ألمختار من أدبيات ألشيخ جواد عبد المحسن الهشلمون

القول الفصل

قوله تعالى: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) } (يونس:94)ذهب الإمام الطبري عند تفسير هذه الآية إلى القول بأن الخطاب في الآية الكريمة موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الخطاب فيها من باب الحقيقة، وليس من باب المجاز؛ ثم وجِّه القول فيما ذهب إليه مستدلاً له -على عادته- بما روي في هذا الشأن من روايات؛ كالمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية، قوله: {فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك} قال: التوراة والإنجيل، الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فآمنوا به.

1- وافترض الطبري هنا سؤالاً، فقال: فإن قال قائل: أَوَ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شك من خبر الله أنه حق ويقين، حتى قيل له: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك}؟ ثم أجاب عن هذا التساؤل، قائلاً: لا، ويؤكد نفي وقوع الشك عنه صلى الله عليه وسلم بما روي في ذلك من آثار؛ كقول سعيد بن جبير، وقد سئل عن قوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} قال: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسأل. وأيضاً بما روي عن قتادة في الآية نفسها، قال: ذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أشك، ولا أسأل.

وبعد أن ساق الطبري الروايات التي تؤيد ما ذهب إليه، نراه يجيب على التساؤل الذي قد يعرض للناظر في هذه الآية، والمتعلق بوقوع الشك من النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرر في ذلك أن الكلام في الآية جار على حسب أسلوب كلام العرب، وبما يوافق معهودهم ومعتادهم؛ وبيان هذا أن من معهود العرب في كلامها أن يقول السيد لمملوكه: (إن كنت مملوكي، فانته إلى أمري) والعبد المأمور بذلك، لا يشك سيده القائل له ذلك، أنه عبده. كذلك قول الرجل منهم لابنه: (إن كنت ابني فبرني) وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه. ويعقب على ما قرره بالقول: إن ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم. ثم يأتي بشواهد من القرآن الكريم تدعم هذا الأسلوب المعهود في كلام العرب؛ كقوله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} (المائدة:116) والله يعلم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك فهذه الآية الكريمة هي على نسق الآية التي معنا.

2- ان المسلم مؤمن بقضاء الله ايمانا راسخا لا تزعزعه الظروف والاوضاع والاحوال وان الله عز وجل مؤيده وناصره,وحتى بينه وبين نفسه لا يشك للحظة في هذا الامر وصدق الله العظيم(وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا(122)النساء.

3- اما الامر التالي فهو ان الفرج واليسر والسعة وكل ما يدور ضمن هذه الدائرة فلا يوصف الحال بانه فرج الا بعد شدة ولا يوصف اليسر الا بعد عسر ,فلا يتميزالحلو بانه حلو الا بعد مرار .

4- ان المطلوب الاساسي من المسلم هو التعلق بحبال الله تعلقا عقائديا وادراكه بانه بمعية الله .وهذا ما فهمه الاوائل من الصحابة في غزوة الخندق ففي هذه الاحوال من الخوف الشديد وهذا الوضع الذي عانى منه المسلمون من شدة الضيق وهم في الخندق قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم(إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأصفر)سنن الترمذي,وخلاصة القول ان الاعتقاد بنصر الله اوضح مما تراه العين,والعقيدة مقدمة على البصر.

5- ان المسلم مسؤول عن عمله وتقيده بامر الله ونهيه حين قيامه بالعمل ,وهو غير مسؤول عن النتائج مطلقا ,فالنتيجة بيد الله ولا دخل للمسلم بها فاعتقاده ان الله هو الناصر والرازق واي خلل او موقف يخالف هذه العقيدة زلل.

ان المسلم هوالذي استخلفه الله وهو من الامة الوسط الممدوحة من الله عز وجل(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)البقرة143 وهذه منزلة كريمة اعز الله بها كل مؤمن فلا يصح له ان يذل نفسه بعد ان اكرمه الله,فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم( لا ينبغي للمؤمن ان يذل نفسه)المعجم الاوسط,فاذا وصفه غيره بانه مستضعف فلا يعني ذلك انه كذلك ,وصدق الله العظيم(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76)الاعراف فلم يكن جوابهم ينم عن ضعف او انهزام بل بكل ثقة واطمئنان(إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ),فالوصف جاء من المستكبر أي مستكبر في أي وقت فهو لا يرى غيره او لا يكاد .

ان وضع الذين آمنوا في مكة كان صعبا والمستكبرون تجاوزوا كل حد,وكان الرجل يدخل في جوار يحميه وكان عثمان بن مظعون قد دخل فى جوار الوليد بن المغيره ولما رأى ما يفعل بالمسلمين من الاذى قال والله ان غدوى ورواحى امنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل دينى يلقون من الاذى فى الله مالا يصيبنى لنقص كبير فمشى الى الوليد فقال يا أبا عبدشمس وفت ذمتك وقد رددت اليك جوارك قال له يا ابن أخى لعله اذاك أحد من قومى وأنت فى ذمتى فأكفيك ذلك قال لا والله ما اعترض لى أحد ولا اذانى ولكن أرضى بجوار الله عز وجل وأريد أن لا أستجير بغيره قال انطلق الى المسجد فاردد الى جوارى علانية كما أجرتك علانية فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد هذا عثمان قد جاء يرد على جوارى فقال عثمان صدق وقد وجدته وفيا كريم الجوار ولكنى لا أستجير بغير الله عزو جل قد رددت عليه جواره فقال الوليد أشهدكم أنى برىء من جواره الا أن يشاء ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك فى مجلس من قريش ينشدهم قبل اسلامه فجلس عثمان معهم فقال لبيد: (ألا كل شىء ما خلا الله باطل) فقال عثمان صدقت فقال لبيد (وكل نعيم لا محالة زائل) فقال عثمان كذبت نعيم الجنة لا يزول فقال لبيد يا معشر قريش ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم فقال رجل من القوم ان هذا سفيه فمن سفاهته فارق ديننا فلا تجدن فى نفسك من قوله فرد عليه عثمان فقام ذلك الرجل فلطم عينه والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان فقال أما والله يا ابن أخى كانت عينك عما أصابها لغنية ولقد كنت فى ذمة منيعة فخرجت منها وكنت عن الذى لقيت غنيا فقال عثمان رضى الله تعالى عنه بل كنت الى الذى لقيت فقيرا والله ان عينى الصحيحة التى لم تلطم لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها فى الله عز وجل ولى فيمن هو أحب الى منكم أسوة وانى لفى جوار من هو أعز منك.

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

كيف نستجلب البركة

أولا: تقوى الله عز وجل مفتاح كل خير، قال تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } [الأعراف:96]، وقال تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب } [الطلاق:3-2] ، أي من جهة لا تخطر على باله.وقيل لأحد الصالحين: إن الأسعار قد ارتفعت. قال: أنزلوها بالتقوى.وقد قيل: ما احتاج تقي قط.

وقيل لرجل من الفقهاء : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب } [الطلاق:3،2]، فقال الفقيه: والله، إنه ليجعل لنا المخرج، وما بلغنا من التقوى ما هو أهله، وإنه ليرزقنا وما اتقيناه، وإنا لنرجو الثالثة: ﴿ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا﴾ [الطلاق:5].

ثانيا: قراءة القرآن: فإنه كتاب مبارك وهو شفاء لأسقام القلوب ودواء لأمراض الأبدان { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } ص:29. والأعمال الصالحة مجلبة للخير والبركة.

ثالثا: الدعاء؛ فقد كان النبي يطلب البركة في أمور كثيرة، فقد علمنا أن ندعو للمتزوج فنقول: « بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير » [رواه الترمذي]، وكذلك الدعاء لمن أطعمنا: « اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم ، وارحمهم »[رواه مسلم]. وغيرها كثير.

رابعا: عدم الشح والشره في أخذ المال: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ.مسند الصحابة في الكتب التسعة.

خامسا: الصدق في المعاملة من بيع وشراء قال : « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما » [رواه البخاري].

سادسا: إنجاز الأعمال في أول النهار؛ التماسا لدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم فقد دعا عليه الصلاة والسلام بالبركة في ذلك : فعن صخر الغامدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « اللهم بارك لأمتي في بكورها » [رواه أحمد] قال: فكان رسول الله إذا بعث سرية بعثها أول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا وكان لا يبعث غلمانه إلا من أول النهار، فكثر ماله حتى كان لا يدري أين يضع ماله.

سابعا: إتباع السنة في كل الأمور؛ فإنها لا تأتي إلا بخير. ومن الأحاديث في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم : « البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه » [رواه البخاري]. وعن جابر بن عبدالله قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلعق الأصابع والصحفة، وقال: « إنكم لا تدرون في أى طعامكم البركة » [رواه مسلم].

ثامنا: حسن التوكل على الله عز وجل {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} الطلاق:3. وقال - صلى الله عليه وسلم « لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا » [رواه أحمد].

تاسعا: استخارة المولى عز وجل في الأمور كلها، والتفويض والقبول بأن ما يختاره الله عز وجل لعبده خير مما يختاره العبد لنفسه في الدنيا والآخرة، عن محمد بن المنكدر عن جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال ويسمي حاجته.الجمع بين الصحيحين.

عاشرا: ترك سؤال الناس؛ عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ عَنْ طَارِقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ كَانَ قَمِنًا مِنْ أَنْ لَا تُسَدَّ حَاجَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَتَاهُ اللَّهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ مَوْتٍ آجِلٍ) قال الشيخ شعيب الأرناؤوط : إسناده حسن » [رواه أحمد].

أحد عشر: الإنفاق والصدقة؛ فإنها مجلبة للرزق كما قال تعالى : { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه } [سبأ:39].وفي الحديث القدسي: قال الله تبارك وتعالى: « يا ابن آدم أنفق، أُنفق عليك » [رواه مسلم].

الثاني عشر: البعد عن المال الحرام بشتى أشكاله وصوره فإنه لا بركة فيه ولا بقاء والآيات في ذلك كثيرة منها { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } [البقرة:276]، وغيرها كثير.

الثالث عشر: الشكر والحمد لله على عطائه ونعمه{ وسيجزي الله الشاكرين }[آل عمران:144]، { لئن شكرتم لأزيدنكم } [إبراهيم:7].

الرابع عشر: أداء الصلاة المفروضة؛ قال تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } [طه:132].

الخامس عشر: المداومة على الاستغفار؛ لقوله تعالى : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } [نوح:10-12].

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

**وجعل بعض الأقوال مباركة:**قال تعالى: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَة}(61) سورة النــور “أي: تحيون أنفسكم تحية، {مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: حسنة جميلة، وقيل: ذكر البركة والطيبة ها هنا لما فيه من الثواب والأجر”. “وقال الضحاك: معنى البركة في تضعيف الثواب”. وجعل الله -عز وجل- فعل بعض الأمور جالبة أو سالبة للبركة. فالإيمان والتقوى يجلب البركة، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ}(96) سورة الأعراف، “يعني: المطر من السماء والنبات من الأرض، وأصل البركة: المواظبة على الشيء، أي: تابعنا عليهم المطر والنبات، ورفعنا عنهم القحط والجدب”. والاجتماع على الطعام جالب للبركة، فعن عمر، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (كلوا جميعاً، ولا تَفَرّقُوا؛ فإن البركة مع الجماعة) أخرجه ابن ماجه.“قال ابن بطال: الاجتماع على الطعام من أسباب البركة، وقد روى أبو داود من حديث وحشي بن حرب رفعه: (اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم). وقال عليه الصلاة والسلام: (البركة في نواصي الخيل) أخرجه البخاري. وكلامه -عز وجل- مبارك أعظم البركة. قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}(155) سورة الأنعام، أي: كثير البركة، حساً ومعنى، لكثرة فوائده وعموم نفعه، أو كثير خيره، دائم منفعته، قال القشيري: مبارك دائم باق، لا ينسخه كتاب”. وقال الألوسي:“لما فيه من الخير الكثير، لأنه هداية ورحمة للعالمين، وفيه ما ينتظم به أمر المعاش والمعاد”. “والقرآن مبارك لأنه يدل على الخير العظيم ، فالبركة كائنة به، فكأن البركة جعلت في ألفاظه، ولأن الله تعالى قد أودع فيه بركة لقارئه المشتغل به بركة في الدنيا وفي الآخرة، ولأنه مشتمل على ما في العمل به كمال النفس وطهارتها بالمعارف النظرية ثم العملية. فكانت البركة ملازمة لقراءته وفهمه..”. وأسماؤه سبحانه وتعالى مباركة. قوله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}(78) سورة الرحمن، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (تبارك اسمك، وتعالى جدك) أخرجه مسلم و"فيه قولان: أحدهما: أن ذكر (الاسم) صلة، والمعنى: تبارك ربك. والثاني: أنه أصل. قال ابن الأنباري: المعنى تفاعل من البركة، أي: البركة تنال وتكتسب بذكر اسمه". فالله هو خالق البركة، والذي تجيء منه البركة، قال عليه الصلاة والسلام: (البركة من الله) أخرجه البخاري.

