ألمختار من أدبيات ألشيخ جواد عبد المحسن الهشلمون

المراء

جاء في لسان العرب عن المراء: "قَالَ: وأَصله فِي اللُّغَةِ الجِدال وأَن يَستخرج الرجلُ مِنْ مُناظره كَلَامًا وَمَعَانِي الْخُصُومَةِ وَغَيْرِهَا..."، وجاء فيه أيضاً: "ومارَيْتُ الرجلَ ومارَرْتُه إِذا خَالَفْتَهُ وتَلَوَّيْتَ عَلَيْهِ..."، فلا يكون الهدف في المراء معرفة الحق والاهتداء إليه، وإنما الأخذ والرد بغرض الإزعاج و"المناكفة" ونحن في غنى عن ذلك! أخرج الطبراني في الكبير عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ آدَمَ الدِّمَشْقِيِّ، قَالَ، حَدَّثَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ، وأَبُو أُمَامَةَ، ووَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالُوا: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يَوْمًا، وَنَحْنُ نَتَمَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ، ثُمَّ انْتَهَرَنَا، فَقَالَ: «مَهْلًا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، أَخَذُوا الْمِرَاءَ لِقِلَّةِ خَيْرِهِ»، ثم إن المراء عند الشخص دليل عدم انغماسه في العمل الصالح وتلبسه فيه وانشغاله به...، ولو كان جاداً مجداً مجتهداً في عمله، ينتفع بما هو خير في ليله ونهاره، لما وجد وقتاً للمراء. جاء في كتاب حديث الزهري لمؤلفه: عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف العوفي، الزهري، القرشي، أبو الفضل البغدادي (المتوفى: 381هـ) قال: "أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، نا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَفْصٍ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مَالِكٍ يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ الْحَسَنِ، فَسَمِعَ مِرَاءَ قَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا مَالِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مَلُّوا الْعِبَادَةَ، وَبَغَضُوا الْوَرَعَ، وَوَجَدُوا الْكَلَامَ أَخَفَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ"، نعم لو كانوا يعملون بصدق وإخلاص لما وجدوا متسعاً للمراء...

إن كان المراء بمعنى الجدال، فالمراد بالحديث أن الاستمرار فيه بعد بيان الحق وعناد المجادل ليس فيه نفع، مع ضياع الوقت والجهد، قال ابن علان في دليل الفالحين: أي وإن كان ذا الحق في نفس الأمر، وذلك لأنه بعد أن يرشد خصمه إليه ويأبى عن قبوله، وليس من طالبي الاستبصار، فلا ثمرة للمراء إلا تضييع الوقت فيما هو كالعبث.

وقال السندي في حاشيته على ابن ماجه: خوفا من أن يقع صاحبه في اللجاج الموقع في الباطل.

وقال المناوي في فيض القدير: كثرة المخاصمة تفضي غالبا في ما يذم صاحبه.

وإن كان المراد بالمراء: الطعن في كلام غيرك، تحقيرا له، وإظهارا لفضلك، فالمعنى أشد وضوحا، قال الصنعاني في سبل السلام: حقيقة المراء طعنك في كلام غيرك لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه … ولا يكون إلا اعتراضا، وهو قبيح إذا لم يكن لإظهار الحق وبيانه وإدحاض الباطل وهدم أركانه، وأما مناظرة أهل العلم للفائدة، وإن لم تخل عن الجدال فليست داخلة في النهي، وقد قال تعالى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن {العنكبوت: 46} وقد أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا.

ويحتمل أن يكون المراء هنا هو ما يفسد ذات البين من غير مصلحة راجحة، قال الشيخ العباد في شرح سنن أبي داود: يعني المجادلة التي تؤدي إلى الخصومة والشقاق والوحشة، فالإنسان يبتعد عنها حتى تسلم القلوب، وحتى تصفى النفوس.

   قال ابن عبدالبر في كتابه جامع بيان العلم وفضله : ( باب : ما تكره فيه المناظرة والجدال والمراء : قال أبو عمر : الآثار كلها في هذا الباب المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم إنَّما وردت في النهي عن الجدال والمراء في القرآن .

وروى سعيد بن المسيب وأبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : {المراء في القرآن كفر } … والمعنى : أن يتمارى اثنان في آية ، يجحدها أحدهما ويدفعها ويصير فيها إلى الشك ، فذلك هو المراء الذي هو كفر .

وأمَّا التنازع في أحكام القرآن ومعانيه فقد تنازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من ذلك ، وهذا يبيّن لك أن المراء الذي هو الكفر هو الجحود والشك كما قال الله عزوجل { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مّـِنْهُ } الحج 55

والمراء والملاحاة غير جائز شيء منهما ، وهما مذمومان بكل لسان ، ونهى السلف - رضي الله عنهم - عن الجدال في الله جل ثناؤه وفي صفاته وأسمائه ,فعن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{ ما ضلّ قوم بعد هدى إلاَّ لُقِّنُوا الجدل }ثُمَّ قرأ { مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } الزخرف 58 ].

المراء والامتراء والمماراة : المحاجّة فيما فيه مرية .

والمرية : التردد في الأمر والشك فيه ، قال تعالى : { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مّـِنْهُ } [ الحج : 55 ] ، وقال تعالى : { فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّـِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ } [ هود : 109 ] ، وقال سبحانه : { فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّـِن لّـِقَآئِهِ } [ السجدة : 23 ] ، وقال جل وعلا : { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّـِن لّـِقَآءِ رَبِّهِمْ } [ فصلت : 54 ] ومن ذلك قوله تعالى : { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِرًا } [ الكهف 18 ] أي لاتجادل وتحاجج .

وقوله سبحانه { أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى } [ النجم 53 ] أي : أفتجادلونه مجادلة الشاكين المتحيِّرين لا الكائنين على بصيرةٍ فيما تخاصمون فيه .

وقرئ : { أفَتَمْرُونَه } وفُسِّرَت بالجحود ، أي : أفتجحدونه ؟ ) .( قال في إتحاف فضلاء البشر : ( واختُلف في { أفتمارونه } فحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بفتح التاء ، وسكون الميم بلا ألف من { مَرَيْتَه } إذا علمته وجحدته … والباقون بضم التاء ، وفتح الميم وألف بعدها من { ماراه يماريه مراء } جادله ) ا هـ . إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر للعلامة الشيخ أحمد بن محمد البنا ) وقد اختلف العلماء في تأويل حديث{ المراء في القرآن كفر } على أقوال :

يتبع

المراء 2

القول الأول : أن معنى المراء في القرآن : الشك فيه والجحود ، وهذا ما عبّر عنه ابن عبدالبر بقوله : ( والمعنى أن يتمارى اثنان في آية يجحدها أحدهما ويدفعها ويصير فيها إلى الشك ، فذلك المراء الذي هو الكفر … وهذا يبين لك أن المراء الذي هو الكفر هو الجحود والشك كما قال عز وجل : { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مّـِنْهُ }[ الحج : 55 ].

القول الثاني : أن المراد المراءُ في قراءته دون تأويله ومعانيه ، مثل أن يقول قائل : هذا قرآن أنزله الله تبارك وتعالى ، ويقول الآخر : لم ينزله الله هكذا ، فيكفر به من أنكره ، وقد أنزل الله سبحانه كتابه على سبعة أحرف كلها شافٍ وكافٍ ، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضاً يقرؤها ، وتوعدهم بالكفر عليها لينتهوا عن المراء فيه والتكذيب به ؛ إذ كان القرآن منزلاً على سبعة أحرف ، وكلها قرآن منزل يجوز قراءته ويجب علينا الإيمان به .

ويؤيد هذا القول سبب ورود الحديث وهو ما رواه الإمام أحمد عن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ؛ قال هذا : تقليتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال هذا تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : { القرآن يقرأ على سبعة أحرف ، فلا تماروا في القرآن فإن مراءً في القرآن كفر }.

وهذا ما اختاره الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام حيث قال : ( وجه الحديث عندنا ليس على الاختلاف في التأويل ولكنه عندنا على الاختلاف في اللفظ ، على أن يقرأ الرجل القراءة على حرف ، فيقول له الآخر : ليس هكذا ولكنه كذا على خلافه .

وقد أنزلهما الله جميعاً … فإذا جحد هذان الرجلان كل واحد منهما ما قرأ صاحبه لم يؤمن - أو قال : يَقْمَن - أن يكون ذلك قد أخرجه إلى الكفر لهذا المعنى ) .

ثُمَّ ذكر بسنده عن أبي العالية الرياحي أنه كان إذا قرأ عنده إنسان لم يقل : ليس هو كذا ، ولكن يقول : أمَّا أنا فاقرأ هكذا ؛ فلما ذُكر ذلك لإبراهيم ، قال : أراه قد سمع أنه من كفر يحرف فقد كفر به كله .

القول الثالث : أن المراد الجدالُ بالقرآن في الآي التي فيها ذكر القدر والوعيد ، وما كان في معناهما على مذهب أهل الكلام والجدل ، وما يجري بينهم من الخوض في تلك المسائل التي مبناها على الاعتقاد والتسليم .

وأمَّا آيات الأحكام والحلال والحرام فلاتدخل في معنى الحديث ؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تنازعوها فيما بينهم ، وتحاجُّوا بها عند اختلافهم في الأحكام ، ولم يتحرجوا عن التناظر بها وفيها ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ، فعُلم أن النهي منصرف إلى غير هذا الوجه ، والله أعلم .

قال ابن عبدالبر - رحمه الله - : ( وأمَّا التنازع في أحكام القرآن ومعانيه فقد تنازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من ذلك ) .

وقال : ( وأمَّا الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر ؛ لأنه علم يُحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك ، وليس الاعتقادات كذلك ؛ لأن الله عز وجل لا يوصف عند الجماعة أهل السنة إلاَّ بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أجمعت الأمة عليه ، وليس كمثله شيء فيدرك بقياس أو بإمعان نظر ) .

وقال - رحمه الله - : ( وقد أجمع أهل العلم بالسنن والفقه - وهم أهل السنة - على الكف عن الجدال والمناظرة فيما سبيله الاعتقاد مِمَّا ليس تحته عمل ، وعلى الإيمان بمتشابه القرآن والتسليم له ، ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث الصفات كلها وما كان في معناها ، وإنَّما يبيحون المناظرة في الحلال والحرام ومسائل الأحكام ) .

ومِمَّا سبق يعلم أن آيات العقائد - كآيات القدر والوعيد والأسماء والصفات - لايجوز المراء والجدال فيها لأمرين :

أحدهما : أن هذه الآيات سبيلها التسليم والاعتقاد .

الثاني : أن الجدال والمراء فيها يؤدي إلى الانسلاخ من الدين ، بسبب الدخول في مباحث لا يدركها العقل ، والخوض في ذات الله ووصفه بما لا يليق به تعالى .

قال ابن عبدالبر - رحمه الله - : ( قال أبو عمر : وتناظر القوم وتجادلوا في الفقه ونهوا عن الجدال في الاعتقاد ؛ لأنه يؤول إلى الانسلاخ من الدين ، بسبب الدخول في مباحث لا يدركها العقل ، والخوض في ذات الله ووصفه بما لا يليق به تعالى .

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 /2015

إن الولد مبخلة مجهلة مجبنة

 ان القضية التي اريد طرحها هي سؤال لكل اب (كم ياخذ ولدك من تفكيرك ,وكم تاخذ انت من تفكيره..؟؟) فيشاهد أن الرجل متى رزق أولادا من ذكور أو إناث فإنه ينشغل بشأنهم ، ويهتم بتحصيل الرزق ، ويسعى في جمع المال ، ويكدح ويشقى في الطلب والتكسب ، وينشغل بذلك عن التعلم والتفقه ، ويؤثر البقاء والمقام معهم أو بقربهم ، ولو فاتته الفضائل والأعمال الصالحة ، فقد روى الترمذي عن عمر بن عبد العزيز قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم قالت: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول: إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون ، وإنكم لمن ريحان الله) قال الترمذي : " لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا من خولة " أي: فهو منقطع ، لكن عمر جزم به ، وقد لقي في المدينة من روى عن خولة يقينا ، ومعناه أن محبة الولد تحمل أباه على البخل بالمال ، والحرص على جمعه؛ ليخلفه لولده ، أو لينفقه عليه في حياته ، وكذا على الجبن الذي هو ضد الشجاعة ، فلا يخرج للجهاد خوفا من القتل وضياع أولاده ، فإن خرج لم يكن معه الجرأة على الإقدام ، وكذا على الجهل لإكبابه على التكسب ، والانشغال بالتجارات أو الحرف ، أو الأعمال التي يتحصل منها على المال ، فيبقى على جهله ، ويفوته التعلم والتفقه في الدين . 

