجوز الحكم بالحبس والتشغيل، أو يقتصر على الحكم بالحبس ؟ والجواب على ذلك أنه لم يرد نص شرعي بجعل العقوبة تشغيلاً، لا أشغالاً شاقة ولا غير شاقة، ولكن ذكر الفقهاء أن المدين الموسر إذا حكم بالحبس فإنّه يُشغَّل بأعمال بأجر لسداد دينه، ولكن هذا القول حكم عقلي، وليس حكماً شرعياً، فلا قيمة له، وبما أن نوع العقوبة التي يحكم بها القاضي مقيد بما ورد به الشرع، ولم ترد عقوبة بالأشغال الشاقة، فلذلك لا يعاقب بها، وإنما يقتصر على الحبس بمعنى الاعتقال.

4 - النفي: هو التغريب أو الإبعاد، وقد جاءت عقوبة النفي في القرآن، قال تعالى: ( أو يُنفوا من الأرض ) وجاءت عقوبة النفي في الحديث، اخرج أحمد عن أبي هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيمن يزني ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحدّ عليه " وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " لعن النبيُّ صلى الله عليه وسلمالمخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم، وأخرج فلاناً، وأخرج عمر فلاناً " ، فهذه الأدلة تثبت أن النفي نوع من العقوبات التي ورد بها الشرع، كما أنها تثبت أنه قد جرت العقوبة فيها بالتعزير، وقد سار على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، فنفى عمر صبيغاً للبصرة بعد جلده، ونفى عمر كذلك نصر بن حجاج خشية أن تفتن به النساء، ونفى عثمان أبا ذر الغفاري. والنفي يكون تغريباً، لا توطيناً فلا يصح أن تطول مدته، ولم يرد نص بتحديد حد أقصى لعقوبة النفي، ولكن الشرع حين أوقع عقوبة النفي في الزاني غير المحصن جعلها سنة، وهي وإن لم تكن حداً لازماً بل يجوز للإمام أن يضيف النفي إلى الجلد، ولكن الشرع لم يجعلها أكثر من سنة، وهذا وإن كان لا يدل على تحديد حد أقصى للنفي، ولكن يستأنس به أن تكون سنة، غير أنه لا يوجد ما يمنع زيادتها عن ذلك، ولكن على شرط أن لا يكون مدّة تعتبر الإقامة فيها توطيناً، لأنّه يذهب عنها معنى النفي، وهو التغريب.

والنفي إنما يكون داخل حدود الدولة الإسلامية، ولا يصح النفي إلى خارج حدودها، لأنّه إخراج من دار الإسلام إلى دار الكفر. ويستحسن أن تتخذ الدولة أمكنة معينة منافي. قالوا: أبو الزناد كان منفى النّاس إلى باضع من أرض الحبشة وذلك أقصى تهامة اليمن، لأنّ النفي عقوبة، والمناسب لها أن تكون عقوبة التغريب موجعة، بحيث يحصل فيها الزجر، وروي عن الحسن والزهري في نفي قُطَّاع الطرق أن نفيهم هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان، فلا يتركون يأوون بلداً، يعني أنه لا يجعلهم يستقرون في بلد فينقلهم من بلد إلى بلد، ولكن هذا الرأي يجعلهم كالمسافرين، والأقرب للنفي الذي هو عقوبة أن تكون هناك منافي موحشة بحيث يؤلم النفي لها حتى تكون عقوبة تزجر.

5 - الهجر: وهو أن يأمر الحاكم النّاس أن لا يكلموا الشخص مدّة معينة. ودليله ما حصل مع الثلاثة الذين خلفوا عندما منع الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين من كلامهم، فإن ذلك كان عقوبة لهم، وقد فعل عمر مثل ذلك فإنّه لما عاقب صبيغاً بجلده ونفيه أمر النّاس أن لا يكلموه، غير أن هذه العقوبة تستعمل إذا كانت تزجر، أي مع النّاس الذين لديهم إحساس، ويقدرون معنى هجر النّاس لهم، أما الذين ضعف لديهم الإحساس فإن مثل هذه العقوبة لا تؤلمهم، ولذلك لا تستعمل معهم.