حكم التبرك بالبشر غير الأنبياء:"من البدع المحدثة التبرك بالمخلوقين، وهو لون من ألوان الوثنية، وشبهة يصطاد بها المرتزقة أموال السذج من الناس، والتبرك: طلب البركة وهي ثبوت الخير في الشيء وزيادته، وطلب ثبوت الخير وزيادته إنما يكون ممن يملك ذلك، ويقدر عليه، وهو الله سبحانه. فهو الذي ينزل البركة ويثبتها، أما المخلوق فإنه لا يقدر على منح البركة وإيجادها، ولا على إبقائها وتثبيتها، فالتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتاً لا يجوز، لأنه إما شرك، إن اعتقد أن ذلك الشيء يمنح البركة، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله. "

اننا حين نتحدث عن البركة فان البعض قد لا يلاحظها او قل لا يلمسها ولا يلاحظ آثارها ونأتي بمثال واضح صريح على ذلك,فان الارانب تلد مرة كل اربعين يوما واقل الولادات اربعة او خمسة,ولو اراد احد ان يصنع وليمة منها لشق عليه ذلك,بينما الضأن والمعز تلد كل عام ولادة لا تتجاوز الثلاثة في الولادة الواحدة ومع ذلك فهي متيسرة وموجودة برغم كثرة ذبحها.

ان ما دفعني لهذا الموضوع هو البركة التي وضعها الله في امة محمد وانزلها عليهم,فبرغم القتل اليومي والقصف والعسف والتنكيل بهم فهي ظاهرة لا يمكن اخفاءها,فاليوم هو 28\7\3014 والقتل مستمر في غزة فلقد تجاوز عدد الولادات اربعة آلاف,وذكرت بعض المصادر ان عدد الحوامل اكثر من اربعين الف حالة,ولعل هذا العدد لا يوجد في المانيا وبريطانيا وفرنسا مجتمعة.

يتبع

وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة (حوله) منها: أن واضعه إبراهيم عليه السلام، ومنها: ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل، ثم بحلول الرسول عيسى عليه السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله، ومنها: بركة من دفن حوله من الأنبياء،وأعظم تلك البركات حلول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه ذلك الحلول الخارق للعادة، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم". وقال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} (30) سورة القصص، “وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها، وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه”. ودعا -صلى الله عليه وسلم- للمدينة بالبركة فقال: (اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة)اخرجه البخاري ومسلم. وبارك سبحانه بعض الأزمنة فجعلها مباركة. كليلة القدر، قال -عز وجل-: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}(3) سورة الدخان. يعني: الكتاب أنزلناه في ليلة القدر، وسميت مباركة لما فيها من البركة، والمغفرة للمؤمنين.

وبارك سبحانه في بعض البشر فجعل الأنبياء والمرسلين مباركين. قال تعالى عن نوح: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ}(48)سورة هود. قال البغوي: {وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} البركة ها هنا هي: أن الله تعالى جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة، {وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} أي: على ذرية أمم ممن كان معك في السفينة، يعني على قرون تجيء من بعدك، من ذرية من معك، من ولدك وهم المؤمنون، قال محمد بن كعب القرظي: دخل فيه كل مؤمن إلى قيام الساعة". وقال عن عيسى عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ}(31) سورة مريم، قال الألوسي: “ومعنى إيتائه البركة على ما قيل جعله مباركاً نفاعاً معلماً للخير”. وقيل: “البركة التي جعلها الله لعيسى، أنه كان معلماً مؤدباً حيثما توجه”. وكل مؤمن فيه من البركة بقدر إيمانه، و"البركة المنوطة ببني آدم، وهي البركة التي جعلها الله -جل وعلا- في المؤمنين من الناس، وعلى رأسهم: سادة المؤمنين: من الأنبياء والرسل فهؤلاء بركتهم بركة ذاتية، يعني: أن أجسامهم مباركة، فالله -جل وعلا- هو الذي جعل جسد آدم مباركاً، وغيره من الأنبياء كذلك، جعل أجسادهم جميعاً مباركة، بمعنى: أنه لو تبرك أحد من أقوامهم بأجسادهم، إما بالتمسح بها، أو بأخذ عرقها، أو التبرك ببعض أشعارهم، فهذا جائز؛ لأن الله جعل أجسادهم مباركة بركة متعدية، وهكذا نبينا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.. ذلك أن أجساد الأنبياء فيها بركة ذاتية ينتقل أثرها إلى غيرهم، وهذا مخصوص بالأنبياء والرسل، أما غيرهم فلم يرد دليل على أن من أصحاب الأنبياء والرسل من بركتهم بركة ذاتية، حتى أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر، فقد جاء بالتواتر القطعي: أن الصحابة والتابعين والمخضرمين لم يكونوا يتبركون بأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، كما كانوا يتبركون بشعر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بوضوئه، أو بنخامته، أو بعرقه أو بملابسه، لأن بركة أبي بكر وعمر إنما هي بركة عمل، ليست بركة ذات تنتقل كما هي بركة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولهذا جاء في الحديث.. أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم) رواه البخاري فدل هذا: على أن في كل مسلم بركة… فهذه البركة التي أضيفت لكل مسلم..، هي: بركة عمل، هذه البركة راجعة إلى الإيمان، وإلى العلم، والدعوة، والعمل.. وهذه البركة ليست بركة ذات، وإنما هي بركة عمل.. ولا تنتقل من شخص إلى آخر، وعليه فيكون معنى التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم، والأخذ من علمهم والاستفادة منه وهكذا، ولا يجوز أن يتبرك بهم بمعنى أن يتمسح بهم، أو يتبرك بريقهم… ويكون التبرك شركاً أصغر: إذا كان يتخذ هذا التبرك بنثر التراب عليه، أو إلصاق الجسم به، أو التبرك بعين ونحوها، أسباباً لحصول البركة بدون اعتقاد أنها توصل وتقرب إلى الله، يعني: أنه جعلها أسباباً فقط… وأما إذا تمسح بها كما هي الحال الأولى وتمرغ والتصق بها، لتوصله إلى الله -جل وعلا-، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة".

وبارك في شجرة الزيتون، قال تعالى: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ}(35)سورة النــور، “أي: من زيت شجرة مباركة.. وأراد بالشجرة المباركة: الزيتونة، وهي كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة، لأن الزيت يسرج به، وهو أضوأ وأصفى الأدهان، وهو إدام وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى إعصار، بل كل أحد يستخرجه… وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها”. وبارك في ماء المطر لأن فيه حياة لكل شيء، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا}(9) سورة ق. "عن ميمون بن مهران، قال:"خصلتان فيهما البركة: القرآن والمطر، وتلا: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا}،{وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ}(50) سورة الأنبياء."19. وقال عليه الصلاة والسلام: (البركة في ثلاث: الجماعات والثريد والسحور) حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة وفي رواية: (إن الله جعل البركة في السحور والكيل) أخرجه الطبراني وفي رواية: (إن الله جعل البركة في السحور والجماعة) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن البركة وسط القصعة، فكلوا من نواحيها، ولا تأكلوا من رأسها) أخرجه البيهقي وصححه الالباني وقال عليه الصلاة والسلام: (البركة مع أكابركم) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين .

يتبع

البركة

معنى البركة: هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء؛ فإنها إذا حلت في قليل كثرته، وإذا حلت في كثير نفع، ومن أعظم ثمار البركة في الأمور كلها إستعمالها في طاعة الله عز وجل, و البركة إذا أنزلها الله عز وجل تعم كل شيء: في المال، والولد، والوقت، والعمل، والإنتاج، والزوجة، والعلم، والدعوة، والدابة، والدار، والعقل، والجوارح، والصديق ولهذا كان البحث عن البركة مهما وضروريا.

**والبركة:**هي النماء والزيادة، حسية كانت أو عقلية، وكثرة الخير ودوامه، يقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له، قال ابن عاشور:“ولعل قولهم: (بارك فيه) إنما يتعلق به ما كانت البركة حاصلة للغير في زمنه أو مكانه، وأما: (باركه) فيتعلق به ما كانت البركة صفة له، و (بارك عليه) جعل البركة متمكنة منه، (وبارك له) جعل أشياء مباركة لأجله، أي بارك فيما له” التحرير والتنوير (ج 5 / ص 33). “والفعل منه: بارك، وهو متعد، ومنه: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ}(8) سورة النمل، ويضمن معنى ما تعدى بعلى، لقوله: وبارك على محمد. و تبارك لازم”. “وهي في الأصل مأخوذة من برك البعير، وهو صدره، ومنه: برك البعير، إذا ألقى بركه على الأرض، واعتبر فيه معنى اللزوم، فقيل: بركاء الحرب وبركاؤها للمكان الذي يلزمه الأبطال، وسمي محبس الماء بركة، كسدرة، ثم أطلقت على ثبوت الخير الإلهي في الشيء كثبوت الماء في البركة” تفسير الألوسي (ج 14 / ص 29). والتبريك الدعاء بذلك، والتبرك استدعاء البركة واستجلابها.

"وطلب البركة لا يخلو من أمرين:

الأول: أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم، مثل القرآن، قال الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}(92) سورة الأنعام، فمن بركته هدايته للقلوب، وشفاؤه للصدور وإصلاحه للنفوس، وتهذيبه للأخلاق، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.

الثاني: أن يكون التبرك بأمر غير مشروع، كالتبرك بالأشجار والأحجار والقبور والقباب والبقاع ونحو ذلك، فهذا كله من الشرك".

ان الله -عز وجل- هو خالق البركة، وهو الذي يبارك في الأشياء، والبركة المضافة لله تعالى نوعان: قال ابن القيم -رحمه الله- في بدائع الفوائد: “فصل البركة المضافة لله: وأما البركة فكذلك نوعان أيضاً: أحدهما: بركة هي فعله تبارك وتعالى، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة على تارة، وبأداة في تارة، والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل كذلك فكان مباركاً بجعله تعالى. والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له -عز وجل- فهو سبحانه المبارك…”.فيكون معنى قول تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ}(1) سورة الفرقان، "تفاعل مطاوع بارك، وهو فعل لا يتصرف، ولم يستعمل في غيره تعالى، فلا يجيء منه مضارع، ولا اسم فاعل ولا مصدر، قال الطرماح:

     تباركت لا معط لشيء منعته =وليس لما أعطيت يا رب مانع

ومعناه: تعاظم، وقيل: تبارك: تقدس، والقدس الطهارة، وقيل: تبارك ارتفع، حكى الأصمعي: تبارك عليكم، من قول عربي صعد رابية، فقال لأصحابه ذلك، أي تعاليت وارتفعت، والمبارك المرتفع، ذكره البغوي.

**وقيل:**معناه ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال، ذكره البغوي أيضاً، وقيل: تمجد، ففي هذه الأقوال تكون البركة صفة ذات. وقيل: معناه أن تجيء البركات من قبله، فالبركة كلها منه، وقيل: تبارك أي باسمه يبارك في كل شيء، وقيل: كثر خيره وإحسانه إلى خلقه، وقيل: اتسعت رأفته ورحمته بهم، وقيل: تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وقيل: تبارك أي البركة تكتسب وتنال بذكره، وقال ابن عباس: جاء بكل بركة. وعلى هذا تكون صفة فعل. وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته وبارك من شاء من خلقه، قال ابن القيم: "وهذا أحسن الأقوال، فتباركه سبحانه، وصف ذات له، وصفه فعل، كما قال الحسين بن الفضل… وقال ابن عطية: معناه عظم وكثرت بركاته ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله سبحانه وتعالى، ولا تتصرف هذه اللفظة في لغة العرب لا يستعمل منها مضارع ولا أمر، قال: وعلة ذلك أن تبارك لما لم يوصف به غير الله لم يقتض مستقبلاً، إذ الله سبحانه وتعالى، قد تبارك في الأزل.

واما فيم تكون البركة فانها تكون في الأمكنة والأزمنة والأشخاص: وكما قيل: إن لله خواص في الأمكنة والأزمنة والأشخاص. فالله -عز وجل- قد يبارك في بعض الأمكنة، ويجعلها مباركة. فبارك سبحانه في المسجد الأقصى وما حوله فقال تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}(1) سورة الإسراء، قال الطبري: “وقوله: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} يقول تعالى ذكره: الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم. لأن البركة لا تفارقه جعلنا الله تعالى في بركاته ونفعنا بشريف آياته”. وبارك سبحانه في أرض الشام، قال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}(71) سورة الأنبياء، قال الألوسي: “والمراد بهذه الأرض أرض الشام، وقيل: أرض مكة، وقيل: مصر، والصحيح الأول، ووصفها بعموم البركة، لأن أكثر الأنبياء عليهم السلام بعثوا فيها، وانتشرت في العالم شرائعهم التي هي مبادىء الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية، ولم يقل: التي باركناها للمبالغة بجعلها محيطة بالبركة، وقيل: المراد بالبركات النعم الدنيوية من الخصب وغيره، والأول أظهر وأنسب بحال الأنبياء عليهم السلام”. وقال ابن عاشور: "و(حول) يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف (حول) إليه. وكون البركة حوله كناية عن حصول البركة فيه بالأولى، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه؛ ففيه لطيفة التلازم، ولطيفة فحوى الخطاب، ولطيفة المبالغة بالتكثير.

