ألْنَصْرانِيَّة

**إن الحديث عن تاريخ النصارى الأوائل والنصرانية من المصادر النصرانية يعتبر من أصعب الموضوعات وأكثرها تعقيداً؛ لأن التاريخ إنما يعتمد على النصوص والروايات المحفوظة التي تبين تاريخ حقبة ما. والناظر في المصادر النصرانية يواجه مشكلة الانقطاع التاريخي في فترة من أهم الفترات المتعلقة بالنصرانية، وهي الفترة التي تعقب رفع المسيح عليه السلام إلى منتصف القرن الثاني من الميلاد، فإن هذه الفترة تعتبر فترة حرجة جدًّا، والمصادر التي يمكن أن يعتمد عليها في بيان تاريخ تلك الفترة تعتبر نادرة جدًّا، بل لا يوجد بين يدي النصارى سوى كتاب (أعمال الرسل) الذي تحدَّث كاتبه في أوله عمن يزعم أنهم تلاميذ المسيح حديثاً محدوداً، ثم خصَّص بقية كتابه للحديث عن بولس وأعماله، ورغم ذلك فإن المعلومات عن بولس تنقطع قبل موته بعد وصوله روما، وهذه النهاية التي انتهى إليها صاحب الكتاب هي نهاية المعلومات المتوفرة لدى النصارى عن تلك الفترة، يضاف إلى ذلك ما يمكن استفادته واستخلاصه من رسائل بولس الأربع عشرة التي فيها إشارات قليلة تخص بولس من ناحية تاريخية، إلا أنها شبه خالية من المعلومات عن الحواريين الذين هم تلاميذ المسيح عليه السلام الحقيقيون.

ومع ذلك فسنحاول ذكر تاريخ إجمالي للنصارى والنصرانية إلى عهد ما بعد الإمبراطور قسطنطين حسب المعلومات المتاحة، وذلك لإعطاء القارئ تصوراً عن النصرانية من ناحية تاريخية، ربما يكون قريباً من الواقع.

المسيح عليه السلام من خلال مصادر النصارى ألمسيح هو: عيسى بن مريم عليه السلام، وينسبه النصارى إلى داود عليه السلام، ويعتقدون أنه لا أب له من البشر؛ لأن الله أرسل إلى مريم الملك جبريل عليه السلام فكان الحمل به عليه السلام، ثم إنها وضعته بعد ذلك في بيت لحم في فلسطين، وزعم صاحب إنجيل متى أن أمه ذهبت به من فلسطين إلى مصر خوفاً من هيرودس حاكم اليهودية، الذي عزم على قتل جميع الأطفال الذين ولدوا في ذلك العام؛ لأن منجمين مجوس أخبروه بولادة ملك اليهود. وبعد بلوغ المسيح عليه السلام الثلاثين من عمره ابتدأ دعوته بعد أن اعتمد من يحيى عليه السلام فكان يعظ الناس في أماكن تجمعهم، وإذا رأى مرضى يشفيهم - بِإِذْنِ اللّهِ-، ويتجول في سائر المدن اليهودية، وظهرت على يديه آيات كثيرة مثل تكثير الطعام، وشفاء المرضى، والمشي على الماء وغير ذلك، وفي هذه الفترة المبكرة من دعوته التحق به من يزعم النصارى أنهم حواريو المسيح، وتابعوه في رحلاته، ثم أرسل تلاميذه اثنين اثنين إلى القرى للدعوة، وشعر رؤساء اليهود بالخطر الذي سيحيق بهم، من جراء دعوة المسيح عليه السلام، ولذا فقد اتفقت كلمتهم على ضرورة القضاء عليه. فلما كان في اليوم الأول من أيام عيد الفصح علم اليهود بمكانه في بيت المقدس، وذلك بوشاية من أحد أتباعه، وهو يهوذا الإسخريوطي، فجاءوا وألقوا القبض عليه، ففرَّ تلاميذه وتركوه، فأخذه اليهود إلى رئيس كهنتهم، وواجهوه بما يتهمونه به، إلا أنهم رأوا أن الشهود لا تتفق كلمتهم فيما شهدوا به عليه، وأخيراً سأله رئيس الكهنة وقال له: أأنت المسيح ابن المبارك ؟ فقال عيسى: أنا هو وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً في سحاب السماء. فمزَّق رئيس الكهنة ثيابه. وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود قد سمعتم التجاديف، ما رأيكم ؟ فحكم الجميع عليه أنه مستوجب للموت. ثم حملوه إلى الوالي الروماني (بيلاطس البنطي) الذي قرره بما كان متهماً به، وهو أنه (ملك اليهود) وهي التهمة التي أوعز اليهود إلى الوالي الروماني أن المسيح يدَّعيها لنفسه، إلا أن المسيح لم يجبه بشيء، فرأى بيلاطس أنه لا يستحق الموت، وهو الجزاء الذي كان يطالب اليهود بإيقاعه به، إلا أن بيلاطس بعد ذلك ونزولاً عند رغبة اليهود حكم عليه بالموت على الصليب، فحمل يوم الجمعة صباحاً إلى موضع الصلب، حيث علِّق على الصليب في زعمهم في الساعة الثالثة صباحاً، وبقي على الصليب إلى الساعة التاسعة عصراً … هذا على حساب الساعة الغروبي الذي يكون أول ساعة بعد غروب الشمس هي الساعة الواحدة ليلا إلى اثنتي عشرة ساعة… فتكون الساعة الثالثة هنا صباحا حوالي التاسعة والنصف في عرفنا والتاسعة توافق الثالثة والنصف مساء ، حيث مات بعد أن صاح (إلهي إلهي لماذا تركتني). ثم أُنزِل عن الصليب وأدخل قبراً بقي فيه تلك الليلة ونهار السبت وليلة الأحد، فلما جاءوا صباح الاثنين وجدوا القبر خالياً، وقيل لهم: إنه قام من قبره، ثم إنه ظهر لتلاميذه بعد ذلك، وبيَّن لهم أنه حيٌّ وبقى معهم حسب كلام صاحب أعمال الرسل (أربعين يوماً) ثم ارتفع إلى السماء وهم ينظرون إليه، وكانت مدة دعوة المسيح حسب الأناجيل الثلاثة الأولى لا تزيد عن سنة واحدة، إذ لم يذكروا خلال دعوة المسيح إلا عيداً واحداً، أما أنجيل يوحنا فذكر ثلاثة أعياد لليهود، لهذا يرى كثير من النصارى أن مدة دعوته كانت ثلاث سنوات، وكان أتباعه خلال هذه المدة والذين خَلَّفهم بعده ينحصرون في الاثني عشر حواريًّا، وآخرين يبلغ مجموعهم مائة وعشرين فقط.

وكل من نظر في الأناجيل التي بين يدي النصارى، والتي تحوي دعوة المسيح ونشاطه، وتحركاته، ومواعظه، يتيقن أن المسيح لم يؤسس ديانة جديدة البتة، بل كان يلتزم بشريعة موسى عليه السلام، ويدعو إلى الالتزام بها، ويحرم الخروج عليها، وبهذا أيضاً وصَّى تلاميذه الذين أرسلهم إلى الدعوة في القرى.

أما محور دعوة المسيح عليه السلام حسب الأناجيل، فهو الدعوة إلى التوبة والإنابة إلى الله والتبشير بالملكوت القريب، وكان يضرب لهم الأمثال في ذلك، ولا يختلف في هذا عن الأنبياء من بني إسرائيل الذين سبقوه وجاءوا بعد موسى عليه السلام، إلا أنه زاد في النهي عن الفواحش والفساد بتأكيد تحريم الوسائل إليها، فمن ذلك قوله في إنجيل متى (5/27): (قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لاتزن. وأما أنا فأقول لكم: إن من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه). وفي (5/33): (سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تحنث بل أوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة… بل ليكن كلامكم نعم نعم، لا لا).

وكذلك أكَّد على التسامح والعفو والمحبة، وفي هذا يقول متى (5/43): (سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم).

أما التشريع فلم يذكر عنه منه شيء سوى ما يتعلق بالحض على عدم الطلاق وعدم زواج المطلقة. يقول متى عنه في (5/31): (وقيل: من طلَّق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم: إن من طلَّق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني).

وفي إنجيل لوقا (16/18) يقول: (كل من يطلِّق امرأته ويتزوَّج بأخرى يزني، وكل من يتزوَّج بمطلقة من رجل يزني). فهذا يدلُّ على أن المسيح عليه السلام لم يؤسس ديانة جديدة البتة، بل كان شأنه ودعوته شأن ودعوة الأنبياء السابقين من بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام، إلا أن الله جعله وأمه آية لبني إسرائيل.**

**التعريف بالمسيح عليه السلام

إجمالاً من خلال القرآن الكريم وما يتفق معه مما ورد في أناجيل النصارى:

المسيح عليه السلام نبي من أنبياء بني إسرائيل، دعا إلى الله عزَّ وجلَّ، وبلَّغ رسالة ربه عزَّ وجلَّ، وقد ذكر الله عزَّ وجلَِّ هذا النبي الكريم في القرآن الكريم، وذكر دعوته في مواضع عديدة، من أشملها قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِما أنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِين .

هذا هو المسيح عليه السلام في كلام الله عزَّ وجلَّ، بشر خلقه الله بكلمته، كما خلق من قبله آدم عليه السلام بكلمته، وهي قوله: (كن) وجعله الله سبحانه آية حيث خلقه في بطن أمه مريم بدون أن يكون لها زوج أو يمسها بشر، بل كانت- رضوان الله عليها- عبدة صالحة طاهرة مبرأة من الخبث والفساد.

وبيَّن الله عزَّ وجلَّ لنا حقيقة دعوة المسيح عليه السلام، وأنه رسول دعا إلى عبادة الله عزَّ وجلَّ وحده لا شريك له، وقد وجَّه دعوته لبني جنسه، وهم بنو إسرائيل الذين كانوا في ذلك الوقت قد انحرفوا كثيراً عن دين موسى عليه السلام، إلا أن قومه كذَّبوه وسعوا إلى قتله، فأنجاه الله منهم ورفعه إلى السماء.

وإذا نظرنا إلى الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى نجد أنها صرَّحت بما ذكره القرآن تصريحاً واضحاً لا لبس فيه، ومن ذلك:

1- بشرية المسيح:

ذكر الله عزَّ وجلَّ بشرية المسيح في الآيات السابقة، وقد قصَّ لنا الربُّ جلَّ وعلا خبره من لدن جدته امرأة عمران ثم أمه ثم خبر ولادته.

وقد ذكرت جميع الأناجيل أنه ولد من مريم، وأنه طرأ عليه ما يطرأ على البشر من الوجود بعد العدم، والأكل والشرب والتعب والنوم والموت، وسائر الخصال البشرية.

2- أنه رسول الله:

وذلك في قوله عز وجل: ما الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ . وقد صرَّّح النصارى أن المسيح عليه السلام قال لهم في مواطن كثيرة في الأناجيل بأنه رسول من عند الله، فقد ورد في إنجيل متى (10/40): (من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني). وفي إنجيل لوقا (4/43): (فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشِّر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله؛ لأني لهذا أرسلت. فكان يكرز في مجامع الجليل). ويقول لتلاميذه الذين أرسلهم إلى المدن لدعوة الناس للإيمان به وبرسالته حسب قول لوقا(10/16): (الذي يسمع منكم يسمع مني، والذي يرذلكم يرذلني. والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني).

وفي إنجيل يوحنا ذكر أنه رسول من الله في مواطن كثيرة منها (4/34): (قال لهم يسوع: طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني، وأتمم عمله). وفي (17/3) يذكر عن المسيح أنه قال: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته).

3- أنه رسول إلى بني إسرائيل خاصة:

قال الله عزَّ وجلَّ في الآيات السابقة: وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرائيلَ [آل عمران:49]. وقـد ورد في إنجيل متى (15/24) أن المسيح عليه السلام لحقته امرأة كنعانية تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة، فقال المسيح: (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ). وكذلك في إنجيل متى (10/5) أن المسيح أرسل تلاميذه إلى القرى اليهودية، وقال لهم: (إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة).

4- أنه دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له:

قال جلَّ وعلا عن المسيح أنه قال: إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [آل عمران: 51].

وذكر متى في إنجيله (4/10) عن المسيح أنه قال: (للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد). وفي إنجيل مرقص (12/29) أن المسيح أجاب من سأله عن أول الوصايا والواجبات بقوله: (إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك). وفي إنجيل لوقا (4/8) أن المسيح قال للشيطان لمـا طلب منه أن يسجد له: (اذهب يا شيطان، إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد).

وفي إنجيل يوحنا (17/3) أن المسيح قال: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته). وكذلك قال للمرأة التي رأته بعد القيامة في كلامهم في إنجيل يوحنا (20/17): ( قال لها يسوع: لا تلمسيني؛ لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم).

5- إنه متبع لشريعة موسى عليه السلام ومكمل لها:

قال عزَّ وجلَّ: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . [آل عمران: 50].

قال متى في إنجيله (5/17) عن المسيح أنه قال: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل).

6- أنه دعا إلى التوبة:

وهو معنى قوله عزَّ وجلَّ: (وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُون )

وقد ذكر بعض الكُتَّاب أن لبَّ دعوة المسيح عليه السلام حسب الأناجيل هو: الدعوة إلى التوبة، والأخذ بشريعة موسى عليه السلام. وفي هذا ورد في إنجيل متى (9/13): (لأني لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة). وفي إنجيل مرقص (1/14): (وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل). فهذه النصوص يظهر منها واضحاً بشرية المسيح عليه السلام، وأنه رسول دعا بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا يتفق تمام الاتفاق مع ما ذكره الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم عنه، ويتفق مع دعوة الأنبياء السابقين الذين ورد ذكرهم في القرآن، أو ذكرهم اليهود في كتبهم. كما يتفق ذلك مع العقل وترتاح له النفس. وهذا بخلاف ما تدَّعيه الكنيسة وتزعمه من الأمور المناقضة للعقل والشرع، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك عند الحديث عن عقائد النصارى .


