ألْنَصْرانِيَّة

**الفرع السادس: بعث الأمة الكاثوليكية:

البابا الحالي للفاتيكان يوحنا بولس الثاني (1978-?) م, الكاردينال كارول البولندي الأصل الذي يتميز عن غيره بأنه رجل تنظيم وسياسة. ولذا فإنه يتبنى فكرة بعث الأمة الكاثوليكية من خلال إيجاد حكومة عالمية أو إمبراطورية مقدسة، التي لا تكون إلا من خلال تحقيق وحدة القارة المسيحية الأوروبية، وبناء أوروبا جديدة على القواعد النصرانية، مما لابد فيه من حدوث صراع سياسي ومالي وربما عسكري، وأن مهمة الفاتيكان فيه هو تهيئة الأجواء؛ لكسب هذا الصراع الحتمي مع التجمعات الأيدلوجية الأخرى. والبابا متأثر في ذلك بأفكار حركة المنشأة الإلهية (Opos Dei) والقاضية بأنه بالحكم والمال وحدهما تتحقق الآمال، ويحدث التغيير. كما يراهن البابا يوحنا بولس الثاني على أن قارة أفريقيا ستصبح قارة نصرانية عام (2000) م, وفي سبيل ذلك فإنه يقوم بما يزيد على أربع رحلات سنويًّا، ويحاول التقارب وإيجاد أرضية عمل مشترك مع الطوائف النصرانية الأخرى، رغم ما بينهم من خلافات جذرية.

  • أعلنت لجنة الفاتيكان للعلاقات مع اليهود براءة جديدة لليهود من دم المسيح في (24يونيو 1985) م، ونشرتها مجلة أوبسير فاتوري رومانو لسان حال الفاتيكان في عددها الصادر بتاريخ (25 يونيو 1985)م، وذلك بناءً على توجيهات البابا يوحنا بولس الثاني. كما دعت تلك الوثيقة إلى عدم اعتبار اليهود شعباً منبوذاً أو معادياً للمسيح. على أن المسيح نفسه كان يهوديًّا وسيظل يهوديًّا، ولذلك فهي تؤكد أيضاً أن أرض فلسطين المحتلة هي أرض أجداد اليهود، كما تدعو إلى ترك المفهوم التقليدي للشعب المعاقب كما في نظر النصرانية؛ لأنه يبقى في النهاية الشعب المختار.

الفرع السابع: الأفكار والمعتقدات:

  • الألوهية: تؤمن الكنيسة الكاثوليكية مثل باقي الكنائس الأخرى بإله واحد مثلث الأقانيم: الآب، الابن، الروح القدس، على حسب ما ورد في قانون الإيمان النيقاوي لعام (325) م، كما تؤمن بأن للمسيح طبيعتين بعد الاتحاد: إحداهما لاهوتية، والأخرى ناسوتية.

  • يؤمن الكاثوليك بما أُقرَّ في مجمع القسطنطينية الرابع عام (869) م, من أن الروح القدس منبثق من الآب والابن معاً.

  • الأقانيم: يعتقد الكاثوليك أن أقنوم الابن أقل من أقنوم الأب في الدرجة، وأن الأقانيم ما هي إلا مراحل انقلب فيها الله إلى الإنسان، ولذا فهي ذوات متميزة يساوي فيها المسيح الأب حسب لاهوته، وهو دونه حسب ناسوته، كما ينص على ذلك قانون الإيمان الأثناسيوسي.

  • التجسد والفداء: الإيمان بتجسُّد الله- تعالى عن قولهم - في السيد المسيح من أجل خلاص البشرية من إثم خطيئة آدم وذريته من بعده، فيعتقدون أنه وُلد من مريم وصلب ومات فداءً لخطاياهم، ثم قام بعد ثلاثة أيام ليجلس على يمين الرب؛ ليحاسب الخلائق يوم الحشر.

  • السيدة مريم والأيقونات: يقدسون السيدة مريم والقديسين والقديسات، والأيقونات المجسمة والمصورة مع الإشادة بالمعجزات.

  • الإلهام: تؤمن الكنيسة الكاثوليكية بالإلهام كأحد مصادر المعرفة والوحي المستمرة.

  • الصليب: يقدسون الصليب ويتخذونه شعاراً.

  • الكتاب المقدس: تؤمن الكنيسة الكاثوليكية بنصوص الكتاب المقدس، وبما يتضمنه من التوراة وأسفار الأنبياء وبالعهد الجديد ورسائل الرسل على ما أقر في مجمع نيقية الأول.

  • أسرار الكنيسة: يؤمن الكاثوليك بممارسة سر الاعتراف مرة واحدة في السنة، وكذلك سر التناول في عيد الفصح، كما يستعملون الفطير في العشاء الرباني بدلاً من الخبز المختمر، والمعمودية لا تتمُّ إلا بالرش لا بالتغطيس ثلاثاً، وتكون من الكاهن أو بالصبغة بدم الشهيد في سبيل الإيمان فقط، والمسح بالميرون المقدس يجوز تأخيره عن التعميد للقاصر حتى يبلغ سن الرشد، ولا يمسح بالزيت المقدس إلا لمن شارف على الموت، ويحرم الطلاق في جميع الأحوال حتى في حالات الزنا، وقد انفردت الكنيسة الكاثوليكية بسر ثامن عن الكنائس الأخرى، ألا وهو عصمة البابا عن ارتكاب المعاصي والآثام.

  • الحياة الأخرى: يعتقد الكاثوليك أنه يوجد بعد الموت مكان ثالث يسمَّى المطهر تُعتقل فيه النفوس التي لم تصل إلى درجة النقاوة الكاملة، وتظل تُعذَّب حتى تطهر بما بقي عليها من الدين للعدل الإلهي، وعندئذ يسمح لها بدخول الملكوت.

  • خلق أفعال العباد: وأن كل ما خلقه الله تعالى حسن، وإنما الشر من خلق العباد.

  • تبيح أكل الدم والمنخنقة على خلاف قرارات مجمع الرسل الأول في أورشليم (51 - 55) م، و يجوز للرهبان أكل دهن الخنزير، ولبس الأساقفة الخواتم في أصابعهم، كما يجوز للكهنة حلق لحاهم على عكس الأرثوذكس.

  • القداس: القداس محور العبادة والحياة الروحية على أنه يقام يوميًّا.

  • الصلاة والصيام: الصلاة الفردية أساسية في الدين على أن للصلاة طرقاً عديدة، وينبغي أن تقترن بشيء من التقشُّف، والصيام المفروض هو الصوم الكبير السابق لعيد الفصح، وجعل صوم الجمعة والسبت فقط عبارة عن الانقطاع عن أكل اللحوم. كما فرض أيضاً صوم الأزمنة الأربعة فيما يعرف بصوم البارامون (أي: الاستعداد للاحتفالات) وهي السابقة لأعياد الميلاد، والعنصرة وانتقال العذراء وجميع القديسين. ويوجد خلاف بين الكنيسة اللاتينية وطوائف الكنيسة الكاثوليكية الشرقية في قواعد الصوم.

  • الطقوس: تتميز باستعمال اللغة اللاتينية، والبخور، والصور، والتقويم الخاص بها.

  • للكنيسة الكاثوليكية عدة طقوس إلى جانب الطقوس الرومانية، هناك من يستعمل الطقوس الشرقية مثل الروم الكاثوليك، جنوب إيطاليا، والموارنة والسريان الذين يتبعون الطقس الأنطاكي، وهناك كاثوليك أقباط وأحباش يستمسكون بالطقس القبطي.

  • التنظيم الكهنوتي (الإكليروس): يدير البابا الكنيسة بواسطة كرادلة في روما ومطارنة في جميع أنحاء العالم. تنقسم الكنيسة عند الكاثوليك إلى أبروشيات على رأس كل أبروشية مطران يعيِّنه البابا، وفي كل أبروشية عدة كنائس يديرها كهنة رعاة لخدمة أبناء الكنيسة.

  • البابا: كما تعتقد أن السيد المسيح أقام بطرس نائباً على الأرض، ورئيساً على الرسل، ورأساً للكنيسة، وعلى ذلك فالبابا في روما هو خليفة بطرس، ورأس الكنيسة من بعده، ومرشدها الأعلى لجميع الكاثوليك في العالم.

ونظراً لاعتقادهم بعصمة البابا فإن المغفرة حق من حقوق الكنيسة تعطيها لمن تشاء.

  • الجماعات الدينية المكونة من الرهبان والراهبات تخضع لبابا روما عن طريق رؤسائها الموجودين في روما.

  • يدرس الكهنة قبل اضطلاعهم بمهمتهم العلوم الدينية خمس أو ست سنوات، ويدربون في معاهد دينية خاصة، ولا يتزوج رجال الدين إلا القليل منهم.

الفرع الثامن: الجذور الفكرية والعقدية:

  • نصوص الكتاب المقدس، بالإضافة إلى المجامع المسكونية والإقليمية أو المحلية التي أيَّدت عقيدة الكنيسة.

  • الديانات الوثنية: المجوسية، البوذية، الرومانية، المصرية القديمة.

  • الفلسفةالأفلاطونية الحديثة، الفلسفة الغنوصية.**

**الفرع التاسع: الانتشار ومواقع النفوذ

  • تنتشر في أوروبا: إيطاليا، فرنسا، لتوانيا، بولندا، سلوفاكيا، المجر، كرواتيا، بلجيكا، إسبانيا، البرتغال، أيرلندا، كندا الفرنسية، أمريكا اللاتينية، الفلبين، وجنوب شرق آسيا. وهناك أقليات في الولايات المتحدة الأمريكية، وهولندا، وألمانيا، وبعض دول أفريقيا.

    يتضح مما سبق:

  • أن المتأمل في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية لَيجِد أنه كان لها دور كبير في أحداث تاريخ أوروبا بمختلف مراحله.

  • كان للصراع مع الحكام والملوك أثره في ظهور عقائد جديدة في الكنيسة لم تكن من قبل مثل: سمو مكانة البابوية والكنيسة الغربية، وعصمة البابا عن ارتكاب الآثام والمعاصي بزعم أن روح القدس ينطق من فِيِه، على ما أقر في مجمع روما عام (1769) م السر الثامن(1).

  • ونظراً لاتباع الهوى وترك التشريع للرجال والمجامع ظهر التضارب في آراء الكنيسة والانقسام في صفوفها، فما يُقرُّ في مجمع يُنقَض في آخر، وفي كلتا الحالتين يأخذ صفة الحكم الإلهي، ففي فترات سيطرة رجال الكنيسة على مقاليد الحكم تستند إلى أقوال القديس أغسطس القاضية بأن تخضع سلطة الدولة لسلطة الكنيسة التي تمثل مدينة الله. وفي فترات الاضطهاد تظهر دعاوى فصل الدين عن الدولة مثلما جاء في رسالة هوزيوس أسقف قرطبة للإمبراطور قسطنطيوس عام (355) م: (أما من جهتك فينبغي ألا تجرَّ على نفسك جريمة ارتكاب ذنب خطير، بأن تسعى لأن تتولى حكومة الكنيسة، فلتُعطِ ما لقيصر لقيصر، ولتجعل لله ما لله، فلا يجوز لنا أن نباشر سلطة دنيوية، وليس لك أيها الإمبراطور الحق في أن تحرق البخور). وهذا ما اعتقدته حركة الإصلاح الكلوانية أنه سبيل لإصلاح الكنيسة.

  • انتشرت داخل الكنيسة كافة مظاهر الانحراف والفساد مثل السيمونية، ومخالفة القانون الكنسي، رغم دعاوى الرهبنة والعزوبة وحياة الزهد والتقشف التي فرضها القانون الكنسي، ولم تستثن أحداً بدءًا من البابا حتى أصغر كاهن وراهب. تقول القديسة كاترين السينائية في القرن الرابع عشر الميلادي: (إنك أينما ولَّيت وجهك سواء نحو القساوسة أو الأساقفة أو? لم تر إلا شرًّا ورذيلة، تزكم أنفك رائحة الخطايا الآدمية البشعة، اتخذوا بطونهم إلهاً لهم، يأكلون ويشربون في الولائم الصاخبة، حيث يتمرغون في الأقذار، ويقضون حياتهم في الفسق والفجور).

  • كان للرهبانية أثرها البالغ على الأخلاق الأوربية، فانعدمت أخلاق الفتوة والمروءة التي أصبحت من المعايب والرذائل، كما هجر الناس البشاشة والسماحة والشجاعة. ومن أهم نتائجها أن تزلزلت دعائم حياة الأسرة، فكثيراً ما أصبحت الأمهات ثكلى، والأزواج أيامى، والأولاد يتامى، بعد خطفهم من الرهبان، فأصبحوا يتكفَّفون الناس ويتوجَّهون إلى الصحراء، همُّهم الوحيد أن ينقذوا أنفسهم في الآخرة. وكان الرهبان يفرُّون من ظل النساء، ويتأثَّمون من قربهن، يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق العام والتحدث إليهن- ولو كن أمهات أو زوجات أو شقيقات- تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية.

  • رغم الجوانب والآثار السلبية للحروب الصليبية، وما تميزت به من قسوة ضد المخالفين، سواء كانوا من نصارى أو مسلمين، إلا أنها كانت سبباً في انتقال المعارف الإسلامية إلى أوروبا. تقول الكاتبة الألمانية هونكة في شمس العرب تسطع على الغرب: (وكان للحروب الصليبية دور هام في تطور نظام الحصون وطرق الدفاع، أي: في أوروبا)، وتقول: (اختلط ملوك أوروبا وأمراؤها بملوك الشرق وأمراء المسلمين في أثناء الحرب الصليبية، ورأوا بأعينهم أدباء العرب وشعراءهم ومؤرخيهم، لاسيما من كان منهم بمعية صلاح الدين الأيوبي). وتقول: (وفي مراكز العلم الأوروبية لم يكن هناك عالم واحد من بين العلماء إلا ومدَّ يديه إلى الكنوز العربية).