يتبع

ان هذا الهول الذي سوف يرونه عند الوفاة انما سببُه أنهم اتّبعوا الباطل الذي لا يرضى الله عنه ، وكرهوا الحق الذي يرضاه ، فأبطل أعمالَهم جميعها .

قال ابراهيم بن الاشعث : كان الفضيل بن عياض ، شيخ الحرم واستاذ زمانه ، اذا قرأ هذه الآية بكى وقال : اللهمّ لا تبتلينا ، فإنك اذا بَلَوْتنا فضحْتَنا وهتكتَ أستارنا .

ان من يتامل هذه الآيات الكريمات سيصل الى حقيقة كبيرة وعظيمة الا وهي ان الانسان (المريض) في عقيدته ومنهجه ودينه مهما تستر (زورا) بمنهج الاسلام الحق ودين الصدق الا ان الله سيفضحه لا محالة .

والاعجب من ذلك ان الذي سيفضح هذه الفئة المختبأة وراء عباءة (الوسطية) ومنهج اهل السنة والجماعة وشعارات تستهوي قلوب العامة من الناس هم انفسهم وبلسان حالهم ومقالهم سيكشفهم الله للعامة عاجلا وصدق الله العظيم(وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)محمد. فقد استطاع البعض ان يخترق الاعلام ويظهر للناس بصورة الواعظ المشفق والناصح المحب والحقيقة ان في جنباته منهج ملوث وعقيدة متارجحة فتراه يرتل الآيات ليبكي السامعين ويغرق عينه ليؤثر في المشاهدين ويصرخ بعباراته ليستهوي الحاضرين حتى اذ كسب قلوب الجماهير والتف حوله سفهاء الاحلام في مجالسه الخاصة أخرج عليهم سمومه بعد ان احسنوا فيه الظن.

يقول د. خالد سلطان السلطان (ان من سنن الله الكونية تقديره جل وعلا للابتلاء وانزاله للفتن والمحن ليكتشف الانسان نفسه ويكتشف الناس بعضهم لبعض وهذا مفهوم الآية فالمحن التي تمر علينا تخرج لنا نتيجتين لا ثالث لهما فالاولى تظهر المؤمنون والصابرين لله والمتبعين لشريعة الله وهم الناجون والثابتون والراسخون والذين لا يتلونون او يتغيرون لهوى انفسهم او جماعاتهم واحزابهم.

والنتيجة الثانية رسوب وسقوط من في قلبه مرض ممن أحسنوا التمثيل واجادوا الدور ولعبوه باتقان فتقمصوا الشخصية الوسطية ثم تراهم ينكشفون امام الفتنة والمحنة لتنتهي الاعيبهم ويذهب الله بزيفهم ويظهر الله للناس حقيقتهم.

ومن امثلة هؤلاء المخترقين للاعلام والذين حققوا الصيت العالي والصوت الرفيع وتجمهر حولهم صغار الاسنان وسفهاء الاحلام ,ولما جد الجد واتت لحظة وجوب بيان حكم الله رايتهم يروغون ويلفون ويدورون (فالحمد لله) الذي أخرج أضغانهم وكشف للناس سترهم ليحذر الناس من نتن منهجهم وشر معتقدهم .

وهؤلاء يعلمنا الله - تعالى - مَن هم، ويظهر ما في قلوبهم لنا،فقد أخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً، في الطب وابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله”، ثم قرأ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}، قال: “للمتفرسين”، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله”، وأخرج ابن جرير عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إحذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله”، وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن السني وأبو نعيم عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم”. ، وفي ذلك قوله - سبحانه -: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75].

وفي الحديث: ((لا يُلدغ المؤمنُ من جُحر واحدٍ مرَّتين))الجمع بين الصحيحين.وفي موضوع الحديث فقد قال الربيع عن الشافعي (ولم يؤسر من المشركين سوى أبى عزة الجمحى، وقد كان في الاسارى يوم بدر، فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فدية واشترط عليه الا يقاتله، فلما أسر يوم أحد قال: يا محمد امنن على لبناتي، وأعاهد ألا أقاتلك.فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمدا مرتين. ثم أمر به فضربت عنقه.

وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ؛ لذا قال الله - تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 29 - 31])

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

ضغان المنافقين

يقول تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج اللّه أضغانهم}29محمد

الاضغان ما يضمر من المكروه,واختلف في معناه، فقال السدي: غشهم,وقال ابن عباس: حسدهم,وقال قطرب: عداوتهم، وأنشد قول الشاعر:

قل لابن هند ما أردت بمنطق ساء الصديق وشيد الاضغانا

وقيل: أحقادهم: أي يعتقد المنافقون أن اللّه لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين.

بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمه ذوو البصائر، وقد أنزل اللّه تعالى في ذلك سورة المنافقين فبين فيها فضائحهم، ولهذا كانت تسمى الفاضحة، والأضغان جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره، وقوله تعالى:{ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ }30 محمد ، يقول اللّه عزَّ وجلَّ: ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عياناً، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين، ستراً منه على خلقه، وحملاً للأمور على ظاهر السلامة، ورداً للسرائر إلى عالمها { ولتعرفنّهم في لحن القول}30 محمد أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها اللّه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، فعن الحسن قال : رأيت عثمان على المنبر قال أيها الناس اتقوا الله فى هذه السرائر فإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول والذى نفسى بيده ما عمل أحد عملا قط سرا إلا ألبسه الله رداء علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر)جامع الاحاديث, وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم خُطْبَةً فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ فِيكُمْ مُنَافِقِينَ فَمَنْ سَمَّيْتُ فَلْيَقُمْ ثُمَّ قَالَ : قُمْ يَا فُلاَنُ ، ثُمَّ يَا فُلاَنُ ، ثُمَّ يَا فُلاَنُ , حَتَّى سَمَّى سِتَّةً وَثَلاَثِينَ رَجُلاً ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ فِيكُمْ ، أَوْ مِنْكُمْ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ قَالَ : فَمَرَّ عُمَرُ عَلَى رَجُلٍ مِمَّنْ سَمَّى مُقَنَّعٍ قَدْ كَانَ يَعْرِفُهُ ، قَالَ : مَا لَكَ ؟ قَالَ : فَحَدَّثَهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم ، فَقَالَ : بُعْدًا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ)رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. . وقوله عزَّ وجلَّ: { ولنبلونكم} أي لنختبرنكم بالأوامر والنواهي { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} ، وليس في تقدم علم اللّه تعالى بما هو كائن شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه، ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا نعلم، أي لنرى.

قال سعود الشريم في تغريدة له على موقع "تويتر: "لا تحزن لأنك رأيت في ديار الإسلام من يشمتون بمسلمين غزاهم عدوهم، بل اسجد شكرا لله إذ فضحهم (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم)"29 محمد. وكتب ايضا: “لا عجب أن تموت غيرة بعض المسلمين، لكن العجب أن يكون الجماد أغير منهم، ففي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي”.

ان الذين رجعوا الى الكفر بعد أن ظهر لهم طريق الحق والهداية ، انما زين لهم الشيطانُ الكفر واغراهم بالنفاق ، ومد لهم في الآمال الباطلة . ولقد جاءهم ذلك الضلال من جيرانهم اليهود من بني قريظة والنضير الذين كرهوا الاسلام والقرآن ورسالة الرسول الكريم . فهؤلاء المنافقون مالأوا اليهود فأطمعهم أولئك ببعض الامر ، والله يعلم اسرار المنافقين .

هذه الحيل وذلك النفاق وان نفعت في حياتهم فلن تنفع آخر الأمر . (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ }50محمد انها خاتمة سيئة ، ومشهد مخيف مفزع .

يتبع

فأن تكون إرادتك قوية معناه أنك تريد شيئاً وتقرر اختياره وتصر على تنفيذه حتى النهاية كقول الرسول(حتى يظهره الله او تنفرد هذه السالفة) وان تسعى لتغيير الواقع.. تريد ذلك وتنتقل من مجرد الرغبة إلى الإرادة ومن الأرادة إلى التطبيق والاستمرار ومواجهة الصعوبات وتذليلها والمضي في ذلك حتى النهاية.

 ان الحزب هو تكتل يقوم على مبدأ آمن أفراده به يراد إيجاده في المجتمع، وبتعبير آخر يقوم على فكرة يراد إيجادها في المجتمع، فعمل الحزب هو إيجاد الفكرة في المجتمع, والعمل للحزب هو إيجاد أفراد يؤمنون بمبدئه أي يؤمنون بفكرته، لذلك لا قيمة لكثرة عدد الأفراد في قوة الحزب أو ضعفه ولا في قيامه بعمله أو عدم قيامه به، بل الأصل هو وجوده في الأمة، فبقدر وجوده تكون قوته والذي يجعل له وجوداً هو تحركه وارادته الصلبة، فتحركه بارادته هو الذي يدل على قوته .

أما إرادة القوة فليست هي ما يمارسه الفرعون اليوم بالمركز أو بالسيطرة على الآخرين بدوس الناس من أجل أن يكون أقوى اجتماعياً وإدارياً وسياسياً,ومن أجل الحصول على القوة ومزيد من القوة يتجرد من انسانيته فلا يرحم أحداً, كفعل كل الطغاة في التاريخ شرقا وغربا, فلا يختلف الإسكندر عن هتلر ولا هتلر عن نابليون ولا نابليون عن نيرون ولا عن الفراعنة الاقزام في بلادنا.

 ان ارادة القوة عندنا هو توظيفها لحفظ مهابة الامة والدولة,فطلب القوة من الله لنا في قوله(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)الانفال60 فالاعداد مطلوب لايجاد الرهبة عند العدو وليس للبطش والاستبداد ولكن للوصول بالامة الى قمم المنعة والعزة ليقول امير المؤمنين كما قال (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31)النمل,    ورب سائل يسأل هل من الممكن أن تكون قوة الإرادة هي إرادة القوة؟ والجواب نعم. ففي حالة الطغاة فانهم  بإرادتهم القوية ذهبوا إلى أبعد من ذلك وجعلوا  إرادتهم فوق إرادة الشعب بل الغوا ارادته وعلقوها بشخوصهم.. ثم دلسوا عليه وجعلوه يتوهم أنه هو القوي الذي يريد وإذا أراد فلا إرادة لأحد سواه,واما امير المؤمنين فانه يريد القوة لانها حكم شرعي ويطلبها بقوة ارادته ويستمدها من الامة الواثقة به فالامة قوية به وهو قوي بها ولا فصل او انفصال بينه وبينها.      

ان الامة اذا صدقت ذلك المدلس الفرعون واستكانت واستمرأت الجور والظلم حين سرق الطغاة إرادتها وقوتها وثروتها وجيروها لشخوصهم فحالها من السيىء الى الاسوا لا محالة,فواقع افعالهم يقول لكل فرد من الامة لا تنظر لابعد من انفك او الى اعلى لانك لا تستطيع الوصول لان هذا حجمك, وقد علمونا في المدارس البيت الشعري التالي :

ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

لكننا بقوة ارادتنا المبنية على عقيدتنا وكثرة الادلة المتجددة بصدق وسلامة مسيرتنا ودعوتنا وتوكلنا المطلق على ربنا وبشارته ووعده لنا حق لنا ان نقول:

تجري الرياح كما تجري سفينتنا = نحن الرياح ونحن البحر والسفن

ان الذي يرتجي شيئا بهمته = يلقاه لو حاربته الانس والجن

فاقصد الى قمم الاشياء تدركها = تجري الرياح كما رادت لها السفن

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 /2015

والنظرة الصحيحة لطبيعة الإنسان هي أنه لديه غرائز وحاجات عضوية تتطلب الإشباع , وبفضل ما وهبه الله من عقل ، صارت لديه الإرادة ليختار الطريقة التي يُشبِع بها غرائزه وحاجاته , فإنْ أشبعها بطريقة صحيحة يَفعل الخير ، وإنْ أشبعها بطريقة خاطئة أو شاذة يَفعل الشر . فالإنسان بذلك مهيَّأ بطبيعته للخير والشر معاً ، وهو الذي يختار الخير أو الشر بإرادته ,في قوله تعالى " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " العنكبوت آية (69) . فيدل على أن مواهب الله لا تعطى جزافاً ، و لا تهبط اعتباطاً ، و إنما هي كِفاء جهاد كريم ، و تضحية غالية ,فالمجاهدة إنما هي ثمرة قوة الإرادة ، و التمرس بالصبر ، و الثبات و الجلد و تحدي المثيرات ، و التغلب على المغريات ، و الوقوف فيها كالصخرة الصماء الراسخة،أمام الريح العاتية.

