مسائل فقهية مختارة ( عام )

**(16) السؤال : في حالة إتمام جزء من الصفقة هل يصح أن يطلب الطرف المتضرر إعادة النظر فيما تبقى من الوفاء بالعقد أو الصفقة ، نظراً لاختلاف أسعار الصرف أو اختلاف السلع ، كأن يطلب رفع قيمة العقد ليتمكن من الوفاء بالعقد ، أم أنه ملزم بالعقد في كل الظروف والأحوال ؟

(16) الجواب : لا يجوز أن يغير في العقد ، ويبقى مُلزَماً به في كل الظروف دون نظر للغلاء بالعملة أو بالبضاعة ، والأصل في الحالة التي نحن فيها من حيث عدم استقرار أسعار العملات والبضائع أن يكون العقد مقيداً بفترة زمنية قصيرة حتى يأمن على أمواله من المضاربات المالية .

(17) السؤال : في ظل الحالة الاقتصادية المذكورة آنفاً ، يلجأ بعض المقاولين أو التجار الذين يتعاملون مع المؤسسات الرسمية ، إلى الإخلال بالعقد ودفع الغرامات الجزائية ، ليتحللوا من العقد بسبب اختلاف الأسعار أو اختلاف سعر الصرف ، لأن قيمة الغرامة الجزائية تكون أقل بكثير من الخسارة التي يمكن أن تلحق به جراء وفائه بالعقد ، فهل هذا التصرف تصرف شرعي مقبول ؟

(17) الجواب : يجب الالتزام بالعقد لقوله تعالى في الآية 1 من سورة المائدة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ) دون نظر في المصلحة ، ولا يجوز أن يخالف العقد بسبب كون قيمة الغرامة أقل من الخسارة فيما لو التزم بالعقد .

( 18) السؤال : هل نفقةُ المرأةِ الأرملةِ أو المطلقةِ أو غيرِ المتزوجة في حالة وفاة أبيها أو عجزِه مالياً واجبةٌ شرعاً على أخيها ، أم أنَّ هذه النفقة مندوبةٌ وأنها تدخلُ في باب البر ؟ وهل يصبح عملها من أجل توفير ما تحتاج إليه من مال واجباً عليها ؟ وهل يسقط هذا الواجب إن كان إنفاقُ أخيها عليها واجباً عليه ؟

( 18) الجواب : ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى عدم وجوب نفقة الأخت على أخيها إطلاقاً . فيما ذهب أحمد إلى وجوب هذه النفقة في حالة كون الأخِ وارثاً لأخته فقط مستدلاً بقوله تعالى في (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فرتَّب سبحانه النفقةَ على الإرث , وبالقاعدةِ الفقهية [ الغُرمُ بالغُنم ] . فلو كانت الأختُ لا مال لها ، وكان أخوها هو الوارث لها بمعنى عدم وجود وارثٍ لها يحجب أخاها عن ميراثها فإنَّ نفقتها تصبح واجبة عليه عندئذ .

         	      وهكذا يتفق الأئمةُ الأربعةُ على أنَّ الأخت الأرملة أو المطلقة إن كان لها وارثٌ يرثها ، فإنَّ نفقتها غير واجبة على أخيها ، وينفرد أحمد بالقول بوجوب نفقتها على أخيها في حالة عدم وجود وارثٍ لها يحجب ميراثها عن أخيها ، وهو ما أقول به . 

                وفي حالة وجود الدولة الإسلامية فإنَّ هذه الدولة تتولى الإنفاقَ على هذه الأخت الأرملة أو المطلقة سواءٌ كان لها وارثٌ أو لم يكن . أما في عصرنا الراهن فإنها إنْ لم تجد ما تنفقه على نفسها ، ولم تجد من يقدِّم لها مالاً من الزكاة ، فإنَّ الواجب في هذه الحالة يقع على من يليها من الجيران والأقارب  والأخُ واحدٌ منهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم " ... وأيما أهلُ عَرَصةٍ أصبح فيهم امرؤٌ جائعٌ فقد برِئت منهم ذِمَّةُ الله تعالى " رواه أحمد من طريق ابن عمر رضي الله عنهما . ولقوله عليه الصلاة والسلام "ما آمن بي مَن بات شبعان وجاره جائعٌ  إلى جنبه وهو يعلم به " رواه البزار  من طريق أنس ابن مالك رضي الله عنه بسند حسن . ورواه ابن أبي شيبة من طريق ابن عباس رضي الله عنه بلفظٍ قريب . 

(19) السؤال : ما هو المقصود من الصدقة ؟ وما هو المقصود من الإنفاق الوارد في كثير من النصوص , مثل قوله تعالى في الآية 134 من سورة آل عمران چ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢچ وغيرها , وهل يختلف الإنفاقُ عن الصدقة ؟ وهل الإنفاقُ أو الصدقةُ أو الإطعامُ الممدوح في النصوص يكون فقط للفقراء ؟ وهل يُؤجرُ المرءُ على إطعامه أو إنفاقه أو تصدُّقِه على من هو غير محتاجٍ لوجه الله تعالى ؟ أم أنه يُعتبر من باب الكرم ؟

( 19 ) الجواب : الإنفاقُ كلمةٌ عامة تشمل الصدقة والهبة والهدية والصلة وغيرها أما الصدقةُ فتعني فقط ما يُقدَّم للفقير والمسكين والمحتاج . وأما الإطعامُ فيشمل إطعامَ الفقراء والأغنياء والأقارب والأصحاب ، فهو كلمة عامةٌ مثل الإنفاق . وأما الكرم فهو تقديم الطعام والمال خلاف الصدقة ، ويكون في الأصل للضيوف وفي المناسبات . وأما بخصوص الثواب ، فإنْ كانت هذه الأمور يُبتغى بها وجهُ الله ، واحتسبها أصحابها في مرضاة الله تعالى فإنهم يُؤجَرون عليه وإن هم فعلوها للسمعة والذَِكر فإنهم لا يُثابون عليها .

( 20 ) السؤال : هل قضاء دّين الأب الميت واجبٌ شرعاً على أبنائه ؟ أم هو مندوب ؟

( 20 ) الجواب : إنَّ الحكم الشرعي هو أنه لا يجب على أحدٍ من الورثةِ قضاءُ الدَّين عن الميت ، أيِّ ميت ، إلا من تركته فقط . وهذا الحكم متفق عليه بين الأئمة . فإن ترك الأب مالاً فقد وجب على أبنائه قضاء دينه من هذا المال ، وما فضل بعد قضاء الدَّين يُقسم على الورثة ، . أما إن مات الأب ولم يترك مالاً يفي بسداد دَينه ، أو ترك مالاً يفي بسداد قسم من الدَّين فقط ، فإنَّ قضاء الدَّين كلِّه أو بعضِه عن الوالد يأخذ حكم الندب فحسب ، ويبقى أمامهم التطوع عن أبيهم في سداد دّينه .

         	      والذي أُريد أن أُضيفه هنا هو ما يلي : إنَّ الأب في حياته إن لم يكن عنده مالٌ يكفيه بالمعروف ، فإنَّ نفقته تقع على أبنائه وجوباً لقضاء حاجاته ، فإن لم يفعلوا وقام الأبُ في حياته بالاستدانة من الغير لقضاء حاجاته ، ثم مات وترك دّيناً من أجل هذه الاستدانة فإنَّ قضاء دين الأب الميت يصبح واجباً على أبنائه . 

                 أما إن كان الدَّين على الأب قد حصل من غير هذه الحالة ، كأنْ كان تاجراً وخسر في تجارته ، أو كان مبذراً ينفق في غير حاجاته وركبه دينٌ فليس على الأبناء واجبٌ لقضاء هذا الدَّين في هذه الحالة ، ولكن الأبناء إن هم تطوعوا لسداد دَين أبيهم فإنَّ ذلك يكون من أنواع البرِّ ، وفي ذلك ثوابٌ عظيم ٌ.**

(11) السؤال : هل يجوز أن يقبل شخصٌ هديةً من رجل يعمل عند تاجر جملة يوزع على التجار بالمفرَّق ، وهو مندوب مبيعات ، وفي بعض الأحيان يبيع بضاعة خاصة به على أنها للتاجر صاحب العمل ، يبيعها للزبائن ، ويأخذ ثمنها بدون علم صاحب العمل ، هل يجوز للشخص قبول هديته المأخوذة من مال التاجر ؟

(11) الجواب : الرجل العامل عند تاجر جملة مؤتَمَنٌ على مال التاجر ومصلحته فلا يجوز له التفريط بحقوق التاجر أو التلاعب بالبيع والإهداء ، وإن فعل ذلك أثم ، إلا في حالة ما إذا أذن التاجر له بالقيام بإهداء الناس هدايا من مال تجارته ، وكل إنسان يعرف أن هذا العامل يُهدِي الناس هدايا بدون إذن التاجر لا يحل له قبول هديته .

(12) السؤال : في هذا العصر صارت النقود على هيئة أوراق نقدية إلزامية تستمد قوتها من القانون والدولة ، ولتحديد هل بلغت النقود نصاب الزكاة أم لا ، لا بد لنا من أن نُقوِّمها بأحد المعدنين ، الذهب والفضة ، لنعلم هل بلغت النصاب أم لا ، والمشكلة تكمن في أن نصاب الذهب يختلف تماماً عن نصاب الفضة ، بحيث لو أننا اخترنا التقويم بنصاب الفضة فإن الزكاة تجب بمجرد حولان الحول على مائة دولار أمريكي ، بينما لو أننا اخترنا التقويم بنصاب الذهب فلن تجب الزكاة في أقل من ألف دولار أمريكي تقريباً ، وذلك أن 595 غراماً من الفضة قد تشتريها بأقل من مائة دولار ، بينما تحتاج إلى أكثر من ألف دولار لشراء 85 غراماً من الذهب ، فعندما نريد معرفة أنَّ ما لدينا من نقودٍ ورقيةٍ إلزامية هل بلغت النصاب أم لا ، فبأي المعدنين نقوِّم ؟ أرجو تفصيل الدليل ، لأن هناك إخواناً كثيرين ينتظرون الإجابة ، وأحب أن أقدِّمها لهم كاملة وافية ، ولك إن شاء الله من الأجر ما يليق بكرم الله ومنِّه وفضله ، وأَنْعِم به من كريمٍ منانٍ متفضِّلٍ سبحانه ، وبارك الله بكم .

(12) الجواب : في العصور القديمة كانت الدول تصدر عملاتها قِطَعَاً من الذهب وقِطَعَاً من الفضة ، وكانت بعض الدول تصدر عملاتها قِطَعَاً من الذهب فقط ، وبعضها تصدر عملاتها قِطَعَاً من الفضة فقط ، وفي عصرنا الراهن أخذت الدول تصدر عملاتها أوراقاً مغطاةً بالذهب ، ولم يبق من الدول من تصدر عملاتها أوراقاً مغطاةً بالفضة منذ عام 1930 كما كان حاصلاً في دول جنوب شرق آسيا ، فالدول حالياً تغطي أوراقها النقدية أو تقدِّرها بالذهب فقط، وفي مرحلة لاحقة صارت التغطية بالذهب وبالدولار ، أو بسلَّةٍ من العملات الرئيسية ، ومن هذا الاستعراض نجد أن العملات الإلزامية لم تعد تُغطَّى بالفضة ، وبقي الذهب غطاءً ، إلى جانب عملات رئيسية أخرى ، وعليه أقول إن زكاة الأوراق النقدية حالياً يجب أن تُقدَّر بقيمتها من الذهب فقط ، ولا تُقدَّر بقيمتها من الفضة ، فإن بلغت الأوراق النقدية قيمة عشرين ديناراً شرعياً ، أي بلغت 4.25 x 20 = 85 غراماً من الذهب وجبت فيها الزكاة ، ولا يُلتَفت لنصاب الفضة حالياً ، اللهم إلا من يملك سبائك الفضة وبلغت مائتي درهم ، أي بلغت 975 , 2 x 200 = 595 غراماً من الفضة فيخرج زكاتها ، وهذا الحال يُتصوَّر وجوده لدى بائعي المعادن والصاغة الذين يتعاملون بالفضة .

وباختصار أقول ما يلي : يجب عليك أن تقدِّر أوراقك النقدية بما يعادلها من الذهب بسعر يومها ، فإن ملكتَ ما تشتري به 85 غراماً من الذهب فأكثر فقد وجب عليك إخراج زكاتها ، وإلا فلا .

(13) السؤال : ما حكم استئجار كٍشكٍ من البلدية مُقامٍ على الأرصفة ؟

(13) الجواب : الأرصفة والشوارع هي ملكية عامة ، ومن طبيعتها أنها تمنع اختصاصَ أحدٍ بحيازتها ، وهي ليست ملكية فردية ولا ملكية الدولة ، فلا يجوز بيعها ولا تأجيرها ولا حجزُها عن الناس ، ومن يفعل ذلك فهو معتدٍ على حقوق الناس وآثمٌ . والجائز فقط هو الانتفاع المؤقت بها بشرط عدم منع الناس من الانتفاع بها ، فلو نصب شخصٌ خيمةً في وسط الشارع واتخذها للتجارة بحيث تَحُولُ الخيمة بين الناس وبين المرور أو تؤدي إلى مضايقة المارة فإنه يأثم ، ولو كان استعمال الخيمة مؤقتاً . فاستعمال ما يدخل في الملكية العامة جائز بشرطين : أن يكون الاستعمال مؤقتاً ، وأن لا يمنع ذلك الاستعمالُ الآخرين من الانتفاع به ، وبناء على هذا فإن استئجار الأكشاك المنصوبة على الأرصفة وتأجيرها حرام لا يجوز .

(14) السؤال : هل العمل في سوقٍ تجارية تُباع فيها الخمرة جائز أم لا ؟

(14) الجواب : يجوز العمل في هذه السوق بشرط أن لا يتولى بنفسه بيع الخمور ، ولا ما يتعلق بها ، ولكن الأَوْلى اجتناب العمل في هذه السوق .

(15) السؤال : أولاً : يحصل أن يشتري شخص قطعة أرض واسعةً في الصحراء ثم يقوم بحفر بئر ماء فيها تكلفه الآلاف من الدنانير ، ثم يقوم بتقطيع أرضه قطعاً كثيرة صغيرة ، ويعرض هذه القطع على الفلاحين لاستئجارها ويتعهد لهم بتزويدهم بالماء من بئره ولكن بالثمن ، فهل يجوز استئجار قطع الأراضي هذه ؟

         ثانياً : وقد يَعرِض صاحب الأرض أرضه كلَّها بما فيها البئر على الفلاحين لاستئجارها دفعة واحدة ، فهل هذه العملية جائزة أيضاً ؟ 

         ثالثا ًً: وقد يقوم صاحب الأرض أحياناً ببناء بيوتِ حمايةٍ بلاستيكية في أرضه ، ثم يعرض أرضه هذه للإيجار ، فهل يجوز استئجار هذه الأرض ذات البيوت البلاستيكية ؟

(15) الجواب : أ - إجارة الأرض البيضاء ، أي التي لا شجر فيها ، تسمى مزارعة وأما إجارة الأرض السوداء ، أي ذات الشجر ، فتسمى مساقاة . أما المزارعة فحكمها التحريم ، وأما المساقاة فحكمها الجواز .

          أما الدليل على حُرْمة المزارعة أو إجارة الأرض البيضاء ، فما رواه رافع بن خديج رضي الله عنه قال " نهى النبي صلى الله عليه وسلم من كِراء المزارع " رواه البخاري ومسلم وأحمد . ولأحمد من طريق رافع ، ولابن حِبَّان من طريق جابر كلاهما بلفظ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كِراءِ الأرض " .

                وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الأرض أن يزرع أرضه  أو أن يهبها لشخص آخر ليزرعها ، وإلا حبسها وأبقاها معه على حالها ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له أرض فلْيزرعْها أو لِيمنحْها أخاه ، فإن أبى فلْيُمسك أرضه " رواه البخاري ومسلم وأحمد 

                هذا هو حكم إجارة الأرض للزراعة ، وهو التحريم ، لهذا نقول إنه لا يحل لصاحب الأرض أن يؤجِّر الفلاحين قطع الأراضي هذه ، ولا يحل للفلاحين استئجارُ هذه القطع ما دامت بيضاء غير مشجَّرة . 

                أما القول إن صاحب الأرض قد تكلف كثيراً بحفر بئر الماء وإنه حوَّل الأرض الجرداء إلى أرضٍ تسيل فيها المياه ، وإنه لهذا السبب يريد تأجير أرضه وبيع المستأجرين من ماء البئر لزراعتهم ، وإن الأرض لولا الماء لما استأجرها أحد ، وبالتالي القول بأن هذه الحالة حالة جديدة لا ينطبق عليها حالة إجارة الأرض أو المزارعة المحرَّمة ، فإنا نجيب هؤلاء بأن تحريم إجارة الأرض جاء في النصوص عاماً فيشمل الأرض البعلية كما يشمل الأرض المروية دون فارق بينهما ، فالأرض البعلية يحرم تأجيرها للزراعة ، والأرض المرويَّةُ يحرم تأجيرها للزراعة  فالأرض هذه موضوع السؤال داخلة في حكم التحريم . 

                ونضيف إلى ما سبق ما يلي : إنه لا يصح القول إن المستأجر لم يستأجر أرضاً  وإِنما استأجر أرضاً وماء أو استأجر أرضاً ذاتَ ماءٍ سالَ في الأرض بفعل الإنسان ، وأن هذه الحالة تجعل الإجارة جائزة ، لا يصح القول هذا لسببين : 

  أولاً : إن عقد الإجارة قد وقع على عين الأرض دون الماء ، ولذا فإن العقد هنا عقد مزارعة .

  ثانياً : إن صاحب الأرض يؤجر الأرض ثم يعرض تزويدها بالماء بالثمن ، أي يقوم ببيع الفلاحين الماء بيعاً ، والبيع غير الإجارة ، فشراء الماء من صاحب الأرض لا يجعل إجارة الأرض جائزة ، وحتى لو عرض صاحب الأرض تزويد الأرض بالماء مجاناً دون ثمن ، فصارت الأرضُ مرويةً بالماء فإن إجارة هذه الأرض تبقى هي هي حراماً ، إضافةً إلى وجود نهي عن إجارة الأرض وعن الماء أيضاً ، وذلك فيما رواه جابر رضي الله تعالى عنه قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان له فضلُ أرضٍ أو ماءٍ فلْيزرعْها  أو ليُزْرِعْها أخاه ولا تبيعوها ، فسألت سعيداً : ما لا تبيعوها ، الكراء ؟ قال : نعم " رواه أحمد والبيهقي . فهنا دخل الماء مع الأرض في حكم النهي عن الكراء ، أي عن الإجارة والمزارعة . ولكنا نقول لصاحب الأرض إنَّ أمامك خيارين اثنين فحسب : 

  1- إِما أن تهب أرضك للفلاحين مجاناً ، ثم تقوم ببيعهم الماء بالسعر الذي يناسبك ويتحملونه ، فتستفيد من ذلك . 