آل عمران: 45-60

المائدة: 75

آل عمران: 50**

**ألنشأة وألتأريخ النصرانية تعتبر امتدادا لليهودية؛ لأن عيسى عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل مجددا في شريعة موسى عليه السلام، ومصححا لما حرفه اليهود منها، وليحل لهم بعض الطيبات التي حرِّمت عليهم.

قال تعالى عن عيسى عليه السلام: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ … إلى قوله تعالى: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ .

علاقتها باليهودية:

الديانة النصرانية امتداد لليهودية، ومكملة لها؛ لأن عيسى عليه السلام- كما أسلفنا- جاء رسولا إلى بني إسرائيل، مصححا ما حرَّفوه من الدين المنزل على موسى عليه السلام في التوراة، وليحل لهم بعض الطيبات التي حرِّمت عليهم، ومبشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا يأتي من بعده. فقال تعالى: ‏‏وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين‏‏ .

لكن غالب بني إسرائيل (اليهود) كذَّبوا عيسى عليه السلام، وأنكروا رسالته وحاربوا أتباعه، ولمَّا رفعه الله إليه حرَّفوا الدين الذي جاء به، وحاولوا طمسه بمكرهم ودسائسهم، ولم يمض ثلاثة قرون على الديانة النصرانية حتى تحوَّلت تماما عن مسارها الصحيح المتمثل في التوحيد إلى الشرك المتمثل في التثليث، وتبدَّلت نصوصها وأحكامها. كما فعلوا بدين موسى عليه السلام من قبل.

فالنصرانية الحاضرة صنعة اليهود، تسير في ركابهم، لذلك نرى النصارى لا يزالون يعترفون بكتاب اليهود (التوراة)، ووصايا الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام رغم تحريف اليهود، ويسمونها (العهد القديم) بالإضافة إلى كتابهم الإنجيل المحرَّف الذي يسمونه (العهد الجديد).

أما اليهود فهم ينكرون كل ما عدا التوراة، إلا ما ورد عن علمائهم ومفسريهم ويسمونه (التلمود)، وهو مقدم عندهم على التوراة.

والنصارى يكفِّرون اليهود؛ لتكذيبهم عيسى عليه السلام. واليهود يكفِّرون النصارى؛ لأنهم يرونهم مبتدعين، ودينهم باطل؛ لأن عيسى عليه السلام بزعمهم ساحر كذاب.

قال الله تعالى عن الفريقين:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

  • أهل الكتاب (اليهود والنصارى):

ويطلق على اليهود والنصارى معا (أهل الكتاب) إشارة إلى أن أديانهم سماوية منزلة من الله تعالى إليهم بكتاب. وأحيانا يطلق على أحدهما، والكتاب هو التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، والإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام. وقد ورد هذا الإطلاق في الكتاب والسنة.

ومع أن اليهود والنصارى (أهل الكتاب) يكفِّر بعضهم بعضا إلا أنهم يجتمعون على الكيد للإسلام، والإضرار بالمسلمين. وقد ذكر الله عنهم ذلك في أكثر من آية، قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ .

وقال تعالى: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ 15].

والذين كفروا من أهل الكتاب هم من لم يسلم من اليهود والنصارى.

وأهل الكتاب مكلفون بإقامة التوراة والإنجيل معا، لكنهم كفروا بهما، قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [ 16].

ومن إقامة التوراة والإنجيل: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حيث بشَّرت به هذه الكتب، واتباع الإسلام الذي نسخ ما قبله من الأديان.


آل عمران: 48- 50

الصف 6

البقرة: 113

البقرة: 109

البقرة: 105

المائدة: 68**


النصرانية وما تفرع عنها [*]
ألفصل ألأول
(النصرانية: التعريف والنشأة والتاريخ)
النصرانية لغة: قيل: نسبة إلى نصرانة، وهي قرية المسيح عليه السلام من أرض الجليل، وتسمى هذه القرية ناصرة ونصورية، والنسبة إلى الديانة نصراني، وجمعه نصارى.
النصرانية اصطلاحاً: هي دين النصارى الذين يزعمون أنهم يتبعون المسيح عليه السلام، وكتابهم الإنجيل .
التعريف: هي الرسالة التي أُنزلت على عيسى عليه الصلاة والسلام، مكمِّلة لرسالة موسى عليه الصلاة والسلام، ومتممة لما جاء في التوراة من تعاليم، موجهة إلى بني إسرائيل، داعية إلى التوحيد والفضيلة والتسامح، ولكنها جابهت مقاومة واضطهاداً شديداً، فسرعان ما فقدت أصولها، مما ساعد على امتداد يد التحريف إليها، فابتعدت كثيراً عن أصولها الأولى؛ لامتزاجها بمعتقدات وفلسفات وثنية .
تطلق النصرانية على الدين المنزل من الله تعالى على عيسى عليه السلام، وكتابه الإنجيل، النصارى لا يزالون يقدسون التوراة (العهد القديم) والإنجيل ويسمونه: (العهد الجديد) . .
وأتباعها يقال لهم: (النصارى) نسبة إلى بلدة الناصرة في فلسطين، وهي التي ولد فيها المسيح.
أو إشارة إلى صفة: وهي نصرهم لعيسى عليه السلام، وتناصرهم فيما بينهم. وهذا يخص المؤمنين منهم في أول الأمر، ثم أطلق عليهم كلهم على وجه التغليب. ويشهد لذلك قوله تعالى: ( قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ ).
فالنصرانية في أصلها دين منزل من الله تعالى، لكنها غيِّرت وبدِّلت وحرِّفت نصوصها، وتعددت أناجيلها، وتحوَّل أتباعها عن التوحيد إلى الشرك (وذلك باعتراف مؤرخي النصارى أنفسهم) ثم نسخت بالإسلام، فأصبحت باطلة؛ لتحريفها ولنسخها كاليهودية .
هل يصح إطلاق المسيحية على النصرانية ؟
وقد أطلق على أتباع الديانة النصرانية في القرآن الكريم نصارى، وأهل الكتاب، وأهل الإنجيل، وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين نسبة إلى المسيح عليه السلام، ويسمون ديانتهم (المسيحية). وأول ما دُعيَ النصارى (بالمسيحيين) في أنطاكية حوالي سنة (42) م، ويرى البعض أن ذلك أول الأمر كان من باب الشتم.
ولم ترد التسمية بالمسيحية في القرآن الكريم ولا في السنة، كما أن المسيح حسب الإنجيل لم يسمِّ أصحابه وأتباعه بالمسيحيين، وهي تسمية لا توافق واقع النصارى؛ لتحريفهم دين المسيح عليه السلام.
فالحقُّ والصواب أن يطلق عليهم نصارى، أو أهل الكتاب؛ لأن في نسبتهم للمسيح عليه السلام خطأ فاحشا؛ إذ يلزم من ذلك عزو ذلك الكفر والانحراف إلى المسيح عليه السلام، وهو منه بريء .

سئل فضيلة الشيخ‏: محمد بن صالح العثيمين رحمه الله‏ عن إطلاق المسيحية على النصرانية‏ ؟‏ والمسيحي على النصراني‏ ؟‏
فأجاب بقوله‏:‏ لا شك أن انتساب النصارى إلى المسيح بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم انتساب غير صحيح؛ لأنه لو كان صحيحا لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإن إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إيمان بالمسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏‏وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين‏‏‏ ‏, ولم يبشرهم المسيح عيسى ابن مريم بمحمد صلى الله عليه وسلم، إلا من أجل أن يقبلوا ما جاء به؛ لأن البشارة بما لا ينفع لغو من القول لا يمكن أن تأتي من أدنى الناس عقلا، فضلا عن أن تكون صدرت من عند أحد الرسل الكرام أولي العزم، عيسى ابن مريم، عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي بشَّر به عيسى ابن مريم بنى إسرائيل هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله‏:‏ ‏‏ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ‏ ‏[‏6‏]‏‏.‏ وهذا يدل على أن الرسول الذي بشَّر به قد جاء، ولكنهم كفروا به وقالوا: هذا سحر مبين. فإذا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذا كفر بعيسى ابن مريم الذي بشَّّرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ لا يصح أن ينتسبوا إليه فيقولوا: إنهم مسيحيون. إذ لو كانوا حقيقة لآمنوا بما بشَّر به المسيح ابن مريم؛ لأن عيسى ابن مريم وغيره من الرسل قد أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين‏ ‏[‏7‏]‏‏.‏ والذي جاء مصدقًا لما معهم هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏‏وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِما أنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ‏‏ ‏[‏ 8‏]‏‏.‏
وخلاصة القول أن نسبة النصارى إلى المسيح عيسى ابن مريم نسبة يكذبها الواقع؛ لأنهم كفروا ببشارة المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكفرهم به كفر بعيسى ابن مريم، عليه الصلاة والسلام‏.‏

وسئل فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله هل الصحيح أن يقال: مسيحي أو نصراني ؟
فأجاب قائلا:
معنى مسيحي نسبة إلى المسيح ابن مريم عليه السلام، وهم يزعمون أنهم ينتسبون إليه وهو بريء منهم ، وقد كذبوا فإنه لم يقل لهم إنه ابن الله، ولكن قال: عبد الله ورسوله . فالأولى أن يقال لهم نصارى، كما سمَّاهم الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ… .


المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف ? ص 165
المصدر:الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي
آل عمران: 52
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف ? ص 165
ألصف 6
ألصف 6
آل عمران 81
ألمائدة 48
المصدر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ? 3/133
البقرة 113

[*] جميع المواضيع في هذا البحث ( ألْنَصْرانِيَّة) قد نقلت كما هي بالمصدر بدون زيادة أو نقصان أو تعديل، وبما أنّ معظم ما نقل هو معلومات تحتاج لتوثيق ومراجعة، لذا فمن يجد أي خطأ فيما ورد أو أي تعديل وتصحيح لازم فليقم مأجوراَ بذلك في مداخلة لفحص الأمر والتعديل ، وفي حالة التعديل فسنقوم به إن شاء الله في الهامش السفلي للصفحة وليس في النص الأصلي عملا بأمانة النقل.

**القربان: كانت القرابين قبل المسيح تقدَّم على شكل ذبائح من الحيوانات، لكن كفَّارة المسيح بقتله أنهت هذا النوع من القرابين، وصارت عبارة عن خبز ونبيذ مصحوبة بالصلوات. وخلال رؤية حديثة لقديسي الأيام الأخيرة جعلوها خبزاً وماءً.

يقدِّسون يوم السبت؛ لأن الله استراح فيه بعد انتهائه من خلق الكون، ولقد كان قيام المسيح بعد صلبه في يوم الأحد الذي صار محل تقديس عوضاً عن يوم السبت.

الصوم: هو الامتناع عن الطعام والشراب مدة أكلتين متتابعتين، وبذلك يصوم الشخص أربعاً وعشرين ساعة. فإذا أكل أحدهم العشاء فلا يجوز له أن يأكل مرة ثانية حتى العشاء الآخر. كما يقدِّم الصائم للقائد الكهنوتي إما مالاً أو طعاماً مساوياً لطعام الوجبتين، وهذا يسمَّى بعطاء الصوم.

يحرمون شرب النبيذ، والمسكرات الكحولية والتبغ والدخان بكل أنواعه، ويمتنعون عن شرب القهوة والشاي لما يحتويان عليه من عقاقير مضرة. ويحذرون من تناول المرطبات وما فيها من مشروبات الصودا والمشروبات الفوارة والمياه الغازية، والكولا أشدها خطراً. وينبهون إلى عدم الإسراف في أكل اللحم من دون تحريم، ويبيحون تناول الفواكه والخضر والبقول والغلال، مركزين على القمح بخاصة؛ لاعتقادهم بأنه نافع لجسم الإنسان، ويؤدي إلى المحافظة على صحته وقوامه. وجدير بالذكر أن يوسف سميث كان يرقص ويشرب الخمر، ويشترك في المصارعة، وقد كتب يقول: (خلق الإنسان ليتمتع بحياته).

يبيحون تعدد الزوجات ويجيزون للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء؛ لأن في ذلك إعادة لما شرعه الله في الأزمان الغابرة. ولا يسمحون بذلك إلا لذوي الأخلاق العالية على أن يثبتوا قدرة على إعالة أكثر من أسرة. وقد مارس يوسف سميث هذا التعدد. كما استمرت هذه العادة حتى عام (1890) م.

تخلوا عن التعدد - ظاهريًّا- في عهد نبيهم ولفورد؛ نتيجة للضغط الشديد الذي قوبلوا به من الطوائف الأخرى، وكذلك بغية تمكنهم من الانضمام إلى السلطات الاتحادية. وعلى الرغم من التحريم الرسمي العلني إلا أنهم يمارسون التعدد سرًّا.

يحرمون الزنى تحريماً مطلقاً، والذي يخطئ يمكنه التوبة والرجوع عن جميع خطاياه.

يجب على كل فرد أن يدفع عُشر النقود التي يكسبها، على أن يكون ذلك مصحوباً بالفرح والسرور.

يدفعون عطاء الصوم، ويدفعون اشتراكات مختلفة وعطايا لغير سبب، فكنيستهم بذلك من الكنائس الغنية الموسرة.

من علامات القيامة:

  • الشرور والحروب والاضطرابات.

  • استعادة الإنجيل.

  • بزوغ كتاب المورمون.

