ألْنَصْرانِيَّة

**7- أما جاستن أو يوستينوس الشهيد الذي كان سامريًّا يونانيًّا، وتحوَّل إلى المسيحية، ودرس في روما، واستشهد حوالي (165) م، فيؤخذ من كتاباته أنه قد عرف الأناجيل الأربعة مرتبطة معاً، مع أنه لم يكشف النقاب عمن جمعها، ولا في أي مكان جمعت، وهو يصفها عندما يذكرها في دفاعه ضد الوثنيين بأنها الذكريات، ولكنه عندما كان يكتب للمسيحين كان يقول عن الرسل: (هم أولئك الذين كتبوا ذكرياتهم عن كل الأشياء التي تختص بيسوع المسيح المخلص). ثم يقول مرة أخرى: (الذكريات التي عملها الرسل التي تسمى الأناجيل.

8- أما الشاهد الأخير فهو (الديا طسرن) الذي كتبه (تاتيان)، وأراد أن يجمع فيه الأناجيل الأربعة معاً في إنجيل واحد، وقد أضاف تاتيان هذا بضعة كلمات للمسيح لا توجد في هذه الأناجيل، ولكنها أخذت من كتب أبوكريفية أخرى، وهو بذلك يشهد أن الأربعة الأناجيل وجدت معاً، ولكن إضافاته مجرد اقتباسات لا تدلُّ على أنه كان يعتبر أن هناك كتباً أخرى تضارعها في سلطانها وقداستها). وبعد هذا النقل عن أحد القسس المتعمقين والمتخصصين في دراسات العهد الجديد، ننقل كلام مجموعة من المتخصصين النصارى عن أناجيلهم وذلك في المدخل إلى العهد الجديد قالوا في التعريف بتاريخ وقانونية العهد الجديد ما يلي: ( لقد سيطرت على المسيحيين الأوائل فكرة تناقلتها الألسن شفاهاً - تعلن انتهاء هذا العالم سريعاً وعودة المسيح ثانية إلى الأرض؛ ليدين الناس، وكان من بين نتائج هذا المعتقد أن توقف التفكير في تأليف كتابات مسيحية تسجل أخبار المسيح وتعاليمه، فتأخر لذلك تأليف الأناجيل؛ إذ لم يشرع في تأليف أقدمها - وهو إنجيل مرقس الذي لم يكن قط من تلاميذ المسيح - إلا بعد بضع عشرات من السنين، لقد كانوا يؤمنون بنهاية العالم وعودة المسيح سريعاً إلى الأرض: قبل أن يكمل رسله التبشير في مدن إسرائيل، وهي عملية لا تستغرق أكثر من عدة أشهر أو بضع سنين على أكثر تقدير… (الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان) متى ( 10/ 23)) .

  • وقبل أن يموت عدد من الذين وقفوا أمامه يستمعون إلى تعاليمه ومواعظه. وهي فترة يمكن تقديرها دون خطأ يذكر في حدود خمسين عاماً على أقصى تقدير: (الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوم لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته) متى (16/28)

  • وهو يعود ثانية إلى الأرض قبل أن يفنى ذلك الجيل الذي عاصر المسيح، وهي فترة لا تتجاوز أقصى ما قدرناه، أي: خمسين عاماً: … (الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله) متى (24/24). ومعلوم أن ذلك كله لم يحدث؛ إذ لا يزال الكون قائماً، وبنو آدم يعيشون في عالمهم الدنيوي حتى يأتي أمر الله، هذا - ولما بردت الحمية التي أثارتها فكرة عودة المسيح سريعاً إلى الأرض، ظهرت الحاجة ماسة إلى تدوين الذكريات عنه وعن تعاليمه، ومن هنا كانت النواة لتأليف أسفار- ما صار يعرف فيما بعد باسم - العهد الجديد، وهي الأسفار التي لم يعترف بشرعيتها إلا على مراحل وعلى امتداد أكثر من ثلاثة قرون.

إن كلمة (قانون) اليونانية مثل كلمة (قاعدة) في العربية قابلة لمعنى مجازي يراد به قاعدة للسلوك أو قاعدة للإيمان، وقد استعملت هنا للدلالة على جدول رسمي للأسفار التي تعدها الكنيسة ملزمة للحياة وللإيمان. ولم تندرج هذه الكلمة بهذا المعنى في الأدب المسيحي إلا منذ القرن الرابع، كانت السلطة العليا في أمور الدين تتمثل عند مسيحي الجيل الأول في مرجعين. أولهما: العهد القديم، وكان الكتبة المسيحيون الأولون يستشهدون بجميع أجزائه على وجه التقريب استشهادهم بوحي الله.

وأما المرجع الآخر الذي نما نموًّا سريعاً، فقد أجمعوا على تسميته: الرب. ولكن العهد القديم كان يتألف وحده من نصوص مكتوبة، وأما أقوال الرب وما كان يبشر به الرسل، فقد تناقلتها ألسنة الحفاظ مدة طويلة، ولم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة كل من: تدوين أهم ما علَّمه الرسل، وتولى حفظ ما كتبوه. ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة (150) م, تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر -إلا قليلاً جدًّا- إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس واستعملوها في حياتهم الكنسية، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقاً بالكتاب المقدس، بل كانوا يَدَعُون الأحداث توجِّههم، فقد كانت الوثائق البولسية مكتوبة، في حين أن التقليد الإنجيلي كان لا يزال في معظمه متناقلاً على ألسنة الحفاظ. ولا يظهر شأن الأناجيل طوال هذه المدة ظهوراً واضحاً كما يظهر شأن رسائل بولس.**

**أجل لم تخل مؤلفات الكتبة المسيحيين الأقدمين من شواهد مأخوذة من الأناجيل أو تلمح إليها، ولكنه يكاد أن يكون من العسير في كل مرة الجزم: هل الشواهد مأخوذة من نصوص مكتوبة كانت بين أيدي هؤلاء الكتبة، أم هل اكتفوا باستذكار أجزاء من التقليد الشفهي ؟ ومهما يكن من أمر، فليس هناك قبل السنة (140) م, أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة، ولا يذكر أن لمؤلَفٍ من تلك المؤلفات صفة ما يلزم، فلم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت وضوحاً على مرِّ الزمن بأن هناك مجموعة من الأناجيل، وأن بها صفة ما يلزم، وقد جرى الاعتراف بتلك الصفة على نحو تدريجي. فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة (170) م, بمقام الأدب القانوني، وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين. لم يوضع (لم يستقر) الجدول التام للمؤلفات العائدة إلى القانون إلا على نحو تدرجي، وكلما تحقق شيء من الاتفاق، فهكذا يجدر بالذكر ما جرى بين السنة (150) م, والسنة (200) م, إذ حدد على نحو تدرجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى. ولكن ما زال هناك شيء من التردد في بعض الأمور: فإلى جانب مؤلفات فيها من الوضوح الباطني ما جعل الكنيسة تتقبَّلها تقبُّلها لما لابد منه، هناك عدد كبير من المؤلفات الحائرة يذكرها بعض الآباء ذِكْرَهم لأسفار قانونية، في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة ذلك شأن: الرسالة إلى العبرانيين، ورسالة بطرس الثانية، وكل من رسالة يعقوب ويهوذا.

وهناك أيضاً مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها في ذلك الوقت على أنها من الكتاب المقدس، ومن ثم جزء من القانون، لم تبق زمناً على تلك الحال، بل أخرجت آخر الأمر من القانون، ذلك ما جرى لمؤلَّف: هرماس، وعنوانه (الراعي)، وللديداكي ورسالة إكليمنضس الأولى، ورسالة برنابا، ورؤيا بطرس، وكانت الرسالة إلى العبرانيين، والرؤيا، موضوع أشد المنازعات، وقد أنكرت صحة نسبتها إلى الرسل إنكاراً شديداً مدة طويلة. ولم تقبل من جهة أخرى إلا ببطء: رسالتا يوحنا الثانية والثالثة ورسالة بطرس الثانية، ورسالة يهوذا. ولا حاجة إلى أن نتتبع تتبعاً مفصلاً جميع مراحل هذا التطور الذي أدَّى خلال القرن الرابع إلى تأليف قانون هو في مجمله القانون الذي نعرفه اليوم).

من خلال هذا البيان والنقل المطول عن النصارى أنفسهم في حديثهم عن كتبهم يتلخص لنا ما يلي:

1- أن الله أنزل كتاباً على المسيح سماه الإنجيل، ودعا المسيح عليه السلام الناس إلى الإيمان به، وذكره أوائل النصارى، كما ذكره بولس في رسائله.

2- أن النصارى لا يعرفون شيئاً عن مصير ذلك الإنجيل، ولا أين ذهب !!.

3- أنه كانت هناك روايات شفوية ووثيقة مشتركة متداولة كان يتناقلها الحواريون ودعاة النصارى الأوائل، ويعتقد أنها كانت المصدر الأساسي لأوجه الاتفاق بين الأناجيل. و تلك الروايات الشفوية لا يبعد أن يكون الإنجيل الأصلي من ضمنها، إلا أن النصارى لم يدوِّنوه مجموعة واحدة، كما أنهم لم يميزوه عن غيره من الروايات، مما جعله غير محدد، ولا يستطيع أحد الجزم والاعتقاد بشيء من النصوص أنها منه، وهذا تصديق قول الله عزَّ وجلَّ: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ [ 1].

4- أن المتقدمين من النصارى لم يشيروا إلى الأناجيل الأربعة، ولم يذكروها ألبته، فبولس- على كثرة رسائله- لم يذكرها في رسائله أبداً، وكذلك لم يذكرها سفر أعمال الرسل الذي ذكر دعاة النصارى الأوائل، وهذا يدلُّ على أن هذه الكتب لم تكن موجودة في ذلك الزمن، وأنها أُلِّفت وكتبت بعد ذلك.

5- أن أول من ذكر مجموعة من الكتب المدونة ذكراً صريحا هو جاستن الذي قتل عام (165) م، وهذا لا يدل صراحة على الأناجيل الأربعة نفسها، وأما أول محاولة التعريف بها ونشرها فكانت عن طريق (تاتيان) الذي جمع الأناجيل الأربعة في كتاب واحد سماه (الدياطسرن) في الفترة من (166-170) م, وهذا هو التاريخ الذي يمكن أن يعزى إليه وجود هذه الكتب، وهو تاريخ متأخر جدًّا عن وفاة من تعزى إليهم هذه الكتب؛ إذ إنهم جميعاً ماتوا قبل نهاية القرن الأول، مما يدلُّ على أنهم برءاء منها، وأنها منحولة إليهم.


[ 1] المائدة:14**

**6- أنه حتى بعد هذا التاريخ- وهو (170) م, إلى القرن الرابع الميلادي- لم تكن الأناجيل الأربعة وحدها هي الموجودة، بل كانت هناك أناجيل كثيرة موجودة منتشرة ربما تبلغ مائة إنجيل، ولم يكن لأيٍّ منها صفة الإلزام والقداسة، وذلك أمر تكون الأناجيل الأربعة معه عرضة للتحريف والتغيير خلال تلك الفترة أيضاً.
7- أن النصارى لا يعرفون بالضبط تاريخ إعطاء هذه الكتب صفة الإلزام والقداسة، وإنما يرون أنه خلال القرن الرابع الميلادي أخذت كتبهم صفة القداسة بشكل متدرج، يعني: رويداً رويداً.
8- أن النصارى لا يملكون السند لكتبهم، ولا يعرفون مصدرها الحقيقي، ولا تعدو أن تكون كتباً وجدوها منحولة إلى أولئك الناس الذين نُسبت إليهم فنسبوها إليهم، واعتقدوا صحة ذلك بدون دليل، وهذا أمر لا يمكن أن يعطي النفس البشرية القناعة المناسبة لما تراد له هذه الكتب في الأصل من تجنب سخط الله وبلوغ رضوانه.
9- أننا نعجب غاية العجب من زعم النصارى: أن هذه الكتب حقيقية وصادقة، وتنقل بأمانة وإخلاص كلام المسيح، وتروي أخباره. كيف تجرؤوا على مثل هذا الكلام، وكيف قبله أتباعهم مع أنهم لا يملكون الدليل على ذلك، وكل دعوى عريت عن الدليل فهي باطلة.
قال الله عزَّ وجلَّ: (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ ). وكل من تحدث في دين الله بلا علم فهو ضال مضل، قال عزَّ وجلَّ: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ . وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ . ولأن دعاويهم عارية عن الدليل فهي نابعة من الهوى، فلهذا سمى الله عز وجل ما عند اليهود والنصارى من دين أهواء في قوله عزَّ وجلَّ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [ 4]. ولكن ذلك العجب يذهب، وتلك الدهشة تزول إذا علمنا أن للآباء والكبراء والسادة من أهل الضلالة الذين يسعون إلى المحافظة على مكاسبهم الدنيوية الدور الأكبر في إضلال العوام والدهماء الذين لا يستخدمون ما وهبهم الله من عقل وسمع وإدراك، وإنما يتابعون وينقادون انقياد الأعمى، وفي هذا يقول الله عزَّ وجلَّ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى ما أنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ .
وقال عزَّ وجلَّ: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا . والواجب على الإنسان أن لا يخضع للتقليد فيما تتعلق به نجاته وسعادته أو هلاكه وشقاوته، بل يتحقق من الأمر، ويتأكد من صحته، ويسأل الله الهداية والتسديد والرشد إلى أن يصل إلى الحق والنور الذي لن يخطئه بإذن الله تعالى إذا أخلص الطلب، واجتهد في الدعاء، وتحرَّر من الأهواء والتقليد والعصبية .


الأنعام:148
الحج:3
الحج:8-9
البقرة:120
المائدة:104
الأحزاب:66- 68**

**المطلب الثاني: تاريخ الأناجيل الأربعة تفصيلاً:

أولاً: إنجيل متى:.

ثانياً: إنجيل مرقص:.

ثالثاً: إنجيل لوقا:.

رابعاً: إنجيل يوحنا:.


أولاً: إنجيل متى

يصدر النصارى كتابهم المقدس بهذا الإنجيل، فهو أول كتبهم في الترتيب، وهو أطولها؛ إذ يحوي ثمانية وعشرين إصحاحاً.

ويزعم النصارى أن (متى) الذي ينسب الكتاب إليه هو أحد الحواريين، وكان قبل اتباعه للمسيح عشاراً (جابي ضرائب).