  2- وإِما أن تهبهم الأرض مجاناً ، وتقدِّم لهم الماء دون ثمنٍ على أن تصبح بتقديم الماء شريكاً لهؤلاء الفلاحين في ناتج الأرض ، أي أنت تُقدِّم الماء وهم يقدمون الجهد والبذار وما يلزم ، ويكون الربح على ما تشترطون عليه  فتأخذ أنت الربع أو الثلث مثلاً ، وهم يأخذون الباقي ، ولا يكون للأرض حصةٌ ، ولا يُراعى كونُها مملوكةً لك عند تقدير نسبة الأرباح ، وما سوى ذلك فلا يجوز ، لأن حكم إجارة الأرض البيضاء حرام ، سواءٌ منها ما كانت بعلية أو مروية . 

ب- يجوز استئجار بئر الماء ، ويجوز أن يدخل في عَقد الإيجار ما حول البئر من الأرض مما يلزم لها فحسب ، ولا يجوز أن يدخل في عقد الإيجار ما يزيد عن حاجة البئر من الأراضي المحيطة به ، فالبئر تحتاج إلى نَصْبِ مَضخَّةٍ ، والمضخَّةُ تحتاج إلى غرفة ، وإلى غرفة أُخرى للوقود ، وإلى غرفٍ للعمال وما إلى ذلك ، فما يكفي من الأرض لذلك وأمثاله يدخل في عقد الإيجار ، وما يزيد عن ذلك مما يؤخذ للمزارعة فلا يجوز ، لأنه في هذه الحالة يكون المستأجر قد استأجر البئر ، واستأجر أيضاً أرضاً زراعية للزراعة ، والثاني لا يجوز .

ج- الأرض المقامة عليها بيوتٌ بلاستيكية يجوز استئجارها ، لأن واقع الإجارة هنا هو استئجار البيوت البلاستيكية وليس الأرض ، وإن كانت البيوت مقامةً عليها ، تماماً كمن يستأجر بيتاً أو يستأجر مصنعاً ، فإن الإجارة تقع على البيت وعلى المصنع وليس على الأرض المقامَيْن عليها ، فالإجارة وقعت على العين المقامة على الأرض ، وليس على الأرض ذاتها . ولكن هذه الإجارة جائزة بشرط أن تكون الأرض بمجملها أو بغالبيتها مغطاةً بالبيوت ومخصَّصة لها ، لا أن تكون الأرض مثلاً عشرين دونماً عليها بيتٌ واحد أو بيتان من البلاستيك ، مساحة البيت الواحد نصف دونم ، فيدَّعي المستأجر أنه استأجر البيت أو البيتين ، وهو في الحقيقة يكون قد استأجر الأرض البيضاء للزراعة ، وتكون عملية استئجار بيوت البلاستيك في هذه الحالة حيلةً للقيام بعملية المزارعة المحرَّمة ، ولهذا فإنا نقول إنه ينبغي أن تكون المساحة المغطاة ببيوت البلاستيك تشكل غالبية الأرض المستأجَرة أو كلَّها ، ولا تشكل المساحةُ غير المغطاة بهذه البيوت إلا الجزء اليسير منها حتى تصح العملية ، وإلا كانت حراماً لا تجوز .

زكاة وإقتصاد

(1) السؤال : ما هو الحد الفاصل بين الفقر والغنى ، أو بين الفقير والغني ، وهل صحيح أن الغني هو من ملك نصاب الزكاة فما فوق كما يقول الأحناف ؟

(1) الجواب : لقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة اختلافاً واسعاً ، وحيث أننا نحن نتبنى في هذه المسألة ، فإن الواجب علينا الوقوف عند ما نتبناه نحن ، وندع من يرغب في الوقوف على آراء الفقهاء المتعددة يعود إلى كتب الفقه المعتبرة .

                نحن نتبنى أن الفقير هو من نقصت أمواله عن قضاء حاجاته الأساسية ، وحددناها بالمأكل والملبس والمسكن ، وهذه الحاجات الثلاث قد ذكرتها النصوص بشكل جلي لا لبس فيه ، فمن نقصت أمواله عن قضاء هذه الحاجات الأساسية فهو فقير يستحق الزكاة ، أما من زادت أمواله على قضاء هذه الحاجات الثلاث فليس بفقير عندنا .

               أما هل من زادت أمواله على قضاء هذه الحاجات الأساسية الثلاث يعتبر غنياً  فهذه المسألة تشعبت فيها آراء الفقهاء كثيراً ، أما نحن فعندنا في المقدمة فقرة فيما يتعلق بأخذ الضرائب أنقلها كما وردت [ الضريبة ، فلا تُحصَّل من المسلم إلا إذا زادت عن الحاجات التي تلزم مثله عادة ، أي ما زاد على مأكله وملبسه ومسكنه وخادمه وزواجه وما يركبه لقضاء حاجته ، وما شاكل ذلك حسب أمثاله ، لأن هذا هو معنى قول الرسول " عن ظهر غنى " .

                نخلص من هذا البيان إلى أن من نقصت أمواله عن قضاء حاجاته الأساسية الثلاث يعتبر فقيراً ، فإن وفت أمواله على قضاء هذه الحاجات فقط فقد خرج من دائرة الفقر ، ولكنه لم يدخل في دائرة الغنى ، ولا يدخل في دائرة الغنى ويصبح غنياً إلا إن تحقق له ما جاء في المقدمة أعلاه ، أي كانت أمواله تكفي لقضاء الحاجات الأساسية وللحاجات اللازمة الأخرى كالعلاج والركوبة والتعليم والزواج وما شاكلها ، أرجو أن أكون قد وفقت في بيان حد الفقر والغنى ، أو الحد بين الفقير والغني .

(2) السؤال : هل لا تجب الزكاة في حُلِيِّ المرأةِ من الذهب مهما كثرت ، إن كانت تستعملها للزينة وتقول هي للزينة وللزمن ، إن احتجتُها بعتُها وانتفعتُ بثمنها ، ولا تنوي كنـزَها ، وإذا زادت عن حاجتها فهل تُزَكِّي ما زاد ؟

(2) الجواب : لا تجب الزكاة في حُلِيِّ المرأة من ذهبٍ أو فضةٍ أو حجارةٍ كريمة مهما كثرت ، ما دام ينطبق عليها أنها زينةٌ وللزينة ، أما إن اشترتها المرأة لغير الزينة ، وإنما من أجل الادِّخار وانتظار الحاجة إليها ، فيجب عندئذٍ إخراجُ زكاتها . فقد رُوي عن جابرٍ رضي الله عنه قال " لا زكاةَ في الحلي " رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ . وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال " لا زكاةَ في الحلي " رواه الدَّارَقُطني . ورُوي مثله عن أنسٍ وأسماء رضي الله عنهما . وعن القاسم " أنَّ عائشةَ رضي الله عنها كانت تلي بنات اخيها يتامى في حِجرها لهنَّ الحليُّ فلا تُخرج من حُليِّهنَّ الزكاةَ " رواه مالك والبيهقي . وممن ذهب إلى هذا القول مالك وأحمد والشافعي.

                  أما مقدار الحاجة ، فتُقدِّرها المرأة  نفسُها بالمعروف لأمثالها ، فلو اشترت عشر أساور فهي ضمن الزينة بالمعروف ، ولكن إن هي اشترت خمسين أو سبعين مثلاً ، فإنها في هذه الحالة لا تُعتبر من الزينة حسب المعروف ، فعندئذٍ تستثني منها مقدار حاجتها بالمعروف ، كأن تستثني عشراً منها ، ثم تزكي عن الباقي .

(3) السؤال : توفي أبي منذ شهر أو أقل ، وكان لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ، حسب علمي، أما زكاة الفطر فكان يُخْرِجُها ، ولكنه صام آخر رمضان من عمره ، وكان قلبه رقيقاً بحيث أنه في بعض المرات كنا نرى الدموع في عينيه عند سماع القرآن ، وكنا إذا قلنا له صلِّ يا أبي يقول : إن شاء الله ، وعندما توفي قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم اأجُرْنا في مصيبتنا وأَخْلِفْ لنا خيراً منها ، كما تعلمت من أم سلمة رضي الله عنها ، وقد وسوس لي الشيطان بأنه كافر لأنه لم يكن يصلي ، فلا أدري أأستغفر الله له فأعصي ربي أم لا أستغفر له ، فماذا أعمل ؟

(3) الجواب : الرأي الأصح هو أن تارك الصلاة تكاسلاً وإهمالاً فاسقٌ وعاصٍ ، وليس كافراً ، فأبوكِ مسلم إن شاء الله تعالى ، ولهذا يجوز لكِ أن تستغفري الله له ويجوز لكِ أن تدعي الله له بالرحمة ، ويجوز لكِ أن تتصدقي عنه ، عسى الله أن يرحمه أو يخفف عنه العذاب .

(4) السؤال : هل يجوز للزوجة أن تتصدَّق على الفقراء من المال الذي يهبه لها زوجها كمصروف لها ، وقد يسألها عنه كيف أنفقته ؟ فهل يجوز لها التصدُّق من هذا المال بدون علمه ( ما لم تتجاوز الحد المعقول بالصدقة ) ولا تخبره ، لأنها تحب سِرِّية الصدقة ، أو تخشى منع زوجها لها من ذلك لقلَّة ذات اليد ؟

(4) الجواب : يجوز للمرأة أن تتصدق من المال الذي يهبه لها زوجها كمصروف لها وكنفقة ، لأن المال هذا يصبح ملكاً لها ، يجوز لها أن تتصرف فيه بعلمه وبدون علمه ، إلا إنْ اشترط عليها أن لا تنفقه في غير حاجتها فلا يجوز التصدُّق به ، أما مال زوجها الذي يقع تحت يدها فليس لها الحق في التصرف به مطلقاً إلا بإذنه وبحدود شروطه .

(5) السؤال : هل ثمن ساعة الذهب الرِّجَّالية يعتبر مالاً حلالاً ؟

(5) الجواب : الحرام هو لبس الرجل هذه الساعة ، أما بيعها وشراؤها وقبض ثمنها فجائز وحلال .

(6) السؤال : هل مرتَّب العامل في مؤسسة تبيع الساعات ، ومن ضمنها ساعاتٌ ذهبيةٌ رجالية ، هل مرتَّبُه حلال أم هو كمن يعمل في خمارة أو بنك ربوي ؟

(6) الجواب : إن مرتَّب العامل في هذه المؤسسة حلال ، فالحرام ليس بيع الساعة أو شراءَها ، وإنما الحرام فقط هو أن يلبسها الرجل إن كانت من الذهب .

(7) السؤال : هل مال العامل في البنك الربوي مهما كان نوع عمله يعتبر مالاً حراماً ؟

(7) الجواب : مال العامل في البنك الربوي حرام إن كان عمله في الأمور الكتابية والحسابية ، وفيه شُبهةٌ فيما سوى ذلك .

(8) السؤال : هل شراء العملات من أجل بيعها حين يرتفع سعرها جائز شرعاً ؟

(8) الجواب : نعم هو جائز شرعاً ، ولا يعتبر من الاحتكار المحرَّم ، فالاحتكار هو إخفاءُ سلعةٍ يؤدي إخفاؤُها إلى غلاء سعرها في السوق ، وهذا الواقع غير متوفر في موضوع العملات بالنسبة للأفراد .

(9) السؤال : هل يجوز إخراج كفارة اليمين ، أو كفارة الإفطار في رمضان ، للمسلمين في البوسنة والهرسك أو في الصومال ، أو في أي بلد للمسلمين فيه حاجة إلى المعونة ؟ وهل ينطبق الحكم نفسه على الزكاة ؟

(9) الجواب : يجوز ذلك إن كان يغلب على ظن المُخرج أن الكفارة أو الزكاة ستُصرف هناك على مستحقيها ، أما إن كان لا يدري أين تذهب وعلى مَن تُصرف ، أو كان لا يثق بمن يوصلها فلا يرسلها إلى هناك . والأَوْلى دائماً إخراجُ الزكاة في بلد المزكِّي وصاحبِ الكفارة .

(10) السؤال : هل يجوز قبول الهدية من رجل له رصيدٌ في البنك يأخذ عليه الفائدة الربوية ، وله كذلك أسهمٌ ربحت مبلغاً من المال إِضافةً إلى ماله ، ولا يدري هل الهدية هي من المال الحلال أم من المال الحرام ؟

(10) الجواب : نعم يجوز قبول الهدية من المرابي أو ممن يعمل في البنوك ، والإثم فقط على المرابي دون سواه ، لأن الإثم لا يتعلق بذمَّتين ، أما إن هو تَنَـزَّه عن أخذ الهدية ورعاً أو زجراً للمرابي فهو مأجور .

**( 47) السؤال : ما حكم اقتناء واستعمال أواني الأكل والشرب المصنوعة من الذهب ومن الفضة؟ وما حكم اقتناء واستعمال غير أواني الأكل والشرب المصنوعة من هذين المعدنين ؟

( 47 ) الجواب : قبل الإجابة على هذا السؤال نذكر ما قاله الإمام النووي في هذه المسألة , ثم نستعرض النصوص المتعلقة بها , ونستنبط منها بإذن الله تعالى وتوفيقه الحكم الراجح فيها .

          قال الإمام النووي ما يلي { انعقد الإجماعُ على تحريم الأكل والشرب فيهما , واختُلف في العلة , فقيل للخيلاء , وقيل بل لكونه ذهباًوفضة, واختلفوا في الإناء المطلي بهما هل يلحقُ بهما في التحريم أم لا؟ فقيل : إن كان يمكن فصلُهما حرم إجماعاً لأنه مستعملٌ للذهب والفضة , وإن كان لا يمكن فصلُهما لا يحرم , وأما الإناءُ المُضبَّبُ بهما فإنه يجوزالأكل والشرب فيه إجماعاً , وهذا في الأكل والشرب فيما ذكر لا خلاف فيه , فأما غيرهما من سائر الاستعمالات ففيه الخلافُ  فقيل: لا يحرم , لأنَّ النصَّ لم يردْ إلا في الأكل والشرب , وقيل يحرمُ سائر الاستعمالات إجماعاً , ونازع في الأخير بعضُ النتأخرين وقال : النصُّ ورد في الأكل والشرب لا غير , وإلحاقُ سائر الاستعمالات  بهما قياساً لا تتمُّ فيه شرائطُ القياس }.

               والآن دعونا نستعرض النصوص التي تناولت هذه المسألةَ , ثم نستنبط الأحكام الراجحةَ فيها بإذن الله تعالى وتوفيقه :

1 ? عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " رواه مسلم والبخاري وأحمد . وفي روايةٍ لمسلم بلفظ " إنَّ الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب …" والجرجرة : صبُّ الماء في الحلق .

2 ? عن حذيفة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج , ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة , ولا تأكلوا في صحافها , فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة " رواه البخاري ومسلم وأحمد . وفي روايةٍ أخرى للبخاري عن حذيفة رضي الله عنه بلفظٍ " قال … إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج , والشرب في آنية الذهب والفضة , وقال : هنَّ لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة " والصحاف : جمع صَحْفة وهي دون القصعة نوعٌ من الأطباق يشبعُ الخمسة .

3 ? عن البراء بن عازبٍ " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعٍ , ونهانا عن سبعٍ : أمرنا بعيادة المريض , واتِّباع الجنائز , وتشميت العاطس , وإِبرار القَسَم أو المُقْسم , ونصر المظلوم , وإجابة الداعي , وإفشاء السلام , ونهانا عن خواتيم أو عن تختُّمٍ بالذهب , وعن شربٍ بالفضة , وعن المياثر , وعن القَسِّيِّ , وعن لبس الحريروالإستبرق والديباج " رواه مسلم والبخاري وأحمد . والمياثر جمع مئثرة , وهي فراشٌ من حرير يجعله الراكب على البعير تحته . والقَسِّي هي ثيابٌ مضلعةٌ بالحرير تُنسبُ إلى قرية بمصر اسمها القَس والإستبرق غليظُ الديباج , وهما مصنوعان من الحرير.

4 ? عن عاصم الأحول قال " رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس ابن مالك ? وكان قد انصدع فسلسله بفضة - قال : وهو قدحٌ جيد عريضٌ من نُضارٍ قال : قال أنس : لقد سقيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا " رواه البخاري والبيهقي , ورواه أحمد بلفظ " رأيتُ عند أنس قدح النبي صلى الله عليه وسلم فيه ضُبَّةٌ من فضة " والنُّضارُ نوعٌ من الخشب .

5 - عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال " أرسلني أهلي إلى أُم سلمة بقدحٍ من ماءٍ فجاءت بجُلجُلٍ من فضةٍ فيه شعَرٌ من شعَر رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكان إذا اصاب الإنسان عينٌ أو شيءٌ بعث إليها بإناءٍ فخضخضتْ له فشرب منه , فاطَّلعتُ في الجُلجُل فرأيتُ شعراتٍ حُمراً " رواه البخاري وهذا لفظُ الحميدي في ( الجمع بين الصحيحين ) . والجُلجُل الجرسُ الصغير .

6 ? عن ابن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من شرب من إناءِ ذهبٍ أو فضةٍ , أو إناءٍ فيه شيءٌ من ذلك فإنما يُجرجرُ في بطنه نارَ جهنم " رواه الدارقطني وقال : إسنادُه حسنٌ . ورواه البيهقي وقال : والمشهور عن ابن عمر في المضبَّبِ موقوفاً عليه .

7 ? عن أم عطية قالت " نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح… " رواه الطبراني في المعجم الكبير بسندٍ فيه عمر بن يحيى الإيلي وهو ضعيفٌ يتكلمون فيه . وقال ابنُ عديٍّ : هذا حديثٌ منكرٌ وضعفه آخرون . فيُتركُ هذا الجديث .

       الحديث الأول فيه النهي عن الأكل والشرب في آنية الفضة والذهب   والحديث الثاني فيه النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وصحافها . والحديث الثالث فيه النهي عن الشرب بالفضة . هذه الأحاديثُ الثلاثة برواياتها المتعددة تفيد تحريم الأكل وتحريم الشرب في إناء الفضة وإناء الذهب وصحن الفضة وصحن الذهب , والمعلوم أنَّ الإناء وعاءٌ يغلب عليه استعماله في الشرب , والصحفةُ ? وهي صنفٌ من الصحون ? يغلب عليها استعمالها في الطعام , ولكن لفظة الإناء أولفظة الآنية تشمل ما يُشرب فيها ويؤكل فيها , فيكون الصحن أو الصحفة وما هو أكبر منها كالقصعة والجفنة , وما هو أصغرمنها كالمثكلة تدخل تحت لفظة الآنية .