ومع ذلك لا تزال الصليبية على عهدها الأول يمنعها عن قبول الحق حواجز التقليد للآباء والأجداد والعقائد المتوارثة حتى لو شهدت الأدلة الساطعة على بطلانها. وقد نصَّ القرآن الكريم على أمثالهم بقوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [ البقرة: 170].

  • لم تقتصر محاكم التفتيش على المخالفين للكنيسة من النصارى فقط، ولكنها طالت المسلمين أيضاً، ففي القرن الخامس عشر والسادس عشر بعد سقوط الأندلس ذبحوا وأحرقوا ما يزيد على (31) ألفاً من المسلمين، ولم يتركوا مسلماً على قيد الحياة أو غير منفي. وبعد استقلال اليونان عن الدولة العثمانية أباد النصارى شعب موريا المسلم عن آخره، بل ودمَّروا المساجد، وما فعله الأسقف مكاريوس بمسلمي قبرص، والمتعصب جوليوس نيريري بمسلمي زنجبار ليس منا ببعيد.

  • تنتقد دائرة المعارف البريطانية دعوى الإلهام التي ما زالت تؤمن بها الكنيسة الكاثوليكية على أنها أحد مصادر المعرفة والوحي بقولها في المجلد الحادي عشر: (إن كل قول متدرج في الكتب المقدسة ليس إلهاميًّا) وهو ما أيَّده جيروم وكرتيس وبمركوبيس وغيرهم من علماء النصرانية في القرن الثاني الميلادي حيث قالوا: (إن الذين يقولون: إن كل مندرج في الأناجيل إلهامي. لا يقدرون على إثبات صحة دعواهم). وهو ما أكَّدته دائرة المعارف الفرنسية في المجلد السابع من أن: (هؤلاء الحواريين أصحاب المسيح ما كان يرى بعضهم بعضاً صاحب وحي، كما يظهر في مباحثاتهم في محفل أورشليم).

  • وكما جنت الكنيسة على الديانة النصرانية بإدخال العقائد الوثنية، علاوة على التبديل والتحريف الذي لحق بالنصرانية وكتابها، جنت أيضاً عليها وعلى الإنسانية بمحاربتها للعلم والعلماء باسم الدين. وظهور الفساد داخل الكنيسة، مما دفع الأفكار الإلحادية المناوئة للدين إلى الظهور تحت ستار المناداة بحرية الفكر، وحرية اختيار المذاهب الاعتقادية ولو كانت إلحادية، وبالتالي ظهرت الدعوات إلى الإلحاد والعلمانية بمذاهبها المختلفة. يقول فولتير في كتابه مقبرة التعصب: (ينبغي أن يخضع القسس للحكومة؛ لأنهم أفراد من الرعية التابعة للدولة). ونتيجة لحرية الفكر والقضاء على رقابة الكنيسة تم بعث التراث الفلسفي اليوناني، سواء المترجم بالعربية أو اليونانية، وظهرت المذاهب المادية الإلحادية والفلاسفة الماديين أمثال برتراندراسل، هيجل، وأنجلز، وكثرت مؤلفاتهم التي تدعو إلى القضاء على الدين. يقول ديدرو هلباخ، ورينال في الأنكلوبيديا: (إن الشرائع والأديان هي العوائق التي تحول دون حصول الإنسان على السعادة، فيجب عليه محوها ليرجع إلى الطبيعة) (تاريخ التمدن الحديث، شارل أسنيوبوس، ص47).

  • إن النصرانية التي يتبناها الفاتيكان اليوم هي النصرانية السياسية التي تريد ربط دول آسيا وأفريقيا بعجلة الغرب عن طريق نشر النصرانية بينهم، وخلق جملة من الأفكار النصرانية التي تقف أمام الإسلام والمسلمين في جميع الميادين. وفي سبيل ذلك تقاربت طوائف النصرانية واليهودية للحدِّ من مارد الإسلام الذي بدأ يصحو من جديد.

  • يقول رازينجر منظر السياسة في الفاتيكان: (من يبحث عن حل خارج الكنيسة في عصرنا الحديث ليس إلا واحد من اثنين:

  • العودة إلى عصر ما قبل المسيح - أرسطو وأمثاله.

  • التعلق بثقافة غير أوروبية من جهة وبالإسلام من جهة أخرى.

  • وبما أن الاحتمال الأول ليس له إمكانية الحياة، فيبقى الاحتمال الثاني - الإسلام - فعلينا أن نحذر الإسلام أكثر بكثير مما مضى، فهو اليوم يعود من أعماق التاريخ؛ ليقدم بديلاً عن نظامنا المشبع بالنصرانية).

ويقول في أهمية وجود أندية لملء الفراغ الأيدلوجي لسقوط الشيوعية: (إن حدوث الفراغ الأيدلوجي في الثقافة العالمية بما يعني الانفتاح على الثقافات الأخرى بما فيها من مثل وقيم ومبادئ، وإن البقاء على التقليدية الكنسية السابقة، وما لقيصر لقيصر، ولا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، سيترك الأبواب مفتوحة على مصراعيها لدخول الإسلام). ولذلك عملت الكنيسة على تجنيد السياسة والإعلام الأوروبي، وتوجيه عموم الشعب، نحو خصم جديد: الإسلام، ويتضح ذلك من ردود فعل رجال السياسة الأوروبيين وتصريحاتهم حول رواية سلمان رشدي وغيره، ومن الحملات الإعلامية حول الأصولية والإرهاب.**

**الفرع الثاني: التأسيس وأبرز الشخصيات:

الكنيسة البروتستانتية حركة إصلاحية بدأت في الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر متأثرة بدعوات الإصلاح السابقة لها، ومن ثَمَّ تحولت من حركة إصلاحية داخل الكنيسة إلى حركة عقائدية مستقلة ومناهضة لها، ومن أبرز المؤسسين: - مارتن لوثر: ولد لوثر في ألمانيا، وعاش في بيئة نصرانية تشيع فيها الخرافات والمعتقدات الزائفة. - وفي عام (1405) م, نال شهادة أستاذ في العلوم من جامعة إيرمورت، ولكنه لم يُتمَّ دراسته القانونية، وتحوَّل بعدها إلى الدراسات اللاهوتية، فدخل إلى دير الرهبان الأوغسطنين. ـ في عام (1507) م, عُيِّن قسيساً لرعاية كنيسة كنتبرج بألمانيا. - في عام (1510) م, دفعته نزعته الدينية وإخلاصه للكنيسة ورجالها إلي أن يحج إلى روما؛ ليتبرك بالمقر الرسولي في روما، حيث منَّى نفسه برؤية القديسين والزهاد من الرهبان والكرادلة. ولكن ما أن حلَّ في روما حتى هاله ما رأى من دعاوى: غفران الذنوب، وامتلاك سرِّ التوبة، وحقِّ منح صكوك الغفران، وتفشِّي مظاهر الفساد والانحلال الخلقي في الطبقات العليا من الكنيسة بوجه أخص. ومن ثم عاد إلى ألمانيا خائباً رجاؤه، ومستنكراً ما رأى، وأصبح منشغلاً بوضع خطة لإصلاح الكنيسة. - في عام (1517) م, أرسل البابا ليو العاشر مندوبه الراهب حمنا تتزل؛ لبيع صكوك الغفران في ألمانيا، فما أن أعلن عنها وبالغ في أمرها حتى ثار عليه لوثر، وكتب في معارضته وثيقَته الشهيرة التي تتضمن خمسة وتسعين مبدأ في معارضة الكنيسة، وعلَّقها على باب كنيسة القلعة. في الوقت الذي نشط في تأليف الكتب التي تعلن مبادئه، والتي أصبحت حديث الطبقة المتعلمة في ألمانيا مما زاد في التفاف الناس حوله، ولهذا كله أصدر البابا قراراً بحرمانه في عام (1520) م. - عندما تلَّقى لوثر القرار بحرمانه، قام بتحريض من بعض الأمراء الألمان من أصحاب دعوى الانفصال عن الإمبراطورية بحرقِه في وسط الجموع الحاشدة في وتنبرج، التي أصبحت جامعتها المهد الأساسي للتعاليم اللوثرية في ألمانيا. - في عام (1520) م, بعد ما أظهر مارتن لوثر تأييداً للنزعة القومية في الدولة الألمانية في تولِّي إدارة كنيستها، عقدت الكنيسة في روما مجمعاً قضى بمحاكمة لوثر أمام محكمة التفتيش، لكنه هرب إلى قلعة وارتبورج، وفيها ترجم العهد الجديد إلى الألمانية، ثم شرع في ترجمة الكتاب المقدس كله، لكنه لم يتمَّه، وعاد إلى وتنبرج مرة أخري. - في عام (1529) م, أراد الإمبراطور تنفيذ قرارات الحرمان ضد مارتن لوثر، فأعلن حكام الولايات الإنجيلية في ألمانيا في مجلس سبير في (19) نيسان أنهم مستعدون لطاعة أوامر الإمبراطور والمجلس في كل القضايا الواجبة إلا التي تتعارض مع الكتاب المقدس أو التي لا يوجد لها نص فيه، وبالتالي رفضوا تسليم لوثر لمندوبي الإمبراطور. - عندما رأى لوثر صعوبة تحقيق دعوة الإصلاح الكَنَسِيّ كرَّس كل جهده لقضايا الإيمان في الكنائس الإنجيلية الناشئة. توفي لوثر في بلدة وتنبرج عام (1546) م, مخلِّفاً مجموعة من الكتب والمؤلفات التي تؤصِّل قواعد دعوته. -الروخ هولدريخ زوينجلي: (1484-1531) م: ولد ونشأ في سويسرا، وأصبح قسيساً وأحد دعاة حركة الإنسانية التي بدأت مع عصر النهضة الأوربية. دعا إلى نفس المبادئ التي دعا إليها مارتن لوثر، وبدأ دعوته في زيوريخ بسويسرا، وقد قاوم استعمال الطقوس والصور والتماثيل في الكنائس، كما عارض فكرة عزوبة رجال الأكليروس، وحبَّذ المسئولية الفردية في المعتقد. لاقت دعوة زوينجلي التأييد من السلطات الحكومية في مدينة زيوريخ، فشاعت لذلك دعوته، وأصبح زعيماً للبروتستانت في جنوب ألمانيا ومعظم سويسرا. في عام (1529) م, وفي مدينة ماربورج التقى زوينجلي بمارتن لوثر، وتناقشا حول إصلاح الكنيسة، واختلفا حول فرضية أو سرِّ العشاء الرباني، كما اختلفا في أسلوب معارضة الكنيسة الكاثوليكية، حيث استخدم زوينجلي القوة في سبيل نشر مبادئه ابتداءً من الحظر التجاري الذي فرضه على بعض المقاطعات الكاثوليكية في شرقي سويسرا، حتى القتال والصدام مع رجال الكنيسة الذي قُتل فيه، وهُزم أتباعه في كاييل عام (1531) م. ذابت تعاليم زوينجلي في تعاليم جون كالفن التي ارتكز في بعضها على عقيدته. -جون كالفن: (1509 - 1564) م: ولد ونشأ في فرنسا، وتثقَّف بثقافة قانونية، لكنه مال عنها إلى الدراسة اللاهوتية، فتأثَّر بآراء مارتن لوثر دون أن يقابله بواسطة بعض أقاربه وبعض أساتذته. شارك في إعداد خطاب ألقاه نيكولاس كوب مدير جامعة السربون بفرنسا التي كانت مركزاً لأكثر علماء الكاثوليكية، والذي يتضمن شرحاً لآراء مارتن لوثر؛ مما أغضب آباء الكنيسة عليه، فاضطرَّ إلى الهرب إلى جنيف في سويسرا. بعد أن عاد في الحادي والعشرين من مايو (1534) م, إلى مدينة نويون مسقط رأسه سلّم كهنةَ كاتدرائيتها كل شارات الامتياز الأكليريكية الخاصة به، ثم هرب بصحبة نيكولاس كوب إلى جنيف في سويسرا مرة أخرى. في عام (1535) م, شارك كلفن في حوار دعا إليه المبشرون المصلحون مع الأساقفة الكاثوليك في المدينة، الذي انتهى بانسحاب الكاثوليك، مما مكَّن دي فاريل صديق كلفن الحميم من الاستيلاء على الكنائس الرئيسية الثلاثة في المدينة: كنيسة سان بيتر، المجدلية، سان جرفيز؛ وتحويلها إلى كنائس إنجيلية أو بروتستانتية. استغلَّ كلفن استقراره في جنيف في تنظيم وتقنين مبادئ زعماء الإصلاح، وعلى رأسهم مارتن لوثر، وظهرت له مؤلفات وكتابات عديدة في ذلك، ولذلك فإنه يعد أحد مؤسسي المذهب البروتستانتي. خالف كالفن لوثر في سرِّ- فرضية- العشاء الرباني من حيث كيفية حضور المسيح العشاء، رغم اتفاقهما على عدم استحالة (أي عدم تحول) الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح. عدل كلفن عن فكرة لوثر في إشراف الحكومة على الكنائس؛ لما رأى ما يحدث للبروتستانت في فرنسا، وطالب بأن تحكم الكنيسة نفسها بنفسها، وعلى الحاكم المدني أن يساعدها ويحميها، مما كان سبباً في انقسام الكنيسة الإنجيلية إلى لوثرية وكلفينية (الإصلاحية ? الكلفينية). تميَّزت حركته بالانتشار في فرنسا، فأصبحت الدين الرسمي في أسكتلندا، كما امتدت إلى المقاطعات شرق سويسرا، واعتنقها معظم سكان المجر، يقول فيشر: (أصبحت أكثر أشكال الإصلاح البروتستاني اتساعاً). تأسست جمهورية هولندا عام (1669) م, على مبادئ البروتستانت الكليفنية بعد الحرب الدامية بين الكاثوليك والبروتستانت. نتيجةً للحرية الفردية في فهم وتفسير الكتاب المقدس لكل فرد من المؤمنين بالمذهب البروتستانتي انقسمت الحركة البروتستانتية إلى كنائس عديدة، وطوائف مختلفة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حسب إحصائيات عام (1982) م, يوجد (76,754,009) بروتستانتي ينتمون إلى (200) طائفة إنجيلية.**

**الأفكار والمعتقدات:

إشاعة الفوضى الخلقية والتحلل من جميع الفضائل الإنسانية التي حثَّت عليها التعاليم الدينية.