6 - الصلب: وهو يحصل في حالة واحدة إذا كانت عقوبة المجرم القتل فيجوز أن يحكم عليه بالصلب أيضاً، لقوله تعالى: ( أَن يُقتَّلوا أو يُصَلَّبوا ) وأو بمعنى الواو، أي أن يقتلوا ويصلبوا، أو يقتلوا من غير تصليب، ولكن أن يكون الصلب عقوبة وحده لا يصح، لأنّه تعذيب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان، فالنهي عن تعذيب الإنسان من باب أولى. وأما قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم صلب الحيّ تعزيراً فإنهم لم يوردوا سنده، وآية الصلب جعلته بعد القتل، والحكم الشرعي أن يجمع مع القتل، أو أن يكون القتل بغيره، وفي عقوبة قطاع الطرق لم يقل أحد بالصلب وحده. لذلك فإن الصلب للأحياء لا يكون عقوبة من العقوبات، وإنما الصلب لمن يَقْتُل فيحكم عليه بالقتل والصلب، فالصلب يصاحب القتل، على هذا الوجه تكون عقوبة الصلب.

7 - الغرامة: وهي الحكم على المذنب بدفع مال عقوبة على ذنبه، وهي ثابتة بالسنة، فقد روى النسائي في حديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ومنه: " قال: يا رسول الله والثمار وما أُخذ منها في أكمامها ؟ قال: من أخذ منه بفيه ولم يتخذ خُبْنةً فليس عليه شيء، ومن احتمل ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال " وزاد النسائي في آخر الحديث: " وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وكاتم الضالة عليه غرامتها ومثلها معها " وكذلك تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر من ماله. فهذا كله يدل على أن الرسول أمر بعقوبة الغرامة في التعزير، وما لم يرد حد معين لها، فتترك لتقدير الخليفة، أو للقاضي إذا لم يتبن الخليفة فيها مقداراً معيناً. وإذا عجز المذنب عن دفع الغرامة هل يحبس بمقدارها أم يعفى منها ؟ والجواب على ذلك هو أنه إذا حكم بعقوبة معينة فلا يصح أن يعاقب عقوبة غيرها، لأنّ حكم القاضي يجب أن ينفذ كما نطق به، ولذلك لا يحبس عوضاً عن الغرامة، وكذلك لا يعفى منها، لأنّ العفو إلغاء لحكم القاضي، وإذا حكم القاضي بشيء فلا يصح إلغاء حكمه، والأولى في مثل هذه الحالة أي حالة عجز المذنب عن دفع الغرامة أن تؤخذ من ظاهر ماله إن وجد، وإن لم يوجد ينتظر عليه حتى يوجد معه مال فتحصل من قبل الدولة.**

**والمسجون إما أن يكون محكوماً، وإما أن يكون موقوفاً، فإن كان محكوماً فلا كلام فيه، وأما إن كان موقوفاً فلا بد أن يوضع في أخف السجون، لأنّه مسجون بتهمة لا بجرم، ولا بد أن تحدد مدّة توقيفه بأقصر مدّة ممكنة، وإن لزم تجديد توقيفه يحتاج إلى قرار من القاضي، وإلى سبب يقنع به القاضي، وإن لم يصدر قرار بتجديد توقيفه يخلي سبيله عند انتهاء مدّة التوقيف من غير حاجة إلى أمر إفراج، وإذا نُقِل القاضي أو عُزِل أو عُيِّن بدله آخر وجب على القاضي الجديد أن يبدأ عمله بالنظر في حال الموقوفين، فمن تثبت عليه التهمة حكم عليه، ومن برأه أُخلي سبيله فوراً، ولا يحبس أي انسان ولا يوقف إلاّ بقرار من القاضي.

وليس لعقوبة السجن حد حدده الشرع لا يجوز أن يتجاوزه أحد، كما هي الحال في الجلد، إذ لم يرد من الشرع نص على حدّ معين، ولا مدّة معينة، فترك تقديرها للخليفة، إلاّ أنه لما كانت العقوبات زواجر فإنّه يراعى في تقدير مدّة الحبس للجريمة أن تكون زاجرة للمذنب وغيره. فمن وجب عليه التعزير يعزر بما يردعه، ولا يوجد حدّ أعلى للسجن مطلقاً. فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم حكم بالسجن، ولم يُروَ عنه أنه التزم مدّة معينة، أو عيَّن مدّة معينة، فيبقى الحكم في شأن السجن مطلقاً لأنّه ورد مطلقاً. وأما ما يقوله بعض الفقهاء من أن الحد الأقصى للسجن سنة، وأنه لا يجوز أن يزيد على السنة، قياساً على التغريب فإنّه قول خاطئ، لأنّ الحبس لا يقاس على النفي، لاختلاف واقع كل منهما عن الآخر، ولا توجد عِلّة جامعة لهما تصلح للقياس، ولا يقال إن تعريف الحبس ينطبق على النفي، لأنّ الحبس هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، وهذا ينطبق على النفي، لأنّه كذلك تعويق للشخص، ومنعه من التصرف بنفسه فيكون فرداً من أفراده، لا يقال ذلك لأنّ النفي ليس منعاً للشخص من التصرف بنفسه مطلقاً، بل منعه من التصرف بنفسه في غير المكان المعين، فالمنفي لا يحشر في مكان معين بل يحشر في بلد معين أو ولاية معينة، فهو على خلاف السجن، ثمّ إن النفي يزيد من ناحية ثانية على السجن إذ هو تغريب للشخص عن وطنه، أو المكان الذي هو فيه إلى مكان آخر، فهو تغريب فلا ينطبق على تعريف الحبس، ولذلك لا تقدر مدّة الحبس بسنة، بل يجوز للخليفة أن يعين للجريمة المدة التي يراها من السجن رادعة للمذنب وغيره، ويجوز للقاضي أن يحكم من هذه المدة التي عينها الخليفة المدة التي يراها رادعة للمذنب.