  • اللامانيون يصبحون شعباً عظيماً.

  • بناء أورشليم الجديدة في ولاية ميسوري.

  • بيت إسرائيل يصبح شعب الله المختار.

بعد الحساب هناك عدة ممالك:

  • المملكة السماوية: للذين تسلَّموا شهادة يسوع، وآمنوا باسمه وتعمدوا.

  • المملكة الأرضية: للذين رفضوا الإنجيل على الأرض ولكنهم استلموه في العالم الروحي.

  • المملكة السفلية: للذين لم يتسلموا الإنجيل ولا شهادة يسوع سواء على الأرض أو في العالم الروحي، ومع هؤلاء يكون الزناة والفجار.

  • الظلمة الخارجية: للذين شهدوا ليسوع بالروح القدس، وعرفوا قوة الرب، لكنهم سمحوا للشيطان بأن يتغلَّب عليهم، فينكروا الحق ويَتحَدُّوا قوة الرب.

يؤمنون بالعهد الألفي السعيد الذي يدوم ألف سنة من تاريخ مجيء المسيح إلى الأرض، حيث يقوم كثير من الأموات، وبعضهم يختطف للقائه عندما ينزل، وهي القيامة الأولى. أما الأشرار فيهلكون في الأجساد ويبقون كذلك مع الأشرار من الأموات حتى انتهاء الألف سنة، حيث تأتي القيامة الآخرة.

في فترة الألف سنة هذه تسود المحبة والسلام، ويملك يسوع شخصيًّا، وتجتمع الأرض في مكان واحد، فلن يكون هناك قارات مختلفة، وينمو الأطفال بدون خطيئة.

لن يكون هناك موت؛ لأن الناس سيتغيَّرون من حالتهم الفانية إلى حياة الخلود في لحظة.

في نهاية العهد الألفي سيطلق سراح الشيطان لمدة قصيرة، وتحدث معركة بين أتباع الأنبياء وأتباع الشيطان، وعندها ينتصر المؤمنون، ويطرد الشيطان إلى الأبد مدحوراً.

المورمون واليهود:

مما لا شك فيه أن لليهود دوراً فعالاً ونشيطاً في حركة المورمون ولذلك فهم:

يعتقدون بأن الله أعطى وعده لإبراهيم، ومن ثم لابنه يعقوب بأن من ذريته سيكون شعب الله المختار.

وأن يعقوب الذي اسمه (إسرائيل) رزق باثني عشر ابناً يُعرفون بالأسباط.

وأن هؤلاء الأنبياء ارتكبوا الشرور، فبدَّدهم الله في الأرض منقسمين إلى مملكتين:

1- المملكة الشمالية: وتسمَّى إسرائيل حيث عاش فيها عشرة أسباط.

2- المملكة الجنوبية: وتسمَّى مملكة يهوذا حيث عاش فيها سبطان فقط.

الأسباط الشماليون هزموا في معركة ودفعوا إلى السبي، وقد هرب بعضهم وتاهوا في البلاد.

بعد مائة عام انهزمت المملكة الجنوبية حوالي عام (600) ق. م. عندها ترك لحي وعائلته أورشليم مستقرين في القارة الأمريكية فكان منهم النافيون، وكذلك اللامانيون الذي يعتبرون من سلالة لحي. وقد هدمت أورشليم عام (586) ق. م.

سبطا إسرائيل اللذان بقيا أُخِذا أسيرين، كما أعيد بناء أورشليم بعد المسيح، إلا أن الجنود الرومانيين قد خرَّبوها مرة ثانية.

يصرِّحون بأنه في هذا الزمان قد وعد الرب بأنه سيجمع بني إسرائيل؛ ليتعلموا الإنجيل، كما أن موسى النبي قد نزل على يوسف سميث عام (1836) م, وأعطاه سلطة جمع بيت إسرائيل في هيكل كيرتلاند.

بيت إسرائيل الآن في طريقه إلى الجمع؛ إذ إن آلافاً من الناس ينضمون إلى الكنيسة سنوياًّ من الإسرائيليين الذي ينتمون إلى عائلة إبراهيم ويعقوب إما بعلاقة الدم أو بعلاقة التبني حسب ادعاءاتهم.

سيجمع سبطا إفرايم ومنسي في أرض أمريكا، وسيعود سبط يهوذا إلى أورشليم، كما أن الأسباط العشرة المفقودة ستتسلَّم البركات التي وعدت بها من سبط إفرايم في أمريكا.

الإسرائيليون المشتتون في كل دولة يدعون للتجمع في حظيرة المسيح في أوتاد صهيون.

هذا التجمع الحرفي لإسرائيل لن يتمَّ حتى المجيء الثاني للمخلِّص كما يزعمون.

ستكون هناك عاصمتان في العالم: الأولى في أورشليم، والثانية في أمريكا؛ لأن من صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم تخرج كلمة الرب.**

**المبحث الثاني:

الأقانيم الثلاثة تعريفها وأدلتهم عليها وبيان بطلان تلك الأدلة:

المطلب الأول: الأقنوم الأول: الأب:.

المطلب الثاني: الأقنوم الثاني: الابن:.

المطلب الثالث: الأقنوم الثالث: الروح القدس:.

المطلب الرابع: إبطال التثليث بأقوال المسيح عليه السلام:.

_______________________

المطلب الأول: الأقنوم الأول: الأب

1- المراد به: يراد بالأب عندهم: الذات الإلهية مجردة عن الابن والروح القدس، وهو بمنزلة الأصل والمبدأ لوجود الابن. مع أن هذا لا يعني لديهم أن الأب سبق الابن في الوجود، بل الابن أزلي الوجود معه لم يسبق أحدهما الآخر. وليس له عمل عندهم إلا الاختيار والدعوة.

2- أدلتهم على أبوة الله للمسيح - تعالى الله عن قولهم-:

وردت كلمة الأب لدى النصارى في العهد الجديد في مواطن عديدة، وورد في بعضها نسبة أبوة الله للمسيح، منها ما ورد في إنجيل متى (10/32): ( فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السماوات).

وأيضاً قوله عن وقت القيامة (24/36): ( وأما ذلك اليـوم وتلك الساعـة فلا يعلم بها أحد من ملائكة السماوات إلا أبي وحده ).

ورد في إنجيل لوقا (2/49) من كلام المسيح لأمه وزوجها في زعمهم: ( فقال لهما: لماذا كنتما تطلبانني ؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي).

وورد أيضاً في إنجيل يوحنا (8/19): (فقالوا له: أين هو أبوك ؟ فأجاب يسوع: لستم تعرفونني أنا ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً).

فبناءً على هذه النصوص زعم النصارى أن الله تعالى (أبٌ ) للمسيح أبوة حقيقية، وهو كلام باطل، ووهم خاطئ، وافتراءٌ على الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرا.

3- الرد عليهم وبيان بطلان قولهم:

يُرد عليهم من عدة أوجه:

أولاً: أن النصارى اعتمدوا في إثبات هذا على ألفاظ وردت في الأناجيل الأربعة وغيرها من كتب العهد الجديد، وهذه الأناجيل كما سبق بيانه لا تصلح أن تكون مستنداً لهذا؛ لأنها كتب غير موثقة، ولم يستطع النصارى أن يثبتوا صحة نسبتها إلى الأشخاص الذين نسبت إليهـم، فضلاً عـن أن ينسبوهـا إلى المسيح عليه السلام أو إلى الله عزَّ وجلَّ.

كما أن بينها اختلافات عديدة في هذه الألفاظ نفسها، فكلمة (أبي) وردت في (إنجيل متى) من كلام المسيح ما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة، ولا تكاد تراها في (إنجيل مرقص)، أما (إنجيل لوقا) فذكرت في موضعين تقريباً، وأما (إنجيل يوحنا) فوردت فيه فيما يقارب ثمانية عشر موضعا، مما يدل على أن هذه الكلمة تتبع عقيدة خاصة وفهما خاصا لدى الكاتب، لا يرتبط فيه ولا يلتزم بعبارة المسيح وألفاظه، وإنما يكتبها ويعبر عنها الكاتب وفق عقيدته وتصوره.

مثال ذلك: أن المثال السابق المذكور عن وقت الساعة من إنجيل متى، ورد فيه (أبي وحده)، وقد ذكر مرقس في (13/32) هذه الجملة، إلا أنها عنده هكذا: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب). فهنا قال: الأب. بدون ياء النسب وهناك في (متى) قال: (أبي). وبينهما فرق عظيم.

ثانياً: أن النصارى لا يعتقدون أن الله أبٌ للمسيح أبوة حقيقية من ناحية أن الأب غير الابن، وأنه قبله في الوجود، بل يرون ويعتقدون أن الله تعالى أب للمسيح، وهو في نفس الوقت هو هو، ليس هو غيره، حيث يقولون: إنهما جوهر واحد، ولم يسبق الأب الابن في الوجود، وهذا يجعل كلمة الأب الواردة في الأناجيل لديهم ليس لها مفهوم حقيقي، وهذا يبطل استدلالهم بهـذه النصوص، ويجعلهم يستدلون بها على غير ما يقصدون ويعتقدون.

ثالثاً: على فرض صحة الروايات الواردة لديهم في الأناجيل في كلمة (الأب) فيجب أن تفسَّر على معنى غير الأبوة الحقيقة لأمرين:

1- أنهم أوردوا على لسان المسيح كلاماً كثيراً لا يمكن أن يحمل على المعنى الظاهري، بل لابد من حمله على المجاز كقوله: (فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة). يوحنا (6/35) وأيضا أنه قال لليهود: (أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا). يوحنا (8/44).

فهذا كلام لا يؤخذ على ظاهره، فكذلك أبوة الله للمسيح.

2- أن نسبة الأبوة إلى الله ليست خاصة في المسيح لديهم، بل وردت في العهد القديم، وفي الأناجيل منسوبة إلى غير المسيح، ومن ذلك ما ورد في سفر صموئيل الثاني (7/14) في كلام الله في زعمهم عن سليمان بن داود عليهما السلام: ( أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا).

وورد في إنجيل متى (6/1) من كلام المسيح لتلاميذه: (احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم أمام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات).

وفي إنجيل مرقص (11/25) من قول المسيح لتلاميذه أيضاً: (ومتى وقفتم تصلون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء؛ لكي يغفر لكم أيضاً أبوكم- الذي في السماوات- زلاتكم، وإن لم تغفروا أنتم لا يغفر لكم أبوكم- الذي في السماوات- أيضاً زلاتكم).

في إنجيل لوقا (11/2) من قول المسيح لتلاميذه: ( فقال لهم: متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات).

وفي إنجيل يوحنا (20/17) وهو من آخر كلام المسيح بعد القيامة المزعومة: ( قال لها يسوع: لا تلمسيني؛ لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي، وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم).

فهذه النصوص على فرض صحتها فيها دلالة واضحة على نسبة أبوة الله تعالى للتلاميذ، والمراد بها في كلام النصارى في هذه المواضع أبوة النعمة.

وما سبق ذكره من النصوص التي ورد فيها أبوة الله للمسيح لا تختلف عن هذه النصوص، فالقول فيها مثل القول في هذه.

فمن هنا يتضح أنه ليس في هذا اللفظ ما يدل على معتقد النصارى في الله، وأنه أب للمسيح سوى من ناحية النعمة والإحسان**