يؤمنون بيهوه إلهاً لهم، وبعيسى رئيساً لمملكة الله.

يؤمنون بالكتاب المقدس للنصارى، ولكنهم يفسرونه حسب مصالحهم.

الطاعة العمياء لرؤسائهم.

يستغلون اسم المسيح والكتاب المقدس للوصول إلى هدفهم، وهو: إقامة دولة دينية دنيوية؛ للسيطرة على العالم.

تهيئة النفوس لإقامة الدولة اليهودية الكبرى.

نفي الحساب والعقاب في الآخرة، فلا إثم على من يقترف ذنباً أو معصية في دنياه.

لا يؤمنون بالآخرة ولا بجهنم، ويعتقدون بأن الجنة ستكون في الدنيا في مملكتهم.

يعتقدون بقرب قيام حرب تحريرية يقودها عيسى، وهم جنوده يزيحون بها جميع حكام الأرض.

يقتطفون من الكتاب المقدس الأجزاء التي تحبب إسرائيل واليهود إلى الناس، ويقومون بنشرها.

لا يؤمنون بالروح وبخلودها، ولهم معابد خاصة بهم يسمونها القاعة الملكية أو بيت الرب.

الأخوة الإنسانية مقتصرة عليهم دون من سواهم من البشر.

يعادون النظم الوضعية، ويدعون إلى التمرد، ويعادون الأديان إلا اليهودية، وجميع رؤسائهم يهود.

إشاعة الفوضى العالمية بتحريض الشعوب على التمرد على حكوماتهم، وشقِّ عصا الطاعة عليها، ومقاطعة جميع النشاطات الرسمية في الدولة، ويبررون ذلك بما جاء في كتابهم الأخضر (ليكن الله صادقاً بأنهم سفراء الله في ملكوته المقدس، ومن ثمَّ فهم يتمتعون بحصانة تعفيهم من الخضوع للحكومات المدنية أيًّا كانت مقوماتها).

يعترفون بقداسة الكتب التي تعترف بها اليهودية وتقدسها، وهي 19 كتاباً.

يقولون بالتثليث ويفسرونه بـ (يهوه، الابن، الروح القدس).

يمرُّ العضو فيها بمراحل معقدة، ويخضع الالتحاق بها إلى شروط قاسية، وتنتظم عضوية جمعية شهود يهوه ثلاث مراتب:

أعضاء الرجاء السماوي: وهم أعضاء الإدارة العليا، ويرأسهم العبد العظيم أو الحكيم، ويعرف مقره ببيت (إيل) أي: بيت الله.

صف جلعاد أو الرجاء الأرضي: ويشمل من الأعضاء الرواد والمعاونين ونظار المناطق، وهؤلاء هم أعضاء الإدارة التنفيذية.

المبشرون: ويعرف أعضاؤها بالخدم، وتضم هذه المرتبة الشهود، وهم الأعضاء المكلفون بتوزيع مطبوعات الجمعية ورسائلها.

شعاراتهم ورموزهم:

تبني المينورا، وهي الشمعدان السباعي الذي هو رمز اليهود الديني والوطني.

تبني النجمة السداسية، وهي رمز لليهود كذلك.

تبني اسم يهوه، ويكتبونه بالعبرية، وهو (الإله) عند اليهود.

من كتب المنظمة:

تنطق باسمهم مجلة كانت تصدر تحت اسم برج مراقبة صهيون، ثم عدَّلوها إلى: برج المراقبة؛ لإخفاء كلمة صهيون.

هذا الخبر الجيد عن المملكة (المقصود مملكتهم المأمولة).

الأساس في الإيمان بعالم جديد.

لقد اقترب علاج الأمم.

العيش بأمل نظام عادل جديد.

الجذور الفكرية والعقائدية:

يمكن اعتبارهم فرقة مسيحية منفردة بفهم خاص، إلا أنهم واقعون تحت سيطرة اليهود بشكل واضح، ويتبنون العقائد اليهودية في الجملة، ويعملون لأهداف اليهود.

تأثَّروا بأفكار الفلاسفة القدامى واليونانيين منهم بخاصة.

لهم علاقة وطيدة بإسرائيل وبالمنظمات اليهودية العالمية كالماسونية.

لهم علاقة تعاون مع المنظمات التبشيرية والمنظمات الشيوعية والاشتراكية الدولية.

لهم علاقة كبيرة مع أهل النفوذ من اليونانيين والأرمن.**

**التفسير الثاني: أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان عند ظهور المهدي بعد أن يفتح المسلمون القسطنطينية من الفرنج ، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يبقى على الأرض إلا المسلمون، ويستأصل اليهود بالقتل، ويصرِّح بأنه عبد الله ونبيه، فتضطر النصارى إلى تصديقه حينئذ لإخباره لهم بذلك، وعلى التفسيرين ليس فيه دلالة على أن النصارى الآن على خير.

وأما قوله تعالى:( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ). فهو من محاسن القرآن الكريم، لأنه من تلطف الخطاب وحسن الإرشاد، فإنك إذا قلت لغيرك: أنت كافر فآمن. ربما أدركته الأنفة فاشتد إعراضه عن الحق، فإذا قلت له: أحدنا كافر ينبغي أن يسعى في خلاص نفسه من عذاب الله تعالى، فهلم بنا نبحث عن الكافر منا فنخلصه. فإن ذلك أوفر لداعيته في الرجوع إلى الحق، والفحص عن الصواب، فإذا نظر فوجد نفسه هو الكافر فرَّ من الكفر من غير منافرة منك عنده، ويفرح بالسلامة، ويُسرُّ منك بالنصيحة، هكذا هذه الآية سهَّلت الخطاب على الكفار؛ ليكون ذلك أقرب لهدايتهم، ومنه قول صاحب فرعون المؤمن لموسى عليه السلام:( وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا). فخصَّهم أولا بالملك والظهور؛ لتنبسط نفوسهم مع علمه بأنه وبال عليهم، وسبب طغيانهم، ولم يجزم في ظاهر اللفظ بصدق موسى عليه السلام مع قطعه بصدقه، بل جعله معلقا على شرط؛ لئلا ينفِّرهم فيحتجبوا عن الصواب، فكل من صحَّ قصده في هداية الخلق سلك معهم ما هو أقرب لهدايتهم، وكذلك قوله تعالى لموسى وهارون في حق فرعون:( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) وقوله لمحمد صلوات الله عليهم أجمعين:(وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ). وقوله: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ). فهذا كله من محاسن الخطاب، لا من موجبات الشك والارتياب.

وأما أمره تعالى لمحمد عليه السلام ولأمته بالدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم، فلا يدلُّ على عدم حصول الهداية في الحال؛ لأن القاعدة اللغوية أن الأمر والنهي والدعاء والوعد والوعيد والشرط وجزاءه إنما يتعلق بالمستقبل من الزمان دون الماضي والحاضر، فلا يطلب إلا المستقبل؛ لأن ما عداه قد تعيَّن وقوعه، أو عدم وقوعه، فلا معنى لطلبه، والإنسان باعتبار المستقبل لا يدري ماذا قضي عليه، فيسأل الهداية في المستقبل؛ ليأمن من سوء الخاتمة، كما أن النصراني إذا قال: اللهم أمتني على ديني. لا يدل على أنه غير نصراني وقت الدعاء، ولا أنه غير مصمم على صحة دينه، وكذلك سائر الأدعية، وأجمع المسلمون والمفسرون على أن المغضوب عليهم اليهود، وأن الضالين النصارى، فتبديل ذلك مصادمة ومكابرة ومغالطة وتحريف وتبديل، فلا يُسمع من مدعيه.

10- ومنها: أنهم قالوا: ليس من عدل الله تعالى أن يطالبنا باتباع رسول لم يرسله إلينا، ولا وقفنا على كتابه بلساننا.

والجواب: أنه عليه السلام لو لم يرسل إليهم فليت شعري من كتب إلى قيصر هرقل ملك الروم ؟، وإلى المقوقس أمير القبط يدعوهم إلى الإسلام ؟!

وليـس يصـح في الأذهــان شيء = إذا احتـاج النهـار إلى دليـل

 11- ومنها: أنهم قالوا: إن قال المسلمون: لم أطلقتم لفظ الابن والزوج الأقانيم، مع أن ذلك يوهم أنكم تعتقدون تعدد الآلهة، وأن الآلهة ثلاثة أشخاص مركبة، وأنكم تعتقدون ببنوة المباضعة  ؟ قلنا للمسلمين: هذا كإطلاق المتشابه عندكم من لفظ اليد، والعين، ونحوها، فإنه يوهم التجسيم، وأنتم لا تعتقدونه. 

سبأ:14 غافر:28-29 طه:44 آل عمران: 159 العنكبوت:46**

**والجواب: أن آيات وأحاديث صفات الله ليست من المتشابه عند أهل السنة؛ بل هي معلومة المعنى، نثبتها لله كما أثبتها لنفسه دون تشبيه أو تعطيل، أو تأويل. وأما ما كان من المتشابهات التي بيَّنها العلماء والواردة في قوله تعالى: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ). فإنما يطلق المسلمون المتشابه بعد ثبوته نقلا متواترا نقطع به عن الله تعالى أنه أمر بتلاوته امتحانا لعباده ليضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وليعظم ثواب المهتدين حيث حصلت الهداية بعد التعب في وجوه النظر، ويعظم عذاب الضالين حيث قطعوا لا في موضع القطع، ولم ينقلوا ذلك عن أمره كما اتفق ذلك في الإنجيل؛ بل ما اقتصر المسلمون على الجمع القليل، بل ما اعتمدوا على العدد الذي يستحيل عليهم الكذب، فلما تحققوا أن الله أمرهم بذلك نقلوه، وأما النصارى فأطلقوا بعض ذلك من قبل أنفسهم، كالأقانيم والجوهر، وبعضها نقلوه نقلا لا تقوم به حجة في أقل الأحكام، فضلا عن أحوال الربوبية، فهم عصاة لله تعالى حيث أطلقوا عليه ما لم يثبت عندهم بالنقل، بل لو طولبوا بالرواية لإنجيلهم لعجزوا عن الرواية ، فضلا عن النقل القطعي، فلا تجد أحدا له رواية في الإنجيل يرويه واحد عن واحد إلى عيسى عليه السلام، وأقل الكتب عند المسلمين من الارتياب وغيرها يروونها عن قائلها، فتأمَّل الفرق بين الاثنين، والبون الذي بين الدينين؛ هؤلاء المسلمون ضبطوا كل شيء، والنصارى أهملوا كل شيء، ومع ذلك يعتقدون أنهم على شيء .

12- ومنها: أنهم قالوا: الله له عدل وفضل، وهو سبحانه وتعالى يتصرف بهما، فأرسل موسى عليه السلام بشريعة العدل لما فيها من التشديد، فلما استقرت في نفوسهم وقد بقي الكمال الذي لا يصنعه إلا أكمل الكملاء ، وهو الله تعالى، ولما كان جوادا تعيَّن أن يجود بأفضل الموجودات، وليس في الموجودات أجود من كلمته يعني نطقه، فجاد بها واتحدت بأفضل المحسوسات، وهو الإنسان، لتظهر قدرته، فحصل غاية الكمال، ولم يبق بعد الكمال إلا النقص؛ فتفضل بالنصرانية.

والجواب: أما شريعة موسى عليه السلام، فكانت عدلا وفضلا، وقل أن يقع في العالم عدل مجرد، وإنما وقع ذلك لأهل الجنة.

وتقرير هذا الباب: أن كل جود وإحسان فهو فضل من الله تعالى، وهو جود لا يجب عليه عري عن الخير والإحسان البتة، فهو العدل المحض؛ لأن الملك ملكه، والتصرف في الملك المملوك كيف كان عدل ليس بظلم. فإن وقع الخير المحض فهو التفضيل المحض، وهذا هو شأن أهل الجنة.

إذا تقرَّر هذا، فشريعة موسى عليه السلام كان فيها من الإحسان أنواع كثيرة، فتلك كلها فضل، كتحريم القتل والغصب والزنا والقذف والمسكر من الخمور المغيبة للعقول، وإنما أباح فيها اليسير الذي لا يصل إلى حد السكر، وكإباحة الفواكه واللحوم والزواج وغير ذلك، وهذه كلها أنواع من الفضل، ثم إن عيسى عليه السلام جاء مقررا لها وعاملا بمقتضاها، ومستعملا لأحكامها، ولم يزد شيئا من الأحكام، إنما زاد المواعظ والأمر بالتواضع والرقة والرأفة، فلم يأت عيسى عليه السلام بشريعة أخرى حتى يقال: إنها الفضل. بل مقتضى ما قاله أن تكون شريعة الفضل هي شريعتنا؛ لأنها هي الشريعة المستقلة التي ليست تابعة لغيرها، ولا مقلدة لسواها، وهذا هو اللائق لمنصب الكمال أن يكون متبوعا لا تابعا، فهذه الحجة عليه لا له.