وأما ما ورد من أن المدين الموسر يحبس في المال القليل نصف شهر، وفي الكثير شهرين أو أربعة، تبعاً لقدر المال المحبوس فيه، فذلك ليس بتقدير حتمي، لأنّه حصل في ظروف معينة وعلى أشخاص معينين، فلا يصح أن يؤخذ قاعدة، ولا أن يطبق على وقائع أخرى. وعليه يطلق أمر تقدير أعلى مدّة يحكم فيها بالحبس، ويجوز للخليفة أن يجعل للجريمة المعنية أعلى مدّة وأقل مدّة، ويجوز أن يحدد أعلى مدّة فقط، إذا تبنى في التعزير تقديراً معيناً. وإن لم يتبن تقديراً معيناً كان الأمر للقاضي، يعين المدة حين ينطق بالحكم.

ولا يجب على الخليفة أن يحدد مدّة السجن لكل جريمة، لأنّ هذا من قبيل التبني، والتبني جائز للخليفة، وليس بواجب عليه، ولكن القاضي يجب أن يحدد المدة التي يحكم بها بالسجن على شخص معين تحديداً واضحاً بأجل واحد، بحيث تكون معلومة لا مجهولة، وبحيث يكون الحكم مبتوتاً لا متردداً. فيحددها بمدة معينة مثل كذا سنة أو كذا شهر، أو إلى حصول أمر معروف، كانتهاء رمضان أو إلى يوم عيد الفطر، أو ما شاكل ذلك. وهذا التحديد للمدة التي يحكم فيها على المذنب بالحبس واجب، حتى تكون العقوبة التي أوقعها القاضي عقوبة معلومة، لا عقوبة مجهولة، وذلك لأنّ شرط أن يكون العمل معلوماً ثابت في الشرع بالعقود اللازمة والأعمال اللازمة، ففي العقود اللازمة يشترط في البيع والإجارة أن تكون معلومة، وفي الأعمال اللازمة يشترط في الصلاة والنذر أن تكون معلومة. وإيقاع العقوبة من القاضي عمل من الأعمال، فلا بد أن يكون معلوماً. على أن الحكم بعقوبة السجن حكم قاض، وحكم القاضي لا بد أن يكون معلوماً، ولا يكون معلوماً إذا كانت العقوبة التي أوقعها مجهولة، ولذلك لا بد من ذكر المدة التي يحكم بها بالحبس، وتحديدها بمدة معينة، سواء أكان الحكم بجرم أم تهمة.

وعلى هذا فإنّه لا يجوز أن يحبس في التهمة إلى أن يستطيع إيجاد البيِّنة، لأنّ ذلك غير معروف، بل يجب أن تحدد له مدّة ليجمع خلالها البينات. وهذه المدة تقدر بقدر ما يحتاج الحصول على البينة فيما هو ظاهر ومعلوم، لا فيما هو محتمل وموهوم، فإذا قال حتى أحضر شاهدي، أو شهودي من بلدة كذا، أو من المكان الفلاني، قدرت المدة التي يحتاجها، وعينت في أمر الحبس، على أن لا تكون بينته خارج سلطان الدولة، لأنّه إن كانت خارج سلطان الدولة كان إحضارها غير مقطوع به فيرجع الأمر للقاضي، فإن رأى إن هناك إمكانية بإحضارها عين المدة التي يراها هو، وإن رأى أن هناك شكاً في ذلك عَيَّن أقل مدّة ممكنة يمكن فيها إحضار البينة عادة.