** الفصل السابع: ديانة النصارى المُحرّفة:
تمهيد:المسيح عليه السلام جاء بالديانة بيضاء نقية توحيدا خالصا، ومنهجا ربانيا واضحا، كما تقدم بيانه أول الكلام على النصرانية.
إلا أن النصارى انحرفوا بهذه الديانة عن وجهها الصحيح، إلى وثنية خالصة، وعقائد منحرفة لم يعرفها المسيح عليه السلام ولا حواريوه.
وقد كان ابتداء تحريفها من دخول بولس (شاؤول اليهودي) هذه الديانة بعد رفع المسيح عليه السلام.
وهذه الديانة المحرفة لم تقرر على ما هي عليه في الوقت الحاضر إلا بعد انصرام ما يقارب خمسة قرون من رفع المسيح عليه السلام، حيث أصبحت تقوم على ثلاثة أسس هي:
1- التثليث. 2- الصلب والفداء. 3- محاسبة المسيح للناس.
وسنبين بيانا مختصراً مقولتهم في كل واحد من هذه العقائد، ونبين بإذن الله بطلانها.
المبحث الأول: التثليث:
المطلب الأول: استدلالات النصارى على التثليث:.
المطلب الثاني: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث:.
المطلب الثالث: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:.
المطلب الأول: استدلالات النصارى على التثليث:ليس للنصارى على التثليث ما يستحق أن يسمَّى دليلا؛ إذ إن ما ذكروه يدل على أنهم لفَّقوا كلاماً زعموا أنه دليلٌ، فمن ذلك قولهم:
1- إن الله عزَّ وجلَّ ورد اسمه بالعبرية (ألوهيم) الذي يدل على الجمع، وأنه استخدم صيغة الجمع في التحدث عن نفسه في مثل ما ورد في سفر التكوين (1/26) (وقال الله: نعمل الإنسان).
2- ألفاظ الصورة الموضوعة للمعمودية، وهي (عمدوا باسم الآب والابن والروح القدوس) الواردة في إنجيل متى (28/19).
3- الأحوال التي واكبت تعميد المسيح حيث ورد في إنجيل متى (3/16) (فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة، وآتياً عليه، وصوت من السماوات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت).
بهذه الأدلة التي هي أوهى من خيوط العنكبوت يزعم النصارى أن الله ثلاثة، وأن هؤلاء الثلاثة واحد، ويتركون جميع أسفار العهد القديم التي نصت على وحدانية الله، وانفراده جلَّ وعلا في وحدانية الذات، والصفات، والعبادة، وكذلك جميع النصوص الواردة في العهد الجديد التي تدل على ذلك أيضاً، وسيأتي إيراد بعض ذلك.
المطلب الثاني: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث:أدلة النصارى المذكورة هي من الضعف بحيث يَهُمُّ العاقل بالإعراض عنها، إلا أنه لابد من الرد عليهم؛ لأن استدلالهم بها يعني أن لها شأناً عظيماً في نفوسهم، فنقول:
أما الدليل الأول:
فدعواهم أن (ألوهيم) تعني الجمع، فهذا باطل بنص التوراة التي نصت على أن الله واحد.
كما أن اليهود الذين وجِّه إليهم الخطاب بهذا لم يفهموا ذلك، ولم يعملوا به، بل يعتبرون أن ادعاء إله غير الإله الواحد الذي هو الله شرك أكبر، يستحق معتقده القتل.
كما أن كلمة (ألوهيم) كما يذكر الدارسون واردة في نص من النصوص التي تتكون منها التوراة الحالية، وأنه يقابلها في النص الآخر لنفس القصة لفظ (يهوه).
أما ما أوردوه من سفر التكوين وهو قول: (وقال الله: نعمل الإنسان). فلا يعني أكثر من أنها وردت على صيغة التعظيم.
ومن أولى بالتعظيم والتفخيم في الخطاب من الله عزَّ وجلَّ ؟ كما أن مئات الأقوال واردة في العهد القديم على لفظ الإفراد، فكيف تترك تلك المئات، ويؤخذ بهذه اللفظة الواحدة وشبهها ؟.
أما الدليل الثاني:
وهو لفظ المعمودية (عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس) فهؤلاء ثلاثة وليسوا واحدا، ولا تعني أكثر من طلب الإيمان بهؤلاء الثلاثة الذين هم: الله جلَّ جلاله، ورسوله المسيح عليه السلام، والملك جبريل عليه السلام، كل على ما يليق به، إذا صدق راوي هذه العبارة، وسيأتي زيادة إيضاح لهذه العبارة في الكلام على الروح القدس.
أما الدليل الثالث:
فعلى فرض صحة الرواية بذلك فهي تدل على ثلاثة، وهم:
المسيح الذي اعتمد، والروح القدس الذي نزل على شكل حمامة، وقائل من السماء: (هذا ابني الحبيب). أين أن هؤلاء الثلاثة واحد، هذا ما لا يستطيع النصارى إثباته لا نقلا ولا عقلا.
المطلب الثالث: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:التوحيد دين الرسل جميعاً ولم يخالف في ذلك إلا النصارى الذين ادعوا على المسيح عليه السلام أنه جاء بالتثليث، والتوحيد أوضح مطالب التوراة والكتب الملحقة بها؛ إذ يقوم الكتاب كله على التوحيد ومحاربة الشرك والوثنية بكل أشكالها.
ومن الأدلة على هذا ما ورد في سفر التثنية (4/35) (إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه).
وكذلك ما ورد في سفر التثنيه (6/4) ( اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد).
وفي إنجيل متى (4/7) (قال له يسوع: اذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد) ومثله ورد في إنجيل لوقا (4/8).
وفي إنجيل مرقس (12/28) أن أحد اليهود سأل المسيح ( أية وصية هي أول الكل ؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي: اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد… فقال له الكاتب: جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه).
فهذه وصية المسيح وبيَّن أنها أول الوصايا وأعظمها، ولو كان يقول بالتثليث لوجب عليه أن ينص عليه في مثل هذا الموطن؛ إذ كيف يمكن أن يكون مبلغاً عن الله عزَّ وجلَّ، ولم يوضح أهم ما أمر به ؟
وفي إنجيل يوحنا (17/3) أن المسيح عليه السلام قال في آخر أيامه: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته).
لقد أنطق الله هؤلاء الكتاب بالحق والصدق، وهو أن لا إله إلا الله وحده، وعيسى المسيح رسوله، فأين هذا الكلام النوراني الواضح من دعوى التثليث المظلمة التي افتراها ضلال النصارى، وغلوا في دينهم، وقالوا بها على الله غير الحق ؟ قال الله عز وجل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً .


النساء:171**

**8- مجمع روما عام (1769) م:والذي تقرر فيه عصمة البابا في روما.
من خلال هذا الاستعراض السريع لبعض المجامع النصرانية وقراراتها يتبين لنا ما يلي:
أولاً- أن النصارى لا يملكون أدلة صحيحة صريحة في أكثر دعاويهم؛ لهذا اختلفوا تلك الاختلافات الخطيرة التي تمس جميع نواحي العقيدة لديهم.
ثانياً - أن ما يستنـد إليـه النصارى ويتحمسـون له لا يعدو أن يكون فهما خاصا يسعى أصحابه لتثبيته عن طريق تلك المجامع، ولا يخلو الأمر من الأهواء والأغراض الخاصة من حب الرئاسة وفرض السيطرة.
ثالثاً- أن المجامع لم تكن يوماً من الأيام هيئات شوريـة يتباحث القسس فيها الآراء، ويتوصلون فيها إلى الحق بأدلته، بل كانت في الأغلب تعقد لفرض رأي أو تصور عن طريق تلك المجامع وبقوة السلطان أو قوة الكنيسة.
رابعاً- أن تلك المجامع كانت أداة بيد الأباطرة الرومان يسخرونها لرغباتهم في التوسع والسيطرة، أو تحقيق أغراض سياسية.
خامساً - أن تلك المجامع كانت من أعظم أسباب الفرقة وتثبيتها في العالم النصراني، بحيث إنهم لم يخرجوا في واحد منها متفقين، بل كلما اجتمعوا في مجمع من تلك المجامع يزداد اختلافهم، وبالتالي انقسامهم.
سادساً - أن المجامع صاغت العقيدة وقررتها بعد خلاف طويل، وهذا يدلُّ على أن العقيدة النصرانية في الإله وفي المسيح، وفي نقاط عديدة ليس لأدلتها من الوضوح ما يكفي لجعلها مسلمات وقطعية الدلالة لكل نصراني نظر في الأناجيل وعلم أقوال المسيح، وهذا أمر يجب التوقف عنده والتفكير في مهمة المسيح ماذا كانت ؟ فإنه إذا لم يكن وضَّح وجلَّى تلك القضايا، وأبان عنها البيان الكامل الذي لا يفتح مجالاً للاختلاف فيها، وخاصة أنها من أصول الديانة، وأهم العقائد، فما هي مهمته إذاً ؟
هل جاء ليلقي كلاماً مبهماً لا يعرف معناه يحار الناس فيه قروناً ؟ أم أنه تكلم بكلام واضح وجلي كما هي حقيقة مهمة الرسل إلا أن الناس حرَّفوا كلامه بعد ذلك، وحملوه على غير محامله ونسبوا إليه ما لم يقل ؟!
سابعاً- إن المجامع قررت قرارات ولعنت وحرمت من لم يقل بها، وقررت أن سبيل النجاة هو اعتقاد تلك الأقوال- وهنا سؤال يطرح نفسه ماهو حال حواريي المسيح وأوائل النصارى الذين لم يكونوا يعتقدون تلك العقيدة ولم يتكلموا فيها بكلمة، كالتثليث، وطبيعة المسيح وانبثاق الروح القدس من الأب أو الأب والابن معاً إلى غير ذلك.
ثامناً- إن المجامع قد صاغت العقيدة النصرانية بكل تفاصيلها، وذلك يدل على أن تلك العقيدة بتفاصيلها صنعة بشرية لم ينزلها الله تعالى على المسيح عليه السلام.
تاسعاً- أن المجامع النصرانية هي المصدر الحقيقي للديانة النصرانية المحرفة؛ لأن تلك الفهوم التي كانت تقرر وتصدر وفقها القرارات لم تكن تعتمد على نصوص قطعية واضحة، بل أحياناً كانت تعتمد على نصوص متشابهة وكلام محتمل لأكثر من معنى، ويكون من أقلها احتمالاً المفهوم الذي تدعيه الكنيسة، كما في دعوى ألوهية المسيح عليه السلام.
وأحياناً كانت لا تعتمد على أي نصوص موجودة لديهم وهو الأكثر، بل يكون تركيباً ذهنيًّا وهميًّا، أو تصوراً خاطئاً بني على تصور خاطئ، كما في قراراتهم المتعلقة بألوهية الروح القدس، وطبيعة المسيح، وتقديس الصور والتماثيل، وعصمة البابا ونحو ذلك.
ويصدق عليهم فيما يدعونه من عقيدة ويشرعونه للناس أنهم جعلوا أنفسهم أرباباً من دون الله يحلون ويحرمون، فينطبق عليهم قول الله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ .


التوبة:30-31**

**2- مجمع القسطنطينية:دعـا الإمبراطور ( ثيودسيوس ) سنة (381) م, إلى عقد مجمع القسطنطينية لمواجهة دعوات كانت منتشرة بين الكنائس.

  • منها دعوة (مقدونيوس) الذي كان أسقفًّا للقسطنطينية، الذي نادى بأن الروح القدس مخلوق وليس إلها.

  • ودعوة (صابيليوس) الذي كان ينكر وجود ثلاثة أقانيم.

  • ودعوة (أبوليناريوس) الذي كان أسقفًّا على اللاذقية والشام، والذي أنكر وجود نفس بشرية في المسيح.

فحضر ذلك المجمع مائة وخمسون أسقفًّا، قرروا فيه ألوهية الروح القدس، ولعن وطرد من خالف ذلك، فاكتمل بذلك ثالوث النصارى.

وكما هو ظاهر فإن هذا المجمع عقد بدعوة من الإمبراطور (ثيودسيوس) الذي كان قد سن القوانين والتشريعات لمصلحة القائلين بألوهية المسيح والمثلثين من النصارى.

3- مجمع أفسس سنة (431) م:انعقد هذا المجمع لمواجهة قول ( نسطور) أسقف القسطنطينية، الذي قيل عنه: إنه كان يقول بأن المسيح له طبيعتان: إلهية وإنسانية بشرية، وأن مريم والدة الإنسان وليست والدة الإله.

فعقد المجمع في أفسس سنة (431) م, بحضور مائة وستين أسقفًّا، وقُرِّر فيه أن المسيح إله وإنسان ذو طبيعة واحدة وأقنوم واحد، وأن مريم أم إلههم، وحكم على (نسطور) بالطرد من الكنيسة.

وبعد مجمع أفسس عُقدت مجامع عديدة كلها تبحث في طبيعة المسيح عليه السلام، منها:

4- مجمع خلقيدونيه سنة (451) م:في هذا المجمع عادوا للبحث في طبيعة المسيح، وقرَّر المجتمعون: أن المسيح له طبيعتان: إلهية وبشرية بلا اختلاط ولا تحول ولا انقسام ولا انفصال! وكان المناصرون لهذا القول هم الأساقفة الغربيين الذين لعنوا وطردوا من لا يقول بهذا القول. ولم توافقهم الكنائس الشرقية على هذا، وقد أصروا على قرارهم السابق في مجمع (أفسس) بأن المسيح له طبيعة واحدة إلهية وبشرية، وهذا من أهم الفوارق بين الكاثوليك القائلين بالطبيعتين، والأقباط والأرمن والسريان القائلين بالطبيعة الواحدة.

بعد هذا عقدت مجامع عديدة من أهمها:

5 - المجمع السابع سنة (754، 787) م:المراد بالمجمع السابع مجمعان: المجمع الأول انعقد سنة (754) م, بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الخامس وذلك للنظر في موضوع الصور والتماثيل، وما يقدم لها من التقديس والعبادة. وخرج بقرار يلعن به كل من يصور المسيح أو أمه أو آباء الكنيسة باعتبار أنها وثنية.

ثم أمر الإمبراطور أن يُمحى ويُدمر كل ما في الكنائس من صور وتماثيل، كما حمل على الرهبان فأغلق الأديرة وصادر أموالها، كما أرغم الرهبان على أن يتزوجوا الراهبات، وبعد وفاة الإمبراطور قسطنطين الخامس سنة (775) م, تولى على الإمبراطورية زوجته إيريني التي كانت تؤيد الصور والتماثيل، فدعت إلى مجمع عام سنة (787) م في نيقية حضره (350) أسقفًّا خرجوا بقرار وجوب تعليق الصور والتماثيل للمسيح وأمه وقديسيهم وكذلك الملائكة، ويقدم لهم صنوف التكريم من التقديس والسجود، ويستشفع بهم إلى الله في الحاجات لما لهم من المكانة، والدالة على الله - تعالى الله عن قولهم - كما لعن المجمع كل من لا يكرم تلك الصور والتماثيل، واستمر النصارى على هذا إلى أن جاء البروتستانت فحملوا على الصور والتماثيل، وحرَّموها وانشقوا بذلك عن بقية النصارى من الكاثوليك والأرثوذكس.

6 - المجمع الثامن سنة (869) م:وكان سبب انعقاده: الخلاف بين كنيسة القسطنطينية، وكنيسة روما في الروح القدس: هل انبثق من الأب فقط -وهو زعم كنيسة القسطنطينية- أم من الأب والابن معاً، كما هو زعم كنيسة روما ؟

وقد قرر في هذا المجمع قول كنيسة روما بأن الروح القدس انبثق من الأب والابن معاً.

ولم يوافق على ذلك بطريرك القسطنطينية ومن كان معه وأصروا على قولهم، وعقدوا لذلك مجمعاً سنة (879) م, قرروا فيه أن الروح القدس انبثق من الأب وحده، فانقسمت بسببه الكنيسة إلى قسمين:

  1. الكنيسة الغريبة ويتزعمها البابا في روما وهم الكاثوليك.

  2. الكنيسة الشرقية ويتزعمها بطريرك القسطنطينية وهم الأرثوذكس.

