ألْنَصْرانِيَّة

**وقد وصف المسيحُ النبي القادم بمثلية موسى، صارفاً إياه عن نفسه فقال: ( لا تظنوا أني أشكوكم إلى الأب، يوجد الذي يشكوكم، وهو موسى الذي عليه رجاؤكم؛ لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني؛ لأنه هو كتب عني، فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي) (يوحنا 5/45-47)، فسماه موسى المرجو أو المنتظر؛ لمشابهته له.

وعن هذا الذي يشكو بني إسرائيل يقول المسيح: ( أجاب يسوع: أنا ليس بي شيطان، لكني أكرم أبي وأنتم تهينونني، أنا لست أطلب مجدي، يوجد من يطلب ويدين) (يوحنا 8/49-50).

4- من صفات هذا النبي أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، والوحي الذي يأتيه وحي شفاهي، يغاير ما جاء الأنبياء قبله من صحف مكتوبة ( وأجعل كلامي في فمه )، وقد كان المسيح عليه السلام قارئاً (انظر لوقا 4/16-18).

5- أنه يتمكن من بلاغ كامل دينه، فهو ( يكلمهم بكل ما أوصيه به ). وهو وصف منطبق على محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان من أواخر ما نزل من القرآن عليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا .

وقد وصفه المسيح في نبوءة البارقليط، التي يأتي شرحها، فقال: ( وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم) (يوحنا 14/26).

ولا يمكن أن يكون المسيح عليه السلام هو ذلك النبي الذي يبلغ كل ما يوصيه به ربه، فقد رفع المسيح عليه السلام، ولديه الكثير مما يود أن يبلغه إلى تلاميذه، لكنه لم يتمكن من بلاغه، لكنه بشَّرهم بالقادم الذي سيخبرهم بكل الحق؛ لأنه النبي الذي تكمل رسالته، ولا يحول دون بلاغها قتله أو إيذاء قومه، يقول عليه السلام: ( إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به) (يوحنا 16/12-13).

6- أن الذي لا يسمع لكلام هذا النبي فإن الله يعاقبه، (ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه )، وقد فسرها بطرس، فقال: ( ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب )، فهو نبي واجب السمع والطاعة على كل أحد. ومن لم يسمع له تعرض لعقوبة الله، وهو ما حاق بجميع أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنتقم الله من كل من كذَّبه من مشركي العرب والعجم، وقد قال المسيح عنه في نبوءة الكرامين - ويأتي شرحها-: (ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه ) (متى 21/44)، فهو الحجر الصلب الذي يفني أعداءه العصاة، والذي بشر بمقدمه النبي دانيال (وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً، ومَلِكها لا يُترك لشعب آخر، وتسحق وتفني كل هذه الممالك، وهي تثبت إلى الأبد، لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين، فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب) (دانيال 2/21 - 45).

وأما المسيح عليه السلام فلم يكن له هذه القوة وتلك المنعة، ولم يتوعد حتى قاتليه، فكيف بأولئك الذين لم يسمعوا كلامه، فقد قال لوقا في سياق قصة الصلب: ( فقال يسوع: يا أبتاه اغفر لهم؛ لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون) (لوقا 23/34)، فأين هو من خبر ذاك ( الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه).

7- من صفات هذا النبي أنه لا يقتل، بل يعصم الله دمه عن أن يتسلط عليه السفهاء بالقتل، فالنبي الكذاب عاقبته (يموت ذلك النبي)، أي: يقتل، فالقتل نوع منه، ولأن كل أحد يموت، وهنا يزعم النصارى بأن المسيح قتل، فلا يمكن أن يكون هو النبي الموعود.

وبالرجوع إلى التراجم القديمة للنص نرى أن ثمة تحريفاً وقع في الترجمة، فقد جاء في طبعة (1844) م ( فليقتل ذلك النبي )، ولا يخفى سبب هذا التحريف.

8- يتحدث عن الغيوب ويصدق الواقع كلامه، وهذا النوع من المعجزات يكثر في القرآن والسنة- مما يطول المقام بذكره - ويكفي هنا أن أورد نبوءة واحدة مما تنبأ به صلى الله عليه وسلم، فكان كما أخبر.

ففي عام (617) م كادت دولة الفرس أن تزيل الإمبرطورية الرومانية من خارطة الدنيا، فقد وصلت جيوش كسرى أبرويز الثاني إلى وادي النيل، ودانت له أجزاء عظيمة من مملكة الرومان، ففي سنوات معدودة تمكن جيش الفرس من السيطرة على بلاد الشام وبعض مصر، واحتلت جيوشهم أنطاكيا شمالاً، مما يؤذن بنهاية وشيكة للإمبرطورية الرومانية، وأراد هرقل أن يهرب من القسطنطينية، لولا أن كبير أساقفة الروم أقنعه بالصمود وطلب الصلح الذليل من الفرس.


المائدة: 3**

**الفرع الأول: موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثله:وينـزل موسى عليه السلام عن جبل الطور بعد ما كلمه ربه، فيقول مخاطباً بني إسرائيل: (قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى، فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي.

وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب ؟ فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصِر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه ) (التثنية 18 / 17 - 22).

والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى عليه السلام، ويذكر صفات هذا النبي، والتي نستطيع من خلالها معرفة من يكون.

ويزعم النصارى أن هذا النبي قد جاء، وهو عيسى عليه السلام، فقد قال بطرس في سياق حديثه عن المسيح ( فإن موسى قال للآباء: إن نبيًّا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به، ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب، وجميع الأنبياء أيضاً من صموئيل فما بعده، جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبؤوا بهذه الأيام ) (أعمال 3/22- 26)، فبطرس يرى نبوءة موسى متحققة في شخص المسيح.

لكن النص دال على نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لا دليل عند النصارى على تخصيصه بالمسيح، بينما يظهر في النص عند تحليله أدلة كُثر تشهد بأن المقصود به هو نبينا صلى الله عليه وسلم؛ إذ يذكر النص التوراتي أوصاف هذا المبعوث المبشر به:

1- أنه نبي ( أقيم لهم نبيًّا )، والنصارى يدَّعون للمسيح الإلهية، بل يدَّعي الأرثوذكس أنه الله نفسه، فكيف يقول لهم: أقيم نبيًّا، ولا يقول: أقيم نفسي، أو أقيم إلهاً.

2- أنه من غير بني إسرائيل، بل هو من بين إخوتهم أي: أبناء عمومتهم (من وسط إخوتهم)، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بن إسحاق، وبنو إسماعيل بن إبراهيم.

ومن المعهود في التوراة إطلاق لفظ ( الأخ ) على ابن العم، ومن ذلك قول موسى لبني إسرائيل: ( أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو ) (التثنية 2/4)، وبنو عيسو بن إسحاق - كما سلف- هم أبناء عمومة لبني إسرائيل، وجاء نحوه في وصف أدوم، وهو من ذرية عيسو (وأرسل موسى رسلاً من قادش إلى ملك أدوم، هكذا يقول أخوك إسرائيل: قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا) (العدد20/14)، وفي موضع آخر (لا تكره أدوميا لأنه أخوك) (التثنية 23/7). فسماه أخاً، وأراد أنه من أبناء عمومة إسرائيل.

ومثله سمى (سفر الأيام) الملك صدقيا أخاً للملك يهوياكين، فقال: (أرسل الملك نبوخذ ناصر فأتى به )أي: الملك يهوياكين( إلى بابل مع آنية بيت الرب الثمينة، وملك صدقيا أخاه على يهوذا وأورشليم) (الأيام (2) 36/10)، وهو في الحقيقة عمه، كما نص عليه سفر الملوك، فقال: (ملّك ملك بابل متّنيا عمه عوضاً عنه، وغيّر اسمه إلى صدقيا) (الملوك (2) 24/ 17-18)، فاستخدم لفظ الأخ، ومراده العم، مما يؤكد صحة هذا الاستخدام في قوله: (إخوتهم)، ومراده أبناء عمومتهم.

وعليه فهذا النبي يحتمل أن يكون من العرب تحقيقاً للبركة الموعودة في نسل إسماعيل، وقد يكون من بني عيسو بكر إسحاق. لكن أحداً من بني عيسو لم يدع أنه النبي المنتظر.

3- هذا النبي من خصائصه أنه مثل موسى الذي لم يقم في بني إسرائيل نبيٌّ مثله (ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه) (التثنية: 34/10)، وقد جاء في النسخة السامرية من التوراة ما تعريبه: (ولا يقوم أيضاً نبي في بني إسرائيل كموسى الذي ناجاه الله) (التثنية 34/10).

وهذه الخصلة، أي: المثلية لموسى متحققة في نبينا صلى الله عليه وسلم، ممتنعة في أخيهما المسيح عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، حيث نرى الكثير من أمثلة التشابه بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، والتي لا نجدها في المسيح، من ذلك ميلادهما الطبيعي، وزواجهما، وكونهما صاحبا شريعة، وكل منهما بعث بالسيف على عدوه، وكلاهما قاد أمته، وملك عليها، وكلاهما بشر، بينما تزعم النصارى بأن المسيح إله، وهذا ينقض كل مثل لو كان.**

**فقال: انظروا لا تضلوا، فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين: إني أنا هو. والزمان قد قرب، فلا تذهبوا وراءهم، فإذا سمعتم بحروب وقلاقل فلا تجزعوا؛ لأنه لا بد أن يكون هذا أولاً، ولكن لا يكون المنتهى سريعاً.

ثم قال لهم: تقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة، وتكون زلازل عظيمة في أماكن ومجاعات وأوبئة، وتكون مخاوف وعلامات عظيمة من السماء.

وقال لهم مثلاً: انظروا إلى شجرة التين وكل الأشجار، متى أفرخت تنظرون وتعلمون من أنفسكم أن الصيف قد قرب، هكذا أنتم أيضاً، متى رأيتم هذه الأشياء صائرة، فاعلموا أن ملكوت الله قريب.

الحق أقول لكم: إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون الكل، السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول، فاحترزوا لأنفسكم؛ لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة، فيصادفكم ذلك اليوم بغتة؛ لأنه كالفخ يأتي على جميع الجالسين على وجه كل الأرض، اسهروا إذاً وتضرَّعوا في كل حين، لكي تحسبوا أهلاً للنجاة من جميع هذا المزمع أن يكون، وتقفوا قدام ابن الإنسان) (لوقا 21/6-36).

وفي قوله:( وتقفوا قدام ابن الإنسان) ما يربط الملكوت بشخص ابن الإنسان القادم، فهو لا يتحدث عن انتشار المسيحية، بل يتحدث عن ظهور النبي الخاتم ابن الإنسان ويدعوهم للاستعداد للقائه.

فالملكوت هو أمة تعمل وفق إرادة ورضاء صاحب الملكوت جلَّ جلاله.

يقول (وليم باركلي) في تفسيره لسفر الأعمال: (الملكوت هو مجتمع على الأرض، تُنفَّذُ فيه إرادة الله تماماً كما في السماء).

وفي أحد تشبيهات المسيح للملكوت أبان لتلاميذه عن سبب انتقاله عن بني إسرائيل فقال: (اسمعوا مثلاً آخر، كان إنسان رب بيت، غرس كرماً، وأحاطه بسياج، وحفر فيه معصرة وبنى برجاً، وسلمه إلى كرامين وسافر.

ولما قرب وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين؛ ليأخذ أثماره، فأخذ الكرامون عبيده، وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً، ثم أرسل إليهم أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين، ففعلوا بهم كذلك.

فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلاً: يهابون ابني، وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم: هذا هو الوارث، هلموا نقتله ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم، وقتلوه.

فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين ؟ قالوا له: أولئك الأردياء يهلكهم هلاكاً رديًّا، ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطون الأثمار في أوقاتها.

قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره، ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه.

ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم ) (متى 21/33 - 45)، (وانظر لوقا 20/9 - 19)، فمن تراه تكون الأمة العظيمة التي إذا غزت أمة سحقتها، وإذا أرادتها أمة نكصت على عقبيها ؟ لا ريب أنها الأمة التي هزمت أعظم دولتين في عصرها: الروم والفرس، وانساحت في الأرض، وملكت خلال قرن واحد ما بين الصين وفرنسا، إنها أمة الإسلام.

ونبوءة متَّى السالفة تحيل على نبوءة في كتب الأنبياء، وهي ما جاء في مزامير داود عن الآتي باسم الرب (أحمدك؛ لأنك استجبت لي، وصرت لي خلاصاً، الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح فيه، آه يا رب خلّص، آه يا رب أنقذ، مبارك الآتي باسم الرب) (المزمور 118/21-25). وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً، فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبِنة، فيتم بنيانك ؟، فقال صلى الله عليه وسلم: فكنت أنا اللبِنة)) . إنه الحجر الذي تمت به النبوات.

وقبل أن ننتقل إلى شرح النبوءة يحسن بنا أن ننوه إلى الخطأ الذي وقع فيه بطرس حين زعم أن المسيح هو الحجر الذي رفضه البناؤون، فقال: (يسوع الناصري الذي صلبتموه أنتم … هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون، الذي صار رأس الزاوية، وليس بأحد غيره الخلاص؛ لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص) (أعمال 4/10-12)، مع أن الحجر الذي أخبر عنه داود ثم المسيح نبوة غالبة، وأمة ظافرة، وهذه النبوة ليست في بني إسرائيل، كما شهد المسيح عليه السلام.

ولبطرس عذر في خطئه، فهو إنسان عامي عديم العلم، كما شهد له أولئك الذين استمعوا لحديثه وتعجَّبوا من المعجزات التي صنعها، فقد قال في ذات السياق: ( فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان، تعجبوا ) ( أعمال 4/13 ).

وهذا المثل العجيب من المسيح (مثل الكرامين) يحكي تنكر اليهود لنعم الله واصطفائه لهم، بقتلهم أنبياءه وهجر شريعته، ويحكي انتقال الملكوت إلى أمة تقوم بأمر الله تعالى، وتقوى على أعدائها وتسحقهم.**

**المطلب الرابع: البشارة بالملكوت:

ومن الألقاب التي أعطيت للدين الجديد وأتباعه في (الكتاب المقدس) ( الملكوت ) أو (ملكوت السماوات)، الذي أنبأ المسيح عن انتقاله عن أمة اليهود إلى أمة أخرى، فقال: ( إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره ) (متى 21/43).

هذا الملكوت تقاطرت الأنبياء على البشارة به ( كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله، وكل واحد يغتصب نفسه إليه ) (لوقا 16/16-17).

والملكوت قد بشر باقتراب عصره النبي يوحنا المعمدان، يقول متى: ( جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قائلاً: توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ) (متى 3/1 - 2).وتحدث المعمدان عن الملكوت القادم فقال لليهود متوعداً: ( يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي … والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ. حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليتعمد منه…)(متى 3/1 - 13) .