وقوله: وإنكم لمن ريحان الله أي: كالريحان الذي هو طيب الريح؛ لأنهم يشمون ويقبلون ، فكأنهم من جملة الرياحين ، فقد روى الترمذي عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه ، وروى الطبراني في الأوسط عن أبي أيوب قال: دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحسن والحسين يلعبان بين يديه ، فقلت: أتحبهما يا رسول الله؟ قال: وكيف لا وهما ريحانتاي من الدنيا أشمهما ، وروى البزار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الولد ثمرة القلب ، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة ، وروى أيضا عن الأسود بن خلف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ حسنا فقبله فقال: إن الولد مبخلة مجهلة مجبنة ، وروى الإمام أحمد عن الأشعث بن قيس قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " هل لك من ولد؟ " قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك ، ولوددت أن مكانه شبع القوم . قال: " لا تقولن ذلك ، فإن فيهم قرة عين ، وأجرا إذا قبضوا ، ثم إنهم لمجبنة محزنة ، إنهم لمجبنة محزنة ، وعن يعلى بن مرة الثقفي قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فضمهما إليه ، وقال: " إن الولد مبخلة مجبنة فهذه الأحاديث وما في معناها تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نبه الأمة على ما هو أمر طبيعي واقعي من أن الآباء في الغالب يتصفون بالجبن والبخل؛ لتأثير محبة الولد ، والشفقة عليه ، فإذا كانت محبة الولد ركيزة في القلب ، وظهر أثرها في العمل ، بشدة الطلب والجمع والتكسب ، ثم الإمساك والتقتير على النفس وعلى الأهل والضيف ، والتوقف عن الإنفاق في وجوه الخير ، فإن من الواجب والمؤكد أن يعنى الوالد بولده في التهذيب والسعي في الإصلاح ، والتعهد في الصغر وبعد الكبر؛ ليكون قرة عين لأبويه ، وتثمر التربية الصالحة بالاستقامة والبعد عن الانحراف والزيغ,حتى اذا انتسب امام قوم ترحموا على والده وصدق الشاعر:

اذا المرء اعيته المروءة يافعا === فمطلبها كهلا عليه ثقيل

ان القضية المهمة في هذا الموضوع هو ليس الانجاب وانما التاديب والتربية فكما زرعت تحصد فلا يكون كل الهم على السعي للجمع لهم ماديا فقط بل لا بد من حسن التاديب.

قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أنت ومالُك لأبيك))؛ حديث صحيحٌ رواه جابر - رضِي الله عنه - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخرجه ابن ماجه.

ورواه أيضًا سمرة وأبو مسعود - رضي الله عنهما - وأخرجه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير"، وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة"، وصحَّحه ابن حجر والألباني.والرواية الأخرى للحديث: ((أنت ومالُك لوالدك، إنَّ أولادكم من أطيَبِ كسْبكم، فكُلُوا من كسْب أولادكم))؛ رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه.

ولهذا الحديث قصَّةٌ مُؤثِّرة وردَتْ في رواية الطبراني والبيهقي لهذا الحديث من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابرٍ - رضِي الله عنه - قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي أخَذَ مالي، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - للرجل: ((اذهَبْ فأتِني بأبيك))، فنزل جبريل - عليه السلام - على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يُقرِئك السلام ويقول لك: إذا جاءَك الشيخ فسَلْه عن شيءٍ قالَه في نفسه ما سمعَتْه أذناه، فلمَّا جاء الشيخ قال له النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما بال ابنك يَشكوك، أتريد أخْذ ماله؟ قال: سَلْهُ يا رسول الله، هل أُنفِقه إلا على إحدى عمَّاته أو خالاته أو على نفسي! فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إيهٍ! دَعْنا من هذا، أخبِرنا عن شيءٍ قُلتَه في نفسك ما سمعَتْه أذناك))، فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يَزال الله يزيدنا بك يقينًا! لقد قلتُ في نفسي شيئًا ما سمعَتْه أذناي فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قُلْ وأنا أسمع))، قال: قلت:

غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا = تُعَلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ

إِذَا لَيْلَةٌ ضَافَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ = لِسُقْمِكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ

كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي = طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنَايَ تَهْمُلُ

تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا = لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ

فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي     =          إِلَيْهَا مَدَى مَا فِيكَ كُنْتُ أُؤَمِّلُ

    جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً     =          كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ

فَلَيْتَكَ إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي         =       فَعَلْتَ كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ

قال: فحينئذٍ أخذ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتلابيب ابنه وقال: ((أنت ومالُك لأبيك)).

وذكر أنَّ رجلاً قال لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: إنَّ أبويَّ بلغا من الكبر أنِّي ألي منهما ما وليا منِّي في الصِّغَر، فهل قضيتهما؟فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم (لا؛ فإنهما كانا يَفعَلان ذلك وهما يُحِبَّان بقاءَك، وأنت تفعَل ذلك وأنت تريدُ موتهما)). كره الزمخشري في “الكشاف”

ان الوالد والوالدة تغمرهما السعادة وهما يشتريان للمولود ما يحتاجه لكف الاذى عنه حين يخرج فضلاته ويتمنيان له طول العمر,وحين تنقلب الصورة ويشتري لاحدهما ما يكف الاذى عنة لا يشعر بالسعادة وانما يقول اللهم عجل بالفرج وارحه او اللهم اختر له,هذا ان لم يقل اكثر.

جواد عبد المحسن

حديث رمضان - 13 /2015

قوة الإرادة وحامل الدعوة

تقول العرب :بمحض إرادته : من تلقاء نفسه / طوعًا / بلا إكراه ،أرادَ يُريد ، أَرِدْ ، إرادةً ، فهو مُريد ، والمفعول مُراد.

أراد اللهُ الشَّيءَ : شاءَه { إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }الحج 14 ,وأراد الشَّيءَ : راده ؛ تمنَّاه ، طلَبه وأحبَّه ورغِب فيه ، وأراد بهذه الكلمات كذا : قصَد بها كذا في قوله تعالى {فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً}البقرة26,ويقول عز وجل(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) الإسراء 18-19).

ان معنى الارادة :انها تصميمٌ واعٍ على أداء فعل معين بقوة وعزم, وضده فاقد الإرادة . فقُوَّة الإرادة هي المثابرة على القيام بعمل ما برغم العوائق والمصاعب التي تعترض القائم بهذا العمل وتذليلها,ويقول في الموسوعة الفلسفية م.روزنتال ب.يودين - ص 15 (أن الطابع الإرادي لفعل ما، يظهر بوضوح شديد حينما يتعين على شخص أن يتغلب على عقبات معينة، خارجية أو داخلية، ليحقق هدفه ,فالارادة هي شعور داخلي, لكن القليل من الناس يستطيع تطبيقه في الواقع وهي احساس رائع لا يشعر به الا الاقوياء).

   ان القوة العسكرية اوالسياسية مثلا لا تنفصل عن إرادة استعمالها ، فقوة الإرادة قوة لها ، وضعف الإرادة ضعف لها (وهذا الامر بالنسبة للفرد او للدولة) . وتضعف إرادة دولة ما في استعمال قوتها العسكرية ضد دولة أقوى منها بكثير ، أو عندما تصل القوة العسكرية لدولتين إلى مأزق ، وذلك عندما يؤدي سباق التسلح بينهما إلى قدرة كل منهما على تدمير الأخرى تدميراً أكيداً وشاملاً . وهنا تبرز أهمية العناصر الأخرى في قوة الدولة ، مثل قوة المبدأ والقوة الاقتصادية والدبلوماسية والأعمال السياسية .

ان الارادة بالنسبة لحامل المبدأ(أي مبدأ)هي المحرك والدافع له لايجاد مبدأه حيا في واقع الحياة, فالارادة المنبثقة عن المبدأ هي التي تضبط ادوات الانسان من سمع وبصر وطريقة عقل للامور وللاحداث ضبطا يتوافق مع مبدأه,وليس هذا فحسب بل صياغة هذه الادوات لتتحمل هذه الاعباء,كالرياضي الذي يروض اعضاءة لتتهيأ للقفز العالي مثلا,لتكون الارادة هي التي توجه الاستطاعة توجيها يتوافق مع الهدف والغاية,فقوة الارادة عند مريدي التغيير هي زادهم في دربهم لشحذ عزيمتهم لتذليل الصعاب(فغير ممكن)ليس في قاموسهم فكيف ان كانوا من المؤمنين بربهم,وهذه احد اهم عوامل استمرار وجودهم وثباتهم.

ان الارادة في الفكر الراسمالي فقد جعلت السيادة للشعب ، والشعب هو الذي يملك الإرادة ، ويملك التقرير ، فيملك التشريع ويملك الحكم . فقالوا أن السيادة للشعب ، فهو الذي يشرع ، وهو الذي يحكم فجعلوا التشريع لمجلس منتخب من الشعب ولكنه لا يشرع وإنما الذي يشرع هو الحاكم  ومجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية هو الذي يحكم, وذلك أن الشعب في أي بلد يقوم جميع أفراده بإيجاد الاتحاد بينهم لإيجاد الإرادة العامة لهم ، وذلك بأن يتعاقد كل فرد منهم مع نفسه بأن يكون للجماعة التي يعيش فيها ، وهذا هو العقد الاجتماعي . وبموجب هذا العقد يتنازل كل فرد تنازلاً كاملاً عن جميع حقوقه للجماعة كلها ، ويسهم كل فرد من الشعب بشخصه وبكل قدرته تحت إدارة الإرادة العامة العليا ، وينتج عن هذا العقد هيئة معنوية جماعية ، هي الهيئة السياسية ، أو هي الدولة ، سواء سميت جمهورية ، أو سميت غير ذلك ، فالديمقراطية تعني أن يكون جميع الناس هم الدولة ، وأن لكل واحد منهم من الحق ما للآخرين في إيجاد الدولة ونصب الحكام ، وسن القوانين وغير ذلك مما يتعلق بالحكم والدولة , فالعقد الذي عقده كل واحد مع نفسه ، تنازل بموجبه عن جميع ما له من حقوق وحريات ، تنازلاً كاملاً للجماعة التي هو منها, إلاّ أن هذه الإرادة العامة هي شيء معنوي ، وحتى يكون قادراً على قضاء مصالحه يختار حكومة تكون القوة التنفيذية . لذلك يكون في الدولة هيئتان : هيئة تشريعية وهي التي تضع القوانين وهيئة تنفيذية وهي التي تختارها هذه الجماعة لتنفذ إرادتها أي  قوانينها,وكذلك الامر بالنسبة للمبدأالاشتراكي من حيث تعلق الارادة به.

يتبع

والنظرة الصحيحة لطبيعة الإنسان هي أنه لديه غرائز وحاجات عضوية تتطلب الإشباع , وبفضل ما وهبه الله من عقل ، صارت لديه الإرادة ليختار الطريقة التي يُشبِع بها غرائزه وحاجاته , فإنْ أشبعها بطريقة صحيحة يَفعل الخير ، وإنْ أشبعها بطريقة خاطئة أو شاذة يَفعل الشر . فالإنسان بذلك مهيَّأ بطبيعته للخير والشر معاً ، وهو الذي يختار الخير أو الشر بإرادته ,في قوله تعالى " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " العنكبوت آية (69) . فيدل على أن مواهب الله لا تعطى جزافاً ، و لا تهبط اعتباطاً ، و إنما هي كِفاء جهاد كريم ، و تضحية غالية ,فالمجاهدة إنما هي ثمرة قوة الإرادة ، و التمرس بالصبر ، و الثبات و الجلد و تحدي المثيرات ، و التغلب على المغريات ، و الوقوف فيها كالصخرة الصماء الراسخة،أمام الريح العاتية.

يقول شارح العقيدة الطحاوية علي بن ابي العز الدمشقي في هذا الموضوع (وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع ، والتمكين وسلامة الآلات - فهي قبل الفعل ، وبها يتعلق الخطاب ، وهو كما قال تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" البقرة : 286فالاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة وتنقسم الاستطاعة إلى قسمين فمنهم من قال (لا تكون القدرة إلا قبل الفعل) وقابلهم طائفة فقالوا (لا تكون إلا مع الفعل) فأن للعبد قدرة(استطاعة) هي مناط الأمر والنهي والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل ، فلا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة, وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع ، والتمكن وسلامة الآلات فقد تتقدم الأفعال . وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران 97 ,فأوجب الحج على المستطيع , وكذا قوله تعالى (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) المجادلة 4 . والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات,وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين (لو استطعنا لخرجنا معكم ) التوبة 43 . وكذبهم في ذلك القول ، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين , وكذلك قوله تعالى ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات) النساء 25 والمراد استطاعة الآلات والأسباب . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب) وإنما نفى استطاعة الفعل معها.

  ان الذي يختبىء خلف ذريعة عجزه وعدم استطاعته ففعله هو الجبن, وإذا كثر الجبناء في أمة أصابها الله بالذل كنتيجة حتمية لهذا الخلق الذميم و الذل هو طريق العبودية والضعف والهوان ، بل انه طريق الموت و الفناء و الزوال ، قال تعالى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ " (البقرة43)والمقصود بالموت هنا الموت المعنوي الذي يذهب بمجد الأمة و شرفها  وهو الذي يمكن غيرها فيها ، فيذيقها لباس الجوع و الخوف ، فحياة الأمة مرهونة بعزتها و شجاعتها ، فإذا انسلخت من معاني الشرف و العزة ، دمر الله عليها ، و سلبها أسمى ما تعتز به,يقول عليه الصلاة و السلام : " إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم "وكما تتمثل العزة في شرف النفس ، و مقاومة الظلم ، تتمثل كذلك في عدم تنازل المرء عن شيء من الدين ، بما فيه من وجوب الولاء لله و الجماعة المؤمنة ,و لهذا فإن الإسلام يوجب على المسلم أن يكون عزيزاً ، يأبى الذل و الهوان و الخنوع,ورحم الله الشافعي و هو يعتز بنفسه  و يفاخر بشجاعته  و لا يبالي بأي شيء من أجل احتفاظه بكرامته :

         أنا إن عشت لست أعدم قوتاً        و إن أنا مت لست أعدم قبراً

     همتي همة  الملوك  و نفسي           نفس حر ترى  المذلة  كفراً

وصدق الله العظيم " وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ"سورة المنافقون (8) ويقول رسولنا الأعظم عليه الصلاة و السلام :" من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا "مجمع الزوائد.