               فهذه الأحاديث حرمت علينا الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة  والقرينةُ على التحريم قول الحديث " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم "  إضافةً إلى قول الحديث " فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة "  وهاتان من الصيغ الدالة على التحريم , وهو مما اتفق عليه الأئمةُ والفقهاءُ إلا من شذوا . ولكن الجمهور أضافوا إلى ما سبق تحريمَ الاستعمال مطلقاً , وقلَّ مَن خالفهم كالشوكاني والأمير الصنعاني . قال الأمير الصنعاني ( والحق ما ذهب إليه القائل بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيها , إذ هو الثابت بالنص , ودعوى الإجماع غير صحيحة , وهذا من شُؤْم تبديل اللفظ النبوي لغيره , فإنه ورد بتحريم الأكل والشرب فقط , فعدلوا عن عبارته إلى الاستعمال , وهجروا العبارة النبوية , وجاءوا بلفظٍ عام من تلقاء أنفسهم , ولها نظائر في عباراتهم ) وقال الشوكاني قريباً من قول الصنعاني . 

               والحقُّ ما ذهب إليه الجمهور , ويبدو أنَّ الشوكاني والصنعاني لم يدققا في النصوص , وإلا لوجدا فيها الدليل على تحريم  كلِّ استعمالٍ لآنية الذهب والفضة , بل تحريم اقتنائها , فلننظر في النصوص مرةً أخرى :

            الحديث الثاني يقول " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج  ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة , ولا تأكلوا في صحافها , فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة " وجاء في الرواية الثانية النهيُ عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة , وقالت الرواية بعدئذٍ " هنَّ لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة " فهذا الحديث ذكر الحرير الذي يُلبس , والديباجَ الذي يُلبس , وآنية الذهب والفضة التي يشرب فيها , وقال في ختام الحديث إنها ? أي  الثلاثة ? لهم في الدنيا ولنا في الآخرة , ومقتضى  اللغة انَّ الضمير في ( فإنها) يعود إلى الحرير والديباج وآنية الذهب والفضة , وليس إلى اللبس والشرب , وأصرح من هذه الروايةِ الروايةُ الثانيةُ , فقد ذكرت الحرير والديباج دون تقييدهما باللبس , وجاء في آخرها ( هنَّ لهم )  فلا تكون (هنَّ ) إلا لتشمل الأشياءَ الثلاثةَ وليس الأفعال  فالحريرُ كلباسٍ للرجال , والديباجُ كلباسٍ للرجال , وآنيةُ الذهب والفضة كأوعيةٍ للأكل والشرب , هذه الأشياء الثلاثةُ هي للكفار في الدنيا وللمسلمين في الآخرة   وإذنْ فإنَّ النهيَ عن الثلاثة هو نهيٌ عن الأشياء وليس عن الأفعال فقط , فتكون الآنيةُ كآنيةٍ داخلةً تحت النهي  وليس الشرب أو الأكل فيها فقط , وما ذِكرُ الأكل والشرب في الأحاديث إلا من باب ذِكرِ الأبرز والأشهر وليس للتقييد أو للتخصيص , فيكون اقتناءُ الأنية مجرد اقتناءٍ محرَّماً , ولا يكون أيُّ استعمالٍ إلا بالاقتناءٍ ,  فإذا كان الاقتناءُ محرَّماً فإنَّ الاستعمالَ محرَّمٌ ولا شكَّ ,  وهكذا يترجحُ لدينا رأيُ الجمهور , ويظهر خطأُ الشوكاني والصنعاني اللذين قَصَرا  نظرهما على الفعل المتعلق بالآنية دون التدقيق في النصوص كما ينبغي .**

**( 46 ) السؤال : أنا شابٌّ كنت أعمل في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني في أمريكا ولديَّ مجموعة أسئلة تتعلق بعملي أحبُّ معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بها وهذه الأسئلةُ هي :

أ - ما حكمُ التمثيل ؟ 

ب - ما حكمُ إنتاج فلمٍ وثائقيٍّ أو إخباريٍّ فيه متبرجاتٌ ؟ 

ج - ما حكمُ العمل على فلمٍ أو برنامجٍ فيه مشهدٌ أو مشاهد لا يوجد فيها مخالفاتٌ شرعيةٌ إذا كان محتوى الفلم فيه مخالفاتٌ شرعيةٌ ؟ 

د - ما حكمُ كتابةِ  سيناريوهات تلفزيونية ولرسومٍ متحركة خيالية وغير خيالية ؟ 

هـ - ما المواصفاتُ الشرعيةُ التي إذا التُزمتْ تمَّ الإنتاجُ بطريقةٍ شرعية ؟ 

و - ما حكمُ العمل في محطةِ راديو تقدَّمُ خلال برنامجك الأغاني ؟ 

( 46) الجواب : أ ـ التمثيل لغةً له عدة معانٍ , من هذه المعاني المحاكاةُ والتشبيهُ , وهو بهذا المعنى جائزٌ , فقد حصل هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهذه طائفةٌ من النصوص تذكر ذلك :

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال " ... وبينما مرأةٌ في حِجرها ابنٌ لها ترضعه إذْ مرَّ بها راكبٌ ذوشارة , فقالت : اللهم اجعل ابني مثلَ هذا , قال : فترك ثديَها وأقبل على الراكبِ فقال : اللهم لا تجعلني مثله , قال : ثم عاد إلى ثديِها يمصُّه , قال أبو هريرة : فكأني أنظرُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي صنيعً الصَّبيِّ  ووضع أصبعَه في فمه فجعل يمصُّها " رواه أحمد والبخاري والبيهقي . 

2 - عن عبد الله بن مسعود قال " كأني أنظرُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يحكي نبيأً من الأنبياء ضربه قومه فأدموْه , وهويمسحُ الدم عن وجهه , ويقول : اللهم اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمون " رواه البخاري ومسلم وابن ماجة . 

3 - عن حذيفةَ قال " ... حدَّثنا ـ أي الرسول صلى الله عليه وسلم ـ قال : ينام الرجلُ النَّوْمةَ فتُقبضُ الأمانةُ من قلبه , فيظل أثرُها مثلَ الوَكْتِ , ثم ينام النَوْمةَ فتُقبض الأمانةُ من قلبه , فيظل أثرُها مثلَ المَجْلِ كجمرٍ دحرجْتَه على رِجلِك فنَفِطَ  فتراه مُنْتَبِراً وليس فيه شيءٌ ـ ثم أَخذ حصى فدحرجه على رِجْلِه ... "  رواه مسلم وأبنُ ماجة وأحمد . قول الحديث : الوكت : أي الأثرُ اليسير . , وقوله : نفِطَ : أي صار بين الجلد واللحم . وقوله : منتبراً : أي مرتفعاً . وقوله : المَجْل : أي الأثر الثابت لا يكاد يزول . 

	      ففي هذا الأحاديث الثلاثة جاء القول (فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي صنيعَ الصبي  ووضع أصبعه في فمه فجعل يمصًّها )  وجاء القول ( (وهو ـ أي الرسول ـ وهو يمسح الدم عن وجهه ) وجاء القول ( ثم أخذ - أي الرسول - حصى فدحرجه على رجله ) . وواضح في هذه العبارات الثلاث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قام بمحاكةٍ وتمثيلٍ وتشبيهٍ . وإذن فإنَّ التمثيل من حيثُ هو جائزٌ لا شكَّ فيه .

 		      ولكن التمثيل حتى يظلَّ جائزاً يجب أنْ لا يتخلله حرامٌ  في الشرع وإلا أخذ التمثيلُ حكمَ الحرمة طبعاً . وبالنظر في التمثيل الراهن والأفلام التي تُعرضُ في السينما والتلفزيون والفيديو نجد أنها كلَّها تحتوى على محرَّمين اثنين هما : الكذبُ  وكشفُ عورات النساء في الاختلاطُ بين الرجال والنساء , إضافةً إلى محرَّمٍ ثالث لا يكاد يتخلَّف عن هذا الأفلام إلا نادراً , وهو مادةُ الفلم أو المسلسل , ففي هذه الأفلام تُعرضُ أفكارٌ تخالف الإسلام , وتعالج القضايا من زاوية الفكر الغربي السائد بين المسلمين الآن  وحتى المسلسلاتُ الدينية  كما يسمونها فإنها لا تكاد تسلم من هذا المحرَّمات .ففي هذه  الأفلامُ يحرمُ على المسلم أن يقوم بالتمثيل فيها . 

ب - أما بخصوص إنتاجِ أفلامٍ وثائقية وإخبارية فيُنظر : فإن كانت هذه الأفلام ُتصنع من أجل التأريخ وكشف الحقائق وحفظها فيجوز إنتاجها إن هي خلت من التزوير وخلط الأوراق لصالح جهاتٍ مغرِضةٍ , وما سوى ذلك فلا شيء فيها .

ج - جواب هذا السؤال هو نفسُ جواب السؤال الذي سبقه . بمعنى أن الفلم إن كان محتواه فيه مخالفاتُ شرعية فلا يجوز إنتاجهُ والاشتراك في صنعه .

د - كتابة السيناريوهات الخيالية وغير الخيالية المتعلقة بالرسوم المتحركة جائزة لأنها في الأصل مصنوعة للأطفال , فلا إثم في صنعها أو المشاركة في إنتاجها .

         أما كتابة السيناريوهات التلفزيونية فجائزة إن كانت تخلو من أفكار الكفر أو الحضِّ على المعاصي . 

هـ - يتبين الجواب على هذا السؤال بقراءة الإجابات الأربع السابقة . وإن أُريد تلخيصها قلتُ ما يلي :

  		      الاشتراك في التمثيل السائد حالياً يجوز إن خلا من الكذب , وإن خلا من الاختلاط وكشف العورات ,  وإن خلا مما يسمونه اللقطات الساخنة , وإن خلا من الترويج  للأفكار المخالفة أو المناقضة للإسلام , وإن خلا من الدعايات للمشاريع الاستعمارية والمشبوهة . 

و - يجوز انْ تعمل في محطة راديو تُقدَّم خلال برنامجِك الأغاني , ما دام برنامجك سليماً وصالحاً .**

**( 45 ) السؤال : أ ? ما الحكم الشرعي في نعي الميت ؟ ب ? وما الحكم الشرعي في فتح بيوت العزاء لاستقبال المعزِّين ؟

( 45 ) الجواب : أ ? بخصوص النعي أقول ما يلي : النعي تقرأُ بتشديد النون المفتوحة وكسر العين وتشديد الياء هكذا النَّعِيُّ , وهي القراءةُ الأشهر في اللغة , وتُقراُ بتشديد النون المفتوحة وسكون العين وتخفيف الياء هكذا النَّعْيُ والنعي يعني إخبار الغير بموت أحدهم , وهذا الفعلُ جائزٌ شرعاً لما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه " أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النَّجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المُصلَّى فصفَّ بهم وكبَّر عليه أربعَ تكبيراتٍ " رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود . ولما رُوي عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها تقول " لمَّا جاء نعيُ جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرف في وجهه الحزنُ , قالت عائشةُ : وأنا أطَّلعُ من شقِّ الباب , فأتاه رجلٌ فقال : يا رسول الله إنَّ نساء جعفر , فذكر مِن بكائهنَّ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينهاهنَّ , فذهب الرجلُ ثم جاء فقال : قد نهيتُهنَّ , وإنهنَّ لم يُطعْنه حتى كان في الثالثة , فزعمت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " احثوا في وجوهِهنَّ التراب … " رواه أحمد وابن حِبَّان والشيخان . فقوله ( نعى النجاشي ) وقوله ( لما جاء نعي جعفر ) واضح الدلالة على جواز النعي شرعاً .

              أما الحديث الذي رُوي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال " إذا أنا متُّ فلا تُؤذِنوا بي , إني أخاف أن يكون نعياً , فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النَّعي " رواه الترمذيُّ وقال : حديثٌ حسنٌ صحيحٌ , ورواه ابن ماجة وأحمد والبيهقي . فيُحمل على أنَّ النعي المقصود فيه هو نعي الجاهلية , وكان الناس في الجاهلية إذا مات أحدهم طافوا في الأسواق والطرقات يُخبرون بموته ويعدِّدون مناقبه , فجاء النهي عنه , وبقي النعيُ بمعناه في اللغة , وهو الإخبارُ بالميت , على جوازه . ومما يشهد لما نقول وأنَّ النعي المشروع هو الإخبار فقط , ما رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم من طريق أبي هريرة رضي الله عنه " أنَّ رجلاً أسود , أو امرأة سوداء , كان يَقُمُّ المسجد فمات , فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه , فقالوا : مات , قال : أفلا كنتم آذنتموني به ؟ دُلُّوني على قبره , أو قال قبرها , فصلى عليها " فهو نصٌّ في جواز الإخبار بالموت .

ب ? أما الحكم الشرعي في فتح بيوت العزاء والجلوس لتقبل العزاء , فهو الجواز أيضاً بدليل ما روى البخاري ومسلم وأحمد عن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم " أنها كانت إذا مات الميت من أهلها , فاجتمع لذلك النساءُ , ثم تفرَّقنَ إلا أهلها وخاصَّتها أمرتْ ببرمةٍ من تَلبينةٍ فطُبِختْ ثمَّ صُنع ثريدٌ فصُبَّت التلبينةُ عليها ثم قالت : كُلْنَ منها , فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : التلبينةُ مُجِمَّةٌ لفؤاد المريض تذهبُ ببعض الحزن " قول الحديث : التلبينة , هي حساءٌ من دقيق ربما أُضيف إليه العسل . وقوله : مُجِمَّة , تعني مريحة مُذهبة للحزن . فهذا الحديث يدلُّ على أمرين مهمَّين : أحدهما : أنَّ الاجتماع في البيوت عند فقد أحدٍ جائزٌ شرعاً , وأنه بالتالي يدلُّ على جواز فتح بيوتٍ للعزاء . وثانيهما : أنَّ أهل الميت يجوز لهم أن يقوموا هم بصنع الطعام للجالسين للعزاء

              أما الحديث المروي عن عبد الله بن جعفر قال " لما جاء نعيُ جعفر حين قُتل قال النبي صلى الله عليه وسلم : اصنعوا لآل جعفر طعاماً  فقد أتاهم أمرٌ يُشغلُهم أو أتاهم ما يُشغلُهم " رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والدّارَقُطني  فليست فيه دلالة على النهي عن صنع أهل الميت الطعام , وكلُّ ما فيه هو أنَّ أهل الميت يكونون منشغلين بميتهم ومحزونين فيُستحبُّ عندئذٍ أن يصنع الآخَرون لأهل الميت الطعام , وهذا الاستحباب لا يتعارض مع جواز صنع أهل الميت الطعام كما لا يخفى .

               والمحصِّلةُ هي أنَّ النعي بمعنى الإخبار جائزٌ , وأنَّ فتح بيوتٍ للعزاء جائزٌ , وأنَّ أهل الميت يجوز لهم أن يصنعوا الطعام , وإن كان المستحبُّ أن يصنع الطعامَ غيرُهم .**

**4- الشيخ تقي الدين النبهاني في كتاب الشخصية ? الجزء الأول- يقول [ أما العقيدة فإنها التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل , وما دامت هذه هي حقيقة العقيدة وهذا هو واقعها ، فلا بد أن يكون دليلها مُحدِثاً التصديق الجازم ، وهذا لا يتأتى مطلقاً إلا إذا كان هذا الدليل نفسُه دليلاً مجزوماً به حتى يصلح دليلاً للجزم ، لأن الظني يستحيل أن يُحْدِث جزماً ، فلا يصلح دليلاً للجزم ، ولذلك لا يصلح خبر الآحاد دليلاً على العقيدة لأنه ظني ، والعقيدة يجب أن تكون يقينية ].

ولست بحاجة إلى ذكر جميع العلماء والفقهاء الذين يقولون بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم ولا يوجب الاعتقاد ، وحسبنا ما قاله النووي وما قال ابن حزم من أن جماهير المسلمين والحنفيين والشافعيين وجمهور المالكيين يقولون بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم .

وأنتقل الآن إلى مناقشة الأقوال الواردة في السؤال ، فأقول ? ومن الله التوفيق ? ما يلي :

1- مناقشة ما قاله القرافي مما نقله عن أبي المظفَّر السمعاني :

لقد أورد السمعاني عدة أمور علمية يدَّعي أنها أُخذت من أخبار الآحاد ورتَّب على هذا الادعاء بطلانَ هذه الأمور إنْ نحن رفضنا أخذها من أخبار الآحاد فالقدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة وصفة الجنة والنار وأخبار الأنبياء المتقدمين كلُّها أخذت من القرآن الكريم , فكانت من عقائد المسلمين ولم تؤخذ فقط من أخبار الآحاد ، وفضائل النبي صلى الله عليه وسلم وفضل الصحابة ومناقبهم قد وردت في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة ، فهي في مجملها من عقائد المسلمين ، أما الحوض وإخراج الموحدين المذنبين من النار فقد اختُلف في الأحاديث التي ذكرتهما هل هي من أخبار الآحاد أم هي متواترة , فكان الأصل في السمعاني أن يفرِّق بين هذين القسمين , ولا يذكرهما على صعيد واحد مما يعطي انطباعاً بأنها كلَّها قد أُخذت من أخبار الآحاد , وهذا لا يصح ولا يقبل كما أن قوله إن ترك إيجاب العلم من خبر الواحد يجعلنا مشتغلين بما لا يفيد ، ويصير كأننا قد دوَّنا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه هو قول أيضاً لا يصح ولا يقبل ، إذ أن المسألة هنا ليست إما عقيدة قطعية وإما أنها لاغية باطلة لا يُلتفت إليها ، نعم ليست المسألة هكذا ، إذ هناك في الإسلام تصديق جازم , وهو ما يجب توفُّره في العقائد ، وهناك تصديق غير جازم لا يحلُّ إنكاره ورفضه ، وكلا التصديقين من الدين ، وكلاهما مطلوب شرعاً ، فإن جاءت آية في كتاب الله سبحانه , أو جاء حديثٌ متواترٌ بخبرٍ جزمنا به واعتبرناه عقيدة يكفر منكرها أما إن جاء حديث غير متواتر , وإن كان صحيحاً ، وإن كان مستفيضاً ، وإن كان مشهوراً , بخبرٍ صدقناه ولكن دون جزم , ولم نعتبره عقيدة يكفر منكرها فعقائد المسلمين يجب أن يجري عليها التصديق الجازم وإلا كانت في مهب الريح ، وكانت عرضة للنقض والبطلان ، إذ الحديث الظني يحتمل الكذب والوهم والخطأ ، فلا يصح الاعتماد عليه في تثبيت العقائد .