ولنتوقف سريعاً مع الصفات التي ذكرها يوحنا المعمدان لصاحب الملكوت.

فأولها: أنه يأتي بعده، فلا يمكن أن يكون هذا الآتي بعده هو المسيح الذي أتى في أيام يوحنا المعمدان.

وثانيها: أنه قوي، وقوته تفوق قوة يوحنا المعمدان، ومثل هذا الوصف لا ينطبق على المسيح الذي يزعم النصارى مصرعه على الصليب قريباً مما جرى ليوحنا المعمدان، وأنَّى هذا من غلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر أعدائه ؟ ثم بلغ من القوة أنه طهَّر الأرض من رجس الوثنية بالروح والنار أي: بدعوته العظيمة وقوته القاهرة، وكل ما تقدَّم لا ينطبق على أحد سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد وفاة يوحنا المعمدان جدَّد يسوع البشارة باقتراب الملكوت، ( ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ) (متى 4/17)، ( وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت ) (متى 4/23)، ( كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله، ومعه الاثنا عشر) (لوقا 8/1).

وقد اعتبر المسيح عليه السلام البشارة بالملكوت مهمته الأولى، بل الوحيدة، فقال: ( فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله؛ لأني لهذا قد أرسلت) (لوقا 4/34).

وأمر تلاميذه بأن يبشروا باقتراب الملكوت فقال: ( اكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات ) (متى 10/7).

ثم علم المسيح تلاميذه أن يقولوا في صلاتهم تلك العبارة التي ما يزال النصارى يرددونها إلى اليوم ( أبانا الذي في السماوات.. ليأت ملكوتك ) (لوقا 10/2).

ومن خلال هذا كله نستطيع أن نقول بأن رسالة عيسى كانت بشارة بالملكوت الذي بشَّر به يوحنا المعمدان، ووصفا بعض ما يكتنفه، وهذا الملكوت هو بعد المسيح في أمة تعمل أثماره، ولا تضيعه كما أضاعه اليهود.

فما هو هذا الملكوت ؟

يجيب النصارى بأن الملكوت (شيوع الملة المسيحية في جميع العالم وإحاطتها كل الدنيا بعد نزول المسيح)، وفسَّره آخرون بأنه انتصار الكنيسة على الملحدين، وفسَّره آخرون بأنه البشارة بالخلاص بدم المسيح، يقول القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره لإنجيل متى: (فإن الملكوت الذي أعلنه السيد المسيح هو )بشارة الملكوت( أو )إنجيل الملكوت(… تعبر عن أخبار الخلاص المفرحة التي قدَّمها لنا الله في ابنه يسوع).

ويعجب المسلمون لانصراف النصارى عن معنى الملكوت، وتعلقهم بما لا طائل وراءه، فلقد انتصرت الكنيسة، وحكمت أوربا قروناً عدة، ولم نر ما يستحق أن يكون أمراً يبشر به المعمدان والمسيح والتلاميذ.

وكذلك فإن أخبار الخلاص المزعوم لا يمكن أن تكون هي البشارة التي كان المسيح يطوف مبشِّراً بها في المدن والقرى، فأقرب تلاميذه لم يفهموا هذا المعنى، ومنهم التلميذان المنطلقان لعمواس بعد حادثة الصلب، فقد كانا يبكيان لفوات الخلاص بموت المسيح ( فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين … كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك) ( لوقا 24/17-21). لقد جهل التلميذان موضوع الخلاص بموت المسيح، فهما يبحثان عن خلاص آخر، وهو الخلاص الدنيوي الذي ينتظره بنو إسرائيل.

وأيضاً جهلت الجموع المؤمنة التي شهدت الصلب أن الصلب هو البشارة المفرحة التي كان يبشر بها المسيح فرجعوا وهم يبكون وينوحون ( وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان، رجعوا وهم يقرعون صدورهم )( لوقا 23/48- 49).

ولا يمكن أن يكون الملكوت الموعود هو الخلاص بدم المسيح؛ لأن النصوص ذكرت أموراً تحدث قبل مجيء الملكوت، فهي علامات تتحقق قبل حلول الملكوت، ومن بينها قيام أمة جديدة ومملكة جديدة، وهو ما لم يتحقق قبل انتشار المسيحية في العالم، ولا حين صلب المسيح ، يقول متى: (فسألوه قائلين: يا معلّم متى يكون هذا ؟ وما هي العلامة عندما يصير هذا ؟ )**

**المطلب الخامس: النبي دانيال يتنبأ بزمان الملكوت:

وقد نقل الكتاب المقدس بعض نبوءات الأنبياء عن زمن ظهور هذا الملكوت، ومن ذلك أن بختنصر رأى رؤيا أفزعته ولم يعرف العرافون ولا المنجمون تعبيرها، ففسَّرها له النبي دانيال فقال: (أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم، هذا التمثال العظيم البهي جدًّا وقف قبالتك، ومنظره هائل، رأس هذا التمثال من ذهب جيد، وصدره وذراعاه من فضة، بطنه وفخذاه من نحاس، ساقاه من حديد، قدماه بعضها من حديد، والبعض من خزف.

كنت تنظر إليه إلى أن قطع حجرا بغير يدين، فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما، فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً، وصارت كعصافة البيدر في الصيف، فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان.

أنت أيها الملك ملك ملوك؛ لأن إله السماوات أعطاك مملكة واقتداراً وسلطاناً وفخراً، وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السماء… فأنت هذا الرأس من ذهب.

وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك، ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلط على كل الأرض، وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد؛ لأن الحديد يسحق كل شيء، وكالحديد الذي يكسر تسحق وتكسر كل هؤلاء، وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد، فبعض المملكة يكون قويًّا والبعض قصماً، وبما رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين، فإنهم يختلطون بنسل الناس…

وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً، ومَلِكها لا يُترك لشعب آخر، وتسحق وتفنى كل هذه الممالك، وهي تثبت إلى الأبد؛ لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين، فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب. الله العظيم قد عرف الملك ما سيأتي بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين ) (دانيال 2/21 - 45).

يقول (هودجكن) في كتابه (المسيح في كل الكتب): (وأما الحجر الذي قطع بغير يدين ويسحق التمثال العظيم فكناية عن مملكة (المسيا): أي: المسيح المنتظر).وفي التفسير التطبيقي: (وأما الحجر المقطوع من الجبل فيشير إلى ملكوت الله الذي يحكمه المسِيَّا ملك الملوك إلى الأبد ).

فالرؤيا كما يظهر هي عن الممالك التي ستقوم بين يدي بني الملكوت، فأولها مملكة بابل التي يرأسها بختنصر، والتي يرمز لها في الحلم بالرأس الذهبي.

ثم مملكة فارس التي قامت أقامها خسرو، وتسلط ملكها قورش على بابل سنة (593 ق. م)، ورمز لها في المنام بالصدر والذراعين من فضة.

ثم تلتها مملكة مقدونية والتي قضت على مملكة الفرس، وأسَّسها الإسكندر المقدوني (336 ) ق. م، ويرمز لها في المنام بالبطن والفخذين من النحاس.ثم تلتها إمبراطورية الرومان، والتي أسَّسها الإمبرطور بوفبيوس (63 ) ق. م، ورمز لها في المنام بساقين من حديد وقدمين: إحداهما من خزف، وأخرى من حديد، ولعله أراد دولتي فارس والروم أو انقسام الإمبراطورية الرومانية

(وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً )، فقد جاء الحجر الذي رذله البناؤون وقد قطع بغير يدين، إذ جاء من السماء ليقضي على الفرس والروم، وأقام الملكوت الموعود في الدنيا قروناً طويلة، ولم ينقطع بأس هذه الأمة إلا في هذا القرن الأخير.

ولعل في هذه النبوءة ما يبشِّر بكون هذا الكسوف عرضاً زائلاً ما يلبث أن يزول، فتشرق شمس أمة الإسلام من جديد.

وقريباً من رؤيا بختنصر رأى دانيال رؤيا الحيوانات الأربع: ( قال: كنت أرى في رؤياي ليلاً، وإذا بأربع رياح السماء هجمت على البحر الكبير، وصعد من البحر أربعة حيوانات عظيمة هذا مخالف ذاك، الأول كالأسد … وإذا بحيوان آخر ثان شبيه بالدب … وإذا بآخر مثل النمر … وإذا بحيوان رابع هائل وقوي وشديد جدًّا، وله أسنان من حديد كبيرة، أكل وسحق وداس الباقي برجليه، وكان مخالفاً لكل الحيوانات الذين قبله وله عشرة قرون …

كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى، وجاء إلى القديم الأيام، فقرَّبوه قدامه، فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً؛ لتتعبَّد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض) (دانيال 7/3-18).

ويوافق النصارى على أن الممالك الأربعة هي البابلية ثم الفارسية ثم اليونانية ثم الرومانية، ويرون الملكوت متحققاً في ظهور دين المسيح، وتأسيس الكنيسة في يوم الخمسين عندما نزل الروح القدس على التلاميذ المجتمعين في أورشليم.

لكن المملكة الروحية التي أسَّسها الحواريون لا يمكن أن تكون الملكوت الموعود؛ لأن دانيال يتحدث عن أربع ممالك حقيقية، سحق آخرَها ملكٌ حقيقي، لا روحي ( وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً، وملكها لا يترك لشعب آخر، وتسحق وتفني كل هذه الممالك) (دانيال 2/44).

وقال عن المملكة ونبيها: ( لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة ) (دانيال 7/14).

وقد فهم التلاميذ من المسيح أن هذه المملكة القادمة زمنية لا روحية، فسألوه وهم يظنون أنها تقوم على يديه، لذلك تساءلوا بعد حادثة الصلب: ( هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل ؟ ) (أعمال 1/6)، وقد اجتهد المسيح في إفهامهم أن مملكته روحية، بينما المملكة القادمة مملكة حقيقية.

ثم إن مملكة التلاميذ لم تقهر الدولة الرومانية، بل إن الرومان قهروا المسيحية بعد حين، حين أدخلوا وثنياتهم فيها.

وكيف للنصارى أن يقولوا بقهر الرومان، وهم يزعمون أن المسيح مات على أعواد صليب روماني.

أما المسلمون فهم الذين قضوا على الدولة الرومانية، واقتلعوها من أرض فلسطين، ثم بقية بلاد الشام ومصر، ثم أضحت عاصمتها القسطنطينية عاصمة للإسلام دين الملكوت..


“التفسير التطبيقي” - صفحة 1684.

انظر “إظهار الحق”، رحمة الله الهندي (4/1166 ? 1169) ،

  • “البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل”، أحمد حجازي السقا (2/48 ? 51). **

**وحدَّث المسيح تلاميذه عن انتشار الملكوت الذي هو أصغر البذور، لكنه أعظمها انتشاراً، يقول متَّى: (قدم لهم مثلاً آخر قائلاً: يشبه ملكوت السموات حبة خردل، أخذها إنسان، وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور، لكن متى نمت فهي أكبر البقول، وتصير شجرة، حتى إن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها.

قال لهم مثلاً آخر: يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة وخبَّأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع، هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال، وبدون مثل لم يكن يكلمهم) (متى 13/31-34). (انظر مرقس 4/30-32).يقول الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل متى: (وتكاد الأمثلة في هذا الإصحاح أن تصف الملكوت على الأرض من بدايته إلى نهاية العالم، ففي المثل الأول يزرع الملكوت في القلوب، وفي الثاني يحاربه الشيطان فيزرع فيه زواناً، ولكن لابد أن ينمو الملكوت منتشراً في العالم ويصير شجرة ضخمة (حبة الخردل)، على أن روح أبناء الملكوت لابد أن تكون هي الاندماج في العالم لتخليصه من الداخل كالخميرة) .

وفي نص آخر يتحدث عن هيمنة الشريعة الجديدة على سائر الشرائع السابقة ونسخها لها، فيقول: ( أيضاً يشبه ملكوت السموات كنزاً مخفيًّا في حقل وجده إنسان، فأخفاه، ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له، واشترى ذلك الحقل.

أيضاً يشبه ملكوت السموات إنساناً تاجراً يطلب لآلئ حسنة، فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن، مضى وباع كل ما كان له، واشتراها) (متى 13/44-46).

وقد قال المسيح مبشراً بالقادم الذي ينسخ الشرائع بشريعته: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل) (متى 5/17- 18)، فمن هو هذا الذي له الكل، إنه ذات النبي الذي يسميه بولس بالكامل، ومجيئه فقط يبطل الشريعة وينسخها (وأما النبوات فستبطل، والألسنة فستنتهي، والعلم فسيبطل؛ لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض) (كورنثوس (1) 12/8-10).

وكما تحدث المسيح عن هذا النبي تحدث عن تأخر زمان ظهوره عن النبوات السابقة، لكن ذلك لن يمنع عظيم الأجر والثواب لأمته، فضرب هذا المثل وقال: ( فإن ملكوت السماوات يشبه رجلاً رب بيت خرج مع الصبح؛ ليستأجر فَعَلة لكرمه، فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، ثم خرج نحو الساعة الثالثة، ورأى آخرين قياماً في السوق بطالين، فقال لهم: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم، فمضوا.

وخرج أيضاً نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل ذلك.

ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قياماً بطالين، فقال لهم: لماذا وقفتم ههنا، كلَّ النهار بطالين ؟

قالوا له: لأنه لم يستأجرنا أحد. قال لهم: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم.

فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله: ادع الفعلة وأعطهم الأجرة مبتدئاً من الآخرين إلى الأولين.

فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة وأخذوا ديناراً ديناراً، فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر، فأخذوا هم أيضاً ديناراً ديناراً، وفيما هم يأخذون تذمَّروا على رب البيت قائلين: هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة، وقد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر.

فأجاب وقال لواحد منهم: يا صاحب، ما ظلمتك، أما اتفقت معي على دينار ؟ فخذ الذي لك واذهب، فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك. أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بمالي أم عينك شريرة لأني أنا صالح!

هكذا يكون الآخرون أولين، والأولون آخرين؛ لأن كثيرين يُدعَون، وقليلون ينتخبون ) (متى 20/1- 16). وهكذا فاز الآخرون بالأجر والثواب.فالآخرون هم الأولون السابقون، كما قال المسيح، وأكده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (نحن الآخرون السابقون) . وقوله: (مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي غدوة إلى نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط، فعملت النصارى، ثم قال من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين ؟ فأنتم هم. فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: مالنا أكثر عملاً وأقل عطاءً ؟ قال: هل نقصتكم من حقكم ؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) .**

**المطلب السابع: البشارة بإيلياء:

ومن الأسماء التي رمز الكتاب المقدس بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( إيلياء ) وهي وفق حساب الجمّل اليهودي تساوي (53) (أ=1، ي=10، ل=30)، وهو ما تساويه كلمة أحمد (أ=1، ح=8، م=40، د=4). .