يقول شارح العقيدة الطحاوية علي بن ابي العز الدمشقي في هذا الموضوع (وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع ، والتمكين وسلامة الآلات - فهي قبل الفعل ، وبها يتعلق الخطاب ، وهو كما قال تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" البقرة : 286فالاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة وتنقسم الاستطاعة إلى قسمين فمنهم من قال (لا تكون القدرة إلا قبل الفعل) وقابلهم طائفة فقالوا (لا تكون إلا مع الفعل) فأن للعبد قدرة(استطاعة) هي مناط الأمر والنهي والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل ، فلا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة, وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع ، والتمكن وسلامة الآلات فقد تتقدم الأفعال . وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران 97 ,فأوجب الحج على المستطيع , وكذا قوله تعالى (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) المجادلة 4 . والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات,وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين (لو استطعنا لخرجنا معكم ) التوبة 43 . وكذبهم في ذلك القول ، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين , وكذلك قوله تعالى ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات) النساء 25 والمراد استطاعة الآلات والأسباب . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب) وإنما نفى استطاعة الفعل معها.

  ان الذي يختبىء خلف ذريعة عجزه وعدم استطاعته ففعله هو الجبن, وإذا كثر الجبناء في أمة أصابها الله بالذل كنتيجة حتمية لهذا الخلق الذميم و الذل هو طريق العبودية والضعف والهوان ، بل انه طريق الموت و الفناء و الزوال ، قال تعالى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ " (البقرة43)والمقصود بالموت هنا الموت المعنوي الذي يذهب بمجد الأمة و شرفها  وهو الذي يمكن غيرها فيها ، فيذيقها لباس الجوع و الخوف ، فحياة الأمة مرهونة بعزتها و شجاعتها ، فإذا انسلخت من معاني الشرف و العزة ، دمر الله عليها ، و سلبها أسمى ما تعتز به,يقول عليه الصلاة و السلام : " إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم "وكما تتمثل العزة في شرف النفس ، و مقاومة الظلم ، تتمثل كذلك في عدم تنازل المرء عن شيء من الدين ، بما فيه من وجوب الولاء لله و الجماعة المؤمنة ,و لهذا فإن الإسلام يوجب على المسلم أن يكون عزيزاً ، يأبى الذل و الهوان و الخنوع,ورحم الله الشافعي و هو يعتز بنفسه  و يفاخر بشجاعته  و لا يبالي بأي شيء من أجل احتفاظه بكرامته :

         أنا إن عشت لست أعدم قوتاً        و إن أنا مت لست أعدم قبراً

     همتي همة  الملوك  و نفسي           نفس حر ترى  المذلة  كفراً

وصدق الله العظيم " وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ"سورة المنافقون (8) ويقول رسولنا الأعظم عليه الصلاة و السلام :" من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا "مجمع الزوائد.

 ان الكفاح السياسي القائم على الفكر انما هو حوار فكر وحوار إرادة، لا بل صراع فكر وصراع إرادة, وقوة الإرادة ليست بأقل أهمية من قوة الفكر، إذ لا جدوى من الفكر إذا لم يحمله أحد للتغيير به، ولا مجال للتغيير إذا كان حامل الفكر ضعيفاً لا ارادة له على التغيير واتخاذ المواقف الصلبة في معترك التحدي، إذ ان من الطبيعي أن يستعمل صاحب السلطان ما لديه من قوة وما يملك من قدرات لشل حركة التغيير وتجميدها بل القضاء عليها واقتلاعها من جذورها بحيث لا تترك أثراً، فيرغِّب ويرهِّب، ويعد ويتوعد، ويستعمل التعذيب والتجويع بل ويتفنن في ذلك، وهنا يبتلى دعاة التغيير وتمتحن إرادتهم، فإن هم وهنوا وضعفوا ذوت دعوتهم واندثرت، وإن هم صمدوا وصبروا فقد بلغوا غايتهم.

يتبع

قوة الإرادة وحامل الدعوة

تقول العرب :بمحض إرادته : من تلقاء نفسه / طوعًا / بلا إكراه ،أرادَ يُريد ، أَرِدْ ، إرادةً ، فهو مُريد ، والمفعول مُراد.

أراد اللهُ الشَّيءَ : شاءَه { إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }الحج 14 ,وأراد الشَّيءَ : راده ؛ تمنَّاه ، طلَبه وأحبَّه ورغِب فيه ، وأراد بهذه الكلمات كذا : قصَد بها كذا في قوله تعالى {فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً}البقرة26,ويقول عز وجل(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) الإسراء 18-19).

ان معنى الارادة :انها تصميمٌ واعٍ على أداء فعل معين بقوة وعزم, وضده فاقد الإرادة . فقُوَّة الإرادة هي المثابرة على القيام بعمل ما برغم العوائق والمصاعب التي تعترض القائم بهذا العمل وتذليلها,ويقول في الموسوعة الفلسفية م.روزنتال ب.يودين - ص 15 (أن الطابع الإرادي لفعل ما، يظهر بوضوح شديد حينما يتعين على شخص أن يتغلب على عقبات معينة، خارجية أو داخلية، ليحقق هدفه ,فالارادة هي شعور داخلي, لكن القليل من الناس يستطيع تطبيقه في الواقع وهي احساس رائع لا يشعر به الا الاقوياء).

   ان القوة العسكرية اوالسياسية مثلا لا تنفصل عن إرادة استعمالها ، فقوة الإرادة قوة لها ، وضعف الإرادة ضعف لها (وهذا الامر بالنسبة للفرد او للدولة) . وتضعف إرادة دولة ما في استعمال قوتها العسكرية ضد دولة أقوى منها بكثير ، أو عندما تصل القوة العسكرية لدولتين إلى مأزق ، وذلك عندما يؤدي سباق التسلح بينهما إلى قدرة كل منهما على تدمير الأخرى تدميراً أكيداً وشاملاً . وهنا تبرز أهمية العناصر الأخرى في قوة الدولة ، مثل قوة المبدأ والقوة الاقتصادية والدبلوماسية والأعمال السياسية .

ان الارادة بالنسبة لحامل المبدأ(أي مبدأ)هي المحرك والدافع له لايجاد مبدأه حيا في واقع الحياة, فالارادة المنبثقة عن المبدأ هي التي تضبط ادوات الانسان من سمع وبصر وطريقة عقل للامور وللاحداث ضبطا يتوافق مع مبدأه,وليس هذا فحسب بل صياغة هذه الادوات لتتحمل هذه الاعباء,كالرياضي الذي يروض اعضاءة لتتهيأ للقفز العالي مثلا,لتكون الارادة هي التي توجه الاستطاعة توجيها يتوافق مع الهدف والغاية,فقوة الارادة عند مريدي التغيير هي زادهم في دربهم لشحذ عزيمتهم لتذليل الصعاب(فغير ممكن)ليس في قاموسهم فكيف ان كانوا من المؤمنين بربهم,وهذه احد اهم عوامل استمرار وجودهم وثباتهم.

ان الارادة في الفكر الراسمالي فقد جعلت السيادة للشعب ، والشعب هو الذي يملك الإرادة ، ويملك التقرير ، فيملك التشريع ويملك الحكم . فقالوا أن السيادة للشعب ، فهو الذي يشرع ، وهو الذي يحكم فجعلوا التشريع لمجلس منتخب من الشعب ولكنه لا يشرع وإنما الذي يشرع هو الحاكم  ومجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية هو الذي يحكم, وذلك أن الشعب في أي بلد يقوم جميع أفراده بإيجاد الاتحاد بينهم لإيجاد الإرادة العامة لهم ، وذلك بأن يتعاقد كل فرد منهم مع نفسه بأن يكون للجماعة التي يعيش فيها ، وهذا هو العقد الاجتماعي . وبموجب هذا العقد يتنازل كل فرد تنازلاً كاملاً عن جميع حقوقه للجماعة كلها ، ويسهم كل فرد من الشعب بشخصه وبكل قدرته تحت إدارة الإرادة العامة العليا ، وينتج عن هذا العقد هيئة معنوية جماعية ، هي الهيئة السياسية ، أو هي الدولة ، سواء سميت جمهورية ، أو سميت غير ذلك ، فالديمقراطية تعني أن يكون جميع الناس هم الدولة ، وأن لكل واحد منهم من الحق ما للآخرين في إيجاد الدولة ونصب الحكام ، وسن القوانين وغير ذلك مما يتعلق بالحكم والدولة , فالعقد الذي عقده كل واحد مع نفسه ، تنازل بموجبه عن جميع ما له من حقوق وحريات ، تنازلاً كاملاً للجماعة التي هو منها, إلاّ أن هذه الإرادة العامة هي شيء معنوي ، وحتى يكون قادراً على قضاء مصالحه يختار حكومة تكون القوة التنفيذية . لذلك يكون في الدولة هيئتان : هيئة تشريعية وهي التي تضع القوانين وهيئة تنفيذية وهي التي تختارها هذه الجماعة لتنفذ إرادتها أي  قوانينها,وكذلك الامر بالنسبة للمبدأالاشتراكي من حيث تعلق الارادة به.

يتبع

إن الولد مبخلة مجهلة مجبنة

 ان القضية التي اريد طرحها هي سؤال لكل اب (كم ياخذ ولدك من تفكيرك ,وكم تاخذ انت من تفكيره..؟؟) فيشاهد أن الرجل متى رزق أولادا من ذكور أو إناث فإنه ينشغل بشأنهم ، ويهتم بتحصيل الرزق ، ويسعى في جمع المال ، ويكدح ويشقى في الطلب والتكسب ، وينشغل بذلك عن التعلم والتفقه ، ويؤثر البقاء والمقام معهم أو بقربهم ، ولو فاتته الفضائل والأعمال الصالحة ، فقد روى الترمذي عن عمر بن عبد العزيز قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم قالت: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول: إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون ، وإنكم لمن ريحان الله) قال الترمذي : " لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا من خولة " أي: فهو منقطع ، لكن عمر جزم به ، وقد لقي في المدينة من روى عن خولة يقينا ، ومعناه أن محبة الولد تحمل أباه على البخل بالمال ، والحرص على جمعه؛ ليخلفه لولده ، أو لينفقه عليه في حياته ، وكذا على الجبن الذي هو ضد الشجاعة ، فلا يخرج للجهاد خوفا من القتل وضياع أولاده ، فإن خرج لم يكن معه الجرأة على الإقدام ، وكذا على الجهل لإكبابه على التكسب ، والانشغال بالتجارات أو الحرف ، أو الأعمال التي يتحصل منها على المال ، فيبقى على جهله ، ويفوته التعلم والتفقه في الدين . 

وقوله: وإنكم لمن ريحان الله أي: كالريحان الذي هو طيب الريح؛ لأنهم يشمون ويقبلون ، فكأنهم من جملة الرياحين ، فقد روى الترمذي عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه ، وروى الطبراني في الأوسط عن أبي أيوب قال: دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحسن والحسين يلعبان بين يديه ، فقلت: أتحبهما يا رسول الله؟ قال: وكيف لا وهما ريحانتاي من الدنيا أشمهما ، وروى البزار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الولد ثمرة القلب ، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة ، وروى أيضا عن الأسود بن خلف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ حسنا فقبله فقال: إن الولد مبخلة مجهلة مجبنة ، وروى الإمام أحمد عن الأشعث بن قيس قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " هل لك من ولد؟ " قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك ، ولوددت أن مكانه شبع القوم . قال: " لا تقولن ذلك ، فإن فيهم قرة عين ، وأجرا إذا قبضوا ، ثم إنهم لمجبنة محزنة ، إنهم لمجبنة محزنة ، وعن يعلى بن مرة الثقفي قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فضمهما إليه ، وقال: " إن الولد مبخلة مجبنة فهذه الأحاديث وما في معناها تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نبه الأمة على ما هو أمر طبيعي واقعي من أن الآباء في الغالب يتصفون بالجبن والبخل؛ لتأثير محبة الولد ، والشفقة عليه ، فإذا كانت محبة الولد ركيزة في القلب ، وظهر أثرها في العمل ، بشدة الطلب والجمع والتكسب ، ثم الإمساك والتقتير على النفس وعلى الأهل والضيف ، والتوقف عن الإنفاق في وجوه الخير ، فإن من الواجب والمؤكد أن يعنى الوالد بولده في التهذيب والسعي في الإصلاح ، والتعهد في الصغر وبعد الكبر؛ ليكون قرة عين لأبويه ، وتثمر التربية الصالحة بالاستقامة والبعد عن الانحراف والزيغ,حتى اذا انتسب امام قوم ترحموا على والده وصدق الشاعر:

اذا المرء اعيته المروءة يافعا === فمطلبها كهلا عليه ثقيل

ان القضية المهمة في هذا الموضوع هو ليس الانجاب وانما التاديب والتربية فكما زرعت تحصد فلا يكون كل الهم على السعي للجمع لهم ماديا فقط بل لا بد من حسن التاديب.

قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أنت ومالُك لأبيك))؛ حديث صحيحٌ رواه جابر - رضِي الله عنه - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخرجه ابن ماجه.

ورواه أيضًا سمرة وأبو مسعود - رضي الله عنهما - وأخرجه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير"، وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة"، وصحَّحه ابن حجر والألباني.والرواية الأخرى للحديث: ((أنت ومالُك لوالدك، إنَّ أولادكم من أطيَبِ كسْبكم، فكُلُوا من كسْب أولادكم))؛ رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه.

ولهذا الحديث قصَّةٌ مُؤثِّرة وردَتْ في رواية الطبراني والبيهقي لهذا الحديث من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابرٍ - رضِي الله عنه - قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي أخَذَ مالي، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - للرجل: ((اذهَبْ فأتِني بأبيك))، فنزل جبريل - عليه السلام - على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يُقرِئك السلام ويقول لك: إذا جاءَك الشيخ فسَلْه عن شيءٍ قالَه في نفسه ما سمعَتْه أذناه، فلمَّا جاء الشيخ قال له النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما بال ابنك يَشكوك، أتريد أخْذ ماله؟ قال: سَلْهُ يا رسول الله، هل أُنفِقه إلا على إحدى عمَّاته أو خالاته أو على نفسي! فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إيهٍ! دَعْنا من هذا، أخبِرنا عن شيءٍ قُلتَه في نفسك ما سمعَتْه أذناك))، فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يَزال الله يزيدنا بك يقينًا! لقد قلتُ في نفسي شيئًا ما سمعَتْه أذناي فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قُلْ وأنا أسمع))، قال: قلت:

غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا = تُعَلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ

إِذَا لَيْلَةٌ ضَافَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ = لِسُقْمِكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ

كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي = طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنَايَ تَهْمُلُ

تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا = لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ

فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي     =          إِلَيْهَا مَدَى مَا فِيكَ كُنْتُ أُؤَمِّلُ

    جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً     =          كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ

فَلَيْتَكَ إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي         =       فَعَلْتَ كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ

قال: فحينئذٍ أخذ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتلابيب ابنه وقال: ((أنت ومالُك لأبيك)).

وذكر أنَّ رجلاً قال لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: إنَّ أبويَّ بلغا من الكبر أنِّي ألي منهما ما وليا منِّي في الصِّغَر، فهل قضيتهما؟فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم (لا؛ فإنهما كانا يَفعَلان ذلك وهما يُحِبَّان بقاءَك، وأنت تفعَل ذلك وأنت تريدُ موتهما)). كره الزمخشري في “الكشاف”

ان الوالد والوالدة تغمرهما السعادة وهما يشتريان للمولود ما يحتاجه لكف الاذى عنه حين يخرج فضلاته ويتمنيان له طول العمر,وحين تنقلب الصورة ويشتري لاحدهما ما يكف الاذى عنة لا يشعر بالسعادة وانما يقول اللهم عجل بالفرج وارحه او اللهم اختر له,هذا ان لم يقل اكثر.

جواد عبد المحسن

حديث رمضان - 13 /2015

المراء 2

القول الأول : أن معنى المراء في القرآن : الشك فيه والجحود ، وهذا ما عبّر عنه ابن عبدالبر بقوله : ( والمعنى أن يتمارى اثنان في آية يجحدها أحدهما ويدفعها ويصير فيها إلى الشك ، فذلك المراء الذي هو الكفر … وهذا يبين لك أن المراء الذي هو الكفر هو الجحود والشك كما قال عز وجل : { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مّـِنْهُ }[ الحج : 55 ].

القول الثاني : أن المراد المراءُ في قراءته دون تأويله ومعانيه ، مثل أن يقول قائل : هذا قرآن أنزله الله تبارك وتعالى ، ويقول الآخر : لم ينزله الله هكذا ، فيكفر به من أنكره ، وقد أنزل الله سبحانه كتابه على سبعة أحرف كلها شافٍ وكافٍ ، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضاً يقرؤها ، وتوعدهم بالكفر عليها لينتهوا عن المراء فيه والتكذيب به ؛ إذ كان القرآن منزلاً على سبعة أحرف ، وكلها قرآن منزل يجوز قراءته ويجب علينا الإيمان به .

ويؤيد هذا القول سبب ورود الحديث وهو ما رواه الإمام أحمد عن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ؛ قال هذا : تقليتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال هذا تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : { القرآن يقرأ على سبعة أحرف ، فلا تماروا في القرآن فإن مراءً في القرآن كفر }.

وهذا ما اختاره الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام حيث قال : ( وجه الحديث عندنا ليس على الاختلاف في التأويل ولكنه عندنا على الاختلاف في اللفظ ، على أن يقرأ الرجل القراءة على حرف ، فيقول له الآخر : ليس هكذا ولكنه كذا على خلافه .

وقد أنزلهما الله جميعاً … فإذا جحد هذان الرجلان كل واحد منهما ما قرأ صاحبه لم يؤمن - أو قال : يَقْمَن - أن يكون ذلك قد أخرجه إلى الكفر لهذا المعنى ) .

ثُمَّ ذكر بسنده عن أبي العالية الرياحي أنه كان إذا قرأ عنده إنسان لم يقل : ليس هو كذا ، ولكن يقول : أمَّا أنا فاقرأ هكذا ؛ فلما ذُكر ذلك لإبراهيم ، قال : أراه قد سمع أنه من كفر يحرف فقد كفر به كله .

القول الثالث : أن المراد الجدالُ بالقرآن في الآي التي فيها ذكر القدر والوعيد ، وما كان في معناهما على مذهب أهل الكلام والجدل ، وما يجري بينهم من الخوض في تلك المسائل التي مبناها على الاعتقاد والتسليم .

وأمَّا آيات الأحكام والحلال والحرام فلاتدخل في معنى الحديث ؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تنازعوها فيما بينهم ، وتحاجُّوا بها عند اختلافهم في الأحكام ، ولم يتحرجوا عن التناظر بها وفيها ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، فعُلم أن النهي منصرف إلى غير هذا الوجه ، والله أعلم .

قال ابن عبدالبر - رحمه الله - : ( وأمَّا التنازع في أحكام القرآن ومعانيه فقد تنازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من ذلك ) .

وقال : ( وأمَّا الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر ؛ لأنه علم يُحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك ، وليس الاعتقادات كذلك ؛ لأن الله عز وجل لا يوصف عند الجماعة أهل السنة إلاَّ بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أجمعت الأمة عليه ، وليس كمثله شيء فيدرك بقياس أو بإمعان نظر ) .

وقال - رحمه الله - : ( وقد أجمع أهل العلم بالسنن والفقه - وهم أهل السنة - على الكف عن الجدال والمناظرة فيما سبيله الاعتقاد مِمَّا ليس تحته عمل ، وعلى الإيمان بمتشابه القرآن والتسليم له ، ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث الصفات كلها وما كان في معناها ، وإنَّما يبيحون المناظرة في الحلال والحرام ومسائل الأحكام ) .

ومِمَّا سبق يعلم أن آيات العقائد - كآيات القدر والوعيد والأسماء والصفات - لايجوز المراء والجدال فيها لأمرين :

أحدهما : أن هذه الآيات سبيلها التسليم والاعتقاد .

الثاني : أن الجدال والمراء فيها يؤدي إلى الانسلاخ من الدين ، بسبب الدخول في مباحث لا يدركها العقل ، والخوض في ذات الله ووصفه بما لا يليق به تعالى .

قال ابن عبدالبر - رحمه الله - : ( قال أبو عمر : وتناظر القوم وتجادلوا في الفقه ونهوا عن الجدال في الاعتقاد ؛ لأنه يؤول إلى الانسلاخ من الدين ، بسبب الدخول في مباحث لا يدركها العقل ، والخوض في ذات الله ووصفه بما لا يليق به تعالى .

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 /2015

المراء

جاء في لسان العرب عن المراء: "قَالَ: وأَصله فِي اللُّغَةِ الجِدال وأَن يَستخرج الرجلُ مِنْ مُناظره كَلَامًا وَمَعَانِي الْخُصُومَةِ وَغَيْرِهَا..."، وجاء فيه أيضاً: "ومارَيْتُ الرجلَ ومارَرْتُه إِذا خَالَفْتَهُ وتَلَوَّيْتَ عَلَيْهِ..."، فلا يكون الهدف في المراء معرفة الحق والاهتداء إليه، وإنما الأخذ والرد بغرض الإزعاج و"المناكفة" ونحن في غنى عن ذلك! أخرج الطبراني في الكبير عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ آدَمَ الدِّمَشْقِيِّ، قَالَ، حَدَّثَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ، وأَبُو أُمَامَةَ، ووَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالُوا: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يَوْمًا، وَنَحْنُ نَتَمَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ، ثُمَّ انْتَهَرَنَا، فَقَالَ: «مَهْلًا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، أَخَذُوا الْمِرَاءَ لِقِلَّةِ خَيْرِهِ»، ثم إن المراء عند الشخص دليل عدم انغماسه في العمل الصالح وتلبسه فيه وانشغاله به...، ولو كان جاداً مجداً مجتهداً في عمله، ينتفع بما هو خير في ليله ونهاره، لما وجد وقتاً للمراء. جاء في كتاب حديث الزهري لمؤلفه: عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف العوفي، الزهري، القرشي، أبو الفضل البغدادي (المتوفى: 381هـ) قال: "أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، نا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَفْصٍ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مَالِكٍ يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ الْحَسَنِ، فَسَمِعَ مِرَاءَ قَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا مَالِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مَلُّوا الْعِبَادَةَ، وَبَغَضُوا الْوَرَعَ، وَوَجَدُوا الْكَلَامَ أَخَفَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ"، نعم لو كانوا يعملون بصدق وإخلاص لما وجدوا متسعاً للمراء...

إن كان المراء بمعنى الجدال، فالمراد بالحديث أن الاستمرار فيه بعد بيان الحق وعناد المجادل ليس فيه نفع، مع ضياع الوقت والجهد، قال ابن علان في دليل الفالحين: أي وإن كان ذا الحق في نفس الأمر، وذلك لأنه بعد أن يرشد خصمه إليه ويأبى عن قبوله، وليس من طالبي الاستبصار، فلا ثمرة للمراء إلا تضييع الوقت فيما هو كالعبث.

وقال السندي في حاشيته على ابن ماجه: خوفا من أن يقع صاحبه في اللجاج الموقع في الباطل.

وقال المناوي في فيض القدير: كثرة المخاصمة تفضي غالبا في ما يذم صاحبه.

وإن كان المراد بالمراء: الطعن في كلام غيرك، تحقيرا له، وإظهارا لفضلك، فالمعنى أشد وضوحا، قال الصنعاني في سبل السلام: حقيقة المراء طعنك في كلام غيرك لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه … ولا يكون إلا اعتراضا، وهو قبيح إذا لم يكن لإظهار الحق وبيانه وإدحاض الباطل وهدم أركانه، وأما مناظرة أهل العلم للفائدة، وإن لم تخل عن الجدال فليست داخلة في النهي، وقد قال تعالى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن {العنكبوت: 46} وقد أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا.

ويحتمل أن يكون المراء هنا هو ما يفسد ذات البين من غير مصلحة راجحة، قال الشيخ العباد في شرح سنن أبي داود: يعني المجادلة التي تؤدي إلى الخصومة والشقاق والوحشة، فالإنسان يبتعد عنها حتى تسلم القلوب، وحتى تصفى النفوس.

   قال ابن عبدالبر في كتابه جامع بيان العلم وفضله : ( باب : ما تكره فيه المناظرة والجدال والمراء : قال أبو عمر : الآثار كلها في هذا الباب المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم إنَّما وردت في النهي عن الجدال والمراء في القرآن .

وروى سعيد بن المسيب وأبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : {المراء في القرآن كفر } … والمعنى : أن يتمارى اثنان في آية ، يجحدها أحدهما ويدفعها ويصير فيها إلى الشك ، فذلك هو المراء الذي هو كفر .

وأمَّا التنازع في أحكام القرآن ومعانيه فقد تنازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من ذلك ، وهذا يبيّن لك أن المراء الذي هو الكفر هو الجحود والشك كما قال الله عزوجل { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مّـِنْهُ } الحج 55

والمراء والملاحاة غير جائز شيء منهما ، وهما مذمومان بكل لسان ، ونهى السلف - رضي الله عنهم - عن الجدال في الله جل ثناؤه وفي صفاته وأسمائه ,فعن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{ ما ضلّ قوم بعد هدى إلاَّ لُقِّنُوا الجدل }ثُمَّ قرأ { مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } الزخرف 58 ].