 ان الكفاح السياسي القائم على الفكر انما هو حوار فكر وحوار إرادة، لا بل صراع فكر وصراع إرادة, وقوة الإرادة ليست بأقل أهمية من قوة الفكر، إذ لا جدوى من الفكر إذا لم يحمله أحد للتغيير به، ولا مجال للتغيير إذا كان حامل الفكر ضعيفاً لا ارادة له على التغيير واتخاذ المواقف الصلبة في معترك التحدي، إذ ان من الطبيعي أن يستعمل صاحب السلطان ما لديه من قوة وما يملك من قدرات لشل حركة التغيير وتجميدها بل القضاء عليها واقتلاعها من جذورها بحيث لا تترك أثراً، فيرغِّب ويرهِّب، ويعد ويتوعد، ويستعمل التعذيب والتجويع بل ويتفنن في ذلك، وهنا يبتلى دعاة التغيير وتمتحن إرادتهم، فإن هم وهنوا وضعفوا ذوت دعوتهم واندثرت، وإن هم صمدوا وصبروا فقد بلغوا غايتهم.

يتبع

فأن تكون إرادتك قوية معناه أنك تريد شيئاً وتقرر اختياره وتصر على تنفيذه حتى النهاية كقول الرسول(حتى يظهره الله او تنفرد هذه السالفة) وان تسعى لتغيير الواقع.. تريد ذلك وتنتقل من مجرد الرغبة إلى الإرادة ومن الأرادة إلى التطبيق والاستمرار ومواجهة الصعوبات وتذليلها والمضي في ذلك حتى النهاية.

 ان الحزب هو تكتل يقوم على مبدأ آمن أفراده به يراد إيجاده في المجتمع، وبتعبير آخر يقوم على فكرة يراد إيجادها في المجتمع، فعمل الحزب هو إيجاد الفكرة في المجتمع, والعمل للحزب هو إيجاد أفراد يؤمنون بمبدئه أي يؤمنون بفكرته، لذلك لا قيمة لكثرة عدد الأفراد في قوة الحزب أو ضعفه ولا في قيامه بعمله أو عدم قيامه به، بل الأصل هو وجوده في الأمة، فبقدر وجوده تكون قوته والذي يجعل له وجوداً هو تحركه وارادته الصلبة، فتحركه بارادته هو الذي يدل على قوته .

أما إرادة القوة فليست هي ما يمارسه الفرعون اليوم بالمركز أو بالسيطرة على الآخرين بدوس الناس من أجل أن يكون أقوى اجتماعياً وإدارياً وسياسياً,ومن أجل الحصول على القوة ومزيد من القوة يتجرد من انسانيته فلا يرحم أحداً, كفعل كل الطغاة في التاريخ شرقا وغربا, فلا يختلف الإسكندر عن هتلر ولا هتلر عن نابليون ولا نابليون عن نيرون ولا عن الفراعنة الاقزام في بلادنا.

 ان ارادة القوة عندنا هو توظيفها لحفظ مهابة الامة والدولة,فطلب القوة من الله لنا في قوله(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)الانفال60 فالاعداد مطلوب لايجاد الرهبة عند العدو وليس للبطش والاستبداد ولكن للوصول بالامة الى قمم المنعة والعزة ليقول امير المؤمنين كما قال (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31)النمل,    ورب سائل يسأل هل من الممكن أن تكون قوة الإرادة هي إرادة القوة؟ والجواب نعم. ففي حالة الطغاة فانهم  بإرادتهم القوية ذهبوا إلى أبعد من ذلك وجعلوا  إرادتهم فوق إرادة الشعب بل الغوا ارادته وعلقوها بشخوصهم.. ثم دلسوا عليه وجعلوه يتوهم أنه هو القوي الذي يريد وإذا أراد فلا إرادة لأحد سواه,واما امير المؤمنين فانه يريد القوة لانها حكم شرعي ويطلبها بقوة ارادته ويستمدها من الامة الواثقة به فالامة قوية به وهو قوي بها ولا فصل او انفصال بينه وبينها.      

ان الامة اذا صدقت ذلك المدلس الفرعون واستكانت واستمرأت الجور والظلم حين سرق الطغاة إرادتها وقوتها وثروتها وجيروها لشخوصهم فحالها من السيىء الى الاسوا لا محالة,فواقع افعالهم يقول لكل فرد من الامة لا تنظر لابعد من انفك او الى اعلى لانك لا تستطيع الوصول لان هذا حجمك, وقد علمونا في المدارس البيت الشعري التالي :

ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

لكننا بقوة ارادتنا المبنية على عقيدتنا وكثرة الادلة المتجددة بصدق وسلامة مسيرتنا ودعوتنا وتوكلنا المطلق على ربنا وبشارته ووعده لنا حق لنا ان نقول:

تجري الرياح كما تجري سفينتنا = نحن الرياح ونحن البحر والسفن

ان الذي يرتجي شيئا بهمته = يلقاه لو حاربته الانس والجن

فاقصد الى قمم الاشياء تدركها = تجري الرياح كما رادت لها السفن

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 /2015

ضغان المنافقين

يقول تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج اللّه أضغانهم}29محمد

الاضغان ما يضمر من المكروه,واختلف في معناه، فقال السدي: غشهم,وقال ابن عباس: حسدهم,وقال قطرب: عداوتهم، وأنشد قول الشاعر:

قل لابن هند ما أردت بمنطق ساء الصديق وشيد الاضغانا

وقيل: أحقادهم: أي يعتقد المنافقون أن اللّه لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين.

بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمه ذوو البصائر، وقد أنزل اللّه تعالى في ذلك سورة المنافقين فبين فيها فضائحهم، ولهذا كانت تسمى الفاضحة، والأضغان جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره، وقوله تعالى:{ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ }30 محمد ، يقول اللّه عزَّ وجلَّ: ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عياناً، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين، ستراً منه على خلقه، وحملاً للأمور على ظاهر السلامة، ورداً للسرائر إلى عالمها { ولتعرفنّهم في لحن القول}30 محمد أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها اللّه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، فعن الحسن قال : رأيت عثمان على المنبر قال أيها الناس اتقوا الله فى هذه السرائر فإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول والذى نفسى بيده ما عمل أحد عملا قط سرا إلا ألبسه الله رداء علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر)جامع الاحاديث, وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم خُطْبَةً فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ فِيكُمْ مُنَافِقِينَ فَمَنْ سَمَّيْتُ فَلْيَقُمْ ثُمَّ قَالَ : قُمْ يَا فُلاَنُ ، ثُمَّ يَا فُلاَنُ ، ثُمَّ يَا فُلاَنُ , حَتَّى سَمَّى سِتَّةً وَثَلاَثِينَ رَجُلاً ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ فِيكُمْ ، أَوْ مِنْكُمْ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ قَالَ : فَمَرَّ عُمَرُ عَلَى رَجُلٍ مِمَّنْ سَمَّى مُقَنَّعٍ قَدْ كَانَ يَعْرِفُهُ ، قَالَ : مَا لَكَ ؟ قَالَ : فَحَدَّثَهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم ، فَقَالَ : بُعْدًا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ)رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. . وقوله عزَّ وجلَّ: { ولنبلونكم} أي لنختبرنكم بالأوامر والنواهي { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} ، وليس في تقدم علم اللّه تعالى بما هو كائن شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه، ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا نعلم، أي لنرى.

قال سعود الشريم في تغريدة له على موقع "تويتر: "لا تحزن لأنك رأيت في ديار الإسلام من يشمتون بمسلمين غزاهم عدوهم، بل اسجد شكرا لله إذ فضحهم (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم)"29 محمد. وكتب ايضا: “لا عجب أن تموت غيرة بعض المسلمين، لكن العجب أن يكون الجماد أغير منهم، ففي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي”.

ان الذين رجعوا الى الكفر بعد أن ظهر لهم طريق الحق والهداية ، انما زين لهم الشيطانُ الكفر واغراهم بالنفاق ، ومد لهم في الآمال الباطلة . ولقد جاءهم ذلك الضلال من جيرانهم اليهود من بني قريظة والنضير الذين كرهوا الاسلام والقرآن ورسالة الرسول الكريم . فهؤلاء المنافقون مالأوا اليهود فأطمعهم أولئك ببعض الامر ، والله يعلم اسرار المنافقين .

هذه الحيل وذلك النفاق وان نفعت في حياتهم فلن تنفع آخر الأمر . (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ }50محمد انها خاتمة سيئة ، ومشهد مخيف مفزع .

يتبع

ان هذا الهول الذي سوف يرونه عند الوفاة انما سببُه أنهم اتّبعوا الباطل الذي لا يرضى الله عنه ، وكرهوا الحق الذي يرضاه ، فأبطل أعمالَهم جميعها .

قال ابراهيم بن الاشعث : كان الفضيل بن عياض ، شيخ الحرم واستاذ زمانه ، اذا قرأ هذه الآية بكى وقال : اللهمّ لا تبتلينا ، فإنك اذا بَلَوْتنا فضحْتَنا وهتكتَ أستارنا .

ان من يتامل هذه الآيات الكريمات سيصل الى حقيقة كبيرة وعظيمة الا وهي ان الانسان (المريض) في عقيدته ومنهجه ودينه مهما تستر (زورا) بمنهج الاسلام الحق ودين الصدق الا ان الله سيفضحه لا محالة .

والاعجب من ذلك ان الذي سيفضح هذه الفئة المختبأة وراء عباءة (الوسطية) ومنهج اهل السنة والجماعة وشعارات تستهوي قلوب العامة من الناس هم انفسهم وبلسان حالهم ومقالهم سيكشفهم الله للعامة عاجلا وصدق الله العظيم(وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)محمد. فقد استطاع البعض ان يخترق الاعلام ويظهر للناس بصورة الواعظ المشفق والناصح المحب والحقيقة ان في جنباته منهج ملوث وعقيدة متارجحة فتراه يرتل الآيات ليبكي السامعين ويغرق عينه ليؤثر في المشاهدين ويصرخ بعباراته ليستهوي الحاضرين حتى اذ كسب قلوب الجماهير والتف حوله سفهاء الاحلام في مجالسه الخاصة أخرج عليهم سمومه بعد ان احسنوا فيه الظن.

يقول د. خالد سلطان السلطان (ان من سنن الله الكونية تقديره جل وعلا للابتلاء وانزاله للفتن والمحن ليكتشف الانسان نفسه ويكتشف الناس بعضهم لبعض وهذا مفهوم الآية فالمحن التي تمر علينا تخرج لنا نتيجتين لا ثالث لهما فالاولى تظهر المؤمنون والصابرين لله والمتبعين لشريعة الله وهم الناجون والثابتون والراسخون والذين لا يتلونون او يتغيرون لهوى انفسهم او جماعاتهم واحزابهم.

والنتيجة الثانية رسوب وسقوط من في قلبه مرض ممن أحسنوا التمثيل واجادوا الدور ولعبوه باتقان فتقمصوا الشخصية الوسطية ثم تراهم ينكشفون امام الفتنة والمحنة لتنتهي الاعيبهم ويذهب الله بزيفهم ويظهر الله للناس حقيقتهم.

ومن امثلة هؤلاء المخترقين للاعلام والذين حققوا الصيت العالي والصوت الرفيع وتجمهر حولهم صغار الاسنان وسفهاء الاحلام ,ولما جد الجد واتت لحظة وجوب بيان حكم الله رايتهم يروغون ويلفون ويدورون (فالحمد لله) الذي أخرج أضغانهم وكشف للناس سترهم ليحذر الناس من نتن منهجهم وشر معتقدهم .

وهؤلاء يعلمنا الله - تعالى - مَن هم، ويظهر ما في قلوبهم لنا،فقد أخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً، في الطب وابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله”، ثم قرأ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}، قال: “للمتفرسين”، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله”، وأخرج ابن جرير عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إحذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله”، وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن السني وأبو نعيم عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم”. ، وفي ذلك قوله - سبحانه -: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75].

وفي الحديث: ((لا يُلدغ المؤمنُ من جُحر واحدٍ مرَّتين))الجمع بين الصحيحين.وفي موضوع الحديث فقد قال الربيع عن الشافعي (ولم يؤسر من المشركين سوى أبى عزة الجمحى، وقد كان في الاسارى يوم بدر، فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فدية واشترط عليه الا يقاتله، فلما أسر يوم أحد قال: يا محمد امنن على لبناتي، وأعاهد ألا أقاتلك.فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمدا مرتين. ثم أمر به فضربت عنقه.

وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ؛ لذا قال الله - تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 29 - 31])

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

البركة

معنى البركة: هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء؛ فإنها إذا حلت في قليل كثرته، وإذا حلت في كثير نفع، ومن أعظم ثمار البركة في الأمور كلها إستعمالها في طاعة الله عز وجل, و البركة إذا أنزلها الله عز وجل تعم كل شيء: في المال، والولد، والوقت، والعمل، والإنتاج، والزوجة، والعلم، والدعوة، والدابة، والدار، والعقل، والجوارح، والصديق ولهذا كان البحث عن البركة مهما وضروريا.

**والبركة:**هي النماء والزيادة، حسية كانت أو عقلية، وكثرة الخير ودوامه، يقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له، قال ابن عاشور:“ولعل قولهم: (بارك فيه) إنما يتعلق به ما كانت البركة حاصلة للغير في زمنه أو مكانه، وأما: (باركه) فيتعلق به ما كانت البركة صفة له، و (بارك عليه) جعل البركة متمكنة منه، (وبارك له) جعل أشياء مباركة لأجله، أي بارك فيما له” التحرير والتنوير (ج 5 / ص 33). “والفعل منه: بارك، وهو متعد، ومنه: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ}(8) سورة النمل، ويضمن معنى ما تعدى بعلى، لقوله: وبارك على محمد. و تبارك لازم”. “وهي في الأصل مأخوذة من برك البعير، وهو صدره، ومنه: برك البعير، إذا ألقى بركه على الأرض، واعتبر فيه معنى اللزوم، فقيل: بركاء الحرب وبركاؤها للمكان الذي يلزمه الأبطال، وسمي محبس الماء بركة، كسدرة، ثم أطلقت على ثبوت الخير الإلهي في الشيء كثبوت الماء في البركة” تفسير الألوسي (ج 14 / ص 29). والتبريك الدعاء بذلك، والتبرك استدعاء البركة واستجلابها.