ثم قولهم: لا يصنع الأكمل إلا هو سبحانه. فهو باطل؛ لأنه لا حجر عليه سبحانه في ملكه، فيأمر بعض خلقه بوضع الأكمل، ويرسل للناس بأوامر وشرائع هي في غاية جلب المصالح ودرء المفاسد، كما هي شريعتنا المعظمة.

ثم قولهم: الله تعالى جواد، فجاد بأعظم الموجودات وهو كلمته، فجعله متحدا بأفضل المحسوسات وهو الإنسان، باطل لوجوه:

أحدها: أن الجود بالشيء فرع إمكانه، فإن الكرم بالمستحيل محال، فينبغي أن يبين أولا تصور انتقال الكلام من ذات الله تعالى إلى مريم رضي الله عنها، ثم يقيم الدليل على وقوع هذا الممكن بعد إثبات إمكانه، وقد تقدم بيان استحالة ذلك.

وثانيها: سلمنا أنه ممكن، لكن لم قلتم: إن الكلام هو أفضل الموجودات ؟. ولم لا يكون العلم أفضل منه، لأن الكلام تابع للعلم ؟

وثالثها: أن الذات الواجبة الوجود التي الصفات قائمة بها أفضل من الصفات؛ لأن الصفات تفتقرللذات في قيامها، والذات لا تفتقر لمحل بخلاف الصفة.

ورابعها: أنها صفة من الصفات، والصفات بجملتها مع الذات أفضل من الكلام وحده، ولم يقل أحد باتحاد هذا، فالأفضل لم يحصل حينئذ، ولما كان كلام النصارى نوعا من الوسواس اتسع الخرق عليهم.


آل عمران:7**

**المبحث الثالث

نفي الألوهية عن عيسى عليه السلام

من خلال القرآن والأناجيل

إن الآيات التي تبين وحدانية الله سبحانه وتعالى من خلال القرآن هي نفسها نافية بمفاهيمها ولوازمها لألوهية المسيح عليه السلام، وبعضها بمنطوقها، وكذا ما جاء في التوراة والأناجيل حول وحدانية الله. إلا أن النصارى كثيراً ما يجادلون بالباطل ويتعسفون الأدلة ويؤولونها وفق أهوائهم، ولذا سندحض افتراء أن القرآن دال على ألوهية المسيح من خلال طريق آخر سوى ما سبق، ألا وهو آيات من القرآن ناطقة بنفي الألوهية عن عيسى نطقاً صريحاً، وكذا من خلال الأناجيل لإلزام النصارى والمنصرين من خلال مسلماتهم وما يؤمنون به إن كانوا يعقلون، وذلك كما يأتي:

أ- نفي الألوهية عن عيسى من خلال القرآن:

جاءت في القرآن آياتٌ محكمات متعددة تنفي الألوهية عن المسيح عليه السلام، منها:

1- قوله تعالى:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ… ) .

2- وقوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ). فهذا عبد الله ورسوله إلى بني إسرائيل يكذِّب النصارى في دعوى تأليههم له وينزِّه الله سبحانه وتعالى عن أن يقول قولاً لا ينبغي له أن يقوله، وهو أنه دعا النصارى إلى تأليهه.

3- وقوله:( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ).

4- وقوله:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وانظر. فالله واحدٌ أحدٌ ليس معه إله غيره، وهذا تهديد وتحذير من الله للنصارى عن القول بالتثليث وتأليه أحدٍ معه، ومن أول ذلك تأليه المسيح عليه السلام؛ لأن الخطاب للنصارى.

5- وقوله تعالى: (…وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ). فقد شابهوا من كان يقول: إن للآلهة أبناء. من وثنيي اليونان والرومان وغيرهم من الوثنيين.

6- وقوله تعالى: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ).

وقوله: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) .

يقول ابن تيمية رحمه الله في تفسير قوله تعالى: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ: (وهذا من أظهر الصفات النافية للإلهية؛ لحاجة الآكل إلى ما يدخل في جوفه ولما يخرج منه مع ذلك من الفضلات).

ب- نفي الألوهية عن عيسى عليه السلام من خلال الأناجيل:

يقوم هذا الموضوع على ما نسب لعيسى عليه السلام من أقوال يثبت فيها صفاتٍ وأسماء لله نفاها هو عن نفسه عليه السلام، فإضافة إلى كل عوارض البشرية التي طرأت على المسيح وتطرأ عليه- مما سوف يمر- والدالة على الحدوث والتغير من حالٍ إلى حالٍ، وأنه لا يختلف في شيء عن غيره من الرسل إلا ما اختصه الله به. إضافة إلى ذلك جاء في الأناجيل:

1- قوله: ( فقال ( أي: عيسى) لها ( لأم ابني زبدي ) ماذا تريدين ؟ قالت له: قل، أن يجلس ابناي هذان واحداً عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك. فأجاب يسوع وقال: لستما تعلمان ما تطلبان، أما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدِّ لهم من أبي)

قوله: (فأجاب يسوع وقال لهم: الحق أقول لكم، لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الأب يعمل). وقال: (ليس كل من يقول: يا رب. يدخل ملكوت السموات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات).

ففي النصوص السابقة نفى عيسى عليه السلام القدرة على إدخال من شاء ملكوت الله، وأبان أنه لا يدخل ملكوت الله إلا من أراد الله وحده له ذلك، وليس ذلك للمسيح؛ لأن مشيئة المسيح تحت مشيئة الله، وقدرته تحت قدرة الله كما في النص- الآنف الذكر- حيث يقول: (لا يقدر الابن (المسيح) أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الأب (الله) يعمل) فالله وحده - سبحانه - هو القادر على كل شيء قدرة تليق بجلاله وعظمته. وقد جاء في نص آخر: (لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله). وكذا القول المنسوب إلى المسيح عليه السلام نفسه (عند الناس غير مستطاع، ولكن ليس عند الله؛ لأن كل شيء مستطاع عند الله).


المائدة:17 والأية: 72. المائدة: 116 التوبة:31 المائدة: 73 وانظر :النساء:171. التوبه: 30 مريم: 34-35 المائدة: 75**

**أما قدرة المسيح فهي قدرة محدودة تناسب مقامه، وليس له إلا ما أقدره الله عليه. ومشيئة المسيح تحت مشيئة الله وبإذن الله، كما قال المسيح، فيما نسب إليه: (يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت). نسب إلى عيسى في الإنجيل قوله: (لا يقدر أحد أن يُقبل إلي إن لم يجتذبه الأب الذي أرسلني). فهنا الاجتذاب أو الهداية هداية توفيق خاصة بالله سبحانه وتعالى، وليس للمسيح أن يهدي أحداً إلا أن يشاء الله له الهداية على يد المسيح أو غيره.

2- نسب إلى عيسى قوله: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب). وفي نصٍ آخر عن الموضوع نفسه: (إلا أبي وحده)، وهذه النصوص في سياق إخباره لبني إسرائيل عن تهدم الهيكل. فعيسى هنا يخبر النصارى بأمر مستقبلي- وإن صح النقل عنه فهو بإعلام الله له- وعلى الرغم من هذا حينما سُئل عن وقت التهدم نفى علمه بوقت ذلك، وأخبر أنه لا أحد يعلم ذلك لا الملائكة ولا هو عليه السلام، وإنما الذي يعلم ذلك هو علام الغيوب وحده، وهو الله سبحانه وتعالى، وليس للمسيح من علم الغيب شيء إلا ما أطلعه الله عليه.

وجاء في نص آخر (وفي الغد لما خرجوا من بيت عينا جاع فنظر شجرة تينٍ من بعيد عليها ورق، وجاء لعله يجد فيها شيئاً، فلما جاء إليها لم يجد شيئاً إلا ورقاً؛ لأنه لم يكن وقت التين). فسبحان الله هذا النص ظاهر جلي في بشرية عيسى عليه السلام ونفي لألوهيته من وجوه منها:

أنه لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، فلو كان إلهاً- تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيراً- لما كلف نفسه مشقة الذهاب إلى الشجرة الخالية من إثمار التين.

  • ثم لو كان إلهاً لعلم أن هذا ليس وقت إثمار أشجار التين، فهل يجهل الإله أمراً كهذا ؟

  • ثم لو كان إلهاً لأمر الشجرة أن تنبت تيناً فأنبتت.

  • ثم هل الإله يجوع ؟ إن هذا نقص في إلههم المزعوم، أما الله الإله الحق فهو الغني جلَّ وعلا.

3- ينسب إلى عيسى قوله: (لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون؛ لأنني قلت: أمضي إلى الأب؛ لأن أبي أعظم مني). فعيسى يصرح أن الآب (الله) أعظم منه، فهناك فارق كبير عبر عنه بأفعل التفضيل بينه وبين ربه وخالقه سبحانه وتعالى، وإذا كان عيسى قد نطق بأن الله أعظم منه، فإن هذا وفق مفهوم المخالفة يعني أن عيسى أقل من الله، وهو ما يوضح أنه ليس هو الله، ولا ابن الله كما تزعم النصارى حيث يقولون: إنه ابن الله الذي هو: (الله في المسيح). تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً.

4- ينسب إلى عيسى قوله: (وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه (أحاكمه وأحاسبه) لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم، من رذلني فله من يدينه). إذاً يوضح عيسى أن مالك الحساب والجزاء إنما هو غيره، فعيسى لا يملك هذا، وإنما الذي يملكه هو الله سبحانه وتعالى وحده، كما يوضحه السياق بعده، وكما يوضحه قوله السابق: (أبي أعظم مني). وهذا أيضاً نفي لألوهية عيسى عليه السلام.

5- قال عيسى: (اذهبي إلى إخوتي، وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم). فيُسمِّي المؤمنين به (إخوتي) ثم يقول: (أبي وأبيكم وإلهي والهكم). فمثله مثل المؤمنين به، ربه الله، وإلهه الله - سبحانه وتعالى - وهذا اعتراف بألوهية الله، وفي الوقت نفسه نفي قوي على لسانه لألوهيته المفتراة على الله- سبحانه وتعالى- ثم عليه، ثم كيف يكون هو إله نفسه ؟

6- جاء في الإنجيل أن (الله لم يره أحد قط) وقول المسيح عن الله سبحانه وتعالى: (لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته). بينما أبصروا المسيح وسمعوا صوته، وكلمهم وكلموه، بل وأكل وشرب معهم وتفل على التراب، فعجن الطين وطلى به أعين عُمْيٍ، إلى غير ذلك مما سوف يمرُّ من دلائل بشريته، وهذا كله ينفي الألوهية عن المسيح عليه السلام.

7- كثرت النصوص الإنجيلية التي توضح أن عيسى كان يدعو الله - سبحانه وتعالى - ويسجد له، ويخضع له، ويصوم له، حتى بلغ صيامه أربعين نهاراً وأربعين ليلة. وأنه يفعل ما يرضي الله سبحانه ويحفظ أقواله. فلمن يتوجه عيسى عليه السلام بهذه العبادات ؟ أ يعبد عيسى نفسه ؟ أم هل يدعو نفسه ؟ أم هل يصوم لنفسه ؟ هل العابد هو عين المعبود ؟ إن هذا محال عقلي، مثبت لعدم ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام، وأن الإله هو غير عيسى، وهو الذي يتوجَّه له عيسى بأنواع العبادات، إنه الله سبحانه وتعالى وحده.**