وهو أيضاً اسم لنبي عظيم أرسله الله عزَّ وجلَّ إلى بني إسرائيل، وكان ذلك في القرن التاسع قبل الميلاد، وهو الذي يسميه القرآن إلياس.

وفي آخر أسفار التوراة العبرانية يتحدث النبي ملاخي في سفره القصير عن عصيان بني إسرائيل وعن إيليا أو إيلياء القادم الجديد، وهو غير إلياس الذي كان قد توفي منذ سبعة قرون، فيقول ملاخي بأن الله يقول: ( هأنذا أرسل ملاكي، فيهيئ الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله السيدُ الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به، هو ذا يأتي، قال رب الجنود. من يحتمل يوم مجيئه، ومن يثبت عند ظهوره؛ لأنه مثل نار الممحص، ومثل أشنان القصار … (ملاخي 3/1- 2).

فالنص في سفر النبي ملاخي يتحدث عن اثنين:

أحدهما: الذي يهيئ الطريق أمام القادم من عند الرب.

والثاني: هو الذي يأتي بغتة إلى الهيكل، ويسميه: السيد، وملاك العهد. وهو الذي يطلبه بنو إسرائيل وينتظرونه.

وفي آخر سفره يقول ملاخي، وحديثه مازال متصلاً عن هذا القادم، وعن تبديل بني إسرائيل وكفرهم، فيقول: ( اذكروا شريعة موسى عبدي التي أمرته بها في حوريب على كل إسرائيل الفرائض والأحكام. هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم، لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن ) (ملاخي 4/4 - 5).فقد سمى ملاخي النبي القادم إيليا بعد أن ذكرهم بوصية موسى على جبل حوريب، والتي ذكر فيها موسى النبي القادم مثله من بين إخوة بني إسرائيل، قال المفسر صاحب (تحفة الجيل): ( إن إيلياء الرسول المذكور في آخر سفر ملاخي هو ملغوز، وهذا هو حبر العالم الذي يأتي في آخر الزمان ) .

ويرى النصارى أن النبي الذي يمهِّد الطريق هو يوحنا المعمدان المسمى بإيليا في النص يقول مرقص: ( كما هو مكتوب في الأنبياء ها أنا أرسل ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك .. كان يوحنا المعمدان يعمد في البرية … وكان يكرز قائلاً: يأتي بعدي من أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه، أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس، وفي تلك الأيام جاء يسوع.. ) (مرقص 1/2 - 9)، وهو ما نقله لوقا عن لسان المسيح: ( بل ماذا خرجتم لتنظروا، أنبيًّا ؟ نعم أقول لكم: وأفضل من نبي، هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك؛ لأني أقول لكم: إنه بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه) (لوقا 7/26).

فالممهِد للطريق- حسب رأي النصارى- هو يوحنا المعمدان، والممهد له المنتظر هو عيسى عليه السلام.

ويعتبرون الأول إيليا؛ لقول متى على لسان المسيح في سياق حديثه عن يوحنا المعمدان: (ماذا خرجتم لتنظروا. أنبياً ؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي، فإن هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه … لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبئوا. وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع ) (متى 11/9 - 15).

ويذكر متى أيضاً بأن المسيح قال: ( إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء، ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه … حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان ) (متى 17/10 - 13).

وهكذا يرى النصارى أن المبشِّر الممهد للطريق هو يوحنا (إيليا)، والمبشَّر به هو المسيح. والصحيح أن إيليا رمز للنبي القادم، وليس للنبي الممهد لطريقه.

وقبل أن نلج لفهم حقيقة هذه النبوءة نرى لزاما أن ننبه ببعض ما تعرضت له هذه النصوص من تحريف، ففي ملاخي ( ملاك العهد )، وهو في الترجمات القديمة: (رسول الختان)، وفي الترجمة الحديثة يقول: (أرسل ملاكي)، وفي القديمة: ( أرسل رسولي )، وفي بعض الطبعات: (يأتي السيد ) وفي بعضها: ( الولي )، وفي أخرى: ( إيليا ).

وفي نصوص الأناجيل تحريف للاقتباس من ملاخي الذي استعمل ضمير المتكلم ( الطريق أمامي)، وفي الأناجيل أصبح الضمير راجعاً على المسيح ( يهيئ طريقك قدامك ).

كما نرى يد التحريف قد طالت كلام المسيح والمعمدان حين زعم الإنجيليون أن المسيح اعتبر المعمدان هو الممهد لدعوته (هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك ) (لوقا 7/26)، وأنه سماه إيليا المنتظر (ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه … حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان ) (متى 17/12 - 13).

ومن التحريف قولهم: إن المعمدان أخبر أن القوي الذي بشر بقدومه بعده هو المسيح (ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه، هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه .. وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه فقال: هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم، هذا هو الذي قلت عنه: يأتي بعدي رجل صار قدامي؛ لأنه كان قبلي) (يوحنا 1/26-40).

ودعوانا التحريف ليس مردها عدم اتفاق هذه النصوص مع المسألة التي نحن بصدد إثباتها، بل مرده أن يوحنا المعمدان أنكر أن يكون هو النبي إيليا الممهد بين يدي السيد القادم، فقد نفى هو ذلك عن نفسه لما جاءه رسل اليهود من الكهنة واللاويين ( ليسألوه من أنت ؟ فاعترف ولم ينكر، وأقر: إني لست أنا المسيح.

فسألوه إذاً ماذا ؟ إيليا أنت ؟ فقال: لست أنا. النبي أنت ؟ فأجاب: لا ) (يوحنا 1/19 - 21)، فهذا نص صريح ينكر فيه يوحنا أنه إيليا الممهد للطريق، كما هو ليس المسيح المنتظر أو النبي القادم.

ويلزم من قول المعمدان تكذيب المسيح في قوله بأن إيليا قد جاء، أو أن يكون المعمدان كاذباً حين أنكر أنه إيليا، أو يلزم القول بأن التلاميذ لم يفهموا كلام المسيح، وهذا الأخير هو الأولى، فقد أخطأ متى حين قال: ( حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان )، لقد ظنوا أنهم فهموا، بينما الحقيقة أنهم لم يفهموا، لقد كان يحدثهم عن نفسه، فهو النبي القادم الذي يهيئ الطريق للقادم المنتظر ( هأنذا أرسل ملاكي، فيهيئ الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله السيدُ الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به، هو ذا يأتي، قال رب الجنود).

ثم إن صفات إيليا لا تنطبق على المعمدان؛ لأنه يأتي بعد المسيح، فقد قال المسيح عنه: ( إيليا المزمع أن يأتي) والمسيح والمعمدان متعاصران.

وعندما يأتي إيليا فإنه ( يرد كل شيء )، ( فيرد قلب الآباء على الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم )، ومثل هذا لم ينقل عن المعمدان الذي عاش في الصحراء، طعامه الجراد والعسل، ولباسه وبر الإبل، وغاية ما صنعه تعميد من جاءه تائباً. (انظر متى 3/1 - 5).

ولا يمكن التسليم بأن المعمدان كان تمهيداً للمسيح؛ إذ كيف يقال ذلك، والمعمدان قبيل مقتله - حسب الأناجيل- لا يعرف حقيقة المسيح، ويرسل تلاميذه ليسألوا المسيح ( أنت هو الآتي أم ننتظر غيرك ؟ ) (متى 11/3).

فكيف يقال بأنه أرسل بين يديه، وهو لم يعرف حقيقته ؟ ثم ماذا صنع يوحنا بين يدي مقدم المسيح ؟ هل صنع شيئاً يتعلق بالمهمة التي تزعمها الأناجيل له ؟

لم يرد عنه سوى البشارة بالملكوت كما بشر به المسيح بعده. (انظر متى 3/1) كما كان يعمد الذين يأتونه معترفين بخطاياهم. (انظر متى 3/6)، وهذا الذي صنعه المسيح أيضاً، وهو ما يؤكد أن دعوتهما واحدة، ألا وهي البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم نبي الملكوت، كما قال: ( فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله؛ لأني لهذا قد أرسلت) (لوقا 4/34)، فقد أرسل للبشارة بالملكوت القادم، فهو ممهد ومبشر بين يديه.

والحق أن المعمدان وعيسى صاحبا دعوة واحدة، أي: كلاهما بعث مبشراً بالنبي الخاتم، فهما المبشِّران بالنبي الخاتم، والذي أسماه متَّى بملكوت السماوات، فقد بشر باقتراب عصره النبي يوحنا المعمدان، ( جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قائلاً: توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ) (متى 3/1 - 2).

وبعد وفاة يوحنا المعمدان جدَّد يسوع البشارة بالملكوت، ( ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات )(متى 4/17)،( وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت )(متى 4/23).

وأمر تلاميذه بأن يبشروا باقتراب الملكوت فقال: ( اكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات ) (متى 10/7)، لقد كانت دعوتهما واحدة، وهي البشارة والتمهيد للنبي القادم.

وكما لم يتحقق في المعمدان صفات الممهد للنبي القادم، فإن الصفات التي ذكرها يوحنا المعمدان للآتي بعده لم تتحقق في المسيح، فقد قال المعمدان: ( أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ، حينئذٍ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه ) (متى 3/11 - 13).

فالقادم المبشَّر به سيعمد بالروح القدس والنار، أما المسيح عليه السلام فلم يعمد أحداً طوال حياته، وإن كان شاع بين الناس أنه يعمد، لكنه لم يفعل ذلك حقيقة، وإن صنعه تلاميذه باسمه (فلما علم الرب أن الفريسيين سمعوا أن يسوع يصيّر ويعمد تلاميذ أكثر من يوحنا، مع أن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه) (يوحنا 4/1-2).

وذكر المعمدان أن الآتي بعده يعمد بالروح والنار، أي: يملك سلطان الدين والدنيا؛ لتغيير المنكر والحفز على التوبة، فهو لا يتوقف عن حدود الطهارة الظاهرية للجسد بالاغتسال بالماء، بل يهتم بطهارة الباطن، ووسيلته ما يأتي به روح القدس (جبريل) من وحي وبلاغ وبيان، كما قام بتطهير كثير من الأرض من الوثنية بالنار.

ومثل هذه المعمودية لم يفعلها المسيح الذي عمد تلاميذه بالماء، وكانت بشارته استمراراً لمعمودية المعمدان، وهي البشارة بالتوبة ومغفرة الخطايا، فإن المسيح دعا - بعد حادثة الصلب والقيامة - كل واحد من تلاميذه (أن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا) (لوقا 24/47)، فلم تختلف معموديته عليه السلام عن معمودية المعمدان في شيء. (انظر يوحنا 3/22 ? 23).

واستمر تلاميذه بعده يعمدون بالماء كما كان المعمدان يعمد، ولما جاء بولس إلى أفسس إذ وجد تلاميذ قال لهم: هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم ؟. قالوا له: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس. فقال لهم: فبماذا اعتمدتم ؟ فقالوا: بمعمودية يوحنا. فقال بولس: إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي: بالمسيح يسوع، فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع) (أعمال 19/1-5)، ولو كان للمسيح عليه السلام تعميد يخالف ما عليه تعميد المعمدان عليه السلام لعرف بين التلاميذ وشاع.

كما وصف المعمدان النبي القادم بعده بأنه ( أقوى مني)، وليس في دعوة المسيح أو حياته الشخصية ما يشير إلى هذه القوة، فكلاهما لم يبعث بشرع جديد، كما لم يملك على قومه، ولم يكن لأي منهما نفوذ أو سلطان، بل تزعم النصارى- باطلاً- أن كلًّا منهما مات مقتولاً! فأين القوة التي ذكرها المعمدان ؟

كما لم يحقق المسيح قول المعمدان عن النبي الآتي: (رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ ) وهذه كناية يفسرها الدكتور وليم أدي بقوله: ( كناية عن نهاية العمل كله، ويمكن أن يكون القصد من هذا التشبيه: الإشارة إلى تأديب الله للناس، وقصاصه لهم في هذه الحياة). بل هو كناية أبعد من ذلك، إذ تبين سلطانه الذي ينقي الأصل الذي أنـزله الله على أنبيائه مما علق فيه، فيحذف الترهات الدخيلة ويزيفها.

وعليه فالآتي المبشَّر به هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو فقط الذي أتى إلى أرض القدس والهيكل بغتة يوم أسري به إلى بيت المقدس، بينما نشأ المسيح ويوحنا في ربوع الهيكل.

وهو النبي الذي سمَّته بعض الترجمات برسول الختان؛ إذ كان قد دعا إليه ونبَّه إلى أنه من سنن الهدى، والتزمه المسلمون بعده.


انظر"الفارق بين المخلوق والخالق"، عبد الرحمن باجي البغدادي، ( صفحة654) . **

** الفصل العاشر

تحريفات النصارى ومزاعمهم

المبحث الأول: العوامل التي أدت إلى تحريف رسالة المسيح عليه السلام:

المطلب الأول: الاضطهادات:.

المطلب الثاني: ضياع الإنجيل وانقطاع السند:.

المطلب الثالث: بولس (شاؤول اليهودي):.

___________________

المطلب الأول: الاضطهادات:

إن مما لاشك فيه أن الدعوات خاصة الدينية والإصلاحية تنمو وتزدهر في السلام والأمن، وتنكمش وتتقوقع في الخوف والاضطهاد، وقد يؤدي الاضطهاد المركز إلى القضاء عليها، وخاصة إذا واكب نشأتها قبل أن تنغرس جذورها في الأرض وتثبت قدمها فيها.

وإن الدارس لتاريخ المسيح عليه السلام وأتباعه ودعوته يجد أن الاضطهاد واكب نشأتها، واستمر قروناً عدة يشتد حيناً، ويفتر حيناً آخر.

فقد كان المسيح عليه السلام مطارداً من اليهود، بل سعوا جادين إلى قتله، إلا أن الله عزَّ وجلَّ أنجاه منهم ورفعه إليه، ثم إن النصارى حسب كلامهم وقع عليهم اضطهاد شديد من بعده، أولاً من قبل اليهود، فقد قُتل أحد كبار النصارى ويسمى (إستفانوس) رجماً، وقُطع بعده رأس (يعقوب) مما جعل بقية الأتباع يتفرقون في البلدان، وينتشرون في أرض الله خوفاً من اضطهاد بني جنسهم اليهود لهم، ثم وقعت على من بقي منهم في فلسطين نكبتان مدمرتان:

أولاهما عام (70) م، وهي: فتك الوالي الروماني (تيطس) باليهود وتدميره لبيت المقدس بسبب عصيانهم وتمردهم.