إلا أن النصارى لم يستطيعوا أن يبرزوا لنا دليلاً يُعتمد عليه في صحة نسبة هذا الكتاب إلى (متى)، وأقدم من يعتمدون على قوله في نسبة الكتاب إلى (متى) أحد كتابهم، ويسمى (يوسابيوس القيصري) في كتابه (تاريخ الكنيسة) حيث نقل عن أسقف كان لهيرا بوليس سنة (130) م, يدعى (بابياس)، أنه قال: (إن متى كتب الأقوال باللغة العبرانية).

وهذا القول ولدى جميع العقلاء لا يمكن أن يعتمد عليه في إثبات صحة نسبة الكتاب إلى (متى) الذي يزعمون أنه حواري.

وذلك لأن (بابياس) المذكور هنا لم يكن سمع تلك التعاليم وتلك الكتب من أصحابها، بل كان يسمعها بواسطة، حيث يقول عن نفسه فيما ذكر عنه (يوسابيوس): (وكلما أتى واحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم؛ لأنني لا أعتقد أن ما تحصل عليه من الكتب يفيد بقدر ما يصل من الصوت الحي).

فهو هنا لا يتحرى في النقل، ومما لاشك فيه أن أولئك الوسائط لابد أن تثبت عدالتهم، وإلا فلا يعتد بما يروونه ويقولونه.

كما أن (يوسابيوس القيصري) قد طعن في بابياس نفسه حيث قال عن رواياته: (ويُدوِّنُ نفس الكاتب روايات أخرى يقول: إنها وصلته من التقليد غير المكتوب. وأمثالاً وتعاليم غريبة للمخلص وأموراً خرافية…).

ثم قال عنه وعن آرائه: (وأظن أنه وصل إلى هذه الآراء بسبب إساءة فهمه للكتابات الرسولية، غير مدرك أن أقوالهم كانت مجازية؛ إذ يبدو أنه كان محدود الإدراك جدًّا كما يتبين من أبحاثه، وإليه يرجع السبب في أن كثيرين من آباء الكنيسة من بعده اعتنقوا نفس الآراء مستندين في ذلك على أقدمية الزمن الذي عاش فيه).

فهذه طريقة (بابياس) في النقل حيث ينقل عن كل من اتبع المشايخ بدون تحر لمقدرة التلميذ على الحفظ والضبط للروايات والعدالة وما إلى ذلك من شروط صحة الخبر، كما أن (بابياس) نفسه ضعيف التمييز بين الأقوال محدود الإدراك جدًّا. فكيف تعتبر أقوال من هذه حاله في أخطر قضية، وهي الشهادة لكتاب بأنه كلام رب العالمين ؟ كما أن في المقابل هناك عدة أدلة تدل على عدم صحة نسبة الإنجيل إلى (متى) الذي يزعمون أنه حواري وهي:

1- أن النصارى لم ينقلوا الإنجيل بالسند، وقول (بابياس) السابق لم يعين فيه من هو (متى)، هل هو الحواري أم رجل آخر ؟ كما أنه لم يعين الكتاب بل قال: (الأقوال).

وأيضاً فقد ذكر أمراً آخر يختلف تماماً عما عليه إنجيل متى الموجود، وهو أنه قال: إنه كتبه باللغة العبرانية، مع أن النصارى يجمعون على أن:الكتاب لم يعرفوه إلا باللغة اليونانية، ولا يعرفون للكتاب نسخة عبرانية، بل الكثير منهم يرى أن: الكتاب يظهر من لغته أنه أول ما كتب إنما كتب باللغة اليونانية، وليس العبرانية، فهذا يدل على أن قول (بابياس) لا ينطبق على إنجيل متى الموجود بين يدي النصارى.

كما أن هناك استفساراً آخر في حالة أن يكون الإنجيل مترجماً من اللغة العبرانية إلى اللغة اليونانية، وهو: من هو مترجمه ؟ وهذا أمر مهم؛ لأنه ما لم يعلم دين المترجم، وصدقه، وضبطه، وقوة معرفته باللغتين لا يمكن أن يعتمد على ترجمته.

2- إن الدارسين لهذا الكتاب والباحثين من النصارى وغيرهم يرون أن كاتب هذا الإنجيل اعتمد كثيراً على إنجيل مرقص، ومرقص في كلام النصارى تلميذ بطرس، فهل من المعقول أن يعتمد أحد كبار الحواريين في زعمهم على تلميذ من تلاميذهم في الأمور التي هم شاهدوها وعاينوها وعايشوا أحداثها ؟

هذا يدل على أن كاتبه غير (متى) الذي يزعمون أنه حواري، وأن دعوى النصارى أن كاتب الإنجيل هو متى الحواري دعوى عارية عن الدليل، وهي من باب الظن والتخمين الذي لا يغني من الحق شيئاً.**

**ثانياً: إنجيل مرقص:

هذا الإنجيل الثاني في ترتيب الأناجيل لدى النصارى، وهو أقصرها؛ إذ إنه يحوي ستة عشر إصحاحاً فقط. أما كاتب الإنجيل فهو في زعم النصارى رجل من أتباع الحواريين، والمعلومات عنه قليلة جدًّا وغامضة، ولا تتضح شخصيته وضوحاً يُطمئن النفس؛ إذ إن كل ما ورد عنه الإشارة إلى أن اسمه يوحنا، ويلقب مرقص، وأنه صاحَبَ بولس وبرنابا في دعوتهما، ثم افترق عنهما، ثم ذكر بولس في رسائله اسم مرقص ذكراً مقتضباً لا يعطي غناء في التعريف به، وورد ذكر اسمه مع بطرس حيث يقول عنه: (تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم ومرقص ابني). فهذه المعلومات يفهم منها أن الرجل مجهول؛ إذ إنها لم تعط تعريفاً بدينه، وعلمه، وأمانته، ونحو ذلك مما يجب توافر معرفته فيمن يكون واسطة لكتاب مقدس. أما الكتاب وهو الإنجيل: فأقدم المعلومات التي عزته إلى من يسمَّى مرقص ما نقله (يوسابيوس) في تاريخـه الكنسي عن بابياس حيث قال: (ولقد قال الشيخ أيضاً: إن مرقص الذي صار مفسراً لبطرس قد كتب بكل دقة كل ما تذَكَّره من أقوال وأعمال الرب، ولكن ليس بالترتيب؛ لأنه لم يسمع الرب ولم يتبعه، ولكن كما قلت قبلاً عن بطرس الذي ذكر من تعاليم السيد ما يوافق حاجة السامعين، بدون أن يهدف إلى كتابة كل ما قاله الرب وعمله، وهكذا فصل مرقص أنه لم يعمل خطأً واحداً في كل ما ذكره وكتبه..).

هذه أقدم شهادة لدى النصارى عن الكتاب والكاتب، فهي شهادة مطعون فيه، لمجهول الحال- وهو مرقص- عن أمر مجمل، حيث ذكر أنه كتب ما تذكر، ولم يفصل في المكتوب ما هو!! فهل تكفي هذه الشهادة في إثبات صحة الكتاب !!، لاشك أنها لا تكفي؛ فإن مثل هذه الأدلة والشواهد لو قدِّمت لدى قاض في قضية لم يقبلها ولم يحكم وفقها.

ثالثاً: إنجيل لوقا:

هذا الإنجيل الثالث في ترتيب النصارى لكتابهم، ويحوي أربعة وعشرين إصحاحاً. وكاتب الإنجيل في زعم النصارى هو أحد الوثنيين الذين آمنوا بالمسيح بعد رفعه، وكان رفيقاً لبولس (شاؤول اليهودي) حيث ذكره بولس في ثلاثة مواضع من رسائله، واصفاً إياه بأنه رفيقه. ولا يوجد لدى النصارى معلومات عنه سوى أنه أممي رافق بولس في بعض تنقلاته، حيث ورد اسمه في تلك الرحلات. فهو بذلك يعتبر شخصية مجهولة وغير معروفة ولا متميزة بعدالة وديانة، ومع هذا أيضاً لا يوجد لدى النصارى دليل يعتمد عليه في صحة نسبة الكتاب إليه. ولندرة المعلومات التي توثق نسبة الكتاب إلى لوقا المذكور يستشهد النصارى بكلام مجهول، حيث يقول القس (فهيم عزيز) في كتابه (المدخل إلى العهد الجديد) في استدلاله على صحة نسبة الكتاب إلى لوقا ما يلي: (هناك مقدمة كتبت لإنجيل لوقا فيما بين (160-180), اسمها (ضد مارسيون) فيها يقول الكاتب عن لوقا: إنه من أنطاكية في سوريا، مهنته طبيب، وكان أعزب بدون زوجة، مات وهو في سن (84) في بواتييه ممتلئاً بروح القدس، وقد كتب إنجيله كله في المناطق التي تحيط بأخائيه؛ لكي يفسر للأمم القصة الصحيحة للعهد الجديد الإلهي..) ثم قال صاحب الكتاب معلقاً: (هذه مقتطقات عن هذه الشهادة التي لا يعرف كاتبها، وقد قبلها كثير من العلماء؛ لأنهم لم يجدوا من أتباع مارسيون من يكذبها، مما يدل على أنها تقليد كنسي قوي). بمثل هذه الشهادة المجهولة يثبت النصارى صحة كتابهم إلى ذلك الرجل المجهول لوقا، وهي لاشك شهادة لا قيمة لها ولا تفيد شيئاً، ويدل استدلالهم بها على أنهم لا يملكون أدلة على صحة نسبة الكتاب إلى من يسمونه (لوقا)، وذلك يبين لنا أن النصارى حين زعموا أن إنجيل لوقا كتاب صحيح وصادق، فإن ذلك مجرد دعوى بدون بينة.**

**المطلب السادس: البشارة بـ(محماد) مشتهى الأمم: وبعد عودة بني إسرائيل من السبي، وتخفيفاً لأحزانهم، ساق لهم النبي حجي بشارة من الله فيها: (لا تخافوا؛ لأنه هكذا قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل، فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، وأنزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً قال رب الجنود… مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام يقول رب الجنود) (حجي 2/6 - 9).

وهذه النبوءة لا ريب تتحدث عن القادم الذي وعد به إبراهيم، وبشَّر به يعقوب وموسى ثم داود عليهم الصلاة والسلام.

وقبل أن نلج في تحديد شخصية هذا المشتهى من كل الأمم نتوقف مع القس السابق عبد الأحد داود، وهو الخبير باللغات القديمة، إذ يسوق لنا النص بالعبرانية: ( لسوف أزلزل كل الأرض، وسوف يأتي (محماد) لكل الأمم … وفي هذا المكان أعطي السلام )، فقد جاء في العبرية لفظة (محماد ) أو ( حمدت ) كما في قراءة أخرى حديثة، ولفظة ( محِمْادْ ) في العبرانية تستعمل عادة لتعني: ( الأمنية الكبيرة ) أو (المشتهى)، والنص حسب الترجمة العبرانية المتداولة: (فباؤا حمدات كول هاجوييم).

لكن لو أبقينا الاسم على حاله دون ترجمة، كما ينبغي أن يكون في الأسماء ، فإنا واجدون لفظة ( محماد ) هي الصيغة العبرية لاسم أحمد، والذي أضاعها المترجمون عندما ترجموا الأسماء أيضاً.يقول المؤرخ (ول ديورانت): ( ولفظ محمد مشتق من الحمد، وهو مبالغة فيه، كأنه حمد مرة بعد مرة، ويمكن أن تنطبق عليه بعض فقرات في التوراة تبشِّر به) . .وجاء في تمام النبوءة الحديث عن البيت الأخير لله، والذي هو أعظم مجداً من البيت الأول، ثم يقول: ( في هذا المكان أعطي السلام )، وقد استخدمت الترجمة العبرية لفظة شالوم (שלום ) والتي من الممكن أن تعني الإسلام، فالسلام والإسلام مشتقان من لفظة واحدة .ومثل هذا في القرآن في قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ) .

وقوله: ( في هذا المكان أعطي السلام )، قد تتحدث عن عقد الأمان الذي عم تلك الأرض والذي أعطاه عمر بن الخطاب لأهل القدس عندما فتحها، فتكون النبوءة عن إعطاء السلام، ولم تنسبه إلى المشتهى، ذلك أن الأمر تمَّ بعد وفاته في أتباعه وأصحابه الكرام.

ولا ريب أن النبوءة لا تتحدَّث عن المسيح؛ إذ لا تقارب بين ألفاظ النبوءة واسمه، أو بين معانيه وما عهد عنه عليه السلام؛ إذ لم يستتب الأمن في القدس حال بعثته، بل بشر اليهود بخراب هيكلهم بعد حين، كما كان رسولاً إلى بني إسرائيل فحسب، وليس لكل الأمم، والقادم هو مشتهى الأمم جميعاً، وليس خاصًّا ببيت يعقوب، كما جاء في وصف المسيح مراراً.

وهذا الاستعمال لكلمة ( السلام ) بمعنى ( الإسلام ) يراه عبد الأحد داود لازماً في موضع آخر من (الكتاب المقدس)، فقد جاء في (إنجيل لوقا) أن الملائكة ترنموا عند ميلاد المسيح قائلين: (المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة ) (لوقا 2/14).

ويتساءل القس السابق عبد الأحد داود أي سلام حلَّ على الأرض بعد ميلاد المسيح، فقد تتابع القتل، والحروب ما تزال تطحن، وإلى قيام الساعة، ولذلك فإن الترجمة الصحيحة لكلمة (إيرينا ) اليونانية في العبرانية: ( شالوم )، وهي في العربية ( الإسلام ) كما ( السلام ).

وإن أصرَّ النصارى على تفسير كلمة ( إيرينا ) بالسلام، فقد جعلوا من عيسى مناقضاً لنفسه، إذ قال: ( جئت لألقي ناراً على الأرض … أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض. كلا أقول لكم، بل انقساماً … ) (لوقا 12/49 - 51)، وفي متى: ( لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً، بل سيفاً ) (متى 10/34).

وتبعاً لهذا يرى عبد الأحد داود أن صانعي السلام هم المسلمون، وذلك في قول المسيح: (طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم يدعون أبناء الله ). (متى 5/9) فيرى أن الترجمة الدقيقة هي (طوبى للمسلمين )، وليس صانعي السلام الخيالي، الذي لم ولن يوجد على الأرض.

كما لا يستطيع أحد ينتمي إلى فرق النصارى المختلفة والمتباغضة طوال تاريخ النصرانية، لا يستطيع أن يقول بأن السلام قد تحقق في نفوس المؤمنين؛ إذ الأحقاد المتطاولة بينهم تكذب ذلك كله.

