مسائل فقهية مختارة ( عام )

**(7) السؤال : هل أكل ذبائح أهل الكتاب جائز إطلاقاً أم مقيَّد بذبحها على شروط الشريعة الإسلامية ( التذكية ) ، خصوصاً وأن الذبح بالطرق الحديثة في المسالخ الكبيرة يتم بضرب البقرة مثلاً بما يشبه الرصاص في الرأس لغرض التخدير ، ولكنه أحياناً يؤدي إلى قتل البقرة ، ويتم أيضاً صعق الحيوانات بالكهرباء قبل قطع رؤوسها ، وحتى لو قُطعت الرؤوس بدون صَعْقٍ ولا تخدير فإن ذبحها لا يكون بالطريقة الشرعية ، أرجو البيان المفصَّل ، خصوصاً وأن الكثير من اللحوم المستوردة إلى بلاد المسلمين تجعل المسلمين عُرْضةً لأكل ذبائح مَنْ يُوصَفون بأنهم أهل الكتاب ، ثم هناك كثير من المسلمين الذين يعيشون في بلاد الغرب يأكلون من هذه الذبائح .

(7) الجواب : عندما نزل حكم جواز أكل ذبائح أهل الكتاب كان أهل الكتاب يُذَكُّون ذبائحهم فأجاز الشرع أكلها ، فإن هم تركوا الذبح والذكاة فقد وجب علينا تحريم ذبائحهم ، ولكن لا نترك أكلها إلا إن أيقنَّا بأنهم فعلاً لم يعودوا يذبحون , فعلى من يعيشون في بلاد الغرب أن يتحروا عن ذلك قبل الأكل .

(8) السؤال : الناس عندنا درجوا على أن يقبِّل الابن يد أبيه وأمه ، وأحياناً يد عالم فاضل ، فما الذي جاء به الشرع في هذا المجال ؟

(8) الجواب : تقبيل الابن يد أبيه ويد أمه ويد أستاذه كل ذلك مشروع وجائز ، وقد ورد ذلك في السُّنة النبوية وفي أفعال الصحابة ، بل لقد ورد تقبيل الرِّجلين أيضاً ، ويكفي أن أورد لك ما يلي :

أ - عن أم أبان بنت الوازع بن زارع عن جدها زارع رضي الله تعالى عنه … قال " لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي ورجله " رواه أبو داود بسند حسن .

ب - عن صفوان بن عسال قال " قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي … إلى أن قال الرسول صلى الله عليه وسلم … وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت ، فقبلوا يديه ورجليه ، وقالوا : نشهد أنك نبي الله " رواه النسائي والحاكم والترمذي وابن أبي شيبة بسند صحيح .

ج - عن تميم بن سلمة قال " لما قدم عمر رضي الله عنه الشام استقبله أبو عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه ، فصافحه وقبَّل يده … " رواه عبد الرزاق والبيهقي .

د - عن عبد الرحمن بن رزين قال " مررنا بالربذة فقيل لنا : ههنا سلمة بن الأكوع فأتيته فسلمنا عليه ، فأخرج يديه فقال : بايعتُ بهاتين نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فأخرج كفاً له ضخمةً كأنها كفُّ بعيرٍ ، فقمنا إليها فقبلناها " رواه البخاري في الأدب المفرد بسندٍ حسنٍ . فتقبيل الأيدي وحتى الأرجل جائز شرعاً .

(9) السؤال : تنتشر في الغرب قوائمُ تجاريةٌ من مطعوماتٍ وأدويةٍ تحمل عدة أرقامٍ وأسماءٍ ، يقول بعض الناس إنها تحوي مركَّباتٍ من موادَّ محرَّمةٍ ، ولذا يحرم استعمالها ، ويقول ناسٌ بجوازها بحجة تحوُّلِ أُصولها النجسةِ إلى مركَّباتٍ وموادَّ مختلفةٍ تماماً من حيث التركيب والخصائص ، فما هو الحكم الصحيح في استعمالها ؟

(9) الجواب : أيةُ موادَّ محرَّمةٍ ونجسةٍ تدخل في المواد المصنوعة يُنظَر فيها ، فإن هي بقيت على ماهيَّتِها وخصائصها فالمواد المصنوعة منها حرامٌ استعمالُها ، أما إن تحوَّلت هذه المواد المحرَّمة والنجسة إلى ماهيَّةٍ مغايِرةٍ وفقدت خصائصها , فعندها يجوز استعمال المواد المصنوعة منها . هذه هي القاعدة الفقهية في هذا الموضوع , والصيادلةُ وعلماءُ الكيمياء هم وحدهم القادرون على تصنيف هذه القوائم بحسب هذه القاعدة إلى قوائم محرَّمة وقوائم حلال .

(10) السؤال : في الجزء الأول من الجامع لأحكام الصلاة تمَّ ذكر الحديث " لعن الله الواشمات والمستوشمات … " والسؤال هو : هل ما يتعلق بهذا الحديث يُعتبَر جزءاً من مسألة الصلاة ؟ بمعنى أنه إذا كانت المرأة مقلِّدة لكم في مسألة الصلاة فهل يجب عليها أن تقلِّدكم في هذا الموضوع باعتباره متعلقاً بمسألة الصلاة ؟ أم أن موضوع الوشم والنَّمَص والتفلُّج لا علاقة له بمسألة الصلاة ، وبالتالي يمكن للمرأة أن تأخذ برأيِ غيرِك في هذا الموضوع ؟