"وطلب البركة لا يخلو من أمرين:

الأول: أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم، مثل القرآن، قال الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}(92) سورة الأنعام، فمن بركته هدايته للقلوب، وشفاؤه للصدور وإصلاحه للنفوس، وتهذيبه للأخلاق، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.

الثاني: أن يكون التبرك بأمر غير مشروع، كالتبرك بالأشجار والأحجار والقبور والقباب والبقاع ونحو ذلك، فهذا كله من الشرك".

ان الله -عز وجل- هو خالق البركة، وهو الذي يبارك في الأشياء، والبركة المضافة لله تعالى نوعان: قال ابن القيم -رحمه الله- في بدائع الفوائد: “فصل البركة المضافة لله: وأما البركة فكذلك نوعان أيضاً: أحدهما: بركة هي فعله تبارك وتعالى، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة على تارة، وبأداة في تارة، والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل كذلك فكان مباركاً بجعله تعالى. والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له -عز وجل- فهو سبحانه المبارك…”.فيكون معنى قول تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ}(1) سورة الفرقان، "تفاعل مطاوع بارك، وهو فعل لا يتصرف، ولم يستعمل في غيره تعالى، فلا يجيء منه مضارع، ولا اسم فاعل ولا مصدر، قال الطرماح:

     تباركت لا معط لشيء منعته =وليس لما أعطيت يا رب مانع

ومعناه: تعاظم، وقيل: تبارك: تقدس، والقدس الطهارة، وقيل: تبارك ارتفع، حكى الأصمعي: تبارك عليكم، من قول عربي صعد رابية، فقال لأصحابه ذلك، أي تعاليت وارتفعت، والمبارك المرتفع، ذكره البغوي.

**وقيل:**معناه ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال، ذكره البغوي أيضاً، وقيل: تمجد، ففي هذه الأقوال تكون البركة صفة ذات. وقيل: معناه أن تجيء البركات من قبله، فالبركة كلها منه، وقيل: تبارك أي باسمه يبارك في كل شيء، وقيل: كثر خيره وإحسانه إلى خلقه، وقيل: اتسعت رأفته ورحمته بهم، وقيل: تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وقيل: تبارك أي البركة تكتسب وتنال بذكره، وقال ابن عباس: جاء بكل بركة. وعلى هذا تكون صفة فعل. وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته وبارك من شاء من خلقه، قال ابن القيم: "وهذا أحسن الأقوال، فتباركه سبحانه، وصف ذات له، وصفه فعل، كما قال الحسين بن الفضل… وقال ابن عطية: معناه عظم وكثرت بركاته ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله سبحانه وتعالى، ولا تتصرف هذه اللفظة في لغة العرب لا يستعمل منها مضارع ولا أمر، قال: وعلة ذلك أن تبارك لما لم يوصف به غير الله لم يقتض مستقبلاً، إذ الله سبحانه وتعالى، قد تبارك في الأزل.

واما فيم تكون البركة فانها تكون في الأمكنة والأزمنة والأشخاص: وكما قيل: إن لله خواص في الأمكنة والأزمنة والأشخاص. فالله -عز وجل- قد يبارك في بعض الأمكنة، ويجعلها مباركة. فبارك سبحانه في المسجد الأقصى وما حوله فقال تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}(1) سورة الإسراء، قال الطبري: “وقوله: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} يقول تعالى ذكره: الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم. لأن البركة لا تفارقه جعلنا الله تعالى في بركاته ونفعنا بشريف آياته”. وبارك سبحانه في أرض الشام، قال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}(71) سورة الأنبياء، قال الألوسي: “والمراد بهذه الأرض أرض الشام، وقيل: أرض مكة، وقيل: مصر، والصحيح الأول، ووصفها بعموم البركة، لأن أكثر الأنبياء عليهم السلام بعثوا فيها، وانتشرت في العالم شرائعهم التي هي مبادىء الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية، ولم يقل: التي باركناها للمبالغة بجعلها محيطة بالبركة، وقيل: المراد بالبركات النعم الدنيوية من الخصب وغيره، والأول أظهر وأنسب بحال الأنبياء عليهم السلام”. وقال ابن عاشور: "و(حول) يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف (حول) إليه. وكون البركة حوله كناية عن حصول البركة فيه بالأولى، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه؛ ففيه لطيفة التلازم، ولطيفة فحوى الخطاب، ولطيفة المبالغة بالتكثير.

يتبع

وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة (حوله) منها: أن واضعه إبراهيم عليه السلام، ومنها: ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل، ثم بحلول الرسول عيسى عليه السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله، ومنها: بركة من دفن حوله من الأنبياء،وأعظم تلك البركات حلول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه ذلك الحلول الخارق للعادة، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم". وقال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} (30) سورة القصص، “وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها، وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه”. ودعا -صلى الله عليه وسلم- للمدينة بالبركة فقال: (اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة)اخرجه البخاري ومسلم. وبارك سبحانه بعض الأزمنة فجعلها مباركة. كليلة القدر، قال -عز وجل-: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}(3) سورة الدخان. يعني: الكتاب أنزلناه في ليلة القدر، وسميت مباركة لما فيها من البركة، والمغفرة للمؤمنين.

وبارك سبحانه في بعض البشر فجعل الأنبياء والمرسلين مباركين. قال تعالى عن نوح: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ}(48)سورة هود. قال البغوي: {وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} البركة ها هنا هي: أن الله تعالى جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة، {وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} أي: على ذرية أمم ممن كان معك في السفينة، يعني على قرون تجيء من بعدك، من ذرية من معك، من ولدك وهم المؤمنون، قال محمد بن كعب القرظي: دخل فيه كل مؤمن إلى قيام الساعة". وقال عن عيسى عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ}(31) سورة مريم، قال الألوسي: “ومعنى إيتائه البركة على ما قيل جعله مباركاً نفاعاً معلماً للخير”. وقيل: “البركة التي جعلها الله لعيسى، أنه كان معلماً مؤدباً حيثما توجه”. وكل مؤمن فيه من البركة بقدر إيمانه، و"البركة المنوطة ببني آدم، وهي البركة التي جعلها الله -جل وعلا- في المؤمنين من الناس، وعلى رأسهم: سادة المؤمنين: من الأنبياء والرسل فهؤلاء بركتهم بركة ذاتية، يعني: أن أجسامهم مباركة، فالله -جل وعلا- هو الذي جعل جسد آدم مباركاً، وغيره من الأنبياء كذلك، جعل أجسادهم جميعاً مباركة، بمعنى: أنه لو تبرك أحد من أقوامهم بأجسادهم، إما بالتمسح بها، أو بأخذ عرقها، أو التبرك ببعض أشعارهم، فهذا جائز؛ لأن الله جعل أجسادهم مباركة بركة متعدية، وهكذا نبينا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.. ذلك أن أجساد الأنبياء فيها بركة ذاتية ينتقل أثرها إلى غيرهم، وهذا مخصوص بالأنبياء والرسل، أما غيرهم فلم يرد دليل على أن من أصحاب الأنبياء والرسل من بركتهم بركة ذاتية، حتى أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر، فقد جاء بالتواتر القطعي: أن الصحابة والتابعين والمخضرمين لم يكونوا يتبركون بأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، كما كانوا يتبركون بشعر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بوضوئه، أو بنخامته، أو بعرقه أو بملابسه، لأن بركة أبي بكر وعمر إنما هي بركة عمل، ليست بركة ذات تنتقل كما هي بركة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولهذا جاء في الحديث.. أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم) رواه البخاري فدل هذا: على أن في كل مسلم بركة… فهذه البركة التي أضيفت لكل مسلم..، هي: بركة عمل، هذه البركة راجعة إلى الإيمان، وإلى العلم، والدعوة، والعمل.. وهذه البركة ليست بركة ذات، وإنما هي بركة عمل.. ولا تنتقل من شخص إلى آخر، وعليه فيكون معنى التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم، والأخذ من علمهم والاستفادة منه وهكذا، ولا يجوز أن يتبرك بهم بمعنى أن يتمسح بهم، أو يتبرك بريقهم… ويكون التبرك شركاً أصغر: إذا كان يتخذ هذا التبرك بنثر التراب عليه، أو إلصاق الجسم به، أو التبرك بعين ونحوها، أسباباً لحصول البركة بدون اعتقاد أنها توصل وتقرب إلى الله، يعني: أنه جعلها أسباباً فقط… وأما إذا تمسح بها كما هي الحال الأولى وتمرغ والتصق بها، لتوصله إلى الله -جل وعلا-، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة".

وبارك في شجرة الزيتون، قال تعالى: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ}(35)سورة النــور، “أي: من زيت شجرة مباركة.. وأراد بالشجرة المباركة: الزيتونة، وهي كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة، لأن الزيت يسرج به، وهو أضوأ وأصفى الأدهان، وهو إدام وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى إعصار، بل كل أحد يستخرجه… وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها”. وبارك في ماء المطر لأن فيه حياة لكل شيء، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا}(9) سورة ق. "عن ميمون بن مهران، قال:"خصلتان فيهما البركة: القرآن والمطر، وتلا: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا}،{وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ}(50) سورة الأنبياء."19. وقال عليه الصلاة والسلام: (البركة في ثلاث: الجماعات والثريد والسحور) حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة وفي رواية: (إن الله جعل البركة في السحور والكيل) أخرجه الطبراني وفي رواية: (إن الله جعل البركة في السحور والجماعة) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن البركة وسط القصعة، فكلوا من نواحيها، ولا تأكلوا من رأسها) أخرجه البيهقي وصححه الالباني وقال عليه الصلاة والسلام: (البركة مع أكابركم) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين .

يتبع

**وجعل بعض الأقوال مباركة:**قال تعالى: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَة}(61) سورة النــور “أي: تحيون أنفسكم تحية، {مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: حسنة جميلة، وقيل: ذكر البركة والطيبة ها هنا لما فيه من الثواب والأجر”. “وقال الضحاك: معنى البركة في تضعيف الثواب”. وجعل الله -عز وجل- فعل بعض الأمور جالبة أو سالبة للبركة. فالإيمان والتقوى يجلب البركة، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ}(96) سورة الأعراف، “يعني: المطر من السماء والنبات من الأرض، وأصل البركة: المواظبة على الشيء، أي: تابعنا عليهم المطر والنبات، ورفعنا عنهم القحط والجدب”. والاجتماع على الطعام جالب للبركة، فعن عمر، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (كلوا جميعاً، ولا تَفَرّقُوا؛ فإن البركة مع الجماعة) أخرجه ابن ماجه.“قال ابن بطال: الاجتماع على الطعام من أسباب البركة، وقد روى أبو داود من حديث وحشي بن حرب رفعه: (اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم). وقال عليه الصلاة والسلام: (البركة في نواصي الخيل) أخرجه البخاري. وكلامه -عز وجل- مبارك أعظم البركة. قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}(155) سورة الأنعام، أي: كثير البركة، حساً ومعنى، لكثرة فوائده وعموم نفعه، أو كثير خيره، دائم منفعته، قال القشيري: مبارك دائم باق، لا ينسخه كتاب”. وقال الألوسي:“لما فيه من الخير الكثير، لأنه هداية ورحمة للعالمين، وفيه ما ينتظم به أمر المعاش والمعاد”. “والقرآن مبارك لأنه يدل على الخير العظيم ، فالبركة كائنة به، فكأن البركة جعلت في ألفاظه، ولأن الله تعالى قد أودع فيه بركة لقارئه المشتغل به بركة في الدنيا وفي الآخرة، ولأنه مشتمل على ما في العمل به كمال النفس وطهارتها بالمعارف النظرية ثم العملية. فكانت البركة ملازمة لقراءته وفهمه..”. وأسماؤه سبحانه وتعالى مباركة. قوله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}(78) سورة الرحمن، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (تبارك اسمك، وتعالى جدك) أخرجه مسلم و"فيه قولان: أحدهما: أن ذكر (الاسم) صلة، والمعنى: تبارك ربك. والثاني: أنه أصل. قال ابن الأنباري: المعنى تفاعل من البركة، أي: البركة تنال وتكتسب بذكر اسمه". فالله هو خالق البركة، والذي تجيء منه البركة، قال عليه الصلاة والسلام: (البركة من الله) أخرجه البخاري.

حكم التبرك بالبشر غير الأنبياء:"من البدع المحدثة التبرك بالمخلوقين، وهو لون من ألوان الوثنية، وشبهة يصطاد بها المرتزقة أموال السذج من الناس، والتبرك: طلب البركة وهي ثبوت الخير في الشيء وزيادته، وطلب ثبوت الخير وزيادته إنما يكون ممن يملك ذلك، ويقدر عليه، وهو الله سبحانه. فهو الذي ينزل البركة ويثبتها، أما المخلوق فإنه لا يقدر على منح البركة وإيجادها، ولا على إبقائها وتثبيتها، فالتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتاً لا يجوز، لأنه إما شرك، إن اعتقد أن ذلك الشيء يمنح البركة، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله. "

اننا حين نتحدث عن البركة فان البعض قد لا يلاحظها او قل لا يلمسها ولا يلاحظ آثارها ونأتي بمثال واضح صريح على ذلك,فان الارانب تلد مرة كل اربعين يوما واقل الولادات اربعة او خمسة,ولو اراد احد ان يصنع وليمة منها لشق عليه ذلك,بينما الضأن والمعز تلد كل عام ولادة لا تتجاوز الثلاثة في الولادة الواحدة ومع ذلك فهي متيسرة وموجودة برغم كثرة ذبحها.