وبناء على ما سبق أستطيع القول إن السمعاني قد جانبه الصواب فيما ذهب إليه .

2- مناقشة ما قاله عبد المؤمن البغدادي الحنبلي :

إن قول عبد المؤمن البغدادي ( وأما ما يثيره بعض المعاصرين اقتداءً بسلفهم من أهل الكلام …) قولٌ غير صحيح ، فليس كلُّ القائلين بعدم حجية خبر الواحد في العقيدة من المتكلمين ، فلا النووي ولا ابن حزم ولا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ولا الإمام أبو الحسن السُّبكي من المتكلمين وهم جميعاً من القائلين إن خبر الواحد لا يفيد العلم ، وليس عموم الأحناف وعموم الشافعية وجمهرة المالكيين والخوارج من المتكلمين ، ومن باب أولى ليست جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم من المحدِّثين والفقهاء وأصحاب الأصول من المتكلمين ، فكيف يجيز عبد المؤمن البغدادي لنفسه أن يلقي الكلام جزافاً مُعرِضاً عن الواقع الناصع المخالف تماماً لما ذهب إليه ؟ !.

ثم كيف يدَّعي في البند الأول أن القول بعدم صلاح خبر الواحد لإثبات العلم ومن ثم العقيدة يستلزم ردَّ الروايات الصحيحة بمجرد تحكيم العقل ؟! وأين تحكيم العقل هذا ؟ انظروا معي إلى هذه الآيات القرآنية المحكمة الدلالة التي نستند إليها في رفض خبر الواحد لإثبات العقيدة :الآية 28 من سورة النجم : (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴿28﴾ الآية 20 من سورة الزخرف وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ۗ مَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿20﴾ الآية 24 من سورة الجاثية: ( وقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) . وكثير غيرها تنعى على الناس الأخذَ بالظن في العقائد وعدم الأخذ بالعلم ، ثم يأتي عبد المؤمن ويرمينا بردٍّ الأحاديث الظنية في العقائد بمجرد تحكيم العقل ؟!

ونأتي إلى البند الثاني ، وإني لأعجب مما جاء فيه أكثر من عجبي مما جاء في البند الأول ، فهو , غفر الله له , لا يكاد يفرِّق بين المسائل العملية والأمور العلمية الاعتقادية ، فالمسائل العملية الفقهية لا يكاد المسلمون يتفقون عليها ، ففي كل مسألة فقهية نجد عدة آراء ، بينما لا نجد المسلمين يختلفون في المسائل العلمية أي العقائد إلا من ضلَّ منهم وخرج على سبيل المؤمنين . وأعجبُ من هذا الادعاء القولُ إن تخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد تخصيص دون مخصِّص ، وكأنه لم يقرأ الآيات القرآنية الناطقة بعدم جواز أخذ العلم والعقيدة بالظن ، ولم يرها مخرجةً العقائد من أخبار الآحاد . أما ما جاء في البند الثالث ، فالرد عليه من وجوه :

أ- إن العقيدة الإسلامية عقيدة عقلية يحتاج إثباتها إلى إعمال العقل والتفكير ، وأعني بالعقيدة هنا أُصولَها ، فإثبات وجود الله ، وأن القرآن من عند الله سبحانه ، وأن محمداً رسول الله ، هذه العقيدة يجب أن يدركها العقل ويقيم عليها الدليل وإلا لم تكن عقيدة ، وما أكثرَ ما جاء في كتاب الله سبحانه من الطلب من الناس أن يتفكروا ويعقلوا وينظروا ، ولم يرسِلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن ورُسلاً إلى الملوك لمجرد تبليغهم بالعقيدة وأن ذلك كاف لجعلهم يحملونها ويتركون ما يخالفها. ب- هناك تبليغٌ وهناك إقناعٌ عقلي عقب التبليغ ، فالتبليغ بالعقيدة يكفي فيه شخصٌ واجد ، فهو مجرد ناقل لها ، وهو ما قام به رسلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حين أُرسلوا لليمن وللملوك في ذلك الزمن , ولكن هؤلاء الرسل والمبعوثين لم يكن يُكتفى منهم مجرد التبليغ ، وإنما ? وهم كانوا قد حملوا العقيدة بقناعة عقلية ومحاكمة عقلية ? كان عليهم مناقشةُ الناس بهذه العقيدة وإتيانُ الدليل العقلي على صحتها ، وبدون هذا لا يُتصوَّر أن يقبلها أحدٌ بمجرد سماعها .

ج- أما الإيمان بالملائكة وبالجنة والنار وأخبار الأنبياء وما شابهها فهذه عقيدة نقلية ثبت أصلُها بالدليل العقلي ، فما دام القرآن الكريم ثبت بالدليل العقلي وأنه كلام الله ، فإن ما جاء فيه يَثبت صوابُه وصدقُه ويُعتقد به ، فالإيمان بالملائكة وبالجنة والنار وبأخبار الأنبياء , وإن كان وصلنا بالنقل , إلا أن مصدر النقل هذا قد ثبت الاعتقاد به بالمحاكمة العقلية ، وبالتالي فإن كل عقيدة في الإسلام يجب أن تثبت بالمحاكمة العقلية إما مباشرة , وإما بورودها فيما ثبت بالمحاكمة العقلية .

وبناء على كل هذا يجب أن يُفهم موضوع إرسال معاذ إلى اليمن وإرسال الرسل إلى الملوك ، وأن كل ذلك إنما قُصد به تبليغ العقيدة ليتبع التبليغَ التفكُّرُ والمحاكمةُ العقلية ، فيسلم من أسلم بقناعة عقلية ، ويرفض الإسلام من يرفض بقناعته العقلية .

يتضح من كلِّ ما سبق أن حجة القائلين بحجية خبر الواحد في العلم والاعتقاد ضعيفة لا تصمد أمام النقاش , ولا أمام الآيات القطعية الدلالة التي تحذر الناس من الاعتقاد بالظن وترك العلم والجزم فيه .

وأسأل العلماء القائلين بأن خبر الواحد يفيد العلم والاعتقاد سؤالاً بسيطاً هو : هل تكفِّرون من لا يعتقد بما ورد في خبر الواحد من عقائد ؟ فإن قالوا : لا نكفِّرهم , قلنا لهم إذن ليست هذه عقائد ملزمة للمسلمين وإلا لكفر منكروها ، وإن قلتم بتكفيرهم فقد أخرجتم من دين الله جماهير المسلمين قديماً وحديثاً ، وهذه جرأة ما أراكم تقدرون عليها ولا تستطيعون تحمُّل تبعاتها . والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل.**

**(44) السؤال : جاء في كتاب تنقيح الفصول للصنهاجي القرافي - الجزء الثاني -ما يلي [ قال أبو المظفَّر السَّمعاني : وكذلك أجمع أهل ُ الإسلام- متقدِّموهم ومتأخِّروهم - على رواية الأحاديث في صفات الله عزَّ وجلَّ ، وفي مسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشَّفاعة والحوض وإخراج الموحِّدين المذنبين من النار , وفي صفة الجنة والنار .. وفضائل النبي صلى الله عليه وسلم , ومناقب الصحابة , وأخبار الأنبياء المتقدِّمين عليه , وما أشبه ذلك مما يكثر عدُّه ذِكرَه , وهذه الأشياء كلُّها علميةٌ لا عملية إنما تُروى لوقوع علم السامع بها , فإذا قلنا : إنَّ خبر الواحد بها لا يجوز أن يُوجِبَ العلمَ حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطأ , وجعلناهم لاغين هاذين مشتغلين بما لا يفيد أحداً ولا ينفعه , ويصير كأنهم قد دوَّنوا في أُمور الدين ما لا يجوز الرجوعُ إليه , والاعتماد عليه ].

وجاء في كتاب تيسير الوصول إلى قواعد الأُصول ومعاقد الفصول لعبد المؤمن البغدادي الحنبلي ما يلي [ وأما ما يثيرهُ بعضُ المعاصرين اقتداءً بسلفهم من أهل الكلام من أنَّ خبر الآحاد لا يُقبل في العقائد , لأنَّ الله تعالى نهى عن اتباع الظن , والعقائد لا تُبنى على الظن بل على اليقين , فهو قولٌ باطلٌ , وذلك لأمورٍ :

1 - إنه يستلزم ردَّ الرواياتِ الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب بمجرد تحكيم العقل .

2 - إنَّ الأدلة التي يُستدلُّ بها على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام العملية هي أدلةٌ على وجوب الأخذ بها في الأحكام العملية لعمومها وشمولها لكلِّ ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه , سواء أكان عقيدةً أم حكماً , فتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد تخصيصٌ بدون مخصِّصٍ وذلك باطلٌ , وما لزم منه باطل فهو باطل .

3 - إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرسل الدُّعاةَ إلى مختلف البلاد ليُعلِّموا الناس دينهم , وأهمُّ شيء في الدين هو العقيدة كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له " إنك تقدم على قومٍ من أهل الكتاب , فليكن أولَ ما تدعوهم إليه عبادةُ الله عزَّ وجلَّ " وفي رواية " فإذا جئتَهم فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله … " فهذا دليلٌ قاطعٌ على أنَّ العقيدة تثبتُ بخبر الواحد وتقوم به الحجةُ على الناس , ولولا ذلك لما اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإرسال معاذ رضي الله عنه وحده . وسؤالي هو : أليست هذه الأقوال دالة دلالة صحيحة ومقنعة على أن العقائد في الإسلام والأخبار والغيبيات تؤخذ من الأحاديث الظنية , أي من أخبار الآحاد ؟ وأنَّ عدم أخذها من الأحاديث الظنية يُخرجها من الذين ويبطلها ؟ وهل يقول بهذا أحد من علماء المسلمين ؟

(44) الجواب : قبل أن أناقش الأقوال السابقة بشيء من التفصيل دعني أجب عن السؤالين الأخيرين أولاً ، فأقول ما يلي :

أ‌- إن عدم أخذ العقائد والغيبيات من أخبار الآحاد لا يخرجها من الدين ولا يبطلها ، وإنما تبقى في ديننا ، ونذكرها ونصدِّقها ولا نجيز لأحد من المسلمين ردَّها وتكذيبها ، فإن فعل أثم ، ولكننا ونحن نذكرها ولا نجيز تكذيبها , إنما نصدِّقها تصديقاً غير جازم حتى لا تختلط بالعقائد التي نصدقها تصديقاً جازماً والتي يكفر منكرها ، فمن أنكر العقائد الثابتة بالأدلة القطعية من كتاب الله والسنة المتواترة فقد كفر ، أما من أنكر هذه الأخبار والغيبيات الواردة في أخبار الآحاد فإنه يأثم فقط ولا يكفر وإلا رمينا جماهير هذه الأمة بالكفر والخروج من الإسلام ، وهو ما لا يقوله أصحاب الرأي المذكور أعلاه .

ب‌- أما سؤالك ( وهل يقول بهذا أحد من علماء المسلمين ؟ ) فالإجابة عليه من ناحيتين :

1- إن القائلين بوجوب أخذ العقائد من أخبار الآحاد إنما يردُّون على العلماء الذين عاصروهم والذين سبقوهم , الذين يقولون بغير قولهم ، فهم لا يُنكرون وجود هؤلاء العلماء وإلا لما كانت لردودهم معنى وفائدة .

2- وهذه طائفة من العلماء الأجلاء السابقين والمعاصرين الذين يقولون إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم ، أي لا تؤخذ في العقائد ، أذكرهم مع ذكر أقوالهم باختصار :

أولاً : القائلون من العلماء القدامى مع ذكر أقوالهم :

1- محمد بن عمر الرازي في كتاب المحصول في علم الأصول ? الجزء الرابع ? يقول (… فلأنا نعلم بالضرورة أن قول الواحد لا يفيد العلم (.

2- أبو حامد الغزالي في كتابه المستصفى في الأصول ? الجزء الأول ? يقول ما يلي ( اعلم أنا نريد بخبر الواحد في هذا المقام ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم . وإذا عرفتَ هذا فنقول : خبر الواحد لا يفيد العلم ، وهو معلوم بالضرورة أنا لا نصدَّق بكل ما نسمع (.

3- أبو زكريا النووي في كتاب المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجَّاج ? الجزء الأول - يقول [ فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم من المحدَّثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجةٌ من حجج الشرع يلزم العمل بها ، ويفيد الظن ولا يفيد العلم ] إلى أن يقول [ والعقل لا يُحيلُ العمل بخبر الواحد , وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير إليه , وأما من قال إنه يوجب العلم فهو مكابرٌ للحسِّ , وكيف يحصل العلمُ واحتمالُ الخطأ والوهم والكذب وغير ذلك متطرِّقٌ إليه ؟ ].

4 - شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في كتاب غاية الوصول في شرح لُبِّ الأصول ? الجزء الأول- يقول [ … وقيل ? يعني خبر الواحد ? لا يفيد العلم مطلقاً ، وعليه الأكثر ].

5- ابن حزم الأندلسي في كتاب الإحكام في أصول الأحكام - الجزء الأول ? يقول [ وقال الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج إن خبر الواحد لا يوجب العلم ، ومعنى هذا عند جميعهم أنه يمكن أن يكون كذباً أو موهوماً فيه ].

6- الإمام أبو الحسن السُّبكي في كتاب فتاوى السُّبكي يقول [ والعلم لا يطلق إلا على الجزم ، ولا يطلق على الظن ولا على الشك ولا على الوهم ، فكذلك لا يحصل الإيمان بشيء من الظن والشك ، وإنما يحصل بالجزم ].

ثانياً : القائلون من العلماء المعاصرين مع ذكر أقوالهم :

1- سيد قطب في كتابه في ظلال القرآن ? الجزء السادس ? يقول [ وأحاديث الآحاد لا يُؤخذ بها في أمر العقيدة ، والمرجع هو القرآن ، والتواتر شرطٌ للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد ].

2- الدكتور مصطفى السباعي في كتاب السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي يقول [ ونصوص الشريعة ما كان منها من أصول العقيدة فلا بد فيها من العلم , وهو " التيقن الجازم المطابق للواقع عن دليل " كالإيمان بالله وصفاته , والنبوات والأنبياء , والملائكة والجنة والنار ، وما كان منها من فروع الشريعة ( الأحكام العملية ) فيكفي فيها الظن , لأن اشتراط العلم فيها غير متحقق في كثير منها …]

3- الشيخ محمد الغزالي في كتاب السُّنة بين أهل الفقه وأهل الحديث يقول ما يلي [ والقول بأن حديث الآحاد يفيد اليقين كما يفيده المتواتر ضربٌ من المجازفة المرفوضة عقلاً ونقلاً ].**

**(42) السؤال : ماتت امرأةٌ كتابيةٌ بعد أن حملت من زوجها المسلم وبلغ جنينُها سبعةَ أشهر ، أي نُفِختْ فيه الروح ، فأين تُدفن ، أفي مقبرةٍ للمسلمين أم في مقبرةٍ لأهل الكتاب ؟

(42) الجواب : تُدفنُ هذه المرأةُ في قبرٍ منفردٍ ليس في مقبرةٍ للمسلمين ولا في مقبرةٍ لأهل الكتاب ، فابنُ هذه المرأةِ مسلمٌ فلا يجوز أن يُدفن في مقبرةٍ لأهل الكتاب من النصارى أو اليهود ، وأُمهُ كتابية ٌ فلا يجوزُ أن تُدفنَ في مقبرةٍ للمسلمين ، فلم يبق إلا أن تُدفن منفردةً لا هنا ولا هناك . ونستأنسُ بما روى البيهقيُّ عن واثلةَ ابن الأسقع رضي الله عنه " أنه دفن امرأةً نصرانيةً في بطنها ولدٌ مسلمٌ في مقبرةٍ ليست بمقبرةِ النصارى ولا المسلمين "

(43) السؤال : ما هو الحكم الشرعي في العقيقة مع الأدلة ؟ .

(43) الجواب : قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من استعراضِ أقوال الأئمةِ والفقهاء ، ثم استعراض الأدلة المتعلقة بهذه المسألة : فنقول ـ ومن الله سبحانه وتعالى التوفيق ـ ما يلي :

             يرى أبو حنيفة أنَّ العقيقةَ مباحةٌ فقط وليست مندوبة ولا مسنونةً . أما مالك والشافعيُّ وأحمد فيرون أنَّ العقيقةً مندوبةٌ مسنونةٌ يُثابُ  فاعلها ولا يعاقبُ على تركها . وأما أهل الظاهر فيرون أنَّ العقيقةً واجبةٌ ، وبمثل هذا الرأي يقول أبو برزةَ الأسلميُّ والحسن البصري .  

           وأما الأدلةُ فهذه هي :

1 - عن سَمُرةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كلَّ غلامٍ مُرتَهنٌ بعقيقتِهِ ، تُذبحُ عنه يومَ السابعِ ، ويُحلقُ رأسُه ويُسمَّى " رواه ابن ماجة بسندٍ صحيحٍ ، ورواه أحمد والطبراني والبزَّار وابنُ الجارود . قوله : مُرتهَنٌ بعقيقته أي محبوسٌ بعقيقته . ولم يرِدْ في النُّصوصِ شرحٌ وبيانٌ لمعنى هذه العبارة ِ.

2 - عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما " أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عقَّ عن الحسن كبشاً وعن الحسين كبشاً "رواه الطَّحاوي والطبراني والبيهقي وسندُه حسنٌ . ورواه أبو داود بلفظٍ " عقَّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً " ورواه النَّسائي بلفظٍ " عقَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين بكبشين كبشين " وسندهُ صحيحٌ .

3 - عن أُمِّ كرزٍ أنَّها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في العقيقةِ قال " عن الغلام شاتان ، وعن الجارية شاةٌ ، لا يضُرُّكم ذُكراناً كنَّ أو إناثاً " رواه ابنُ حِبَّان بسندٍ صحيحٍ . ورواه النَّسائيُّ وأحمد والتِّرمذيُّ وابنُ ماجة بلفظٍ " في الغلامِ شاتان مُكافأتانِ ، وفي الجاريةِ شاةٌ " ورواه أحمد من طريق أسماء بنتِ يزيدٍ أيضاً .