                   وثَمَّةَ سؤالٌ ثان هو : قلتم في الكتاب [ فلو أخذت المرأة من حاجبيها عدة شعرات ... لا تكون قد فعلت حراماً ، لأنها لا تكون قد فعلت ما يصل إلى حدِّ تغيير خلق الله ]  فكيف يمكن للمرأة أن تحدِّد عدد الشعرات الذي لو زادت عليه لوقعت في الحرام ؟ إن بعض النساء قد استنبطن من هذا القول جوازَ ترتيب الحواجب ، وبعضهن اعتبرن أن إزالة الشعر المحيط بالحاجب جائز لأنه شعر زائدٌ ، إِزالتُه لا تغيِّر خلق الله ، وبعضهن اعتبرن إزالة قفلة الحواجب ( الشعر بين الحاجبين ) جائزة ، لأنها ليست من الحواجب ، فكيف يمكن أن نحكم على كلِّ هذه الأمور ؟ 

(10) الجواب : أولاً : إنَّ موضوع الوَشْم والنَّمَص والتَّفلُّج ليس جزءاً من مسألةِ أو مسائلِ الصلاة، ، ولذا فالمرأة تستطيع وهي تقلِّدني في الصلاة أن لا تقلِّدني في موضوع الوشْم والنَّمَص والتَّفلُّج .

                ثانياً : أما ما هو مقدار الشعر الذي إن أُخِذ من الحواجب أصبح نَمَصاً محرَّماً ، فهو القدر الذي إن أُخِذ تغيَّر شكل الحاجب ، كأن يكون الحاجب كثيفاً فيصبح رفيعاً ، وكأن يكون الحاجب طويلاً فيصبح قصيراً ، وكأن يكون الحاجبان متصلين فيصبحان منفصلين ، وهكذا ، فالعبرة بتغير شكل الحواجب وليس بعدد الشعرات المنتوفة .**

**(2) السؤال : هل آثم أنا إذا سمع أولادي الصغار الأغاني والموسيقى ، خاصةً في دعايات التلفزيون ، علماً بأن ذلك يسعدهم ، بينما هم لا يسكتون أبداً عند قراءة القرآن ، وقد حاولت عدة مرات إِسماعهم القرآن دون جدوى ، لأنهم لا يهدأون مما يضطرني لإغلاق الراديو ، ولكنهم يُنصتون تماماً للأذان وللصلاة التي تُنقل من مكة في التلفزيون ، فماذا أفعل لأعوِّدهم على حب القرآن وكُرْهِ الأغاني ؟

(2) الجواب : لا إثم عليكِ إن سمع أولادكِ الصغار الأغاني والموسيقى في الراديو والتلفزيون ، وكذلك لا إثم عليكِ إن رفض أولادكِ الصغار سماعَ القرآن في الراديو والمسجِّل والتلفزيون ، لأن الأولاد الصغار دون البلوغ لا يجب عليهم فعلٌ شرعاً ، ولا يَحْرُم عليهم فعلٌ شرعاً ، لأنَّ القلم مرفوع عنهم ، وما داموا لا يأثمون فكيف تأثمين أنت ؟ ثم إن سماع الأغاني والموسيقى غير حرام ، بل هو جائز على الرأي الأصح . أما محاولتكِ تعويد أولادكِ الصغار على سماع القرآن فتكون بدون زجرٍ وتعنيفٍ، وإنما باللطف وطول البال، ويمكنك أن تفتحي على القرآن عندما يكون أحد أطفالك وحده معك بحيث لا يجد من يلعب معه ، أو عندما يضعون رؤوسهم على مخداتهم قبيل النوم فلا يلعبون ولا يتحركون ، ففي هاتين الحالتين لا يملك الطفل إلا أن يستمع للقرآن ، ومرةً بعد مرة ستنجحين بإذن الله في تعويد أطفالكِ على الاستماع للقرآن الكريم .

(3) السؤال : هل يجب عليَّ السفر من البلاد إذا علمت أن الحرب ستقع فيها وهناك احتمالٌ أن أموت أنا أو أولادي الذين عليَّ نصيب من المسؤولية عن حياتهم ؟ وهل أكون كمن أعان على قتل نفسه إذا بقيت فيها واحتطت وأخذت بالأسباب التي تساعد على عدم وصول القنابل إلينا ، ثم بعد ذلك وصلت القنابل إلينا ومتُّ مثلاً ، أم أكون شهيدة ، ولا أُحاسب محاسبة من قتل نفسه ؟

(3) الجواب : لا يجب عليك السفر من البلاد هرباً من الحرب ما دام الأمر يقع في دائرة الاحتمال ، وما دام الخطر من القنابل ظنياً وليس قطعياً ، أما إن تيقنتِ من وقوع الحرب ومن حصول الأذى ، فالواجب إبعاد الأطفال عن مكان المعركة ، وإلا كنت آثمة ومُقَصِّرة ، ويصح هذا القول إن كنت أنت المسؤولة عن الأطفال ، أما إن كان أبوهم موجوداً بينكم ، فإن المسؤولية تقع عليه هو ولا تقع عليك .

وإذا وقعت الحرب وقُتل الإنسان فيها ، فإنه لا يموت شهيداً إلا إن كان يشارك في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله ، أما غير المقاتلين فلا يكونون شهداء ولكن لهم ثواب من الله سبحانه لأنهم قتلوا بغير حق .

(4) السؤال : هل يجوز للمرأة أن تتعطر لزوجها بعطرٍ لا تدري هل يحتوي على الكحول أم لا مثل العطور الأجنبية ؟ وهل يجوز لها أن تصلي ورائحته على بدنها ؟ وهل ينطبق ذلك على مُزِيلات العرق ؟

(4) الجواب : هنالك كحول سامة وهناك كحول مسكرة ، فإن كانت العطور تدخل في تركيبها كحولٌ سامة جاز التعطر بها ، أما إن دخل في تركيب العطور كحول مسكرة لم يَجُز التعطُّر بها ، وهذه الكحول المسكرة هي الشائع استعمالها في العطور وفي الأدوية . وعلى المسلم أن يتحرى عن ذلك بسؤال صاحب الخبرة العلمية كالصيادلة مثلاً ، ويتوقف عن استعمالها حتى يحصل على الجواب ، وقولي مثل ذلك بخصوص مُزِيلات العرق . أما بخصوص الصلاة والعِطر يفوح منك فلا مانع من ذلك إن كنت تُصَلِّين بعيداً عن الرجال الأجانب .