المراء والامتراء والمماراة : المحاجّة فيما فيه مرية .

والمرية : التردد في الأمر والشك فيه ، قال تعالى : { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مّـِنْهُ } [ الحج : 55 ] ، وقال تعالى : { فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّـِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ } [ هود : 109 ] ، وقال سبحانه : { فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّـِن لّـِقَآئِهِ } [ السجدة : 23 ] ، وقال جل وعلا : { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّـِن لّـِقَآءِ رَبِّهِمْ } [ فصلت : 54 ] ومن ذلك قوله تعالى : { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِرًا } [ الكهف 18 ] أي لاتجادل وتحاجج .

وقوله سبحانه { أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى } [ النجم 53 ] أي : أفتجادلونه مجادلة الشاكين المتحيِّرين لا الكائنين على بصيرةٍ فيما تخاصمون فيه .

وقرئ : { أفَتَمْرُونَه } وفُسِّرَت بالجحود ، أي : أفتجحدونه ؟ ) .( قال في إتحاف فضلاء البشر : ( واختُلف في { أفتمارونه } فحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بفتح التاء ، وسكون الميم بلا ألف من { مَرَيْتَه } إذا علمته وجحدته … والباقون بضم التاء ، وفتح الميم وألف بعدها من { ماراه يماريه مراء } جادله ) ا هـ . إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر للعلامة الشيخ أحمد بن محمد البنا ) وقد اختلف العلماء في تأويل حديث{ المراء في القرآن كفر } على أقوال :

يتبع

كلمةُ حقٍ عند سلطان جائر

عَنَدَ الرَّجُلُ : خَالَفَ الْحَقَّ وَهُوَ عَارِفٌ بِهِ,عَنَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ : تَبَاعَدَ عَنْهُمْ, عَنَدَ عَنِ الطَّرِيقِ : مَالَ عَنْهُ وَعَدَلَ, عَنَدَ العِرْقُ أَو الجُرْحُ : سال دمُه ولم يجفّ, عَنَدَ فلانٌ : استكبر وتجاوز الحدَّ في العصيان.

عنَدَ: عنَد الشَّخصُ:خالف الحقَّ وردّه وهو عارفٌ به هو عنيد في خصومته حتى النهاية ،في قوله تعالى { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }15 ابراهيم, يعني عتا وطغى وتجاوز الحَدَّ في المعارضة لا يمكن التَّفاهم معه لأنّه يعنِد.

عنَد عن القصد أو الطريق : مال وعدل عنه عنَد عن أصحابه : تركهم في سفر وأخذ في غير طريقهم.

اِسْمٌ لِمَكَانِ الْحُضُورِ دَخَلْتُ عِنْدَ صَاحِبِي { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }

ظَرْفٌ لِزَمَانِ الحُضُورِ : وَصَلَ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ

بِمَعْنَى لَدَى : (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) النحل آية 96.

وتَأْتِي بِمَعْنَى الظَّنِّ وَالْحُكْمِ : هَذَا عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا,وتعني الْمِلْكِيَّةُ وَتَأْتِي مَجَازاً : عِنْدَ الْحَاجَةِ عِنْدَ الاقْتِضَاءِ, عِنْدَهُ عِلْمٌ كَمَا تَلْحَقُ بِهَا مُخْتَلِفُ الضَّمَائِرِ : عِنْدِي,عندهم ,عندنا…وهكذا, كان عند حُسْن الظَّنِّ به : تصرَّف حَسَنًا كما كان متوقَّعًا منه.

ان للسلطان بطانتان بطانة السوء وبطانة الخير بطانة السوء تنظر ماذا يريد السلطان ثم تزينه له وتقول هذا هو الحق هذا هو الطيب ولو كان من أجور ما يكون تفعل ذلك مداهنة للسلاطين وطلبا للدنيا, أما بطانة الحق فإنها تنظر ما يرضى الله ورسوله وتدل الحاكم عليه, هذه هي البطانة فتوصف الحسنة او بالبطانة السيئة,لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصمه الله) (رواه أحمد ، والبخارى ، والنسائى ، وابن خزيمة ، وابن حبان عن أبى سعيد).

ان كلمة الباطل عند سلطان جائر هذه ضد الجهاد, وكلمة الباطل عند سلطان جائر تكن بأن ينظر المتكلم ماذا يريد السلطان فيتكلم به عنده ويزينه له وقول كلمة الحق عند سلطان جائر من أعظم الجهاد ,فقد روى طارق بن شهاب - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وضَعَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ : أيُّ الجهادِ أفضلُ ؟ قال : «كلمةُ حقٍ عند سلطان جائر». أخرجه النسائي. وقال عند سلطان جائر لأن السلطان العادل كلمة الحق عنده لا تضر قائلها لأنه يقبل, أما الجائر فقد ينتقم من صاحبها ويؤذيه فالآن عندنا أربع أحوال:

1 - كلمة حق عند سلطان عادل وهذه سهلة: قال سفيان الثوري: لما حج المهدي قال: لا بد لي من سفيان، فوضعوا لي الرصد حول البيت ، فأخذوني بالليل. فلما مثلت بين يديه قال لي: لأي شيء لا تأتينا فنستـشيرك في أمرنا؟ فما أمرتنا من شيء صرنا اليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه. فقلت له : كم انفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري، لي أمناء ووكلاء. قلت: فما عذرك غدا اذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حج قال لغلامه كم أنفقت في سفرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارا. فقال: ويحك اجحفنا بيت مال المسلمين وقد علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رب متخوض في مال الله ومال رسوله فيما شاءت نفسه، له النار غدا.( و رب متخوض في مال الله و مال رسول الله له النار يوم القيامة ) رواه البخاري في الصحيح عن معاذ بن فضالة غير انه قال : فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين و اليتيم و ابن السبيل و قال : شهيدا بدل قوله حسرة و لم يذكر ما بعده

فقال أبو عبيد الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟ فأجابه سفيان: اسكت، انما اهلك فرعون: هامان أي انت وأمثالك من بطانة السوء.

2 - كلمة باطل عند سلطان عادل وهذه خطيرة لأنك قد تفتن السلطان العادل بكلمتك بما تزينه له من الزخارف

3 - كلمة الحق عند سلطان جائر وهذه أفضل الجهاد

4 - كلمة باطل عند سلطان جائر وهذه أقبح ما يكون فهذه أقسام أربعة لكن أفضلها كلمة الحق عند السلطان الجائر نسأل الله أن يجعلنا ممن يقول الحق ظاهرا وباطنا على نفسه وعلى غيره قال العلامة المحدث عبد المحسن العباد في شرحه على سنن أبي داود رحمه الله : قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عبادة الواسطي حدثنا يزيد -يعني ابن هارون - أخبرنا إسرائيل حدثنا محمد بن جحادة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر) ]. أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر أو أمير جائر)، وذلك أن الجهاد فيه احتمال السلامة واحتمال الهلاك؛ لأنه يقتل، وقد ينتصر ويغلب، ويحصل الغنيمة والأجر والثواب من الله عز وجل، وأما السلطان الجائر فهو قاهر لمن بين يديه، فيبطش به، ويؤدي ذلك إلى هلاكه، ويكون هلاكه أقرب من هلاك من يجاهد في سبيل الله، فمن أجل ذلك كانت الكلمة التي تقال عنده بهذه المنزلة، والمقصود من ذلك: أنه عندما يقول كلاماً باطلاً في مجلسه لا يسكت عليه، وإنما يبين أن الحق هو كذا، ولا يقر الباطل ويسكت عليه، وإنما يبين الحق وأنه خلاف ما يقول، وأن الذي قاله ليس بصحيح وإنما الصحيح هو كذا وكذا، لأن هذا هو الذي جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، فكونه يكون عند سلطان جائر معناه: أنه يكون عرضة للهلاك، لاسيما إذا كان ذلك الجائر معروفاً بإزهاق النفوس وإتلافها بأي سبب من الأسباب ولو كان أمراً يسيراً.

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

الوقف واثره على المجتمع الاسامي (3)
ويعطي ابن خلدون أمثلة على ما كان في بغداد وقرطبة والكوفة والبصرة والقيروان وفاس من مراكز علمية، ويتحدث عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي وازدهار المدارس,ويذكر التاريخ فضل صلاح الدين الأيوبي في إنشاء المدارس العلمية في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه، في مصر ودمشق والموصل وبيت المقدس.
والوقف على المكتبات كذلك فقد انتشرت المكتبات التي أوقفها المسلمون في جميع بلاد المسلمين في بغداد ومصر والشام والأندلس والمغرب على مَرِّ التاريخ,وهناك أمثله عديدة توضح المستوى الذي كانت عليه تلك المكتبات: (أ)حوت المكتبة التي أوقفها ابن مليس الوزير الفاطمي على غرف عديدة للمطالعة، وقاعات خاصة للمحاضرات والمناظرات، وقاعة خاصة لتوجيه الباحثين والناشئين. وأعطيت من ريع وقفها مرتبات لطلبة العلم والعلماء والقائمين عليها. (ب)يقال أن المكتبة التي أوقفها بنو عَمَّار في طرابلس الشام، كانت آية في السعة والضخامة، وإنها اشتملت على مليون كتاب. (ج)يصف لنا ابن جبير عن المكتبات التي أوقفها المسلمون في مصر فيقول: “ومن مناقب هذا البلد (أي مصر)، ومفاخره أن الأماكن في هذه المكتبات قد خصصت لأهل العلم فيهم، فهم يفدون من أقطار نائية فيلقى كل واحد منهم مأوى يأوي إليه ومالاً يصلح به أحواله. وبلغ من عناية السلطان بهؤلاء الذين يفدون للاستفادة العلمية، أن أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها، وخصص لهم مستشفى لعلاج من مرض منهم، وخصص لهم أطباء يزورونهم وهم في مجالسهم العلمية، وخصص لهم الخدم لقضاء حاجاتهم.”
والوقف في المجال الصحي بلغ من عناية المسلمين بالرعاية الصحية وتطوير خدماتها، أن خصصت أوقافا وقفت على رعاية المرضى جميعا دون تمييز بين فقير وغنى والخدمات الصحية التي تقدمها هذه المراكز الطبية، من علاج وعمليات وأدوية وطعام، كانت مجاناً بفضل الأوقاف التي كان المسلمون يرصدونها لهذه الأغراض الإنسانية، إذ كانت الرعاية الصحية في سائر البلاد الإسلامية إلى وقت قريب من أعمال البر والخير، ولم تكن هناك وزارات للصحة العمومية كما في العصر الحاضر.
وكان للأوقاف أثر حميد في النهوض بعلوم الطب، لأن دور المستشفيات التي ينفق عليها من الأوقاف لم يقتصر على تقديم العلاج، وإنما تعدى ذلك ذلك إلى تدريس علم الطب، فكانت تخصص قاعات داخل المستشفيات الكبيرة للدروس والمحاضرات.
ونسرد بعض الأمثلة لبيان مستوى تلك الخدمات الطبية (أ)كان أول مستشفى كبير في تاريخ الحضارة الإسلامية هو “البيمارستان” الذي أمر ببنائه هارون الرشيد ببغداد. ثم توالت بناء المستشفيات حسب نظام الوقف حتى أصبح ببغداد وحدها في مطلع القرن الرابع الهجرى خمسة مستشفيات. (ب)وصل الأمر إلى بناء أحياء طبية متكاملة: فقد تحدث ابن جبير في رحلته: أنه وجد ببغداد حياً كاملاًً من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة، كان يسمى بسوق المارستان، يتوسطه قصر فخم جميل وتحيط به الغياض والرياض والمقاصير والبيوت المتعددة، وكلها أوقاف وقفت على المرضى، وكان يؤمه الأطباء والصيادلة وطلبة الطب، إذ كانت النفقات جارية عليهم من الأموال الوقفية المنتشرة ببغداد. (ج)تحدثت كتب التاريخ عن المستشفيات التي أنشئت في مصر بفضل أموال الوقف: مثل:مستشفى أنشأه الفتح بن خافان ومستشفى أمير مصر أحمد بن طولون والمستشفى التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي. وتحدث المؤرخون والرحالة عن المستشفى التي أنشأه الملك قلاوون بمصر، وجعله وقفاً لعلاج مرضى المسلمين، قال عنه ابن بطوطة إنه يعجز الوصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من الأدوية والمرافق الخدمية ما لايحصى. (د)وكثرت المنشآت الصحية بمدن الأندلس حتى ان مدينة قرطبة وحدها كان بها خمسون مستشفى، أوقفها الخلفاء والأمراء والموسرون. وكذلك الحال في المغرب الأقصى حيث انتشرت المستشفيات في أهم المدن وتحدث عنها المؤرخون بإسهاب، ومن أهمها مستشفى سيدي فرج بفاس التي خصص جزءا منها لعلاج طير اللقلاق، وجزءا خصص للموسيقيين الذين يزورون المرضى مرة كل أسبوع للترفيه عنهم
والرعاية الاجتماعية كذلك فقد تعددت أنواع الوقف في هذا المجال عبر التاريخ الإسلامي فهناك أوقاف للّقطاء واليتامى لإيوائهم ورعايتهم وختانهم وأوقاف مخصصة لرعاية المقعدين والعميان والشيوخ والعجزة، وأوقاف لإمدادهم بمن يقودهم ويخدمهم,وأوقاف لتزويج الشباب والفتيات ممن تضيق أيديهم وأيدي أوليائهم عن نفقاتهم، وفي بعض المدن دور خاصة حبست على الفقراء لإقامة أعراسهم.
وأوقاف لإمداد الأمهات المرضعات بالحليب والسكر، ويذكر المؤرخون بإعجاب شديد أن من محاسن صلاح الدين الأيوبي أنه جعل في أحد أبواب القلعة بدمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزابا يسيل منه الماء المحلى بالسكر، تأتي إليهما الأمهات في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
وأوقاف لإنشاء دور للضيافة والاستراحة (الخانات)وأوقاف لقضاء الديون عن المعسرين، وأوقاف للقرض الحسن، وأوقاف لتوفير البذور الزراعية، ولشق الأنهار وحفر الآبار.
ومن أهم المنشآت الاجتماعية التي نشأت في المجتمعات الإسلامية، بفضل الاهتمام بالوقف، أسبلة المياه الصالحة للشرب(السقايات) وكان من تقاليد الوقف أن تلحق الأسبلة بالمساجد، وغالباً ما تكون وسط المدينة أو على طرق القوافل، لتكون في متناول الجميع. وشاع الوقف لهذا الوجه من البِرِّ في سائر أنحاء العالم الإسلامي، لعظيم فضلها وثوابها ومنها ما يزال قائما.
وهناك أوقاف مشهورة في التاريخ لتزويد مكة المكرمة بالماء الطاهر الطيب، أشهرها وقف السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد، وما زال يعرف بعين زبيدة. المراجع تحرير نظام الوقف الإسلامي ونظام الوقف الإسلامي.