ان ما دفعني لهذا الموضوع هو البركة التي وضعها الله في امة محمد وانزلها عليهم,فبرغم القتل اليومي والقصف والعسف والتنكيل بهم فهي ظاهرة لا يمكن اخفاءها,فاليوم هو 28\7\3014 والقتل مستمر في غزة فلقد تجاوز عدد الولادات اربعة آلاف,وذكرت بعض المصادر ان عدد الحوامل اكثر من اربعين الف حالة,ولعل هذا العدد لا يوجد في المانيا وبريطانيا وفرنسا مجتمعة.

يتبع

كيف نستجلب البركة

أولا: تقوى الله عز وجل مفتاح كل خير، قال تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } [الأعراف:96]، وقال تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب } [الطلاق:3-2] ، أي من جهة لا تخطر على باله.وقيل لأحد الصالحين: إن الأسعار قد ارتفعت. قال: أنزلوها بالتقوى.وقد قيل: ما احتاج تقي قط.

وقيل لرجل من الفقهاء : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب } [الطلاق:3،2]، فقال الفقيه: والله، إنه ليجعل لنا المخرج، وما بلغنا من التقوى ما هو أهله، وإنه ليرزقنا وما اتقيناه، وإنا لنرجو الثالثة: ﴿ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا﴾ [الطلاق:5].

ثانيا: قراءة القرآن: فإنه كتاب مبارك وهو شفاء لأسقام القلوب ودواء لأمراض الأبدان { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } ص:29. والأعمال الصالحة مجلبة للخير والبركة.

ثالثا: الدعاء؛ فقد كان النبي يطلب البركة في أمور كثيرة، فقد علمنا أن ندعو للمتزوج فنقول: « بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير » [رواه الترمذي]، وكذلك الدعاء لمن أطعمنا: « اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم ، وارحمهم »[رواه مسلم]. وغيرها كثير.

رابعا: عدم الشح والشره في أخذ المال: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ.مسند الصحابة في الكتب التسعة.

خامسا: الصدق في المعاملة من بيع وشراء قال : « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما » [رواه البخاري].

سادسا: إنجاز الأعمال في أول النهار؛ التماسا لدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم فقد دعا عليه الصلاة والسلام بالبركة في ذلك : فعن صخر الغامدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « اللهم بارك لأمتي في بكورها » [رواه أحمد] قال: فكان رسول الله إذا بعث سرية بعثها أول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا وكان لا يبعث غلمانه إلا من أول النهار، فكثر ماله حتى كان لا يدري أين يضع ماله.

سابعا: إتباع السنة في كل الأمور؛ فإنها لا تأتي إلا بخير. ومن الأحاديث في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم : « البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه » [رواه البخاري]. وعن جابر بن عبدالله قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلعق الأصابع والصحفة، وقال: « إنكم لا تدرون في أى طعامكم البركة » [رواه مسلم].

ثامنا: حسن التوكل على الله عز وجل {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} الطلاق:3. وقال - صلى الله عليه وسلم « لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا » [رواه أحمد].

تاسعا: استخارة المولى عز وجل في الأمور كلها، والتفويض والقبول بأن ما يختاره الله عز وجل لعبده خير مما يختاره العبد لنفسه في الدنيا والآخرة، عن محمد بن المنكدر عن جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال ويسمي حاجته.الجمع بين الصحيحين.

عاشرا: ترك سؤال الناس؛ عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ عَنْ طَارِقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ كَانَ قَمِنًا مِنْ أَنْ لَا تُسَدَّ حَاجَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَتَاهُ اللَّهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ مَوْتٍ آجِلٍ) قال الشيخ شعيب الأرناؤوط : إسناده حسن » [رواه أحمد].

أحد عشر: الإنفاق والصدقة؛ فإنها مجلبة للرزق كما قال تعالى : { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه } [سبأ:39].وفي الحديث القدسي: قال الله تبارك وتعالى: « يا ابن آدم أنفق، أُنفق عليك » [رواه مسلم].

الثاني عشر: البعد عن المال الحرام بشتى أشكاله وصوره فإنه لا بركة فيه ولا بقاء والآيات في ذلك كثيرة منها { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } [البقرة:276]، وغيرها كثير.

الثالث عشر: الشكر والحمد لله على عطائه ونعمه{ وسيجزي الله الشاكرين }[آل عمران:144]، { لئن شكرتم لأزيدنكم } [إبراهيم:7].

الرابع عشر: أداء الصلاة المفروضة؛ قال تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } [طه:132].

الخامس عشر: المداومة على الاستغفار؛ لقوله تعالى : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } [نوح:10-12].

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

القول الفصل

قوله تعالى: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) } (يونس:94)ذهب الإمام الطبري عند تفسير هذه الآية إلى القول بأن الخطاب في الآية الكريمة موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الخطاب فيها من باب الحقيقة، وليس من باب المجاز؛ ثم وجِّه القول فيما ذهب إليه مستدلاً له -على عادته- بما روي في هذا الشأن من روايات؛ كالمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية، قوله: {فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك} قال: التوراة والإنجيل، الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فآمنوا به.

1- وافترض الطبري هنا سؤالاً، فقال: فإن قال قائل: أَوَ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شك من خبر الله أنه حق ويقين، حتى قيل له: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك}؟ ثم أجاب عن هذا التساؤل، قائلاً: لا، ويؤكد نفي وقوع الشك عنه صلى الله عليه وسلم بما روي في ذلك من آثار؛ كقول سعيد بن جبير، وقد سئل عن قوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} قال: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسأل. وأيضاً بما روي عن قتادة في الآية نفسها، قال: ذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أشك، ولا أسأل.

وبعد أن ساق الطبري الروايات التي تؤيد ما ذهب إليه، نراه يجيب على التساؤل الذي قد يعرض للناظر في هذه الآية، والمتعلق بوقوع الشك من النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرر في ذلك أن الكلام في الآية جار على حسب أسلوب كلام العرب، وبما يوافق معهودهم ومعتادهم؛ وبيان هذا أن من معهود العرب في كلامها أن يقول السيد لمملوكه: (إن كنت مملوكي، فانته إلى أمري) والعبد المأمور بذلك، لا يشك سيده القائل له ذلك، أنه عبده. كذلك قول الرجل منهم لابنه: (إن كنت ابني فبرني) وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه. ويعقب على ما قرره بالقول: إن ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم. ثم يأتي بشواهد من القرآن الكريم تدعم هذا الأسلوب المعهود في كلام العرب؛ كقوله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} (المائدة:116) والله يعلم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك فهذه الآية الكريمة هي على نسق الآية التي معنا.

2- ان المسلم مؤمن بقضاء الله ايمانا راسخا لا تزعزعه الظروف والاوضاع والاحوال وان الله عز وجل مؤيده وناصره,وحتى بينه وبين نفسه لا يشك للحظة في هذا الامر وصدق الله العظيم(وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا(122)النساء.

3- اما الامر التالي فهو ان الفرج واليسر والسعة وكل ما يدور ضمن هذه الدائرة فلا يوصف الحال بانه فرج الا بعد شدة ولا يوصف اليسر الا بعد عسر ,فلا يتميزالحلو بانه حلو الا بعد مرار .

4- ان المطلوب الاساسي من المسلم هو التعلق بحبال الله تعلقا عقائديا وادراكه بانه بمعية الله .وهذا ما فهمه الاوائل من الصحابة في غزوة الخندق ففي هذه الاحوال من الخوف الشديد وهذا الوضع الذي عانى منه المسلمون من شدة الضيق وهم في الخندق قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم(إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأصفر)سنن الترمذي,وخلاصة القول ان الاعتقاد بنصر الله اوضح مما تراه العين,والعقيدة مقدمة على البصر.

5- ان المسلم مسؤول عن عمله وتقيده بامر الله ونهيه حين قيامه بالعمل ,وهو غير مسؤول عن النتائج مطلقا ,فالنتيجة بيد الله ولا دخل للمسلم بها فاعتقاده ان الله هو الناصر والرازق واي خلل او موقف يخالف هذه العقيدة زلل.

ان المسلم هوالذي استخلفه الله وهو من الامة الوسط الممدوحة من الله عز وجل(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)البقرة143 وهذه منزلة كريمة اعز الله بها كل مؤمن فلا يصح له ان يذل نفسه بعد ان اكرمه الله,فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم( لا ينبغي للمؤمن ان يذل نفسه)المعجم الاوسط,فاذا وصفه غيره بانه مستضعف فلا يعني ذلك انه كذلك ,وصدق الله العظيم(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76)الاعراف فلم يكن جوابهم ينم عن ضعف او انهزام بل بكل ثقة واطمئنان(إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ),فالوصف جاء من المستكبر أي مستكبر في أي وقت فهو لا يرى غيره او لا يكاد .

ان وضع الذين آمنوا في مكة كان صعبا والمستكبرون تجاوزوا كل حد,وكان الرجل يدخل في جوار يحميه وكان عثمان بن مظعون قد دخل فى جوار الوليد بن المغيره ولما رأى ما يفعل بالمسلمين من الاذى قال والله ان غدوى ورواحى امنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل دينى يلقون من الاذى فى الله مالا يصيبنى لنقص كبير فمشى الى الوليد فقال يا أبا عبدشمس وفت ذمتك وقد رددت اليك جوارك قال له يا ابن أخى لعله اذاك أحد من قومى وأنت فى ذمتى فأكفيك ذلك قال لا والله ما اعترض لى أحد ولا اذانى ولكن أرضى بجوار الله عز وجل وأريد أن لا أستجير بغيره قال انطلق الى المسجد فاردد الى جوارى علانية كما أجرتك علانية فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد هذا عثمان قد جاء يرد على جوارى فقال عثمان صدق وقد وجدته وفيا كريم الجوار ولكنى لا أستجير بغير الله عزو جل قد رددت عليه جواره فقال الوليد أشهدكم أنى برىء من جواره الا أن يشاء ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك فى مجلس من قريش ينشدهم قبل اسلامه فجلس عثمان معهم فقال لبيد: (ألا كل شىء ما خلا الله باطل) فقال عثمان صدقت فقال لبيد (وكل نعيم لا محالة زائل) فقال عثمان كذبت نعيم الجنة لا يزول فقال لبيد يا معشر قريش ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم فقال رجل من القوم ان هذا سفيه فمن سفاهته فارق ديننا فلا تجدن فى نفسك من قوله فرد عليه عثمان فقام ذلك الرجل فلطم عينه والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان فقال أما والله يا ابن أخى كانت عينك عما أصابها لغنية ولقد كنت فى ذمة منيعة فخرجت منها وكنت عن الذى لقيت غنيا فقال عثمان رضى الله تعالى عنه بل كنت الى الذى لقيت فقيرا والله ان عينى الصحيحة التى لم تلطم لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها فى الله عز وجل ولى فيمن هو أحب الى منكم أسوة وانى لفى جوار من هو أعز منك.

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

شعائر الله

الشعائر: جمع شعيرة، وهي المعالم التي جعلها الله لعباده لينالوا ثوابه بتعظيمها، فالإحرام شعيرة، والتكبير شعيرة، والطواف شعيرة، والسَّعْي شعيرة، ورمْي الجمار شعيرة وحرمة المسلم وعرضه وماله وعدم اهانته …إلخ هذه أمور عظّمها الله، وأمرنا بتعظيمها .

وتعظيم الشيء أبلغ وأشمل من فِعْله، أو أدائه، أو عمله،فالفقير يعظم الزكاة وان لم يفعلها وغير المستطيع يعظم الحج وان لم يفعله, وتعَظَّيم الشعائر يعني تأديتها بحبٍّ واقبال وإخلاص، وجاء بها على الوجه الأكمل { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } الحج: 32,والشعائر : جمع شعيرة وهي المعلم الواضح, مشتقة من الشعور . وشعائر الله : لقب لمناسك الحج . جمع شعيرة بمعنى : مشعرة بصيغة اسم الفاعل أي معلمة بما عينه الله . فمضمون جملة ومن يعظم شعائر الله أخص من مضمون جملة ومن يعظم حرمات الله وذكر الأخص بعد الأعم للاهتمام ، أو بمعنى مشعر بها ، فتكون شعيرة فعيلة بمعنى مفعولة لأنها تجعل ليشعر بها الرائي .

فكل ما أمر الله به (بزيارة أو بفعل) فهو من شعائر الله ، أي مما أشعر الله للناس وقرره وشهره ؛ ومنها معالم الحج : الكعبة ، والصفا والمروة ، وعرفة ، والمشعر الحرام ، ونحوها من معالم الحج,وكذلك الاذان واقامة الصلاة وعدم استقبال او استدبار الكعبة اوبيت المقدس حين قضاء الحاجة,وتقديم او تأخير دخول بيت الراحة مع رفع الاذان,وعدم اشتغال القلب في الصلاة,ونحو ذلك, وتطلق الشعيرة أيضا على بدنة الهدي قال تعالى (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) لأنهم يجعلون فيها شعارا,فلا نعظم البدن لذاتها وانما التعظيم لشعائر الله يعني لاوامره .