(5) السؤال : سؤالي عن الإِثيلي والمثيلي من الكحول : جاءت إِباحةُ المثيلي من كونه ساماً ولا يُشرب ، وحُرْمة الإِثيلي من كونه مُسكراً ويُشرب إذا كان مخفَّفاً ، علماً بأن الإِثيلي المركَّز 100% سام إذا شُرب ، والسؤال حسب المعلومة العلمية المذكورة أعلاه هو : هل استعمال الإِثيلي من الكحول المركَّز 100% جائز لأغراض البحث العلمي ؟

(5) الجواب : ما دام الإِثيلي من الكحول مُسْكِراً فإن قليله وكثيره ومخففه ومركَّزه حرام ، وبالتالي فإن استعماله لأغراض البحث العلمي غير جائز . أما قولكم إن الإِثيلي المركَّز 100% سام غير مسكر فهو صحيح ، ولكن وجوده نادر جداً ، بمعنى أنه عندما يكون مركزاً 100% فإِنه يكون قبل ذلك مركزاً بنسبة 96% ، فيضعون فيه مادة الصوديوم فتمتص منه الأربعة بالمائة فيصبح مركزاً 100% ، ولكن هذه الحالة ، أي حالة التركيز 100% ، لا تدوم سوى بضع ثوانٍ ، ليعود إلى امتصاص الماء من جديد فوراً ، فيعود إلى ما كان عليه بتركيز 96% ، وعندها يكون مسكراً ، فالمثال الذي ذكرته عن التركيز 100% هو مثال نظري لا يغيِّر من حكم استعماله شيئاً .

ويمكنكم الاستعاضة عن الإِثيلي المسكر من الكحول بعدد من أنواع الكحول الأخرى من مثل :

Soprophyl  alcohol

propanol

rubbing alcohol

               فهذه كحول غير مسكرة يجوز استعمالها .

(6) السؤال : ما حكم استخدام المطعومات مثل الحلويات التي تضاف إليها خمور بنسب قليلة من مصنعٍ لكافرٍ يتم تحويلها بالحرارة ما يعني تسخينها ؟ وما حكم استخدام الكحول للتعقيم في المستشفيات عموماً وللجراحين والأطباء والممرضين الذين يباشرون علاج جروح المرضى وعملياتهم ؟

(6) الجواب : إنَّ إضافة الكحول ? وأعني بها الصنف المسمى بالإثيلي - إلى المطعومات كالحلويات يُنَجِّسها ، ويجعل أكلها حراماً ، لأن إضافتها إلى هذه المطعومات لا يفقدها خصائصها بل تبقى محتفظةً بخصائصها ، فلا يجوز شراؤها ولا أكلها ، ولا كل ما يحرم فعله بالخمرة . أما السبيرتو المستخدَم في المستشفيات للتطهير فهو من النوع غير المسكر كما علمتُ ذلك من صاحب اختصاص ، فيجوز استعماله على عُهدةِ صاحب الاختصاص .**

**البـاب الثامـــن

مــنـوَّعـــات

(1) سؤال : نعلم أن الكحول تدخل في صناعات كثيرة منها الأدوية والعطور ، ونعلم أن الكحولَ مسكرةٌ ، وأنها بالتالي خمر ، فهل يجوز استعمال الأدوية المحتوية على الكحول؟ وهل يجوز التعطر بالعطور المحلولة بالكحول ؟

(1) الجواب : نعم إنَّ الكحول - والعرب تسميها الغَوْل ? مسكرةٌ ، حتى إنَّ ناساً يشربونها من أجل السُّكر ، وما دامت الكحول مسكرةً فهي خمر وهي حرام فعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله علبه وسلم قال " كل مسكرٍ حرام ، وكل مسكرٍ خمر " رواه النَّسائي ومسلم وأحمد . فالكحول خمر ينطبق عليها ما ينطبق على الخمر سواء بسواء . وقد أَمَر الشرع الحنيف باجتناب الخمر ، وجعل عقوبة شربها من الحدود ، فلا يحل لمسلم أن يشرب الخمر مطلقاً ، وبالتالي لا يحل لمسلم أن يشرب الكحول ، ولا أن يشرب أي سائل تدخل فيه الكحول ، سواء أكان هذا السائل علاجاً ودواء أم كان غير ذلك فكل ذلك حرام لا يجوز . وهذا الحكم عام ، ويبقى عاماً لم يخصِّصه مخصِّص من قرآن أو حديث ، بل لقد جاءت الأحاديث تنص على تحريم استعمال الخمر في التداوي ، وجاءت الأحاديث تنفي عن الخمر صفة الدواء والعلاج وتصفها بأنها داء ، وذلك رداً على من يعتبرها دواء وعلاجاً مما لا يدع مجالا للشك بحُرمةِ الخمر في العلاج ، كحرمتها في سائر الاستعمالات ، فعن وائل الحضرمي أن طارق ابن سُوَيد الجُعفي رضي الله عنه " سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر ، فنهاه أو كره أن يصنعها ، فقال : إنما أصنعها للدواء ، فقال : إنه ليس بدواء ولكنه داء " رواه مسلم والتِّرمذي والدَّارمي وأبو داود. ورواه ابن حِبَّان وهذا لفظه " إنَّا نصنع الخمر ، فنهاه عنها فقال : إِنما نتداوى بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليست بدواء إنها داء " . وفي رواية ثالثة لابن حِبَّان بلفظ " قلت يا رسول الله ، إنْ بأرضنا أعناباً نعتصرُها ، ونشرب منها ، قال : لا تشرب ، قلت : أفنشفي بها المرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما ذلك داء وليست بشفاء" . وروى حسان بن مخارق قال : قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها " اشتكت ابنةٌ لي ، فنبذتُ لها في كوز ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي ، فقال : ما هذا ؟ فقالت : إن ابنتي اشتكت فنبذتُ لها هذا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يجعل شفاءَكم في حرام " رواه ابن حِبَّان . وقال ابن مسعود رضي الله عنه في السكر " إن الله لم يجعل شفاءَكم فيما حُرِّم عليكم " ذكره البخاري تعليقاً . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داءٍ دواءً ، فتداووا ولا تَدَاوَوْا بحرام " رواه أبو داود .