وجاء في تمام الأنشودة المزعومة للملائكة: ( وبالناس المسرة )، واستخدم النص اليوناني كلمة (يودوكيا ) وهي كلمة مشتقة من الفعل اليوناني ( دوكيو )، ومعناها كما في القاموس الإغريقي: (لطيف، محسن، دمث… ) ومن معانيها أيضاً السرور - المحبة - الرضا - الرغبة، الشهرة…

فكل هذه الإطلاقات تصح في ترجمة كلمة ( يودوكيا ) التي يصح أيضاً أن تترجم في العبرانية إلى (محماد، ما حامود) المشتقة من الفعل ( حمد ) ومعناه: المرغوب فيه جدًّا، أو البهيج، أو الرائع أو المحبوب أو اللطيف، وهذا كله يتفق مع المعاني التي تفيدها كلمة (محمد وأحمد)، واللتان تقاربان في الاشتقاق كلمتي (حمدا ومحماد) العبرانيتين، ومثل هذا التقارب يدل على أن لهما أساسا واحدا مشتركا، كما هو الحال في كثير من كلمات اللغات السامية.

وينبِّه الأب السابق عبد الأحد داود إلى وجود هذا النص في (إنجيل) لوقا اليوناني، في الوقت الذي كانت فيه العبارات سريانية حين مقالها، ولا يمكن- حتى مع بذل الجهد وفرض الأمانة في الترجمة- أن تترجم كلمة ما من لغة إلى أخرى، وتفيد نفس المعاني الأصلية للكلمة، ومع ضياع الأصول لا يمكن التحقق من دقة هذه الترجمة.والترجمة الصحيحة للترنيمة- كما يرى عبد الأحد داود- هي: ( الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد ).


“قصة الحضارة”

البقرة:208**

**المطلب الثامن: الأصغر في ملكوت الله:

وثمة بشارة أخرى جاءت على لسان المسيح تبشِّر بالمسيح المنتظر صلى الله عليه وسلم، وتؤكِّد أنه أعظم الأنبياء، وأنه النبي المسمى إيليا، وأنه الذي تقاطرت النبوات على البشارة به، يقول المسيح: (الحق الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه .. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع ) (متى 11/11 - 15)، فالأصغر في ملكوت السماوات هو إيلياء المزمع أن يأتي، الذي تنبأ به الأنبياء، نبيًّا تلو نبي، وكان آخرهم يوحنا المعمدان.

فمن هو إيليا، الأصغر في ملكوت السماوات ؟ إنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي صغر بتأخره في الزمان عن سائر الأنبياء، لكنه فاقهم جميعاً باكتمال رسالته ورضا الله بدينه ديناً خاتماً إلى قيام الساعة،فإن لم يكن محمداً صلى الله عليه وسلم فمن ذا يكون ؟

ولا يمكن لنصراني أن يدَّعي بأن عيسى هو آخر الرسل والأنبياء لإيمانهم برسالة تلاميذه، بل وغيرهم كبولس، كما لم تكمل رسالته عليه السلام بدليل التعديل والنسخ الذي أجراه الحواريون عليها في المجمع الأورشليمي الأول بزعم التيسير على المتنصرين، فأبطلوا الختان، وأحلُّوا بعض محرمات التوراة.

وعليه فلا تصدق على المسيح عليه السلام كلمة ( الأصغر )؛ لأنه ليس آخر الأنبياء، كما أنه لم يصرح ولا يفهم أنه كان يتحدَّث عن نفسه حين قال: ( ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه .. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليّا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع ) (متى 11/11 - 15).

وهذا الأصغر إنما يأتي في ملكوت السماوات التي لم تكن قد قامت يومذاك، وهو مزمع أن يأتي ولما يأت بعد، إنه محمد صلى الله عليه وسلم.

المطلب التاسع: المسيح يبشر بِ " ألبارقليط ":لكن أعظم بشارات العهد الجديد بالنبي الخاتم هي نبوءات المسيح عليه السلام عن مجيء البارقليط إلى هذا العالم.

وينفرد يوحنا في إنجيله بذكر هذه البشارات المتوالية من المسيح بهذا النبي المنتظر، حيث يقول المسيح موصياً تلاميذه: ( إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم … إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منـزلاً.

الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني، بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم ?. قلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون، لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً؛ لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيَّ شيء ) (يوحنا 14/15 ? 30).

وفي الإصحاح الذي يليه يعظ المسيح عليه السلام تلاميذه طالباً منهم حفظ وصاياه، ثم يقول: ( متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً؛ لأنكم معي في الابتداء.

قد كلَّمتكم بهذا لكي لا تعثروا، سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله … قد ملأ الحزن قلوبكم، لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم.

ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة، أما على خطية: فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما على بر: فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً، وأما على دينونة: فلأن رئيس هذا العالم قد دين.

إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني؛ لأنه يأخذ مما لي ويخبركم) (يوحنا 15/26 - 16/14)**

**المطلب الثاني: ضياع الإنجيل وانقطاع السند:تقدم الكلام على الأناجيل، وأن الأناجيل الموجودة ليس منها شيء منسوب إلى عيسى عليه السلام، ولا يُعرَف أثر لإنجيل عيسى عليه السلام، كما أن النصارى لم يعتنوا بالتدوين مباشرة بعد رفع المسيح، وإنما تأخروا في التدوين مما جعل كثيراً من الأناجيل تظهر، ولا يعرف على اليقين كاتبها، ولا من أين أخذ معلوماته.

وهذا انحراف بدعوة المسيح عليه السلام عن وجهها الصحيح؛ لأن أصحاب تلك الأناجيل ليسوا معصومين، فوقعوا في أخطاء كثيرة، وسوء فهم، وغير ذلك من العوارض التي تعرض للبشر، مما جعل الديانة المعتمدة على مثل تلك الكتب المليئة بالأخطاء تبدو ديانة مرتبكة مختلة التركيب، كما هو حال النصرانية.

المطلب الثالث: بولس (شاؤول اليهودي):

تمهيد:هو شاؤول اليهودي أحد ألد أعداء المسيح عليه السلام، وأحد اليهود المتعصبين لليهودية، ولد وتربى في طرسوس التي كانت مركزاً من مراكز الفلسفة وتنوع الثقافات الوثنية في ذلك الوقت. وانتقل بولس إلى أورشليم، وتعلم الشريعة اليهودية، وكان من أشد الناس تعصباً لها، ثم لما بعث المسيح عليه السلام كان من أشد الناس على ديانته وعلى أتباعها. فهو يقول عن نفسه: (سمعتم بسيرتي قبلاً في الديانة اليهودية إني كنت اضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها، وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي؛ إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي). ثم إن هذا الرجل زعم أنه دخل في دين المسيح، وفي هذا يقول لوقا في أعمال الرسل (9/1): ( أما شاؤول فكان لم يزل ينفث تهدداً وقتلاً على تلاميذ الرب، فتقدم إلى رئيس الكهنة، وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناساً من الطريق رجالاً أو نساء يسوقهم موثقين إلى أورشليم، وفي ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق فبغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له: شاؤول شاؤول. لماذا تضطهدني ؟ فقال: من أنت يا سيد ؟ فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، صعب عليك أن تَرْفُسَ مَنَاخِس، فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل ؟ فقال له الرب: قم وادخل المدينة، فيقال لك: ماذا ينبغي أن تفعل… وكان شاؤول مع التلاميذ الذين في دمشق أياماً وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله). وبهذه القصة التي لا دليل عليها ولا شاهد إلا دعواه، زعم أنه دخل في دين المسيح، وحين قدَّم نفسه للحواريين لم يقبله الحواريون أولاً لمعرفتهم بعداوته وبطشه بهم، ولكن ( برنابا) توسط له عندهم فقبلوه، فنشط بعد قبولهم له، وصار رأساً في النصرانية، يبني الكنائس، ويطوف البلاد شرقاً وغرباً يدعو، ويرسل الكتب والرسائل يبين فيها ديناً وأمراً غريباً عن الحواريين وعن شريعة عيسى عليه السلام.

وبالنظر الفاحص فيما خلَّف بولس من رسائل يتضح للناظر فيها ملاحظات عديدة، نقتصر منها على ذكر أهم مخالفاته لدعوة المسيح عليه السلام:

الفرع الأول: ادعاؤه أن المسيح ابن الله:.

الفرع الثاني: ادعاؤه أن الغاية من مجيء المسيح عليه السلام هو الصلب وتكفير الخطايا:.

الفرع الثالث: ادعـاؤه أن دعوة المسيح عليه السلام كانت عامة لجميع بني البشـر: .

الفرع الرابع: إلغاؤه لشريعة موسى عليه السلام، ودعواه أن الإنسان ينجو بالإيمان المجرَّد بدون عمل. .

الفرع الخامس: إلغاؤه للختان: .

الفرع السادس: التأثر بالوثنيات والفلسفات الوثنية:.

الفرع السابع: تدخل الإمبراطور قسطنطين: .

الفرع الثامن: المجامع النصرانية:.**

**ألفرع الرابع: إلغاؤه لشريعة موسى عليه السلام، ودعواه أن الإنسان ينجو بالإيمان المجرَّد بدون عمل.

ألغى بولس شريعة موسى عليه السلام، وفي هذا يقول في رسالته إلى رومية (2/16): (إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح آمنا نحن أيضاً بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس؛ لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما… فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبَّني وأسلم نفسه لأجلي، لست أبطل نعمة الله؛ لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذاً مات بلا سبب).

ومما يجدر ذكره أن بولس لما وسع نطاق دعوة المسيح عليه السلام لتشمل جميع الناس واجه عقبة كؤود، وهي عدم قبول الوثنيين للشرائع الموسوية، وتصوَّر أنه لا يمكن أن تنجح الدعوة بينهم مع وجود الشريعة، فقرَّر إلغاءها، ويذكر سفر أعمال الرسل أن هذا أولاً تمَّ بمطالبة من بولس ودعوة منه، ثم قبله بعد ووافق عليه سائر التلاميذ، وقرروا أن لا يلزم الناس بشيء من الأمور الواجبة عند بني إسرائيل سوى الامتناع عن الذبح للأصنام، وعن أكل الدم، والمخنوق، والامتناع عن الزنا.

وإلغاء بولس للعمل بشريعة موسى عليه السلام خلاف ما أكَّده المسيح عليه السلام ودعا إليه، فقد ورد في (إنجيل متى) (5/17) أنه قال: ( لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإن الحقَّ أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس حتى يكون الكلُّ، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى، وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السموات، وأما من عمل وعلم، فهذا يُدعَى عظيماً في ملكوت السموات. فإني أقول لكم: إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات).

فهذه تأكيدات واضحة من المسيح على التزام شريعة موسى عليه السلام وتحريم الخروج عليها. فإلغاء العمل بشريعة موسى هو في الحقيقة هدم لديانة المسيح تماماً؛ لأن مما هو ظاهر من دعوة المسيح عليه السلام أنه لم يأت بتعاليم جديدة تذكر، وإنما ركَّز تركيزاً خاصًّا على التوبة والتخلص من الخطايا.

وهذا لا شك مع التزام الشريعة السابقة، فإذا ألغيت الشريعة بقيت دعوة المسيح عليه السلام دعوة عامة للتوبة والصلاح بدون أعمال يتوصل الإنسان من خلالها إلى تهذيب نفسه وتزكيتها، وهذا ما آل إليه أمر ديانة المسيح عليه السلام بسبب دعوة بولس الذي نشط بعد ذلك في بيان بطلان شريعة موسى عليه السلام وَوَجْهِ إلغائها، وتكرَّر هذا الأمر في أغلب رسائله، وهو من أهمِّ ما يميز دعوته، مع أنه لا يملك دليلاً واحداً يبيح له مثل هذا العمل، الذي يعتبر كفراً بالديانة ونقضاً لها من أساسها.

كما يُعتبر بكل المعايير فشلاً في الدعوة، وليس نجاحاً كما يظن النصارى؛ لأن النجاح في الدعوة هو أن تنجح في الدعوة إلى كامل المنهج الذي تدعو إليه بأصوله وفروعه، أما تغييره أو الاكتفاء بجزء شكلي منه، فلاشك أن ذلك فشل كبير.

الفرع الخامس: إلغاؤه للختان:

اختتن المسيح عليه السلام والتزم به؛ لأنه من شريعة موسى، فقد ذكر اليهود في كتابهم أن الله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام كما في التكوين (17/11): (يختن منكم كل ذكر فَتُخْتَنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم… وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها إنه قد نكث عهدي).

ومع هذا التأكيد على الختان، فقد ألغـاه بولس من ضمن ما ألغى من شريعة موسى عليه السلام، وفي هذا يقول في رومية (2/28 )( لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًّا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانـاً، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان).

هذه بعض الأمور التي يلاحظها الإنسان الذي يطَّلع اطلاعة سريعة على رسائل بولس التي تكونت بعدُ منها النصرانية، وقامت عليها وغطت تعاليمه على تعاليم المسيح عليه السلام، بل ألغتها وحلَّت محلَّها، كما سبق ذكره، ومن الجدير بالذكر أن أتباع المسيح الأوائل لم يقبلوا تلك الدعاوى من بولس، بل ردوها، وفي هذا يقول في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (1/15): (إن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني). وهذا هو المتوقع من الحواريين والذين عرفوا الحق ورأوا المسيح عليه السلام وتتلمذوا عليه.

إلا أن تلك الدعاوى وجدت رواجاً لدى الرومان واليونان، وخاصة في غرب أوربا حيث كان الغالبية وثنيين، فناسبتهم هذه المبادئ فأخذوا بها، ثم طبعها بطابع الشمول والإلزام مجمع نيقية سنة (325) م, حيث قرروا فيه ألوهية المسيح عليه السلام، وأنه نزل ليصلب تكفيراً لخطايا البشر كما تقدَّم، فأصبحت الديانة النصرانية مدينة في الواقع لبولس، وليس للمسيح منها إلا الاسم فقط.**

**المطلب الثالث:

البروتستانت:

الفرع الأول: التعريف:.

الفرع الثاني: التأسيس وأبرز الشخصيات:.

الفرع الثالث: أهم الكنائس البروتستانتية:.

الفرع الرابع: الصهيونية المسيحية:.

الفرع الخامس: الأفكار والمعتقدات:.

الفرع السادس: الجذور الفكرية والعقائدية:.

الفرع السابع: الانتشار ومواقع النفوذ:.


الفرع الأول: التعريف:

فرقة من النصرانية احتجوا على الكنيسة الغربية باسم الإنجيل والعقل، وتسمَّى كنيستهم بالبروتستانتية حيث يعترضون (Protest) على كل أمر يخالف الكتاب وخلاص أنفسهم، وتسمى بالإنجيلية أيضاً حيث يتَّبعون الإنجيل دون سواه، ويعتقدون أن لكل قادر الحق في فهمه، فالكل متساوون ومسؤولون أمامه .