الوقف واثره على المجتمع الاسامي (2)
وفي عهد العباسيين أصبحت للأوقاف إدارة خاصة مستقلة عن القضاء، يقوم عليها رئيس يسمى “صدر الوقوف” وواكب هذا التطور الإداري جهد علمي مفيد، لضبط أحكام الوقف وطرق التصرف فيه ولحماية أملاكه من الضياع، فخصه الفقهاء بمؤلفات خاصة، وأفردوا له فصولا واسعة في مدونات الفقــه الكبرى. وهذا التطور والتوسع في العناية بالأوقاف أدى إلى قيام الوقف بدور كبير في التنمية المجتمعية وسد الخلل الناتج عن خطوب الدهر وتقلب الاحوال اونزول جائحة, حتى لا يشغل المسلم عارض يلهيه او يدفعه لمعصية,وابقاء التجانس والتعاضد في المجتمع المسلم وعدم احتياجه لغيره لا استدانة ولا صدقة ولا منحة فمجتمع خير امة اخرجت للناس لا يليق به ان يكون محل صدقة اواحتياج من أي احد كان دولة او منظمة دولية اجنبية.
وقد اقتبس الغربيون هذه الفكرة ونقلوها عن الدولة العثمانية في القرن التاسع عشرحين ظهر تغول الراسمالية وظهر عوارها بتفتت مجتمعهم وتحلله بطغيان المادية عليه فكانت هذه الفكرة محاولة لاخفاء عوار مبداهم ,فنشات الجمعيات التي تعنى بالفقراء ودور الايواء وأطلق عليها الغربيون لاحقا اسم"منظمات المجتمع المدنى"او المنظمات غير الحكومية والتي -ومن المفارقه - استوردنا مصطلحها منهم في القرن العشرين بعد أن همشنا دور الاوقاف ومحوناه من عندنا.
ان من المسلم به أن نظام الوقف الإسلامي ظل يمثل على مدى ثلاثة عشر قرناً صورة من أروع صور التعاضد في المجتمع المسلم وينبوعاً فياضاً من ينابيع الخير حتى آلت حال الأوقاف في العصور الأخيرة من عصور الدولة العثمانية إلى التدهور والجمود والإهمال والمحاربة، وتعرضت ممتلكاتها بسبب ذلك، إلى الانهيار والخراب، خصوصا بعد دخول البلاد الإسلامية مرحلة الاستعمار الأوروبى وخصوصا الفرنسي الذي أدرك أن أهم المؤسسات التي تدعم الطبقـــة المتعلمة الواعية في وقوفها في وجه سياسة الاستعمار وخططه هي المؤسسات التي تعتمد على الوقف كالمساجد والمدارس والزوايا والأربطة. لهذا عمد المستعمر إلى التدخل المباشر في شؤون الوقف ومؤسساته، تحت ستار إصلاح إدارتها وتحديث أنظمتها، وكان هدفه الحقيقي هو الحد من الدور الإيجابي للوقف ومؤسساته، خاصة في تنشيط الوعي الديني ومحاربة المستعمر ، ودخلت البلاد الإسلامية عهداً جديداً من التطور السياسي والاجتماعي تمثل في نشوء نظام الدولة الوطنية الحديثة على النمط الغربي.وكانت تركيا أول دولة إسلامية تقوم بإلغاء النظام القديم للأوقاف ووضع ممتلكاته تحت الإدارة الحكومية الرسمية، وذلك عقب الغاء نظام الخلافة الإسلامية مباشرة، وقد صدرت قوانين إلغاء الوقف الأهلي(الذري) في عدد من الأقطار الإسلامية الأخرى، ففي لبنان صدرت سنة 1947، وفي سوريا 1947م، ومصر 1952م، وفي العراق 1954م، وفي المغرب 1977م وفي الاردن1958ودمجت مدخولات الاوقاف بالميزانية العامة للدولة ضمن قانون الوعظ والارشاد . وتسربت ممتلكات الوقف بنوعيه الأهلي والخيري لجيوب البعض باسلوب الخصخصة او التاميم اوغيرها من الشعارات، و صمت العلماء والمفكرون عن الحديث عنه اوالبحث في أبعاده وقضاياه وبعد عن الاذهان حتى اصبح مع الاسف من الاحكام الشرعية الكثيرة المغيبة.
لقد كان للوقف أبعاد دينية واجتماعية واقتصادية وثقافية وإنسانية غطت أنشطتها سائر أوجه الحياة الاجتماعية وامتدت لتشمل المساجد والمرافق التابعة لها والدعوة والجهاد في سبيل الله، والمدارس ودور العلم والمكتبات، والمؤسسات الخيرية، وكفالة الضعفاء والفقراء والمساكين والأرامل، والمؤسسات الصحية.
وكذلك الوقف للجهاد في سبيل الله ويؤكد مشروعيته ما روى أن خالد بن الوليد حبس دروعه وأكراعه في سبيل الله. وتأهيل المجاهدين,وإعداد العدة اللازمة من سلاح وطعام,وصناعة الأسلحة,وفك أسرى المسلمين من أيدي الأعداءوقد سجل تاريخ الإسلام أوقافاً كانت مخصصة لهذا الغرض، ولعل أشهرها وقف صلاح الدين الأيوبي الذي كان ببلده بلبيس.
وبفضل ما تدره الأوقاف من أموال سخية في هذا المجال، قاومت الأمة الإسلامية أعداءها على مر العصور، وصدت جيوش الاستعمار في العصر الحديث، ولم ينجح المستعمر في اختراق حدودها إلا بعد أن ضعفت مؤسسة الوقف وتقلص دورها في حياة المسلمين.
وكذلك الوقف للانفاق في المواسم الدينية فانها تعتبر شعائر تعبدية، فضّلها الله تعالى على غيرها وأمر بإحيائها ومن هذه المواسم شهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عاشوراء,وحرصاً على إقامة هذه الشعائر أقام المسلمون أوقافاً خاصة بها وشرطوا أن تخصص لإحيائها وأن يصرف ريعها على المحتاجين للتفريج عنهم وإدخال السرور عليهم,وهناك وثائق نصت على أن يصرف من ريع الوقف كل سنة في يوم عاشوراء في شكل إعانات ومواد غذائية، توزع على طلبة العلم والأيتام والفقراء والمساكين,وفي كل يوم من أيام رمضان على الفقراء والمساكين وطلاب العلم..ومولت الأوقاف موائد الإفطار والسحور للصائمين من الفقراء والغرباء، ووضعت بذلك الأساس لِسُنَّةٍ حسنة لا تزال حية في بعض البلاد الإسلامية ,وفي عيد الأضحى تذبح النعام وتوزع لحومها.
ومن منافع ذلك النوع من أنواع الأوقاف انها تدخل السرور على قلب المرء المحتاج لقول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ( إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم إشباع جوعته وتنفيس كربته) جامع الجوامع للسيوطي.
والوقف على المدارس فقد عرف تاريخ الاسلام إيقاف أموال المسلمين على التعليم وبناء المدارس. ولدينا العديد من الأمثلة على عظمة ورقى المسلمين في هذا الصدد ومن امثلة ذلك ما روى الرحالة الشهير ابن جبير: أنه شاهد في بغداد نحو ثلاثين مدرسة،كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة… أشهرها وأكبرها “المدرسة النظامية”. ولهذه المدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها وعلى العلماء والدارسين فيها، وكان وقف “نظامية بغداد” خمسة عشر ألف دينار شهرياً، وتخرج منها أكابر العلماء,و تحدث ابن جبير عما شاهده من هذه المدارس في القاهرة ودمشق وغيرها بأنه تأسست المدارس الموقوفة الخاصة بأبناء الفقراء والأيتام واللقطاء.
يتبع

**الوقف واثره على المجتمع الاسامي

**

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…الاخوة الاعزاء …احب ان اطرح عليكم قضية مهمة كانت من القضايا التي يتميز فيها المجتمع المسلم وحاول الغاشم اخفاءها وهي(الوقف واثره على المجتمع الاسامي)وارجوا ان تعذروني لانني لم استطع اختصاره اكثر من ذلك.الوقف في اللغة هو الحبس والمنع، وقد عرف الوقف (اصطلاحا) بقولهم :“هو حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه، على مصرف مباح”.والوقف نوعان: “وقف خيرى” يتعلق بالجانب الخيرى لصالح المسلمين عموما وهو ما ورد فيه الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له”. ويفصل معنى الصدقة الجارية ماورد في سنن ابن ماجة قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره أوولدًا صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته”.

أما النوع الآخر فهو “الوقف الأهلى(الذرى)” والذي يوقفه المرء لصالح ذريته من بعده للانتفاع بها وقد روى البيهقي من أن عدداً من الصحابة تصدقوا بدورهم ومساكنهم، وجعلوها وقفاً في سبيل الله أو على ذريتهم. ويكون الوقف باطلا غير مشروع إذا قصد به الواقف مضارة ورثته، كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم، لأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه، بل إنه تعالى نهى عن الضرر والضرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لاضر ولاضرار”.

و تستند مشروعية الوقف إلى الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فيدل على مشروعيته بعموم قوله تعالى { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}آل عمران92وقد بادر بعض الصحابة إلى التصدق بأحب أمواله إليه، عند نزول هذه الآية.وقد روى البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، عن أنس بن مالك قال: "كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة نخلاً، وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قام أبو طلحة وقال يارسول الله إن الله يقول (لن تنالوا البر…)الآية، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يارسول الله حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: إجعلها (أي ريعها) في قرابتك.

وأول وقف خيري عرف في الإسلام هو وقف سبع بساتين بالمدينة، كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين عزم على القتال مع المسلمين في غزوة أحد، قال في وصيته: "إن أصبت ـ أي قتلت، فأموالي لمحمد ـ يضعها حيث أراه الله، فقتل، وحاز النبي صلى الله عليه وسلم تلك البساتين السبعة، فتصدق بها أي حبسها, ومضى الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وعملوا بما حث عليه من الإكثار من الصدقة والإنفاق مما يحبون، وسجلوا أروع الأمثلة في التطوع بأحب أموالهم إليهم.

ومن تلك الأمثلة وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل هو ثاني وقف في الإسلام، ففي الحديث أنه أصاب أرضاً بخيبر، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله: أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس منه، فبم تأمرني؟ فقال: “إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها”. فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث، وتكون (أي منافعها وثمارها) في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، ولاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. ثم تتابعت الأوقاف بعد ذلك في أوجه البر والخير,فقد ادرك المسلمون كنه الحياة الدنيا وانها تفضي لما بعدها فعاشوا الآخرة في الدنيا وادركوا عمليا ان الباقيات الصالحات هي خير وابقى,وانعكس هذا الامر على علاقتهم مع مالهم فجعلوا منه مركبا موصلا الى الأخرة بل ومستمرا يدر عليهم الاجر فوقفوه على اوجه الخير الشامل للمسلمين في مجتمعهم فانهم حين قرأوا قول الحق{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}قرأوا ما قبله فادركوا معناه كاملا(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)آل عمران.