                فالخمر داء وليست بدواء وليست بشفاء ، وما دامت الخمر هكذا فلا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُكَذِّب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالادعاء أنها دواء ، ويُجِيز تعاطيَه .

                نعم إن الخمرَ شرابٌ محرَّم لا شك في حرمته ، وإن الخمر شراب خبيث بلا شك ، وإنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن التداوي بالشراب الخبيث ، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث " رواه أبو داود وأحمد وابن ماجة والترمذي . فالخمر شراب خبيث ، بل لقد وُصِفت في الأحاديث بأنها أُمُّ الخبائث . فهذه الأقوال منه عليه الصلاة والسلام " في حرام "  " ولا تداووْا بحرام " " الدواء الخبيث " وكذلك نهيُهُ عن التداوي بالخمر يشمل كل نجس وحرام  ولم يستثن الرسول صلى الله عليه وسلم أيةَ نجاسة ولا أيَّ مُحَرَّم من هذا العموم ولذا يظل الحكم عاماً في كل حرام وكل نجس 

               وأنا لا أعلم فقهياً أحلَّ التداوي بالنجس وبالحرام وبالخمر وبالكحول إلا ما رُوي عن عدد منهم أنهم أعطَوْا الخمر للتداوي حكمَ الكراهة ، مستدلين بدليلين اثنين أحدهما أمره صلى الله عليه وسلم ناساً مِن عُكَلٍ أو عُرَيْنَةَ بشُرب أبوال الإبل وألبانها للتداوي ، وثانيهما إذنه صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام بلبس ثياب الحرير لحكَّة كانت بهما . فعن الأول قالوا : إن أبوال الإبل نجسة ، ومع ذلك أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشربها للتداوي ، وعن الثاني قالوا : إن لبس الحرير للرجال حرام ، ومع ذلك أَذِن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذين الصحابيين بلبسه بسبب مرض الحكَّةِ ، وأن ذلك منه صلى الله عليه وسلم يدل على جواز التداوي بالنجس وبالحرام ، وأن الأحاديث الناهية عن التداوي بالحرام تُحْمل على الكراهة وليس على التحريم . فنقول لهؤلاء ما يلي :

                أما الحديث الأول فلا يتعارض مع أحاديث النهي ، وإنما كان الأمر منه صلى الله عليه وسلم بشرب أبوال الإبل لأن أبوال الإبل ليست نجسةً على الرأي الراجح في هذه المسألة ، فأبوال الإبل وأبوال الغنم وأرواث الدواب ليست نجسة ولذا جاز التداوي بها ، ولا أريد الدخول هنا في تفصيل هذه المسألة ، لأنَّ له مكاناً آخر ، ويكفي أن أشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم مع ما في هذه المرابض من أبوال ، وأن نهيه عن الصلاة في معاطن الإبل ليس بسبب نجاسة الموضع ، وإنما خشيةَ التأذِّي منها حين الصلاة ، لأنها تؤذي من حولها  فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال " سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل فقال : لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين ، وسُئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال : صلوا فيها فإنها بركة " رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان . فكون الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم بما فيها من أبوالٍ ، وكونه يأمر بشرب أبوال الإبل للتداوي ، وكونه ينهى عن الدواء المحرم والدواء الخبيث ، فإن ذلك يدل على طهارة أبوال الإبل وأبوال الغنم . وأما أرواث الدواب فهي أيضاً طاهرة  وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستنجاء بالأرواث فليس ذلك بدليل على نجاستها ، وإنما كان نهيه عن الاستنجاء بها من أجل بقاء الأرواث طاهرة ، لأنها طعام إخواننا من الجن ، ويكفي أن أذكر هنا حديثاً واحداً , هو ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تستنجوا بالرَّوْث ولا بالعظام فإنه زادُ إِخوانكم من الجن " رواه الترمذي . ورواه ابن خُزَيمة بلفظ " لا تستنجوا بالعظم ولا بالبعر ، فإنه زاد إخوانكم من الجن "  والمعلومُ أن إخواننا من الجن يأكلون الطعام الطاهر ، فالأبوال طاهرة والأرواث طاهرة ، فلا تعارض بين أحاديث النهي عن الدواء الخبيث وبين أحاديث التداوي بأبوال الإبل .

                   أما لبس الحرير للحَّكَّةِ من قِبَلِ عبد الرحمن والزبير رضي الله عنهما ، فقد جاء في الحديث الذي رواه أنس رضي الله تعالى عنه قال " رخَّصَ النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكَّةٍ بهما " رواه البخاري وأحمد والنَّسائي والترمذي وأبو داود . ورواه مسلم بلفظ " إن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكَوَا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القملَ  فرخَّص لهما في قُمُصِ الحرير في غَزَاةٍ لهما " .