***المصدر:الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي

البروتستانت: ويسمون الإنجيليين: وهم أتباع مارتن لوثر الذي ظهر في أوائل القرن السادس عشر الميلادي في ألمانيا، وكان ينادي بإصلاح الكنيسة وتخليصها من الفساد الذي صار صبغة لها.

وأهم ما يتميَّز به أتباع هذه النحلة هو:

1- أن صكوك الغفران دجل وكذب، وأن الخطايا والذنوب لا تغفر إلا بالندم والتوبة.

2- أن لكل أحد الحق في فهم الإنجيل وقراءته، وليس وقفا على الكنيسة.

3- تحريم الصور والتماثيل في الكنائس؛ لأنها مظهر من مظاهر الوثنية.

4- منع الرهبنة.

5- أن العشاء الرباني تذكار لما حلَّ بالمسيح من الصلب في زعمهم، وأنكروا أن يتحول الخبز والخمر إلى لحم ودم المسيح عليه السلام.

6- ليس لكنائسهم رئيس عام يتبعون قوله.

وهذه النحلة تنتشر في ألمانيا وبريطانيا وكثير من بلاد أوربا وأمريكا الشمالية.**

**رابعاً: إنجيل يوحنا:

هذا الإنجيل الرابع في ترتيب العهد الجديد، وهو إنجيل متميز عن الأناجيل الثلاثة قبله؛ إذ تلك متشابهة إلى حد كبير، أما هذا فإنه يختلف عنها؛ لأنه ركَّز على قضية واحدة، وهي إبراز دعوى ألوهية المسيح وبنوته لله- تعالى الله عن قولهم - بنظرة فلسفية لا تخفى على الناظر في الكتاب، لهذا يعتبر هو الكتاب الوحيد من بين الأناجيل الأربعة الذي صرَّح بهذا الأمر تصريحاً واضحاً. وإذا بحثنا في صحة نسبة الكتاب إلى يوحنا الذي يزعم النصارى أن الكتاب من تصنيفه نجده أقل كتبهم نصيباً من الصحة؛ لعدة أدلة أبرزها منكروا نسبة الكتاب إلى يوحنا الحواري وهي:

1- أن بوليكاربوس الذي يقال: إنه كان تلميذاً ليوحنا. لم يشر إلى هذا الإنجيل عن شيخه يوحنا، مما يدلُّ على أنه لا يعرفه، وأن نسبته إلى شيخه غير صحيحة.

2- أن الكتاب مملوء بالمصطلحات الفلسفية اليونانية التي تدلُّ على أن لكاتبه إلماماً بالفلسفة اليونانية، أما يوحنا فكما يذكر النصارى فقد كان يمتهن الصيد، مما يدلُّ على أنه بعيد عن الفلسفة ومصطلحاتها.

3- أن النصارى الأوائل لم ينسبوا هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري المزعوم، وأن (يوسابيوس) الذي كان يسأل (بابياس) عن هذه الأمور يقول: (الواضح أن بابياس يذكر اثنين اسمهما يوحنا: الأول: الرسول وقد مات، والثاني: الشيخ وهو حيٌّ. ويلوح أنه هو الذي كتب الإنجيل). فلهذا يقول القس (فهيم عزيز) بناء على ذلك: (إن الكنيسة كانت بطيئه في قبولها لهذا الإنجيل). وبناءً على ذلك فمنذ نهاية القرن التاسع عشر ظهر الاعتراض على نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا بشكل واسع، ووصفته (دائرة المعارف الفرنسية) بأنه إنجيل مزور، وهذه الدائرة اشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى، ونص كلامهم: (أما أنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولاشك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض، وهما القديسان يوحنا ومتى، وقد ادَّعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت اسمه على الكتاب نصًّا، مع أن صاحبه غير يوحنا يقيناً، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهودهم ليربطوا- ولو بأوهى رابطة- ذلك الرجل الفلسفي الذي ألَّف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى). نقول مع هذه الاعتراضات، ومع عدم وجود أدلة تثبت صحة نسبته إلى يوحنا الحواري المزعوم، فلا يجوز لعاقل أن يدعي صحة نسبته إلى يوحنا، فضلاً عن أن يزعم أنه كتاب مقدس موحى به من الله، فهذا فيـه افتراء عظيم علـى الله عزَّ وجلَّ، وإضلال لعباد الله بالباطل. بعد هذا كله يتضح للناظر اللبيب أن النصارى- وكذلك اليهود من قبلهم- لا يملكون مستنداً صحيحاً لكتبهم يثبت صحة نسبتها إلى من ينسبونها إليه، وإن من المعلوم أن أي إنسان أراد أن يقاضي إنساناً آخر لدى محكمة فلا يمكن أن تنظر المحكمة في دعواه ما لم يقدم من الإثباتات الصحيحة ما يصح اعتباره دليلاً، والنصارى لم يقدِّموا لأنفسهم ولا لأهل ملتهم من المستندات والأدلة شيئاً يثبتون به صحة كتبهم، بل لا يعرفون طريقاً إلى شيء من المستندات الصحيحة، يقول الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه العظيم (إظهار الحق): (ولذلك طلبنا مراراً من علمائهم الفحول السند المتصل، فما قدروا عليه، واعتذر بعض القسيسين في محفل المناظرة التي كانت بيني وبينهم، فقال: إن سبب فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على النصارى إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة). وفي هذا كفاية ودلالة على أن تلك الكتب التي تُسمَّى الأناجيل كتب لا يملك أصحابها أي مستند يمكن الاعتماد عليه في صحة نسبتها إلى من ينسبونها إليه، فضلاً عن أن يصحَّ نسبتها إلى المسيح عليه السلام أو إلى الله عزَّ وجلَّ .**

**بيان أنواع الوسائل والطرق إجمالا

1- عن طريق المؤتمرات التنصيرية:

ومن ذلك:

مؤتمر القاهرة عام (1324هـ/1906) م, وقد دعا إليه (زويمر) بهدف عقد مؤتمر يجمع الإرساليات التبشيرية البروتستانتية؛ للتفكير في مسألة نشر الإنجيل بين المسلمين، وقد بلغ عدد المؤتمرين (62) شخصا بين رجال ونساء، وكان ( زويمر) رئيسا لهم.

المؤتمر التبشيري العالمي في ( أدنبره) باسكوتلندا عام (1328هـ/1910) م, وقد حضره مندوبون عن (159) جمعية تبشيرية في العالم.

مؤتمر التبشير في ( لكنو) بالهند عام(1339هـ/ 1911) م, حضره ( صموئيل زويمر ) وبعد انقضاء المؤتمر وُزِّعت على الأعضاء رقع مكتوب على أحد وجهيها (تذكار لكنو سنة (1911) م, وعلى الوجه الآخر (اللهم يا من يسجد له العالم الإسلامي خمس مرات في اليوم بخشوع انظر بشفقة إلى الشعوب الإسلامية وألهمها الخلاص بيسوع المسيح)…!!!

مؤتمر ( بيروت) عام (1911) م.

مؤتمرات التبشير في القدس:

في عام (1343هـ/ 1924) م.

في عام (1928) م، مؤتمر تبشير دولي.

في عام ( 1354هـ / 1935) م, وقد كان يضم (1200) مندوب.

في عام ( 1380هـ / 1961) م.

مؤتمر الكنائس البروتستانتية عام (1974) م, في ( لوزان ) بسويسرا.

وأخطر المؤتمرات، مؤتمر (كلورادوا) في أكتوبر (1978) م, تحت اسم (مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين) حضره (150) مشتركا، كانوا يمثلون أنشط العناصر التنصيرية في العالم، استمرَّ لمدة أسبوعين بشكل مغلق، وانتهى بوضع استراتيجية بقيت سرية لخطورتها، مع وضع ميزانية لهذه الخطة مقدارها ألف مليون دولار، وقد جمع هذا المبلغ فعلا، وتمَّ إيداعه في أحد البنوك الأمريكية الكبرى.

المؤتمر العالمي الذي عقد في ( السويد) في شهر أكتوبر (1981) م, تحت إشراف المجلس الفيدرالي اللوثراني الذي نوقشت فيه نتائج مؤتمري ( لوزان ) و( كلورادوا ) وخرج بدراسة مستفيضة عن التنصير لما وراء البحار، بهدف التركيز على دول العالم الثالث.

ومن مؤتمراتهم كذلك:

مؤتمر إستانبول.

مؤتمر حلوان بمصر.

مؤتمر لبنان التبشيري.

مؤتمر بغداد التبشيري.

مؤتمر قسطنطينة التبشيري في الجزائر، وذلك قبل الاستقلال

مؤتمر شيكاغو.

مؤتمر مدراس التبشيري في بلاد الهند، وكان ينعقد هذا المؤتمر كل عشر سنوات.

مؤتمر بلتيمور بالولايات المتحدة الأمريكية عام (1942) م، وهو مؤتمر خطير جدا، وقد حضره من اليهود (بن جوريون).

بعد الحرب العالمية الثانية اتخذت النصرانية نظاما جديدا، إذ ينعقد مؤتمر للكنائس مرة كل ست أو سبع سنوات متنقلا من بلد إلى آخر.

مؤتمر أمستردام (1954) م ـ هولندا.

مؤتمر إيفانستون(1954) م ـ أمريكا.

مؤتمر نيودلهي(1961) م ـ الهند.

مؤتمر أوفتالا (1967) م ـ أوفتالا بأوربا.

مؤتمر جاكرتا (1975) م ـ إندونيسيا، وقد اشترك فيه (3000) مبشر نصراني.

وكل تلك المؤتمرات وغيرها تهدف إلى تحقيق مآرب كثيرة تدرس كيفية نشر الديانة النصرانية خصوصا بين المسلمين.

ومن تلك الجمعيات:

1- جمعية لندن التنصيرية، وتأسست سنة ( 1179هـ / 1765) م، وهي موجهة إلى أفريقيا.

2- جمعيات بعثات التنصير الكنسية، وتأسست في لندن سنة (1214هـ / 1799) م، وهي موجهة إلى الهند ومنطقة الخليج العربي.

3- جمعية تبشير الكنيسة الإنجليكانية البريطانية وتأسست سنة ( 1214هـ / 1799) م وتدعم من الأسرة المالكة في بريطانيا.

4- جمعية طبع الإنجيل البريطانية، وتأسست سنة (1219هـ /1804 ) م، وتهتم بالطبع والترجمة والتوزيع.

5- جمعية طبع الإنجيل الأمريكية، وتأسست سنة (1231هـ1861 ) م، ولها مطابع ومكتبات تجارية في البلاد العربية كمطبعة النيل ومكتبة الخرطوم.

6- مجلس الكنيسة المسيحية الأمريكية، ونشأت سنة (1253هـ/ 1883) م، وهي موجهة إلى العالم العربي.

7- جمعية الكنيسة التنصيرية، ونشأت سنة (1260هـ/1844) م، وتركز على التعليم والخدمات العلاجية، ويسهم الألمان فيها بجهود.

8- جمعية الشبان النصارى ونشأت سنة ( 1271هـ / 1855) م.

9- جمعية الشبان القوطيين للتنصير في البلاد الأجنبية.

10- الكنيسة الإصلاحية الأمريكية، وتأسست سنة (1273هـ /1857 ) م، وهي موجهة إلى منطقة الخليج العربي.

11- جمعية الروح القدس في ( زنجبار)، وتأسست سنة (1280هـ / 1863) م، وهي كاثوليكية وتهتمُّ بالعلاج والتعليم الصناعي.

12- أنشأ البابا ( ليو الثالث عشر) سنة (1295هـ/ 1878) م أسقفيتين لمباشرة التنصير الكاثوليكي في شرق أفريقيا، واحدة منها في منطقة فكتوريا، والأخرى في منطقة تنجانيقا.

13- اتحاد البعثة التنصيرية الإنجيلية وتأسست سنة (1307هـ/ 1890) م، في الولايات المتحدة الأمريكية.

14- الإرساليات العربية الأمريكية، ونشأت سنة (1311هـ / 1894) م، في الولايات المتحدة الأمريكية، وتهتم بمنطقة الخليج العربي.

15- جمعية اتحاد الطلبة النصارى، وتأسست سنة (1331هـ / 1895) م.

16- حملة التنصير العالمية، وتأسست سنة (1331هـ / 1913) م، في الولايات المتحدة الأمريكية، وتهتمُّ بالطب والتعليم والأدب والترجمة.

17- زمالة الإيمان مع المسلمين، وأنشئت سنة (1334هـ / 1915) م, في بريطانيا وكندا، وتهتمُّ بالمطبوعات.

18- عمودية التعبئة، وتأسست سنة (1377هـ /1958 ) م، وهي موزعة، وتعتني بتدريب الشباب على التنصير.

19- جمعية تنصير الشباب، ونشأت سنة (1372هـ / 1952) م.

20- الامتداد النصراني في الشرق الأوسط، ونشأ سنة (1396هـ / 1976) م، وهو موزع، ويهتمُّ بالمطبوعات.

21- الإرسالية الجامعية لوسط أفريقيا، وقد قامت تلبية لنداءات المكتشفين الجغرافيين الإنجليز في الجامعات والجمعيات البريطانية.

22- إرسال الكنيسة الحرة الأسكتلندية، وتهتمُّ بالصناعات اليدوية.

23- جمعية التنصير في أرض التوراة العثمانية.

24- جمعية تنصير شمال أفريقيا.

25- لجنة التنصير الأمريكية.

26- إرسالية كنيسة أسكوتلنده الرسمية، وقامت تلبية لنداء المستكشف الإنجليزي ( ليفينجستون).27- هذا بالإضافة إلى الجمعيات المحلية في العواصم والمدن الإسلامية


-انظر "التنصير " للنملة، (ص 42، 43) **

**الفرع السابع: الانتشار ومواقع النفوذ:

تنتشر الكنائس البروتستانتية في: ألمانيا، هولندا، بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، سويسرا، الدنمارك، وتوجد أقليات بروتستانتية في باقي الدول الأخرى.

يتضح مما سبق:

لا تختلف الكنائس البروتستانتية عن باقي الكنائس النصرانية، سواء في الإيمان بإله واحد مثلث الأقانيم: الآب، الابن، الروح القدس، تثليث في وحدة، أو وحدة في تثليث، حسب افترائهم.

أو في الإيمان في عقيدة الصلب والفداء وتقديس الصليب.