والأخرى وهي أكبر من أختها: عام (135) م, في عهد الإمبراطور (هادريان) الذي قضى على اليهود في فلسطين، ولم يبق بعده فيها إلا أقلية نصرانية واهنة مبعثرة.

ثم استمر اضطهاد أباطرة الرومان للنصارى قرنين آخرين، ذاق خلالهما النصارى ألواناً شتى من الذل والاضطهاد، حتى أصبح اتهام أي رجل بالنصرانية في بعض الأحيان مبرراً قويًّا لإلقائه للوحوش المفترسة والحكم عليه بالموت، ولم يتوقف هذا الاضطهاد إلا بتولي قسطنطين الإمبراطورية الرومانية، وإصداره مرسوم ميلان سنة(313) م، والقاضي بإعطاء النصارى الحرية الدينية وحرية الأديان عموماً.

فكان هذا الاضطهاد من العوامل المهمة في تحريف دعوة المسيح عليه السلام؛ لأن تثبيت العقيدة والدعوة إليها والعمل بها، يحتاج إلى وضع آمن، بل يحتاج إلى قوة داعمة ومناصرة لترسخ العقيدة في النفوس، ويتمكن الدعاة من نشرها بين الناس، وإلا فإن عقائد الناس وعباداتهم القديمة تطغى على الدعوة الجديدة، وقد تصبغها بصبغتها، وكذلك أعداء الأديان من أصحاب الأهواء والنفعيين فإنهم يجدون أرضية مناسبة لبث آرائهم وأهوائهم في الأديان، كما أن الجهل بالدين الصحيح في كثير من الأحيان مع النية الصالحة في العمل قد تدفع الإنسان إلى استحسان أمور وادعاء أمور أنها من الدين وهي ليست منه.

فهذه الأمور وغيرها تطفو على السطح وتظهر في حالة الاضطهاد وعدم الأمن، وإذا نظرنا إلى تاريخ النصرانية نجد أنه في فترة الاضطهاد شاع بينهم ما يسمونه بـ (الهرطقة) وهي التعاليم المخالفة لما عليه النصارى، كما كثرت الكتب والرسائل المنسوبة إلى دعاة النصارى الأوائل.

واستمر وجود تلك البدع والكتب إلى أن جاء قسطنطين وسعى إلى توحيد النصارى بدعوته إلى مجمع نيقية سنة (325) م، إلا أنه وحدَّهم على إحدى تلك البدع، وهي بدعة بولس، فمما لا شك فيه أن ذلك كله كان عاملاً من العوامل التي تسببت في انحراف النصرانية عن الدين الحق الذي جاء به المسيح عيسى عليه السلام.**

**العصور اللاحقة لعصر تلاميذ المسيح إلى مجيء الإمبراطور قسطنطين إن الحديث عن العصور المتقدمة من هذه الفترة يلفه الغموض الشديد، ويكاد يكون الجهل بتلك الفترة جهلاً مطبقـاً، وهي فترة من أكثر فترات التاريخ النصراني غموضاً وأشدها صعوبة وخطورة؛ إذ أفرزت هـذه الفترة- وخاصة اللاحقة مباشرة لعصر التلاميذ- بروز الأناجيل الكثيرة، التي ظهرت في وقت متقارب من تلك الفترة، وهي متضاربة تضارباً شديداً.

كذلك برزت للوجود الأقوال المنحرفة الكثيرة عن المسيح وديانتـه، وهي أيضاً أقوال متضاربة متباينة.

يقول الكاتب النصراني حبيب سعيد متحدثاً عن تلك الفترة: (ومع أنه من اليسير جمع نتف من هنا وهناك عن هذه الفترة- نهاية عصر الحواريين - إلا أن الأربعين سنة من (70) إلى (110) م - تبقى أكثر فترات التاريخ المسيحي غموضاً وإبهاماً، وهو أمر يؤسف له؛ لأن هذه الفترة حفلت بكثير من معالم التغيير في الكنيسة نفسها، ولأن فيها برز كثيرون من دعاة المسيحية المجهولين بعد (بولس)، وظهر كثير من الأفكار التي حملها- بلا شك- المتنصرون الوثنيون من مصادر غير مسيحية، وخاصة حول العقائد والممارسات المسيحية، مثل الأسرار، والأصوام وأشكال العبادة، ودستور الكنيسة نفسه خضع لبعض التعديلات).

ويميز هذه الفترة المتقدمة من تاريخ النصارى حادثة مهمة جدًّا لعلها من أهم الحوادث التي وقعت على النصارى بعد رفع المسيح عليه السلام ألا وهي حادثة تدمير بيت المقدس من قبل القائد الروماني تيطس سنة (70) م, في عهد الإمبراطور (لوسباسيانوس) حيث قضى هذا القائد على اليهود في فلسطين، وخاصة في القدس قضاء شبه تام بسبب ثورتهم ضد الرومان.

ولاشك أن عملية القتل والإبادة هذه قد طالت أكبر عدد من النصارى في ذلك التاريخ؛ لأنه لم يكن هناك فرق بين اليهودي والمتنصر إبان تلك الفترة، كما أن البلاء والقتل والإبادة كان شبه عام لجميع المناطق التي يتواجد فيها اليهود في فلسطين خاصة، والمناطق المجاورة لها.

ومن هنا فإن الحديث عن تلك الفترة فيه عسر واضح؛ إذ إنها حلقة مجهولة في تاريخ النصرانية، حتى إن نهاية أتباع المسيح عليه السلام- وكذلك بولس- تعتبر مجهولة بسبب ذلك البلاء الطويل الذي حلَّ باليهود متتابعاً متلاحقاً من قبل الرومان، منذ رفع المسيح عليه السلام إلى تدمير تيطس لبيت المقدس سنة (70) م، ثم استمرَّ البلاء على من بقي منهم إلى التدمير الثاني في عهد الإمبراطور (أدريان) حيث تجمَّع مجموعة من اليهود وأمَّروا عليهم رجلاً يسمَّى (بركوكبا) وزعموا أنه المسيح المنتظر فخرج بهم على الرومان، فما كان من الإمبراطور الروماني (أدريان) حوالي عام (130) م, إلَّا أن أرسل حملة كبيرة، وأمرها بتدمير جميع المحلات التي يمرون عليها، محلًّا، محلًّا، واستمرَّ في ذلك سنتين حتى دمَّر بلاد اليهود، وقضى عليهم، وأعاد تدمير بيت المقدس، وبنى محله هيكلاً للمشتري، معبود الرومان في ذلك الوقت، وحرَّم على اليهود الدخول إلى بيت المقدس إلا يوماً واحداً في السنة بعد دفع غرامة مالية كبيرة.

فلا شكَّ أن أحداثاً جساماً كهذه كانت سبباً من الأسباب المباشرة للانقطاع التاريخي البيَّن في تاريخ النصارى الذين كانوا في ذلك الوقت لا يتميزون عن اليهود بشيء خاصة لدى من هو خارج إطارهم مثل الرومان واليونان الوثنيين.

كما أن الثقل الديني والالتزام بمبادئ المسيح عليه السلام كان متمركزاً في بيت المقدس، وكان سبق أن حدث انقسام بين دعاة النصارى في مسألة شريعة موسى عليه السلام، ووجوب التزامها، وإلزام المتنصرين من الوثنيين بها، وكان المحافظون على الشريعة والموجبون للالتزام بها من المتبعين للمسيح من اليهود هم القوة الغالبة في ذلك الوقت.

إلا أن تدمير بيت المقدس وقتل اليهود وجَّه لهذه الفئة بالذات ضربة قاصمة، وأفسح المجال لبولس وأتباعه المنادين بإلغاء العمل بالشريعة الموسوية، وفصلها عن ديانة المسيح عليه السلام. يقول حبيب سعيد: (أما خراب أورشليم في الشرق إثر التمرد اليهودي سنة (70) م, فكان له أثر عميق في المسيحية، وذلك لأنه قضى على الجماعات الفلسطينية، وتضخم أعداد متنصري الوثنية، من العوامل التي جعلت كفاح (بولس) للتخلص من اليهودية الناموسية الضيقهة، غير ذي موضوع، وغدت أنطاكيه ورومية وبعدها أفسس أهم المراكز في تطور التاريخ المسيحي).

ظهور المذاهب والأقوال المختلفة في المسيح وديانته:

والناظر في تاريخ تلك الفترة يجد أنها أفرزت إفرازات خطيرة جدًّا في الديانة النصرانية حيث ظهرت المذاهب والأقوال المختلفة والمتباينة في المسيح وديانته، نذكر منها:**

**تلاميذ المسيح عليه السلام بعد رفعه

المصادر التاريخية لهذه الفترة بعد رفع المسيح عليه السلام نادرة جدًّا وقليلة، فلا يوجد بين يدي النصارى سوى سفر (أعمال الرسل) الذي ورد فيه جانب من أعمال حواريي المسيح وتلاميذه، ثم خُصص بقية الكتاب للحديث عن بولس، ويضاف إلى هذا السفر بعض الجمل الواردة في الرسائل الملحقة بالعهد الجديد التي تتحدث عن شيء من تاريخ تلاميذ المسيح. هذا كل ما لدى النصارى من كتب عن هذه الفترة.

ولهذا سنشير إشارة مختصرة إلى هذه الفترة حسب المعلومات المتاحة، فنقول:

إن تلاميذ المسيح فيما يذكر النصارى بعد رفعه قاموا بالدعوة في جميع مدن اليهودية. وحسب سفر (أعمال الرسل) فقد أظهروا آيات وعجائب كثيرة قاموا بها، وخاصة شفاء المرضى، وبناءً على تلك الآيات أقبل الناس على سماع كلامهم والاستجابة لهم، إلا أن هذا لم يمنع كهنة اليهود ورؤساءهم من أن يتوعدوا التلاميذ ويتهددونهم؛ ليتوقفوا عن الدعوة، إلا أن ذلك التهديد لم يوقف حماس التلاميذ ونشاطهم في الدعوة، وتتركز دعوة التلاميذ وتعاليمهم على وجوب التوبة والتعميد، والإيمان بالمسيح عيسى عليه السلام؛ لتغفر لهم خطاياهم، وهي الدعوة التي كان المسيح عليه السلام يدعو إليها، كما سبق بيانه. ولم يكن في دعوتهم تصريح بألوهية المسيح ولا بنوته لله، بل أعلن (بطرس) كبيرهم فيما يذكر النصارى أمام اليهود في أول خطبة له عامة: ( إن يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم، كما أنتم أيضاً تعلمون)، بعد هذا ازداد حنق اليهود على التلاميذ، فقبضوا على أحدهم- ويسمَّى إستفانوس- ورجموه بالحجارة حتى قتلوه، وقتلوا بعده آخر يسمَّى يعقوب أخو يوحنا، ثم اضطهدوا بقية الأتباع، حتى تشتت كثير منهم في سائر أنحاء اليهودية والسامرة، وكان التلاميذ إلى ذلك الوقت مقتصرين في دعوتهم على أبناء جلدتهم من اليهود، إلا أنهم رأوا أن غير اليهود يقبلون أيضاً دعوتهم، وقد انضمَّ إليهم عدد من اليونانيين، فشجَّعهم هذا على تكثيف الدعوة بين الأجانب، فأرسلوا برنابا إلى أنطاكية؛ ليدعو الأجانب، فآمن بدعوته أيضاً العديد من الناس، وكان قد انضم إلى التلاميذ بولس (شاؤول اليهودي) فكُلف هو وبرنابا بدعوة الوثنيين، فنجحا في دعوتهما نجاحاً كبيراً، وحدث من جراء قبول الوثنيين اليونانيين وغيرهم للديانة النصرانية إشكال خطير، وهو أن بعض دعاتهم صاروا لا يُلزمون من تنصَّر من الوثنيين بالتمسك بتعاليم الشرائع الموسوية، وعلى رأس هؤلاء بولس، وأما الدعاة الآخرون فكانوا يرون وجوب العمل بتعاليم الشريعة الموسوية، ومن ضمنها الختان. فحدث خلاف بينهم، اجتمعوا على إثره في مجمع في بيت المقدس، فقرروا عدم مطالبة الوثنيين بالالتزام بالشريعة، ويكتفى من ذلك بالامتناع عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا. هكذا ذكروا. وينتهي بعد هذا خبر التلاميذ، ولا يعلم على التحديد ما حدث منهم ولا ما حدث عليهم، وإنما يمكن تتبع بولس في دعوته، وأنه نشط نشاطاً قويًّا في دعوته، فزار مدناً عديدة في آسيا، ثم كان خاتمة مطافه في روما، وهذا آخر ما ذكره صاحب سفر الأعمال، ولا يعطينا عن خاتمة حياة بولس شيئا، ولا يعرف النصارى على التحقيق عنها شيئاً.**

**إن الحديث عن تاريخ النصارى الأوائل والنصرانية من المصادر النصرانية يعتبر من أصعب الموضوعات وأكثرها تعقيداً؛ لأن التاريخ إنما يعتمد على النصوص والروايات المحفوظة التي تبين تاريخ حقبة ما. والناظر في المصادر النصرانية يواجه مشكلة الانقطاع التاريخي في فترة من أهم الفترات المتعلقة بالنصرانية، وهي الفترة التي تعقب رفع المسيح عليه السلام إلى منتصف القرن الثاني من الميلاد، فإن هذه الفترة تعتبر فترة حرجة جدًّا، والمصادر التي يمكن أن يعتمد عليها في بيان تاريخ تلك الفترة تعتبر نادرة جدًّا، بل لا يوجد بين يدي النصارى سوى كتاب (أعمال الرسل) الذي تحدَّث كاتبه في أوله عمن يزعم أنهم تلاميذ المسيح حديثاً محدوداً، ثم خصَّص بقية كتابه للحديث عن بولس وأعماله، ورغم ذلك فإن المعلومات عن بولس تنقطع قبل موته بعد وصوله روما، وهذه النهاية التي انتهى إليها صاحب الكتاب هي نهاية المعلومات المتوفرة لدى النصارى عن تلك الفترة، يضاف إلى ذلك ما يمكن استفادته واستخلاصه من رسائل بولس الأربع عشرة التي فيها إشارات قليلة تخص بولس من ناحية تاريخية، إلا أنها شبه خالية من المعلومات عن الحواريين الذين هم تلاميذ المسيح عليه السلام الحقيقيون.

ومع ذلك فسنحاول ذكر تاريخ إجمالي للنصارى والنصرانية إلى عهد ما بعد الإمبراطور قسطنطين حسب المعلومات المتاحة، وذلك لإعطاء القارئ تصوراً عن النصرانية من ناحية تاريخية، ربما يكون قريباً من الواقع.