**المبحث الرابع
بشرية عيسى- عليه السلام- وعبوديته
من خلال القرآن والأناجيل
ينقسم هذا الموضوع إلى الفقرتين التاليتين: *
أ- بشرية عيسى عليه السلام وعبوديته من خلال القرآن: *
أخبر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن عيسى عليه السلام عبد من عبيد الله، كما قال تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ. ). وكما قال تعالى:( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ) . يقول ابن كثير: (أول شيء تكلَّم به أن نزَّه جناب ربه تعالى وبرَّأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه). وقد جاء في آيات أخرى قوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ). وقوله تعالى:( وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ). فهو إنسان مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى كما خلق آدم من تراب، قال تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ). وكما قال تعالى على لسان مريم:( قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ). فعيسى - عليه السلام - ولد لمريم، خلقه الله ووهبه لها، كما قال تعالى:( لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً ). فهو ولد لمريم مخلوق، وليس بإله ولا ابن إله، فنسبه بشري عائد إلى أمه، فهو في القرآن الكريم: المسيح عيسى ابن مريم بنت عمران من بني إسرائيل، ومن ذرية إبراهيم، ومن ذرية نوح، وقد حملت به والدته كما أراد الرحمن - سبحانه وتعالى - من أم بلا أب، ووضعته بعد مخاض، وجاءت به قومها (تحمله فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً ) ، وكان يأكل الطعام هو وأمه كما قال تعالى: (كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ). بكل ما يعنيه ذلك من حاجة للطعام ولإخراجه والنمو والتحول من حال إلى حال، وهو كما خلق من تراب بعد أن لم يكن شيئاً، وولد بعد أن كان جنيناً، واكتهل بعد أن كان صبيًّا، فسوف يموت بعد نزوله في آخر الزمان، ثم يبعث حيًّا، كما قال تعالى على لسان عيسى:( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ). فهو إنسان يطرأ عليه ما يطرأ على أمثاله من البشر من عوارض. وهو عبد من عباد الله. خلقه الله سبحانه وتعالى من أم بلا أب آية للعالمين، ومثلاً لبني إسرائيل. كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ). وكما قال تعالى:( إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ ). كما أوصاه الله سبحانه بعبادته مادام حيًّا، كما قال تعالى على لسان عيسى:(وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً).
فمحكم القرآن يدل على أن عيسى عليه الصلاة والسلام إنسان مخلوق، خلقه الله سبحانه وتعالى كما شاء واقتضته حكمته، وهو عبد من عباد الله الذين أنعم الله عليهم، ولن يستنكفوا عن عبادته سبحانه وتعالى.
ب- بشرية عيسى- عليه السلام- وعبوديته من خلال الأناجيل: *
تدلُّ الأناجيل الحالية على بشرية عيسى- عليه السلام - وعبوديته دلالة بينة حيث جاء في بعضها فيما ينسب إلى عيسى عليه السلام قوله: (ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله). فعيسى - عليه السلام - وضع نفسه في الموضع اللائق به، وهو أنه إنسان رسول يدعوهم، ويبلغهم بما أوحاه الله إليه، وكفى بذلك دليلاً على بشريته وعبوديته، وأنه ليس بإله حيث أثبت بشريته، وأثبت لنفسه العبودية والخضوع لمن أرسله وهو الله - سبحانه وتعالى - إلهه وإله بني إسرائيل والخلق أجمعين، كما جاء فيما نسب إليه قوله: (إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم). وقوله: (إذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد). وفي الأناجيل ما يدل على عبادة عيسى- عليه السلام- وطاعته لله سبحانه وتعالى حيث صام و(خرَّ على وجهه، وكان يصلي قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت). كما أنه (خرج إلى الجبل ليصلي، وقضى الليل كله في الصلاة لله). وسبحان الله قضى الليل كله يصلي لخالقه، وإلهه، وربه، فأنَّى يكون إلها، أو يكون هو الله ؟ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً. أنَّى يكون العابد هو عين المعبود ؟ ولاسيما أنه كان (يصلي بأشد لجاجة) لله سبحانه وتعالى. بل جاء - فيما نسب إليه- في الأناجيل أنه قال: (لم يتركني الآب وحدي؛ لأني في كل حين أفعل ما يرضيه). فهو مجتهد في عبادة ربه سبحانه وتعالى، خاضع له ومطيع له في كل وقت وحين. ثم إن نظرة معاصري عيسى- عليه السلام- له لم تكن إلا على أنه إنسان، وليس بإله. من ذلك قوله (أجاب الخدام: لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان. فأجابهم الفريسيون: ألعلكم أنتم أيضاً قد ضللتم ؟. ألعل ناموسنا يدين إنساناً لم يسمع منه أولاً ؟). وفي نص آخر: (فقالوا له: كيف انفتحت عيناك (لرجل أعمى أبصر بإذن الله على يد عيسى) ؟ أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له: يسوع). كما أن نسب عيسى عليه السلام وفق الأناجيل أنه: المسيح عيسى ابن مريم، من نسل داود ومن ذرية إبراهيم - عليهم الصلاة والسلام - خلقه الله من أم بلا أب بقدرته، كما خاطب جبريل مريم - عليهما السلام - حيث قال لها: (لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله). حينما تعجبت واستفهمت من جبريل (. كيف يكون هذا (أي: الحمل بعيسى وولادته) وأنا لست أعرف رجلاً). فأمه مريم، وتزعم الأناجيل أن له إخوة وأخوات ممن ادعت أنه زوج أمه، وهو يوسف النجار، ونسيبة أمه - كما جاء في الأناجيل- هي أليصابات أم يحيى عليه السلام، وهي من بنات هارون، وبذلك يحيى وزكريا من قرابة عيسى.
كذلك من أدلة بشرية - عيسى عليه السلام - كما جاء في الأناجيل: أن أمه حملت به عدة الحمل كاملة، ثم ولدته بعد أن لم يكن شيئاً، وختن بعد أن كان أغلف، واكتهل بعد أن كان صبيًّا، وتعلم القراءة والكتابة. وكتب بإصبعه على الأرض، وجاع، وطعم، بل أكل الفصح مع حواريه، كما شرب الماء، ومشى فتعب وتصبب عرقاً حتى بلغ عرقه الأرض، ثم جلس من التعب، وامتطى الجحش، وتفل على الأرض، وصنع من التفل طيناً، وطلى بالطين عيني الأعمى، وحزن واكتأب ثم بكى، وكان يجثو على ركبتيه، ويخرُّ على وجهه إلى الأرض ساجداً لله سبحانه وتعالى، إلى غير ذلك مما جاء في الأناجيل.
كما أن من الأمور التي تجلي عبودية عيسى- عليه السلام- وبشريته سوى ما ذكر هنا ما أثبته عيسى- عليه السلام- من أسماء وصفات لله وحده، نافياً إياها عن نفسه عليه السلام، مثل: أن الله هو القادر وحده، وأنه هو الهادي وحده، وأنه هو علام الغيوب، وأنه العظيم ومالك يوم الدين، وأنه لا يُرى في الدنيا إلى آخر ما مرَّ.
لذا ولغيره ذكر أبو الوليد الباجي - ردًّا على راهب من فرنسا- أن عيسى عليه السلام (بشر مخلوق وعبد مربوب لا يعدو عن دلائل الحدوث والتغير من حال إلى حال، وأكل الطعام والموت الذي كتب على جميع الأنام. ولو جوزنا كونه - صلى الله عليه وسلم - مع هذه الصفات والأحوال المحدثات إلهاً قديماً لنفينا أن يكون العالم أو شيء مما فيه محدثاً مخلوقاً؛ لأنه ليس في شيء مما ذكرنا من البشر والعالم وما فيه من الحيوان والجماد من دلائل الحدوث غير ما في عيسى عليه السلام ). إن ما سبق مثبت لبشرية عيسى عليه السلام وعبوديته فماذا عن نبوة عيسى عليه السلام ورسالته ؟


[*] نحن كمسلمين مقيدون بما وردنا من ألأدلة الشرعية، ولسنا بحاجة لدعم أدلتنا من القرآن بأدلة أخرى، ومقصود الباحث الذي أعد البحث المقارنة فقط لا دعم نصوص القرآن بنصوص غيره، فإقتضى ألتنبيه.
النساء: 172 مريم: 3 المائدة: 117 مريم: 36 آل عمران:59 آل عمران: 47 مريم:19 مريم: 29 المائدة: 75 مريم:33 المؤمنون:50
الزخرف:59 مريم 31**

**المبحث الخامس

نبوة عيسى عليه السلام ورسالته

من خلال القرآن والأناجيل

ينقسم هذا الموضوع إلى فقرتين: [*]

أ- نبوته ورسالته عليه السلام من خلال القرآن: [*]

يوضح القرآن أن المسيح عيسى عليه السلام نبي رسول، وهو من أولي العزم من الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وهذه بعض الآيات الدالة على رسالة عيسى ونبوته:

يقول تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ . ويقول تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ). ويقول تعالى على لسان عيسى:( وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ). كما يقول تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ… ). ويقول تعالى:( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ).

فعيسى نبي رسول من رسل الله وظيفته طاعة الله، وإبلاغ رسالة ربه - سبحانه وتعالى- التي أرسله بها، وأمره بإبلاغها، وحثَّ بني إسرائيل على عبادة الله، كما قال تعالى عن عيسى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ). وكما قال تعالى عن عيسى:( إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ).

  • نبوته ورسالته عليه السلام من خلال الأناجيل: [*]

كذلك تدلُّ الأناجيل الموجودة اليوم على نبوة عيسى ورسالته، فقد جاء في الأناجيل نصوص عدة منها: 1- (أما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته) فهذا مما ينسب إليه من أقوال يشير بها إلى نفسه.

2- ومما يوضح نظرة بعض المدعويين من بني إسرائيل له وأنه نبي قوله: (ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم، وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع؛ لأنه كان عندهم مثل نبي).

3- وقوله: (ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة: من هذا ؟ فقالت الجموع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل).

4- مرَّ بنا قول عيسى عليه السلام: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته).

5- وقوله: (فنادى يسوع وهو يعلم في الهيكل قائلاً: تعرفونني وتعرفون من أين أنا، ومن نفسي لم آت، بل الذي أرسلني هو حق الذي أنتم لستم تعرفونه أنا أعرفه؛ لأني منه وهو أرسلني).

فهذا من أقواله التي يوضح فيها أنه رسول من رسل الله.

إن ما سبق من نصوص تدل على نبوة عيسى عليه السلام ورسالته من خلال الأناجيل، على أن هناك نصوصاً أخرى تضيف إلى ما سبق بيان مهمة عيسى عليه السلام ووظيفته التي أرسله الله من أجلها، ألا وهي الدعوة إلى الله وإلى عبادته وطاعته وإبلاغ ما أمره الله أن يبلغه لبني إسرائيل من دين الله الذي أنزل على يديه آنذاك، وهو النصرانية الصحيحة الموحدة التي نسخها الله بالإسلام، ولذا يسمَّى عيسى في الأناجيل معلم، وهي وظيفة الرسل حيث يعلمون الناس الخير، ويبلغونهم دين الله سبحانه وتعالى.

وإن النصوص الدالة على ذلك:

1- قول الإنجيل: (وبعدما أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز (يدعو) ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل). فها هو عيسى يدعو بني إسرائيل إلى التوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والإيمان بالإنجيل، كتاب الله الذي أنزله عليه.

2- قوله: (فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشِّر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله؛ لأني لهذا قد أرسلت. فكان يكرز في مجامع الجليل).

3- قوله: (فقال لهم: لنذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضاً؛ لأني لهذا خرجت).

4- وجاء في الإنجيل قوله: (كان يسوع يطوف كل الجليل يعلِّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت).

5- كما جاء قوله: (حينئذٍ ابتدأ يوبخ المدن التي صنعت فيها أكثر قواته (المعجزات التي أظهرها الله على يديه) لأنها لم تتب: ويلٌ لك يا كورزين، ويل لك يا بيت صيدا. وأنت يا كفرناحوم).

6- جاء قوله: (ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل).

7- قوله: (لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم، وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية، فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم). يصدق هذا ما جاء في القرآن على لسان عيسى( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ).

فعيسى عليه الصلاة والسلام- كما تدلُّ عليه الأناجيل- نبي رسول جاء لإبلاغ بني إسرائيل رسالة ربه؛ ليتوبوا من معاصيهم وآثامهم، ويتبعوا كتاب الله الذي أنزله الله عليهم آنذاك على يد عيسى وهو الإنجيل .


[*] نحن كمسلمين مقيدون بما وردنا من ألأدلة الشرعية، ولسنا بحاجة لدعم أدلتنا من القرآن بأدلة أخرى، ومقصود الباحث الذي أعد البحث المقارنة فقط لا دعم نصوص القرآن بنصوص غيره،مع أنّ ألأصل عدم تحبيذ ذلك، فإقتضى ألتنبيه.

المائدة: 75 النساء: 171 آل عمران: 49 الصف: 6 مريم: 30ة المائدة: 117 آل عمران:51 المائدة:117**

** المبحث السادس

نماذج من انحرافاتهم في القرآن والسنة

وتحذير المسلمين من ذلك

تمهيد: تظاهرت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في بيان ما وقع به النصارى من انحراف خلقي وعقدي، وما ذلك البيان إلا لحكمة عظيمة، وهي أن يبتعد المسلمون عن سلوك سبيلهم، وألا يتشبهوا بهم.

ومن تلك الانحرافات التي ذكرت في القرآن والسنة:

المطلب الأول: نماذج من انحرافات النصارى، من القرآن الكريم:

1- الحسد: قال تعالى:( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ ).

2- كتمان العلم: قال تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ).

3- معرفة الحق بالرجال:( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِما أنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ ).

4- الغلو: (قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ).

5- الرهبانية: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ).

6- جعل حق التشريع لغير الله:( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ).

7- حكم الأغلبية:( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ).

8- احتقار ما عند الخصم: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ).

9- الاختلاف بسبب البغي:( فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم ).

10- التفرق:(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ ).

11- البعد عن سبيل المؤمنين: (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ).

12- اتباع الهوى:(وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ).

13- قسوة القلوب:( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ).


البقرة:109 آل عمران:187 البقرة:91 النساء:171 الحديد:27 التوبة:31 الكهف:21 البقرة:113 الجاثية:17 آل عمران:105 النساء: 115 المائدة:49 الحديد:16**

**المطلب الثاني :نماذج من السنة تبين انحرافات النصارى،:

1- الفتنة بالنساء: قال صلى الله عليه وسلم: ((فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء))

2- كثرة السؤال، والاختلاف على الأنبياء: كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: ((ذروني ماتركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه))

3- التشدد: قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تشدِّدوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم؛ فإن قوماً شدَّدوا على أنفسهم؛ فشدَّد الله عليهم, فتلك بقاياهم في الصوامع والديار)) 4- التفرقة العنصرية: كما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، ((أن قريشاً أهمهم شأنُ المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم رسول الله ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبُّ رسول الله ؟. فكلَّمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله ؟. ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))

5- اتخاذ القبور مساجد: كما في حديث جندب بن عبدالله البجلي في صحيح مسلم: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك))

ومع ذلك البيان الجلي والنهي الشديد عن التشبه بهم، فقد وقعت طوائف كثيرة من هذه الأمة فيما وقع به أهل الكتاب والله المستعان .


رواه مسلم (2742). رواه مسلم (1337). رواه أبو داود(4904) وأبو يعلى (6/365) (3694) و((الأوسط)) (3/258) قال البوصيري في(( الإتحاف)) (4/84) إسناده صحيح. وأورده الألباني في(( الصحيحة)) برقم (3214) رواه البخاري (3475)، ومسلم (1688). رواه مسلم (532). **

**الفصل الحادي عشر

علاقة النصارى بالمسلمين

وأساليب نشر ديانتهم

المبحث الأول: علاقة النصارى باليهود وعداؤهم للإسلام:.