                  فهذا الحديث ليس في موضوع العلاج ، ولا يُدرَجُ في باب التداوي ، وإنما  مكانه بابُ الرُّخَص للمريض ، فلبس الحرير ليس دواء وليس علاجاً  ولا يصنَّف في قائمة العلاجات والأدوية لمرض الحكة ، وإنما يقال إن الحكة مرض يُرخَّص لصاحبها في لبس الحرير . وبحث الرُّخَص معلومٌ في الفقه ، وهي حالات استثنائية يجوز فيها للمريض ما لا يجوز لغيره ، فالمريض في رمضان يُرخَّص له في الإِفطار ولا يُقال إِن الإفطار علاج للمريض الصائم  وإنما يقال هو رخصة ، والمريض يُرخَّص له في الصلاة قاعداً ، ولا يقال إن الصلاة قاعداً علاجٌ ، وإنما يقال هي رخصة ، والمريض إذا كان الماء يضره يُرخَّص له في التيمم مع وجود الماء ، ولا يقال إن التيمم علاج . وكذلك المريض بالحكة ، فإنه يُرَخَّصُ له في لبس الحرير ، وليس لبس الحرير علاجاً ، وإنما هو رخصة ، وهكذا الرُّخَصُ كلها حالات استثنائية يُباح فيها فعل الحرام أو ترك الواجب ، وليست علاجات وليست أدوية ، والقاسم المشترك بينها هو دفع المشقة والأذى عن المريض .

                 وهكذا يظهر أن ما يستدل به القائلون بجواز التداوي بالحرام أوبالنجس مع الكراهة ليس في حقيقته دليلاً لهم ، وليس هو أكثر من شُبهة عند هؤلاء ، والصواب المتعين الذهابُ إليه هو القول إن التداوي بالنجس والتداوي بالحرام حرام ، لأن شرب النجس حرام ، وشرب الحرام حرام ، وليس في هذه المسألة أحاديث متعارضة حتى يُصار إلى التأويل ، فلْينته المسلمون عن تعاطي الأدوية المركَّبة من الكحول ، ولْيحذروا من التَّطيُّب بالعطور المحلولة بالكحول ، فإن ذلك كلَّه حرام لا يجوز . 

                وهنا لا بد من الملاحظة التالية : إن ما قلناه بخصوص الكحول فإنما عنينا به الكحول المسكرة فقط ، وتسمى الإِثيلي ، فهذا الصنف من الكحول هو المسكر ، وهو ما ينطبق عليه حكم الخمر وحكم الحرمة فقط ، وهو أشهر أنواع الكحول وهو المستعمل عادة في الأدوية وفي العطور كالكالونيا                               أما غير هذا الصنف من أنواع الكحول فهناك كحول سامة ، وهذه تسمي المثيلي  وهناك كحول أخرى غير سامة وغير مسكرة ، فهذه الأصناف خارجة عن بحثنا ، ويجوز استعمالها كأية مادة مباحة ، لأنها كما قلنا ليست مسكرة ، وبالتالي فهي ليست خمرة ، ولا يشملها النهي  .**

**(2) السؤال : هل يجوز أن يكون شكل النظام الجمهوري في الحكم شكلاً لنظام الحكم في الدولة الإسلامية ، أو هل ما يسمى بالجمهورية الإسلامية يجوز أن يكون شكلاً للدولة الإسلامية ؟

(2) الجواب : قبل الإجابة على هذا السؤال بنعم أو بلا لا بد من معرفة واقع النظام الجمهوري ، وبعد معرفة هذا الواقع يتحدد الجواب بنعم أو بلا ، مع بيان السبب لكل منهما ، فنقول ما يلي :

1- النظام الجمهوري ، أو الجمهورية ، هو نظامٌ من أنظمة الحكم الديمقراطي وهو الحكم الذي يقوم على مبدأ حكم الشعب للشعب ، ويتميَّز النظام الجمهوري بأن رئيس الدولة يُنتخَب في فتراتٍ دوريةٍ ، وهذا عامٌّ في الدول الرأسمالية والاشتراكية ، ويُوجدُ هذا النظام في الدولة الموحَّدة ، وفي الدولة الاتحادية على السواء . أما من حيث سلطات رئيس الجمهورية فهناك نوعان من النظام الجمهوري ، الأول يسمى النظام الجمهوري النيابي ، وفيه يتولى رئيس الجمهورية أعمال السلطة التنفيذية بواسطة وزارة مسؤولة أمام الهيئة التشريعية أي البرلمان ، وأما الثاني فيسمى النظام الجمهوري الرئاسي ، وفيه يتولى رئيس الجمهورية أعمال السلطة التنفيذية بنفسه ، وتكون الوزارة مسؤولة أمامه ، وليس أمام الهيئة التشريعية .

                 هذا هو أبرز ما يميز النظام الجمهوري عن النظام الإمبراطوري أو النظام الملكي الوراثي ، أو غيرهما من أنظمة الحكم . ولا بد هنا من إضافةِ وصفٍ آخر إلى ما سبق ، وإن كان معروفاً بَداهةً ، هو أن النظام الجمهوري كسائر أنظمة الرأسمالية والاشتراكية يتم فيه تطبيقُ دستورٍ من وضع البشر ، يراعي مصالح الناس فحسب ، دون أي اعتبارٍ آخر مطلقاً  فما يراه الناس مصلحة لهم يُشرِّعونه دستوراً أو قانوناً يلتزمون به .