كانت لحركات الإصلاح البروتستانتية الأثر الكبير في كشف عورات الكنيسة الكاثوليكية، وفي فضح سلوك القائمين عليها. كما أنها أفسحت المجال أمام العلماء والمفكرين وعامة المؤمنين بالكنيسة في حق فهم الكتاب المقدس، وبالتالي كسرت احتكار رجال الدين لهذا الأمر، مع ما نشأ عن ذلك من آثار سلبية عديدة على النصرانية بوجه عام، وعلى الكتاب المقدس بوجه خاص، حيث تعرض للنقد الشديد والتشكيك في صحة نصوصه.

مع أن البروتستانت قرَّروا حرية البحث والنظر في الأمور الاعتقادية، إلا أنهم حرَّموها فيما بعد كالكاثوليك، بل وأصبحت حرية الفكر عندهم مقتصرة فقط على نقد رجال الكنيسة الكاثوليكية. فقد عذَّبوا رجالاً من أجل عقائدهم، مثل سرفيتوس الإسباني، ومنعوا كتباً من النشر؛ لأنها تحوي في نظرهم ما لا يتفق وتعاليم الكتاب المقدس.

يقول هربرت فيشر في أصول التاريخ الأوروبي الحديث عن لوثر: (لم يكن يؤمن بالبحث الحر ولا بالتسامح). وينقل غوستاف لوبون في كتابه روح الثورات والثورة الفرنسية تصريحاً للوثر بأنه لا يجوز للنصارى أن يتَّبعوا غير ما جاء في الكتاب المقدس.

وعن موقف حركة الإصلاح الديني من العلم، يقول (أ. وولف) في كتابه عرض تاريخي للفلسفة والعلم: (أما من حيث حركة الإصلاح الديني فإن المصلحين كانوا لا يقلُّون تعصباً عن رجال الكنيسة الكاثوليكية إن لم يزيدوا عليها). ولذلك فإنهم هاجموا النظريات العلمية، واضطهدوا من يقول بها، ويقول كلفن بعد أن أعلن كفر من يقول بدوران الأرض: (مَن مِن الناس يجرؤ على أن يضع سلطة كوبر نيكوس فوق سلطة الروح القدس ؟).

لم يكن اضطهاد العلماء في تلك الفترة بأقل من اضطهاد الفلاسفة. فكما حاربت البروتسانتية النظريات العلمية المخالفة لنصوص الكتاب المقدس، كذلك حاربت العقل، واضطهدت الفلاسفة أمثال آرازموس الذي حاول التوفيق بين العقل والكتاب المقدس. يذكر ديورانت في قصة الحضارة تصريحات للوثر تبين تطرفه في إنكار العقل حيث يقول: (أنت لا تستطيع أن تقبل كلًّا من الإنجيل والعقل، فأحدهما يجب أن يفسح الطريق للآخر) ويقول: (إن العقل أكبر عدو للدين).

نتيجة للحروب بين الكنيستين البروتستانتية والكاثوليكية، واضطهاد العلماء وقتلهم، وقتل الروح العلمية والفكرية، وتطرُّف زعماء حركة الإصلاح البروتستانتي في ذم العقل، أدَّى ذلك كله إلى ظهور الأفكار المناوئة للدين، وتعالت الصيحات الإلحادية التي تطالب بحرية الفكر وسيادة العقل، واعتباره المصدر الوحيد للمعرفة، وأيضاً المناداة بفصل الدين عن الدولة.

استطاع اليهود تهويد بعض الكنائس البروتستانتية، وتسريب الأفكار الصهيونية، وإنشاء أحزاب وكنائس تتبناها وتدعو إليها من خلال ما يعرف بالصهيونية المسيحية. وللحقِّ فإن هناك من داخل الكنيسة الإنجيلية في أمريكا مَنْ وقف لهم بالمرصاد مثل: المجلس الوطني للكنائس المسيحي، الذي يضمُّ (34) طائفة يبلغ عدد أتباعها نحو الأربعين مليون شخص. وتتعاطف الكنائس الإنجيلية: المشيخية، المنهجية، المعمدانية، الأسقفية، بنسب متفاوتة مع هذا الاتجاه.

مراجع للتوسع:

  • الموسوعة العربية، إشراف محمد شفيق غربال- دار الشعب ومؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر.

  • الموسوعة الثقافية، مدير التحرير/ فايزة حكيم رزق الله - دار الشعب- مصر.

  • دائرة المعارف، قاموس عام لكل فن ومطلب، بطرس البستاني - دار المعرفة - بيروت.

  • قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة الدكتور زكي نجيب محمود ومحمد بدران، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.

  • روح الثورات والثورة الفرنسية، د. غوستاف لوبون، ترجمة محمد عادل زعيتر، المطبعة العصرية.

  • عرض تاريخي للفلسفة والعلم، أ. وولف، ترجمة محمد عبد الواحد خلاف، مطبعة لجنة التأليف والترجمة.

  • المصلح مارتن لوثر- حياته وتعاليمه، د. القس حنا جرجس الخضري، دار الثقافة، مصر.

  • جون كلفن ? دراسة تاريخية عقائدية، تأليف د. القس حنا جرجس الخضري، دار الثقافة، مصر.

  • حديث مع جون كلفن، القس لبيب مشرقي، دار نوبار، مصر.

  • إيماني الإنجيلي، د. القس فايز فارس، القس منيب عبد النور، القس إميل زكي.

  • تاريخ الفكر المسيحي، د. القس حنا جرجس الخضري، دار الثقافة، مصر.

  • محاضرات في النصرانية، الشيخ محمد أبو زهرة.

  • موقف الإسلام والكنيسة من العلم، عبد الله سليمان المشوخي، مخطوط على الآلة الكاتبة.

  • الأصول الوثنية للمسيحية، أندريه نايتون، إدغار ويند، كارل غوستاني يونج، ترجمة سميرة عزمي الزين. سلسلة من أجل الحقيقة، من منشور المعهد الدولي للدراسات الإنسانية.

  • مصلح في المنفى جون كلفن - موجز عن حياته ومبادئه، د. هاري إيبرتس، ترجمة وليم وهبة بباوي.

  • من يجرؤ على الكلام، بول فنرلي.

  • النبوءة والسياسة، غريس هالسل، ترجمة محمد السماك، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية.

  • الصهيونية المسيحية، محمد السماك، دار النفائس.

  • المسيحية والسيف، رواية شاهد عيان لإبادة ملايين البشر في الأمريكتين، سلسلة من أجل الحقيقة -3- من منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية.

  • النشاط السري اليهودي في الفكر والممارسة، غازي محمد فريج، دار النفائس، بيروت.

  • شهود يهوه، بين برج المراقبة الأمريكي وقاعة التلمود اليهودي، حسين عمر حمادة، دار قتيبة، دار الوثائق، دمشق، بيروت.

  • شهود يهوه ? أبو إسلام أحمد عبد الله - بيت الحكمة - القاهرة - مصر .**

**المطلب الرابع

المارونية

الفرع الأول: التعريف:.

الفرع الثاني: التأسيس وأبرز الشخصيات: .

الفرع الثالث: الأفكار والمعتقدات:.

الفرع الرابع: الجذور الفكرية والعقائدية:.

الفرع الخامس: الانتشار ومواقع النفوذ:.


الفرع الأول: التعريف:

المارونية، طائفة من طوائف النصارى الكاثوليك الشرقيين، قالوا بأن للمسيح طبيعتين ومشيئة واحدة، ينتسبون إلى القديس مارون، ويعرفون باسم الموارنة متخذين من لبنان مركزاً لهم.

الفرع الثاني: التأسيس وأبرز الشخصيات:

تنتسب هذه الطائفة إلى القديس مارون الذي انعزل في الجبال والوديان، مما جذب الناس إليه مشكِّلين طائفة عرفت باسمه، وكانت حياته في أواخر القرن الرابع الميلادي، فيما كان موته حوالي سنة (410) م, بين أنطاكية وقورس.

  • وقع خلاف شديد بين أتباع مارون وبين كنيسة الروم الأرثوذكس مما اضطرهم إلى الرحيل عن أنطاكية إلى قلعة المضيق قرب أفاميا على نهر العاصي، مشيِّدين هناك ديراً يحمل اسم القديس مارون.

  • وقع كذلك خلاف آخر في المكان الجديد بينهم وبين اليعاقبة الأرثوذكس من أصحاب الطبيعة الواحدة عام (517) م, مما أسفر عن تهديم ديرهم، فضلاً عن مقتل (350) راهباً من رهبانهم.

  • خلال فترة الرحيل نالهم عطف الإمبراطور مرقيانوس الذي وسَّع لهم الدير عام (452) م. وعطف الإمبراطور يوستغيان الكبير ( 527-565) م, الذي أعاد بناء ديرهم بعد تهديم اليعاقبة له. وكذلك عطف الإمبراطور هرقل الذي زارهم سنة (628) م, بعد انتصاره على الفرس.

  • احتكم الموارنة واليعاقبة عام (659) م, إلى معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - لإنهاء الخلاف بينهم، لكن الخصومة استمرت؛ إذ حدثت حروب انتقامية بين الطرفين مما أسفر عن هجرة الموارنة إلى شمالي لبنان، وهو المكان الذي أصبح موطناً لهم فيما بعد.

  • ظهر في موطنهم الجديد بلبنان القديس يوحنا مارون الذي يعتبر صاحب المارونية الحديثة ومقنن نظريتها ومعتقدها، وتتلخَّص سيرة حياته فيما يلي:

  • ولد في سروم قرب أنطاكية، وتلقَّى دراسته في القسطنطينية.

  • عُيِّن أسقفًّا على البترون على الساحل الشمالي من لبنان.

  • أظهر معتقد الموارنة سنة (667) م, الذي يقول بأن في المسيح طبيعتين، ولكن له مشيئة واحدة لالتقاء الطبيعتين في أقنوم واحد.

  • لم تقبل الكنائس النصرانية هذا الرأي، فدعوا إلى مجمع القسطنطينية الثالث الذي عقد سنة (680) م، وقد حضره (286) أسقفا، وقرَّروا فيه رفض هذه العقيدة، وحرمان أصحابها ولعنهم وطردهم، وتكفير كل من يذهب مذهبهم.

يعدُّ يوحنا مارون أول بطريرك لطائفة الموارنة، وبه يبدأ عهد البطاركة المارونيين.

تصدَّى بجيش من الموارنة لجيش قاده يوستغيان الثاني الذي أراد هدم معابدهم واستئصالهم، إلا أن الموارنة هزموه في أميون مما أظهر أمرهم كأمة جبلية ذات شخصية مستقلة.

لقد تحايلت كنيسة روما بعد ذلك عليهم في سبيل تقريبهم منها، حيث قام البطريرك الماروني أرميا العمشيتي بزيارة لروما حوالي سنة (1113) م، وعند عودته أدخل بعض التعديلات في خدمة القداس وطقوس العبادة وسيامة الكهنة.

ولقد زاد التقارب بينهما حتى بلغ في عام (1182) م, إعلان طاعتهم للكنيسة البابوية، أما في عام (1736) م, فقد بلغ التقارب حد الاتحاد الكامل معها، فأصبحت الكنيسة المارونية بذلك من الكنائس الأثيرة لدى باباوات روما.

لقد كان لهم دور بارز في خدمة الصليبيين من خلال تقديمهم أدِلَّاء؛ لإرشاد الحملة الصليبية الأولى إلى الطرق والمعابر، وكذلك إرسالهم فرقة من النشابة المتطوعة إلى مملكة بيت المقدس.

لقد بلغ رجالهم القادرون على القتال (40,000) على ما ذكر مؤرخو الحروب الصليبية.

احتلَّ الموارنة في الممالك التي شيَّدها الصليبيون المرتبة الأولى بين الطوائف النصرانية، متمتعين بالحقوق والامتيازات التي يتمتَّع بها الفرنجة، كحقِّ ملكية الأرض في مملكة بيت المقدس.

لويس التاسع كان أول صديق فرنسي لهم؛ إذ تقدم إليه- عندما نزل إلى البر في عكا- وفدٌ مؤلَّف من خمسة عشر ألف ماروني، ومعهم المؤن والهدايا، وقد سلَّمهم بهذه المناسبة رسالة مؤرَّخة في ( 21/5/ 1250) م, فيها تصريح بأن فرنسا تتعهَّد بحمايتهم، فقد جاء فيها: (ونحن مقتنعون بأن هذه الأمة التي تعرف باسم القديس مارون هي جزء من الأمة الفرنسية).

استمرَّ هذا التعاطف من الغرب مع الموارنة في الأجيال التالية، وذلك عندما أرسل نابليون الثالث فرقة فرنسية؛ لتهدئة الجبل عام (1860) م، وكذلك بعد الحرب العالمية الأولى عندما صار لبنان تحت الانتداب الفرنسي.

تيوفيل (تيوفيلوس) بن توما من شمال سوريا، ماروني، كان يعمل منجِّماً في قصر الخليفة العباسي المهدي (775 - 785) م, كما قام بترجمة إلياذة هوميروس.

المؤرخ إسطفانوس الدويهي المشهور، ماروني، توفي سنة (1704) م.

البطريرك جرجس عميرة، ماروني، ألّف أول غراماطيق سرياني، واضعاً قواعده باللاتينية؛ تسهيلاً على المستشرقين دراسة هذه اللغة.

من مشاهيرهم: يوسف حبيش وبولس مسعد ويوحنا الحاج والبطريرك إلياس الحويك.

ومن الأساقفة: المطران جرمانوس فرحان ويوسف سمعان السمعاني ويوحنا حبيب ويوسف الدبس.

ومن بيوتاتهم المعروفة: آل خازن ودحداح وحبيش والسعد وكرام والظاهر والبستاني والشدياق والنقاش والباز..

ومن زعاماتهم المعاصرة: آل جمَيِّل، وشمعون، وفرنجية، وإده..

من تنظيماتهم السياسية الحزبية العسكرية حالياً: حزب الكتائب وحزب الأحرار.

منذ عام (1943) م, حتى اليوم استقرَّ الأمر بأن يكون رئيس الجمهورية اللبنانية من الطائفة المارونية، وذلك بموجب الميثاق الوطني الذي تمَّ فيه الاتفاق شفويًّا بين المسلمين والنصارى حول توزيع المناصب الرئيسية للدولة اللبنانية على مختلف الطوائف الدينية فيها.**

**الفرع الثالث: الأفكار والمعتقدات:

أهم نقطة تميزهم عن بقية الطوائف النصرانية هو معتقدهم بأن للمسيح طبيعتين، وله مشيئة واحدة، وذلك لالتقاء الطبيعتين في أقنوم واحد.