المبحث الثاني: عداوة النصارى للمسلمين، وموقفهم منهم:


المبحث الأول: علاقة النصارى باليهود وعداؤهم للإسلام: أرسل الله سبحانه وتعالى المسيح عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل متمماً رسالة موسى عليه السلام، ومصححاً ما حرفه اليهود فيها، إلا أن اليهود ناصبوه العداء، وكذبوه، وأَغْروا به الحكام, وحاولوا قتله.

بل ادعوا قتله وصلبه عليه السلام.

ومنذ ذلك الحين والعداوة بين اليهود والنصارى على أَشُدِّها, وقد بلغ ذلك العداء قمته قديماً عندما اعتنقت الدولة البيزنطية العقيدة النصرانية، فعملت بعد ذلك على قتل اليهود، وتشريدهم، وملاحقتهم.وبالرغم من تلك العداوة والاختلاف، وقيام بعضهم بتكفير بعض، إلا أن ذلك يزول ويختفي أثره، بل يَحُلُّ محلَّه الوئامُ إذا كان عدو الطرفين الإسلام أو المسلمين .

وهذا مصداق لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51]وليس في تاريخ العداوات عداوة تماثل شراستها وأبديتها ذلك النوع الذي تواجه به طوائفُ اليهودِ والنصارى الأمةَ الإسلاميةَ .ولم يكن الرضا عن اليهود متفقاً عليه من قبل جميع النصارى، بل إن هناك من النصارى المتعصبين من يقف ضد اليهود؛ فقد طردوا من إنجلترا عام (1290) م، ومن فرنسا عام (1390) م، ومن النمسا سنة(1420) م، ومن إسبانيا سنة (1692) م وذلك من قبل محاكم التفتيش التي أقيمت ضد المسيحيين واليهود على السواء، ثم أخرجوا من ألمانيا عام (1719) م، ومن روسيا سنة (1727) م، ثم جاء هتلر فقتل منهم من قتل .

وإزاء هذه العداوة العنيفة، وهذا الاضطهاد العظيم- خصوصاً وأنهم يزعمون أنهم شعب الله المختار- فكروا جديًّا بالتخلص من تلك العداوة التي تقف أمام كثير من مخططاتهم.

خصوصاً وأن أوربا كانت تعاني من الخواء الروحي، والطغيان الكنيسي بكافة ألوانه؛ فسلكوا في هذا الموضوع خطوات عديدة منها:

1- تظاهرُ كثيرٍ من حاخاماتهم وعلمائهم بالدخول في النصرانية.

2- إنشاء المنظمات السرية كالصهيونية، والماسونية وغيرها التي كانت ترفع شعارات الحرية والإخاء والمساواة.

3- إحداث الثورات ضد الكنيسة أو استغلالها إذا قام بها غيرهم، ومن ذلك ما قام به مارتن لوثر ضد الكنيسة الغربية الكاثوليكية في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، وكذلك الثورة الفرنسية التي قام بها نابليون عام (1789) م, والتي كانت تنادي بنفس شعارات الماسونية: الحرية والإخاء والمساواة.4- السعي للسيطرة الاقتصادية على الدول الأوربية .

وقد حصل اليهود على نتائج مهمة، واستغلوا الفرصة التي أتاحها لهم نفور الأوربيين من دينهم.

ومن تلك النتائج التي حقَّقها اليهود من وراء مخططاتهم ما يلي:

1-علمنة الحياة في أوربا، حيث أُقصي الدين المسيحي عن الحياة تماماً.

2- تمكن اليهود من تَبَوُّء مناصب ومواقع رفيعة في الحكومات الغربية لم يكونوا يحلمون بها في عصور الاضطهاد.

3- السيطرة التامة على الاقتصاد الغربي وثرواته، بل وعلى اقتصاد وثروات العالم.

4- كسر حدة العداء لليهود عند الأوربيين.5- تمكن اليهود من إحياء التحالف اليهودي النصراني مرة أخرى ضد الإسلام .

يقول الشيخ الدكتور سفر الحوالي - حفظه الله -: ومنذ أن أحكمت اليهودية العالمية أنشوصتها على العالم الغربي الذي أوقعته أسيراً في شباكها الأخطبوطية اتخذت العداوة مساراً واحداً تحفزه الروح الصليبية، وتوجهه الأفعى اليهودية؛ فقد تشابكت، وتداخلت مصالح الطرفين.وكان الغرب الصليبي مستعدًّا للتخلي عن كل حقد وعداوة إلا عداوته للإسلام في حين كانت الخطط التلمودية تروم تسخير العالم الصليبي بعد أن شلَّت قواه، وركبت رأسه للقضاء على عدوها الأكبر الإسلام .

ويقول الشيخ - حفظه الله -: وتجدر الإشارة إلى أن خطة العمل الموحد المشترك بين الصليبية واليهودية أصبحت لزاماً وواجباً على كلا الطرفين بعد الموقف الصلب الذي واجه به السلطان عبد الحميد هرتزل؛ إذ تعين بعدها أن القضاء على الخلافة الإسلامية ضروري لمصلحة الفريقين: النصارى الذين كانت لهم دولهم الاستعمارية تتحين الفرصة للأخذ بثأر الحروب الصليبية، واليهود الذين أيقنوا أن فشلهم مع السلطان يستوجب التركيز على العالم الصليبي، وتسخيره لمآربهم التلمودية.وبلغت الخطة ذروة التوحد بعد قرار المجمع الماسوني الذي ينص على تبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام، والذي كان يهدف إلى محو كل أثر عدائي مسيحي لليهود، وبالتالي إيجاد كتلة يهودية نصرانية واحدة لمجابهة الإسلام .**

**وهكذا نجد أن اليهود والنصارى متعادون متناحرون لا يجمعهم سوى مصالحهم، وأعظم مصلحة يجتمعون عليها هي عداء الإسلام والمسلمين.

وما نراه اليوم من تحالف بين أمريكا وإسرائيل, وما وعد بلفور المشؤوم إلا نموذج لذلك التحالف.

وقد تبنَّى بعض النصارى في أمريكا وأوربا فكرة وجود إسرائيل الحديثة على أنها تحقيق لنبوآت الكتاب المقدس، وعلامةٌ على قرب عودة المسيح إلى الأرض ثانية؛ حيث إنهم يعتقدون أن المسيح سينزل في آخر الزمان، وهم متفقون مع المسلمين في هذه القضية إلا أن اليهود - بخبثهم ومكرهم وبغباء النصارى- حوَّلوا هذه القضية لصالحهم؛ فاليهود يعتقدون بمجيء مُنْتَظر؛ لأنهم يعتقدون أن عيسى عليه السلام كذَّاب دجال.

أما المنتظر الذي ينتظرونه فهو - ملك السلام - كما يزعمون، وفي الحقيقة هو المسيح الدجال.

ومن هنا غرَّروا بالنصارى، وقالوا: لابد أن نعمل بما اتفقنا عليه، وهو أن المسيح سينزل, أما من هو المسيح الذي سينزل فسنتركه جانباً؛ فاليهود يعتقدون بأن النصارى سينتهون إذا جاء منتظرهم، والنصارى بعكسهم، حيث يعتقدون بأن المسيح إذا نزل سيقتل كل من لم يدخل في المسيحية.

ومن المؤتمرات التي عقدت بهذا الصدد المؤتمر المسيحي الصهيوني الدولي الذي عقد في إبريل عام (1988) م, في إسرائيل، وألقى فيه إسحاق شامير رئيس الوزراء بنفسه كلمة الافتتاح.

وفي كلمته التي اتسمت بالعاطفة والحماسة أكد شامير - وبكل وضوح - استمراره في تثبيت أركان الدولة الصهيونية، ومقاومة الفلسطينيين بكل الوسائل.وفي نهاية كلمته وقف كل المستمعين لتحيته، وذلك حينما دعاهم لأن يدعوا كل مسيحيي العالم لتعضيد دولة إسرائيل .وفي هذا المؤتمر قال أحد القساوسة المشاركين فيه، وهو (فان درهوفيه) قال: إن الكنيسة التي لا تتبع هذا الطريق - تأييد إسرائيل - سوف تنتهي مثل الدخان .

ولعلنا نجد من ثمار ذلك ما تقوم به الدول الغربية من حماية لمصالح اليهود، والحرص على هجرتهم، وتشجيعها، وتسهيل ذلك، أو محاولة تخفيف عداء المسلمين لليهود.

وبالرغم من هذا التحالف إلا أننا نجد بين الفينة والأخرى من يعارضه من النصارى، ويعده أضحوكة يهودية؛ لكي يستغلوا النصارى في تنفيذ مخططاتهم التلمودية.

ومن هؤلاء الكتاب الذين كتبوا عن هذا الموضوع قس مصري اسمه إكرام لمعي، وينتمي للكنيسة الإنجيلية، وله كتاب اسمه (الاختراق الصهيوني للمسيحية).حيث بيَّن فيه مدى الاستغلال الصهيوني اليهودي للدين المسيحي؛ لتحقيق الأطماع والأحلام .

ومن خلال ما مضى يمكن إجمال علاقة النصارى مع اليهود بما يلي:

1- أنهم أهل كتاب كما سمَّاهم الله تعالى وكتابهم الذي يجمعهم هو الكتاب المقدس إلا أن اليهود لا يؤمنون بالأناجيل في آخره.

2- أنهم متعادون فيما بينهم عداء شديداً، وأهم ما يجمعهم عداء المسلمين؛ حسداً من عند أنفسهم.

3- أنهم متفقون مع اليهود في عقيدة المسيح المنتظر الذي سينزل في آخر الزمان، وأن مكان نزوله في فلسطين.

ولكنهم يختلفون في ماهية هذا المنتظر؛ فاليهود يزعمون أنه ملك السلام الذي سيحكم الأرض، ويقتل كل من سوى اليهود.

والنصارى يعتقدون أنه المسيح عليه السلام، وأنه سيدخل جميع الناس في النصرانية ومن رفض قتله.

والحقيقة أنهم ينتظرون المسيح الدجال، والنصارى ينتظرون مسيحاً وهميًّا لا حقيقة له.

والمسلمون ينتظرون المسيح عليه السلام؛ ليحكم بشرع محمد ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً

وقد حققوا من جراء هذا التحالف الشيء الكثير، كالإطاحة بالخلافة الإسلامية، وباحتلال اليهود لفلسطين .**

**المبحث الثاني

عداوة النصارى للمسلمين

وموقفهم منهم

أ- في القديم: منذ أن ظهر دين الإسلام وأهل الكتاب يكيدون لهذا الدين ولنبيه، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر.

وقد أخبر الله -سبحانه وتعالى- عن عداوتهم للمسلمين، وأنها من سننه الكونية، قال الله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا ).

وقال: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ ).

وقال:( مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) .

وأخبر تعالى أنهم لا يقنعون بشيء حتى نتبعهم في دينهم, قال عزَّ وجلَّ: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم ).

ولقد وقف النصارى من المسلمين موقف المعادي المبغض الشانئ, وحاولوا بكل ما أوتوا من قوة على مرِّ العصور أن يردوا هذه الأمة عن دينها, وسلكوا في هذا السبيل طرائق شتى، وخططاً مختلفة ملائمة لكل زمان ومكان.

ففي الماضي قاموا بحرب المسلمين وغزوهم في بلادهم، مع أنهم كانوا ينعمون في ظل عدالة الدولة الإسلامية أكثر مما يلقونه تحت حكم النصارى أنفسهم.

وما الحروب الصليبية عنا ببعيد، تلك الحروب التي استمرت قرنين من الزمان (490هـ -690)هـ، والتي قامت بين المسلمين في المشرق العربي وبين الصليبيين القادمين من أوربا؛ لاحتلال بيت المقدس وبلاد الشام ومصر، والقضاء على الإسلام، وَوَقْفِ انتشاره في أوربا.

وهي حروب دينية شنَّتها أوربا النصرانية الحاقدة بدعوى تحرير القدس من المسلمين، والحقيقة أنها قامت لإذلال المسلمين، ورغبة في القضاء على الإسلام.

ويذكر المؤرخون أن لتلك الحرب أسباباً كثيرة، ولعل أهمها وأجلاها وأوضحها ما يلي:

1- الحقد الصليبي، والعداء للإسلام.

2- ما أثاره الرهبان والبابوات في نفوس النصارى في أوربا, ومن تلك الإثارات ما قام به القديس بطرس؛ حيث أخذ يجوب أوربا على حماره، ويحرض الأوباش والعوام على تحرير القدس, والاستعداد لنزول المسيح.

3- رغبة النصارى في التوسع.

4- رغبة البابا أوربان الثاني في توحيد الكنيستين الشرقية والغربية, ومحاولته جمع النصارى تحت هدف مشترك، وهو قتال المسلمين, وغزوهم في بلادهم، وذلك عندما دعا البابا أوربان الثاني إلى مؤتمر (كليرمونت)، وألقى فيه كلمة مشهورة ملأها بالهجوم على المسلمين، وإثارة الأحقاد في نفوس النصارى, ثم أخرج في نهاية الخطبة صليباً، وعلَّقه على صدره, ودعا الحاضرين إلى تعليقه والدفاع عنه.

هذه - بإجمال- أسباب الحروب الصليبية.

وبعد ذلك بدأت أول حملة عام (490)هـ, بقيادة (جود فري دريموند)، واستولى على كثير من بلاد الشام، ثم تتابعت الحملات، واستولوا على كثير من بلاد المسلمين، وأهمها بيت المقدس عام (492)هـ, وما كانوا ليستطيعوا فعل ذلك لولا أن المسلمين متناحرون متفككون يشتغل بعضهم ببعض.