2- بالنظر إلى ما سبق يتبين بوضوح أن النظام الجمهوري يخالف النظام الإسلامي ، أو ما يسمى بنظام الخلافة أو الإمامة من عدة وجوه :

أ - فالنظام الجمهوري مبنىٌّ على أساس أن رئيس الجمهورية يُنتخَب في فتراتٍ دورية ، بمعنى أن الرئيس يُنتخَب لمدة محدودة قد تكون أربع سنوات وقد تكون ست سنوات مثلاً ، ولا يجوز في هذا النظام أن يُنتخَب الرئيسُ مدةً مطلقةً غير محددة ، وهذا الركن في النظام الجمهوري مخالفٌ لما عليه الحال في النظام الإسلامي ، أي نظام الخلافة أو الإمامة ، فالرئيس ، أي الخليفة في دولة الإسلام ، لا يُنتخَب لمدة محدَّدة ، بل ما دام هو محافظاً على الشرع ، منفذاً لأحكامه ، قادراً على القيام بشؤون الدولة ومسؤوليات الخلافة ، فإنه يبقى في منصبه ، ذلك أن نص البيعة الواردة في الأحاديث جاء مطلقاً لم يقيَّد بمدة ، فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قولَه " اسمعوا وأطيعوا وإنْ استُعْمِل عليكم عبدٌ حبشيٌّ كأنَّ رأسَه زبيبةٌ " وفي رواية لمسلم عن يحيى عن جدته أم الحصين بلفظ " يقودكم بكتاب الله " . وأيضاً فإن الخلفاء الراشدين قد بويع كلٌّ منهم بيعةً مطلقةً غير محددةٍ بزمن ، هي البيعة الواردة في الأحاديث ، فتولى كل منهم الخلافة منذ أن بويع حتى مات ، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة رضوان الله عليهم على أنه ليس للخلافة مدةٌ محددةٌ .

ب- النظام الجمهوري مبني على أساس الديمقراطية ، وتقوم الديمقراطية على مبدأ حكم الشعب للشعب ، وهذا الركن في النظام الجمهوري مخالف قطعاً لما عليه حال نظام الخلافة أو الإمامة ، ذلك أن نظام الخلافة أو الإمامة يقوم على مبدأ السيادة للشرع وليس للشعب ، ولا يصح للشعب في دولة الإسلام أن يقوم بالتشريع ، لأن المشرِّع في الإسلام هو الله سبحانه وتعالى والرسول صلى الله عليه وسلم فيما يُوحَى إليه من ربه ، وما سوى ذلك فلا يحق ولا يجوز لمسلم كائناً مَن كان أن يضع تشريعاً ، أو يسن دستوراً للدولة الإسلامية ومن يفعل ذلك يرتكبْ إثماً ربما يوصل صاحبه إلى الكفر . قال سبحانه وتعالى في الآية 44 من سورة المائدة :(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) والخليفة في الدولة الإسلامية عملُه تبنِّي الأحكام الشرعية وجعلُها هي وحدَها دستورَ الدولة الواجب الالتزام ، فالخلاف بين النظامين خلاف جذري أساسي .

ج- النظام الجمهوري يجوز أن يُطبَّق في الدولة الموحَّدة ، ويجوز أن يُطبَّقَ في الدولة الاتحادية اتحاداً فدرالياً أو اتحاداً كونفدرالياً ، ولكنَّ الإسلام يُحرِّم على المسلمين أن يكونوا دولةً اتحادية من أي نوع ، ويوجب عليهم أن يكونوا جميعاً في دولة واحدة موحَّدة فحسب ، لما روى الإمام مسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ومن بايع إِماماً فأعطاه صفْقةَ يده وثمرةَ قلبِه فلْيُطِعْه إن استطاع ، فإن جاء آخَرُ ينازعُه فاضربوا عنق الآخَر " . ولما روى الإمام مسلم عن عَرْفَجَةَ رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " مَن أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ يريد أن يشقَّ عصاكم أو يفرِّق جماعتَكم فاقتلوه " . ولما روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِرَ منهما ". فلئن اتسع النظام الجمهوري للاتحاد الكونفدرالي وللاتحاد الفدرالي بين الدول ، فإن نظام الخلافة أو الإمامة لا يتسع إلا للوحدة بين المسلمين فحسب ، وهذا خلاف ثالث بين النظامين .

د- في النظام الجمهوري يوجد جهاز تنفيذي إضافةً إلى رئيس الدولة هو الوزارة ، وتكون هذه الوزارة مسؤولة أمام الهيئة التشريعية ، أو مسؤولة أمام رئيس الجمهورية ، والوزارة عبارة عن لجنة أو هيئة مكونة من عدة أشخاصٍ يقومون بممارسة الحكم بصورة تضامنية . وهذا الجهاز بهذا الشكل غير موجود في نظام الإسلام ، وإنما الموجود في النظام الإٍسلامي هو خليفةٌ واحد يتولى الحكم بنفسه ومنفرداً ، يساعده في الحكم معاون أو معاونان بشكل فردي غير تضامني ، بمعنى أن لكل معاون أن يفعل ما يشاء دون أن يرجع إلى المعاون الآخر ، والمسؤولية عن عمله واقعة على شخصه فحسب ولا يحتاج المعاون في تنفيذ حكم من الأحكام إلى أخذ موافقة المعاون الآخر ولا يرجع إليه في شيء ، ولا يرجع في أحكامه إلا للخليفة فحسب ، وهذا خلاف رابع بين النظامين .

3- ونضيف إلى ما سبق جملة من الأفكار التالية :

أ- إن الإسلام دينٌ ونظام عالمي جاء لعلاج مصالح العباد بالحق والعدل ، وهو دين ونظام نزل به الوحي ، فهو دين ونظام متكامل تام لا يعتريه نقصٌ ولا ضعفٌ ولا خطأ ، فقد قال الله سبحانه وتعالى في الآية 3 من سورة المائدة: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فنظامٌ عالميٌ عظيم ودين سماوي كامل تام كيف يَتَصوَّر متصوِّر ، فضلاً عن أن يكون مسلماً ، أن هذا الدين وهذا النظام ينقصه جهازٌ للحكم حتى يُؤْتَى له بنظامٍ غريبٍ عنه من وضع البشر ؟ ألا يدل ذلك على اتهام هذا الدين وهذا النظام بالنقص ، وبالتالي على تكذيبِ قوله تعالى ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ﴾ ؟ فالكامل التام لا نقص فيه حتى يُكمَّلَ بغيره من الأديان والأنظمة ، لهذا وجب على المسلمين الاقتصار على نظام الإسلام وحده ، وهو نظام الخلافة أو الإمامة ، ونبذ ما سواه .