المسيح عليه السلام من خلال مصادر النصارى ألمسيح هو: عيسى بن مريم عليه السلام، وينسبه النصارى إلى داود عليه السلام، ويعتقدون أنه لا أب له من البشر؛ لأن الله أرسل إلى مريم الملك جبريل عليه السلام فكان الحمل به عليه السلام، ثم إنها وضعته بعد ذلك في بيت لحم في فلسطين، وزعم صاحب إنجيل متى أن أمه ذهبت به من فلسطين إلى مصر خوفاً من هيرودس حاكم اليهودية، الذي عزم على قتل جميع الأطفال الذين ولدوا في ذلك العام؛ لأن منجمين مجوس أخبروه بولادة ملك اليهود. وبعد بلوغ المسيح عليه السلام الثلاثين من عمره ابتدأ دعوته بعد أن اعتمد من يحيى عليه السلام فكان يعظ الناس في أماكن تجمعهم، وإذا رأى مرضى يشفيهم - بِإِذْنِ اللّهِ-، ويتجول في سائر المدن اليهودية، وظهرت على يديه آيات كثيرة مثل تكثير الطعام، وشفاء المرضى، والمشي على الماء وغير ذلك، وفي هذه الفترة المبكرة من دعوته التحق به من يزعم النصارى أنهم حواريو المسيح، وتابعوه في رحلاته، ثم أرسل تلاميذه اثنين اثنين إلى القرى للدعوة، وشعر رؤساء اليهود بالخطر الذي سيحيق بهم، من جراء دعوة المسيح عليه السلام، ولذا فقد اتفقت كلمتهم على ضرورة القضاء عليه. فلما كان في اليوم الأول من أيام عيد الفصح علم اليهود بمكانه في بيت المقدس، وذلك بوشاية من أحد أتباعه، وهو يهوذا الإسخريوطي، فجاءوا وألقوا القبض عليه، ففرَّ تلاميذه وتركوه، فأخذه اليهود إلى رئيس كهنتهم، وواجهوه بما يتهمونه به، إلا أنهم رأوا أن الشهود لا تتفق كلمتهم فيما شهدوا به عليه، وأخيراً سأله رئيس الكهنة وقال له: أأنت المسيح ابن المبارك ؟ فقال عيسى: أنا هو وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً في سحاب السماء. فمزَّق رئيس الكهنة ثيابه. وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود قد سمعتم التجاديف، ما رأيكم ؟ فحكم الجميع عليه أنه مستوجب للموت. ثم حملوه إلى الوالي الروماني (بيلاطس البنطي) الذي قرره بما كان متهماً به، وهو أنه (ملك اليهود) وهي التهمة التي أوعز اليهود إلى الوالي الروماني أن المسيح يدَّعيها لنفسه، إلا أن المسيح لم يجبه بشيء، فرأى بيلاطس أنه لا يستحق الموت، وهو الجزاء الذي كان يطالب اليهود بإيقاعه به، إلا أن بيلاطس بعد ذلك ونزولاً عند رغبة اليهود حكم عليه بالموت على الصليب، فحمل يوم الجمعة صباحاً إلى موضع الصلب، حيث علِّق على الصليب في زعمهم في الساعة الثالثة صباحاً، وبقي على الصليب إلى الساعة التاسعة عصراً … هذا على حساب الساعة الغروبي الذي يكون أول ساعة بعد غروب الشمس هي الساعة الواحدة ليلا إلى اثنتي عشرة ساعة… فتكون الساعة الثالثة هنا صباحا حوالي التاسعة والنصف في عرفنا والتاسعة توافق الثالثة والنصف مساء ، حيث مات بعد أن صاح (إلهي إلهي لماذا تركتني). ثم أُنزِل عن الصليب وأدخل قبراً بقي فيه تلك الليلة ونهار السبت وليلة الأحد، فلما جاءوا صباح الاثنين وجدوا القبر خالياً، وقيل لهم: إنه قام من قبره، ثم إنه ظهر لتلاميذه بعد ذلك، وبيَّن لهم أنه حيٌّ وبقى معهم حسب كلام صاحب أعمال الرسل (أربعين يوماً) ثم ارتفع إلى السماء وهم ينظرون إليه، وكانت مدة دعوة المسيح حسب الأناجيل الثلاثة الأولى لا تزيد عن سنة واحدة، إذ لم يذكروا خلال دعوة المسيح إلا عيداً واحداً، أما أنجيل يوحنا فذكر ثلاثة أعياد لليهود، لهذا يرى كثير من النصارى أن مدة دعوته كانت ثلاث سنوات، وكان أتباعه خلال هذه المدة والذين خَلَّفهم بعده ينحصرون في الاثني عشر حواريًّا، وآخرين يبلغ مجموعهم مائة وعشرين فقط.

وكل من نظر في الأناجيل التي بين يدي النصارى، والتي تحوي دعوة المسيح ونشاطه، وتحركاته، ومواعظه، يتيقن أن المسيح لم يؤسس ديانة جديدة البتة، بل كان يلتزم بشريعة موسى عليه السلام، ويدعو إلى الالتزام بها، ويحرم الخروج عليها، وبهذا أيضاً وصَّى تلاميذه الذين أرسلهم إلى الدعوة في القرى.

أما محور دعوة المسيح عليه السلام حسب الأناجيل، فهو الدعوة إلى التوبة والإنابة إلى الله والتبشير بالملكوت القريب، وكان يضرب لهم الأمثال في ذلك، ولا يختلف في هذا عن الأنبياء من بني إسرائيل الذين سبقوه وجاءوا بعد موسى عليه السلام، إلا أنه زاد في النهي عن الفواحش والفساد بتأكيد تحريم الوسائل إليها، فمن ذلك قوله في إنجيل متى (5/27): (قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لاتزن. وأما أنا فأقول لكم: إن من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه). وفي (5/33): (سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تحنث بل أوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة… بل ليكن كلامكم نعم نعم، لا لا).

وكذلك أكَّد على التسامح والعفو والمحبة، وفي هذا يقول متى (5/43): (سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم).

أما التشريع فلم يذكر عنه منه شيء سوى ما يتعلق بالحض على عدم الطلاق وعدم زواج المطلقة. يقول متى عنه في (5/31): (وقيل: من طلَّق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم: إن من طلَّق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني).

وفي إنجيل لوقا (16/18) يقول: (كل من يطلِّق امرأته ويتزوَّج بأخرى يزني، وكل من يتزوَّج بمطلقة من رجل يزني). فهذا يدلُّ على أن المسيح عليه السلام لم يؤسس ديانة جديدة البتة، بل كان شأنه ودعوته شأن ودعوة الأنبياء السابقين من بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام، إلا أن الله جعله وأمه آية لبني إسرائيل.**

**التعريف بالمسيح عليه السلام

إجمالاً من خلال القرآن الكريم وما يتفق معه مما ورد في أناجيل النصارى:

المسيح عليه السلام نبي من أنبياء بني إسرائيل، دعا إلى الله عزَّ وجلَّ، وبلَّغ رسالة ربه عزَّ وجلَّ، وقد ذكر الله عزَّ وجلَِّ هذا النبي الكريم في القرآن الكريم، وذكر دعوته في مواضع عديدة، من أشملها قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِما أنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِين .

هذا هو المسيح عليه السلام في كلام الله عزَّ وجلَّ، بشر خلقه الله بكلمته، كما خلق من قبله آدم عليه السلام بكلمته، وهي قوله: (كن) وجعله الله سبحانه آية حيث خلقه في بطن أمه مريم بدون أن يكون لها زوج أو يمسها بشر، بل كانت- رضوان الله عليها- عبدة صالحة طاهرة مبرأة من الخبث والفساد.

وبيَّن الله عزَّ وجلَّ لنا حقيقة دعوة المسيح عليه السلام، وأنه رسول دعا إلى عبادة الله عزَّ وجلَّ وحده لا شريك له، وقد وجَّه دعوته لبني جنسه، وهم بنو إسرائيل الذين كانوا في ذلك الوقت قد انحرفوا كثيراً عن دين موسى عليه السلام، إلا أن قومه كذَّبوه وسعوا إلى قتله، فأنجاه الله منهم ورفعه إلى السماء.

وإذا نظرنا إلى الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى نجد أنها صرَّحت بما ذكره القرآن تصريحاً واضحاً لا لبس فيه، ومن ذلك:

1- بشرية المسيح:

ذكر الله عزَّ وجلَّ بشرية المسيح في الآيات السابقة، وقد قصَّ لنا الربُّ جلَّ وعلا خبره من لدن جدته امرأة عمران ثم أمه ثم خبر ولادته.

وقد ذكرت جميع الأناجيل أنه ولد من مريم، وأنه طرأ عليه ما يطرأ على البشر من الوجود بعد العدم، والأكل والشرب والتعب والنوم والموت، وسائر الخصال البشرية.

2- أنه رسول الله:

وذلك في قوله عز وجل: ما الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ . وقد صرَّّح النصارى أن المسيح عليه السلام قال لهم في مواطن كثيرة في الأناجيل بأنه رسول من عند الله، فقد ورد في إنجيل متى (10/40): (من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني). وفي إنجيل لوقا (4/43): (فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشِّر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله؛ لأني لهذا أرسلت. فكان يكرز في مجامع الجليل). ويقول لتلاميذه الذين أرسلهم إلى المدن لدعوة الناس للإيمان به وبرسالته حسب قول لوقا(10/16): (الذي يسمع منكم يسمع مني، والذي يرذلكم يرذلني. والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني).

وفي إنجيل يوحنا ذكر أنه رسول من الله في مواطن كثيرة منها (4/34): (قال لهم يسوع: طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني، وأتمم عمله). وفي (17/3) يذكر عن المسيح أنه قال: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته).

3- أنه رسول إلى بني إسرائيل خاصة:

قال الله عزَّ وجلَّ في الآيات السابقة: وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرائيلَ [آل عمران:49]. وقـد ورد في إنجيل متى (15/24) أن المسيح عليه السلام لحقته امرأة كنعانية تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة، فقال المسيح: (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ). وكذلك في إنجيل متى (10/5) أن المسيح أرسل تلاميذه إلى القرى اليهودية، وقال لهم: (إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة).

4- أنه دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له:

قال جلَّ وعلا عن المسيح أنه قال: إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [آل عمران: 51].

وذكر متى في إنجيله (4/10) عن المسيح أنه قال: (للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد). وفي إنجيل مرقص (12/29) أن المسيح أجاب من سأله عن أول الوصايا والواجبات بقوله: (إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك). وفي إنجيل لوقا (4/8) أن المسيح قال للشيطان لمـا طلب منه أن يسجد له: (اذهب يا شيطان، إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد).

وفي إنجيل يوحنا (17/3) أن المسيح قال: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته). وكذلك قال للمرأة التي رأته بعد القيامة في كلامهم في إنجيل يوحنا (20/17): ( قال لها يسوع: لا تلمسيني؛ لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم).

5- إنه متبع لشريعة موسى عليه السلام ومكمل لها:

قال عزَّ وجلَّ: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . [آل عمران: 50].

قال متى في إنجيله (5/17) عن المسيح أنه قال: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل).

6- أنه دعا إلى التوبة:

وهو معنى قوله عزَّ وجلَّ: (وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُون )

وقد ذكر بعض الكُتَّاب أن لبَّ دعوة المسيح عليه السلام حسب الأناجيل هو: الدعوة إلى التوبة، والأخذ بشريعة موسى عليه السلام. وفي هذا ورد في إنجيل متى (9/13): (لأني لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة). وفي إنجيل مرقص (1/14): (وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل). فهذه النصوص يظهر منها واضحاً بشرية المسيح عليه السلام، وأنه رسول دعا بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا يتفق تمام الاتفاق مع ما ذكره الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم عنه، ويتفق مع دعوة الأنبياء السابقين الذين ورد ذكرهم في القرآن، أو ذكرهم اليهود في كتبهم. كما يتفق ذلك مع العقل وترتاح له النفس. وهذا بخلاف ما تدَّعيه الكنيسة وتزعمه من الأمور المناقضة للعقل والشرع، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك عند الحديث عن عقائد النصارى .


آل عمران: 45-60

المائدة: 75

آل عمران: 50**

**ألنشأة وألتأريخ النصرانية تعتبر امتدادا لليهودية؛ لأن عيسى عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل مجددا في شريعة موسى عليه السلام، ومصححا لما حرفه اليهود منها، وليحل لهم بعض الطيبات التي حرِّمت عليهم.

قال تعالى عن عيسى عليه السلام: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ … إلى قوله تعالى: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ .

علاقتها باليهودية:

الديانة النصرانية امتداد لليهودية، ومكملة لها؛ لأن عيسى عليه السلام- كما أسلفنا- جاء رسولا إلى بني إسرائيل، مصححا ما حرَّفوه من الدين المنزل على موسى عليه السلام في التوراة، وليحل لهم بعض الطيبات التي حرِّمت عليهم، ومبشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا يأتي من بعده. فقال تعالى: ‏‏وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين‏‏ .

لكن غالب بني إسرائيل (اليهود) كذَّبوا عيسى عليه السلام، وأنكروا رسالته وحاربوا أتباعه، ولمَّا رفعه الله إليه حرَّفوا الدين الذي جاء به، وحاولوا طمسه بمكرهم ودسائسهم، ولم يمض ثلاثة قرون على الديانة النصرانية حتى تحوَّلت تماما عن مسارها الصحيح المتمثل في التوحيد إلى الشرك المتمثل في التثليث، وتبدَّلت نصوصها وأحكامها. كما فعلوا بدين موسى عليه السلام من قبل.

فالنصرانية الحاضرة صنعة اليهود، تسير في ركابهم، لذلك نرى النصارى لا يزالون يعترفون بكتاب اليهود (التوراة)، ووصايا الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام رغم تحريف اليهود، ويسمونها (العهد القديم) بالإضافة إلى كتابهم الإنجيل المحرَّف الذي يسمونه (العهد الجديد).

أما اليهود فهم ينكرون كل ما عدا التوراة، إلا ما ورد عن علمائهم ومفسريهم ويسمونه (التلمود)، وهو مقدم عندهم على التوراة.

والنصارى يكفِّرون اليهود؛ لتكذيبهم عيسى عليه السلام. واليهود يكفِّرون النصارى؛ لأنهم يرونهم مبتدعين، ودينهم باطل؛ لأن عيسى عليه السلام بزعمهم ساحر كذاب.

قال الله تعالى عن الفريقين:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

  • أهل الكتاب (اليهود والنصارى):

ويطلق على اليهود والنصارى معا (أهل الكتاب) إشارة إلى أن أديانهم سماوية منزلة من الله تعالى إليهم بكتاب. وأحيانا يطلق على أحدهما، والكتاب هو التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، والإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام. وقد ورد هذا الإطلاق في الكتاب والسنة.