وكذلك لا يجوز أن يحكم على أحد بالحبس حتى التوبة، أو بالحبس حتى الموت، لأنّه حكم مجهول فلا يصح، إذ هو حكم بعقوبة مجهولة، فلا يعلم متى يتوب، ولا يعلم متى يموت. ولا يقال أن التحديد بالموت معلوم، وليس بمجهول، إذ هو أمر محقق لا بد من حصوله فهو تحديد معلوم، لا يقال ذلك لأنّ المدة التي يقضيها المذنب في هذا الحكم غير معلومة، والحكم ليس بالموت وإنما بمدة انتهاؤها يكون بالموت، فتكون المدة غير معلومة، وبالتالي يكون الحكم بها غير معلوم. ولا يقال إن الله حدد الحبس بالموت في قوله تعالى: ( فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ) لأنّ هذه الآية منسوخة بآية النور: (الزانية والزاني فاجلدوا ) الآية، ولذلك لا تصلح دليلاً، وأيضاً فإن منع الزوج زوجته من أن تخرج من بيته لا يعتبر حبساً شرعاً، فله أن يمنعها من الخروج من بيته في أي وقت يشاء، ولا يعتبر ذلك حبساً لها، إذ لو اعتبر حبساً لعوقب على ذلك، لأنّ إيقاع العقوبة بالناس خاص بالحاكم، فلا يجوز لغيره أن يعاقب، ولأن الله حين جعل للزوج تأديب زوجته حدد أنواع التأديب، وهي الوعظ والهجران والضرب غير المبرح (فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ) والحبس ليس واحداً منها، فلا يجوز له أن يحبسها، وعلى ذلك لا دلالة في الآية على جواز العقوبة بالحبس حتى الموت. وأما ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا القاتل واصبروا الصابر " فإن معناه من قتل يُقتل، ومن قَتَل شخصاً بحبسه حبساً يميته من أجل أن يميته فإنّه يُقتَل بالصفة التي قَتَل بها، أي بحبسه حبساً يميته من أجل أن يميته، لا أن يُحبس حتى الموت، فهو نوع من قتل القاتل، وهو جناية وليس تعزيراً، فلا دلالة فيه على جواز الحبس حتى الموت، وعلى ذلك فالحكم بالسجن المؤبد لا يجوز شرعاً، بل لا بد من تحديد المدة التي يحكم بها بالسجن على شخص معين.**

**غير أن التعزير بالضرب والجلد لا يجوز أن يزيد عن عشر ضربات، أو عشر جلدات، وقد جاء ذلك صريحاً في نصوص الحديث، فقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن جابر عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا عقوبة في عشر ضربات إلاّ في حد من حدود الله " وروى البخاري عن أبي بردة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يجلد فوق عشر جلدات إلاّ في حد من حدود الله " وفي رواية للبخاري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلاّ في حد من حدود الله " . وأخرج أحمد عن أبي بردة بن نيار أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلاّ في حد من حدود الله " فهذا يدل على أن الضرب فوق عشر ضربات، والجلد فوق عشر جلدات لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط أو عشر ضربات، كما هو صريح الحديث، وليس الخليفة أو القاضي حراً فيها، بل هو مقيد بما ورد في نص الحديث. ويؤيد ذلك ما رواه الشالنجي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من بلغ حدّاً في غير حدّ فهو من المعتدين " فإنّه يحمل على نوع من أنواع الحدّ وهو الجلد، لأنّه هو الذي يتصور فيه أقل من نهاية الحدّ ولا يتصور في القتل ولا القطع، فيكون هذا الحديث مؤيداً لحديث عشرة أسواط. فالرسول نهى عن أن تبلغ العقوبة في التعزير مقدار الحد، وهذا لا يتصور إلاّ في الجلد، ولكنه غير محدد بعدد معين، وعين ذلك بقوله: " فوق عشرة أسواط " فيكون حديث: " من بلغ حداً " مطلقاً شائعاً في أي عدد دون الحدّ، وحديث: " فوق عشرة أسواط " مقيّداً بعدد مخصوص، فيحمل المطلق على المقيد ويجمع بين الحديثين، ويخصص حديث، " من بلغ حدّاً " بحدّ الجلد لأنّه هو الذي يتصور فيه معنى الحديث. وعليه فإنّه لا يجوز للامام أن يزيد عقوبة الجلد والضرب في التعزير على عشرة أسواط أو عشر ضربات.