عقيدة المشيئة الواحدة قال بها بطريرك الإمبراطور هرقل أيضاً (638) م؛ ليوفق بين عقيدة أصحاب الطبيعة الواحدة الذين يشكِّلون الأكثرية من رعاياه النصارى في سوريا وبين أصحاب العقيدة الأرثوذكسية للكنيسة البيزنطية، إلا أن هذه المحاولة لم تفلح في سد الثغرة بينهما.

يعتقدون أن خدمة القداس عندهم مأخوذة عن تلك الخدمة التي ينسبونها إلى القديس يعقوب، كما يعتقدون أن هذه الخدمة إنما هي أقدم خدمة في الكنيسة المسيحية؛ إذ إن أصولها ترجع إلى العشاء الرباني الأخير.

ما تزال الكنيسة المارونية تحتفظ باللغة السريانية في القداس إلى يومنا هذا.

وما يزال الطابع السرياني سارياً حتى في الكنائس التي تعترف بسلطة البابا.

منذ أوائل القرن الثالث عشر تمَّ إدخال بعض التعديلات على الطقس الماروني القديم، وذلك في عهد البابا أنوسنت الثالث؛ ليكون أكثر تلاؤماً مع الطقس اللاتيني ومن ذلك:

تغطيس المعمود ثلاث مرات في الماء.

طلبة واحدة للثالوث.

تكريس الأحداث على أيدي المطارنة فقط.

لقد صار الكهنة يتبعون الزي اللاتيني في لبس الخواتم والقلنسوة التي تشبه التاج والعكاز.

استعمال الأجراس بدلاً من النواقيس الخشبية التي تستعملها سائر الكنائس الشرقية في الدعوة إلى القداس، متبعة بذلك التقليد اللاتيني.

الفرع الرابع: الجذور الفكرية والعقائدية:

الموارنة فرع عن الكاثوليك الشرقيين، الذين هم بدورهم فرع عن النصرانية بشكل عام؛ لذا فإن جذورهم هي نفس الجذور النصرانية.

يمتازون بالمحافظة الشديدة على تراثهم ولغتهم السريانية القديمة، وقد اقتربوا على مدار الزمن من الكنيسة البابوية بروما بعد إدخال عدد من التعديلات على الطقوس المارونية القديمة.

الفرع الخامس: الانتشار ومواقع النفوذ:

البداية في أنطاكية، ومن بعدها رحلوا إلى قلعة المضيق، وأخيراً صاروا إلى جبال لبنان موطنهم الحالي منذ النصف الثاني من القرن السابع الميلادي.

منذ القرن الخامس عشر الميلادي أصبح دير قنُّوبين شمالي لبنان فوق طرابلس المبني في صخر من صخور وادي قاديشا (أي: المقدس) مقرًّا للبطريركية المارونية، كما أصبحت بكركي المبنية فوق جونية المقر الشتوي حتى يومنا هذا؛ إذ لا يزال سيد بكركي يُلقَّب ببطريرك أنطاكية وسائر الشرق؛ ذلك لأنه مستقل عن سائر البطاركة الشرقيين، كما تخضع لإدارته مطارنة وأبرشيات وجمعياتٌ رهبانية مختلفة.

عندما استردَّ صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس غادر الملك غوي دي ليزنيان إلى قبرص، فتبعه جمهور كبير من الموارنة؛ لوقوفهم إلى جانب الصليبيين إبَّان الاحتلال، مستوطنين هناك الجبل الذي يقع شمالي نيقوسيا.

لقد فرَّ كثير من الموارنة من لبنان بسبب الحروب والهجرة، فوصلوا إلى تكريت وغيرها من المدن بين دجلة والفرات منذ القرن الثاني والثالث عشر، كما ذهب بعضهم تجاه سوريا الداخلية مستوطنين دمشق وحلب، وفريق ذهب إلى القدس، وهبط بعضهم الآخر إلى مصر ورودس ومالطة، وهاجر آخرون إلى أمريكا وأفريقيا وإندونيسيا، وما يزال أغلبهم يعيشون في لبنان، ولهم أكبر الأثر في توجيه السياسة اللبنانية المعاصرة.

ويتضح مما سبق:

أن المارونية طائفة من النصارى الكاثوليك الشرقيين، الذين كانوا دائماً على خلاف مع معظم الطوائف الأرثوذكسية؛ لأنهم يقولون بأن للمسيح طبيعتين ومشيئة واحدة، وهم يتخذون من لبنان مركزاً لهم، وقد أعلنوا طاعتهم لبابا روما عام (1182) م، وقد تعاونوا مع الفرنجة إبَّان الحروب الصليبية، ومنذ عام (1943) م, تمَّ الاتفاق بين المسلمين والنصارى في لبنان، على أن يكون رئيس الدولة مارونيًّا.

مراجع للتوسع:

  • النصرانية والإسلام، المستشار محمد عزت إسماعيل الطهطاوي - مطبعة التقدم - مصر - (1977) م.

  • محاضرات في النصرانية، محمد أبو زهرة - ط3- مطبعة يوسف - مصر -

( 1385هـ/ 1966) م.

  • أضواء على المسيحية، محمد متولي شلبي - نشر الدار الكويتية -

( 1387هـ/1968) م.

  • تاريخ لبنان، د. فيليب حتى - ط2- دار الثقافة- بيروت - (1972) م.

  • خطط الشام، محمد كرد علي-ج6-ط2- دار القلم - بيروت ? ( 1391هـ /1971) م.

  • مقارنة الأديان (المسيحية)، د. أحمد شلبي- ط5-النهضة المصرية - القاهرة- (1977) م.

  • تاريخ الطائفة المارونية، اسطفان الدويهي - طبع بيروت - (1890) م.

  • التواريخ القديمة من المختصر في أخبار البشر، لأبي الفداء - نشر فليشر - ليبسغ- (1831) م.

  • التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، سعيد بن البطريق - نشر شيخو - الجزء الثاني - بيروت - (1909) م.

  • تاريخ مختصر الدول، ابن العبري - نشره أنطوان صالحاني - بيروت - (1890) م.

  • التنبيه والإشراف، للمسعودي ? طبعة دي غويه - ليدن- (1983) م.

  • المحاماة عن الموارنة وقديسهم، أفرام الديراني - بيروت- (1899) م.

  • تاريخ سورية، يوسف الدبس - ج5 بيروت - (1900) م.

  • الأديان المعاصرة، راشد عبد الله الفرحان ? ط1- شركة مطبعة الجذور - الكويت ? ( 1405هـ/1984) م.

المراجع الأجنبية:

  • W. Wright. Catalogue of Syriac Manuscripts in the British Museum (London, 1871).

  • Edward Gibbon. The History of the Decline and Fall of the roman Empire. ed.J.Bury. Vol. V (London. 1898).

  • A History of Deeds Done Beyond the Sea. Tr. Emily A. Babcock and A.C Krey (New York. 1943).

  • Fausto (Murhij) Naironi. Dissertation de Origine, Nomineac religione Maronit arum (rome. 1679).

  • Pierre Dib, Leglise Maronite, Vol. 1, (Paris, 1930).

  • Bernard G.Al- Ghaziri. rone et Leglise Syrienne-Maronite (paris, 1906) . **

**المطلب الخامس

الجزويت

الفرع الأول: التعريف:.

الفرع الثاني: التأسيس وأبرز الشخصيات:.

الفرع الثالث: الأفكار والمعتقدات:.

الفرع الرابع: أماكن الانتشار:.


الفرع الأول: التعريف:

الجزويت فرقة كاثوليكية يسوعية تنتشر في أوروبا بصفة عامة، وفي البرتغال وإسبانيا وفرنسا بصفة خاصة، وهي جمعية دينية متعصبة، تهدف حالياً إلى القضاء على الدين الإسلامي.

الفرع الثاني: التأسيس وأبرز الشخصيات:

أنشأها قسيس فرنسي يُدعَى أنياس لايولا في القرون الوسطى، وقد ساهمت في القضاء على المسلمين في الأندلس من خلال محاكم التفتيش، ويقوم عليها الآن مجموعة كبيرة من القسس والرهبان.

الفرع الثالث: الأفكار والمعتقدات:

يلتزم الرهبان الذين ينتمون إليها بالمحافظة على أسرارها، وعدم إفشائها ولو لأعضائها.

يلتزم أعضاؤها كذلك بالمحافظة على سرية تعليماتها، والحيلولة دون وصولها إلى أيدي الأجانب بشكل عام، والأعداء بشكل خاص.

بعد طرد هذه الجمعية من كثير من الدول الأوروبية، بدأت تستقطب عطف الساسة والمسئولين من خلال إظهار العداء للدين الإسلامي، والتغلغل في الدول الإسلامية؛ لبث الأفكار الهدامة بين المسلمين من خلال المدارس، وتحت غطاء دور الخير والبر.

تتستر هذه الجمعية خلف أعمال البر، كإنشاء المدارس والمستشفيات في شتَّى بقاع العالم، وتظهر العطف على المرضى، وتلزم أعضاءها باصطناع التواضع؛ لاستقطاب الناس إليها، وإلى الدين النصراني.

تقبل التبرعات وتتفنَّن في أساليب جمع الأموال، ولكي تنفي عن نفسها مظنة الاكتناز، فإنها تتبرع ببعض الأموال في نفس المكان؛ للإيهام بأن هدفها هو خدمة الفقراء.

يلتزم أعضاء الجمعية بالمحافظة على هيبتها، فلا يختلفون أمام الغير، بل يظهرون تماسكهم، ورغبتهم في خدمة الآخرين.

عندما يذهب أعضاء الجمعية إلى إحدى المدن لأول مرة، فإنهم يجتنبون المبادرة إلى شراء الأرض، مدة معينة، حتى إذا ما ثبت أن شراء الأرض يعتبر ضروريًّا، قاموا بالشراء، وغالباً ما يتمُّ شراء الأرض باسم مستعار حتى لا تهتزَّ ثقة الناس في الجمعية.

تعتبر واردات الجمعية سرًّا مقدساً، فلا يطَّلع عليها إلا رئيس الرهبان، وتعتبر خزانة الجمعية في روما، بكافة محتوياتها، سرًّا مقدساً كذلك، فلا يجوز إفشاؤه.

الهدف الأساسي لهذه الجمعية الآن هو القضاء على أتباع الديانات الأخرى، لاسيما الدين الإسلامي، لذلك فإن أعضاءها لا يستنكفون عن استخدام كافة أساليب الاستمالة، ووسائل جذب الناس من أجل تنصيرهم.

ولتحقيق هذا الهدف، فإن هذه الجمعية تعمل على كسب ثقة رجال الدولة، وإرضائهم، والإشادة بهم، وغضِّ الطرف عن ممارساتهم غير السوية، وأعمالهم غير المستقيمة، وإفهامهم عند الاقتضاء أن الرب قد غفر لهم.

كما تعمل هذه الجمعية على كسب ثقة حكام البلدان التي يمارسون التبشير فيها، فيرسلون إليهم مندوبين على درجة عالية من الذكاء والدهاء والثقافة، ويحرص هؤلاء المندوبون على إيهام أولئك الحكام أنهم موفدون من قبل بابا روما، وأنهم يحملون إليهم تحياته.

يتجنب أعضاء الجمعية التكلف في اللباس، ولا يقبلون الهدايا لأنفسهم، بل يحيلونها إلى دير الجمعية القريب من مكان وجودهم، حتى يدخلوا في روع الناس أنهم مخلصون، فيزداد العطف على الجمعية.

يحاول أعضاء الجمعية بكافة الطرق الحيلولة دون إنشاء أو تأسيس أية مدارس بالقرب من مدارس الجمعية، التي تهتمُّ بالرياضة البدنية، وتتفانى في القيام بالعملية التربوية خير قيام، مع معاملة الدارسين معاملة حسنة، حتى يثقوا في هيئة التدريس وما تبثُّه من أفكار تبشيرية.

تعمل الجمعية بكافة الطرق الممكنة على كسب ود النساء الأرامل، وإذا كان لإحداهن راهب من غير الجمعية فإنه يتمُّ إبعاده، ويستبدل به راهب من الجمعية؛ لإدارة أعمالها بالتدريج.

ولكي تتمَّ السيطرة التامة على الأرامل: فإن الجمعية ترغبهن في التصدق على الفقراء باسم المسيح ومريم، ويستمرُّ هذا الوضع حتى تنفد جميع أموالهن، وفي سبيل ذلك فإن هذه الجمعية لا تستنكف عن مساعدة هؤلاء الأرامل في إشباع رغباتهن، وقضاء وطرهن عند الاقتضاء.

وإذا كان للأرامل بنات فإنه يتم إقناعهن بالرهبنة أو التربية النصرانية، أما البنون فإنه يتمُّ حثُّهم على أن يغشوا الأديرة والكنائس، مع إغراقهم في الملذات، والتلميح لهم بأنه لا إثم في العلاقات الجنسية الحرة، كما تيسِّر لهم سبل الانخراط في معسكرات صيفية، يتمُّ فيها إقناعهم بأهمية التربية النصرانية.

يكرِّر أعضاء الجمعية زياراتهم للمرضى الميئوس من حالتهم، ويتمُّ تخويفهم من النار، وحثُّهم على التصدق بكل أموالهم للجمعية.

كل من يخرج على المبادئ الهدامة لهذه الجمعية، يُطرد ويتمُّ اجتنابه، ويُحرم من كافة الامتيازات التي يتمتع بها الأعضاء، ويتمُّ الطرد بوجه خاص، عند تشويه سمعة الجمعية، أو إفشاء أسرارها، أو الإضرار بأعضائها، أو الكسل وعدم القيام بالمهام المنوطة به.

تحاول الجمعية الحصول على الأسرار السياسية، والأخبار الموثوقة والخطيرة، وإخبار الحكام بها؛ للفوز بمكانة مرموقة لديهم، تساعدهم على اجتذاب أصحاب الثروات والنفوذ والأسر الكبيرة للجمعية.

تحافظ الجمعية على هيبتها في نفوس الآخرين، من خلال إفهامهم أنها تأسست على يد الراهب شوواكيم بإلهام إلهي؛ للحدِّ من انحراف الكنيسة، وإعادتها إلى وضعها الطبيعي، ونشر دين عيسى في جميع أنحاء العالم، وبذا تبرِّر مسلكها القديم الذي كانت تبيع فيه صكوك الغفران، وترسم معالم طريقها الجديد الذي تقضي فيه على الإسلام والمسلمين.