ومع أن اليهود والنصارى (أهل الكتاب) يكفِّر بعضهم بعضا إلا أنهم يجتمعون على الكيد للإسلام، والإضرار بالمسلمين. وقد ذكر الله عنهم ذلك في أكثر من آية، قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ .

وقال تعالى: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ 15].

والذين كفروا من أهل الكتاب هم من لم يسلم من اليهود والنصارى.

وأهل الكتاب مكلفون بإقامة التوراة والإنجيل معا، لكنهم كفروا بهما، قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [ 16].

ومن إقامة التوراة والإنجيل: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حيث بشَّرت به هذه الكتب، واتباع الإسلام الذي نسخ ما قبله من الأديان.


آل عمران: 48- 50

الصف 6

البقرة: 113

البقرة: 109

البقرة: 105

المائدة: 68**


النصرانية وما تفرع عنها [*]
ألفصل ألأول
(النصرانية: التعريف والنشأة والتاريخ)
النصرانية لغة: قيل: نسبة إلى نصرانة، وهي قرية المسيح عليه السلام من أرض الجليل، وتسمى هذه القرية ناصرة ونصورية، والنسبة إلى الديانة نصراني، وجمعه نصارى.
النصرانية اصطلاحاً: هي دين النصارى الذين يزعمون أنهم يتبعون المسيح عليه السلام، وكتابهم الإنجيل .
التعريف: هي الرسالة التي أُنزلت على عيسى عليه الصلاة والسلام، مكمِّلة لرسالة موسى عليه الصلاة والسلام، ومتممة لما جاء في التوراة من تعاليم، موجهة إلى بني إسرائيل، داعية إلى التوحيد والفضيلة والتسامح، ولكنها جابهت مقاومة واضطهاداً شديداً، فسرعان ما فقدت أصولها، مما ساعد على امتداد يد التحريف إليها، فابتعدت كثيراً عن أصولها الأولى؛ لامتزاجها بمعتقدات وفلسفات وثنية .
تطلق النصرانية على الدين المنزل من الله تعالى على عيسى عليه السلام، وكتابه الإنجيل، النصارى لا يزالون يقدسون التوراة (العهد القديم) والإنجيل ويسمونه: (العهد الجديد) . .
وأتباعها يقال لهم: (النصارى) نسبة إلى بلدة الناصرة في فلسطين، وهي التي ولد فيها المسيح.
أو إشارة إلى صفة: وهي نصرهم لعيسى عليه السلام، وتناصرهم فيما بينهم. وهذا يخص المؤمنين منهم في أول الأمر، ثم أطلق عليهم كلهم على وجه التغليب. ويشهد لذلك قوله تعالى: ( قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ ).
فالنصرانية في أصلها دين منزل من الله تعالى، لكنها غيِّرت وبدِّلت وحرِّفت نصوصها، وتعددت أناجيلها، وتحوَّل أتباعها عن التوحيد إلى الشرك (وذلك باعتراف مؤرخي النصارى أنفسهم) ثم نسخت بالإسلام، فأصبحت باطلة؛ لتحريفها ولنسخها كاليهودية .
هل يصح إطلاق المسيحية على النصرانية ؟
وقد أطلق على أتباع الديانة النصرانية في القرآن الكريم نصارى، وأهل الكتاب، وأهل الإنجيل، وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين نسبة إلى المسيح عليه السلام، ويسمون ديانتهم (المسيحية). وأول ما دُعيَ النصارى (بالمسيحيين) في أنطاكية حوالي سنة (42) م، ويرى البعض أن ذلك أول الأمر كان من باب الشتم.
ولم ترد التسمية بالمسيحية في القرآن الكريم ولا في السنة، كما أن المسيح حسب الإنجيل لم يسمِّ أصحابه وأتباعه بالمسيحيين، وهي تسمية لا توافق واقع النصارى؛ لتحريفهم دين المسيح عليه السلام.
فالحقُّ والصواب أن يطلق عليهم نصارى، أو أهل الكتاب؛ لأن في نسبتهم للمسيح عليه السلام خطأ فاحشا؛ إذ يلزم من ذلك عزو ذلك الكفر والانحراف إلى المسيح عليه السلام، وهو منه بريء .

سئل فضيلة الشيخ‏: محمد بن صالح العثيمين رحمه الله‏ عن إطلاق المسيحية على النصرانية‏ ؟‏ والمسيحي على النصراني‏ ؟‏
فأجاب بقوله‏:‏ لا شك أن انتساب النصارى إلى المسيح بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم انتساب غير صحيح؛ لأنه لو كان صحيحا لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإن إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إيمان بالمسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏‏وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين‏‏‏ ‏, ولم يبشرهم المسيح عيسى ابن مريم بمحمد صلى الله عليه وسلم، إلا من أجل أن يقبلوا ما جاء به؛ لأن البشارة بما لا ينفع لغو من القول لا يمكن أن تأتي من أدنى الناس عقلا، فضلا عن أن تكون صدرت من عند أحد الرسل الكرام أولي العزم، عيسى ابن مريم، عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي بشَّر به عيسى ابن مريم بنى إسرائيل هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله‏:‏ ‏‏ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ‏ ‏[‏6‏]‏‏.‏ وهذا يدل على أن الرسول الذي بشَّر به قد جاء، ولكنهم كفروا به وقالوا: هذا سحر مبين. فإذا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذا كفر بعيسى ابن مريم الذي بشَّّرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ لا يصح أن ينتسبوا إليه فيقولوا: إنهم مسيحيون. إذ لو كانوا حقيقة لآمنوا بما بشَّر به المسيح ابن مريم؛ لأن عيسى ابن مريم وغيره من الرسل قد أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين‏ ‏[‏7‏]‏‏.‏ والذي جاء مصدقًا لما معهم هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏‏وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِما أنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ‏‏ ‏[‏ 8‏]‏‏.‏
وخلاصة القول أن نسبة النصارى إلى المسيح عيسى ابن مريم نسبة يكذبها الواقع؛ لأنهم كفروا ببشارة المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكفرهم به كفر بعيسى ابن مريم، عليه الصلاة والسلام‏.‏

وسئل فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله هل الصحيح أن يقال: مسيحي أو نصراني ؟
فأجاب قائلا:
معنى مسيحي نسبة إلى المسيح ابن مريم عليه السلام، وهم يزعمون أنهم ينتسبون إليه وهو بريء منهم ، وقد كذبوا فإنه لم يقل لهم إنه ابن الله، ولكن قال: عبد الله ورسوله . فالأولى أن يقال لهم نصارى، كما سمَّاهم الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ… .


المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف ? ص 165
المصدر:الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي
آل عمران: 52
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف ? ص 165
ألصف 6
ألصف 6
آل عمران 81
ألمائدة 48
المصدر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ? 3/133
البقرة 113

[*] جميع المواضيع في هذا البحث ( ألْنَصْرانِيَّة) قد نقلت كما هي بالمصدر بدون زيادة أو نقصان أو تعديل، وبما أنّ معظم ما نقل هو معلومات تحتاج لتوثيق ومراجعة، لذا فمن يجد أي خطأ فيما ورد أو أي تعديل وتصحيح لازم فليقم مأجوراَ بذلك في مداخلة لفحص الأمر والتعديل ، وفي حالة التعديل فسنقوم به إن شاء الله في الهامش السفلي للصفحة وليس في النص الأصلي عملا بأمانة النقل.

**المبحث الثاني:

الأقانيم الثلاثة تعريفها وأدلتهم عليها وبيان بطلان تلك الأدلة:

المطلب الأول: الأقنوم الأول: الأب:.

المطلب الثاني: الأقنوم الثاني: الابن:.

المطلب الثالث: الأقنوم الثالث: الروح القدس:.

المطلب الرابع: إبطال التثليث بأقوال المسيح عليه السلام:.

_______________________

المطلب الأول: الأقنوم الأول: الأب

1- المراد به: يراد بالأب عندهم: الذات الإلهية مجردة عن الابن والروح القدس، وهو بمنزلة الأصل والمبدأ لوجود الابن. مع أن هذا لا يعني لديهم أن الأب سبق الابن في الوجود، بل الابن أزلي الوجود معه لم يسبق أحدهما الآخر. وليس له عمل عندهم إلا الاختيار والدعوة.

2- أدلتهم على أبوة الله للمسيح - تعالى الله عن قولهم-:

وردت كلمة الأب لدى النصارى في العهد الجديد في مواطن عديدة، وورد في بعضها نسبة أبوة الله للمسيح، منها ما ورد في إنجيل متى (10/32): ( فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السماوات).

وأيضاً قوله عن وقت القيامة (24/36): ( وأما ذلك اليـوم وتلك الساعـة فلا يعلم بها أحد من ملائكة السماوات إلا أبي وحده ).

ورد في إنجيل لوقا (2/49) من كلام المسيح لأمه وزوجها في زعمهم: ( فقال لهما: لماذا كنتما تطلبانني ؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي).

وورد أيضاً في إنجيل يوحنا (8/19): (فقالوا له: أين هو أبوك ؟ فأجاب يسوع: لستم تعرفونني أنا ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً).

فبناءً على هذه النصوص زعم النصارى أن الله تعالى (أبٌ ) للمسيح أبوة حقيقية، وهو كلام باطل، ووهم خاطئ، وافتراءٌ على الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرا.

3- الرد عليهم وبيان بطلان قولهم:

يُرد عليهم من عدة أوجه:

أولاً: أن النصارى اعتمدوا في إثبات هذا على ألفاظ وردت في الأناجيل الأربعة وغيرها من كتب العهد الجديد، وهذه الأناجيل كما سبق بيانه لا تصلح أن تكون مستنداً لهذا؛ لأنها كتب غير موثقة، ولم يستطع النصارى أن يثبتوا صحة نسبتها إلى الأشخاص الذين نسبت إليهـم، فضلاً عـن أن ينسبوهـا إلى المسيح عليه السلام أو إلى الله عزَّ وجلَّ.

كما أن بينها اختلافات عديدة في هذه الألفاظ نفسها، فكلمة (أبي) وردت في (إنجيل متى) من كلام المسيح ما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة، ولا تكاد تراها في (إنجيل مرقص)، أما (إنجيل لوقا) فذكرت في موضعين تقريباً، وأما (إنجيل يوحنا) فوردت فيه فيما يقارب ثمانية عشر موضعا، مما يدل على أن هذه الكلمة تتبع عقيدة خاصة وفهما خاصا لدى الكاتب، لا يرتبط فيه ولا يلتزم بعبارة المسيح وألفاظه، وإنما يكتبها ويعبر عنها الكاتب وفق عقيدته وتصوره.

مثال ذلك: أن المثال السابق المذكور عن وقت الساعة من إنجيل متى، ورد فيه (أبي وحده)، وقد ذكر مرقس في (13/32) هذه الجملة، إلا أنها عنده هكذا: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب). فهنا قال: الأب. بدون ياء النسب وهناك في (متى) قال: (أبي). وبينهما فرق عظيم.

ثانياً: أن النصارى لا يعتقدون أن الله أبٌ للمسيح أبوة حقيقية من ناحية أن الأب غير الابن، وأنه قبله في الوجود، بل يرون ويعتقدون أن الله تعالى أب للمسيح، وهو في نفس الوقت هو هو، ليس هو غيره، حيث يقولون: إنهما جوهر واحد، ولم يسبق الأب الابن في الوجود، وهذا يجعل كلمة الأب الواردة في الأناجيل لديهم ليس لها مفهوم حقيقي، وهذا يبطل استدلالهم بهـذه النصوص، ويجعلهم يستدلون بها على غير ما يقصدون ويعتقدون.

ثالثاً: على فرض صحة الروايات الواردة لديهم في الأناجيل في كلمة (الأب) فيجب أن تفسَّر على معنى غير الأبوة الحقيقة لأمرين:

1- أنهم أوردوا على لسان المسيح كلاماً كثيراً لا يمكن أن يحمل على المعنى الظاهري، بل لابد من حمله على المجاز كقوله: (فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة). يوحنا (6/35) وأيضا أنه قال لليهود: (أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا). يوحنا (8/44).

فهذا كلام لا يؤخذ على ظاهره، فكذلك أبوة الله للمسيح.

2- أن نسبة الأبوة إلى الله ليست خاصة في المسيح لديهم، بل وردت في العهد القديم، وفي الأناجيل منسوبة إلى غير المسيح، ومن ذلك ما ورد في سفر صموئيل الثاني (7/14) في كلام الله في زعمهم عن سليمان بن داود عليهما السلام: ( أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا).

وورد في إنجيل متى (6/1) من كلام المسيح لتلاميذه: (احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم أمام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات).

وفي إنجيل مرقص (11/25) من قول المسيح لتلاميذه أيضاً: (ومتى وقفتم تصلون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء؛ لكي يغفر لكم أيضاً أبوكم- الذي في السماوات- زلاتكم، وإن لم تغفروا أنتم لا يغفر لكم أبوكم- الذي في السماوات- أيضاً زلاتكم).

في إنجيل لوقا (11/2) من قول المسيح لتلاميذه: ( فقال لهم: متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات).

وفي إنجيل يوحنا (20/17) وهو من آخر كلام المسيح بعد القيامة المزعومة: ( قال لها يسوع: لا تلمسيني؛ لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي، وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم).

فهذه النصوص على فرض صحتها فيها دلالة واضحة على نسبة أبوة الله تعالى للتلاميذ، والمراد بها في كلام النصارى في هذه المواضع أبوة النعمة.

وما سبق ذكره من النصوص التي ورد فيها أبوة الله للمسيح لا تختلف عن هذه النصوص، فالقول فيها مثل القول في هذه.