عندئذ قام النصارى بتلك الحروب، وقتلوا المسلمين شرَّ قتلة في كثير من الأماكن، وخصوصاً في بيت المقدس؛ حيث مثَّلوا في القتلى، فلم يوقروا كبيراً، ولم يرحموا صغيراً, حتى النساء لم تسلم منهم، بل إن الزهاد والعباد الذين انقطعوا للعبادة في بيت المقدس لم يسلموا منهم, حتى إن الخيل غاصت إلى الركب من جثث القتلى؛ حيث قتل الآلاف من أهل تلك البلاد.


البقرة:217 البقرة:109 البقرة:105 البقرة:120**

**وإن ينسَ المسلمون شيئاً فلن ينسوا ما فعله النصارى في الأندلس, تقول الدكتورة سينجريد هونكه: في (2) يناير (1492) م, رفع الكاردينال (دبيدر) الصليب على الحمراء القلعة الملكية للأسرة الناصرية؛ فكان ذلك إعلاناً بانتهاء حكم المسلمين على إسبانيا, وبانتهاء هذا الحكم ضاعت تلك الحضارة العظيمة التي بسطت سلطانها على أوربا طوال القرون الوسطى.

وقد احترمت المسيحية المنتصرة اتفاقاتها مع المسلمين لفترة وجيزة، ثم باشرت عملية القضاء على المسلمين وحضاراتهم وثقافتهم.لقد حُرِّم الإسلام على المسلمين، وفرض عليهم تركه، كما حرِّم عليهم استخدام اللغة العربية والأسماء العربية، وارتداء اللباس العربي, ومن يخالف ذلك كان يحرق حيًّا بعد أن يُعذَّب أشد العذاب .

وهكذا قوِّضت أطناب الدولة الإسلامية في الأندلس، وانتهى الإسلام من تلك الربوع التي رفرفت فيها رايته ثمانية قرون، فلم يبقَ مسلم واحد في إسبانيا يظهر دينه.

وغير خافٍ ما قامت به محاكم التفتيش من التفنن في أساليب القتل والوحشية في المخالفين لها من المسيحيين، فضلاً عن المسلمين.

فمن ذلك أنهم وضعوا غرفاً فيها آلات رهيبة للتعذيب، منها: آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري, وكانوا يبدؤون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيًّا حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم.

ومن ذلك أن هناك آلة للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة يلقى بها المعَّذب، ثم يطبقون بابه وخناجره, فإذا أغلق مَزَّق جسم المعذب المسكين وقطَّعة إرباً إرباً.وهناك آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج منها اللسان .

ثم بعد ذلك كان هناك تفكير ذكي اتعظ بالهزائم العسكرية المتلاحقة التي مني بها الغرب، ونقَّب عن السر العظيم لصلابة المسلمين، وانتفاضتهم المفاجئة، ووجد السر فعلاً؛ أنه الإسلام نفسه ولا شيء سواه.ولقد فكَّر الغرب في تحطيم تلك القوة وذلك الرصيد في نفوس المسلمين، ووضع خطته الخبيثة بناء على النتيجة, خطة لا تقوم على إبادة المسلمين، ولا على احتلال أراضيهم، وإنما تقوم على إبادة الإسلام نفسه، واقتلاعه من نفوس أبنائه وضمائرهم، أو تقليص دائرته، وعزله عن واقع الحياة .

وبدؤوا بالسير حثيثاً في سبيل ذلك الأمر، وأخذوا بوصية لويس التاسع الذي أُسِر بالمنصورة في إحدى الحروب الصليبية، وعندما خرج أوصى قومه بأن يعملوا على إذابة الإسلام من نفوس أهله، وإطفاء تلك الجذوة التي ما تفتأ تعود بقوة بعد أن يُظنَّ أن المسلمين قد انتهوا تماماً، ألا وهي العقيدة.

فطالما أن جذوة العقيدة تتقد في قلوب المسلمين فإنهم لن يهزموا، وإن هزموا فسيعودون مرة أخرى.

فما الحل إذاً، وكيف تهزم هذه الأمة ؟

أخذ الغرب يبحث عن الحل فارتأى أن الحلَّ هو حرب العقيدة نفسها.

وقد سلكوا في هذا السبيل وسائل عديدة امتازت بالدقة والتنظيم، وتتلَّخص جهودهم في عدة وجوه وهي:

1- الاستشراق.

2- الاحتلال العسكري.

3- التنصير (التبشير) .**

**الفصل الثالث عشر

الانتشار ومواقع النفوذ

  • تنتشر النصرانية اليوم في معظم بقاع العالم، وقد أعانها على ذلك الاستعمار والتنصير الذي تدعمه مؤسسات ضخمة عالمية ذات إمكانات هائلة.

يتضح مما سبق:

  • لم تكن عقيدة التثليث معروفة في عصر الحواريين (العصر الرسولي) تقول دائرة المعارف الفرنسية: (وإن تلاميذ المسيح الأوّلين الذين عرفوا شخصه وسمعوا قوله كانوا أبعد الناس عن اعتقاد أنه أحد الأركان الثلاثة المكوِّنة لذات الخالق، وما كان بطرس حواريه يعتبره أكثر من رجل يوحى إليه من عند الله). وتستشهد على ذلك بأقوال قدماء المؤرخين مثل جوستن ماراستر من القرن الثاني الميلادي، حيث يصرِّح بأنه كان في زمنه في الكنيسة مؤمنون يعتقدون أن عيسى هو المسيح، ويعتبرونه إنساناً بحتاً، وأنه كان أرقى من غيره من الناس، وحدث بعد ذلك أنه كلما تنصَّر عدد من الوثنيين ظهرت عقائد جديدة لم تكن من قبل.

  • لضياع النصوص الأصلية من الأناجيل نتيجة للاضطهاد من جانب، وللاحتكاك والتأثر بالفلسفات والحضارات الشرقية والوثنية من جانب آخر، حملت الديانة النصرانية المحرفة عوامل اختلافها وتناقض نصوصها، الذي ظهر بشكل واضح من خلال المجامع المختلفة التي عقدت لوضع أصول الدين وتشريعاته بشكل لم يَرِد عن المسيح عليه السلام ولا عن حوارييه.

  • سيطرت عقائد وأفكار بولس على النصرانية؛ يقول دبليو ريد: (إن بولس قد غيَّر النصرانية لدرجة أنه أمسى مؤسسها الثاني، إنه في الواقع مؤسس المسيحية الكنسية). ويؤيده لوني دنيله، وستون استيورت، جيمبرلين في أن بولس أضفى على المسيحية بتمزيقها إطاراً غير اليهودية، ولذلك بات خالق الكنائس التي أسست باسم اليسوع. ويقول لوني نيك: (لو لم يكن بولس لعادت المسيحية فرقة من الديانة اليهودية، ولما كانت ديانة كونية).

  • كل ما ذكر عن برنابا وبطرس في رسائل بولس فإنما هي قبل الافتراق، حيث كان لتلاميذ بولس من أمثال لوقا ويوحنا دورٌ كبير في إخفاء تاريخهما بعد الخلاف بينهما، وهذا ما أيدته دائرة المعارف البريطانية من أن قوة نفوذ وأتباع بولس أخفت تاريخ كل من يعارض بولس مثل برنابا وبطرس.

  • هناك رسالتان تُنسبان لبطرس يوافق فيهما أفكار بولس، أثبتت دائرة المعارف البريطانية أنهما ليستا له، وأنهما مزوَّرتان عليه حيث تتعلَّق بتاريخ ما بعد موته، ولم تقبلهما كنيسة روما إلا في سنة(264) م، بينما اعترفت بهما الإسكندرية في القرن الثالث، وكذلك بالنسبة للرسالة المنسوبة ليعقوب، يؤكد العلماء عدم صحة نسبتها إليه أيضاً حيث أوصى يعقوب بولس بأداء الكفارة لخلافه شريعة التوراة، وألزمه بالعمل بها.

  • لم تُعرف الأناجيل الأربعة المتفق عليها عند النصارى اليوم المعرفة الكاملة قبل مجمع نيقية (335) م, حيث تمَّ اختيارها من بين عشرات الأناجيل، وأما الرسائل السبع فلم يعترف المجمع المذكور بالكثير منها، وإنما تمَّ الاعتراف بها فيما بعد.

  • إن تلاميذ المسيح عليه السلام ليسوا بكتَّاب هذه الأناجيل فهي مقطوعة الإسناد، والنصوص الأصلية المترجَم عنها مفقودة، بل ونصوص الإنجيل الواحد متناقضة مع بعضها فضلاً عن تناقضها مع غيرها من نصوص الأناجيل الأخرى، مما يبطل دعوى أنها كُتبت بإلهام من الله تعالى.

  • بعد الدراسة المتأنية لنصوص الإنجيل نجد فضلاً عن التناقضات، لا بين نصوص الإنجيل الواحد أو الأناجيل المختلفة فقط، وإنما بين نصوص الأناجيل ورسائل الرسل المزعومة، وأيضاً بينها وبين نصوص العهد القديم ما يدلِّل ويؤكد التحريف، سواء كان بقصد أو بغير قصد.

  • هناك مئات النصوص في الأناجيل الأربعة تدل على أن عيسى إنسان وليس إلهاً، وأنه ابن الإنسان، وليس ابن الله، وأنه جاء رسولاً إلى بني إسرائيل فقط، مكملاً لشريعة موسى وليس ناقضاً لها.

  • وهناك نصوص أخرى تدل على أن عيسى لم يُصلب، وإنما أنجاه الله ورفعه إلى السماء، وتدحض كذلك عقيدة الغفران، وتبين أن الغفران يُنال بالتوبة وصلاح الأعمال. وهناك نصوص إنجيلية تؤكد بشارة عيسى بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

  • بل إن هناك نصوصاً عديدة في الرسائل تثبت زيف زعم بولس بأنه يوحى إليه، وتبين كذلك تناقضه مع نفسه ومع عيسى عليه السلام.

  • رأينا كيف تدخَّلت السياسة والحكام في تقرير عقائد الكنيسة وتبديلها من خلال المجامع المختلفة، وأن الأصل في الخلاف بين الكنيستين الشرقية والغربية نشأ لا عن موقف عقدي بقدر ما هو محاولة إثبات الوجود والسيطرة.

  • لقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن في آيات عديدة إفكَ النصارى وقولهم في مريم، واعتقادهم في المسيح على اختلاف مذاهبهم، مبيِّناً انحرافهم، ومصحِّحاً عقائدهم، وداعياً إياهم إلى عدم الغلو في الدين، وأن لا يقولوا على الله إلا الحق.

  • وعموماً فإن النصارى يُعتبرون بالنسبة للمسلمين أهل كتاب مثل اليهود، وحكمهم في الإسلام سواء، فقد كذَّبوا برسول الله وآياته، وأشركوا بالله، فهم بذلك كفار لهم نار جهنم خالدين فيها. يقول تعالى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية [البينة: 6]. لكنهم مع ذلك يُعاملون بما أمر الله تعالى به من الإحسان والبر والقسط إليهم، وأكل طعامهم والتزوج من نسائهم، طالما أنهم لم يقاتلونا في الدين، ولم يخرجونا من ديارنا، فهم أهل ذمة إذا عاشوا في ديار المسلمين، ما لم ينقضوا عهدهم، فإن نكثوا عهدهم وتجرؤوا على الإسلام والمسلمين؛ بأن حاولوا الدعوة إلى باطلهم وكفرهم بين أبناء المسلمين، أو طعنوا في الدين مثلاً، فلابد من قتالهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله .**

**الفرع الرابع: الجذور الفكرية والعقائدية:

لليهود دور في نشوء هذه الطائفة؛ تعزيزاً للانشقاق داخل الكنائس المسيحية، بغية السيطرة عليها.

كتاب المورمون يشبه التلمود في كل شيء ويحاكيه، وكأنه نسخة طبق الأصل عنه.

إن إسرائيل قد جنَّدت كل إمكاناتها لخدمة هذه الطائفة، عاملة على استمرارية العون والمساندة النصرانية لها.

يعملون على ربط صهيون أو القدس الجديدة بالأرض الأمريكية المقدسة - حسب وصايا الرب - انتظاراً لعودة المسيح الذي سيعود ليملك الأرض، ويملأها جنات خالدات.

يقولون عن فلسطين في كتاب المورمون في الإصحاح العاشر الفقرة (31): (فاستيقظي وانتفضي من الثرى يا أورشليم، نعم? والبسي حللك الجميلة يا ابنة صهيون، ووسِّعي حدودك إلى الأبد؛ لكي لا تعودي مغلوبة، ولكي تتحقق عهود الأب الأزلية التي قطعها معك، يا بيت إسرائيل).

يقولون في الإصحاح الرابع عشر فقرة (6) مخاطبين المورمون: (لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دوركم قدام الخنازير؛ لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت لتمزقكم).

نلاحظ تعانق الفكر الصليبي مع الفكر الصهيوني في نظرتهم إلى فلسطين، إنهم يقولون ذلك منذ عام (1825) م, يوم كانت فلسطين ما تزال جزءًا من أرض الإسلام.

الفرع الخامس: الانتشار ومواقع النفوذ:

آمن بفكرة المورمون كثير من النصارى، وكان دعاتها من الشباب المتحمِّس، وقد بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة ملايين نسمة، ثمانون بالمائة منهم في الولايات المتحدة الأمريكية، ويتمركزون في ولاية يوتاه، حيث إن ( 68% ) من سكان هذه الولاية منهم، و(62 % ) من سكان مقاطعة البحيرات المالحة مسجَّلون كأعضاء في هذه الكنيسة، ومركزهم الرئيسي في ولاية يوتاه الأمريكية.