ب- إنَّ الله سبحانه رضي لنا هذا الدين ، فوجب أن نعتز به وأن نتمسك به تمسكاً تاماً في الأصول والفروع ، وأن نلتزم به وحده وننبذ ما سواه ، ولا يكون كل هذا إلا بالتَّميُزِ ، بمعنى أن على المسلمين أن يكونوا متميزين عمن سواهم في طُرُز العيش والتفكير والسلوك وأنماط الحياة ، فالمعتز بالشيء يتمسك به ويتميز به عما سواه ، ولهذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الطلب منا أن نخالف المشركين ، وأن نتميَّز عنهم ، فكيف يقبل مسلم يؤمن بالإسلام أن يترك هذا الدين الكامل والنظام الشامل ويقلِّد الكفار ، فيقبل أن يأخذ نظاماً صنعوه من عند أنفسهم ؟ وكيف نبقى متميِّزين مخالفين للكافرين ونحن نأخذ نظام حكمهم لنطبقه في بلادنا ؟

ج - وأخيراً أُذكِّر الآخذين النظامَ الجمهوريَّ وإلباسَه اللباسَ الشرعي بأن هذا الفعل منهم يجعل الأمور عند الناس غائمة مضطربة غير واضحة ، فتصبح الأحكام الشرعية والحقائق الشرعية خافيةً على الناس ، فيضيع الهدى ويتفرق الناس مذاهبَ شتى ، ولا يعود المسلم يتبين موضع قدميه ، لأن الأخذ من الكفار يعني أن أحكامنا وأفكارنا صارت مختلطةً ملتبِسةً على الناس ، فتتوقف الدعوة إلى الإسلام ، ولا يعود المسلمون قادرين على دعوة الكفار إلى دينهم وطراز عيشهم وهذا كلُّه مما يجب أن يتفطن إليه المسلمون جميعاً ، ولم تكن هذه المعاني لتخفى على مسلم لولا هذه الهجمة الاستعمارية الفكرية التي أفقدت المسلمين توازنَهم وهويتَهم ، وجعلتهم يلتحقون بركب الحضارة الغربية الكافرة عن علم وعن جهل . فالحذرَ الحذرَ من اتباع سنن اليهود والنصارى ، فإنه المُؤْذِن بالاندثار ، وإن الخلاص والخلاص وحده هو العودة إلى التميُّزِ والاعتزاز بما رضيه الله لنا من أحكام ديننا ونظام حكمنا ، ونبذ تقليد الكفار في أنظمتهم وطُرُز عيشهم وفساد أفكارهم وسلوكياتهم .**

البـــاب الســادس

مسـائـلُ اجتماعيـةٌ

(1) السؤال : قلتم في جوابكم لمن تلبس النقاب [ فإن هي تنقَّبت في الصلاة وغطَّت كفيها اعتُبرت من المتعمِّقات والمتنطِّعات ، والتعمق والتنطع مذموم شرعاً ] فما قولكم فيمن تقول أنا أفعل ذلك اقتداءً بأُمَّهات المؤمنين ؟ أليست أمهاتُنا نساءُ الرسول عليه وعليهن السلام قدوةً لنساءِ المؤمنين ؟

(1) الجواب : نساءُ الرسول عليه الصلاة والسلام قدوةٌ لنسائنا إلا ما كان خاصاً بهنَّ فلا يُقتَدى بهن فيه ، فالله سبحانه يقول في الآية 32 من سورة الأحزاب (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴿32﴾ وحيث أن الحجاب ـ وهو غطاءُ الوجه ـ قد فُرض عليهم دون سواهن من النساء لقوله سبحانه وتعالى في الآية 53 من سورة الأحزاب ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴿53﴾فإن تغطية الوجه هو من خصوصيات نساء الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا تَقْتدي المرأةُ المسلمة بهنَّ فيه ، فالقدوة بهنَّ في كل فعل مشروع ، إلا ما خصه الدليل بنساء الرسول صلى الله عليه وسلم ، والحجاب داخل في التخصيص ، فلا قُدوة بهنَّ فيه .

(2) السؤال : قلتم [ نساءُ الرسول عليه الصلاة والسلام قدوة لنسائنا إلا ما كان خاصاً بهن فلا يُقتدى بهن فيه ] . إن الذي أعلمه هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم محل الاقتداء وليست زوجاته رضي الله عنهن ، وقد جاء في كتاب النظام الاجتماعي في الإسلام ما نصه [ … لأن الرسول هو محل القدوة في كل خطاب أو فعل أو سكوت ما لم يكن من خصوصياته صلى الله عليه وسلم ، أما نساء الرسول فلسن محل القدوة ، لأن الله سبحانه يقول في الآية 21 من سورة الأحزاب { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } ولا يصح أن تكون نساء الرسول قدوة ، بمعنى أن يُفعل الفعلُ لأنهن يفعلنه أو يُتَّصف بالصفة لأنهنَّ يتصفن بها ، بل هو خاصٌ بالرسول لأنه لا يتبع إلا الوحي ] فهذه أيضاً بحاجة للتوضيح .

(2) الجواب : للإجابة على هذا السؤال ، أو قل على هذه الملاحظة ، أقول ما يلي

   أ- إنه لا خلاف بيننا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا  وإن أي قولٍ يخالف هذا القول باطل ومردود ، ونعوذ بالله من أن نخالف هذا المعلوم من الدين بالضرورة . 