7- المجمع الثاني عشر الذي عقد سنة (1215) م:وقد تقرر فيه أن العشاء الرباني يتحول إلى جسد ودم المسيح، وأن الكنيسة البابوية الكاثوليكية تملك حق الغفران، وتمنحه لمن تشاء.**

**الفرع الثالث: أهم الكنائس البروتستانتية:

-الكنيسة اللوثرية: وقد بدأ إطلاق هذه التسمية على المؤمنين بأفكار معتقدات مارتن لوثر في القرن السادس عشر، وذلك رغم مقاومة لوثر نفسه لهذه التسمية، وأصبحت جامعة وتنبرج المهد الأساسي لها.

اهتمَّ مارتن لوثر بقضايا الإيمان، وترك الأمر الإداري للكنيسة لغيره يقوم به، لكنه عيَّن بعض المراقبين ليتعاونوا مع حكام الدولة في الأقضية، وبذلك كان أول ظهور لنظام السينودس.

ارتبطت اللوثرية في ألمانيا ارتباطاً وثيقاً بالحالة السياسية منذ أن دعا لوثر إلى إشراف الدولة على الكنيسة، ولذلك فإن الحكومة الألمانية تدخَّلت أكثر من مرة لحلِّ الخلافات بين أعضاء الكنيسة، أو للاتفاق مع كنائس المصلحة.

كان لظهور الكنائس المعمدانية في القرن السابع عشر أثرها في إثارة الخلافات بين البروتستانت مرة أخرى.

في زمن فريدريك وليم الثالث ملك بروسيا تمَّ الاتحاد بين الكنائس اللوثرية والمصلحة، ومنها تشكَّلت الكنيسة القديمة، غير أن جماعة كبيرة من اللوثرية لم تنضمَّ إلى هذه الكنيسة، وعُرفوا باللوثريين القدماء.

في عام (1923) م, تأثرت الكنيسة بالنظام النازي في ألمانيا، حيث حاول صبغ الكنيسة الألمانية بصبغة قومية، فجرى توحيد (28) كنيسة مصلحة ولوثرية على أساس أن الدم الآري أحد المؤهلات العضوية لهذه الكنيسة القومية العنصرية. وقد تناول هذا التأثير العقائد والمبادئ أيضاً، مما مهَّد لقيام ثورة من آلاف القسوس البروتستانت من بينهم مارتن تيمولر؛ للمطالبة بتشكيل السينودس الذهبي.

في عام (1934) م, عارض السينودس الذهبي تدخل الدولة في شئون الكنيسة بل رفض ذلك رفضاً حاسماً.

في عام (1935) م, أنشأت الحكومة وظيفة وزير الدولة للشئون الكنسية، وخوَّلت له سلطات مطلقة على الكنيسة الإنجيلية الألمانية.

انتشرت في عام (1936) م, حركة الإيمان الألماني التي تحالفت مع الفلسفة الوثنية الجديدة.

بعد الحرب العالمية الثانية ألغت الكنيسة الإنجيلية دستورها المُوصَى به من النازية لعام (1933) م، وبدأت تنظيم نفسها من جديد.

والكنيسة اللوثرية هي كنيسة الدولة في الدنمارك وأيسلندا والنرويج والسويد وفنلندا.

يصدر الاتحاد اللوثري العالمي مجلة اللوثرية العالمية بالألمانية والإنجليزية.

الكنائس المصلحة: وإن كان يُقصَد بها بوجه عام جميع الكنائس البروتستانتية، إلا أنه من الناحية التاريخية تقتصر على الكنائس البروتستانتية التي يرتكز أصلها على عقائد كلفن، وعلى أساس النظام الكنسي المشيخي الذي تركِّز فيه السلطات على سلسلة مجالس من الشيوخ العلمانيين ورجال الأكليروس، وتنزع إلى الشكل البسيط في العبادة. وقد قويت هذه الكنائس في إنجلترا في القرن السادس عشر، وخصوصاً في أسكتلندا وشمال أيرلندا، وسمِّيت كنائس سويسرا وهولندا وعدد من كنائس ألمانيا بالمصلحة، كما توجد بالولايات المتحدة الأمريكية كنائس تحمل لقب المصلحة.

الكنائس الأسقفية: تطلق الكنيسة الأسقفية عند الإطلاق على الكنيسة الإنجليزية، ويتبعها في أمريكا عدد من الكنائس الأسقفية، وتتبع هذه الكنائس النظام الأسقفي على أنه نظام إلهي، خلافاً لسائر الفرق البروتستانتية، وذلك في تعيين أو اختيار أو عزل القساوسة، والشمامسة، أو تدشين الأراضي والأبنية الدينية، وإدارة تركات الموتى لحين وجود وصي شرعي للميت. ويلقب أساقفة إنجلترا بلقب لورد حيث يُعتَبرون من أشراف المملكة، ويرأس ملوك إنجلترا الكنيسة الإنجليزية، وبذلك يعيِّنون الأساقفة الذين يتمُّ انتخابهم من القسوس بعد ذلك، ورئيس أساقفة كانتربري هو رأس الكنيسة، ويليه في المرتبة رئيس أساقفة يورك، أما أساقفة الولايات المتحدة الأمريكية فينتخبهم نُوَّاب من قسوس الأسقفية وأهاليها قبل عرضهم على مجمع الأساقفة أو على مجمع نواب مؤلف من السينودس والأهالي.**

** المبحث الثاني: المجامع النصرانيةتمهيد:المجامع النصرانية يعرفها النصارى بأنها: هيئات شورية في الكنيسة تبحث في الأمور المتعلقة بالديانة النصرانية وأحوال الكنائس.

والمجامع النصرانية نوعان:

مجامع محلية: وهي التي تبحث في الشؤون المحلية للكنائس التي تنعقد فيها.

ومجامع مسكونية (عالمية): تبحث في العقيدة النصرانية، ومواجهة بعض الأقوال التي يرى غرابتها ومخالفتها للديانة.

وأول المجامع كما يذكر سفر أعمال الرسل، كان مجمع أورشليم الذي عقد أيام الحواريين من أجل النظر في حكم إلزام غير اليهود بالشريعة الموسوية، فقرَّر المجتمعون هناك أنهم لا يلزمون بالختان ولا بالشرائع الموسوية، وإنما يلزمون فقط بالامتناع عن الذبح للأصنام والزنى وأكل المخنوق والدم.

1- مجمع نيقية سنة (325) م:كان هذا المجمع أول المجامع المسكونية وأخطرها أيضاً.

سبب انعقاده:

سبب انعقاد هذا المجمع هو التعارض والاختلاف العقدي الموجود في الكنسية في تلك الأزمان، وذلك أنه ما أن توقف الاضهاد الواقع على النصارى من قبل الرومان بمرسوم ميلان، حتى ظهر على السطح ذلك الخلاف العقائدي الكبير بين طوائف النصارى، والذي كان يخفيه من قبل الحالة الاضطهادية الواقعة على جميع أصناف النصارى، والذي كان من أسباب رسوخ هذه الانحرافات العقدية كما سيتبين.

وكان أبرز وجوه الاختلاف: ذلك الخلاف والتعارض بين دعـوة كنيسـة الإسكندرية- التي كانت تنادي بألوهية المسيح على مذهب بولس- وبين دعوة الأسقف الليبي (آريوس) في الإسكندرية أيضاً. الذي وُصِفَ بأنه عالم مثقف، وواعظ مفوه، وزاهد متقشف، وعالم بالتفسير، حيث أخذ ينادي بأن الله إله واحد غير مولود أزلي، أما الابن فهو ليس أزليًّا وغير مولود من الأب، وأن هذا الابن خرج من العدم مثل كل الخلائق حسب مشيئة الله وقصده.

وشايع آريوس في دعوته العديد من الأساقفة، منهم أسقف نيقوميديه المسمى أوسابيوس وغيره.

وكان الإمبراطور (قسطنطين) في ذلك الوقت قد أبدى تعاطفاً قويًّا تجاه النصارى، ورفع عنهم الاضطهاد، واهتم بشؤونهم، فهاله ما رأى من انقسام النصارى، وأدرك خطورة تلك الانقسامات على دولته، والتي كان أخطرها ما كان بين أسقف كنيسة الإسكندرية الكسندروس وآريوس وأتباعه.

وكان الخلاف قد تطور بينهما، وذلك بـأن طلب أسقف الإسكندرية عقد مجمع في الإسكندرية للنظر في قضية آريوس ودعوته، فقرَّر ذلك المجمع قطع آريوس من الخدمة، وهذا جعل (آريوس) يخرج من الإسكندرية ويتوجه إلى آسيا، حيث عقد في (بثينيه) بآسيا الصغرى مشايعوه من الأساقفة مجمعاً قُرر فيه قبول آريوس وأتباعه وكتابة طلب إلى أسقف الإسكندرية برفع الحرمان الذي قرروه على (آريوس)، فهذا ما جعل الإمبراطور (قسطنطين) يدعو إلى مجمع عام في نيقية سنة (325) م, لبحث هذه القضية.

  • عدد الحاضرين ومذاهبهم:

اختلف كلام النصارى في ذكر عدد المجتمعين فالبعض يرى أن عدد المجتمعين كان (318) أسقفًّا فقط، وبعضهم يرى أنهم ما بين( 300- 5201)، ويذكر مارى سليمان في كتاب (المجدل) وكذلك ابن البطريق أن عددهم كان (2048) أسقفًّا.

أما مذاهب الحاضرين فكانت متباينة تبايناً شديداً. وكما يقول ابن البطريق بأنهم كانوا مختلفين في الآراء والأديان.

  • فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم البربرانية.

  • ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها، وهي مقالة سابليوس.

  • ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مرَّ في بطنها كما يمر الماء في الميزاب.

  • ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان مخلوق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وأن الابن من مريم، ويرون أن الله جوهر قديم واحد وأقنوم واحد، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بالروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية، ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح، وطالح، وعدل بينهما. وهي مقالة مرقيون وأصحابه.

  • ومنهم من كان يقول بألوهية الميسح، وهي مقالة بولس ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًّا.

قرارات المجمع ونتيجته:

بعد أن تداول المجتمعون الآراء في ذلك المجمع خرجوا بتقرير ألوهية المسيح عليه السلام، وأنه ابن الله - في زعمهم - أي: من ذات الله، وأنه مساوٍ لله جلَّ وعلا، وأنه مولود منه غير مخلوق، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

كما قرروا أن هذا الإله تجسد بصورة البشر؛ لخلاص الناس، ثم ارتفع إلى السماء بعد قيامته من الموت، كما تم لعن (آريوس) ومشايعيه وحرق كتبه.

وقد وقع كثير من المجتمعين على هذه القرارات لمناصرة قسطنطين لهـا، ويرى ابن البطريق أن (318) أسقفًّا فقط هم الذين أظهروا هذا القول ووقعوا عليه، وخالفهم بقية الأساقفة، والبعض الآخر يرى أن الجميع وقعوا عليها ما عدا يوسابيوس أسقف نيقوميديه في قول بعضهم، وشخص آخر فقد رفضا التوقيع على ذلك النص.

وهكذا انتصر في أول الأمر القائلون بألوهية المسيح بمساندة وتأييد الإمبراطور، حيث ينص بعض المؤرخين على ترأسه لذلك المجمع

ومما يدلُّ على أن المجتمعين في نيقية لم يقبلوا ذلك القول بألوهية المسيح، ولم يكن عند القائلين به حجة مقنعة أنهم كما يذكر القس (حنا الخضري) بعد ذكر الانتصار الذي حقَّقه مشايعو مقولة بولس قال: (ولكن للأسف الشديد كانت الحقيقة الواقعة تختلف الاختلاف كله عن القرارات السنودسية والمجمعية، فقد رجع الأساقفة بعد مجمع نيقية إلى أبرشياتهم والقسوس إلى كنائسهم، وبدأ كل منهم يعلم ما كان يعلم به قبلا، بل إن البعض تطرف في الهرطقة التي فاقت هرطقة ( آريوس) نفسه. فمع أن (آريـوس) وبعض أتباعـه نُفُوا إلا أن الآريوسية بنت عشها في حدائق كثيرين من الأساقفة والرعاة).

ولما كان قرار نيقية بألوهية المسيح فرض بقوة السلطان، فإن السلطان- وهو الإمبراطور- رجع فيما بعد عنه، وأمر بعقد مجمع صور سنة (334) م، وقرر فيه إعادة (آريوس) إلى الكنيسة، وخلع (أثنا سيوس) أسقف الإسكندرية، أحد أكبر المدافعين عن عقيدة ألوهية المسيح، كما أن الإمبراطور نفسه قد عُمِّد، وهو على فراش الموت على مذهب (آريوس) حيث عمده الأسقف (أوسابيوس النيقوميدي) أكبر أنصار آريوس.

وهكذا يتبين أن هذا المجمع الذي يعد من أخطر المجامع كان ألعوبة بيد الإمبراطور الذي كان وثنيًّا، ولم يكن من أهل تلك الملة وقت ترأسه ذلك المجمع، كما أن المجتمعين لم يكونوا يعتمدون على نصوص متفق عليها مقبولة لدى الجميع، وإلا لتمَّ الإذعان لمدلولها، وإنما كانوا يعتمدون على تصوراتهم أو تصورات أمثالهم من الناس، فلهذا وقع الإعراض عنها بعد عودتهم إلى كنائسهم.**

**ج- أهم مبادئ إنجيل برنابا التي يختلف بها عن الأناجيل الأربعة:

إن الذي جعل النصارى يحملون على هذا الإنجيل حملتهم، ويتنصلون منه، هو مخالفته لأناجيلهم المعتمدة وعقيدتهم في أخطر وأهم نقاطها، وهي:-

أولاً: أنه صرح أن المسيح عليه السلام إنسان، وليس إله ولا ابن إله، وبيَّن أن سبب تأليف إنجيله هو رد هذه الفرية التي أطلقها بولس مع غيرها من الافتراءات، كترك الختان وإباحة أكل اللحوم النجسة، وفي هذا يقول في أول إنجيله: ( أيها الأعزاء، إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة، للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائماً مجوزين كل لحم نجس، الذين ضلَّ في عدادهم أيضاً بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله.