انتشروا في الولايات المتحدة الأمريكية، وأمريكا الجنوبية، وكندا، وأوروبا، كما أن لهم في معظم أنحاء العالم فروعاً ومكاتب ومراكز لنشر أفكارهم ومعتقداتهم.

إنهم يوزعون كتبهم مجاناً، ودعوتهم تأتي خدمة لمصلحة إسرائيل، وتأكيداً لأهدافها المرسومة. ولهم (175) إرسالية تنصيرية، كما أنهم يملكون:

شبكة تلفزيونية، وإحدى عشرة محطة إذاعية.

ويملكون مجلة شهرية بالإسبانية، وصحيفة يومية واحدة.

ويملكون مركزاً متطوراً جدًّا للمعلومات في مدينة سولت ليك في ولاية يوتاه الأمريكية.

ويتَّضح مما سبق:

أن المورمون طائفة نصرانية جديدة نسبيًّا، انشقَّت عن النصرانية، وتدعو إلى التمسك بالكتب اليهودية وكتاب المورمون وكتاب المبادئ والعهود وغيرها، ويدعون إلى الإيمان بالمسيح الذي جاء - في نظرهم - لينقذ اليهود من الاضطهاد، والإيمان بأن المبادئ والمراسم الأربعة للإنجيل هي: الإيمان بالرب يسوع المسيح كما يقولون، والتوبة والعماد بالتغطيس لغفران الخطايا ووضع الأيدي لموهبة الروح القدس. ويصل شركهم مداه عندما يقولون: إنهم يعتقدون أن الله تعالى هو على شكل إنسان له لحم وعظام، وبداخل جسده الملموس روح أزلية، كما أن البشر عندهم هم أبناء وبنات الله.

مراجع للتوسع:

هناك نشرات توزعها كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة بمدينة سولت ليك بولاية يوتاه في الولايات المتحدة الأمريكية ومنها:

a) The Church of Jesus Christ of Latter-day Saints

· ومن نشراتهم باللغة العربية ما يلي:

  • مبادئ الإنجيل.

  • دليل الشعبة.

  • دليل القائد الكهنوتي.

  • كلمة الحكمة.

  • شهادة يوسف سميث.

  • دليل العائلة.

  • ماذا عن المورمون ? طبع الولايات المتحدة.

  • مقال عن المورمون في مجلة الأمة عدد (22) شوال (1402هـ/ آب 1982) م.

  • مقال في الموسوعة البريطانية عن المورمون.

  • ولهم كذلك نشرات باللغة الإنجليزية هي:

  • Succession in the Presidency.

  • W.H.Y. Famillies?

  • A Family home evening program suggested by the Church of Jesus Christ of latter-day saints.

  • The Mormons and the Jewish people.

  • The Lord?s Day.

  • What the Mormons think of Christ.

  • A Word of Wisdom, Mark E. Perersen.

  • Baptism. How and by Whom administered?

المصدر::الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي - بتصرف**

**المبحث الثامن: انفصال الكنيسة إداريًّا:

  • جاء هذا الانفصال بعد النزاع والصراع الطويل ابتداءً من الإمبراطور ليو الثالث (726) م, الذي أصدر مرسوماً يُحرِّم فيه عبادة الأيقونات، ويقضي بإزالة التماثيل والصور الدينية والصلبان من الكنائس والأديرة والبيوت على أنها ضرب من الوثنية، متأثراً بدعوة المسلمين لإزالة هذه التماثيل التي بالكنائس في داخل الدولة الإسلامية.

  • تصدى لهذه الدعوة البابا جريجوري الثاني، ثم خَلَفه البابا جريجوري الثالث ليصدر الإمبراطور قراراً بحرمان الكراسي الأسقفية في صقلية وجنوب إيطاليا من سلطة البابا الدينية والقضائية، وجعلها تحت سلطان بطريرك القسطنطينية. واستمر الوضع على ذلك إلى أن جاء الإمبراطور قسطنطين الخامس

(741 ? 775) م، وازدادت الثورات اشتعالاً ضد دعاة اللاأيقونية، فعقد مجمعاً في القسطنطينية؛ لتبرير سياسة تحريم الصور والأيقونات. وقد رفضت البابوية حضوره، ولم يحضره سوى ثلاثمائة وأربعين أسقفًّا تحت رئاسة بطريرك القسطنطينية، ليقضي بتحريم تصوير المسيح في أي شكل، وكذلك تحريم عبادة صور القديسين، وتحريم طلب الشفاعة من مريم؛ لأن كل هذا من ضروب الوثنية.

  • ولكن هذه القرارات لم تدم طويلاً حيث أمرت الإمبراطورة الأيقونية إيرين التي خلفت زوجها الإمبراطور ليو الخزري بعقد مجمع نيقية عام (787) م, بعد تعيينها للبطريرك خرسيوس المتحمس للأيقونية بطريركاً على القسطنطينية، وانتهى المجمع على تقديس صور المسيح ووالدته والقديسين، ووضع الصور في الكنائس والأديرة والبيوت والطرقات بزعم أن النظر إليهم يدعو للتفكير فيها.

  • في عام (869) م, أثار بطريرك القسطنطينية فوسيوس مسألة انبثاق الروح القدس من الأب وحده، فعارضه ? كالعادة ? بطريرك روما وقال: إن انبثاق الروح القدس من الأب والابن معاً، وعقد لذلك مجمع القسطنطينية الرابع (869) م, (مجمع الغرب اللاتيني) الذي تقرَّر فيه أن الروح القدس منبثقة من الأب والابن معاً، وأن جميع النصارى في العالم خاضعون لمراسيم بابا روما، وأن من يريد معرفة ما يتعلق بالنصرانية وعقائدها عليه برفع دعواه إلى بابا روما. ولذلك تم لعن وعزل فوسيوس وحرمانه وأتباعه، إلا أن فوسيوس استطاع أن يعود إلى مركزه مرة أخرى. وفي عام (879) م, عقد المجمع الشرقي اليوناني (القسطنطينية الخامس) ليلغي قرارات المجمع السابق، ويعلن أن الروح القدس منبثقة من الأب وحده، ويدعو إلى عدم الاعتراف إلا بالمجامع السبعة التي آخرها مجمع نيقية (787) م.

  • وهكذا تمَّ الانفصال المذهبي للكنيسة الشرقية تحت مسمى الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية، أو كنيسة الروم الأرثوذكس برئاسة بطريرك القسطنطينية، ومذهباً بأن الروح القدس منبثقة من الأب وحده، على أن الكنيسة الغربية أيضاً تميَّزت باسم الكنيسة البطرسية الكاثوليكية، وبزعم أن لبابا روما سيادة على كنائس الإمبراطورية، وأنها أم الكنائس ومعلمتهن، وتميزت بالقول بأن الروح القدس منبثقة عن الأب والابن معاً. ولم يتمَّ الانفصال النهائي ? الإداري ? إلا في عام (1054) م، وبذلك انتهى عهد المجامع المسكونية، وحلَّت محلَّها المؤتمرات الإقليمية أو سلطات البابا المعصوم، لتستكمل مسيرة الانحراف والتغيير في رسالة عيسى عليه السلام.

ومن أبرز سمات هذه المرحلة الأخيرة - القرون الوسطى - الفساد، ومحاربة العلم والعلماء، والتنكيل بهم، والاضطهاد لهم، وتقرير أن البابا معصوم له حق الغفران، مما دفع إلى قيام العديد من الحركات الداعية لإصلاح فساد الكنيسة، وفي وسط هذا الجو الثائر ضد رجال الكنيسة انعقد مؤتمر ترنت عام ( 1542- 1563) م, لبحث مبادئ مارتن لوثر التي تؤيدها الحكومة والشعب الألماني، وانتهى إلى عدم قبول آراء الثائرين أصحاب دعوة الإصلاح الديني. ومن هنا انشقَّت كنيسة جديدة هي كنيسة البروتستانت، ليستقر قارب النصرانية بين أمواج المجامع التي عصفت بتاريخها على ثلاث كنائس رئيسية لها النفوذ في العالم إلى اليوم، ولكل منها نحلة وعقيدة مستقلة، وهي: الأرثوذكس، الكاثوليك، البروتستانت، بالإضافة إلى الكنائس المحدودة مثل: المارونية، والنسطورية، واليعقوبية، وطائفة الموحدين، وغيرهم .**

**الفرع الأول: إسناد الأناجيل الأربعة وتاريخها إجمالاً قبل الحديث عن تاريخ الأناجيل الأربعة لدى النصارى لا بد من بيان أن الكتب الدينية لها مكانة عظيمة لدى أتباعها، ولها دور خطير في الحياة؛ إذ يعتمد عليها في توضيح الطريق إلى سعادة الدنيا وفوز الآخرة. فلهذا يجب أن تكون الكتب ثابتة الإسناد إلى أصحابها الذين هم رسل الله، والمبلغون عن الله عزَّ وجلَّ، فإذا لم تكن كذلك فإنها تفقد قيمتها؛ إذ تكون عرضة للتحريف والتبديل من قبل أصحاب الأهواء والمقاصد الخبيثة، أو من قبل العوارض البشرية كالنسيان، وقلة العلم، والوهم ونحو ذلك.

فصحة الإسناد بعدالة رواة الأخبار وضبطهم، وعدم انقطاعه، هو السبيل الذي يمكن به وصول هذه الكتب إلى الناس سليمة صحيحة كاملة، فيتعرَّف الناس على الحق من خلالها.

وإذا نظرنا في كتب الحديث عند أهل الإسلام- والتي تتضمن أقوال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وجميع ما يتعلق به- عرفنا الجهد العظيم الذي بذله أولئك الأئمة في المحافظة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سليماً صحيحاً، حيث يستطيع المسلم في القرن الخامس عشر الهجري أن يعرف صحة الحديث من عدمه.

وإذا بحثنا في التاريخ لدى النصارى عن إسناد لهذه الأناجيل إلى من تنسب إليه لا نجد من ذلك شيئاً البتة لا قليلاً ولا كثيراً. ورسائل بولس، وكذلك الرسائل الأخرى، وأعمال الرسل ليس في شيء منها إشارة إلى واحد من هذه الكتب الأربعة، الأمر الذي يترتب عليه أن هذه الكتب لم تكن معروفة في ذلك الزمن، ولم يطَّلع عليها أحد منهم، وفي هذا دلالة قوية على أن نشأة هذه الكتب وظهورها كان متأخراً عن هذه الرسائل، بخلاف إنجيل الله أو إنجيل المسيح فقد ورد ذكره في كلام بولس مراراً عديدة، كما ورد ذكره في إنجيل مرقص، وأعمال الرسل مما يدل على وجوده وأنه معروف معلوم.

وقد حاول النصارى أن يجدوا لهذه الكتب إسناداً أو إخباراً عنها في كلام متقدميهم يتفق مع الزمن الذي يزعمون أنها كتبت فيه، وهو الربع الأخير من القرن الأول الميلادي على أكثر تقدير. إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع، مما اضطرهم إلى الاعتراف بأن هذه الكتب لم تعرف إلا بعد موت من تنسب إليه بعشرات السنين، فتكون نسبتها إلى أولئك الناس نسبة لا تقوم على أدنى دليل، وإليك بعض كلام النصارى في هذا الأمر:

يقول القس (فهيم عزيز) الأستاذ بكلية اللاهوت الإنجيلية: (لكن قانونية أسفار العهد الجديد لم تتم في وقت واحد ولم يكفها جيل أو جيلان، بل استمرت مدة طويلة، ولم تقف الكنائس المختلفة موقفاً موحداً من الأسفار المختلفة، بل اختلفت آراؤها من جهة بعض الأسفار، واستمرت في ذلك حقبة طويلة، فلهذا يلزم تتبع هذا التاريخ الطويل لقانونية أسفار العهد الجديد.

الكنيسة الأولى: يوم الخمسين ( 100) م:

من المعلوم جيداً أنه لم تكن في تلـك الفـترة كتب مقدسـة تسمـى العهـد الجديد، ولكن الكنيسة لم تمكث بدون مصادر إلهية تستند عليها في كل شيء من وعظ وتعاليم وسلوك ومعاملات، وقد كان لها في هذا المجال ثلاثة مصادر).

ثم ذكر أن المصادر الثلاثة هي: العهد القديم، المسيح، الرسل، ثم قال:

( ثانياً: ( 100-170) م, ظهور الكتب القانونية في العهد الجديد:

كانت أول مجموعة عرفتها الكنيسة من العهد الجديد هي مجموعة رسائل بولس. فهي أول ما جمع من كل كتب العهد الجديد، ولقد كتب بولس رسائله إلى كنائس وأفراد لظروف خاصة ومواقف محددة..).

ثم قال: (أما المجموعة الثانية: فهي مجموعة الأناجيل الأربعة، وقد ظهرت هذه المجموعة متأخرة بعض الوقت عن مجموعة كتابات بولس. ومع أن تاريخ اعتبارها كتباً قانونية مقدسة متساوية في ذلك مع كتب العهد القديم لا يزال مجهولاً، لكن الاقتباسات العديدة التي وجدت في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين وشهاداتهم تلقي بعض الضوء على هذه الحقيقية الجوهرية في العصر المسيحي، ويلاحظ الدارس الأمور الآتية:

أن بولس لم يشر في كتاباته إلى أي من الأناجيل المكتوبة، ولا إلى أي كتاب عن حياة المسيح أو أقواله..). ثم ذكر المصنف سبع نقاط أخرى أورد في بعضها اقتباسات لمتقدمين من النصارى تتوافق في بعضها مع ما ورد في بعض الأناجيل بدون النص على اسم الإنجيل. وأهم ما ذكره من الملاحظات هي قوله في الملاحظتين السابعة والثامنة:**