فمن هنا يتضح أنه ليس في هذا اللفظ ما يدل على معتقد النصارى في الله، وأنه أب للمسيح سوى من ناحية النعمة والإحسان**

** الفصل السابع: ديانة النصارى المُحرّفة:
تمهيد:المسيح عليه السلام جاء بالديانة بيضاء نقية توحيدا خالصا، ومنهجا ربانيا واضحا، كما تقدم بيانه أول الكلام على النصرانية.
إلا أن النصارى انحرفوا بهذه الديانة عن وجهها الصحيح، إلى وثنية خالصة، وعقائد منحرفة لم يعرفها المسيح عليه السلام ولا حواريوه.
وقد كان ابتداء تحريفها من دخول بولس (شاؤول اليهودي) هذه الديانة بعد رفع المسيح عليه السلام.
وهذه الديانة المحرفة لم تقرر على ما هي عليه في الوقت الحاضر إلا بعد انصرام ما يقارب خمسة قرون من رفع المسيح عليه السلام، حيث أصبحت تقوم على ثلاثة أسس هي:
1- التثليث. 2- الصلب والفداء. 3- محاسبة المسيح للناس.
وسنبين بيانا مختصراً مقولتهم في كل واحد من هذه العقائد، ونبين بإذن الله بطلانها.
المبحث الأول: التثليث:
المطلب الأول: استدلالات النصارى على التثليث:.
المطلب الثاني: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث:.
المطلب الثالث: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:.
المطلب الأول: استدلالات النصارى على التثليث:ليس للنصارى على التثليث ما يستحق أن يسمَّى دليلا؛ إذ إن ما ذكروه يدل على أنهم لفَّقوا كلاماً زعموا أنه دليلٌ، فمن ذلك قولهم:
1- إن الله عزَّ وجلَّ ورد اسمه بالعبرية (ألوهيم) الذي يدل على الجمع، وأنه استخدم صيغة الجمع في التحدث عن نفسه في مثل ما ورد في سفر التكوين (1/26) (وقال الله: نعمل الإنسان).
2- ألفاظ الصورة الموضوعة للمعمودية، وهي (عمدوا باسم الآب والابن والروح القدوس) الواردة في إنجيل متى (28/19).
3- الأحوال التي واكبت تعميد المسيح حيث ورد في إنجيل متى (3/16) (فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة، وآتياً عليه، وصوت من السماوات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت).
بهذه الأدلة التي هي أوهى من خيوط العنكبوت يزعم النصارى أن الله ثلاثة، وأن هؤلاء الثلاثة واحد، ويتركون جميع أسفار العهد القديم التي نصت على وحدانية الله، وانفراده جلَّ وعلا في وحدانية الذات، والصفات، والعبادة، وكذلك جميع النصوص الواردة في العهد الجديد التي تدل على ذلك أيضاً، وسيأتي إيراد بعض ذلك.
المطلب الثاني: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث:أدلة النصارى المذكورة هي من الضعف بحيث يَهُمُّ العاقل بالإعراض عنها، إلا أنه لابد من الرد عليهم؛ لأن استدلالهم بها يعني أن لها شأناً عظيماً في نفوسهم، فنقول:
أما الدليل الأول:
فدعواهم أن (ألوهيم) تعني الجمع، فهذا باطل بنص التوراة التي نصت على أن الله واحد.
كما أن اليهود الذين وجِّه إليهم الخطاب بهذا لم يفهموا ذلك، ولم يعملوا به، بل يعتبرون أن ادعاء إله غير الإله الواحد الذي هو الله شرك أكبر، يستحق معتقده القتل.
كما أن كلمة (ألوهيم) كما يذكر الدارسون واردة في نص من النصوص التي تتكون منها التوراة الحالية، وأنه يقابلها في النص الآخر لنفس القصة لفظ (يهوه).
أما ما أوردوه من سفر التكوين وهو قول: (وقال الله: نعمل الإنسان). فلا يعني أكثر من أنها وردت على صيغة التعظيم.
ومن أولى بالتعظيم والتفخيم في الخطاب من الله عزَّ وجلَّ ؟ كما أن مئات الأقوال واردة في العهد القديم على لفظ الإفراد، فكيف تترك تلك المئات، ويؤخذ بهذه اللفظة الواحدة وشبهها ؟.
أما الدليل الثاني:
وهو لفظ المعمودية (عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس) فهؤلاء ثلاثة وليسوا واحدا، ولا تعني أكثر من طلب الإيمان بهؤلاء الثلاثة الذين هم: الله جلَّ جلاله، ورسوله المسيح عليه السلام، والملك جبريل عليه السلام، كل على ما يليق به، إذا صدق راوي هذه العبارة، وسيأتي زيادة إيضاح لهذه العبارة في الكلام على الروح القدس.
أما الدليل الثالث:
فعلى فرض صحة الرواية بذلك فهي تدل على ثلاثة، وهم:
المسيح الذي اعتمد، والروح القدس الذي نزل على شكل حمامة، وقائل من السماء: (هذا ابني الحبيب). أين أن هؤلاء الثلاثة واحد، هذا ما لا يستطيع النصارى إثباته لا نقلا ولا عقلا.
المطلب الثالث: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:التوحيد دين الرسل جميعاً ولم يخالف في ذلك إلا النصارى الذين ادعوا على المسيح عليه السلام أنه جاء بالتثليث، والتوحيد أوضح مطالب التوراة والكتب الملحقة بها؛ إذ يقوم الكتاب كله على التوحيد ومحاربة الشرك والوثنية بكل أشكالها.
ومن الأدلة على هذا ما ورد في سفر التثنية (4/35) (إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه).
وكذلك ما ورد في سفر التثنيه (6/4) ( اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد).
وفي إنجيل متى (4/7) (قال له يسوع: اذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد) ومثله ورد في إنجيل لوقا (4/8).
وفي إنجيل مرقس (12/28) أن أحد اليهود سأل المسيح ( أية وصية هي أول الكل ؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي: اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد… فقال له الكاتب: جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه).
فهذه وصية المسيح وبيَّن أنها أول الوصايا وأعظمها، ولو كان يقول بالتثليث لوجب عليه أن ينص عليه في مثل هذا الموطن؛ إذ كيف يمكن أن يكون مبلغاً عن الله عزَّ وجلَّ، ولم يوضح أهم ما أمر به ؟
وفي إنجيل يوحنا (17/3) أن المسيح عليه السلام قال في آخر أيامه: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته).
لقد أنطق الله هؤلاء الكتاب بالحق والصدق، وهو أن لا إله إلا الله وحده، وعيسى المسيح رسوله، فأين هذا الكلام النوراني الواضح من دعوى التثليث المظلمة التي افتراها ضلال النصارى، وغلوا في دينهم، وقالوا بها على الله غير الحق ؟ قال الله عز وجل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً .


النساء:171**

**8- مجمع روما عام (1769) م:والذي تقرر فيه عصمة البابا في روما.
من خلال هذا الاستعراض السريع لبعض المجامع النصرانية وقراراتها يتبين لنا ما يلي:
أولاً- أن النصارى لا يملكون أدلة صحيحة صريحة في أكثر دعاويهم؛ لهذا اختلفوا تلك الاختلافات الخطيرة التي تمس جميع نواحي العقيدة لديهم.
ثانياً - أن ما يستنـد إليـه النصارى ويتحمسـون له لا يعدو أن يكون فهما خاصا يسعى أصحابه لتثبيته عن طريق تلك المجامع، ولا يخلو الأمر من الأهواء والأغراض الخاصة من حب الرئاسة وفرض السيطرة.
ثالثاً- أن المجامع لم تكن يوماً من الأيام هيئات شوريـة يتباحث القسس فيها الآراء، ويتوصلون فيها إلى الحق بأدلته، بل كانت في الأغلب تعقد لفرض رأي أو تصور عن طريق تلك المجامع وبقوة السلطان أو قوة الكنيسة.
رابعاً- أن تلك المجامع كانت أداة بيد الأباطرة الرومان يسخرونها لرغباتهم في التوسع والسيطرة، أو تحقيق أغراض سياسية.
خامساً - أن تلك المجامع كانت من أعظم أسباب الفرقة وتثبيتها في العالم النصراني، بحيث إنهم لم يخرجوا في واحد منها متفقين، بل كلما اجتمعوا في مجمع من تلك المجامع يزداد اختلافهم، وبالتالي انقسامهم.
سادساً - أن المجامع صاغت العقيدة وقررتها بعد خلاف طويل، وهذا يدلُّ على أن العقيدة النصرانية في الإله وفي المسيح، وفي نقاط عديدة ليس لأدلتها من الوضوح ما يكفي لجعلها مسلمات وقطعية الدلالة لكل نصراني نظر في الأناجيل وعلم أقوال المسيح، وهذا أمر يجب التوقف عنده والتفكير في مهمة المسيح ماذا كانت ؟ فإنه إذا لم يكن وضَّح وجلَّى تلك القضايا، وأبان عنها البيان الكامل الذي لا يفتح مجالاً للاختلاف فيها، وخاصة أنها من أصول الديانة، وأهم العقائد، فما هي مهمته إذاً ؟
هل جاء ليلقي كلاماً مبهماً لا يعرف معناه يحار الناس فيه قروناً ؟ أم أنه تكلم بكلام واضح وجلي كما هي حقيقة مهمة الرسل إلا أن الناس حرَّفوا كلامه بعد ذلك، وحملوه على غير محامله ونسبوا إليه ما لم يقل ؟!
سابعاً- إن المجامع قررت قرارات ولعنت وحرمت من لم يقل بها، وقررت أن سبيل النجاة هو اعتقاد تلك الأقوال- وهنا سؤال يطرح نفسه ماهو حال حواريي المسيح وأوائل النصارى الذين لم يكونوا يعتقدون تلك العقيدة ولم يتكلموا فيها بكلمة، كالتثليث، وطبيعة المسيح وانبثاق الروح القدس من الأب أو الأب والابن معاً إلى غير ذلك.
ثامناً- إن المجامع قد صاغت العقيدة النصرانية بكل تفاصيلها، وذلك يدل على أن تلك العقيدة بتفاصيلها صنعة بشرية لم ينزلها الله تعالى على المسيح عليه السلام.
تاسعاً- أن المجامع النصرانية هي المصدر الحقيقي للديانة النصرانية المحرفة؛ لأن تلك الفهوم التي كانت تقرر وتصدر وفقها القرارات لم تكن تعتمد على نصوص قطعية واضحة، بل أحياناً كانت تعتمد على نصوص متشابهة وكلام محتمل لأكثر من معنى، ويكون من أقلها احتمالاً المفهوم الذي تدعيه الكنيسة، كما في دعوى ألوهية المسيح عليه السلام.
وأحياناً كانت لا تعتمد على أي نصوص موجودة لديهم وهو الأكثر، بل يكون تركيباً ذهنيًّا وهميًّا، أو تصوراً خاطئاً بني على تصور خاطئ، كما في قراراتهم المتعلقة بألوهية الروح القدس، وطبيعة المسيح، وتقديس الصور والتماثيل، وعصمة البابا ونحو ذلك.
ويصدق عليهم فيما يدعونه من عقيدة ويشرعونه للناس أنهم جعلوا أنفسهم أرباباً من دون الله يحلون ويحرمون، فينطبق عليهم قول الله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ .


التوبة:30-31**

**2- مجمع القسطنطينية:دعـا الإمبراطور ( ثيودسيوس ) سنة (381) م, إلى عقد مجمع القسطنطينية لمواجهة دعوات كانت منتشرة بين الكنائس.

  • منها دعوة (مقدونيوس) الذي كان أسقفًّا للقسطنطينية، الذي نادى بأن الروح القدس مخلوق وليس إلها.

  • ودعوة (صابيليوس) الذي كان ينكر وجود ثلاثة أقانيم.

  • ودعوة (أبوليناريوس) الذي كان أسقفًّا على اللاذقية والشام، والذي أنكر وجود نفس بشرية في المسيح.

فحضر ذلك المجمع مائة وخمسون أسقفًّا، قرروا فيه ألوهية الروح القدس، ولعن وطرد من خالف ذلك، فاكتمل بذلك ثالوث النصارى.

وكما هو ظاهر فإن هذا المجمع عقد بدعوة من الإمبراطور (ثيودسيوس) الذي كان قد سن القوانين والتشريعات لمصلحة القائلين بألوهية المسيح والمثلثين من النصارى.

3- مجمع أفسس سنة (431) م:انعقد هذا المجمع لمواجهة قول ( نسطور) أسقف القسطنطينية، الذي قيل عنه: إنه كان يقول بأن المسيح له طبيعتان: إلهية وإنسانية بشرية، وأن مريم والدة الإنسان وليست والدة الإله.

فعقد المجمع في أفسس سنة (431) م, بحضور مائة وستين أسقفًّا، وقُرِّر فيه أن المسيح إله وإنسان ذو طبيعة واحدة وأقنوم واحد، وأن مريم أم إلههم، وحكم على (نسطور) بالطرد من الكنيسة.

وبعد مجمع أفسس عُقدت مجامع عديدة كلها تبحث في طبيعة المسيح عليه السلام، منها:

4- مجمع خلقيدونيه سنة (451) م:في هذا المجمع عادوا للبحث في طبيعة المسيح، وقرَّر المجتمعون: أن المسيح له طبيعتان: إلهية وبشرية بلا اختلاط ولا تحول ولا انقسام ولا انفصال! وكان المناصرون لهذا القول هم الأساقفة الغربيين الذين لعنوا وطردوا من لا يقول بهذا القول. ولم توافقهم الكنائس الشرقية على هذا، وقد أصروا على قرارهم السابق في مجمع (أفسس) بأن المسيح له طبيعة واحدة إلهية وبشرية، وهذا من أهم الفوارق بين الكاثوليك القائلين بالطبيعتين، والأقباط والأرمن والسريان القائلين بالطبيعة الواحدة.

بعد هذا عقدت مجامع عديدة من أهمها:

5 - المجمع السابع سنة (754، 787) م:المراد بالمجمع السابع مجمعان: المجمع الأول انعقد سنة (754) م, بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الخامس وذلك للنظر في موضوع الصور والتماثيل، وما يقدم لها من التقديس والعبادة. وخرج بقرار يلعن به كل من يصور المسيح أو أمه أو آباء الكنيسة باعتبار أنها وثنية.

ثم أمر الإمبراطور أن يُمحى ويُدمر كل ما في الكنائس من صور وتماثيل، كما حمل على الرهبان فأغلق الأديرة وصادر أموالها، كما أرغم الرهبان على أن يتزوجوا الراهبات، وبعد وفاة الإمبراطور قسطنطين الخامس سنة (775) م, تولى على الإمبراطورية زوجته إيريني التي كانت تؤيد الصور والتماثيل، فدعت إلى مجمع عام سنة (787) م في نيقية حضره (350) أسقفًّا خرجوا بقرار وجوب تعليق الصور والتماثيل للمسيح وأمه وقديسيهم وكذلك الملائكة، ويقدم لهم صنوف التكريم من التقديس والسجود، ويستشفع بهم إلى الله في الحاجات لما لهم من المكانة، والدالة على الله - تعالى الله عن قولهم - كما لعن المجمع كل من لا يكرم تلك الصور والتماثيل، واستمر النصارى على هذا إلى أن جاء البروتستانت فحملوا على الصور والتماثيل، وحرَّموها وانشقوا بذلك عن بقية النصارى من الكاثوليك والأرثوذكس.

6 - المجمع الثامن سنة (869) م:وكان سبب انعقاده: الخلاف بين كنيسة القسطنطينية، وكنيسة روما في الروح القدس: هل انبثق من الأب فقط -وهو زعم كنيسة القسطنطينية- أم من الأب والابن معاً، كما هو زعم كنيسة روما ؟

وقد قرر في هذا المجمع قول كنيسة روما بأن الروح القدس انبثق من الأب والابن معاً.

