على فراش الموت (2)
الصحابي الجليل أبوالدرداء رضي الله عنه و أرضاه لما جاء أبا الدرداء الموت … قال : ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه ثم قبض رحمه الله.
سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه بكى عند موته فقيل له ما يبكيك فقال عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب , و حولي هذه الأزواد و قيل إنما كان حوله إجانة و جفنة و مطهرة.
الإجانة : إناء يجمع فيه الماء والجفنة : القصعة يوضع فيها الماء و الطعام والمطهرة : إناء يتطهر فيه.
الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه لما حضره الموت دعا إبنه فقال: يا عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود , إني أوصيك بخمس خصال , فإحفظهن عني : أظهر اليأس للناس , فإن ذلك غنى فاضل . و دع مطلب الحاجات إلى الناس , فإن ذلك فقر حاضر . ودع ما تعتذر منه من الأمور, ولا تعمل به وإن إستطعت ألا يأتي عليك يوم إلا و أنت خير منك بالأمس , فافعل ,و إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع , كأنك لا تصلي بعدها .
الحسن بن علي سبط رسول الله و سيد شباب أهل الجنة رضي الله عنه لما حضره الموت قال : أخرجوا فراشي إلى صحن الدار فأخرج فقال : “اللهم إني أحتسب نفسي عندك , فإني لم أصب بمثلها”
الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال عند موته لمن حوله : أجلسوني فأجلسوه فجلس يذكر الله, ثم بكى وقال الآن يا معاوية جئت تذكر ربك بعد الانحطام و الانهدام, أما كان هذا و غض الشباب نضير ريان ثم بكى و قال: يا رب يا رب ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي اللهم أقل العثرة واغفر الزلة وجد بحلمك على من لم يرج غيرك و لا وثق بأحد سواك.
الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه حينما حضره الموت بكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار , فقال له إبنه :ما يبكيك يا أبتاه أما بشرك رسول الله فأقبل عمرو رضي الله عنه إليهم بوجهه وقال إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله .. إني كنت على أطباق ثلاث, لقد رأيتني و ما أحد أشد بغضا لرسول الله صلى الله عليه و سلم مني , و لا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته , فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار, فلما جعل الله الإسلام في قلبي , أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت : إبسط يمينك فلأبايعنك فبسط يمينه قال فقضبت يدي فقال ما لك يا عمرو قلت : أردت أن أشترط فقال : تشترط ماذا قلت : أن يغفر لي فقال : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله , و أن الهجرة تهدم ما كان قبلها , و أن الحج يهدم ما كان قبله.
و ما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا أحلى في عيني منه , و ما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له , و لو قيل لي صفه لما إستطعت أن أصفه , لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة , ثم ولينا أشياء , ما أدري ما حالي فيها, فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة و لا نار , فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور و يقسم لحمها , حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي .
الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري لما حضرته - رضي الله عنه - الوفاة , دعا فتيانه , و قال لهم : إذهبوا فاحفروا لي و أعمقوا.. ففعلوا فقال : اجلسوا بي فو الذي نفسي بيده إنها لإحدى المنزلتين , إما ليوسعن قبري حتى تكون كل زاوية أربعين ذراعا , و ليفتحن لي باب من أبواب الجنة , فلأنظرن إلى منزلي فيها و إلى أزواجي , و إلى ما أعد الله عز و جل لي فيها من النعيم , ثم لأنا أهدى إلى منزلي في الجنة مني اليوم إلى أهلي و ليصيبني من روحها و ريحانها حتى أبعث .
و إن كانت الأخرى ليضيقن علي قبري حتى تختلف منه أضلاعي , حتى يكون أضيق من كذا و كذا , و ليفتحن لي باب من أبواب جهنم , فلأنظرن إلى مقعدي و إلى ما أعد الله عز و جل فيها من السلاسل و الأغلال و القرناء , ثم لأنا إلى مقعدي من جهنم لأهدى مني اليوم إلى منزلي , ثم ليصيبني من سمومها و حميمها حتى أبعث .