ويتضح مما سبق:

أن الجزويت فرقة كاثوليكية يسوعية، تتستر خلف أعمال البرِّ كإنشاء المدارس والمستشفيات وغيرهما؛ لتستقطب الناس للنصرانية، لاسيما المسلمين منهم، وتحاول هذه الفرقة الغوص في أعماق الأسرار السياسية، ومدَّ بعض الحكام بها؛ للفوز بمكانة مرموقة لديهم، تمنحهم نفوذاً كبيراً لمباشرة عمليات التبشير، وهو تبشير يعتمد على هدم القيم الدينية، ونشر الرذائل، والقول بطبيعية العلاقات الجنسية الحرة، وإشاعة الأفكار الهدَّامة بين المسلمين، ومن ثمَّ جعلهم لبنة هشة تقبل التشكيل الذي يلائم أهداف هذه الفرقة.

الفرع الرابع: أماكن الانتشار:

تتخذ هذه الفرقة من أوروبا ككل، مركز انطلاق لها، وهي تتركز في البرتغال وإسبانيا حيث الرغبة في القضاء على كلِّ أثر للإسلام هناك، وفي فرنسا حيث نشأت مقولة الحرية المطلقة في مجال العقيدة، وإيطاليا حيث بابا الفاتيكان، ومن هذه المرتكزات تمدُّ هذه الفرقة أذرعتها صوب التجمعات الإسلامية في دول حوض البحر الأبيض المتوسط وجنوب شرق آسيا، وبخاصة في إندونيسيا.

مراجع للتوسع:

  • محاضرات في النصرانية، دار الفكر العربي ط4 الشيخ محمد أبو زهرة.

  • دائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي، دار المعرفة، بيروت ط4.

  • حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر، ط1 أحمد عبد الوهاب.

  • التبشير والاستعمار ط1، عمر فروخ ومصطفى الخالدي .**

**المطلب السادس المورمون

الفرع الأول: التعريف:.

الفرع الثاني: التأسيس وأبرز الشخصيات:.

الفرع الثالث: الأفكار والمعتقدات:.

الفرع الرابع: الجذور الفكرية والعقائدية:.

الفرع الخامس: الانتشار ومواقع النفوذ:.


المورمون طائفة نصرانية جديدة نسبيًّا منشقة عن النصرانية الأم، تلبس لباس الدعوة إلى دين المسيح عليه السلام، وتدعو إلى تطهير هذا الدين بالعودة به إلى الأصل أي: إلى كتاب اليهود، ذلك أن المسيح - في نظرهم - قد جاء لينقذ اليهود من الاضطهاد، وليمكنهم من الأرض، إنها - كما تسمِّي نفسها - طائفة القديسين المعاصرين لكنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة، نبيها المؤسس هو يوسف سميث، وكتابها المقدس هو الكتاب المقدس الحديث.

الفرع الثاني: التأسيس وأبرز الشخصيات:

ولد يوسف سميث في (23/12/ 1805) م, بمدينة شارون بمقاطعة وندسور التابعة لولاية فرمونت. وعندما بلغ العاشرة من عمره رحل مع والده إلى مدينة بالمايرا بمقاطعة أونتاريو التابعة لولاية نيويورك.

في الرابعة عشرة من عمره انتقل مع أهله إلى مانشستر من نفس المقاطعة.

ولما بلغ الخامسة عشرة وجد الناس حوله منقسمين إلى طوائف:

الميثوديست، والمشيخي، والمعمداني.. فشعر باضطراب وقلق.

في ربيع عام (1820) م, ذهب إلى غابة، وأخذ يصلِّي منفرداً، طالباً من الله الهداية، وبينما هو كذلك إذ شاهد - كما يزعم - نوراً فوق رأسه، تمثَّل هذا النور في شخصين سماويين هما الله، وابنه عيسى- تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً- وقد نهياه عن الانضمام إلى أي من هذه الفرق.

يدَّعي بأن الوحي قد انقطع عنه، وأنه خضع لاضطهاد عنيف وسخرية من جراء جهره برؤيته هذه، وقد تورَّط خلال ذلك بزلَّات طائشة، إذ يقول عن نفسه: (وكثيراً ما أدَّت مخالطتي لشتى البيئات إلى اقتراف زلات طائشة، وللاتِّسام بما للشباب من نزق، وما للطبيعة البشرية من قصور، وقد ورَّطني ذلك للأسف في ألوان من التجارب والآثام المبغضة إلى الله، ولا يتبادر إلى الذهن بسبب هذا الاعتراف أني ارتكبت إثماً فظيعاً أو وزراً منكراً، فما كان بي نزوع قط إلى مثل هذه الأوزار أو تلك الآثام) شهادة يوسف (ص7).

ـ كما يدَّعي أنه في مساء (21 سبتمبر 1823) م, نزل عليه ملاك من السماء اسمه موروني، وأخبره بأنه قد أعدَّه لمهمة ينبغي عليه إنجازها، وأخبره عن كتاب نقشت عليه كلمات على صحائف من الذهب، تروي أخبار القوم الذين استوطنوا القارة الأمريكية في الأزمنة الغابرة، وتاريخ السلف الذين انحدروا منهم، وأنبأه عن حجرين في قوسين من الفضة لترجمة الكتاب، وغادره هذا الملاك بعد أن نهاه عن إظهار أحد من الناس على هذه الصحف.

في (18 يناير 1827) م, تزوَّج من فتاة اسمها إيما هيل، فكان له من حميه فيما بعد سنداً قويًّا أعانه على نشر فكرته، وذلك لما تتمتع به هذه الأسرة من مكانة طيبة.

في (22 سبتمبر 1827) م, استلم الصحف - كما يزعم - متعهداً بإعادتها بعد نهوضه بالمطلوب.

رحل عن مقاطعة مانشستر الأمريكية، وذهب إلى حيث حموه في مقاطعة سوسكويهانا بولاية بنسلفانيا، واستوطن مدينة هارموني.

شرع في الترجمة بمساعدة مارتن هاريس الذي أخذ بعض الحروف وشيئاً من الترجمة، وعرض ذلك على الأستاذ تشارلز آنثون، والدكتور ميتشيل فأقرا بأن ما رأياه إنما هو ترجمة عن اللغة المصرية القديمة، وأن الأصل إنما يتألف من حروف مصرية قديمة، وحروف كلدانية، وحروف آشورية، وحروف عربية.

في (25 مايو 1825) م, ذهب مع أوليفر كودري للصلاة في الغابة، حيث زعما أنه هبط عليهما يوحنا المعمدان (أي: نبي الله يحيى عليه السلام) وأمرهما بأن يعمد كل منهما الآخر، وأخبرهما بأنه قد جاء إليهما تنفيذاً لأمر بطرس يعقوب، ورسَّمهما لرعاية الكنيسة المورمونية. يدَّعي كل من أوليفر كودري، وداود ويتمر، ومارتن هاريس أنهم قد شاهدوا الصحف، وأنهم يشهدون على صحة الترجمة ودقتها، وبأن هذا الكتاب إنما هو سجل لقوم نافي ولإخوتهم اللامانيين.

أعلن في عام (1830) م, وبحضور عدد من الشخصيات عن تأسيس كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة.

رحل يوسف سميث وأتباعه عن نيويورك إلى مدينة كيرتلاند المجاورة لمدينة كليفلاند بولاية أوهايو حيث شيَّد هيكلاً عظيماً، كما أنه قام بعمل تبشيري واسع النطاق في تلك المنطقة وما جاورها.

بعث بإحدى الإرساليات إلى ولاية ميسوري للتبشير ولاكتساب المؤيدين.

تعرَّضوا للاضطهاد فتنازلوا عن منازلهم ومزارعهم، ورحلوا إلى ولاية الينوي حيث اشتروا المستنقعات الشاسعة المهجورة على شاطئ المسيسبي، وقاموا بإصلاحها، وبنوا مدينة نوفو، أي: الجديدة.

سجن يوسف سميث وأخوه هايرم في مدينة كارسيج بولاية الينوي لاتهامات ضدهما، وبينما هما في السجن دخل عليهما مسلحان مقنعان فقتلاهما بالرصاص. وقد حدث ذلك في (27 يونيو1844 ) م، فانتهت بذلك حياة هذا النبي المزعوم.

آلت رئاسة الحركة والنبوة بعده إلى بريجام يونج الذي رحل بالقوم إلى جبال روكي حيث حدَّد لهم مكان إقامتهم، فبنوا مدينة سولت ليك، وقد خطط الهجرات إلى يوتاه؛ إذ كان بينهم آلاف البريطانيين والإسكندنافيين، كما يعتبر يونج مسئولاً عن هذه الرحلة المأساوية، والتي حدثت عام (1856) م, حيث مات أثناءها أكثر من مئتي شخص من أتباعه.

ـ رؤساء الكنيسة هم الأنبياء، فقد تتابع هؤلاء الأنبياء - بزعمهم - وآخرهم سبنسر كيمبل، وقد زاد عدد أعضاء هذه الطائفة إذ بلغوا خمسة ملايين شخص تقريباً، وما يزالون في نمو وازدياد.

هناك أقلية من المورمون لم توافق على سيطرة يونج بعد موت يوسف سميث، فقد بقي هؤلاء في الينوي مؤسسين - بالتعاون مع إيما سميث الزوجة الأولى لنبيهم ومع ابن سميث جوزيف - كنيسة يسوع المسيح للقديسين المعاصرين المعاد تنظيمها، ومركزها ميسوري، تنفيذاً لوصية النبي المؤسس الذي قال لهم: إن صهيون ستكون فيها. وقامت كذلك فئات أخرى منشقة، كل منها تدَّعي بأنها قد تلقَّت صحفاً فيها كتب قديمة مقدسة.

أوليفر كودري، ومارتن هاريس، كانا ممن شارك في مرحلة التأسيس، وتلقَّيا الوحي المزعوم.

وتتابع أنبياؤهم الذين هم رؤساء الكنيسة على النحو التالي:

يوسف سميث. بريجام يونج. جون تيلور. ويلفورد وودروف. لورينزوسنو. هيبر جرانت.

جورج ألبرت سميث. داود مكاي. يوسف فليدنج سميث. سبنسر كيمبل.

يرد في كتبهم اسم: إلما، يارد، لحي، إنهم أنبياء في كتاب المورمون.

لهم شخصيات بارزة في مجلس الشيوخ الأمريكي ومجلس النواب.**

**الفرع الثالث: الأفكار والمعتقدات:

الكتب المقدسة لديهم اليوم:

الكتاب المقدس: يعتقدون بأنه مجموعة من كتابات مقدسة تحتوي على رؤى الله للإنسان، وأنها مخطوطات تتناول قروناً كثيرة منذ أيام آدم حتى الوقت الذي عاش فيه المسيح، وقد كتبها أنبياء كثيرون - على زعمهم - عاشوا في أزمنة مختلفة، وهو ينقسم إلى قسمين:

1- العهد القديم: فيه كثير من النبوءات التي تنبَّأت بقدوم المسيح.

2- العهد الجديد: يروي حياة المسيح وتأسيس الكنيسة في ذلك اليوم.

كتاب المورمون: هو سجل مقدس لبعض الناس الذين عاشوا في قارة أمريكا بين (2000) ق. م, إلى (400) بعد الميلاد، وهو يروي قصة زيارة يسوع المسيح لشعب القارة الأمريكية بعد قيامه من الموت مباشرة (كما يعتقدون). وهذا الكتاب يعدُّ الحجر الأساسي لديهم، وإن الإنسان المورموني يتقرَّب إلى الله بطاعة تعاليمه، وقد قام يوسف سميث بترجمته إلى اللغة الإنجليزية بموهبة الله وقوته، وقد نزل به ملاك من السماء اسمه (موروني) على يوسف سميث.

كتاب المبادئ والعهود: هو مجموعة من الرؤى الحديثة التي تخصُّ كنيسة يسوع المسيح، كما أعيدت إلى أصلها في هذه الأيام الأخيرة، وهو يوضح تنظيم الكنيسة وأعمالها ووظائفها، وفيه نبوءات عن حوادث ستأتي، وفيه أجزاء فيها معلومات مفقودة لمئات السنين، وفيه تعاليم الكتاب المقدس.

الخريدة النفيسة: يحتوي على:

1ـ سفر موسى: فيه بعض رؤى موسى وكتاباته كما كُشفت ليوسف سميث في عام (1830) م.

2 ـ سفر إبراهيم: ترجمة يوسف سميث من درج بردي مأخوذ من مقابر المصريين القدماء.

3 ـ كتابات يوسف سميث ذاته: تحتوي على جزء من ترجمة الكتب المقدسة ومختارات من تاريخ الكنيسة المورمونية وبنود الإيمان لديهم ورؤية المملكة السماوية.

4ـ رؤية فداء الأموات: وهي تروي زيارة يسوع المسيح للعالم الروحي، وهي رؤية أعطيت للرئيس يوسف سميث في (3 أكتوبر 1918) م.

إضافة إلى الكتب الأربعة السابقة، فإن كلمات الوحي والرؤى التي يذكرها أنبياؤهم تصبح كتباً مقدسة، وكل النشرات والتعاليم وقرارات المؤتمرات كلها تعتبر كتباً مقدسة أيضاً.

بنود الإيمان لديهم: كما وضعها يوسف سميث ذاته:

الإيمان بالله، الأب الأزلي، وبابنه يسوع المسيح، وبالروح القدس.

الإيمان بأن البشر سيعاقبون من أجل خطاياهم، وليس بسبب تعدِّي آدم.

الإيمان بأن جميع البشر يستطيعون أن يخلصوا عن طريق كفارة المسيح، وذلك بإطاعة شرائع الإنجيل ومراسيمه.

الإيمان بأن المبادئ والمراسم الأربعة للإنجيل هي:

1ـ الإيمان بالرب يسوع المسيح.

2ـ التوبة.

3ـ العماد بالتغطيس لغفران الخطايا.

4ـ وضع الأيدي لموهبة الروح القدس.

الإيمان بأن الإنسان يجب أن يُدعى من الله عن طريق النبوة، ووضع الأيدي على يد هؤلاء الذين لهم السلطة لكي يبشر بالإنجيل، ويقوم بالمراسيم المتعلقة به.

الإيمان بنفس التنظيم الذي قامت عليه الكنيسة القديمة، أي: الرسل والأنبياء والرعاة والمعلمون والمبشرون? إلخ.

الإيمان بموهبة الألسن والنبوة والرؤيا والأحلام والشفاء وتفسير الألسن.

الإيمان بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله بقدر ما ترجم صحيحاً، والإيمان بأن كتاب المورمون هو كلمة الله.

الإيمان بكل ما كشفه الله وبما يكشفه الآن وبأنه سيظل يكشف أموراً كثيرة عظيمة تتعلق بملكوت الله.