4 - عن عمرو بن شُعيب عن أبيه أُراهُ عن جدِّهِ قال " سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العقيقة فقال : لا يحبُّ الله العقوقَ ، كأنه كره الاسمَ ، وقال : من ولد له ولدٌ فأحبَّ أنْ يَنْسُكَ عنه فلينسُك : عن الغلام شاتان مُكافئتان ، وعن الجاريةِ شاة " رواه النَّسائيُّ بسندٍ حسنٍ ، ورواه البيهقيُّ . قوله : مُكافئتان ، أي متماثلتان في السنِّ والسَّلامةِ من العيوبِ .

5 - عن بُريدة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال " العقيقةُ تُذبحُ لسبعٍ أو أربعَ عشرةَ أو أحدٍ وعشرين " رواه الطبراني .

         	      وبالنظر في هذه الأدلة نستخلص صوابَ الرأيِ القائل باستحبابِ العقيقة ، وهو ما ذهب إليه مالك والشَّافعيُّ وأحمدُ ، إِذ لم يكفِ أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم قد عقَّ عن الحسن والحسين كدليلٍ على التَّأسِّي به في هذه الشّعيرةِ ، بل أضاف إلى ذلك بيانَ هذه الشَّعيرة للمسلمين بقوله عليه الصلاةُ والسلام " عن الغُلامِ شاتان ، وعن الجاريةِ شاة " ولم يكتف بهذا ولا ذاك ، وإنما جاء قوله " كلُّ غلامٍ مُرتهنٌ بعقيقته " ليوثِّقَ الحثَّ على القيام بهذه الشعيرة ، مما يدلُّ دلالةً واضحةً على استحبابِ العقيقةِ .

        أما أبو حنيفة ، فقد استدلَّ على إباحةِ العقيقة بما جاء في الحديث الرابع من القول " لا يحبُّ اللهُ العقوق ، كأنه كره الاسم "وهو استدلالٌ لا يصحُّ ، إذ هناك فارقٌ بين العقوق وبين العقيقة ، فالعقوقُ معناه العصيان وجحود النعمةِ وهو مذمومٌ ، بينما العقيقةُ معناها في الأصل : ما يكون على الولد من شعرٍ عند ولادته ، ثم نُقلَ اللفظُ ليدلَّ بعدئذٍ على ما يُذبحُ للولد عند ولادته ، ولذا فاستدلالُ أبي حنيفة لا يصح .   

       	      أما أهل الظاهر ومعهم أبو برزة الأسلميُّ والحسن البصريُّ فقد استدلوا على حكم الوجوب بقول الحديث " كلُّ غلامٍ مرتهنٌ بعقيقته " قائلين إن فكاك رهن الولد واجبٌ شرعاً ، ولذا وجبت العقيقةُ عنه . والحقُّ هو أنَّ هذا الاستدلال مقبولٌ لو لم يكن في النصوص ما ينفيه ويخالفه ، وهذه حالةٌ يكثرُ وجودها في كتابات واستنباطات العلماء قديماً وحديثاً ، إذ تراهم ينظرون في قسمٍ من النصوص فيستنبطون منها الأحكامَ ويغفلون عن باقيها ، وهذا فضلاً عن أنه لا يجوزً شرعاً ، فإنه يُوقِع من يقوم به في الخطأ . فيا أهل الظاهر ، ألم تنظروا في الحديث الرابع القائل " من ولد له ولدٌ فأحبَّ أن ينسك فلينسك... " ألا يدلُّ هذا القولُ دلالةً بالغةَ الوضوح على الندب والاستحباب ؟! وهكذا نقول مطمئنين إن العقيقةَ مندوبةٌ مستحبةٌ وليست مباحةً ولا واجبةً .

وثَمَّةَ مسألةٌ أُخرى هي : كم شاةً يُعقُّ بها ؟ الرواياتُ القائلة بالعقِّ بشاتين عن الذَّكرِ وبشاةٍ عن الأُنثى صحيحةٌ وصالحةٌ للاستدلالِ ، فيُعملُ بها وهي أصحُّ وأكثر من الروايات القائلةِ بشاة واحدةٍ عن الذكر . وعلى كلِّ حالٍ فالأمرُ فيه سعةٌ .

                بقيت مسألةٌ أخيرةٌ هي : متى يُعقُّ عن الولد ؟ الصحيحُ الذي ينبغي القولُ بهِ هو أنَّ العقيقةَ تُذبحُ في اليوم السَّابع فقط ، فهذا هو وقتها الذي حدَّدتهُ النصوصُ فقط ، فمن ذبح في اليوم السابع فقد أصاب السُّنةَ ونال الثوابَ التامَّ ، أما من تأخَّر في العقِّ عن هذا الوقتِ فقد فاته تمامُ الثَّوابِ وأرجو له أن لا يُحرم من ثوابٍ , وليس صحيحاً قولُ مَن أجاز تأخيرَ العقِّ عن هذا الوقت المحدَّدِ إلى أسبوعٍ آخر أو أُسبوعين مستدلاً بالحديث الخامس الذي رواه الطبراني من طريق بُريدةَ ، فهذا الحديثُ ضعيفٌ جداً ،  فقد ضعَّفه الهيثمي والدَّارَقُطني ، بل قال عنه ابنُ الجوزي إنه منكرٌ ، فيُترك ولا يُعملُ به .**

**(41) السؤال : ما هو الحكم الشرعي في الضيافة : هل هي واجبة أم مندوبة مع ذكر الأدلة ؟

(41) الجواب : قبل الإجابة المباشرة دعنا نستعرض الأدلةَ الواردةَ في هذا الموضوع كالتالي :

أ ? عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الضيافةُ ثلاثةُ أيامٍ ، فما كان بعد ذلك فهو صدقةٌ " رواه البخاري في كتاب الأدب المفرد بسندٍ صحيحٍ . ورواه أحمد .

ب ? عن المقدام أبي كريمة الشامي رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " ليلةُ الضيفِ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ ، فمن أصبح بفنائِه فهو دَينٌ عليه إن شاء ، فإن شاء اقتضاهُ ، وإن شاء تركه " رواه البخاري في كتاب الأدب المفرد بسندٍ صحيحٍ . ورواه الطبراني بلفظٍ " ليلةُ الضيفِ حقٌّ واجبٌ ، فإن أصبح محروماً بفنائِه وجبت نُصرتُهُ على المسلمين حتى يأخذوا بحقِّهِ من زرعِه وضرعِه لما حُرِمَه من حقِّ الضيافة " ورواه أبو داود والطيالسي والبيهقي بلفظٍ قريب .

ج ? عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيُّما ضيف نزل بقومٍ فأصبح الضيفُ محروماً فله أن يأخذ بقدر قِراهُ ولا حرجَ عليه " رواه أحمد بسندٍ رجالهُ ثِقاتٌ ، ورواه الطَّحاوي .

د ? عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَن كان يؤمنُ باللهِ واليوم الآخِر فلْيُحسنْ قِرى ضيفِه . قيل : يا رسول الله ما قِرى الضَّيف ؟ قال : ثلاثٌ فما كان بعدُ فهو صدقةٌ " رواه أبو يعلى بسندٍ صحيحٍ .

هـ - عن ابي شُريحٍ العدَوي رضي الله عنه قال : سمعتْ أُذُناي وأبصرتْ عيناي حين تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " مَن كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخِر فلْيُكرِمْ ضيفَهُ جائزته ، قالوا : وما جائزتُه يا رسول الله ؟ قال : يومه وليلته ، والضيافةُ ثلاثةُ أيامٍ ، فما كان وراء ذلك فهو صدقةٌ عليه … " رواه مسلم والبخاري وأحمد .

و ? عن عُقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال " قلنا : يا رسول الله إنك تبعثٌنا فننزلُ بقومٍ فلا يَقْروننا فما ترى ؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن نزلتم بقومٍ فأمَروا لكم بما ينبغي للضيفِ فاقبلوا ، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم " رواه البخاري ومسلم وأحمد .

	    باستعراضِ هذه النصوص نجد - وبقليلِ جهدٍ -  أنها تحضُّ على قِرى الضيف ِ حضَّاَ شديداً ، بحيثُ لا نجد مندوحةً عن القول إنَّ الضيافةَ واجبةٌ على المسلم . فالقرائنُ كلُّها تؤكد الوجوب وهذه هي " ليلة الضيف حقٌّ واجب " "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن قرى ضيفه "،   " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته    " ،  " فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف "وهذه الصيغ من أوضح الأدلة على وجوب الضيافة . بل وانظروا معي في الحديث الأول " فما كان بعد ذلك فهو صدقة "ومثله الحديث الخامس ، فحيث أنَّ الصدقة مندوبة ، فلم يبق إلا القول إنَّ الضيافة المذكورة قبلها واجبة . وانظروا كذلك في ما جاء في الحديث الثاني" فمن أصبح بفِنائه فهو دَين عليه "وسداد الدَّين واجبٌ بلا شك  . والحديث الخامس يفيد المعنى نفسه . 

          وعلى ذلك نقول باطمئنانٍ إن المسلم مأمورٌ أمراً جازماً بقِرى الضيفِ وإكرامِه ، ويحرم عليه رفضُ استضافته ، وهو ما ذهب إليه الإمام أحمد والليثُ بن سعد وابن حزم والشوكاني وابن رجب .

                أما القائلون بأنَّ الضيافة مندوبة وهم الجمهور ، فقد أتوا باستدلالاتٍ غير مقبولة ، فمثلاً يقول الإمام مالك ( إنَّ الضيافة ليست واجبةً فرضاً ، لأنَّ الجائزة في لسان العرب العطية والمنحة والصلة ، وذلك لا يكون إلا على اختيار ) ، وقد حكى ابنُ بطَّال عن أكثر العلماء أنَّ هذا كان في أول الإسلام  وكانت المواساةُ واجبة ، فلما اتسع الإسلامُ نُسخ بقوله عليه الصلاةُ والسلام " جائزتُه يومٌ وليلةٌ " وقال ابن رسلان ( والضيافةُ من مكارم الأخلاق ومحاسن الدين وليست واجبةً عند عامةِ العلماء ...)  .

                  والحقُّ الذي يجب المصيرُ إليه أنّ هذه استدلالاتٌ ضعيفة ،  وأنها تتصادم مع دلالات النصوص المصرِّحة بأنَّ الضيافة حقٌّ وواجبٌ ، فلا  الاستدلالُ بالجائزة على وجود النسخ استدلالٌ صحيح ، ولا القول بأنَّ كون الضيافة من مكارم الأخلاق ومحاسن الدين هو دليلٍ على الندب صحيح ومقبولٌ ، وهي لا تعدو كونها تأويلاتٍ ضعيفة أو باطلة كما يقول الإمامُ النووي .

                 وأُضيف ما يلي : إنَّ الضيف لا ينبغي له أن يُثقلَ على مُضيفِه ، فلا يمكثُ عنده أكثر من ثلاثةِ أيام ٍ ، وإن وجده فقيراً لا يقوى على قِراه فلا ينزل ببيته فيُجهدهُ ويؤْذيه ، لما رُوي عن أبي شُريح الخُزاعي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الضيافةُ ثلاثةُ أيامٍ وجائزتُهُ يومٌ وليلةٌ ، ولا يحلُّ لرجلٍ مسلمٍ أن يقيم عند أخيه حتى يُؤَثِّمه ، قالوا : يا رسول الله : وكيف يُؤَثِّمه ؟ قال : يقيمُ عنده ولا شيء له يَقريه به " رواه مسلم وأحمد والبيهقي . ودلالة الحديث واضحة .

                 بقيت نقطة أخيرة لاستكمال البحث هي : هل الضيافة على أهل البادية فقط أم عليهم وعلى أهل الحضر ؟  الشافعي يقول إنَّ الضيافة هي سواءٌ على أهل البوادي وعلى الحضر ، أما الإمام مالك والإمام أحمد فإنهما يقصرانها على أهل البوادي دون أهل المدن ، والصحيح الذي يجب المصير إليه هو عدم القصر على ناسٍ دون آخرين لعموم الأدلة وشمول النصوص للجميع .**

**(38) السؤال : متى يصح النذر ومتى لا يصح ؟ وهل للناذر أن يأكل مما نذر ؟

(38) الجواب : يصح النذر في القُرُبات والطاعات ، ولا يصح في المعاصي ، والنذر مكروه ، ولكن أداءه واجب ، وإذا نذر أحدهم أن يذبح شاة مثلاً إن هو شفي من مرضه مثلاً ، فيجب عليه أن يفي بنذره ، فيذبح الشاة ويوزع لحمها على المساكين ، وعلى من يشاء من أهله وأصحابه وجيرانه ، ولكن ليس له أن يأكل من هذه الشاة شيئاً , فقد روى البخاري تعليقاً عن نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما قال " لا يؤكلُ مِن جزاء الصيدِ والنَّذر ويُؤْكلُ مما سوى ذلك " فإن أكل منها شيئاً فعليه قيمةُ ما أكل , وهذا هو رأي عامة الفقهاء .

(39) السؤال : هل يجوز إطعامُ الدوابِّ العشبَ الذي ينبتُ على جوانب الحفر الامتصاصية أو قنوات المجاري ؟

(39) الجواب : العشب والشجر الذي ينبت على حوافِّ الحفر الامتصاصية وعلى قنوات المجاري هو طاهرٌ ، ويجوز إطعامه للدوابِّ ، ويجوز للمسلم أن يأكل من ثمر هذا الشجر . أما إن أكلت الأغنامُ والدجاج مثلاً من المجاري مباشرةً أو شربت منها فإنَّ أكلها عندئذٍ يأخذ حكم الكراهة فقط ولا يصل إلى حدِّ التحريم ، ويطلق عليها آنئذٍ اسم الجلالة ، وقد وردت النصوص بالنهي عن أكلها ، فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحُمُرِ الأهلية ، وعن الجلالة ، وعن ركوبها وأكل لحومها " رواه أحمد والنَّسائي بسندٍ جيد . وعن ابن عمر رضي الله عنه قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الجلالة وألبانها " رواه ابن ماجة بسندٍ صحيح . وللتخلص من حكم الكراهة نطعم الأغنامَ والدجاج أعلافاً طاهرةً من الشعير والذرة مثلاً فترةً تكفي لتخليصها مما أكلت من النجس ، فتزول الكراهةُ .

(40) السؤال : قرأتُ جواب سؤال سابق يقول [ الناسُ عندنا درجوا على أن يُقبِّل الابنُ يد أبيه وأمه ، وأحياناً يد عالمٍ فاضلٍ ، فما الذي جاء به الشرعُ في هذا المجال ؟ ] والذي تقولون فيه بجواز التقبيل ، ولكنني وجدتُ حديثاً يفيد النهي عن مطلق التقبيل ، أي ما يخالفُ جوابكم ، وهذا الحديثُ هو " عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رجلٌ : يا رسول الله ، الرجلُ منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال : لا ، قال : أفيلتزمهُ ويقبِّلهُ ؟ قال لا , قال : أفيأخذُ بيده ويصافحهُ ؟ قال : نعم " رواه الترمذي وحسَّنه ، وكذلك حسَّنه الألباني ، فبماذا تجيبون ؟

(40) الجواب : هذا الحديث وإن حسَّنه الترمذي والألباني ، فهو حديث ضعيف جداً ، وبالتالي لا يصلح للاستدلال ، ومن ثّمَّ لا يصلح لمعارضة جواب السؤال ، ويبقى جوابُ السؤال قائماً وصحيحاً ، فهذا الحديث رواه عن أنس حنظلةُ بن عبيد الله الدوسي ، قال عنه يحيى بن سعيد القطان [ تركتُه عمداً ، كان قد اختلط ] وقال عنه الإمام أحمد [ منكر الحديث يحدِّثُ بالأعاجيب ] وقال النَّسائي [ ليس بقوي ، وقال مرةً : ضعيف ] وقال يحيى ابن معين [ ليس بشيء ] وممن قال باختلاطه أيضاً ابنُ حِبَّان والبيهقي وقال عبد الحق [ حنظلةُ هذا يروي مناكير ، وهذا الحديث ـ وهو يقصد حديثنا ألمذكور ـ مما أُنكِر عليه ، وكان قد اختلط ] وضعَّفه من المعاصرين شعيب الأرنؤوط .

       	       فالحديث ضعيف جداً فيترك ، ويبقى جواب السؤال صحيحاً ، وأنَّ تقبيل الرجل للرجل وتقبيل المرأةِ للمرأةِ جائزٌ على إطلاقه وفي كل حالٍ ، سواء في حالة العودة من السفر كما يقول بذلك بعضهم ، أو في غيرها من الحالات ، والأحاديث الواردة في جواب السؤال في التقبيل لا معارِضَ لها من النصوص الصالحة للاستدلال .**

**(37) السؤال : في عددها (14823) الصادر في 23/10/2008 نشرت جريدة الدستور الأردنية مقالاً للسيد رياض منصور تحت عنوان [ اعتراضات على ( رصاصة الرحمة ) قبل ذبح الحيوان ] تضمن فتوى شرعية قدَّمها وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية ، السيد عبد الفتاح صلاح تبيح إطلاق ( رصاصة الرحمة ) على الحيوان قبل الذبح ، شريطة أن يظلَّ حياً ، ولا يدخل في غيبوبة كاملة ، أثارت غضب المؤتمر الإسلامي حول ( مباديء الإسلام في ذبح ونقل الحيوانات ) المنعقد في القاهرة بمشاركة الوزير صلاح . وعندها قام الوزير بامتصاص حالة الجدل والانتقاد التي خلَّفتها فتواه ، فسارع لإسناد موقفه إلى أن استخدام ( رصاصة الرحمة ) مناسب لكثير من الحيوانات التي تحتاجها قبل ذبحها ، ولا تتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بهذا الشأن ، ومنها معايير المنظمة العالمية للصحة الحيوانية .

               وجاء في المقال أن مفتي عام المملكة الشيخ نوح سلمان القضاة ذكر تعليقاً على هذه القضية قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي المنعقد في مكة في العام 1987 والذي نظر في موضوع ( ذبح الحيوان المأكول بواسطة الصعق الكهربائي ) لافتاً إلى أن خلاصة هذه الفتوى نصَّت على ( إذا أُزهقت روح الحيوان بالصعق الكهربائي قبل ذبحه فإنه ميتةٌ يحرم أكلها ، أما إذا صُعق ثُمَّ بعد ذلك تمَّ ذبحه وفيه حياة فقد ذُكي ذكاة شرعية وحلَّ أكله ). وأضاف مفتي عام المملكة : إن مجمع الفقه الإسلامي المنعقد عام 2001 أصدر حكمه في الذبائح بالمسالخ الحديثة ، وجاء الحكم   ( الأصل في التذكية الشرعية أن تكون من غير تدويخٍ للحيوان إلا عند العجز عن السيطرة عليه بتدويخه ، فتجوز تذكيته بعد التدويخ بشرط ألا يؤدي التدويخ إلى موته لو تُرك ) .