ولم يوافق على ذلك بطريرك القسطنطينية ومن كان معه وأصروا على قولهم، وعقدوا لذلك مجمعاً سنة (879) م, قرروا فيه أن الروح القدس انبثق من الأب وحده، فانقسمت بسببه الكنيسة إلى قسمين:

  1. الكنيسة الغريبة ويتزعمها البابا في روما وهم الكاثوليك.

  2. الكنيسة الشرقية ويتزعمها بطريرك القسطنطينية وهم الأرثوذكس.

7- المجمع الثاني عشر الذي عقد سنة (1215) م:وقد تقرر فيه أن العشاء الرباني يتحول إلى جسد ودم المسيح، وأن الكنيسة البابوية الكاثوليكية تملك حق الغفران، وتمنحه لمن تشاء.**

** المبحث الثاني: المجامع النصرانيةتمهيد:المجامع النصرانية يعرفها النصارى بأنها: هيئات شورية في الكنيسة تبحث في الأمور المتعلقة بالديانة النصرانية وأحوال الكنائس.

والمجامع النصرانية نوعان:

مجامع محلية: وهي التي تبحث في الشؤون المحلية للكنائس التي تنعقد فيها.

ومجامع مسكونية (عالمية): تبحث في العقيدة النصرانية، ومواجهة بعض الأقوال التي يرى غرابتها ومخالفتها للديانة.

وأول المجامع كما يذكر سفر أعمال الرسل، كان مجمع أورشليم الذي عقد أيام الحواريين من أجل النظر في حكم إلزام غير اليهود بالشريعة الموسوية، فقرَّر المجتمعون هناك أنهم لا يلزمون بالختان ولا بالشرائع الموسوية، وإنما يلزمون فقط بالامتناع عن الذبح للأصنام والزنى وأكل المخنوق والدم.

1- مجمع نيقية سنة (325) م:كان هذا المجمع أول المجامع المسكونية وأخطرها أيضاً.

سبب انعقاده:

سبب انعقاد هذا المجمع هو التعارض والاختلاف العقدي الموجود في الكنسية في تلك الأزمان، وذلك أنه ما أن توقف الاضهاد الواقع على النصارى من قبل الرومان بمرسوم ميلان، حتى ظهر على السطح ذلك الخلاف العقائدي الكبير بين طوائف النصارى، والذي كان يخفيه من قبل الحالة الاضطهادية الواقعة على جميع أصناف النصارى، والذي كان من أسباب رسوخ هذه الانحرافات العقدية كما سيتبين.

وكان أبرز وجوه الاختلاف: ذلك الخلاف والتعارض بين دعـوة كنيسـة الإسكندرية- التي كانت تنادي بألوهية المسيح على مذهب بولس- وبين دعوة الأسقف الليبي (آريوس) في الإسكندرية أيضاً. الذي وُصِفَ بأنه عالم مثقف، وواعظ مفوه، وزاهد متقشف، وعالم بالتفسير، حيث أخذ ينادي بأن الله إله واحد غير مولود أزلي، أما الابن فهو ليس أزليًّا وغير مولود من الأب، وأن هذا الابن خرج من العدم مثل كل الخلائق حسب مشيئة الله وقصده.

وشايع آريوس في دعوته العديد من الأساقفة، منهم أسقف نيقوميديه المسمى أوسابيوس وغيره.

وكان الإمبراطور (قسطنطين) في ذلك الوقت قد أبدى تعاطفاً قويًّا تجاه النصارى، ورفع عنهم الاضطهاد، واهتم بشؤونهم، فهاله ما رأى من انقسام النصارى، وأدرك خطورة تلك الانقسامات على دولته، والتي كان أخطرها ما كان بين أسقف كنيسة الإسكندرية الكسندروس وآريوس وأتباعه.

وكان الخلاف قد تطور بينهما، وذلك بـأن طلب أسقف الإسكندرية عقد مجمع في الإسكندرية للنظر في قضية آريوس ودعوته، فقرَّر ذلك المجمع قطع آريوس من الخدمة، وهذا جعل (آريوس) يخرج من الإسكندرية ويتوجه إلى آسيا، حيث عقد في (بثينيه) بآسيا الصغرى مشايعوه من الأساقفة مجمعاً قُرر فيه قبول آريوس وأتباعه وكتابة طلب إلى أسقف الإسكندرية برفع الحرمان الذي قرروه على (آريوس)، فهذا ما جعل الإمبراطور (قسطنطين) يدعو إلى مجمع عام في نيقية سنة (325) م, لبحث هذه القضية.

  • عدد الحاضرين ومذاهبهم:

اختلف كلام النصارى في ذكر عدد المجتمعين فالبعض يرى أن عدد المجتمعين كان (318) أسقفًّا فقط، وبعضهم يرى أنهم ما بين( 300- 5201)، ويذكر مارى سليمان في كتاب (المجدل) وكذلك ابن البطريق أن عددهم كان (2048) أسقفًّا.

أما مذاهب الحاضرين فكانت متباينة تبايناً شديداً. وكما يقول ابن البطريق بأنهم كانوا مختلفين في الآراء والأديان.

  • فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم البربرانية.

  • ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها، وهي مقالة سابليوس.

  • ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مرَّ في بطنها كما يمر الماء في الميزاب.

  • ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان مخلوق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وأن الابن من مريم، ويرون أن الله جوهر قديم واحد وأقنوم واحد، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بالروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية، ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح، وطالح، وعدل بينهما. وهي مقالة مرقيون وأصحابه.

  • ومنهم من كان يقول بألوهية الميسح، وهي مقالة بولس ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًّا.

قرارات المجمع ونتيجته:

بعد أن تداول المجتمعون الآراء في ذلك المجمع خرجوا بتقرير ألوهية المسيح عليه السلام، وأنه ابن الله - في زعمهم - أي: من ذات الله، وأنه مساوٍ لله جلَّ وعلا، وأنه مولود منه غير مخلوق، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

كما قرروا أن هذا الإله تجسد بصورة البشر؛ لخلاص الناس، ثم ارتفع إلى السماء بعد قيامته من الموت، كما تم لعن (آريوس) ومشايعيه وحرق كتبه.

وقد وقع كثير من المجتمعين على هذه القرارات لمناصرة قسطنطين لهـا، ويرى ابن البطريق أن (318) أسقفًّا فقط هم الذين أظهروا هذا القول ووقعوا عليه، وخالفهم بقية الأساقفة، والبعض الآخر يرى أن الجميع وقعوا عليها ما عدا يوسابيوس أسقف نيقوميديه في قول بعضهم، وشخص آخر فقد رفضا التوقيع على ذلك النص.

وهكذا انتصر في أول الأمر القائلون بألوهية المسيح بمساندة وتأييد الإمبراطور، حيث ينص بعض المؤرخين على ترأسه لذلك المجمع

ومما يدلُّ على أن المجتمعين في نيقية لم يقبلوا ذلك القول بألوهية المسيح، ولم يكن عند القائلين به حجة مقنعة أنهم كما يذكر القس (حنا الخضري) بعد ذكر الانتصار الذي حقَّقه مشايعو مقولة بولس قال: (ولكن للأسف الشديد كانت الحقيقة الواقعة تختلف الاختلاف كله عن القرارات السنودسية والمجمعية، فقد رجع الأساقفة بعد مجمع نيقية إلى أبرشياتهم والقسوس إلى كنائسهم، وبدأ كل منهم يعلم ما كان يعلم به قبلا، بل إن البعض تطرف في الهرطقة التي فاقت هرطقة ( آريوس) نفسه. فمع أن (آريـوس) وبعض أتباعـه نُفُوا إلا أن الآريوسية بنت عشها في حدائق كثيرين من الأساقفة والرعاة).

ولما كان قرار نيقية بألوهية المسيح فرض بقوة السلطان، فإن السلطان- وهو الإمبراطور- رجع فيما بعد عنه، وأمر بعقد مجمع صور سنة (334) م، وقرر فيه إعادة (آريوس) إلى الكنيسة، وخلع (أثنا سيوس) أسقف الإسكندرية، أحد أكبر المدافعين عن عقيدة ألوهية المسيح، كما أن الإمبراطور نفسه قد عُمِّد، وهو على فراش الموت على مذهب (آريوس) حيث عمده الأسقف (أوسابيوس النيقوميدي) أكبر أنصار آريوس.

وهكذا يتبين أن هذا المجمع الذي يعد من أخطر المجامع كان ألعوبة بيد الإمبراطور الذي كان وثنيًّا، ولم يكن من أهل تلك الملة وقت ترأسه ذلك المجمع، كما أن المجتمعين لم يكونوا يعتمدون على نصوص متفق عليها مقبولة لدى الجميع، وإلا لتمَّ الإذعان لمدلولها، وإنما كانوا يعتمدون على تصوراتهم أو تصورات أمثالهم من الناس، فلهذا وقع الإعراض عنها بعد عودتهم إلى كنائسهم.**

**ج- أهم مبادئ إنجيل برنابا التي يختلف بها عن الأناجيل الأربعة:

إن الذي جعل النصارى يحملون على هذا الإنجيل حملتهم، ويتنصلون منه، هو مخالفته لأناجيلهم المعتمدة وعقيدتهم في أخطر وأهم نقاطها، وهي:-

أولاً: أنه صرح أن المسيح عليه السلام إنسان، وليس إله ولا ابن إله، وبيَّن أن سبب تأليف إنجيله هو رد هذه الفرية التي أطلقها بولس مع غيرها من الافتراءات، كترك الختان وإباحة أكل اللحوم النجسة، وفي هذا يقول في أول إنجيله: ( أيها الأعزاء، إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة، للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائماً مجوزين كل لحم نجس، الذين ضلَّ في عدادهم أيضاً بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله.

ثانياً: أنه نقل عن المسيح التصريح بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وليس إسحاق كما يزعم اليهود، وفي هذا يقول:-

(أجاب يعقوب: يا معلم قل لنا من صنع هذا العهد، فإن اليهود يقولون بإسحاق، والإسماعيليون يقولون بإسماعيل ؟ أجاب يسوع: صدقوني؛ لأني أقول لكم الحق، إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق.

حينئذ قال التلاميذ: يا معلم، هكذا كتب في كتاب موسى أن العهد صنع بإسحاق ؟.

أجاب يسوع متأوهاً: هذا هو المكتوب، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله.

الحق أقول لكم: إنكم إذا أعملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون حديث كتبتنا وفقهائنا؛ لأن الملاك قال: يا إبراهيم، سيعلم العالم كله كيف يحبك الله، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله حقًّا، يجب عليك أن تفعل شيئاً لأجل محبة الله، أجاب إبراهيم: هاهو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله، فكلَّم الله حينئذ إبراهيم قائلاً: خذ ابنك بكرك إسماعيل، واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة.

فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين ؟

فقال حينئذ التلاميذ: إن خداع الفقهاء لجلي، لذلك قل لنا أنت الحق؛ لأننا نعلم أنك مرسل من الله).

وذكر برنابا أيضاً أن المسيح خاطب رئيس كهنة اليهود قائلاً له: (إن إبراهيم أحب الله حيث إنه لم يكتف بتحطيم الأصنام الباطلة تحطيماً ولا بهجر أبيه وأمه، ولكنه كان يريد أن يذبح ابنه طاعة لله.

أجاب رئيس الكهنة: إنما أسألك هذا ولا أطلب قتلك، فقل لنا: من كان ابن إبراهيم هذا ؟

أجاب يسوع: إن غيرة شرفك يا الله تؤججني ولا أقدر أن أسكت. الحق أقول: إن ابن إبراهيم هو إسماعيل الذي يجب أن يأتي من سلالته مسيا الموعود به إبراهيم أن به تتبارك كل قبائل الأرض.

فلما سمع هذا رئيس الكهنة حنق وصرخ: لنرجم هذا الفاجر؛ لأنه إسماعيلي، وقد جدف على موسى وعلى شريعة الله).

ثالثاً:- أنه نقل عن المسيح التصريح بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم باسمه وذلك في مواطن عدة من كتابه منها: أن اليهود سألوا المسيح عليه السلام عن اسم النبي المنتظر فقال: (فقال الكاهن حينئذ: ماذا يسمى مسيا، وما هي العلامة التي تعلن مجيئه ؟ فأجاب يسوع: إن اسمه المبارك (محمد). حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله، أرسل لنا رسولك، يا محمد، تعال سريعاً لخلاص العالم.

وأورد أيضاً برنابا حواراً تمَّ بينه وبين المسيح عليه السلام بعد أن رفع إلى السماء، ثم عاد مرة أخرى ليطمئن أمه وحوارييه بأنه لم يمت، ثم ارتفع مرة أخرى إلى السماء، وهذا نصه: ( فقال حينئذ الذي يكتب: يا معلم إذا كان الله رحيماً فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتاً، ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت، وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله ؟

أجاب يسوع: صدقني يا برنابا إن الله يعاقب على كل خطيئة- مهما كانت طفيفة- عقاباً عظيماً؛ لأن الله يغضب من الخطيئة، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي أحبوني قليلاً حبًّا عالميًّا، أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلماذا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئاً في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب؛ لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله).

رابعاً: أن برنابا صرَّح أن المسيح لم يُصلب، وإنما رُفع إلى السماء، وأن الذي صلب هو يهوذا الإسخريوطي، وهو الذي وشى بالمسيح لدى اليهود، حيث أُلْقِي عليه شبه المسيح، فقبض عليه وصلب بدلاً عن المسيح عليه السلام.

وهذا نص كلامه:-

(ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً، وكان الأحد عشر نياماً، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبِّح الله إلى الأبد.

ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع، وكان التلاميذ كلهم نياماً.

فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغيَّر يهوذا في النطق وفي الوجه، فصار شبيها بيسوع حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا أنسيتنا الآن ؟

أما هو فقال متبسماً: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفون يهوذا الإسخريوطي.

وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا؛ لأنه كان شبيهاً بيسوع من كل وجه).

وبعد أن ذكر محاكمة يهوذا وجلده من قبل اليهود والوالي الروماني وهم يظنون أنه يسوع قال: (وأُسْلِمَ يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت، وحكموا عليه بالصلب وعلى لصين معه.

فقادوه إلى جبل الجمجمة حيث اعتادوا شنق المجرمين، وهناك صلبوه عرياناً مبالغة في تحقيره).

هذه أهم مبادئ هذا الكتاب الذي أحدث بمبادئه وقت ظهوره دويًّا لدى النصارى، أما نحن المسلمين فلا يقدم عندنا هذا الكتاب ولا يؤخر، فنحن مطمئنون لكتاب ربنا الذي بين أيدينا نعرف به الحق، وعلى ضوئه نقيس الحق.**