سعد بن الربيع رضي الله عنه, لما إنتهت غزوة أحد .. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من يذهب فينظر ماذا فعل سعد بن الربيع فدار رجل من الصحابة بين القتلى .. فأبصره سعد بن الربيع قبل أن تفيض روحه .. فناداه ماذا تفعل فقال : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثني لأنظر ماذا فعلت فقال سعد :
إقرأ على رسول الله صلى الله عليه و سلم مني السلام و أخبره أني ميت و أني قد طعنت إثنتي عشرة طعنة و أنفذت في , فأنا هالك لا محالة , و إقرأ على قومي من السلام و قل لهم .. يا قوم .. لا عذر لكم إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و فيكم عين تطرف .
عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال قبل أن تفيض روحه : ما آسى من الدنيا على شيء إلا على ثلاثة : ظمأ ا لهواجر ومكابدة الليل ومراوحة الأقدام بالقيام لله عز و جل وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت.
عبادة بن الصامت رضي الله عنه و أرضاه لما حضرته الوفاة ، قال : أخرجوا فراشي إلى الصحن ثم قال : اجمعوا لي موالي و خدمي و جيراني و من كان يدخل علي فجمعوا له فقال : إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا ، و أول ليلة من الآخرة ، و إنه لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء ، و هو والذي نفس عبادة بيده ، القصاص يوم القيامة ، و أحرج على أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي .
فقالوا : بل كنت والدا و كنت مؤدبا فقال : أغفرتم لي ما كان من ذلك قالوا نعم .فقال : اللهم اشهد … أما الآن فاحفظوا وصيتي: أحرج على كل إنسان منكم أن يبكي ، فإذا خرجت نفسي فتوضئوا فأحسنوا الوضوء ، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجدا فيصلي ثم يستغفر لعبادة و لنفسه ، فإن الله عز و جل قال : و استعينوا بالصبر و الصلاة و إنها لكبيرة إلا على الخاشعين … ثم أسرعوا بي إلى حفرتي ، و لا تتبعوني بنار .
الإمام الشافعي رضي الله عنه, دخل المزني على الإمام الشافعي في مرضه الذي توفي فيه فقال له :كيف أصبحت يا أبا عبدالله ؟ فقال الشافعي: أصبحت من الدنيا راحلا, و للإخوان مفارقا ولسوء عملي ملاقيا و لكأس المنية شاربا و على الله واردا و لا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها, أم إلى النار فأعزيها , ثم أنشأ يقول :
و لما قسـا قلبي و ضاقـت مذاهبي جـعـلت رجـائي نحـو عفـوك سلـما
تعاظـمــني ذنبــي فلـما قرنتـه بعـفــوك ربـي كـان عفوك أعظـما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجـود و تعـفـو منــة و تكـرمـا
الحسن البصري رضي الله عنه و أرضاه حينما حضرته المنية حرك يديه و قال هذه منزلة صبر و إستسلام .
عبدالله بن المبارك العالم العابد الزاهد المجاهد, حينما جاءته الوفاة إشتدت عليه سكرات الموت ثم أفاق و رفع الغطاء عن وجهه و ابتسم قائلا : لمثل هذا فليعمل العاملون … لا إله إلا الله … ثم فاضت روحه.
الخليفة العادل الزاهد عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لما حضره الموت قال لبنيه و كان مسلمة بن عبدالملك حاضرا : يا بني إني قد تركت لكم خيرا كثيرا لا تمرون بأحد من المسلمين و أهل ذمتهم إلا رأو لكم حقا ,يا بني إني قد خيرت بين أمرين , إما أن تستغنوا و أدخل النار , أو تفتقروا و أدخل الجنة , فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إلي , قوموا عصمكم الله … قوموا رزقكم الله, قوموا عني , فإني أرى خلقا ما يزدادون إلا كثرة , ما هم بجن و لا إنس ,قال مسلمة : فقمنا و تركناه , و تنحينا عنه , و سمعنا قائلا يقول (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (83)القصص ثم خفت الصوت , فقمنا فدخلنا , فإذا هو ميت مغمض مسجى.
يتبع