ألمختار من أدبيات ألشيخ جواد عبد المحسن الهشلمون

وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الحشر: 18، 19] في قوله تعالى من سورة الحشر وهي مدنيَّة، وآياتها أربع وعشرون، وكان ابن عباس يقول: سورة بني النضير،فيما روى البخاري عن سعيد بن جُبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: سورة بني النضير.

فعن جرير بن عبدالله قال: كنا عند رسول الله في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النِّمار (أي لبسوا الكساء المخطط من الصوف) - أو العباء - متقلدي السيوف، عامتهم من مضر - بل كلهم من مضر - فتغيَّر وجه رسول الله لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام الصلاة فصلَّى، ثم خطب فقال: ((﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [النساء: 1] إلى آخر الآية، وقرأ الآية التي في سورة الحشر: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد ﴾ [الحشر: 18]، تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره - حتى قال -: ولو بشق تمرة))، قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفُّه تَعجِز عنها، بل عجزت عنها، ثم تتابَعَ الناس حتى رأيت كَوْمين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله يتهلَّلُ فرحًا كأنه مُذْهَبَة، فقال رسول الله: ((مَن سنَّ في الإسلام سنةً حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومَن سنَّ في الإسلام سنةً سيئةً، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء))[ أحمد ومسلم ].

فقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أمر بتقواه، وهو يشمل فعلَ ما أمرَ به، وترك ما زجر عنه، وقوله: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد ﴾؛ أي: حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وانظروا ما ادَّخرْتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ تأكيدٌ ثانٍ، ﴿ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾؛ أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، قال ابن زيد قول الله عز وجل ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) - يعني يوم القيامة قال : والأمس في الدنيا ، وغد في الآخرة ، وقرأ ( كأن لم تغن بالأمس ) قال : كأن لم تكن في الدنيا . وقوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [الحشر: 19]؛ أي: لا تنسوا ذكرَ الله فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم؛ فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الحشر: 19]؛ أي: الخارجون عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما رأيت منظرًا قط إلاَّ والقبر أفظع منه» (صحيح ابن ماجة) . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية " قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية : {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} وهذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وجعلت خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي، لأن فيها الوعد على الخير، والوعيد على فعل الشر، وأن من علم أنه راجع إلى الله فمجازيه على الصغير والكبير والجلي والخفي، وأن الله لا يظلمه مثقال ذرة، أوجب له الرغبة والرهبة، ودون حلول العلم في ذلك في القلب لا سبيل إلى ذلك,وروي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال : "أيسر الناس حساباً يوم القيامة الذين يحاسبون أنفسهم في الدنيا فيقفوا عند همومهم وأعمالهم، فإن كان الذي هموا به لهم مضوا، وإن كان عليهم أمسكوا، وإنما يثقل الأمر يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور في الدنيا فأخذوها من غير محاسبة، فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر، ثم قرأ (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49],

وقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [الحشر: 20]؛ أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله تعالى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار ﴾ [ص: 28]؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾؛ أي: الناجون المسَلَّمون من عذاب الله عز وجل.

والعلاج هو دوام محاسبة النفس على كل عمل قامت به او قبل قيامها به للجم هواها حتى لا يسوقها هواها لغير ما امر الله ومخالفتها له فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل عن عمر بن الخطاب أنه قال: “حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزنوا؛ فإنه أهونُ عليكم في الحساب غدًا أن تحاسِبوا أنفسَكم اليوم، وتزيَّنوا للعرض الأكبر ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18]” رواه الترمذي ، قال مالك بن دينار: (رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمَّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدًا).

فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر ألا يغفل عن محاسبة نفسه، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ آل عمران: 30,وأضَرُّ ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة وتسهيل الأمور وتمشيتها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب، ويَتَّكِلُ على العفو، فيهمل محاسبة نفسه، والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سَهُل عليه مواقعة الذنوب، وأَنِسَ بها، وعسر عليه فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد.

وجِماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولاً على الفرائض؛ فإنْ تذكَّر نقصًا تدارَكه إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسب نفسه على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئًا تداركه بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، ثم يحاسب نفسه على الغفلة؛ فإن كان قد غفل عما خُلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى، ثم يحاسبها بما تكلَّم به، أو مشتْ رجلاه، أو بطشَتْ يداه، أو سمعته أذناه: ماذا أراد بهذا؟ ولِمَ فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ قال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: 92، 93]، وقال تعالى: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأعراف: 6]، وقال: ﴿ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 8]، فإذا سُئِل الصادقون وحوسبوا، فما الظن بالكاذبين؟! قال قتادة: (إن الله سائلٌ كلَّ عبد عما استودعه من نعمه وحقه)، فإذا كان العبد مسؤولاً محاسبًا على كل شيء حتى سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء: 36]، فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.