ثانياً: أنه نقل عن المسيح التصريح بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وليس إسحاق كما يزعم اليهود، وفي هذا يقول:-

(أجاب يعقوب: يا معلم قل لنا من صنع هذا العهد، فإن اليهود يقولون بإسحاق، والإسماعيليون يقولون بإسماعيل ؟ أجاب يسوع: صدقوني؛ لأني أقول لكم الحق، إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق.

حينئذ قال التلاميذ: يا معلم، هكذا كتب في كتاب موسى أن العهد صنع بإسحاق ؟.

أجاب يسوع متأوهاً: هذا هو المكتوب، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله.

الحق أقول لكم: إنكم إذا أعملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون حديث كتبتنا وفقهائنا؛ لأن الملاك قال: يا إبراهيم، سيعلم العالم كله كيف يحبك الله، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله حقًّا، يجب عليك أن تفعل شيئاً لأجل محبة الله، أجاب إبراهيم: هاهو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله، فكلَّم الله حينئذ إبراهيم قائلاً: خذ ابنك بكرك إسماعيل، واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة.

فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين ؟

فقال حينئذ التلاميذ: إن خداع الفقهاء لجلي، لذلك قل لنا أنت الحق؛ لأننا نعلم أنك مرسل من الله).

وذكر برنابا أيضاً أن المسيح خاطب رئيس كهنة اليهود قائلاً له: (إن إبراهيم أحب الله حيث إنه لم يكتف بتحطيم الأصنام الباطلة تحطيماً ولا بهجر أبيه وأمه، ولكنه كان يريد أن يذبح ابنه طاعة لله.

أجاب رئيس الكهنة: إنما أسألك هذا ولا أطلب قتلك، فقل لنا: من كان ابن إبراهيم هذا ؟

أجاب يسوع: إن غيرة شرفك يا الله تؤججني ولا أقدر أن أسكت. الحق أقول: إن ابن إبراهيم هو إسماعيل الذي يجب أن يأتي من سلالته مسيا الموعود به إبراهيم أن به تتبارك كل قبائل الأرض.

فلما سمع هذا رئيس الكهنة حنق وصرخ: لنرجم هذا الفاجر؛ لأنه إسماعيلي، وقد جدف على موسى وعلى شريعة الله).

ثالثاً:- أنه نقل عن المسيح التصريح بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم باسمه وذلك في مواطن عدة من كتابه منها: أن اليهود سألوا المسيح عليه السلام عن اسم النبي المنتظر فقال: (فقال الكاهن حينئذ: ماذا يسمى مسيا، وما هي العلامة التي تعلن مجيئه ؟ فأجاب يسوع: إن اسمه المبارك (محمد). حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله، أرسل لنا رسولك، يا محمد، تعال سريعاً لخلاص العالم.

وأورد أيضاً برنابا حواراً تمَّ بينه وبين المسيح عليه السلام بعد أن رفع إلى السماء، ثم عاد مرة أخرى ليطمئن أمه وحوارييه بأنه لم يمت، ثم ارتفع مرة أخرى إلى السماء، وهذا نصه: ( فقال حينئذ الذي يكتب: يا معلم إذا كان الله رحيماً فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتاً، ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت، وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله ؟

أجاب يسوع: صدقني يا برنابا إن الله يعاقب على كل خطيئة- مهما كانت طفيفة- عقاباً عظيماً؛ لأن الله يغضب من الخطيئة، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي أحبوني قليلاً حبًّا عالميًّا، أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلماذا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئاً في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب؛ لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله).

رابعاً: أن برنابا صرَّح أن المسيح لم يُصلب، وإنما رُفع إلى السماء، وأن الذي صلب هو يهوذا الإسخريوطي، وهو الذي وشى بالمسيح لدى اليهود، حيث أُلْقِي عليه شبه المسيح، فقبض عليه وصلب بدلاً عن المسيح عليه السلام.

وهذا نص كلامه:-

(ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً، وكان الأحد عشر نياماً، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبِّح الله إلى الأبد.

ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع، وكان التلاميذ كلهم نياماً.

فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغيَّر يهوذا في النطق وفي الوجه، فصار شبيها بيسوع حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا أنسيتنا الآن ؟

أما هو فقال متبسماً: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفون يهوذا الإسخريوطي.

وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا؛ لأنه كان شبيهاً بيسوع من كل وجه).

وبعد أن ذكر محاكمة يهوذا وجلده من قبل اليهود والوالي الروماني وهم يظنون أنه يسوع قال: (وأُسْلِمَ يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت، وحكموا عليه بالصلب وعلى لصين معه.

فقادوه إلى جبل الجمجمة حيث اعتادوا شنق المجرمين، وهناك صلبوه عرياناً مبالغة في تحقيره).

هذه أهم مبادئ هذا الكتاب الذي أحدث بمبادئه وقت ظهوره دويًّا لدى النصارى، أما نحن المسلمين فلا يقدم عندنا هذا الكتاب ولا يؤخر، فنحن مطمئنون لكتاب ربنا الذي بين أيدينا نعرف به الحق، وعلى ضوئه نقيس الحق.**

**المطلب الخامس: إنجيل برنابا:

إنجيل برنابا لا يعتبر من الأناجيل القانونية لدى النصارى، ولا يعترفون به، ولأهمية ما يحتويه من معلومات، ولما بينه وبين الأناجيل الأربعة من تشابه في التعريف بالمسيح عليه السلام ودعوته نُعرِّف به هنا في نقاط مختصرة.

أ- التعريف بـ (برنابا):

برنابا: اسمه (يوسف) ويلقب ابن الوعظ، وهو لاوي قبرصي الجنسية، وهو خال (مرقس) صاحب الإنجيل فيما يقال، وكان من دعاة النصرانية الأوائل، ويظهر من إنجيله أن له مكانة لدى المسيح عليه السلام، والنصارى يرون أنه من الدعاة الذين لهم أثر ونشاط ظاهر، وكان من أعماله البارزه أنه باع حقله وأتى بقيمته من النقود ووضعها تحت تصرف الدعاة، وحين ادَّعى بولس (شاؤول اليهودي) الدخول في دين المسيح عليه السلام خاف منه الحواريون لما يعلمون من سابق عداوته، فشفع له برنابا عندهم فقبلوه ضمن جماعتهم، ثم اختلف معه بعد فترة من العمل في الدعوة سويا وانفصلا.

ب- التعريف بإنجيله:

أقدم خبر عن إنجيل برنابا كان قريباً من عام (492) م، وذلك حين أصدر البابا (جلاسيوس) الأول أمراً يحرم فيه مطالعة عدد من الكتب، كان منها كتاب يسمَّى (إنجيل برنابا) وهذا كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لم يظهر له خبر بعد ذلك إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي حيث عثر أحد الرهبان اللاتينيين وهو (فرامرينو) على رسائل (لإريانوس) يندد فيها ببولس، وأسند (إريانوس) تنديده هذا إلى إنجيل برنابا. فحرص هذا الراهب على الاطِّلاع على هذا الإنجيل. واتفق أنه أصبح مقرباً للبابا (سكتس) الخامس، ودخل معه يوماً إلى مكتبته فأخذت البابا غفوة نام فيها، فأخذ (فرامرينو) يطالع في مكتبته رغبة في قطع الوقت، فوقعت يده على هذا الكتاب فوضعه في ثوبه وأخفاه، ثم استأذن بعد أن أفاق البابا، وخرج فطالع الكتاب بشغف شديد، ثم أسلم على إثر ذلك - بيَّن هذه المعلومات المستشرق سايل في مقدمة ترجمته للقرآن الكريم- ثم في أوائل القرن الثامن عشر عام (1709) م, عثر (كريمر) أحد مستشاري ملك بروسيا على نسخة لإنجيل برنابا باللغة الايطالية، عند أحد وجهاء مدينة أمستردام- حيث كان يقيم وقتئذ - وأهداها (كريمر) إلى الأمير (إيوجين سافوي) لولعه بالعلوم والآثار التاريخية، ثم انتقلت تلك النسخة فيما بعد- وذلك عام (1738) م- مع جميع مكتبة ذلك الأمير إلى مكتبة البلاط الملكي في فينا، حيث هي موجودة الآن، ثم ترجمت إلى الإنجليزية، وعنها إلى العربية من قبل الدكتور خليل سعادة، وهو لبناني نصراني. وكان يوجد لهذا الكتاب نسخة أخرى بالإسبانية، يظن أنها منقولة عن الإيطالية عُثِرَ عليها في أوائل القرن الثامن عشر أيضاً، وكانت عند رجل يدعى الدكتور (هلم) أهداها إلى المستشرق (سايل)، ثم دفعها هذا بدوره إلى الدكتور (منكهوس) الذي ترجمها إلى الإنجليزية، ودفعها مع ترجمتها عام (1784) م, إلى الدكتور (هويت) أحد مشاهير الأساتذة في إكسفورد ببريطانيا، وعنده اختفت تلك النسخة مع ترجمتها. وقد أورد الدكتور (هويت) مقتطفات عديدة منها في دروسه، وقد اطَّلع على تلك المقتطفات خليل سعادة، مترجم كتاب إنجيل برنابا إلى العربية.

وحين ظهر هذا الإنجيل أحدث دويًّا في الأوساط النصرانية لما فيه من المعلومات المضادة لعقائدهم، فحاولوا دفعه بوسائل كثيرة، ومما زعموه:

أنه تأليف عربي مسلم، أو يهودي أندلسي تنصر ثم أسلم- وهذا في الواقع من التخرصات، ويدلُّ على بطلان تلك الدعاوى أمور منها:

1- لماذا يؤلف رجل أسلم كتاباً للنصارى، ويفتري الكذب وهو قد دخل في الإسلام.

2-أن في الكتاب معلومات غير موجودة في كتب اليهود والنصارى الآن.

3- أن مترجم الكتاب إلى العربية- وهو خليل سعادة النصراني- قد وصف صاحب الإنجيل بأنه على إلمام واسع جدًّا بالعهد القديم والنصرانية أكثر ممن نذروا أنفسهم للدين النصراني وتفسيره وتعليمه، حتى إنه ليندر أن يكون فيهم من يقرب من إلمام صاحب هذا الإنجيل، فكيف يكون مسلماً وله هذا الإلمام الواسع ؟!

4- إن مما يدفع أن يكون صاحبه مسلم أن فيه أخطاء لا يمكن أن تقع من المسلم لبداهتها، ومنها قوله: إن السموات عشرة. وخلطه بين اسم ميخائيل وميكائيل، ويقول: أدريل بدل إسرافيل.

وعلى كل حال فهذا كتاب ظهر في بلاد نصرانية، وبخط ولغة نصرانية، ولم يرد عن أحد المسلمين أنه اطَّلع على الكتاب مع سعة اطلاع علماء المسلمين، وحرصهم على الرد على النصارى، وهو لاشك مما يظهره الله عزَّ وجلَّ دليلاً للحق ودحراً للباطل وردًّا له. **

*المطلب الرابع: الأغلاط في الأناجيل:
كما بين الأناجيل اختلافات يوجد بها أغلاط وأخطاء كثيرة أيضاً، نذكر منها:
1- قال متَّى في إنجيله (1/3) مستدلًّا للمسيح وولادته من مريم بنبوءة سابقة جاءت على لسان إشعيا: (وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه (عمانوئيل) الذي تفسيره الله معنا). وهذا غلط؛ لأن هذا اللفظ الذي ورد على لسان إشعياء لا ينطبق على المسيح، فإن له قصة تدل على المراد به، وهي: أن (رصين) ملك أرام، (وفقح بن رمليا) ملك إسرائيل، اتفقا على محاربة (آحاز بن يوثان )ملك يهوذا، فخاف منهما (آحاز)خوفاً شديداً، فأوحى الله إلى النبي إشعياء أن يقول لآحاز: بأن لا يخاف؛ لأنهما لا يستطيعان أن يفعلا به ما أرادا وأن ملكهما سيزول أيضاً، وبين له إشعياء آية لخراب ملكهما وزواله، أن امرأة شابة تحبل وتلد ابناً يسمى (عما نوئيل)، فتصبح أرض هذين الملكين خراباً قبل أن يميز ذلك الابن بين الخير والشر، ونص كلامه: (ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه (عمانوئيل) زبداً وعسلاً يأكل، متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير؛ لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير تخلى الأرض التي أنت خاش من ملكيها) سفر إشعياء (7/14). وقد وقع ذلك فقد استولى (تغلث فلاسر) الثاني ملك آشور على بلاد سوريا، وقتل (رصين) ملكها، أما (فقح) فقتله في نفس السنة أحد أقربائه، وتولَّى الملك مكانه، كل ذلك حدث بعد هذه المقولة بما يقارب إحدى وعشرين سنة، أي: قبل ميلاد المسيح بما يقارب سبعة قرون.

2- قال متى في إنجيله (27/51) بعد الصلب المزعوم للمسيح وإسلامه الروح: (وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تفتقت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين). فهذه الحكاية التي ذكرها متَّى لم يذكرها غيره من كتَّاب الأناجيل مما يدلُّ على أن كلامه لا حقيقة له؛ لأنها آية عظيمة تتوافر الهمم على نقلها.