ومثالنا في ذلك: خليل الله إبراهيم، عندما أمره الله أنْ يرفع قواعد البيت: كان يكفيه أنْ يبني على قَدْر ما تطوله يده، وبذلك يكون قد أدّى ما أُمِر به، لكنه عشق هذا التكليف وأحبَّه ووضع حجراً على حجر ليقف عليه، ويرفع البناء بقدر ما ارتفع إليه فمحبة أمر الله مَرْقى من مراقي الإيمان، نسموَ إليه في كل عمل,فالهدف أنْ نؤدي التكاليف بحُبٍّ وعِشْق يُوصِّلنا إلى حب الله عز وجل؛ لذلك نجد من أهل المعرفة مَنْ يقول: رُبَّ معصية أورثتْ ذلاً وانكساراً خَيْر من طاعة أورثت عِزاً واستكباراً.

ان هذه المحبة للتكاليف عبَّر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: " وجُعلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة "رواه أحمد ، والنسائى لذلك نَعَي القرآن على أولئك الذين{ إِذَا قَامُوغ¤اْ إِلَى ظ±لصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىظ° يُرَآءُونَ ظ±لنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ظ±للَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}لنساء: 142وابنته فاطمة - رضي الله عنها - كانت تجلو الدرهم وتلمعه، فلما سألها رسول الله عما تفعل، قالت: لأنني نويتُ أنْ أتصدَّق به، وأعلم أنه يقع في يد الله قبل أنْ يقع في يد الفقير. هذا هو التعظيم لشعائر الله والقيام بها عن رغبة وحب.

فإذا ورد الأمر من الله وثبت نأخذه على الرَّحْب والسِّعَة دون جدال ولا مناقشة، وكيف نناقش أمر الله ونحن نعظِّمه؟ ومن هنا نقول للذين يناقشون في أمور فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل تعدُّد زوجاته مثلاً ويعترضون، بل ومنهم مَنْ يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يليق نقول لهم ما دُمْتُم آمنتم بأنه رسول الله، فكيف تضعون له موازين الكمال من عند أنفسكم وتقولون كان ينبغي أنْ يفعل كذا ولا يفعل كذا, وهل عندكم من الكمال ما تقيسون به فِعْل رسول الله…؟ فأن الكمال منه صلى الله عليه وسلم ومن ناحيته لا من ناحيتكم.

ثم يقول سبحانه: { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ظ±لْقُلُوبِ } [الحج: 32] ليست من تقوى الجوارح، بل تقوى قلب لا تقوى قالب، فالقلب هو محلُّ نظر الله إليك، ومحلُّ قياس تعظيمك لشعائر الله,أنْ الفرق شاسع واسع بين اخضاع القلب واخضاع القالب,والله عز وجل لم يرد ان يُخضِع قوالبنا، إنما يريد أنْ يُخضع قلوبنا، ولو أراد سبحانه أنْ تخضع القوالب لخصعتْ له راغمة، كما جاء في قوله تعالى:{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }الشعراء34فأنت تستطيع أنْ تُرغِم مَنْ هو أضعف منك على أيِّ شيء يكرهه، إنْ شئتَ سجد لك، لكن لا تملك أنْ تجعل في قلبه حباً أو احتراماً لك، لأنك تجبر القالب، أمّا القلب فلا سلطةَ لك عليه بحال.

أن معنى شعائر الله هو كل أوامر الله وما فرضه الله على البشر،نؤديها ونعظمها لانها من الله,وقد وردت عبارة شعائر الله في القرآن في مواضع:

1- من سورة الحج (ذَظ°لِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ï´؟ظ£ظ¢ï´¾ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىظ° أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ï´؟ظ£ظ£ï´¾),ويفهم بوضوح أن شعائر الله فيها منافع للناس ثم محلها إلى البيت العتيق، فالأمر يتعلق هنا بالحج وهو ما يدل عليه سياق النص الكامل، والتي فيها منافع للناس ،.

ويؤيد المفهموم السابق لشعائر الله ما ورد أيضاً في قوله تعالى(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّـهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَظ°لِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ï´؟ظ£ظ¦ï´¾ لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـظ°كِن يَنَالُهُ التَّقْوَىظ° مِنكُمْ كَذَظ°لِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىظ° مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ï´؟ظ£ظ§ï´¾) سورة الحج ,فواضح من النص السابق أن شعائر الله هى أنواع من بهيمة الأنعام التي تُعد للذبح في وقت الحج، والبُدن أحد أنواع بهيمة الأنعام، أو هى البدين أي السمين من هذه الأنواع.

(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّـهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّـهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ï´؟ظ،ظ¥ظ¨ï´¾ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىظ° مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـظ°ئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ï´؟ظ،ظ¥ظ©ï´¾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـظ°ئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ï´؟ظ،ظ¦ظ*ï´¾) سورة البقرة, فإن الصفا والمروة هما أيضاً من شعائر الله وهما مكانين امر الله بتعظيمهما.

وعودة إلى عبارة شعائر الله فقد جاءت في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّـهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ï´؟ظ،ï´¾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّـهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا غ? وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىظ° وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ï´؟ظ¢ï´¾) سورة المائدةفهذه امر وبعدها النهي في قوله تعالى(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)المائدة5 وهنا يتحدث النص عن بعض ما أمر الله المؤمنين أن ينتهوا عنه كونها من شعائر الله، وكذلك عدم استحلال شعائر الله وعدم إستحلال صيد البر في الشهر الحرام.

ان من مقتضيات تعظيم شعائر الله عدم تعظيم شعائر غير الله,فان لابليس ايضا شعائر وللشيطان شعائر وللاهواء شعائر,وكلها لا يحل لمسلم تعظيمها,فقانون الكفر لا نعظمه ولا نعظم شعائره كاعياد الاستقلال والجلوس على العرش ومولد او وفاة الزعيم,واعياد الميلاد من شعائر الشيطان فلا نعظمها,كعيد الام ويوم الشجرة وعيد الحب واشباهها.

وكذلك المعاهدات التي افرزتها اتفاقات سايكس بيكو او كامب ديفد او اوسلوا او وادي عربة لكونها شعائر للشيطان يريد اخضاع المسلمين بها واذلالهم

محمد بن القاسم

بطل من أعظم الأبطال في التاريخ الإسلامي، هو فاتح بلاد السند والبنجاب، وقد أودع الله بين جنبيه نفسًا بعيدة المطامح عالية الهمة لخدمة الإسلام.

ولد محمد بن القاسم الثقفي سنة 72هـ بمدينة الطائف في أسرة معروفة، فقد كان جدّه محمد بن الحكم من كبار ثقيف. وفي سنة 75هـ صار الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا عامًّا على العراق والولايات الشرقية التابعة للدولة الأموية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فعيّن الحجاج عمّه القاسم واليًا على مدينة البصرة، فانتقل الطفل محمد بن القاسم إلى البصرة. ولما شيد الحجاج مدينة واسط وصارت معسكرًا لجنده الذين يعتمد عليهم في الحروب، وامتلأت بسكانها الجدد، وفيها نشأ وترعرع محمد بن القاسم الثقفي وتدرب على الجندية والفروسية، فلُقّن فنون الحرب وأساليب القتال حتى أصبح من القادة المعروفين وهو لم يتجاوز بعد 17 عامًا من العمر.

 لقد بدت على محمد بن القاسم الثقفي أمارات النجابة والشجاعة وحسن التدبير في الحرب منذ نعومة أظفاره؛ مما جعل الحجاج بن يوسف الثقفي يعينه أميرًا على ثغر السند وهو لم يتجاوز 17 عامًا، وكان محمد بن القاسم راجح الميزان في التفكير والتدبير، وفي العدل والكرم، إذا قورن بكثير من الأبطال، وهم لا يكادون يبلغون مداه في الفروسية والبطولة، ولقد شهد له بذلك الأصدقاء والأعداء، وقد سحر الهنود بعدالته وسماحته، فتعلقوا به تعلقًا شديدًا.

 وكان من دأب محمد بن القاسم الثقفي أن يجنح إلى الصلح والسلم ما وسعه ذلك، وقد أوصاه بذلك الحجاج بن يوسف الثقفي: "إذا أردت أن تحتفظ بالبلاد فكن رحيمًا بالناس، ولتكن سخيًّا في معاملة من أحسنوا إليك، وحاول أن تفهم عدوك، وكن شفوقًا مع من يعارضك، وأفضل ما أوصيك به أن يعرف الناس شجاعتك، وأنك لا تخاف الحرب والقتال".

 وكان محمد بن القاسم يتصف بالتواضع الرفيع، فكان في جيشه من يكبر أباه سنًّا وقدرًا، فلم تجنح نفسه معهم إلى الزهو والمباهاة، ولكنه لم يكن يقطع أمرًا إلا بمشورتهم، بَنَى المساجد في كل مكان يغزوه، وعمل على نشر الثقافة الإسلامية مبسطة ميسرة.

 ان أعمال القرصنة البحرية التي كان يقوم بها الهنود حيث يذكر البلاذري أن البوارج الهندية قد استولت على سفينة كانت تحمل نساء مسلمات أرسلهن ملك جزيرة الياقوت هدية إلى الحجاج بن يوسف فنادت امرأة من تلك النسوة وكانت من يربوع : يا حجاج وبلغ الحجاج ذلك فقال : يا لبيك فأرسل إلى داهر يسأله تخلية النسوة . فقال أخذهن لصوص لا أقدر عليهم, لذلك أرسل الحجاج بن يوسف عبيد الله بن نبهان إلى الديبل "كراتشي اليوم" فقتل, فكتب إلى بديل بن طهفة البجلي وهو بعمان يأمره أن يسير إلى الديبل, لكن الهنود استطاعوا محاصرته وقتله أيضا.

 تبدّى للحجاج مدى الإهانة التي تلحق بهيبة المسلمين وخطورتها إن هو سكت على هذا الأمر, فاختار محمد بن القاسم وكان بفارس, وكان قد أمره أن يسير إلى (الريّ), فردّه إليه, وعقد له ثغر (السند), وضمّ إليه ستة الآف من جند أهل الشام, وجهّزه بكلِّ ما احتاج اليه - حتى الخيوط والإبر والمال- وأمره أن يقيم بشيراز حتى يكمل حشد رجاله ويوافيه ما أعدّ له واهتمّ الحجاج اهتماما بالغاً في إنجاز كل ما يحتاج اليه جيش محمد بن القاسم حتى بلغ بذلك حدّ الروعة حقاً فلم ينس أصغر التفاصيل الإدارية لإكمال احتياجات هذا الجيش, حتى إنه عمد إلى القطن المحلوج فنُقع في الخل الأحمر الحاذق, ثم جُفِّف في الظل وقال لهم : إذا صرتم إلى (السِّند) فإن الخل بها ضيِّق, فانقعوا هذا القطن في الماء, ثم اطبخوا به واصطبغوا . ويقال : إن محمداً لما صار إلى ثغر السِّند, كتب يشكو ضيق الخلِّ عليهم, فبعث الحجاج إليه بالقطن المنقوع في الخل.

المعارك التي خاضها محمد بن القاسم :

 مضى محمد إلى مكران فأقام بها أياماً, ثم أتى فنزبور ففتحها, ثم أتى (أرمائيل ففتحها أيضا, فقدم (الديبل) كراتشي يوم جمعة, فوافته هناك سفنه التي كانت تحمل الرجال والسِّلاح والعتاد والمهمات, فخندق حيث نزل (الديبل) وأنزل الناس منازلهم ونصب منجنيقاً يقال له (العروس), الذي كان يعمل لتشغيله خمسمائة من الرجال ذوي الكفاية المدربين على استخدامه, فدكّ بقذائفه معبد الهنادكة الأكبر (البد), وكان على هذا البد دقل عظيم وعلى الدقل راية حمراء إذا هبّت الريح أطافت المدينة, وحاصر محمد الديبل وقاتل حماتها بشدّة, فخرجوا إليه, ولكنه هزمهم حتى ردهم إلى البلد, ثم أمر بالسلالم فنصبت وصعد عليها الرجال, وكان أولهم صعوداً رجل من بني مراد من أهل الكوفة ففتحت المدينة عنوة ولكنّ عامل (داهر) ملك السند عليها هرب عنها, فأنزل فيها محمد بن القاسم أربعة الآف من المسلمين وبنى عليها جامعها, فكان أول جامع بني في هذه المنطقة, وسار محمد عن الديبل إلى النيرون, وكان أهلها بعثوا إلى الحجّاج فصالحوه, فلقوا محمداً بالميرة وأدخلوه مدينتهم ووفوا بالصلح, وسار محمد عن (نيرون) وجعل لا يمر بمدينة إلاَّ فتحها حتى عبر نهراً دون "مهران"نهر السند, فأتاه أهل (سربيدس), وصالحوه ففرض عليهم الخراج وسار عنهم إلى (سهبان) ففتحها ثم سار إلى نهر (مهران) فنزل في وسطه, وبلغ خبره (داهر) فاستعدّ لمجابهته, وبعث محمد إلى (سدوستان), فطلب أهلها الأمان والصلح, فأمنهم محمد وفرض عليهم الخراج أيضا.