ومن ضوابط محاسبة النفس الاطلاع على عيوبها، ومَن لم يطَّلِعْ على عيب نفسه لم يتمكَّن من إزالته، فإذا اطَّلع على عيبها مقَتَها في ذات الله، روى الإمام أحمد بن حنبل عن أبي الدرداء قال: (لا يفقه الرجل كلَّ الفقه حتى يَمْقُتَ الناسَ في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه، فيكون لها أشدَّ مقتًا)، قال محمد بن واسع: (لو كان للذنوب رائحةٌ، ما استطاع أحد أن يجالسني)، وقال أبو حفص: (مَن لم يتَّهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورًا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها، فقد أهلكها).

لقد كان من الدوافع لي للكتابة في هذا الموضوع امر قد مر بي وهو انني قبل حولي خمسة وثلاثين عاما فتحت دكانا لاعمل به ومن مقتضياته التسجيل في دائرة القيمة المضافة واردت في هذه البرهة ان اغلق الملف لانني لم اعد اشتغل في صنعتي ,فطٌلب مني دفاتر الفواتير والارسال والاوراق التي تثبت دفعاتي وتواريخها فارقت وقلقت وتعبت وانا ابحث لكي اجمعها وارتبها للاستعداد لتقديمها ,وهذا جانب من جوانب حياتي,فكيف بكل جوانبها من علاقات ومعاملات تستغرف كل عمري وليس هذه فقط,وتصورت يوم القيامة والحساب وهذا بوجود من ساعدني وذهب معي للدائرة,فكيف بي وانا فريد وحيد ومعي اكوام من السجلات التي تعلقت بها اعمالي…؟؟؟؟فازداد يقيني يقين بانني هالك ان لم يشملني الله برحمته ففي هذه الحياة الدنيا ما استطعت التخلص من الدائرة الا بشق النفس فكيف بالآخرة ان لم يشملنا الله برحمته وعفوه وتجاوزه عن حسابنا.