               وأضاف المفتي أيضاً : إنه لا يجوز إطلاق رصاصة الرحمة على الذبائح ، لأن هذه الرصاصة التي تُطلق تؤدي إلى تلف الدماغ . وجاء في آخر المقال أن نقيب الأطباء البيطريين عبد الفتاح الكيلاني نفى استخدام رصاصة الرحمة  في ذبح الأغنام بالمملكة ، لافتاً إلى أن المستخدم في طريقة الذبح هي الصعقة الكهربائية ، مشيراً إلى أن النية تتجه الآن لاستخدام المطرقة الحديدية في عمليات الذبح ... إلى آخر ما جاء في المقال . فما هو الحكم الشرعي في هذه المسألة ؟

(37) الجواب : بخصوص الحيوان مأكول اللحم هناك قتل وهناك ذبح ، وهناك حالة ثالثة تحتمل القتل كما تحتمل الذبح . أما القتل فهو مختصٌّ بالحيوان مأكول اللحم إن كان وحشياً ، أي صيداً برياً ، وأما الذبح فهو مختصٌّ بالحيوان مأكول اللحم إن كان إنسياً ، أي داجناً ، والحالة الثالثة تحصل مع الحيوان الوحشي كما تحصل مع الحيوان الإنسي ، على تفصيل في ذلك :

أ- إذا أراد الصائد اصطياد غزالٍ برّيٍّ مثلاً ، فإنَّ له أن يطلق عليه رصاصة أو سهماً أو سكيناً ، فإن وصل إليه وقد مات الغزال فهو صيد حلال الأكل ، ومثله أن يستعين بكلب معلَّم في صيد أرنب مثلاً، فيقوم الكلب بقتل الأرنب وإحضاره للصائد، فهو أيضاً صيد حلال الأكل.

ب- إذا أريد أكل بقرة أو ناقة أو خروف أو دجاجة مما يربى في البيوت والمزارع فلا بدَّ من ذبحها ، أو نحرها إن كانت ناقة ، ولا تصبح حلال الأكل إلا بعد ذبحها أو نحرها ، ولا تحلُّ بغير ذلك ، وهذا هو الأصل في مأكول اللحم .

ج- الحالة الثالثة ذات شقَّين :

1- أن يطلق الصائد رصاصة أو سهماً أو سكيناً على الصيد فيحبسه ، ثم يبادر إلى أخذه فيجده لا زال حياً ، فيجب عليه أن يذبحه فوراً ، فإن تركه يموت دون ذكاةٍ بالذبح وهو قادر عليه فهو صيد حرام الأكل لا يحلُّ .

2- أن يهرب جمل أو بقرة مثلاً ، ويستعصي على صاحبه اللحاق به وإمساكه فإنَّ له أن يطلق عليه رصاصة أو سهماً أو سكيناً ، فإن تمكَّن منه بعدئذٍ وفيه حياة وجب عليه أن يبادر إلى ذبحه ، ولم يَجُز له أن يتركه ينزف حتى يموت ، وإلا كان حرام الأكل .

               ومثله جمل أو بقرة تسقط في بئر أو نهرٍ وتعذَّر الإمساك بها إلا بإطلاق رصاصة أو سهمٍ أو سكين ، أو أي سلاح متيسِّر ، ثم سحبها من البئر أو النهر ، فإن أخرجها وفيها حياة وجب ذبحها فوراً ، ولم يَجُز له أن يتركها تنزف حتى تموت  وإلا كانت حرام الأكل .

               فالقتل الذي يبيح الأكل إنما يختصُّ بالصيد الوحشي ، وبالداجن الهارب أو الساقط في حفرة ، ولا يستطاع الإمساك به إلا بإطلاق رصاصة عليه أو غيرها من أنواع السلاح . وما سوى ذلك فقتل الحيوان مأكول اللحم حرام لا يجوز ، ويعتبر ميتة نجسة ، ولا يجوز كذلك إطلاق رصاصة عليه أو سهمٍ أو سكين ، سواء مات بهذا الفعل أو لم يمت ، لأن الشرع الحنيف لم يأذن بهذا . هذه هي الأحكام التي ذكرتها النصوص ، وهي ما يجب العمل بها ومراعاتها في جميع الأحوال .

                ونأتي الآن لموضوع المقال المنشور في جريدة الدستور الأردنية ، فنقول ما يلي :

               إن إطلاق رصاصة على الحيوان الداجن من إبل أو بقر أو غنم أو حبش لا يجوز ، لا في المسالخ ولا في غيرها ، كثيرة العدد أو قليلة ، ما دام هذا الحيوان مقدوراً عليه وتحت السيطرة ، وليس هارباً ولا ساقطاً في حفرة أو نهر مثلاً . فإطلاق الرصاصة ، ومثلها السهم أو السكين ، واستخدام الصعقة الكهربائية لا تصح كلها مع الحيوان الداجن المقدور عليه وتحت السيطرة ، وتكون ذكاته بالنحر أو بالذبح لا غير ، ويشترط في الذبح أن يكون بآلة حادة في الحلق واللّبة وقطع الودجين ، وما سوى ذلك فحرامٌ شرعاً لا يجوز . 

              وهناك حالة استثنائية هي أن يهيج جمل أو يثور ثورٌ في المسلخ ولم يعد مقدوراً عليه ولا تحت السيطرة ، فبالقياس , للاشتراك في العلة , نُلحقه بالداجن الهارب أو الساقط في حفرة ، فيصح رميه بسهم أو بسكين أو حتى برصاصة غير قاتلة ، حتى إذا أمكن القبض عليه وصار مقدوراً عليه قام الذابح بذبحه .

               وهذه طائفة من الأدلة تفي بالغرض : 

1- عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ما أرسلت كلبك المعلَّم فقتل فكل ، وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه …" رواه البخاري .

2- وفي وراية أخرى في صحيح البخاري من طريقه بلفظ "… وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل ، وإن وقع في الماء فلا تأكل " .

3- وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " … وإذا رميت فسمَّيت فخزقت فكل ، فإن لم يتخزق فلا تأكل ، ولا تأكل من المعراض إلا ما ذكيت ، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت " رواه أحمد بسند صحيح. والمعراض: سهم بلا ريش ولا نصل ، أي ما يشبه العصا والبندقة : ما يُرمى به الصيد مما ليس له حدٌّ مدبَّب .

               ودلالة هذا الحديث هي أن ما يُصاد بالعصا ، ومثلها الحجارة الملساء ، وما ليس له حدٌّ مدبَّب يجرح عادة ، فإن الصيد في هذه الحالة لابد من تذكيته بذبحه لكون هذه الأشياء لا تقتل بحدِّها ، وإنما تقتل بثقلها دون جرحٍ ونزف دم ، ففي الحالة هذه فإن الصيد لا يحلُّ أكله لأنه موقوذة .

               وبعبارة أخرى أقول : إن أنت رميت أرنباً أو غزالاً بعصا مثلاً ، فإن قُتل الأرنب أو الغزال دون نزف دمٍ فإن القتل إنما حصل بثقل العصا ، فلا يحلُّ أكله لأنه وقيذ . فإن أدركه قبل أن يموت فلا بد من ذبحه.

4- عن رافع بن خديجٍ رضي الله تعالى عنه قال : " قلنا يا رسول الله ، إِنا لاقو العدو غداً ليس معنا مُدَىً ، قال : ما أنهرَ الدم وذكر اسم الله فكل ، ليس السنَّ والظفر ، أما السنُّ فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة " قال " وأصاب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نهباً ، فندَّ منها بعيرٌ فسعَوْا له فلم يستطيعوه فرماه رجلٌ بسهم فحبسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لهذه الإبل ـ أو قال الغنم ـ أوابد كأوابد الوحش ، فما غلبكم منها فاصنعوا بها هكذا ، وتردَّى بعير في بئر فلم يستطيعوا أن ينحروه إلا من قِبل شاكلته …" رواه البيهقي . قوله ندَّ بعير : أي هرب . وقوله شاكلته : أي خاصرته.

5- عن عباية قال" تردَّى بعير في ركيَّة وابن عمر حاضر ، فنزل رجل لينحره فقال : لا أقدر أن أنحره ، فقال ابن عمر : اذكر اسم الله عليه وأَجْهز عليه من قِبل شاكلته ، ففعل ، فأُخرج مقطَّعا ً…" رواه ابن أبي شيبة وابن الجعد . قوله في ركيَّة : أي في بئر .

               قد يقول قائل إننا نريد برصاصة الرحمة أو بالصعقة الكهربائية إراحة الحيوان وتخفيف الألم عنه ، استدلالاً بما رواه شدَّاد ـ بن أوس ـ رضي الله تعالى عنه قال : " اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله كتب الإحسان على كلِّ شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة ، وليُحدَّ أحدُكم شفرَته ، ثم ليُرحْ ذبيحَته ". رواه النسائي وغيره .

               فنجيبه بأن إراحة الحيوان هي بالتعجيل بإزهاق روحه ، بأن تكون السكين ماضية حادَّة ، فهذا ما يُرشد إليه الحديث ، لا ما يحصل بالرصاصة أو بالصعقة الكهربائية التي تزيد الألم على الحيوان بجمعها بين ألم الرصاصة والصعقة وألم الذبح  فالرصاصة , ومثلها الصعقة الكهربائية , لا تحلُّ محلَّ الذبح ، ولا تعتبر ذكاةً حتى يقال إننا اخترنا للحيوان ذكاةً مريحة ، وإنما تضيف ألماً إلى ألم ، وهو ما يتعارض مع دلالة هذا الحديث ، ويكون وصف الرصاصة بالرحمة وصفاً كاذباً مخالفاً للواقع .

               وأقول من ناحية ثانية ما يلي : إن الرصاصة إمَّا أن تطلق على الدماغ ، وإما أن تطلق على القلب ، وإما أن تطلق على ما سواهما من الأعضاء ، فإن هي أُطلقت على الدماغ أو على القلب فهي طلقة قاتلة ، وقتل الحيوان الداجن حرام قطعاً إلا في الحالة المستثناة التي ذكرناها ، وإن هي أُطلقت على البطن أو الظهر أو الرِّجل وبقي الحيوان حياً فإن ذلك يضيف للحيوان ألماً إلى ألـم ، وهو مغاير لمقصود الشرع .

               أما الصعقة الكهربائية فهي إضافةً إلى أنها تضيف للحيوان ألماً إلى ألم  فإن استعمالها ضد أي حيوان ، مأكـولٍ وغير مأكول , حرام لا يجوز مطلقاً  أما لماذا ؟ فلأن الكهرباء نار تحرق ، وحرق أي حيوان كلياً أو جزئياً حرام في شرع الله ، لما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فانطلق لحاجته ، فرأينا حُمَّرة معها فرخان ، فأخذنا فرخيها ، فجاءت الحُمَّرة فجعلت تعرِش ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من فجع هذه بولدها , رُدُّوا ولدها إليها ، ورأى قرية نملٍ قد حرَّقناها فقال : من حرَّق هذه ، قلنا: نحن ، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار " رواه أبو داود بسند صحيح ، فالحرق بالنار ، ومنها الكهرباء ، حرام لا يجوز ، سواء كان الحيوان مأكول اللحم أو غير مأكول ، وهذا الحديث أعلاه تشريع إسلامي عظيم في الرفق بالحيوان .

              ولا يقلُّ استعمال المطرقة الحديدية عن استعمال الرصاصة والصعقة في القبح وإلحاق الألم بالحيوان ، فهذه كلها حرام لا تجوز ، إلا عند هياج الحيوان الداجن وخروجه على السيطرة فقط .

               ويمكن الاستعاضة عن الرصاصة والصعقة والمطرقة بسقي الحيوان مادة مخدِّرة  أو بغرز إبرة رفيعة فيها مادة مخدِّرة ، حتى إذا فقد الحيوان الإحساس بالألم عُمد آنئذٍ إلى ذبحه ، فلا يشعر بالألم ، وفي ذلك راحة تامة له .

               أما قول وزير الأوقاف ( ولا يتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بهذا الشأن ، ومنها معايير المنظمة العالمية للصحة الحيوانية ) فهو قول لا ينبغي التعويل عليه ، فنحن مكلَّفون في مأكولاتنا وذبائحنا وصيدنا وسائر أُمورنا بأحكام الشرع فقط ، ولسنا مكلَّفين ولا ملتزمين بإتِّباع المعايير الدولية والقوانين والمواثيق الدولية .

               وهنا تثور شبهة ربما وُجدت عند القاريء هي أنَّ قولي إن استعمال الرصاصة غير القاتلة والصعقة والمطرقة وما يمكن أن تتفتق عنه أذهان أولي الشأن حرام لا يجوز , لا يعني أن الذبيحة تصبح حرام الأكل ما دامت ذُبحت أو نُحرت بعد ذلك فأجيب على هذه الشبهة بالقول إن استعمال هذه الأمور وإن كان حراماً إلا أن الذبيحة تظل حلال الأكل يجوز أكلها شرعاً ، ويقع الإثم فقط على الفاعلين .**

**(32) السؤال : تقوم بعضُ سياراتِ توزيعِ أسطوانات الغاز عندنا بفتح المسجِّل على أشرطة القرآن الكريم بشكل متواصلٍ ، كإعلانٍ عن مرور هذه السيارات بدلاً من إِطلاق صوت المزمار الذي تستعمله معظم سيارات توزيع الغاز ، فهل هذا الفعل مشروع وجائز ؟

(32) الجواب : إنَّ استعمال القرآن الكريم في غير ما شُرع له لا يجوز ، لأنَّ استعمالَه عبادةُ ، والعبادةُ تحتاج إلى دليلٍ لإثباتها ، وفي مسألتنا هذه لا يوجد دليلٌ يجيز استعمال القرآن الكريم كوسيلةِ إعلانٍ لمرورِ سياراتِ توزيعِ الغاز فلا يجوز هذا الفعل ، لا سيما وأنَّ في هذا الاستعمال شيئاً من الامتهان له ، فالواجب التوقفُ عن هذا الفعل ، وقصرُ استعمالِ القرآنِ الكريم على ما شُرع له فقط .

(33) السؤال : توجد في البيوت والمكاتب وغيرها رسوماتٌ يدويةٌ كدلاتِ القهوة والسفن الشراعية وأطفالٍ يجلسون في وضعية الصلاة والدعاء ، مرسومةٌ بأسماء الله الحسنى فقط دون ما سواها ، فهل يجوز استخدامُ أسماء الله الحسنى في هذه الرسوماتِ ؟

(33) الجواب : لا يجوز استخدام أسماء الله الحسنى في هذه الرسومات وأمثالها ، فليست أسماءُ الله الحسنى مادةً يتلاعبُ بها الرَّسامون وغيرهم ، وهي أجلُّ من أن يستعملها هؤلاء في رسوماتهم ، فالواجب على الرَّسامين التوقفُ فوراً عن هذا الفعل المشين ، وخاصةً استعمالها في رسم الأطفالِ وكلِّ ذي روحٍ ، فهو حرام بالأسماء الحسنى وبغيرها ، لما روى مسلم من طريق ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " كلُّ مصوِّرٍ في النار ، يُجعَلُ له بكلِّ صورةٍ صوَّرها نفسٌ فتُعذِّبه في جهنم وقال : إن كنت لا بدَّ فاعلاً ، فاصنع الشجر وما لا نفس له " كما يجب على من يقتنون هذه الرسوماتِ إتلافُها فوراُ وإلا أثموا ، فأسماء الله الحسنى لها قدسيةٌ ، ولها مهابةٌ ومكانةٌ في نفوس المسلمين ، فلا يحلُّ استخدامُها كموادَّ وأدواتٍ في الرسم وغيره .

(34) السؤال : ما حكم ُ تحنيطِ الحيواناتِ والطيور واقتنائِها في البيوت ؟

(34) الجواب : إن كانت الحيواناتُ التي يُرادُ تحنيطُها ومن ثَمَّ اقتناؤُها مما يجوز أكله كالأرانب والدجاج فيجوز تحنيطُها ، ومن ثَمَّ اقتناؤُها في البيوت للزينةِ بشرط ذبحها أولاً ثم تحنيطها ، أما إنْ تمَّ تحنيطُها دون ذكاةٍ شرعيةٍ فلا يجوز ذلك ، لأنها تكون عندئذٍ ميتةً ونجسةً ، والنَّجِسُ لا يحلُّ الانتفاع به ولا اقتناؤُه .

                أما الحيواناتُ التي لا يحلُّ أكلُها كالذئاب والصقور فلا يجوز تحنيطُها ولا اقتناؤُها بحالٍ ، لأنها لا تُذبحُ فتُذكَّى فتطهُر ، وتكون نجسةً عند قتلها ، والنجسُ لا يحلُّ الانتفاعُ به ولا اقتناؤُه ، والواجب على من عنده شيء منها أن يقوم بالتخلص منه فوراً .

(35) السؤال : تتردد في وسائل الإعلام لفظة التكفيريين ، يعنون بها الناس المتشددين الذين يُكَفِّرون المسلمين لأدنى شبهة ، وسؤالي هو : متى يجوز تكفير المسلم ومتى لا يجوز ؟ وهل لكم أن تعطوني مقياساً دقيقاً يُفرَّق به بين جواز التكفير وعدم جوازه ؟

(35) الجواب : إن مما لا شك فيه ولا ريب أن تكفير المسلم أمر فظيع لا يجوز فعله ولا التساهل فيه ، والمسلم هو من نطق بالشهادتين وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره من الله … إلخ واستمرَّ على ذلك . فمن اتصف بهذا فهو مؤمن وهو مسلم غير كافر ، لا يجوز وصمُه بالكفر إلا في الحالات الرئيسية التالية :

أ - من قال إن القرآن الكريم ناقص ولو كلمة واحدة أو آية واحدة أو سورة واحدة ، أو قال إن القرآن قد زيد فيه ولو كلمة واحدة أو آية واحدة أو سورة واحدة، ، أو ادعى بأن كلمة أو آية أو سورة قد جرى تبديلها بغيرها فقد كفر . وبمعنى آخر : من قال بحصول تحريف في كتاب الله سبحانه فهو كافر ، لأنه بقوله هذا يكذب بقوله سبحانه وتعالى في الآية التاسعة من سورة الحِجْر:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ).