يتبع

على فراش الموت

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)ق

فهذا ما تيسر جمعه من على فراش الموت لمن سبق تذكرة لنفسي أولا و لإخواني فان القلوب مع تسارع الاحداث وضغوط الحياة وثقل التزاماتها وكثرة اشغالها ومشاغلها تكاد في زحمة هذه الامور لا تتفكر او تنشغل بما بعدها لانشغالنا بما فيها فكان هذا الموضوع لآخر دقائق عهدنا بهذه الدنيا لنأخذ منها العظة .. و لنتذكر حقيقة هذه الدنيا ونسأل الله العظيم ان يعيننا عليها وان يثبتنا وان يرحمنا فهي كما قال شوقي:

لها نظر القيان الى غبي = ولي نظر الذكي اذا تغابى

وجاءت سكرة الموت بالحق أي : غمرته وشدته ; فالإنسان ما دام حيا تكتب عليه أقوال وأفعال ليحاسب عليها ، ثم يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله تعالى وعده وأوعده . وقيل الحق هو الموت سمي حقا إما لاستحقاقه وإما لانتقاله إلى دار الحق ; فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره وجاءت سكرة الحق بالموت ، وكذلك في قراءة أبي بكر وابن مسعود رضي الله عنهما ; لأن السكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين . وقيل : يجوز أن يكون الحق على هذه القراءة هو الله تعالى ; أي : جاءت سكرة أمر الله تعالى بالموت. وقيل : الحق هو الموت والمعنى وجاءت سكرة الموت بالموت.  لما احتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة فلما دخلت عليه قالت كما قال الشاعر:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

فقال أبو بكر هلا قلت كما قال الله : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد . والسكرة واحدة السكرات, وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة - أو علبة - فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء ، فيمسح بهما وجهه ويقول(لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول : في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده) خرجه البخاري وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال)إن العبد الصالح ليعالج الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة) القشيري في الرسالة - عن إبراهيم بن هدبة عن أنس.

لما احتضر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه حين وفاته قال لعائشة :    انظروا ثوبي هذين , فإغسلوهما و كفنوني فيهما , فإن الحي أولى بالجديد من الميت

و أوصى عمر رضي الله عنه قائلا : إني أوصيك بوصية إن أنت قبلت عني : إن لله عز و جل حقا بالليل لا يقبله بالنهار , و إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل , و إنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة , و إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه في الآخرة بإتباعهم الحق في الدنيا , و ثقلت ذلك عليهم , و حق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا , و إنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم الباطل , و خفته عليهم في الدنيا و حق لميزان أن يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا    ولما طعن, جاء عبدالله بن عباس , فقال  يا أمير المؤمنين , أسلمت حين كفر الناس وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس, وقتلت شهيدا و لم يختلف عليك اثنان و توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو عنك راض .

فقال له : أعد مقالتك فأعاد عليه , فقال المغرور من غررتموه والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس أوغربت لافتديت به من هول المطلع, وقال عبدالله بن عمر كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه, فقال ضع رأسي على الأرض فقلت ما عليك كان على الأرض أو كان على فخذي  فقال لا أم لك , ضعه على الأرض فقال عبدالله فوضعته على الأرض فقال  ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي عز و جل.

أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه و أرضاه قال حين طعنه الغادرون و الدماء تسيل على لحيته لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين, اللهم إني أستعديك و أستعينك على جميع أموري و أسألك الصبر على بليتي, ولما إستشهد فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقا مقفلا  ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوبا عليها (هذه وصية عثمان)

                          بسم الله الرحمن الرحيم .      

عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و أن الجنة حق  و أن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد عليها يحيا و عليها يموت و عليها يبعث إن شاء الله .

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن طعن رضي الله عنه قال ما فعل بضاربي قالوا  أخذناه قال أطعموه من طعامي , و اسقوه من شرابي  فإن أنا عشت رأيت فيه رأيي و إن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها, ثم أوصى الحسن أن يغسله و قال لا تغالي في الكفن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول (لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا)السنن الكبرى والصغرى للبيهقي،  وأوصى إمشوا بي بين المشيتين لا تسرعوا بي , و لا تبطئوا , فإن كان خيرا عجلتموني إليه , و إن كان شرا ألقيتموني عن أكتافكم .

معاذ بن جبل رضي الله عنه و أرضاه الصحابي الجليل حين حضرته الوفاة وجاءت ساعة الإحتضار  نادى ربه  قائلا يا رب إنني كنت أخافك , و أنا اليوم أرجوك .. اللهم إنك تعلم أنني ما كنت أحب الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار  وإنما لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق العلم ثم فاضت روحه بعد أن قال لا إله إلا الله.

وقد روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (نعم الرجل معاذ بن جبل) وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال (أرحم الناس بأمتي أبوبكر .... إلى أن قال ... و أعلمهم بالحلال و الحرام معاذ) .

بلال بن رباح رضي الله عنه و أرضاه حينما أتاه الموت قالت زوجته وا حزناه, فكشف الغطاء عن وجهه و هو في سكرات الموت و قال لا تقولي واحزناه , و قولي وا فرحاه ثم قال: غدا نلقى الأحبة ..محمدا و صحبه .

أبو ذر الغفاري رضي الله عنه و أرضاه:فقد روي عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن أم ذر قالت : لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال لي ما يبكيك فقلت و ما لي لا أبكي و أنت تموت بفلاة من الأرض و ليس عندي ثوب يسعك كفنا لي ولا لك و لا بد منه لنعشك قال : فأبشري و لا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيحتسبان فيريان النار أبدأ و إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لنفر أنا فيهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين و ليس من أولئك النفر أحد إلا و مات في قرية و جماعة فأنا ذلك الرجل و الله ما كذبت و لا كذبت فابصري الطريق فقلت : أنى و قد ذهب الحاج و تقطعت الطريق فقال : اذهبي فتبصري قال : فكنت أشتد إلى الكثيب ثم أرجع فأمرضه فبينما أنا و هو كذلك إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تجد بهم رواحلهم قال علي قلت ليحيى بن سليم تجد أو تخب قال : بالدال قالت : فألحت بثوبي فأسرعوا إلي حتى و قفوا علي فقالوا من هو قلت : أبو ذر قالوا : صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قلت : نعم ففدوه بآبائهم و أمهاتهم و أسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فقال لهم أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لنفر أنا فيهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين ما من أولئك النفر رجل إلا و قد هلك في قرية و جماعة و الله ما كذبت و لا كذبت أنتم تسمعون أنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب لي أو لها إني أنشدكم الله ثم إني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو نقيبا و ليس من أولئك النفر إلا و قد قارف ما قال إلا فتى من الأنصار فقال : أن أكفنك يا عم أكفنك في ردائي هذا و في ثوبين في عيبتي من غزل أمي قال أنت فكفني فكفنه الأنصاري في النفر الذين حضروه وقاموا عليه و دفنوه في نفر كلهم يمان)المستدرك

يتبع

مشاهد المنافقين والمؤمنين

في قوله الحق {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }الأعراف51

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( فيلقى العبد فيقول أي فل(تضخيم فلان) ألَم ْ أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل , وأذرك ترأس وتربُع , فيقول بلى( أي رب)… فيقول أفظننت أنك ملاقي…؟؟ فيقول لا …فيقول إني أنساك كما نسيتني…ثم يلقى الثاني فيقول لله ويقول هو مثل ذلك بعينه… ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك…فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصَلَّيتُ وصمتُ وتصدقت ويثني بخير ما استطاع …قال فيقال ها هنا إذأً , ثم يقال له الآن نبعث شاهداً عليك… ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليَّ … فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي… فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه )

قال ابن عباس: يغفر الهف تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم, ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره , فإذا رأى المشركون ذلك قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين , فقال الله تعالى :اما إذا كتموا الشرك فاختموا على أفواههم…فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون, فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا فذلك قوله جل وعلا {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً }النساء42

وفي صحيح مسلم عن شعبة عن محمد (ابن زياد) قال سمعت أبو هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له, وإني أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ) وفي صحيح مسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال( لكل نبي دعوة دعاها لأمته… وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ) وأيضا في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في سورة إبراهيم {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}إبراهيم36 وقال عيسى عليه السلام (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فرفع يديه وقال(أمتي أمتي) وبكى…فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم, فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك وهذا موافق لقوله عز وجل {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى }الضحى5

وفي صحيح مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته, وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة, فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا)

نوح {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ }الأنبياء76

سليمان {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ{35} فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ{36} وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ{37} وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ{38} هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{39}ص35-39

أيوب{ وأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{83} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ{84}الأنبياء83-84

يونس {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{87} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ{88}الأنبياء87-88

زكريا{ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ{89} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}الأنبياء89-90

موسى وهارون{ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ{88} قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ{89}يونس88-89

إن الفكرة التي نحاول فهمها وإيصالها من أن الحبل الموصول بين العبد وربه واجب أن يبقى موصولاً بالتذلل والاحتياج له في كل أمر دق هذا الأمر أو جل في قوله تعالى {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }البقرة152 وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قال:اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي والثانية اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر60 فقد أمر الخلق أن يذكروه راغبين راهبين وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء , فإذا هم أخلصوا بالذكر له في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة العاجلة والآجلة (والثالثة) اذكروني بالثناء والطاعة ,أذكركم بالثناء والنعمة (الرابعة)اذكروني في الدنيا أذكركم بالآخرة(الخامسة)اذكروني في الخلوات أذكركم في الغلوات (السادسة )اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء(السابعة)اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي ( الثامنة)اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي في قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}العنكبوت69 (التاسعة)اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد من الاختصاص( العاشرة) اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية والخاتمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الاقتصاد السياسي والسياسة الاقتصادية

لم يكن نشوء المبدأ الرأسمالي نشوءا مفاجأ بين عشية وضحاها, بل جاء نتيجة إفرازات عديدة أدت بمجملها إلى تبلور عقيدة هذا المبدأ قبل أن يتبلور نظامه…ويمكن لنا أن نوجز هذه الإفرازات مثل ظهور النظريات الفلسفية وحركة الإصلاح الديني ودعاوى الإلحاد وسيطرة الكنيسة والإقطاعيين والظلم على العامة,

وحتى تتضح الصورة…فلقد كانت المؤسسة الكنيسة من الناحية المالية أهم مؤسسة في البلاد ,فهي تملك مثلا ما بين 55 ? 60% من الأرض وأملاكا أخرى تقدر قيمتها في مجموعها بمبلغ يتفاوت بين ( بليوني جنيه وأربعة بلايين جنيه استرليني ذهبي ) سنة 1789م يضاف إلى هذا المبلغ دخله السنوي المقدر ب( 120 ) مليون جنيه و ( 129 ) مليون جنيه عشور تجبى من غلات الأرض … ومع كل ما هو موجود تحت يد الاكليروس والرهبان إلا أن كثراً منهم هجر الرهبنة … ويصف آرثر ينج الوضع فيقول ( إن الحقول مسرح للإدارة المهلهلة… كما إن البيوت شاهد على الفقر المدقع … ومع كل هذا فان هذه البلاد كلها قابلة جداً للتحسن لو عرفوا ما ينبغي ان يصنعوه بها ).

وترافق مع هذا وذاك ظهور الاكتشافات العلمية واكتشاف العالم الجديد والحاجة إلى الأيدي العاملة مما حدا بهم إلى الذهاب إلي شرق إفريقيا وسرقة الناس والاتجار بالرق ففي عام واحد سنه 1788 شحن تجار الرقيق الفرنسيون أكثر من ( 29) إلفا إلى هاييتي فأصبح (30) ألفا من البيض يستخدمون (480) إلفا من السود .

وقد أدى هذا الأمر إلى نشوء ما يسمى بالطبقة البرجوازية وهم طبقة التجار و رجال الأعمال و الصناعيين الذين طالبوا الدول برفع القيود عن العلاقات التجارية و تحت ضغطهم تنازلت الحكومات ولبت كثيرا من مطالبهم مما حسن حركة التجارة ، فمثلا بلغ حجم التبادل التجاري بين فرنسا وبريطانيا في عام 1788م بليون فرنك وكان النهم يزداد يوما بعد يوم صرحت غرفة تجارية تصريحا يعبر عن هذا النهم حين قالت(إن فرنسا تحتاج إلى مستعمراتها لصيانة اقتصادها) ولقد احتاجت المشاريع الصناعية والاستعمارية إلى رأس المال, وولدت سلالة من المصرفيين وعرضت شركات المحاصة السندات وطرحت الحكومة السندات وأسهم القروض وتطورت المضاربة في بيع وشراء السندات المالية …حتى شارك أعضاء الوزارات في المضاربة…فأصبحوا خاضعين لضغط المصرفيين ونفوذهم … وكانت كل حرب تزيد من اعتماد الدولة عليهم … مما أدى إلى إخضاع القرار السياسي لمصلحة رجال الأعمال أو إلى آلهة المال كما يسمونهم …وليس هذا الأمر في أوروبا وحسب بل في الدولة الناشئة حديثا في أمريكا .

لقد أدى هذا التطور في النظام الرأسمالي بعد استقرار عقيدة فصل الدين عن الحياة وتحجيم الكنيسة وعدم تدخلها في القرار السياسي ( الحرب و السلم ) إلى وجود الحاجة للاستعمار لأنه من وجهة نظرهم ? حاجة اقتصادية ? بعد أن كان في أصله حاجة مبدئية أو مصلحة يمليها المبدأ ويصف هذا الأمر ( روبرت كوبر) مستشار توني بلير في السياحة الخارجية فيقول ( الحاجة إلى الاستعمار اليوم ماسة كما كانت في القرن التاسع عشر لحمل مبادئ النظام والحرية والعدالة التي تعتنقها مجتمعات ما بعد الحادثة) .