جواد عبد المحسن

على فراش الموت (2)
الصحابي الجليل أبوالدرداء رضي الله عنه و أرضاه لما جاء أبا الدرداء الموت … قال : ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه ثم قبض رحمه الله.
سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه بكى عند موته فقيل له ما يبكيك فقال عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب , و حولي هذه الأزواد و قيل إنما كان حوله إجانة و جفنة و مطهرة.
الإجانة : إناء يجمع فيه الماء والجفنة : القصعة يوضع فيها الماء و الطعام والمطهرة : إناء يتطهر فيه.
الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه لما حضره الموت دعا إبنه فقال: يا عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود , إني أوصيك بخمس خصال , فإحفظهن عني : أظهر اليأس للناس , فإن ذلك غنى فاضل . و دع مطلب الحاجات إلى الناس , فإن ذلك فقر حاضر . ودع ما تعتذر منه من الأمور, ولا تعمل به وإن إستطعت ألا يأتي عليك يوم إلا و أنت خير منك بالأمس , فافعل ,و إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع , كأنك لا تصلي بعدها .
الحسن بن علي سبط رسول الله و سيد شباب أهل الجنة رضي الله عنه لما حضره الموت قال : أخرجوا فراشي إلى صحن الدار فأخرج فقال : “اللهم إني أحتسب نفسي عندك , فإني لم أصب بمثلها”
الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال عند موته لمن حوله : أجلسوني فأجلسوه فجلس يذكر الله, ثم بكى وقال الآن يا معاوية جئت تذكر ربك بعد الانحطام و الانهدام, أما كان هذا و غض الشباب نضير ريان ثم بكى و قال: يا رب يا رب ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي اللهم أقل العثرة واغفر الزلة وجد بحلمك على من لم يرج غيرك و لا وثق بأحد سواك.
الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه حينما حضره الموت بكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار , فقال له إبنه :ما يبكيك يا أبتاه أما بشرك رسول الله فأقبل عمرو رضي الله عنه إليهم بوجهه وقال إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله .. إني كنت على أطباق ثلاث, لقد رأيتني و ما أحد أشد بغضا لرسول الله صلى الله عليه و سلم مني , و لا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته , فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار, فلما جعل الله الإسلام في قلبي , أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت : إبسط يمينك فلأبايعنك فبسط يمينه قال فقضبت يدي فقال ما لك يا عمرو قلت : أردت أن أشترط فقال : تشترط ماذا قلت : أن يغفر لي فقال : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله , و أن الهجرة تهدم ما كان قبلها , و أن الحج يهدم ما كان قبله.
و ما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا أحلى في عيني منه , و ما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له , و لو قيل لي صفه لما إستطعت أن أصفه , لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة , ثم ولينا أشياء , ما أدري ما حالي فيها, فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة و لا نار , فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور و يقسم لحمها , حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي .
الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري لما حضرته - رضي الله عنه - الوفاة , دعا فتيانه , و قال لهم : إذهبوا فاحفروا لي و أعمقوا.. ففعلوا فقال : اجلسوا بي فو الذي نفسي بيده إنها لإحدى المنزلتين , إما ليوسعن قبري حتى تكون كل زاوية أربعين ذراعا , و ليفتحن لي باب من أبواب الجنة , فلأنظرن إلى منزلي فيها و إلى أزواجي , و إلى ما أعد الله عز و جل لي فيها من النعيم , ثم لأنا أهدى إلى منزلي في الجنة مني اليوم إلى أهلي و ليصيبني من روحها و ريحانها حتى أبعث .
و إن كانت الأخرى ليضيقن علي قبري حتى تختلف منه أضلاعي , حتى يكون أضيق من كذا و كذا , و ليفتحن لي باب من أبواب جهنم , فلأنظرن إلى مقعدي و إلى ما أعد الله عز و جل فيها من السلاسل و الأغلال و القرناء , ثم لأنا إلى مقعدي من جهنم لأهدى مني اليوم إلى منزلي , ثم ليصيبني من سمومها و حميمها حتى أبعث .
سعد بن الربيع رضي الله عنه, لما إنتهت غزوة أحد .. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من يذهب فينظر ماذا فعل سعد بن الربيع فدار رجل من الصحابة بين القتلى .. فأبصره سعد بن الربيع قبل أن تفيض روحه .. فناداه ماذا تفعل فقال : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثني لأنظر ماذا فعلت فقال سعد :
إقرأ على رسول الله صلى الله عليه و سلم مني السلام و أخبره أني ميت و أني قد طعنت إثنتي عشرة طعنة و أنفذت في , فأنا هالك لا محالة , و إقرأ على قومي من السلام و قل لهم .. يا قوم .. لا عذر لكم إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و فيكم عين تطرف .
عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال قبل أن تفيض روحه : ما آسى من الدنيا على شيء إلا على ثلاثة : ظمأ ا لهواجر ومكابدة الليل ومراوحة الأقدام بالقيام لله عز و جل وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت.
عبادة بن الصامت رضي الله عنه و أرضاه لما حضرته الوفاة ، قال : أخرجوا فراشي إلى الصحن ثم قال : اجمعوا لي موالي و خدمي و جيراني و من كان يدخل علي فجمعوا له فقال : إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا ، و أول ليلة من الآخرة ، و إنه لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء ، و هو والذي نفس عبادة بيده ، القصاص يوم القيامة ، و أحرج على أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي .
فقالوا : بل كنت والدا و كنت مؤدبا فقال : أغفرتم لي ما كان من ذلك قالوا نعم .فقال : اللهم اشهد … أما الآن فاحفظوا وصيتي: أحرج على كل إنسان منكم أن يبكي ، فإذا خرجت نفسي فتوضئوا فأحسنوا الوضوء ، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجدا فيصلي ثم يستغفر لعبادة و لنفسه ، فإن الله عز و جل قال : و استعينوا بالصبر و الصلاة و إنها لكبيرة إلا على الخاشعين … ثم أسرعوا بي إلى حفرتي ، و لا تتبعوني بنار .
الإمام الشافعي رضي الله عنه, دخل المزني على الإمام الشافعي في مرضه الذي توفي فيه فقال له :كيف أصبحت يا أبا عبدالله ؟ فقال الشافعي: أصبحت من الدنيا راحلا, و للإخوان مفارقا ولسوء عملي ملاقيا و لكأس المنية شاربا و على الله واردا و لا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها, أم إلى النار فأعزيها , ثم أنشأ يقول :
و لما قسـا قلبي و ضاقـت مذاهبي جـعـلت رجـائي نحـو عفـوك سلـما
تعاظـمــني ذنبــي فلـما قرنتـه بعـفــوك ربـي كـان عفوك أعظـما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجـود و تعـفـو منــة و تكـرمـا
الحسن البصري رضي الله عنه و أرضاه حينما حضرته المنية حرك يديه و قال هذه منزلة صبر و إستسلام .
عبدالله بن المبارك العالم العابد الزاهد المجاهد, حينما جاءته الوفاة إشتدت عليه سكرات الموت ثم أفاق و رفع الغطاء عن وجهه و ابتسم قائلا : لمثل هذا فليعمل العاملون … لا إله إلا الله … ثم فاضت روحه.
الخليفة العادل الزاهد عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لما حضره الموت قال لبنيه و كان مسلمة بن عبدالملك حاضرا : يا بني إني قد تركت لكم خيرا كثيرا لا تمرون بأحد من المسلمين و أهل ذمتهم إلا رأو لكم حقا ,يا بني إني قد خيرت بين أمرين , إما أن تستغنوا و أدخل النار , أو تفتقروا و أدخل الجنة , فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إلي , قوموا عصمكم الله … قوموا رزقكم الله, قوموا عني , فإني أرى خلقا ما يزدادون إلا كثرة , ما هم بجن و لا إنس ,قال مسلمة : فقمنا و تركناه , و تنحينا عنه , و سمعنا قائلا يقول (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (83)القصص ثم خفت الصوت , فقمنا فدخلنا , فإذا هو ميت مغمض مسجى.
يتبع