3- أنه ورد في إنجيل متَّى (12/40) وكذلك في (16/4) أن المسيح قال: (إنه لن يعطي لليهود آية إلا آية يونان (يونس عليه السلام ). ونصه: (لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال). وهذا غلط؛ لأن المسيح عليه السلام في زعمهم صلب ضحى يوم الجمعة، ومات بعد ست ساعات، أي: وقت العصر، ودفن قبيل غروب الشمس، وبقى في قبره تلك الليلة، ونهار السبت من الغد، وليلة الأحد، وفي صباح الأحد جاؤوا ولم يجدوه في قبره، مما يدل على أنه مكث في زعمهم ليلتين ويوماً واحداً فقط، فيكون كلام متَّى السابق غلط واضح.

4- أن متَّى ذكر في مواضع من كتابه أن القيامة ستقوم على ذلك الجيل، ومن ذلك قوله في (16/27) على لسان المسيح: (فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله، الحق أقول لكم: إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته). كما ورد في الإنجيل نفسه (3/23) قولهم على لسان المسيح: (فإن الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان). فهذه النصوص تؤكد القيامة قبل موت الكثيرين من ذلك الجيل، وقبل أن يكمل الحواريون الدعوة في جميع مدن بني إسرائيل، وهذا أمر لم يتحقق، …
5- جاء في إنجيل لوقا (1/30) في البشارة بالمسيح قوله: (ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية). وهـذا خطأ بيِّن؛ لأن المسيح عليه السلام لم يكن ملكاً لليهـود، ولا ملكـاً على آل يعقوب، بل كان أكثرهم معادين له إلى أن رفع إلى السماء بسبب محاولتهم قتله.
6- ورد في إنجيل مرقس (11/23): ( فأجاب يسوع وقال لهم: ليكن لكم إيمان بالله؛ لأن الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر. ولا يشك في قلبه، بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له، لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تصلون، فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم). وورد أيضا في إنجيل مرقس (16/17): (وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون ). وفي إنجيل يوحنا (14/12): ( الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً، ويعمل أعظم منها؛ لأني ماض إلى أبي، ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله). فهذه النصوص الثلاثة لاشك في أنها خطأ، فلا يستطيع النصارى أن يدعو ذلك لأنفسهم. كما أن عبارة إنجيل يوحنا فيها مغالات شديدة، حيث زعم أن من آمن بالمسيح يعمل أعظم من أعمال المسيح نفسه، وهذا من الترهات الفارغة. وبمجموع ما ذكر عن الأناجيل من ناحية تاريخها، ومتنها يتبين لنا أن هذه الكتب لا يمكن أن تكون هي الكتاب الذي أنزل الله عزَّ وجلَّ على عبده ورسوله المسيح عليه السلام، وأحسن أحوالها أن تكون متضمنة لبعض ما أنزل الله عزَّ وجلَّ على عيسى عليه السلام .


  • ألحقبقة أننا لا نؤمن بكل ما ورد في الأناجيل، ونعلم أن ما بها ليس من وحي ألسماء بل هو ترهات ومغالطات وأقوال مغلوطة لأنها من من بنات أفكار البشر كتبوها كذباً وتزييفاً ليضلوا بها الناس، ونحن نرفض اتباعها أصلاً ونرفض إتباع الكتب السماوية السابقة لأنها قد نسخها القرآن الكريم. واتباعها يورد موارد السخط والعذاب. فرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء.روى البخاري أيضا بسنده عن شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج إلى تبوك واستخلف عليا ، فقال : أتخلفني في الصبيان والنساء ، قال : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه ليس نبي بعدي .
    وروى مسلم في صحيحه بسنده عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن وقاص عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ، قال سعيد : فأحببت أن أشافه بها سعدا ، فلقيت سعدا ، فحدثته بما حدثني عامر ، فقال : أنا سمعته ، فقلت : أنت سمعته ، فوضع إصبعيه على أذنيه ، فقال : نعم ، وإلا فاستكتا .
    قال تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً)
    • هامش *
      صحيح البخاري 6 / 3 .
      صحيح مسلم 15 / 173 - 75 ( بيروت 1981 ) .
      آل عمران:85
      النساء:47
      المائدة: من الآية3**

**3- ذكر إنجيل متَّى (11/13) من كلام المسيح عن يوحنا المعمدان (يحيى عليه السلام ) قوله: (لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا إيليا المزمع أن يأتي من له أذنان للسمع فليسمع). وورد في إنجيل متَّى أيضاً (17/1) أنهم سألوا المسيح عليه السلام فقال: (وسأله تلاميذه قائلين: فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً، فأجاب يسوع وقال لهم: إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء، ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا، كذلك ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم، حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان). فالمسيح هنا يبين أن يحيى عليه السلام هو إيليا. ويخالف هذا قول يوحنا في إنجيله (1/19) حين جاء اليهود يسألون يحيى عن نفسه حيث قال: (أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت، فاعترف ولم ينكر وأقر أني لست أنا المسيح، فسألوه من أنت، إيليا أنت ؟ فقال: لست أنا. النبي أنت ؟ فأجاب لا. فقالوا له: من أنت لنعطي جواباً للذين أرسلونا ؟ ماذا تقول عن نفسك ؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية قَوِّمُوا طريق الرب كما قال إشعيا النبي). فهنا أنكر يحيى عليه السلام أن يكون هو إيليا، وهذا تناقض واضح.

4- أن متى ذكر في إنجيله (20/29-34) أن عيسى عليه السلام لما خرج من أريحا قابله أعميان فطلبا منه أن يشفيهما من العمى فلمس عيونهما فشفيا. وقد ذكر هذه القصة مرقص في (10/46-52) وبين أن بارينماوس الأعمى ابن نيماوس هو الذي طلب ذلك فقط.

5- أن مرقص ذكر في (6/8) أن عيسى عليه السلام أوصى حوارييه حين أرسلهم للدعوة في القرى بأن لا يحملوا شيئاً للطريق غير عصا فقط لا مزوداً، ولا خبزاً، ولا نحاساً، وذكر ذلك لوقا في (9/3) إلا أنه قال: إن عيسى عليه السلام أوصاهم وقال لهم: (لا تحملوا شيئاً للطريق لا عصا ولا مزوداً ولا خبزاً ولا فضة) ففي الأول أجاز لهم حمل العصا، والثاني نهاهم عن حمل العصا أيضاً.

6- أن إنجيل متى ذكر فيه في (15/21) أن المرأة التي طلبت من المسيح شفاء ابنتها كانت كنعانية. وذكر القصة مرقص في إنجيله (7/24) ونص عبارته عن جنس المرأة: (وكانت المرأة أممية وفي جنسها فينيقية سورية).

7- أن إنجيل متى ذكر أسماء تلاميذ عيسى الاثني عشر فقال (10/2): (وأما أسماء الاثني عشر رسولاً فهي هذه: الأول سمعان الذي يقال له: بطرس، وإندراوس أخوه، يعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، فيلبس، وبرثولماوس، توما، ومتى العشار، يعقوب بن حلفى، ولباوس الملقب تداوس، سمعان القانوني، ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه). وذكر مرقص في(3/16) الأسماء فوافق فيها متى، وخالفهما لوقا حيث حذف من قائمة متى (لباوس الملقب تداوس) ووضع بدلاً عنه (يهوذا أخا يعقوب).

8- اختلافهم في الذين حضروا لمشاهدة قبر المسيح بعد دفنه المزعوم ووقت ذلك، حيث يقول متى (28/1): (وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية، ومريم أخرى لتنظرا القبر). وفي إنجيل مرقص (16/1) يقول: (وبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه، وباكراً جدًّا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس). وفي إنجيل لوقا (24/1) يقول: ( ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهن أناس)

وفي إنجيل يوحنا (20/1) يقول: ( وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً والظلام باق، فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر).

فهذه الاختلافات وغيرها كثير- ذكرها علماء الإسلام وغيرهم- تدلُّ دلالة واضحة على أن في الكتاب صنعة بشرية، وتحريف وتبديل .**

**2- أن صاحب إنجيل متَّى أسقط أربعة آباء من سلسلة النسب: ثلاثة منهم على التوالي بين (عزيا ويورام) حيث النسب كما هو في أخبار الأيام الأول (3/11-13) (عزريا بن أمصيا بن يواش بن أخزيا بن يورام)، كما أسقط واحداً بين (يكنيا ويوشيا) وهو (يهو ياقيم) وسبب إسقاط اسم يهوياقيم بين يوشيا ويكنيا هو أن (يهوياقيم) هذا مَلَكَ دولة يهوذا بعد أبيه، إلا أنه كان عابدا للأوثان فكتب له (إرميا) يحذره من قبيح صنعه، ويبين له مغبة أفعاله، فأحرق (يهوياقيم) الكتاب ولم يرجع عن غيه، فقال عنه إرميا حسب كلامهم: (لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم مَلِكِ يهوذا لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً) سفر إرميا(36/30).

ومعنى هذا الكلام أنه لا يكون من نسله ملك، فأسقطه (متى) لهذا السبب، وعلل صاحب تفسير العهد الجديد ذلك التصرف بأن (متى) أراد أن يجعل كل مجموعه من النسب تحوي أربعة عشر اسماً.

ونقول: إذا كانت هذه العلة التي لا معنى لها من أجلها حذف أربعة آباء من نسب المسيح، فذلك يعني أن الكاتب قد كتبه لخدمة أهداف في نفسه، وأنه لا يكتب ما علم وسمع مجرداً من الهوى والآراء الخاصة، ومن هنا يمكن أن ندرك كيفية تعامل النصارى الأوائل مع المعلومات الواردة إليهم، وأنهم يصوغونها وفق ما يرون ويعتقدون، لا وفق الحق مجرداً عن الهوى والآراء الخاصة. ولنا أن نبحث هنا عن السبب في هذا الخطأ الفاحش والاختلاف في نسب المسيح عليه السلام، فنقول: إن سبب خطأ النصارى في نسب المسيح عليه السلام أنهم نسبوه إلى رجل مغمور غير مشهور هو (يوسف النجار) خطيب مريم في زعمهم، فلهذا أخطؤوا في نسبه، فأعطاه (متَّى) نسباً ملوكيًّا، وأعطـاه (لوقا) نسباً آخـر غير معروف ولا معلوم.

ولكن لماذا أعرض كُتَّاب النصارى عن مريم، ولم يعطوه نسبها، فيجعلونه كما هو الحق عيسى بن مريم بنت عمران ؟.

السبب في هذا ظاهر وهو: أن مريم بنت عمران امرأة عابدة مشهورة، تربَّت في بيت النبي زكريَّا عليه السلام، الذي كان من نسل هارون عليه السلام حيث كان كاهن بيت المقدس والمسؤول عن البخور عندهم هو زوج (أليصابات) خالة مريم، وهي من نسل هارون عليه السلام أيضاً، فتكون مريم من السبط نفسه، وهو سبط لاوي بن يعقوب عليه السلام، وذلك أن تشريع اليهود يأمرهم أن تتزوج المرأة من سبطها، ولا تتزوج من سبط آخر حتى تستمر الأموال في نفس السبط، ولا تنتقل إلى أسباط أخرى بواسطة الميراث. فلهذا تكون مريم من سبط زكريا عليه السلام وزوجته، وكذلك خطيبها المزعوم إن صحَّ كلامهم في ذلك يكون من السبط نفسه، وهو سبط لاوي الذي منه هارون عليه السلام، ومما يدلُّ على أن مريم من سبط هارون قول الله عزَّ وجلَّ: يَا أُخْتَ هَارُونَ . قال السدي: قيل لها: يَا أُخْتَ هَارُونَ . أي: أخي موسى؛ لأنها من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم. وللمضري: يا أخا مضر. وهذا الأمر فيما يبدو علمه كتَّاب الأناجيل فأزعجهم إزعاجاً شديداً؛ لأنهم يظنون أن المسيح لابد أن يكون من نسل داود عليه السلام فأعطوه ذلك النسب المخترع إلى داود عليه السلام، وذلك حتى ينطبق عليه ما يزعمه اليهود، وهو أن المسيح لابد أن يكون من نسل داود عليه السلام حتى يكون مسيحاً. والله أعلم.