  ب- إن هذا القول أعلاه هو عام في كل مسائل التشريع ، بمعنى أن ما يقوله عليه الصلاة والسلام يُتَّبعُ كلُّه ويُقتَدى به كلِّه ولذاته ، لأنه لذاته تشريع ، وهو ما لا يتوفر لسواه . 

  ج- ومع ما سبق ، ودون أن يتعارض معه ، يصح لنا أن نقول : فلان يقتدي بفلان ، أو أنا أقتدي بفلان ، كأن أقول أنا أقتدي بأبي حنيفة ، أو أن فلاناً يقتدي بابن عباس ، فمثل هذا القول جائز ، ولا يتعارض مع ما سبق ، لأن الاقتداء بغير رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يُحمَل على اتباع ما قاله فلان أو عمله فلان مما قيل أو فُعل بحسب الشرع ، فهو إذن اقتداءٌ مقيَّد وليس مطْلَقاً ، وكأمثلة على صحة هذا القول أكتفي بإيراد ما يلي : 

   1 - عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه " قال يا رسول الله اجعلني إِمام قومي ، قال : أنتَ إِمامُهم ، واقتد بأضعفِهم ، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً " رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي والبيهقي والحاكم وابن خُزَيمة . 

   2 - عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اقتدوا باللَّذَين من بعدي أبو بكر وعمر " رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي والحاكم وابن حِبَّان ، ورواه البخاري في كتابه التاريخ .

    3 - عن ابن عباس رضي الله عنه  " دعا أخاه عبيدَ الله يومَ عرفة إلى طعامٍ ، قال : إني صائم ، قال : إنكم أئمةٌ يُقتدَى بكم ... " رواه أحمد والنَّسائي . 

       4- عن أبي وائل قال " جلست إلى شيبة في هذا المسجد ، قال : جلس إليَّ عمرُ في مجلسك هذا فقال : هممتُ أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتُها بين المسلمين ، قلتُ : ما أنت بفاعلٍ ، قال : لم َ؟ قلتُ : لم يفعله صاحباك ، قال : هما المرآن يُقتدى بهما " رواه البخاري وأحمد بن حنبل وابن أبي شيبة . 

              هذه النصوص ورد فيها الاقتداء بغير رسول الله صلى الله عليه وسلم  فلا يقال إِنها تعارض ما جاء في البندين السابقين ، بل تُفسر بأنها تعني اتباع ما قام به الشخص أو قاله مما هو وارد في الشرع . 

      د - إن الأخت السائلة قالت ( أنا أفعل ذلك اقتداءً بأمهات المؤمنين ) فأجبتها على شاكلة سؤالها ، ويسمى مثل هذا الأمر بالمجاراة والمقابلة ، وقد ورد ذلك في كتاب الله سبحانه ، قال تعالى في الآية 40 من سورة الشورى چ ھ  ھ  ے  ےچ  فهي من صميم لغة العرب ، ولم أشأ أن أدخل مع الأخت الفاضلة في أبحاثٍ تتعلق بعلم الأصول ، إذ ينبغي أن يكون الجواب على قدر السؤال والحاجة ، ومع مراعاة الحال . 

                    لهذه البنود الأربعة أقول إِن الجواب كان صحيحاً ، ولا يتعارض مع وجوب الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم بشكل مطلق .

(3) السؤال : رجلٌ قال لزوجته : إِن ذهبتِ إلى السوق فأنت طالق ، ثم أراد أن يتراجع عن قوله ، فماذا يفعل ؟

(3) الجواب : تطلقُ زوجته إن هي ذهبت على السوق على الرأي الصحيح , لأنه لا مجال في هذا الأمر للتراجع , وقد شُرع الطلاق مرتين لأمثال هؤلاء الذين إن هم غضبوا قالوا مثل هذا الكلام , فلا يعودون لمثله مرةً ثانيةً .

(4) السؤال : رجل حلف بالطلاق فقال : عليَّ الطلاق لن أقرأُ هذا الكتاب , ثم إنه قرأ الكتاب ، فهل تطلق زوجته ؟

(4) الجواب : لا تطلقُ زوجته ولا يقع بالحلف بالطلاق طلاقٌ ، وعليه فقط كفارةُ يمين ، وهي إطعامُ عشرةِ مساكين . فالحلف بالطلاق غيرُ إرادة الطلاق ، وكم أتمنى على الرجال أن يقلعوا عن هذه العادة السيئة .

(5) السؤال : ما هو حكم تنظيم النسل ، وهل يصح شرعاً ؟

(5) الجواب : تنظيم النسل جائز ، وقطع النسل حرام . أما الدليل على جواز تنظيم النسل فما رواه البخاري ومسلم وغيرهما " عن جابر قال : كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وما رواه أحمد ومسلم وأبو داود " عن جابر قال : جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنَّ لي جاريةً وهي خادمتُنا وسانِيتُنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل ، قال : اعزل عنها إن شئت ، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها … " ويأخذ حكمَ العزل وضعُ اللولب ، وتناولُ حبوب منع الحمل ، وأخذُ الإبر الخاصة ، فكل ذلك جائز

               وأما الدليل على تحريم قطع النسل , فما رواه البخاري ومسلم وأحمد ابن حنبل عن عبد الله - بن مسعود ? رضي الله عنه" كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيءٌ ، فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ، ثم رخَّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ، ثم قرأ علينا ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) " فأدخل الخصاء تحت بند التحريم . ويأخذ حكم الخصاء إغلاقُ الأنابيب عند المرأة ، وأخذُ أيِّ دواء أو إِجراءُ أيةِ عمليةٍ لدى الرجل أو المرأة من شأنها أن تقطع نسلهما بشكل دائم .

مسائل فقهية مختارة

لأبي إياس محمود بن عبد اللطيف محمود

( عويضة )

الباب الخامس

زكاة وإقتصاد

العبادات

www.sharabati.org