ب - من عارض أو اعترض على آية واحدة فما فوقها ، أو خالف معناها إن كانت من الآيات المحكَمات التي لا تحتمل التأويل ، فقد كذَّب الله سبحانه وكفر بتكذيبه هذا ، فمثلاً يقول الله سبحانه في الآية 14 من سورة الملك: ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿14﴾ ويقول ربنا جلَّ جلاله في الآية 61 من سورة يونس: ( وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (فإن قال قائل إن الله يعلم الكليات في الكون فقط ولا يعلم الجزئيات ، فقد كذب بما جاء في هاتين الآيتين الدالتين على أنَّ الله يعلم كلَّ شيء وبالتالي فقد كفر .

ج - وأقول مثل ما سبق بخصوص ما ورد من معانٍ قطعية مما ورد في الأحاديث المتواترة المتَّفَق على تواترها ، سواء منها ما كان متواتر اللفظ كقوله عليه الصلاة والسلام " من كذب عليَّ متعمِّداً فلْيتبوأ مقعدَه من النار " أو كان متواتر المعنى كحصول الشفاعة يوم القيامة ، فمن اعترض أو عارض هذه الأحاديث المتواترة فقد كفر .

د - من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، كأن أنكر فرض الصلاة وفرض الصيام ، أو أنكر تحريم الزواج من المحارم ، وتحريم شرب الخمر ، أو أنكر وجوب قطع يد السارق ووجوب الجهاد بالقتال في سبيل الله فقد كفر .

هـ - من حقَّر القرآن الكريم بأن داس عليه بقدمه أو ألقاه في المرحاض أو تفل عليه أو مزَّقه تحقيراً أو قام بأي فعل مشابه لهذه الأفعال فقد كفر .

و - أي حاكم للمسلمين إنْ حكم بغير ما أنزل الله معتقداً بصلاحية ما يحكم به وبعدم صلاحية شرع الله سبحانه ، أو ترك الحكم بشرع الله ، أو حتى بجزءٍ منه وهو قادر على الحكم به كلِّهِ لأنه لا يعتقد بصلاحه , كأن وضَعَ في الدستور أنَّ الإسلام مصدرٌ من مصادر التشريع فقط ، أو أنَّ الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع ، وليس هو مصدر التشريع فقد كفر .

ز - من آمن بأفكارٍ وعقائدَ تعارض عقيدة الإسلام وتناقضها وهو يعلم ، كأن آمن بالعلمانية وبعقيدة فصل الدين عن الحياة، ، أو آمن بالديمقراطية بمعناها ومدلولها الحقيقي وهو أن التشريع للشعب وليس لله ولرسوله ، أو آمن بنظرية النشوء والارتقاء ، أي بنظرية التطوُّرِ القائلة إنَّ الإنسان لم يُخْلقْ إنساناً باديء ذي بدء وإنما تطورت الخلية ذاتياً إلى كائن حيٍّ ، ثم إلى كائن حيٍّ أرقى منهُ ، ثم إلى قردٍ ، ثم إلى إنسانٍ ، وأمثال هذه الأفكار والعقائد الباطلة التي تتعارضُ مع عقيدة الإسلام فقد كفر .

               هذه هي الخطوط العريضة التي يُبنى عليها التفريقُ بين الإسلام والكفر  وبين المسلم والكافر دون التفاصيل الدقيقة ، وعليه فإن الواجب على كلِّ مسلمٍ ملتزمٍ بشرع الله أن ينأى بنفسه عن تكفير المسلمين لأدنى شبهة ، وعند أول معصية كبيرة كانت أو صغيرة ، ذلك أن من كفَّر مسلماً فقد باء بالكفر أحدُهما كما روى ذلك البخاري ومسلم وأحمد ومالك وأبو داود والترمذي وأبو عوانة من طريق ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيما رجلٍ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدُهما " . وفي لفظٍ ثانٍ عند مسلم وأحمد من طريق ابن عمر رضي الله عنهما " أيُّما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدُهما إنْ كان كما قال ، وإلا رجعت عليه " . 

               وأقول أخيراً ما يلي : إنْ قام مسلم بفعل شنيع وأراد مسلم آخر أن يعرف إن كان ذاك المسلم قد كفر أو عصى فقط ، فليعُدْ إلى النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحكم عليه بالكفر ، فإن وجد ما يدل على كفر ذلك المسلم بشكل يقيني قطعي فلْيرمِهِ بالكفر وإلا فلْيتوقف ، وإلا هلك القائل قبل أن يهلك الآخر .

               هذا وقد استغلَّ أعداءُ الإسلام فكرة التكفير أبشع استغلال ، فراحوا يجيِّشون الجيوش ، ويحاربون المسلمين تحت شعار محاربة التكفيريين ، والتطرف الإسلامي ، ويدقُّون أسافين بين طوائف المسلمين بسبب هذه الفكرة ، ويحرِّضون فريقاً على فريق مما يقوِّي حربهم ضد المسلمين كلِّهم ، فالحذار الحذار مما يبيِّت الكفارُ الأعداءُ للمسلمين جميعاً ، ولْيتوقفْ أصحابُ فكرة التكفير عن الترويج لفكرتهم والتوسُّعِ في نشرها  فهذا ليس وقتها ، ولْيعملوا على تأليف القلوب وجمع الكلمة ، ولنقفْ صفاً واحداً منيعاً ضد أعدائنا جميعاً حتى نتخلص منهم ، ثم تبقى عندنا فسحةٌ واسعةٌ للنقاش وللحوار بعد ذلك .**

**(28) السؤال : في حلقة تلفزيونية تولَّى الإجابةَ فيها شيخٌ معمَّمٌ مشهورٌ ، خُصِّصت للكلام عن الحرية في الإسلام ، سأل فيها سائلٌ هذا الشيخ عن حكم الردة في الإسلام ، وهل هذا الحكم يتناقض مع القول إِن الإسلام يقول بالحرية الفكرية ؟ فكان جواب الشيخ : إن المرتد إذا بقي على رِدَّته ولم يَدْعُ الناس إليها ، ولم ينشرها بين المسلمين فلا يجوز قتله ، ولا ينطبق عليه قول الحديث " من بدَّل دينه فاقتلوه " وإنما المرتد الذي يُقتل هو الذي يخرج على الدولة المسلمة بردته ، ويحارب نظامَها ويعلن عداوته لها ، وهذا حق مكفول لكل دول العالم وأمم الأرض . فماذا ترون في هذه الفُتيا ؟

(28) الجواب : هذا جواب خطير لا ينبغي لمسلمٍ مخلصٍ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وعالمٍ بأدنى علوم الشريعة أن يقوله ويفتي به ، فالحديث جاء بلفظ عام فيبقى عاماً يشمل كلَّ مرتد ، سواء نشر رِدته ودعا إليها أو احتفظ بها لنفسه ، فهما في الرِّدة سواء ، وفي وجوب القتل سواء ، والتخصيص والتقييد لا يكون إلا بالشرع ، وليس بالعقل ولا بالهوى إرضاءً للحكام ومجاراةً لأفكار الكافرين .

               إن الحرية في الإسلام هي عكسَ العبودية ، وتعني تحرير العبيد ، وتحرير المسلمين من هيمنة الكفار عليهم ، وما سوى ذلك فليس في الإسلام حريات  وإنما المسلم مُقيَّدٌ بأحكام الشرع وبأفكاره ، وليست له حرية اختيارٍ فيها .

(29) السؤال : طاعة الولد لأبيه ما هي حدودها ؟ وهل هي مُطْلَقةٌ فلا يجوز للولد أن يعصي أي أمر من أبيه ؟

(29) الجواب : كلُّ ما يحتاج إليه الوالد من أشياءَ وأفعالٍ يجب على الولد أن يُحقِّقها له ما استطاع ، كأن يحتاج الوالد إلى مالٍ ، أو يحتاج إلى الوصول لمكان ، أو يريد شراء ثياب له ، أو يريد علاجاً في عيادةٍ أو مستشفى ، أو أيةَ حاجةٍ له في قضائها مصلحة له ، فعلى الابن أن يقضيها له وجوباً .

                أما ما كان غير ذلك ، أي ما ليس للوالد حاجةٌ ولا مصلحةٌ له خاصَّةٌ  فلا يجب على الولد إطاعة أبيه فيه لو طلبها منه ، فلو طلب الوالد من ولده أن يدرس مادةً معيَّنةً في الجامعة ، أو أن يتزوج ابنةً معيَّنةً ، أو أن يسكن في بيت معين ، أو أن يتصدق على شخص آخر ، أو أن يُطَلِّق زوجته ، وما إلى ذلك ، فلا يجب على الولد إطاعة أبيه في ذلك ، لأن هذه الحاجاتِ ليست حاجاتٍ للوالدِ خاصةً به ، فلا تجب إِطاعته فيها .

               باختصار أقول : إن الولد يجب أن يطيع أباه إن طلب منه تحقيق حاجة خاصة به ، ولا يجب أن يطيعه فيما سوى ذلك .

(30) السؤال : يعمدُ أحدهم عند شراء سيارة مثلاً إلى ذبح شاة على مقدِّمة السيارة ، بحيث تتطلخ السيارة بدم الشاة ، فهل هذا جائز ومشروع ؟

(30) الجواب : أما الذبحُ بمناسبة شراء سيارة فيجوز ، وأما تلطيخ السيارة بدم الذبيحة فهذا من فِعل الجاهلية ، أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله في الآية 3 من سورة المائدة: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿3﴾ ذلك أنَّ أهل الجاهلية كانوا يذبحون الذبائح على النُّصُب والأصنام بحيث تتلطخ هذه النُّصُب والأصنام بدمائها ، فلا ينبغي لنا أن نتشبه بفعالهم .

(31) السؤال : هل في الإسلام رجالُ دين كما هو حاصل في الديانتين اليهودية والنصرانية ؟*

(31) الجواب : ليس في الإسلام رجالُ دينٍ بالمعنى الموجود في الديانتين اليهودية والنصرانية ، وإنما كل مسلم مأمور بحمل دعوة الإسلام ونشره وحراسته والالتزام بأحكامه ، كلُّ ما في الأمر أن هناك علماءَ وفقهاءَ في الإسلام لتعليم الناس الإسلام دون أن تكون لهم صلاحيات دينية كتلك التي يملكها رجال الدين اليهودي والنصراني ، من مثل قبول توبة التائبين ، ومنح صكوك الغفران ، وتعميد الأتباع ، والتشريع ، وما إلى ذلك ، ثم إنه ليس في الإسلام لباسٌ خاصٌّ بالعلماء والفقهاء يتميزون به عن سائر المسلمين ، كما هو حاصل في الديانتين ، فعندما كان الأعرابي يصل إل المدينة لملاقاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو جالس بين أًصحابه ، كان يسأل الموجودين : أيكم محمد ؟ *فيقال له هذا هو ، مما يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يتميز عن غيره بلباس أو شارات ، وإنما كان يلبس كما يلبس سائر الناس .

ولهذا فإن دولة الخلافة ستمنع أيَّ لباس يُشعر بوجود رجال دين ، فستمنع لباسَ العِمامة والجبة المُشعرتين بوجود رجال دين ، إلا أن يلبس كل مسلم العمامةَ والجبةَ فلا محذور عندئذٍ ، فالمهم هو أن لا يتميز العلماء والفقهاء بأي لباس ولا بأية علامة وشارة تُشعر باختلافهم عن سائر المسلمين . أما ما نراه من لباس يرتديه خريجو الأزهر ، أو علماء الشيعة ، فسوف يُمنع في دولة الخلافة ، ولا يُؤذن لهؤلاء العلماء والفقهاء أن ينوبوا عن ربهم في قبول التوبة من التائب ، أو إقرار الزواج دون غيرهم ، أو تشريع الأحكام ليلتزم بها سائر المسلمين ، فهم مسلمون عاديون في الصلاحيات والالتزامات والواجبات ، لا يزيدون عن غيرهم إلا بما يُحَصِّلونه من علم يصبحون به علماء وفقهاء فحسب .*

**(27) السؤال : هل نرى ربَّنا يوم القيامة وكيف ؟ وهل رؤية ربنا يوم القيامة عقيدةٌ يكفر منكرها ؟

(27) الجواب : نعم سنرى ربنا يوم القيامة ، وهذه الرؤية هي أفضل وأعظم النعم التي يَهَبُنا اللهُ إياها آنذاك . أما كيف ؟ فلا يعلم ذلك أحدٌ على التحديد ، وإنما سيَهَبُنا ربُّنا قوةَ إبصارٍ نتمكن بها من رؤيته جل جلاله ، وهذه هي الأدلة من الكتاب والسنة :

1- يقول ربُّنا سبحانه وتعالى في الآيتين 22 و 23 من سورة القيامة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبّها ناظِرَةٌ) فقوله تعالى : (إلى رَبّها ناظِرَةٌ) أي ناظرة إلى ربها .

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال " قال أُناس يا رسول الله هل نرى ربنا يومَ القيامة ؟ فقال : هل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحابٌ ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : هل تُضارُّون في القمر ليلةَ البدر ليس دونه سحابٌ ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فإِنكم ترونه يوم القيامة كذلك … " رواه البخاري وأحمد ومسلم .

3- عن جرير رضي الله عنه قال " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ البدر فقال : إِنكم سترَوْن ربَّكم يوم القيامة كما ترون هذا ، لا تضامُّون في رؤيته " رواه البخاري والترمذي .

4- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال " قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تُضارُّون في رؤية الشمس أو القمر إذا كانت صحْواً ؟ قلنا : لا ، قال : فإنكم لا تُضارُّون في رؤيةِ ربِّكم يومئذٍ إلا كما تضارُّون في رؤيتهما " رواه البخاري ومسلم وأحمد والحاكم وأبو داود الطيالسي .

5- عن صهيبٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ قال : يقول الله تبارك وتعالى : تريدون شيئاً أَزيدُكم ؟ فيقولون : ألم تُبيِّض وجوهَنا ؟ ألم تُدْخلنا الجنةَ وتُنجِّنا من النار ؟ قال: فيكشف الحجابَ ، فما أُعطوا شيئاً أَحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم ? عزَّ وجلَّ - " رواه مسلم وأحمد والترمذي والنَّسائي

                   وقد أورد الحافظ ابن حجر في كتابه [  فتح الباري ] أحد عشر حديثاً عن الرؤية ، وقال ( جمع الدَّارَقُطني طُرُقَ الحديث الواردة في رؤية الله تعالى في الآخرة فزادت على العشرين ، وتتبَّعها ابنُ القيِّم في حادي الأرواح فبلغت ثلاثين ، وأكثرها جِياد ، وأسند الدَّارَقُطني عن يحيى بن معين قال : عندي سَبْعَةَ عَشَرَ حديثاً في الرؤيةِ صحاحٌ ) . وقد رجعتُ إلى كتاب            [ حادي الأرواح ] لابن القيم ، فوجدته ذكر جميع الأحاديث في الرؤية ، وأسندها إلى الصحابة الآتين : أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وزيد بن ثابت وعائشة أم المؤمنين وسلمان الفارسي وأبو هريرة وأُبي بن كعب وأبو سعيد الخدري وجرير بن عبد الله وصهيب الرومي وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وأبو أُمامة الباهلي وعمَّار بن ياسر وعبد الله بن عمر وحُذيفة بن اليمان وعبد الله ابن عباس وكعب بن عُجْرة وبُرَيدة بن الحصيب وعَدي بن حاتم الطائي وأبو رَزين العُقَيلي وعُمارة ابن رُويبة .

                 وهؤلاء الصحابة هم في القمة في الفضل والعلم والأمانة في النقل يستحيل تواطؤهم على الكذب ، مما جعل الأئمة الأربعة وإسحق بن راهُويه والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عُيينة وعبد الله بن المبارك والطبري ووكيع بن الجراح وقتيبة بن سعيد والضحاك وعكرمة والحسن البصري يقولون بتحقُّق الرؤية لله رب العالمين . قال ابن قيِّم  الجوزية في كتابه [ حادي الأرواح ] ما يلي ( قد دلَّ القرآن والسنة التواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث عصابة الإسلام ونزل الإيمان ، وخاصةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على أنَّ الله سبحانه وتعالى يُرى يوم القيامة بالأبصار عياناً ، كما يُرى القمرُ ليلة البدر صحواً وكما تُرى الشمسُ في الظهيرة ... )  وقال ابن كثير في تفسيره لسورة القيامة ما يلي ( وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عزَّ وجلَّ في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها... وهذا بحمد الله مُجْمَعٌ عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة ، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهُداة الأنام ) . وقال القرطبي في تفسيره ما يلي ( - ناظرة ? أي تنظر إلى ربها ، على هذا جمهور العلماء ) . وإذن فإنَّ الرؤية قد ثبتت بكتاب الله تعالى  وثبتت بالأحاديث المتواترة ، وثبتت بإجماع الصحابة ، وأخذ بها جمهور العلماء ، وهذا أعلى درجات الإثبات ، فلا يحلُّ لمسلم بعدئذٍ إنكارُها ولا التشكيكُ فيها .

                وقد روى أحاديثَ الرؤية جميعُ رواةِ الأحاديث وهم : البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدَّارمي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان وأبو عَوانة والدَّارَقُطني والطبراني والبيهقي وابن أبي شيبة والحاكم والشافعي والطبري وأبو داود الطيالسي والخطيب البغدادي وابن عساكر وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد .

                  وقد اتفقت كلمةُ الأمة على تحقُّقِ رؤيةِ الله تعالى يوم القيامة ، نُقل ذلك عن جمهرة الصحابة والتابعين والفقهاء لم يخالفهم إِلا الخوارج وبعض المعتزلة والشيعة . 

                  وقد تمسك هؤلاء بأن الرؤية تُوجِب كون المرئي مُحْدَثاً وحالاًّ في مكان  , وأوَّلوا كلمة ( ناظرة ) في قوله تعالى: ( إلى رَبّها ناظِرَةٌ)  بمنتظرة    وتعلقوا بقوله تعالى في الآية 103 من سورة الأنعام  ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ وبقوله تعالى لنبيه موسى عليه السلام   في الآية 143 من سورة الأعراف:( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿﴾   وردُّوا جميع الأحاديث القائلة بالرؤية لمخالفتها لما فهموه من الآيات المذكورة .

            فنجيب هؤلاء بما يلي :

1- إن الأحاديث القائلة بالرؤية بلغت حدَّ التواتر ، وأجمع عليها الصحابةُ ، مما يجعل ردَّها حراماً قد يصل إلى الكفر والعياذ بالله .