مريم:28**

** الفصل التاسع
البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم
في الكتاب المقدس
تمهيد: لقد بشَّر المسيح عليه السلام بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ .
وقد جدَّ النصارى- ومن قبلهم اليهود- في حذف هذه البشارات من كتبهم أو صرفها عن وجهها، ويزعمون أنه لا يوجد في كتبهم إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن وجد شيء صرفه النصارى إلى عيسى ابن مريم، وصرفه اليهود إلى المسيح الذي ينتظرونه، وهي في الواقع لا تنطبق إلا على نبي هذه الأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وقد بقي من هذه البشارات الشيء الكثير مع تحريفهم لكتبهم، وقد ذكر منها الشيخ (رحمة الله الهندي) في كتابه (إظهار الحق) ثماني عشرة بشارة، منها إحدى عشرة بشارة في العهد القديم، وسبع بشارات في العهد الجديد، فنذكر بعضاً من تلك البشارات مما ورد في العهدين القديم، والجديد.
________________________
المطلب الأول: البشارة الأولى:
ورد في سفر التثنية (18/17): (قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه). هذا الكلام لا ينطبق إلا على النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال: (من وسط إخوتهم). وإخوتهم هم أبناء إسماعيل عليه السلام؛ لأنه أخو إسحاق الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل حيث هما ابنا إبراهيم عليه السلام. وأيضاً قال (مثلك) ومعلوم أن اليهود يرون أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى حيث قالوا في سفر التثنية (34/10): (ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى، الذي عرفه الرب وجهاً لوجه). وفي النسخة السامرية من التوراة هكذا (ولا يقوم أيضاً نبي في إسرائيل مثل موسى الذي ناجاه الله شفاها). واليهود يزعمون أن هذه البشارة لنبي لم يأت بعد، وإن زعم بعضهم أن المراد بها يوشع بن نون، فهذا غير صحيح؛ لأنه ليس مثل موسى، ويزعم النصارى أن المراد بها عيسى عليه السلام، وهي في الواقع لا تصدق عليه بأي وجه؛ لأنه:-
أولاً: من بني إسرائيل وليس من إخوتهم.
ثانياً: هو ليس مثل موسى عليه السلام، فإنه تابع له، كما أنه عند النصارى إله، وابن إله، فلو أقروا بأنه مثل موسى لهدموا ديانتهم وما هم عليه.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فتصدق عليه من جميع الوجوه، فإنه من إخوتهم، وهو مثل موسى عليه السلام نبي رسول، وأتى بشريعة جديدة، وحارب المشركين، كما فعل موسى عليه السلام. ثم إنه قال: (أجعل كلامي في فمه). فهذا كناية عن القرآن المحفوظ في الصدور، الذي تلقَّاه النبي محمد صلى الله عليه وسلم مشافهة من جبريل عليه السلام، وحفظه في قلبه، وتلاه بعد لأمته من فمه عليه الصلاة والسلام، حيث كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب عليه الصلاة والسلام. ثم إن الله جلَّ وعلا أتم وعده للنبي صلى الله عليه وسلم أن الذين لا يطيعونه فإن الله سيطالبهم، وقد طالبهم، فانتقم من أعدائه المشركين واليهود، ثم ممن عداهم من الأمم. وهذا لم يكن لنبي غيره، وعيسى عليه السلام لم ينتقم الله من أعدائه، بل كان أعداؤه في مكان المنتصر، فأرادوا قتله إلا أن الله جلَّ وعلا أنجاه منهم، وفي زعم النصارى أنهم قبضوا عليه وأهانوه وصلبوه.
المطلب الثاني: البشارة الثانية:
جاء في سفر التثنية (33/1): (وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم). فمجيء الرب من سيناء معناه إعطاء موسى عليه السلام التوراة، وقوله: (أشرق من سعير). التبشير بالمسيح عليه السلام؛ لأن ساعير جبل في أرض يهوذا في فلسطين، وقوله: (وتلألأ من جبل فاران). المراد به التبشير بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن فاران جبل من جبال مكة، وقد سموه بكتابهم بهذا الاسم، فقالوا عن إسماعيل عليه السلام في سفر التكوين (21/21): (سكن برية فاران وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر) وإسماعيل عليه السلام لم يسكن إلا مكة.
المطلب الثالث: البشارة الثالثة:
جاء في سفر (حجي) (2/7) - أن حجي وهو أحد أنبيائهم - أخبر بني إسرائيل بعد تدمير الهيكل وسبيهم إلى بابل وعودتهم مرة أخرى بما قال الله له معزياً لهم: (لأنه هكذا قال رب الجنود: هي مرة بعد قليل فأزلزل السموات، والأرض، والبحر، واليابسة، وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً، قال رب الجنود: ولي الذهب يقول رب الجنود: مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود: وفي هذا المكان أعطي السلام يقول رب الجنود).
فقوله هنا: (مشتهى كل الأمم). ترجمة بالمعنى لكلمة (حمدا) بالعبري، كما يقول البرفسور عبد الأحد داود والتي لازالت مكتوبة بالعبري بهذا اللفظ والتي تعني المشتهى، والشهية، والشائق، وأن هذه الكلمة (حمداً) بالعبري يوازيها بالعربي (أحمد) فتكون نصا صريحاً، وكذلك قوله بعد: (وفي هذا المكان أعطي السلام). والسلام والإسلام شيء واحد، وقد جاء السلام إلى بيت المقدس برحلة النبي عليه الصلاة والسلام إليه في الإسراء، ثم بفتحه في عهد عمر رضي الله عنه.
ثم إن ما تعلق بعد ذلك من الأحداث بمجيء (حمدا) لا تنطبق إلا على نبي الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، فبعد خراب بيت المقدس سنة (70) م لم يعد له مجد إلا على يد المسلمين، وهو مجد أعظم من مجده السابق، وما أحدثه الإسلام في الأرض بأن زلزل الدول، وأهلك الله جلَّ وعلا على يد المسلمين أهل الذهب القياصرة، وأهل الفضة الفرس، وصارت أموالهم تنفق في سبيل الله، كل هذا لم يفعله أحد من اليهود، ولم يفعله المسيح عليه السلام، ولم يتحقق إلا على يد نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضوان الله عليهم وأتباعهم.
المطلب الرابع البشارة الرابعة:
ورد في إنجيل يوحنا (16/7): (لكني أقول لكم الحق أنه من الخير لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم (المعزى) ولكن إن ذهبت أرسله لكم، ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة… ثم قال:(إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية ذاك يمجدني؛ لأنه يأخذ مما لي ويخبركم). فقوله: (المعزى). المراد به الذي أجد به عزاء، وهذا لا ينطبق إلا على النبي صلى الله عليه وسلم حيث هو الذي يجد عيسى عليه السلام به العزاء؛ لأنه يبين الحق، ويظهر الله على يديه الدين الذي لم يتمكن المسيح عليه السلام من إظهاره. ثم إن الذي ذكر مكان هذا اللفظة- وهي (المعزى)- في الترجمات الأخرى عدا العربية هي لفظة (الفارقليط) اليونانية، وقد بدَّله المترجمون في النسخ العربية إلى (المعزى)؛ لأن معنى (الفارقليط) هو المعزى، ولكن الذي بيَّنه (الشيخ رحمة الله الهندي) وغيره أن (الفارقليط) هو تحريف لكلمة (بيرقليط) التي تعني محمد أو أحمد، ولحسد النصارى وبغيهم حرفوا هذه الكلمة التي هي نص في اسم النبي صلى الله عليه وسلم في لغة اليونان، مع العلم أن النص اليوناني لإنجيل يوحنا أقل ما يقال فيه: أنه ترجمة لما نطق به المسيح؛ لأن المسيح عليه السلام كان يتكلم الآرامية، وليس اليونانية، كما أن الواقع أن (المعزى) لا ينطبق إلا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا معزى بعد المسيح إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن كل بشارة بأحد وردت على لسان المسيح عليه السلام إنما تنصرف باللزوم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ليس بينهما نبي، وليس بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي.
بهذا يتضح أن الله عزَّ وجلَّ قد أقام الحجة على اليهود والنصارى بما بين أيديهم يقرؤونه ويرونه، لو كانوا يبصرون .


الصف:6
كتاب: (إظهار الحق) للشيخ (رحمة الله الهندي)**


ألْنَصْرانِيَّة

بسم الله الرحمن الرحيم
(رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي).
كان هذا البحث ( من رقم 2 ولغاية الرقم 172 ) بحثا منقولا من موقع ( الدرر السنية ) لديانة سماوية كانت الأخيرة قبل الإسلام حُرفت وفُرغت من محتواها المُنزل والموحى به، يعنينا في البحث الجانب العقائدي والسياسي وما تفرع عن تلك الديانة من تبشير وتنصير واستشراق. أما ما سيرد بعد الرقم ( 172 ) فمن مصادر متعددة جرى نقله اكمالا للفائدة بتصرف بسيط في الفن.
اللهم تقبل عملنا هذا وكل اعمالنا خالصة لوجهك الكريم.
منقول بتصرف عن :

www.dorar.net/hadith-cat

**استقراء الواقع من خلال نماذج من المتنصرين

تم تدريب فرق من الشباب المسيحي للعمل في مجال التنصير، وهؤلاء الشباب يتلقون تدريبات مكثفة على كيفية إدارة الحوار مع المسلمين، وكسب مودتهم وثقتهم، واكتشاف نقاط الضعف في شخصيتهم واستثمارها، ويتركز النشاط التنصيري على عدة جبهات أساسية وهي:

المراكز التعليمية:

الجامعات والمدارس والمدن الطلابية.

المراكز الاجتماعية:

النوادي والتجمعات الليلية، وأماكن تجمع الشباب بصفة خاصة.

المراكز الطبية:

مستشفيات وجمعيات مرضى الكلى والسرطان، فهناك رحلات تنظمها الكنائس إلى هذه الأماكن، وتقوم بتوزيع الهدايا والأموال والتعرف على احتياجات المرضى، وقيام صداقات بينهم وبين المنصرين. التجمعات الفقيرة: مثل منطقة (الكيلو أربعة ونصف) و(منشية ناصر) و(عزبة الهجانة) و(الدويقة) و(البساتين) و(مصر القديمة) و(المقطم) و (جزيرة الدهب) بين (المعادي) ومنطقة (البحر الأعظم) جزيرة الوراق (إمبابة).

مراكز الإيداع الخاص: السجون وملاجئ الأطفال ودور المسنين، ومع حساسية هذه الأماكن وظروفها الخاصة.**

**التنصير في الجزيرة العربية
تمهيد:.
المطلب الأول: التنصير في البحرين:.
المطلب الثاني: التنصير في الكويت:.
المطلب الثالث: التنصير في عمان:.
المطلب الرابع: التنصير في قطر:.
المطلب الخامس: التنصير في الإمارات:


تمهيد
إن بناء الكنائس في ديار الإسلام جريمة شنعاء، وعاراً مخزياً أن يكون للوثنية موقع قدم في ديار أعزَّها الله بالإسلام, ورفع عنها الجاهلية رحمة منه, وإقامة للحجة على عباده، فما الذي سيجنيه العالم الإسلامي من وجود هذه الكنائس بين ظهرانيهم ؟( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) , وأكرر أنه إذا كان وجود الكنائس في ديار المسلمين أمراً مخزيا، فإن وجودها في جزيرة العرب يعتبر أشد خزياً, بل ومن أشد المنكرات التي يجب إزالتها والأخذ على أيدي المنتسبين إليها, فقد حرَّم الإسلام تحريما مؤبدا أن يجتمع فيها دينان إلى يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً”
وقد جاء في معناه أحاديث كثيرة كلها تحرِّم أن يجتمع بجزيرة العرب دينان, فأين المسلمون من تصميم النصارى على غزو بلاد العرب وإقامة الكنائس لو تيسر لهم - لا سمح الله - على أنقاض المساجد, وإعادة السيطرة الصليبية على كل أراضي العرب في الجزيرة، ليكون مصيرهم مصير إخوانهم من المسلمين في أفريقيا وفي شرق آسيا… وغيرها من البلدان التي وطئتها أقدام المنصرين النجسة, يغمرهم الحقد على الإسلام وعلى نبيه العظيم, وعلى كل مسلم غيور على دينه, ولقد تجرأ النصارى على المسلمين، فصاروا يهاجمون الإسلام وأهله علانية غير مكترثين بمشاعر المسلمين، ولا بمشاعر أهل البلد الذي آواهم، وسمح لهم بإظهار كفرهم؛ رعاية لمصالح المواطنين بزعمهم.
لقد أصبح الخليج العربي بين فكي الكماشة, التنصير من جانب, والنفوذ الرافضي من جانب آخر, وكل هذا يراد به حصار الإسلام والعقيدة السلفية والقضاء عليها.
وقد جاءت نصوص مستفيضة عن الصحابة على منع بناء الكنائس في ديار المسلمين, وفي كتب الحديث ما يشفي ويكفي، وكذلك من جاء بعد الصحابة كلهم على تحريم بناء الكنائس, وفي كتب الفقه في بيان حقوق أهل الذمة وأهل الملل الأخرى ما لا يحصى من الأقوال عن علماء المسلمين في تحريم بناء الكنائس بين ظهراني المسلمين, وأن من فعل ذلك فإنه يعزَّر وتهدم الكنيسة، خصوصا بناء الكنائس المستحدثة, ولم يتوانَ المسلمون في هدم كنائس الكفار إلا ما كان قبل قدوم المسلمين أراضيهم ودخول أولئك الكفار في الذمة بالصلح فلهم ذلك, ما لم ينقضوا عهدهم, فإذا نقضوه فللمسلمين حينئذ هدم كل كنائسهم، وعلى المنخدعين بزخارف القول بتقارب الأديان السماوية, أو رعاية المصالح الوطنية, أو ترديد شعار المؤاخاة بين الإسلام واليهود والنصرانية, عليهم إن كانوا غيورين على دينهم أن يراجعوا كلام علماء الإسلام وفقهائهم؛ ليتأكدوا من حقيقة موقف الإسلام من التعاليم الباطلة الجاهلية, ومن موقفه من رفع الكنائس وسائر الشعائر النصرانية في ديار المسلمين, فما أحرى بالمسلمين أن يروا الله خيرا من أنفسهم، وأن يمنعوا - حكاماً ومحكومين - كل ما يضادُّ الإسلام، ويرفع شأن الديانات الباطلة في ديارهم, فإنه ما غزي قوم في عقر ديارهم إلا ذلوا.
وعسى أن يأتي اليوم الذي يستفيق فيه المسلمون قريبا، ويكون شعارهم (لا دينان في جزيرة العرب) بل ولا في أي بلد إسلامي, وأن يطهروا بلدانهم عن نجس النصرانية البولسية الوثنية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ), عسى أن يأتي ذلك اليوم، وليس ذلك على الله بعزيز…
وعلى من انخدع بزخارف دعايات النصرانية أن يرجع إلى دينه الحنيف الذي جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يقبل الله دينا سواه.
وفيما يلي أشير بتصرف واختصار على حركة التنصير في الخليج من كتاب: (التبشير المسيحي في منطقة الخليج).


المائدة: 50 رواه مسلم (1767) التوبة: 28**