الإيمان بتجمع إسرائيل واستعادة القبائل العشر، وأن دولة صهيون (أورشليم الجديدة) ستؤسس على القارة الأمريكية وأن المسيح سيحلُّ شخصياً على الأرض، وأن الأرض ستتجدد وتتسلم مجدها الفردوسي.

يدَّعون امتياز عبادتهم لله القوي طبقاً لما يمليه عليهم ضميرهم كما يسمحون لجميع البشر بهذا الامتياز، فليعبدوا ما يريدون وكيف يريدون وأين يريدون.

الإيمان بأنه يجب عليهم الخضوع للملوك والرؤساء والحكام وأصحاب السلطة القضائية، كما يؤمنون بأنه يجب عليهم إطاعة القانون واحترامه وتعضيده.

الإيمان بأنه يجب عليهم أن يكونوا أمناء وصادقين وأطهاراً ومحسنين وأصحاب فضيلة، وأن يعملوا الخير لكل البشر، وهم يسعون وراء كل شيء ذي فضيلة ومحبوب، ويستحق التقدير أو المدح.

مراتبهم الدينية والتنظيمية:

ينقسم الكهنوت لديهم إلى قسمين:

1- كهنوت ملكي صادق: وهو أعظم كهنوت؛ إذ يملك التوجيه والتبشير بالإنجيل، كما يملك سلطة قيادة الكنيسة.

2ـ كهنوت هارون: وهو الكهنوت الذي منح لهارون ولأولاده خلال جميع الأجيال، وأصحاب هذا الكهنوت يقومون بمراسم الإيمان والتوبة والتعميد.

خلاصة أفكارهم:

يعتقدون أن الله هو على شكل إنسان له لحم وعظام، وبداخل جسده الملموس روح أزلية. كما يؤكدون على أن الإله متطور عن الإنسان، والناس يمكنهم أن يتطوروا إلى آلهة - تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيراً-.

الإنسان - كروح - ولد من والدين سماويين، وقد بقي هذا الإنسان في منازل الأب الأبدية قبل المجيء إلى الأرض في جسد مادي، كما أن المسيح هو الروح الأولى، فهو بذلك الابن الأكبر.

يسوع المسيح هو الذي خلق الأرض وكل ما فيها، وخلق كذلك عوالم أخرى بتوجيه من أبيه السماوي. ثم خلق بعد ذلك الحيوانات.

المسيح عليه السلام: أمه مريم العذراء التي كانت مخطوبة لشخص اسمه يوسف، وقد حلَّ عليها الروح القدس وقوة العلي ظلَّلتها، وولدها هو ابن الله، وقد جاء الولد وارثاً لسلطة إلهية من أبيه، ووارثاً الفناء من أمه.

قام يوحنا المعمدان بتعميده وهو في الثلاثين من عمره، وقد صام أربعين يوماً؛ ليحارب الشيطان، كما أنه قد ظهرت على يديه معجزات.

إن المسيح قد ضُرِبَ، وعُذِّبَ، ومن ثم صُلِبَ؛ ليسجل انتصاره على الخطيئة، وقد استودع روحه بين يدي أبيه، وقد ظل جسده ثلاثة أيام في القبر، ثم عادت إليه روحه فقام متغلباً على الموت.

بعد قيامه بقليل ظهر في أمريكا، وأسَّس كنيسته، ثم صعد إلى السماء. وقد دخلت الوثنية إلى العقيدة المسيحية، كما حارب رجال الدين بعضهم بعضاً مما استوجب نزول المسيح مرة أخرى مع الله، وهبوطهما على يوسف سميث بغية إعادتها إلى الأرض مرة أخرى، كما كانت في الأصل.

حواء ابنة مختارة أعطيت لآدم، وسمح لهما بالأكل من كل الأشجار عدا شجرة معرفة الخير والشر، وقد أغراهما الشيطان فأكلا منها، فأصبحا فانيين يشتغلان وينجبان.

الروح القدس: عضو في الهيئة الإلهية، وله جسد من الروح في شكل إنسان، وهو يوجد في مكان واحد فقط في نفس الوقت، إلا أن نفوذه يصل إلى كل مكان.

النبي رجل دعاه الله ليمثله على الأرض ويتكلم بالنيابة عنه، والنبوة لديهم مستمرة لا تنقطع.

التعميد: ترمز المعمودية إلى الموت والقيامة، وذلك بأن ينزل رجل الدين إلى الماء مع الشخص الذي يريد تعميده، فيغطسه في الماء ثم يخرجه، وبذا تنتهي الحياة الخاطئة وتبدأ الحياة الجديدة، وهي تسمَّى الميلاد الثاني.**

**العصور اللاحقة لعصر تلاميذ المسيح إلى مجيء الإمبراطور قسطنطين إن الحديث عن العصور المتقدمة من هذه الفترة يلفه الغموض الشديد، ويكاد يكون الجهل بتلك الفترة جهلاً مطبقـاً، وهي فترة من أكثر فترات التاريخ النصراني غموضاً وأشدها صعوبة وخطورة؛ إذ أفرزت هـذه الفترة- وخاصة اللاحقة مباشرة لعصر التلاميذ- بروز الأناجيل الكثيرة، التي ظهرت في وقت متقارب من تلك الفترة، وهي متضاربة تضارباً شديداً.

كذلك برزت للوجود الأقوال المنحرفة الكثيرة عن المسيح وديانتـه، وهي أيضاً أقوال متضاربة متباينة.

يقول الكاتب النصراني حبيب سعيد متحدثاً عن تلك الفترة: (ومع أنه من اليسير جمع نتف من هنا وهناك عن هذه الفترة- نهاية عصر الحواريين - إلا أن الأربعين سنة من (70) إلى (110) م - تبقى أكثر فترات التاريخ المسيحي غموضاً وإبهاماً، وهو أمر يؤسف له؛ لأن هذه الفترة حفلت بكثير من معالم التغيير في الكنيسة نفسها، ولأن فيها برز كثيرون من دعاة المسيحية المجهولين بعد (بولس)، وظهر كثير من الأفكار التي حملها- بلا شك- المتنصرون الوثنيون من مصادر غير مسيحية، وخاصة حول العقائد والممارسات المسيحية، مثل الأسرار، والأصوام وأشكال العبادة، ودستور الكنيسة نفسه خضع لبعض التعديلات).

ويميز هذه الفترة المتقدمة من تاريخ النصارى حادثة مهمة جدًّا لعلها من أهم الحوادث التي وقعت على النصارى بعد رفع المسيح عليه السلام ألا وهي حادثة تدمير بيت المقدس من قبل القائد الروماني تيطس سنة (70) م, في عهد الإمبراطور (لوسباسيانوس) حيث قضى هذا القائد على اليهود في فلسطين، وخاصة في القدس قضاء شبه تام بسبب ثورتهم ضد الرومان.

ولاشك أن عملية القتل والإبادة هذه قد طالت أكبر عدد من النصارى في ذلك التاريخ؛ لأنه لم يكن هناك فرق بين اليهودي والمتنصر إبان تلك الفترة، كما أن البلاء والقتل والإبادة كان شبه عام لجميع المناطق التي يتواجد فيها اليهود في فلسطين خاصة، والمناطق المجاورة لها.

ومن هنا فإن الحديث عن تلك الفترة فيه عسر واضح؛ إذ إنها حلقة مجهولة في تاريخ النصرانية، حتى إن نهاية أتباع المسيح عليه السلام- وكذلك بولس- تعتبر مجهولة بسبب ذلك البلاء الطويل الذي حلَّ باليهود متتابعاً متلاحقاً من قبل الرومان، منذ رفع المسيح عليه السلام إلى تدمير تيطس لبيت المقدس سنة (70) م، ثم استمرَّ البلاء على من بقي منهم إلى التدمير الثاني في عهد الإمبراطور (أدريان) حيث تجمَّع مجموعة من اليهود وأمَّروا عليهم رجلاً يسمَّى (بركوكبا) وزعموا أنه المسيح المنتظر فخرج بهم على الرومان، فما كان من الإمبراطور الروماني (أدريان) حوالي عام (130) م, إلَّا أن أرسل حملة كبيرة، وأمرها بتدمير جميع المحلات التي يمرون عليها، محلًّا، محلًّا، واستمرَّ في ذلك سنتين حتى دمَّر بلاد اليهود، وقضى عليهم، وأعاد تدمير بيت المقدس، وبنى محله هيكلاً للمشتري، معبود الرومان في ذلك الوقت، وحرَّم على اليهود الدخول إلى بيت المقدس إلا يوماً واحداً في السنة بعد دفع غرامة مالية كبيرة.

فلا شكَّ أن أحداثاً جساماً كهذه كانت سبباً من الأسباب المباشرة للانقطاع التاريخي البيَّن في تاريخ النصارى الذين كانوا في ذلك الوقت لا يتميزون عن اليهود بشيء خاصة لدى من هو خارج إطارهم مثل الرومان واليونان الوثنيين.

كما أن الثقل الديني والالتزام بمبادئ المسيح عليه السلام كان متمركزاً في بيت المقدس، وكان سبق أن حدث انقسام بين دعاة النصارى في مسألة شريعة موسى عليه السلام، ووجوب التزامها، وإلزام المتنصرين من الوثنيين بها، وكان المحافظون على الشريعة والموجبون للالتزام بها من المتبعين للمسيح من اليهود هم القوة الغالبة في ذلك الوقت.

إلا أن تدمير بيت المقدس وقتل اليهود وجَّه لهذه الفئة بالذات ضربة قاصمة، وأفسح المجال لبولس وأتباعه المنادين بإلغاء العمل بالشريعة الموسوية، وفصلها عن ديانة المسيح عليه السلام. يقول حبيب سعيد: (أما خراب أورشليم في الشرق إثر التمرد اليهودي سنة (70) م, فكان له أثر عميق في المسيحية، وذلك لأنه قضى على الجماعات الفلسطينية، وتضخم أعداد متنصري الوثنية، من العوامل التي جعلت كفاح (بولس) للتخلص من اليهودية الناموسية الضيقهة، غير ذي موضوع، وغدت أنطاكيه ورومية وبعدها أفسس أهم المراكز في تطور التاريخ المسيحي).

ظهور المذاهب والأقوال المختلفة في المسيح وديانته:

والناظر في تاريخ تلك الفترة يجد أنها أفرزت إفرازات خطيرة جدًّا في الديانة النصرانية حيث ظهرت المذاهب والأقوال المختلفة والمتباينة في المسيح وديانته، نذكر منها:**

**تلاميذ المسيح عليه السلام بعد رفعه

المصادر التاريخية لهذه الفترة بعد رفع المسيح عليه السلام نادرة جدًّا وقليلة، فلا يوجد بين يدي النصارى سوى سفر (أعمال الرسل) الذي ورد فيه جانب من أعمال حواريي المسيح وتلاميذه، ثم خُصص بقية الكتاب للحديث عن بولس، ويضاف إلى هذا السفر بعض الجمل الواردة في الرسائل الملحقة بالعهد الجديد التي تتحدث عن شيء من تاريخ تلاميذ المسيح. هذا كل ما لدى النصارى من كتب عن هذه الفترة.

ولهذا سنشير إشارة مختصرة إلى هذه الفترة حسب المعلومات المتاحة، فنقول:

إن تلاميذ المسيح فيما يذكر النصارى بعد رفعه قاموا بالدعوة في جميع مدن اليهودية. وحسب سفر (أعمال الرسل) فقد أظهروا آيات وعجائب كثيرة قاموا بها، وخاصة شفاء المرضى، وبناءً على تلك الآيات أقبل الناس على سماع كلامهم والاستجابة لهم، إلا أن هذا لم يمنع كهنة اليهود ورؤساءهم من أن يتوعدوا التلاميذ ويتهددونهم؛ ليتوقفوا عن الدعوة، إلا أن ذلك التهديد لم يوقف حماس التلاميذ ونشاطهم في الدعوة، وتتركز دعوة التلاميذ وتعاليمهم على وجوب التوبة والتعميد، والإيمان بالمسيح عيسى عليه السلام؛ لتغفر لهم خطاياهم، وهي الدعوة التي كان المسيح عليه السلام يدعو إليها، كما سبق بيانه. ولم يكن في دعوتهم تصريح بألوهية المسيح ولا بنوته لله، بل أعلن (بطرس) كبيرهم فيما يذكر النصارى أمام اليهود في أول خطبة له عامة: ( إن يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم، كما أنتم أيضاً تعلمون)، بعد هذا ازداد حنق اليهود على التلاميذ، فقبضوا على أحدهم- ويسمَّى إستفانوس- ورجموه بالحجارة حتى قتلوه، وقتلوا بعده آخر يسمَّى يعقوب أخو يوحنا، ثم اضطهدوا بقية الأتباع، حتى تشتت كثير منهم في سائر أنحاء اليهودية والسامرة، وكان التلاميذ إلى ذلك الوقت مقتصرين في دعوتهم على أبناء جلدتهم من اليهود، إلا أنهم رأوا أن غير اليهود يقبلون أيضاً دعوتهم، وقد انضمَّ إليهم عدد من اليونانيين، فشجَّعهم هذا على تكثيف الدعوة بين الأجانب، فأرسلوا برنابا إلى أنطاكية؛ ليدعو الأجانب، فآمن بدعوته أيضاً العديد من الناس، وكان قد انضم إلى التلاميذ بولس (شاؤول اليهودي) فكُلف هو وبرنابا بدعوة الوثنيين، فنجحا في دعوتهما نجاحاً كبيراً، وحدث من جراء قبول الوثنيين اليونانيين وغيرهم للديانة النصرانية إشكال خطير، وهو أن بعض دعاتهم صاروا لا يُلزمون من تنصَّر من الوثنيين بالتمسك بتعاليم الشرائع الموسوية، وعلى رأس هؤلاء بولس، وأما الدعاة الآخرون فكانوا يرون وجوب العمل بتعاليم الشريعة الموسوية، ومن ضمنها الختان. فحدث خلاف بينهم، اجتمعوا على إثره في مجمع في بيت المقدس، فقرروا عدم مطالبة الوثنيين بالالتزام بالشريعة، ويكتفى من ذلك بالامتناع عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا. هكذا ذكروا. وينتهي بعد هذا خبر التلاميذ، ولا يعلم على التحديد ما حدث منهم ولا ما حدث عليهم، وإنما يمكن تتبع بولس في دعوته، وأنه نشط نشاطاً قويًّا في دعوته، فزار مدناً عديدة في آسيا، ثم كان خاتمة مطافه في روما، وهذا آخر ما ذكره صاحب سفر الأعمال، ولا يعطينا عن خاتمة حياة بولس شيئا، ولا يعرف النصارى على التحقيق عنها شيئاً.**