ولقد نشئ ما يسمى بالمثالية الولسونية ? نسبة إلى(رودو ويلسون الرئيس للولايات المتحدة 27 من سنة 1856 ? 1924 ) , ووجهة نظره هي تفويض نخبة من الوجهاء والأعيان من ذوي المثل العليا سلطة حفظ الاستقرار ووضع الجمهور في مكانه الصحيح… وهذا الانتداب في رؤية السلطة إنهم لفيف من الناس ممن يعون دور الحكومة وهو (حماية الأقلية الثرية من الأغلبية) وهذه المثالية كما يقول ( نعوم تشومسكي ) يمكن تلخيصها بأنه يجب على أمريكا أن تؤدي دورها التاريخي بصفتها الطليعة ، وأن تغير النظام العالمي ومن خلال هذا الإدراك أن تديم هيمنتها عملا بحتمية التفوق العسكري وأن تجعل العالم قاب قوسين أو أدنى من الدمار حتى يمكن لك أن تستثمر هذا الأمر لمصالحك من دون مجازفة وشطب المشاركة السياسية للأكثرية العددية في الداخل من خلال التضخيم الإعلامي للحدث لإسكات المعارضين بتصوير الأمر بأنه تهديد مباشر للأمن في أمريكا وواجب على أمريكا حماية أمنها بالحروب الإستباقية وصناعة الرأي العام إعلاميا , كما حصل مع العراق و الكنغو وكوبا وفي أمريكا الجنوبية بتدبير الانقلابات وفي ملخصه أن العلاقات الخارجية لا تبنى على أساس المصالح المشتركة بين الدول وإنما على أساس إدارة صراعات ويصف هذا الأمر جورج شولتز وزير خارجية رغين 1986م بقوله ( أن التفاوض تعبير ملطف للاستسلام .. إذا لم يسقط ظل القوة على طول طاولة المفاوضات ) ولقد سقط ظل هذه القوة وتمثل بمشروع مارشال لإعمار أوروبا و وصفت(مجلة ترست ويك) تصف مشروع مارشال ( بأنها التعبير الاقتصادي للإطار السياسي الذي أرساه صناع السياسة في حقبة ما بعد الحرب ). بعد انتهاء الحرب وتمثله بقانون ( الإعارة والتأجير) قبل الحرب وابتزاز بريطانيا الحرب اقتصاديا , وبل ويصف أحد خبرائهم السياسة بأنها ظل المشاريع والأعمال الضخمة على المجتمع وهو التسامح مع التغلغل الاقتصادي الأمريكي في أي بلد وعدم التسامح مع أي منافسة ويستشهد بقول( ثوسيديس ) وهو قائد يوناني 460 ? 403 ق.م بقوله ( للأمم الكبيرة أن تفعل ما تشاء وللأمم الصغيرة أن تقبل ما يتوجب عليها فعله ) مثل الاتفاقية الأمنية العراقية أخيرا.

وليس هذا فقط بل كما أن العلاقات الخارجية تخضع لإرادة آلهة المال ومصالحهم فكذالك الأمر الأمر بالنسبة للعلاقات الداخلية حين قال الرئيس الأمريكي ( مديسون ) ( حراسة المصالح العامة من أذى الديمقراطية ) فكانت سياسة التصنت وتقييد الحريات وحماية الاحتكارات وغض الطرف عن إنشاء البنوك الاستثمارية التي لا تخضع للرقابة الحكومية وهذا ما شاهدناه ورأيناه من مسلسل الانهيارات المتلاحقة وحمى الإفلاس الجماعي ، وهذا ما أدى إلى أن نسمع أصواتا تنادي بضرورة التغيير واستبدال هذا النظام الاقتصادي بغيره من النظم لأنه ثبت فشله ولا مجال لإصلاحه و هذا ليس عندهم فحسب بل إنه قد تعداهم حتى وصلنا نحن المسلمين لأننا نحكم بالنظام الاقتصادي الرأسمالي عمليا وفي جميع نواحي حياتنا الاقتصادية .

ألنفاق

إن من قضاء الله على امة الاسلام انه تعالى اختبرها بامر لم يكن موجودا في غيرها من الامم,وما عرفه رسول من الرسل قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم وهذا الامر هو النفاق ,فلم يعرف بل ولم يكن في مكة نفاق ولا منافقون وانما اسلام او كفر ولا بين بين البينين ولا لون بين اللونين بل ترافق وجوده مع وجود الدولة.

فبعد ان انتشر الاسلام في المدينة المنورة واخذ طريقه الى النفوس واصبحت لهذه الدولة الفتية قوة سياسية وعسكرية بدأ النفاق يظهر في المدينة على شكل تكتل وكيان فكري وسياسي, فالمنافقون اظهروا الاسلام خوفا وطمعا وابطنوا الكفر في نفوسهم وكانوا يشكلون قوة حليفة لليهود والمشركين وعنصرا من عناصر التخريب والهدم في المجتمع الاسلامي الوليد. وقد عملوا على اثارة الفتن والخلافات بين المسلمين ونشر الاشاعات والاكاذيب وشن حرب دعائية ونفسية وتجسسية لأضعاف المسلمين وتحجيم انتشار الاسلام.

وقد ذكر القرآن الكريم كثيرا عن النفاق والمنافقين وخطرهما على الاسلام وبنية المجتمع الاسلامي كما تحدث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن ذلك وبذل جهدا مضنياً وحكيما من اجل القضاء عليه ومنعه من تنفيذ المخططات والمؤامرات الهدامة التي كان يعدها ويعمل على تنفيذها. وكان من ابرز قادة النفاق عبدالله بن أبي سلول وقد لعبت هذه الفئة دورا خطيرا في التنسيق والتآمر مع اليهود في المدينة والمشركين في مكة والروم في الشام، كما لعبت دورا خطيرا في التجسس وبث الاشاعات واثارة الفتن وطعن المسلمين من الخلف. ان اخطر ما شنه المنافقون مع حلفائهم اليهود والمشركين ضد الدعوة الاسلامية والدولة الاسلامية وشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، الحرب الدعائية وحرب الاشاعات لاضعاف كيان المسلمين والنيل من قوتهم ووحدتهم وبث الرعب والشكوك وزرع روح الهزيمة في نفوسهم وكانت الاوامر الإلهية {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سُنَّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسُنَّةِ الله تبديلا} (الاحزاب 60 ? 62).

وقد حاول المنافقون شق الصف الاسلامي وتمزيق وحدة المسلمين واثارة الفتن والخلافات والاحقاد القبلية بينهم فقد سجل القرآن الكريم بعض الحوادث الشاهدة على هذا العمل التخريبي الهدام كما في قوله تعالى {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } (المنافقون: 7 و8)

وتحدث القرآن عن النشاط السياسي والتآمري للمنافقين الذي حاولوا التستر عليه واخراجه بصيغة مشروع خيري عبادي فقد اتفق المنافقون على ان يبنوا مسجدا ليتخذوه مركزا للتجمع والتآمر على المسلمين وليغطوا نشاطهم المعادي ولينسقوا مع الروم للاغارة على المدينة واسقاط الدولة التي بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء على الدعوة الاسلامية لذلك سماه القرآن (مسجدا ضرارا) فأنزل الله تعالى في تلك الحادثة { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } (التوبة: 107). وبعد نزول الوحي وانكشاف المؤامرة امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرق ذلك المسجد الضراري واستئصال تلك البؤرة الخبيثة فاحرق وقضى عليه وبقيت الحادثة معلما بارزا في تاريخ النفاق ودرسا للمسلمين وموعظة لهم ليعرفوا كيف يتعاملون مع المشاريع والمؤسسات النفاقية التي تتظاهر بالصلاح والاخلاص وتقديم الخدمات الانسانية والخيرية.

شَهِدَ هؤلاء المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، والله جلَّ جلاله يقول﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ فأنت حينما تقر بحقيقة، ولا تتخذ موقفاً بناءً على هذا الإقرار فأنت لم تفعل شيئاً، فلو أن إنسانًا في أشد حالات العطش، وهو على وشك الموت، عرف أن هناك نبع ماء، ولم يتحرك إلى هذا النبع، ماذا نفعته هذه المعرفة ,وهذا ما سماه علماء المنطق تحصيل حاصل، فإذا قلت: الشمس ساطعة، وهي ساطعة، ماذا فعلت إن قلت: ساطعة، فهي ساطعة، وإن قلت: ليست بساطعة، فهي ساطعة، ففي كلا الحالين إن جاءت كلمتك موافقةً للحقيقة لم تفعل شيئاً، وإن جاءت مخالفةً للحقيقة سقطت من أعين الناس، أما حينما تكون في أشد الحاجة إلى أشِعَّتها وتقول: هي ساطعة، وتعرض جسمك لأشعتها، فتشفى من بعض أمراضك، فانت الآن أخذت موقفاً، فالمنافقون قالوا﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ قالوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾المنافقون 1.

**مسجد التقوى والمسجد الضرار

ان من أعجب ما تفتقت عنه حيل المنافقين في مكرهم وكيدهم للإسلام والمسلمين بالمدينة المنورة، أن يبنوا مسجدا يلتقون فيه تحت ستار العبادة ورغبتهم في الخير، حيث ذهبوا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في طريقه إلى غزوة تبوك ليصلي بهم فيه، فاعتذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأرجأ ذلك لحين عودته وفي أثناء عودة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة راجعا من تبوك نزلت عليه هذه الآيات: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(107)}.سورة التوبة.

قال القرطبى:     ونزلت الآية فيما روي في أبو عامر الراهب؛ لأنه كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم، فبنوا مسجد الضرار يرصدون مجيئه فيه؛...وقال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه؛ فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجدا ونبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا، ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام؛ فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا     لذي الحاجة، والعلة والليلة المطيرة، ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه) فلما أنصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار؛ فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة، فقال: (انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه) فخرجوا مسرعين، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه،...وقال عكرمة: سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد؟ فقال: أعنت فيه بسارية. فقال: أبشر بها سارية في عنقك من نار جهنم.



قوله تعالى: "ضرارا" المعنى ضرارا بالمسجد، وليس للمسجد ضرار، إنما هو لأهله.... قال بعض العلماء: الضرر: الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة. والضرار: الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة.... قال علماؤنا: وكل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه...وقال النقاش: يلزم من هذا ألا يصلي في كنيسة ونحوها؛ لأنها بنيت على شر.... ولكن قد أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة. وقد ذكر البخاري أن ابن عباس كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل.



قال القرطبى: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض الشرع على بنائه فقال: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة) يهدم وينزع إذا كان فيه ضرر بغيره، فما ظنك بسواه بل هو أحرى أن يزال ويهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم... قال علماؤنا: لا يجوز أن يبني مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه؛ والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا، إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ.

والمسجد الضرار لابد فيه من شروط ثلاثة:

1- (أن يكون قد أقيم على الكفر والضلال) لقوله تعالى: "وكفرا": أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به.

2- ( الغرض منه تفريق المؤمنين وشق صفهم وتفتيت جمعهم وتقليل جماعتهم وسوادهم) لقوله تعالى: " وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ "107 التوبة أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي صلى الله عليه وسلم...لأنهم كانوا يصلون جميعا في مسجد قباء.... وهذا يدلك على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة حتى يقع الأنس بالمخالطة، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد.... وتفطن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال: لا تصلي جماعتان في مسجد واحد بإمامين؛ خلافا لسائر العلماء.... وقد روي عن الشافعي المنع؛ حيث كان تشتيتا للكلمة وإبطالا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول: من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام،

3- (أن يكون مجمعا لأهل محاربة الله ورسوله وتضليل المؤمنين وإبعادهم عن دينهم الحق) لقوله تعالى: "وإرصادا لمن حارب الله ورسوله"التوبة107: يعني أبا عامر الراهب؛ وسمي بذلك لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا بقنسرين بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم؛ فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين. فلما انهزمت هوازن خرج إلى الورم يستنصر، وأرسل إلى المنافقين وقال: استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة؛ فبنوا مسجد الضرار. وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غسيل الملائكة وصيفي وأخيه، وكان هؤلاء الثلاثة من خيار المسلمين... والإرصاد: الانتظار؛ تقول: أرصدت كذا إذا أعددته مرتقبا له به.

قوله تعالى: {من قبل} يعني من قبل بنائهم ذلك المسجد. وذلك أن أبا عامر هو الذي كان حزب الأحزاب، يعني حزب الأحزاب لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خذله الله، لحق بالروم يطلب النصر من ملكهم على نبي الله، وكتب إلى أهل مسجد الضرار يأمرهم ببناء المسجد الذي كانوا بنوه فيما ذكر عنه ليصلي فيه فيما يزعم إذا رجع إليهم؛ ففعلوا ذلك. وهذا معنى قول الله جل ثناؤه: {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} التوبة 107

مسجد التقوى:

قال تعالى: { لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ(108)} سورة التوبة.

قال القرطبى: قوله تعالى: "لا تقم فيه أبدا" يعني مسجد الضرار؛ أي لا تقم فيه للصلاة. وقد يعبر عن الصلاة بالقيام؛ يقال: فلان يقوم الليل أي يصلي؛ ومنه الحديث الصحيح: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). أخرجه البخاري.... وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والأقذار والقمامات.

قوله تعالى: "أبدا" ظرف زمان. وظرف الزمان على قسمين: ظرف مقدر كاليوم، وظرف مبهم كالحين والوقت؛ والأبد من هذا القسم، وكذلك الدهر.... وهنا مسألة أصولية، وهي أن "أبدا" وإن كانت ظرفا مبهما لا عموم فيه ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم، فلو قال: لا تقم، لكفي في الانكفاف المطلق. فإذا قال: "أبدا" فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في حين من الأحيان.



  لقد سلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام طريق اللين والإغضاء، يقبل منهم أعذارهم على ضعفها وكذبها، فإذا وقع أحدهم في خيانة ربما تهدر دمه، تجاوز عنه حتى لا يقال: إن محمدا يقتل أصحابه، وما هم من صحبته في شيء، ولكن هكذا ربما يقول الناس .. ولو كان في هؤلاء المنافقين خير لأسرهم هذا الحلم والعفو والخلق النبوي، ولأقبلوا على الإسلام، غير أن هذا الأسلوب الكريم من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يزدهم إلا جرأة على نفاقهم وباطلهم، ومن ثم لم يبق بد من كشف خبثهم ومؤامراتهم .

يتبع