3 - الحبس: الحبس الشرعي هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان ذلك في بلد، أم في بيت، أم في مسجد، أم في سجن معد للعقوبة أم غير ذلك، والدليل على أن الحبس عقوبة من عقوبات الشرع ما روي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: " أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة ثمّ خلى عنه " وعن أبي هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة يوماً وليلة " . وكان الحبس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في بيت، أو في مسجد، وكذلك الحال كانت على أيام أبي بكر، فلم يكن هناك حبس معد للخصوم، فلما كانت أيام عمر اشترى داراً لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وجعلها حبساً، وقد حبس عمر الخطيئة على الهجو، وحبس صبيغاً على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن، وروي عن عثمان بن عفان أنه سجن ضابئ بن الحارس، وكان من لصوص بني تميم وفتّاكهم حتى مات في السجن، وروي عن علي بن أبي طالب أنه بنى سجناً من قصب وسماه نافعاً، فنقبته اللصوص، ثمّ بنى سجناً من مدر وسماه مخيساً.

والسجن عقوبة من العقوبات كالجلد والقطع، فلا بد أن يكون مؤلماً للمسجون ألماً موجعاً، وأن يكون عقوبة تزجر، ولهذا فإنّه من الخطأ أن يقال يجب أن نجعل السجون مدارس للتهذيب، فالمدرسة غير السجن، المدرسة للتعليم والتهذيب، ولكن السجن لإيقاع العقوبة بالمجرم، فلا بد أن يكون على حال تكون عقاباً زاجراً وأن يكون بناؤه وغرفه وممراته على غير بناء وغرف وممرات المدارس والمنازل والفنادق وما أشبه ذلك، فيكون على شكل يثير الكمد والحزن، وأن تكون غرفه شبه مظلمة بأن تكون إنارتها نهاراً أو ليلاً وأن لا يسمح فيه بفراش وأثاث، بل يجعل للمسجون وطاء خشن من ليف ونحوه، وغطاء خشن من خرق أو خيش ونحو ذلك. وأن يكون طعامه خشناً وغير كثير، ولكنه لا بد أن يكون كافياً لتغذيته وبقائه متمتعاً بالعافية، ولا يمكّن أحد من الدخول عليه إلاّ أقاربه وجيرانه، ولا يمكثون عنده كثيراً، إلاّ أنه يجوز أن يسمح لزوجته أن تبيت عنده إذا رأى مدير السجن أن حال المسجون تقتضي ذلك، أو أن أخلاق المسجون وسلوكه في السجن حسنة، ويمنع من الخروج من السجن إلا لحاجة يقدرها مدير السجن، ولا يضرب ولا يغل ولا يقيد ولا يهان إلاّ إذا كان قرار القاضي قد نص على ذلك، ومن أظهر التعنت في السجن وضع في غرفة ضيقة منفرداً ( حاشرة ) وأقفل عليه الباب وترك له ما يقضي به حاجته، ويلقى إليه الماء والطعام من ثقبة الباب، ولكن نقل المحبوس إلى هذه الحاشرة لا يكون برأي مدير السجن، أو السجان، بل لا بد أن يكون بقرار من القاضي، لأنّها عقوبة تزيد عن العقوبة المحكوم بها، فتحتاج إلى قرار القاضي، وإذا احتاج الآمر لأنّ يشدد عليه الحبس، أو يخفف لا بد أن يرفع الأمر إلى القاضي، وهو الذي يعطي قراره حسب ما يراه، ولا يسجن المجرم إلاّ في بلده، لأنّ سجنه في غير بلده يعتبر تغريباً فيحتاج إلى قرار من القاضي، غير قرار سجنه، وهو عقوبة ثانية.

وتكون السجون أنواعاً حسب الجرائم المرتكبة، ويعين نوع السجن بقرار القاضي. ولا توجد جرائم سياسية وغير سياسية، ولا تمييز للصحفيين أو المحامين أو ما شاكلهم على غيرهم، بل ينظر لكل فعل قبيح بأنه جريمة. وصغر الجريمة وكبرها راجع لتقدير الإمام، لأنّه هو الذي يقدرها، فمن قدح بشخص أو ذمه يعاقب على ذلك، بغض النظر عن كونه صحفياً أو غير صحفي، ومن طعن بالحكم في غير أمر حق يعاقب على ذلك، بغض النظر عن كونه سياسياً أو غير سياسي، ولكن تقدير نوع العقوبة يجوز للقاضي أن يفاضل فيه بين الأشخاص، فيعاقب شخصاً بالسجن سنة، ويعاقب آخر من نفس الجريمة بالسجن أسبوعاً أو يعاقب شخصاً بوضعه في السجن الشديد القسوة، ويعاقب آخر بوضعه في سجن أخف، لما لديه من معلومات عنهما من كونه معروفاً بأنه مجرم، أو معروفاً بأنه من الأتقياء، وأن هذه هفوة أوقعه بها الشيطان، أو ما شاكل ذلك.**