ونظام «الوقف» هوميزة تميز بها المجتمع المسلم فلم تكن موجودة وما عرفها احد او فعلها قبل المسلمين للتقرب إلى الله تعالى ,فنسيج المجتمع المسلم تاتي قوته من خلال مشاركة افراده في بناء لبناته بناء قويا ومستمرا ومستديما يستغرق الجيل الحالي والاجيال القادمة,وياتي تشابه الاوقاف وارض الخراج من ناحية استغراق منفعتها الحاضر والمستقبل وتصرف براي الخليفة ونظره, على خلاف الاوقاف فانها تحبس لتصرف على الوجه الذي اوقفها صاحبها عليها,وليس للخليفة سلطان عليها الا للتنظيم او لوجود مخالفة شرعية, ويظهر الفرق بين الارض الخراجية والارض العشرية في التصرفات في موضوع الوقف فتنفصل الرقبة عن المنفعة هنا لان التصرف يكون في الرقبة، ولذلك لا يصح وقف الارض الخراجية .

وفي العصر الأموي حدث تطور كبير في إدارة الأوقاف، فبعد أن كان الواقفون يقومون بأنفسهم على أوقافهم ويشرفون على رعايتها وإدارتها، قامت الدولة الأموية بإنشاء هيئات خاصة للإشراف عليها، وأحداث ديوان مستقل لتسجيلها.

يتبع

حديث رمضان ( 12 )

من أوراق جواد عبد المحسن الهشلمون

إعداد : جواد عبد المحسن الهشلمون

الطبعة الأولى

2014م - 1435 هـ

.www.sharabati.org

فإذا قرأ الإنسان باسم ربه يعني إذا استجاب بمقتضى دخوله في عقد الإيمان ، و كيّف حياته كلها لتكون قراءة باسم ربه فقد أسلم ، و قد سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن معنى الإسلام فقال : ( أن تسلم لله و جهك ، و أن يسلم المسلمون من لسانك و يدك ) و المسلم إما صادق أو مزيف ؛ فالمسلم الصادق لا ينهل من منابع غير الهية في كل أمور حياته ؛ فلا يتخذ في العقيدة أو في الأخلاق أو في المعاملات أو في البيوع أو العقود إماماً غير إمامه المأمور بطاعته و صدق الله العظيم (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65)

فالقراءة باسم الرب الذي خلق هو طاعته فيما أمر و نهى ؛ إذ أنها هي الفيصل بين وضوح التوحيد و اللّبس الذي قد يحصل عند عدم وضوح هذه الحقيقة إذ أن كثيراً ما كان يجمع الناس بين الإقرار بالله بأنه هو الخالق الموجد من عدم ، و بين الإعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة ، فتداخل مفهوم انفصال الربوبية عن الألوهية .

فقد كان في السابق و قد عاد مع الأسف و لقد أخبرنا ربنا عزّ و جل عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ)(الزمر: من الآية3) . فقد كانت عقائد الجاهلية تعجّ بالأرباب المختلفة بوصفها أرباباً صغاراً تقوم إلى جانب كبير الآلهة .

فالاستجابة للرب و تفرد الاستجابة له هو الفرادة الحقيقية المأمور بها المسلون حتى لا يتفرق كل ناعقٍ نحو ربٍ مختلف عن رب غيره ، فإفراده جل و علا بالربوبية و الالوهية و الاستجابة له بإقرار السيادة و الحاكمية له و حده حتى تكون القراءة باسمه و حده جل و علا و صدق الله العظيم (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (الزخرف:87) فالجواب عندهم الله …

فكيف يكون الجواب هو الله ثم حين الممارسة العملية يختلف الجواب و يميل كل صاحب هوى إلى هواه يتخذه رباً يعبده . و قد حرص الرسول المصطفى على أن ينهل المسلمون الصفاء و أول هذا القرآن حتى إنه في أول العهد لم يسمح بكتابة الأحاديث حتى لا تختلط به .

ثم إنه صلى الله عليه و سلم حرص على أن لا يلوث الدين الحنيف بغيره ، فقد روى المحدثون في ذلك أحاديث غاية في العمق منها ما رواه الإمام أحمد قال : حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خاله عن الشعبي عن جابر ( أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه و سلم بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي فغضب و قال ( المتهوكون (المشككون) فيها يا ابن الخطاب ..؟ و الذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه ، و الذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما و سعه إلا أن يتبعني ) و أحاديث كثيرة في هذا المجال .

و لقد انتهر الرسول صلى الله عليه و سلم عمر في شدّة لأنه أتى بصحف من التوراة و حاول أن يستسقي في العقيدة من منبع غير القرآن و السنة النبوية و سار المسلمون على هذا النسق من التفرقة بين الجانب المادي و الجانب العقائدي ، حتى أن عمر ابن العزيز استخار الله أربعين يوماً في ترجمة كتابٍ في الطب ثم شرح الله صدره لذلك عندما برزت حاجة المسلمين ثم بعد ذلك ترجمت كتب في الطب و الفلك و الكيمياء في عهد أبي جعفر المنصور ، و كان التفريق واضح من أنها علوم يجوز تعلمها لخدمة الإسلام والمسلمين و تبقى في دائرة ( اقرأ باسم ربك ) و هي علوم لا تُعَبر عن وجهة نظر أو حضارة و إنما هي علوم مجردة . و لا تعبر عن و جهة نظر .

ثم بدأ الإنحراف يغزو عقول الذين وصلوا لمرحلة الترف الفكري أو لم يعودوا يقرأوا ( باسم ربك ) و ذلك في بداية عصر المأمون الذي يؤرخ اللحظات الاولى لدبيب الضعف في هذه الامه عندما سمح بترجمة العقائد اليونانيه وطرق تفكيرها النابعه من وجهة نظرها.

وحصل الخلط بين ( اقرأ باسم ربك) و ( اقرأ ) فقط لمجرد القراءة وهذا ما أنتجته الفلسفة اليونانيه والفكر النظري في العقيده والاخلاق والانصراف الى ذلك والاشتغال به فما انتج إلا الفتور والتشكك والتخاذل في العزائم .

إن العقل عند المسلمين هو لفهم الخطاب وعبادة ربنا كما أمر و فهمنا لهذا الخطاب بواسطته .

أما جعل العقل حكماً على الاحكام الشرعيه أو تقديمه على الشرع فهو الانحراف الفكري إن لم أقل الانتكاس الفكري لوظيفة العقل

وما نراه اليوم من ترجمة لكتب تتحدث عن العقيده والاخلاص والخلق وطراز العيش فانه مخالف لشرعنا بل ومشكك في عقيدتنا وهذا لايجوز لنا فعله او المساعده على فعله .

فكتاب أصل الأنواع لداروين ، أو رأس المال لكارل ماركس ، أو الحضارة الإسلامية في القرن الرابع من وجهة نظر المستشرقين ، أو غيرها الكثير الكثير من قصص آنست همنجواي أو البرتومورافيا أو البيركامي أو سيمون ديبغوار ، كلها من نتاج حضارة كافرة لا يجوز لنا أن نتعب أنفسنا بقراءتها أو ترجمتها فضلاً عن أنها تجعل للكافر مدخلاً يدخل به علينا فكرياً، وهذا ما جناه الكافر حين زرع بذوره في أرضنا ؛ فقد أنتج لنا ساطع الحصري و طه حسين و نجيب محفوظ و يوسف السباعي و عباس العقاد و سلمان رشدي و نزار قبّاني و كلهم يحملون بذور الفكر و الحضارة الغربية و مُهدت لهم السُبل و المطابع و الصحف و الإذاعات و التلفزيون حتى لا يكاد يظهر غيرهم فهم الوجه الظاهر للأمة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أمتي كالمطر لا يدرى أولها خير أم آخرها ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

ألعلم ومفهوم " إقْرَأ "

تحية طيبة لكل الاخوة الكرام وابعث برسالة ود عبركم للاخ الكريم سيف الدين عابد وتعقيبا على ما تفضل به عن مفهومنا ل(اقرأ)

((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ))

عن عائشة أنها قالت فيما يرويه البخاري ( أول ما بدئ به الرسول صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح )

حتى جاءه الحق و هو في غار حراء فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني ثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، قلت ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق:5)

إن الآيات الأولى التي نزلت من القرآن في الليلة المباركة قد أمرت بالقراءة مرتين و ذكرت العلم ثلاث مرات و قد توالت الآيات بعد ذلك في ذكر فضل العلم و التعليم و تمجيد العلماء ، و قد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلجأ إلى الله متضرعاً داعياً أن يزيده الله علماً (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(طـه: من الآية114))

و العلم عند المسلمين في أمر الله بـ ( اقرأ ) هو من وسائل تثبيت الإيمان ؛ ذلك أن العلماء هم أشدّ الناس خشية لله في قوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(فاطر: من الآية28) و لا يصل إلى ذروة الإيمان من بني آدم إلا العلماء ، فالله سبحانه و تعالى يقرنهم به و بملائكته في شهادة التوحيد و شهادة التوحيد هي ذروة سنام الإيمان فالقول ( أشهد أن لا اله إلا الله ) هي قمة الإيمان .

و هذه القمة لا يرقى إليها إلا العلماء و في قوله تعالى (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ)(آل عمران: من الآية18)

و هذه مقدمة لنظرة الإسلام للعلم في قوله تعالى ( اقرأ )

العلم و مكانته

قد يظن بعض الناس أن العلم الذي عناه القرآن إنما محصور بعلوم الشريعة فقط و هذا خطأ محض فإنه سبحانه و تعالى حينما ذكر أن العلماء هم الذين يخشون الله لم يحددهم داخل اطار العلم الديني فقط ، اقرأ معي قول الحق (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(فاطر: من الآية28)

ثم إن الله سبحانه قد سخر لنا البحار و الأنهار و الجبال و الشمس و القمر و النجوم و هذا المن منه بالتسخير إنما من أجل أن نصل إلى السيطرة عليها باكتشاف القوانين التي وضعها الله بها حتى تكون الأمة الإسلامية بل الدولة الإسلامية أقوى الدول لأنها التي تحمل رسالة الله إلى البشرية جمعاء . و طلب هذه العلوم واجب على المسلمين وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على طلب العلم حين قال (من سلك طريق يبتغي فيه علما سهّل الله له طريقا الى الجنة ، و إن الملائكه لتضع اجنحتها لطالب العلم رضاً لما يصنع وان العالم ليستغفر له من في السمرات ومن في الارض حيتان في الماء ،و فضل العالم على العابد لفضل القمر على سائر الكواكب . و إن العلماء ورثة الانبياء . وان الانبياء لم يورثوا دينارا ولادرهما انما ورثوا العلم فمن أخذه أخذه بخط وافر) رواه أبو دواود و الترمذي

(بِاسْمِ رَبِّكَ) إن الاتجاه العلمي في الاسلام بدأ في صورة صريحه بـ(اقرأ) و لكن (اقرأ) في الاسلام مشروطه بشرط يوجبه الاسلام بل يحتمه و هي لسيت مطلقة و إنما شرطها و قيدها أن تكون ( باسم ربك ) و هنا تفترق الحضارة الإسلامية و تتميز عن غيرها من الحضارات بل و تفترق حياة المسلمين عن غيرهم و طراز عيشهم عن طراز عيش غيرهم ؛ و ذلك إن كل أمر من أمور المسلم يجب أن يكون داخلاً في اطار ( باسم ربك ) .

فطلب العلم و بواعثه يجب أن تكون ( باسم ربك ) و له أهداف و غايات يجب أن تكون في سبيل الله و الخطاب و اضح (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162)

و كلنا مأمور بأن يُسَيّر أعماله على نهج المصطفى صلى الله عليه و سلم حركة و سكوناً سلباً أو ايجاباً بل يكون مماتنا لله تعالى ، و باسم الله و في سبيل الله فالحياة في جميع مظاهرها يجب أن تكون قراءة ( باسم ربك) (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)(الزمر: من الآية3)) فكل ما لم يكن خالصاً لوجهه الكريم أو كل قراءة لم تكن قراءة باسمه فلا تُعدّ و لا تُعتبر ()لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)(الحج: من الآية37).

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) و نحن بصدد أول آية نزلت و قد و رد فيها ( ربك ) لبيان وجوب الطاعة عند من آمن ، فالقراءة يجب أن تكون باسم ( الربك ) و يجب أن تكون في الإيجاب و السلب و في الحركة و السكون و في النطق و الصمت و في اطار الأوامر و النواهي و الإستجابة و المطلقة حتى تروض نفسك لطاعته .

يتبع