2- إن تأويلهم قول الله تعالى ( إلى رَبّها ناظِرَةٌ) بمنتظرة ، فاسدٌ لغةً :

               فأولاً : إنَّ كلمة - ناظرة - تُفسَّر لغةً برائية ، إلا إن تعذَّر هذا المعنى فيُلجأ إلى التأويل ، وهنا لم يتعذَّر هذا المعنى ، إِضافةً إلى إثباته بالأحاديث المتواترة  التي تفيد العلم اليقيني . 

              وثانياً : إذا قلنا ناظرة بمعنى منتظرة فلا يجوز أن يُؤتى بـ إلى  ، لأنَّ اللغة تقول نظرتُ الشيءَ ولا تقول انتظرتُ إلى الشيء . فكون الآية ذكرت إلى ، فهو دليل على نفي هذا المعنى تماماً . 

              وثالثاً : فإذا أضفنا كلمة - الوجه - إلى العبارة وقلنا الوجه ناظرٌ إلى الشيء ، بأن لنا المعنى المقصود وهو الرؤية العينية ، وليس الانتظار قطعاً .

3- أما تعلُّقُهم بقوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ فالجواب عليه أن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية وذلك أن الإدراك غير الرؤية ، ولا يُفسَّر الإدراك بالرؤية هنا ، فالإدراك يعني الإحاطة والعلم التام بالشيء ، في حين أن الرؤية أقل من ذلك ، فبمجرد وقوع النظر على الشيء تحصل رؤيته ولا تحصل الإحاطة به بالضرورة ، فالله سبحانه لا يُدرَك ولا يُحاط به قطعاً ، لا في الدنيا ولا في الآخرة لأنه غير محدود ، ولكن رؤيته ممكنة عقلاً ، فضلاً عن إمكانها شرعاً ولأضرب مثالاً لتوضيح الفارق بين الإدراك والرؤية : فنحن نرى الكون ، نرى أرضه وشمسه وقمره ونجومه ، ونعني بذلك أن أبصارنا وقعت على هذه الأفلاك ، ولكننا مع حصول هذه الرؤية لا نستطيع القول إننا ندرك الكون ، فهناك أفلاكٌ خارجَ نطاق أبصارنا ، وحتى الأفلاك التي نراها لا ندركها كلَّها ، بمعنى لا نحيط علماً بها كلِّها ، رغم أن الكون محدود ، فما بالكم بخالق الكون غير المحدود ؟ إن رؤيته سبحانه لا تعني أننا ندركه ونحيط به ، فالرؤية قاصرة ، والإدراك شامل كامل .

4- أما تعلقهم بقوله تعالى لنبيه موسى عليه السلام :frowning: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ) فالجواب عليه أُلخصه بما يلي : إن هذا هو قولٌ حصل في الدنيا ، فهو متعلق بها وحدها فلا يشمل الآخرة ، فالدنيا لها قوانين وخصائص مختلفة كلياً عن القوانين والخصائص في الآخرة ، ومن اطلع على أحوال الجنة والنار والناس في الآخرة مما هو مذكور في الآيات والأحاديث يدرك ذلك تماماً ، فموسى عليه السلام وهو مخاطَبٌ في الدنيا بما فيها من قوانين وخصائص ، لن يرى الله سبحانه ، ويستحيل عليه أن يراه ، وحتى الجبل لم يستطع أن يثبت أمام تجلَِي الله سبحانه له ، فدُكَّ دكَّاً وصعق موسى . أما في الدار الآخرة فإن الله سيعطينا خاصياتٍ وقُدُراتٍ ومواصفاتٍ مغايِرةً لما نحن عليه في الدنيا ، ومن هذه القدرات أنه سبحانه سيمكِّنُنا من رؤيته جلَّ جلاله ، وهذا غير مستبعَدٍ بل هو ثابت في كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام .

5- إن الآيات قطعية الدلالة كآية ( إلى رَبّها ناظِرَةٌ) والأحاديث المتواترة كأحاديث إثبات الرؤية يجب الاعتقاد بما تتضمنه وتقوله ، ويحرم إن لم نقل يكفر مَن يُنكره ويجحده ، أو حتى يؤوله ، ذلك أن التأويل يكون في الآيات والأحاديث المشتبهات وليس في الآيات والأحاديث قطيعة الدلالة كأحاديثنا هذه ، ويكفي لإثبات أن الأحاديث هذه تنفي الاشتباه هو قولها " هل تضارُّون " " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا " "فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم " فكل هذه العبارات تتضمن أمراً واحداً هو إثبات الرؤية ونفي الاشتباه ولذلك لا مكان ولا مجال هنا للتأويل والتعسُّف في التفسير ، فالتأويل مرفوضٌ والردُّ مردودٌ ، فلم يبق إلا الأخذ والقبول بما تتضمنه الآيات والأحاديث الناطقة بالرؤية , وليحذر المسلم من عدم الاعتقاد بحصول الرؤية لله سبحانه يوم القيامة ، وأخشى إن هو أصرَّ على الرفض أن يشمله قوله سبحانه وتعالى في الآية 15 من سورة المطففين( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴿15﴾ عافانا الله من ذلك .**

**(21) السؤال : من كان مَكْسبُه أو بابُ رزقِه حراماً ، هل يجوز أن نأكل من طعامه إذا دعانا إلى وليمة مثلاً ؟ وهل يجوز أن نستدين منه مالاً ؟

(21) الجواب : نعم يجوز لنا أن نأكل من طعامه ، كما يجوز لنا أن نستدين منه مالاً بشرط أن لا يكون المال مسروقاً ، فالحُرْمةُ لا تتعلق بذمَّتين ، فالحرام واقع منه ، والإثمُ واقع عليه وحده ، ونحن لا إِثم علينا في ذلك . أما إن نحن أَخذنا بالورع ، فعلينا أن نجتنب كل ذلك .

(22) السؤال : لقد قرأتُ مقدمة كتابك [ الجامع لأحكام الصلاة ] فوجدتك تذكر فيها أنه لا حاجة للرجوع إلى الأدلة الشرعية في الاستدلال سوى القرآن والحديث الشريف ، وهذا يعني عدم الحاجة إلى إِجماع الصحابة والقياس في العبادات ، أو هكذا فهمت ، وهذا قريب من منهج أهل الحديث ومنهم السلفيون .

                   ولكن ، وفي أثناء اطلاعي على محتوى الكتاب في الطبعة الأولى منه ، وجدتُك تعلِّل بعض الأحكام - وهي قليلة - ولكن في الطبعة الثانية وجدتُ أن لفظة علَّة قد حُذِفت وبقي النص كما كان سابقاً يفيد التعليل ، وهذا يعني أمرين :

                   أولهما : أنك قد احتجتَ إلى أدلةٍ أخرى في العبادات غير القرآن والحديث الشريف بخلاف ما ذكرتَ في المقدمة ، مع أن النصوص الشرعية هي نصوص تشريعية ، سواء تعلقت بالعبادات أو بالمعاملات أو بغيرها ، وبالتالي فهناك حاجة إلى أصول الفقه دائماً .

                   وثانيهما : أنك تعلِّل بعض أحكام العبادات بخلاف القاعدة الشرعية المعروفة القائلة إنَّ العبادات لا تُعلَّل ، وكذلك ما ورد في كتاب المفاهيم من أنه قد وُجد بعد الاستقراء للأحكام الشرعية أن العبادات والمطعومات والملبوسات لا تعلَّل ، فأرجو توضيح هذه الأمور .

(22) الجواب : هناك أدلة وهناك نصوص . أما الأدلة فهي الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس ، وأما النصوص فهي الكتاب والسنة فقط . وحيث أن العبادات تُؤخَذ من القرآن والسنة ، ولا يُلحَظ وجودُها في إجماع الصحابة ولا تقاس على غيرها على العموم ، فقد قلت إن العبادة هنا ، وهي الصلاة أخذتها من النصوص فقط . وهذا قول عام لا يُقصد منه إِبطالُ إِجماعِ الصحابة ولا القياس كدليلين على الأحكام . أما ما لاحظتَه من وجود قياس في ثنايا الكتاب فهو نادر لا يكاد يُذكَر ، وحتى في هذه الحالة فإنَّ شرطَ القياس أن يُبنى على علَّةٍ موجودةٍ في النص فقط ، ونحن نتبنى أن العبادات لا تُعلَّل إلا إن وُجِدت العلةُ في النص فتؤخذ ويقاس عليها ، وحيث أن العلل في العبادات نادرة فقد جاز لنا القول إن العبادات لا تعلل ، أما عند التفصيل فإننا نقول إن العبادات لا تعلل ولا يُلتَمس لها علَّة إلا إن وُجِدت العلةُ فعلاً في النص فيقاس عليها ، وهي كما قلت نادرة وعلى ضوء هذا البيان تستطيع أن تدرك أنَّ ما جاء في المقدمة وما جاء في ثنايا الكتاب لا يخالف المتبنى عندنا .

(23) السؤال : إذا دعا الإنسان في حالة غضبٍ على أحدٍ بسوء ثم أراد أن يتراجع عن دعائه بعد أن هدأ ، فماذا يفعل ؟

(23) الجواب : يتوجب عليه أولاً أن يتوب إلى الله تعالى من ذلك الدعاء إن كان فيه ظلمٌ وتعدٍّ على المدعو عليه ، ثم إن استطاع أن يُخْبِر المدعوَّ عليه بما حصل ليسامحه فَعَل ، فذلك أبلغُ في التوبة ، إلا إن غلب على ظنه أن المدعوَّ عليه في حالة المكاشفة لن يسامح ، وربما غضب عليه وخاصمه ، فعندها لا يفعل ، ويكتفي بالتوبة ، ثم يدعو للمدعوِّ عليه بدعاء خيٍر عوضاً عن ذلك الدعاء السيء .

(24) السؤال : لقد جاء في الجزء الأول من كتابكم [ الجامع لأحكام الصلاة ] ما يلي [ وهذه القاعدة التي يأخذ بها ابن حجر غيرُ مسلَّم بها ، لأن الحديث غير الصحيح وغير الحسن يحتاج إلى حديث صحيح أو حسن ، وليس إلى حديث ضعيف لدعمه ، وفي هذه الحالة فإن الاحتجاج يكون بهذا الصحيح أو بهذا الحسن … ] والسؤال هو : يُفهم من قولك هذا أنك توافق ابتداءً على أن الضعيف يُبحث فيه ليُدعَم بالصحيح أو بالحسن ، ولكن إذا كان الاحتجاج يكون بهذا الصحيح أو بهذا الحسن ، فلماذا ندعم الضعيف من أساسه ؟ ولماذا نبحث له عما يدعمه ، ولا نكتفي بالصحيح أو بالحسن ؟ وبعبارة أخرى ما الداعي إلى البحث في الضعيف لدعمه بالصحيح أو بالحسن ما دمتَ لا تعمل به ، وتعمل بما يدعمه ؟

(24) الجواب : هذا القول في الكتاب هو ردٌّ على ابن حجر القائل إِنَّ الضعيف يُدعَم ويتقوى بالضعيف ، أما أنا فلا أرى رأي ابن حجر هذا ، وهذا واضح تماماً بقولي [ غير مسلَّم بها ] والردودُ على الآخرين ومناقشتُهم تجري عادةً بإيراد حججهم ، سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة ، ثم تجري عملية إثبات الحجة عليهم أو لهم بأُسلوبهم نفسه ، فذلك أثبتُ للحُجة .

                   إنَّ الضعيف الذي أتبناه أنا يبقى ضعيفاً ، ولو دُعِم بعدة أحاديث ضعيفة  إذ الضعيفُ عندي لا يرتقي إلى مرتبة الحسن ، فضلاً عن مرتبة الصحيح ، بدعم الأحاديث الضعيفة له ، وإنما يبقى ضعيفاً لا يجوز الاستدلال به .

(25) السؤال : هل يجوز لي تقليدُ عدة مجتهدين في عدة مسائل ، فمثلاً أقلِّد الإمام أحمد في المعاملات ، وأقلد الإمام الشافعي في الحج والعمرة ، وأقلد الإمام مالك في الزكاة ، وأقلد الإمام أبا حنيفة في الأضاحي ، وأقلد الإمام أبا إياس في الطهارة والصلاة والصيام ؟

(25) الجواب : نعم يجوز لك ذلك ، فتقلد إماماً في المعاملات , وآخرَ في الحج والعمرة ، وثالثاً في الزكاة ، ورابعاً في الأضاحي ، ولا ضير في ذلك ولا محظور ، كما يجوز لك أن تقلدني في الطهارة والصلاة والصيام ، وإن كنتُ أتحفَّظ على وصفي بالإمام .

(26) السؤال : فيما يتعلق بزِيِّ التخرُّج الذي يُلبَس في الجامعات : لقد حصل وأن سمعنا أن هذا الزي يُلبس من قِبَلِ الرهبان في بعض الطقوس الدينية ، ولكنه غير مؤكَّد ، فما هو حكم الشرع في هذا ، مع العلم أن الطالب لا نية له في الطقوس الدينية ؟

(26) الجواب : إِنَّ الذي أعرفه هو أن أصل اللباس هذا هو العباءة العربية ، أخذه الغرب النصراني من المسلمين في الأندلس ، أيام كان الغربيون يدرسون في الجامعات الإسلامية المتقدِّمة آنذاك ، ثم زادوا عليه القلنسوة الغربية ، ولذا فإني لا أرى حُرْمةً في لبسه في حفلات التَّخرُّج ، لا سيما إِنْ اكتفى الطالب بالرداء دون القلنسوة ، أما إن ثبت غير ذلك ، وأن هذا اللباس هو لباس الرهبان ، فرضه الغرب على الطلاب ، فإن ارتداءه عندئذٍ يكون حراماً ، لأن تقليد الكفار في أمور دينهم حرامٌ لا يجوز .**

**الفهرس

زكاة وإفتصـــــــــــــــــــــــاد > 02 - 06

مســـــــــــــــائل إجتماعية > 07 - 15

مسائل في الحكم والجهاد> 16 - 20

منوعـــــــــــــــــــــــــــــــات > 21 - 45**

**( 48 ) السؤال : أرى الناس عموماً يُكرمون الخبزَ , فنجدهم لا يُلقون به في صناديق الزبالة , ولا يُجيزون رميه أو وَطئه , فهل من سندٍ أو دليلٍ صحيحٍ على هذا الإكرام ؟

( 48 ) الجواب : لم أجد فيما قرأتُ من أحاديثَ كثيرةٍ تصلح للاستدلال على إكرام الخبز سوى حديث واحدٍ رواه الحاكم بسندٍ صححه هو والإمام الذهبي , وحسنه غيرهما , هوأنَّ كريمة بنت همام الطائية روت عن عائشة أُمِّ المؤمنين رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال " أكرموا الخبزَ, وإنَّ كرامةَ الخبزِ أنْ لا يُنتظرَ به " . قوله ( أنْ لا يُنتظَر به ) معناه أنَّ الخبز إن وُضع على المائدة بادروا بتناوله دونما حاجة لانتظار ما يُؤتى بعده . فصلح هذا الحديث للاستدلال , وهو يفيد الندب فحسب .

( 49 ) السؤال : لطالما تناقل الناس أحاديث عن فضل بلاد الشام , وما دعاهم لتنقلها هو ما تشهده سورية اليوم من ثورة مباركة على الحكم البعثي النصيري , فما حقيقة هذه الأحاديث من حيث الصحة أو الضعف ؟ وهل لكم أن تطلعونا عما صح أو حسن عندكم منها ؟

( 49 ) الجواب : لقد نالت بلاد الشام في الأحاديث النبوية الشريقة من الفضل والذِّكر ما لم تنله أية بلاد إسلامية على الإطلاق , وهذا شرف لها ما بعده شرف , ولستُ في حاجة لأن أسرد هذه الفضائل , وإنما أكتفي بأن أُطلعكم على ما صحَّ من هذه الأحاديث وحسُن , وهذه هي :

1 - عن زيد بن ثابت قال " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً حين قال : طوبى للشام , طوبى للشام , قلت : ما بال الشام ؟ قال : الملائكة باسطو أجنحتِها على الشام " رواه أحمد وابن حِبَّان والطبراني .

2 - عن عمرو بن العاص يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " بينا أنا في منامي , أتتني الملائكة فحملت عمود الكتاب من تحت وسادتي ، فعمدت به إلى الشام ، ألا فالإيمان حيث تقع الفتن بالشام ". رواه أحمد .

3 ? عـن أبي ذر قـال : قـال رسـول الله صلى الله عليه وسـلم " الشـام أرض المحشـر والمنشر "رواه البزار والطحاوي . .

4 - عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة " . رواه الترمذي وأحمد وأبو داود الطيالسي .

5 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال " صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر , ثم انفتل فأقبل على القوم فقال : اللهم بارك لنا في مدينتنا ، و بارك لنا في مُدِّنا و صاعنا , اللهم بارك لنا في شامنا , فقال رجل: والعراق يا رسول الله ؟ فسكت . ثم قال : اللهم بارك لنا في حرمنا , وبارك لنا في شامنا ويمننا , فقال رجل : والعراق يا رسول الله ؟ قال : مِن ثَمَّ يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن " . رواه الطبراني في الأوسط .

   6-  عن عبد الله بن حوالة  الأزدي أنه قال "  يا رسول الله ، خِر  لي بلداً  أكون فيه ، فلو علمتُ أنك تبقى لم أختر على قربك . قال: عليك بالشام " ثلاثاً " فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم كراهيته إياها  قال : هل تدري ما يقول الله في الشام ؟ إن الله يقول في الشام  : يا شام أنت صفوتي من بلادي ، أدخل فيك خيرتي من عبادي ، أنت سوط نقمتي وسوط عذابي ، أنت الذي لا تبقي ولا تذر , أنت الأندر وإليك المحشر ، ورأيت ليلة أسري بي عموداً أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة ، قلت: ما تحملون ؟ قالوا :  عمود الإسلام  أُمرنا أن نضعه بالشام ، وبينا أنا نائم رأيت الكتاب اختلس من تحت وسادتي ، فظننت أن الله قد تخلى من أهل الأرض ، فأتبعته بصري ، فإذا هو نور ساطع بين يديَّ حتى وُضع بالشام ، فمن أبى فليلحق بيمنه ، وليستق من غُدُره , فإن الله قد تكفل لي بالشام " . رواه الطبراني  في مسند الشاميين .

7 - عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ستخرج نار من حَضْر مَوْت , أو من نحو بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس , قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا ؟ قال : عليكم بالشام " . رواه الترمذي وأحمد وابن أبي شيبة .

8 - عن أبي الدّرْدَاءِ , أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال َ: " إن فُسْطَاط المُسْلِمِينَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ بالْغُوطَةِ , إلَى جَانِبِ مَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ , مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشّامِ " . رواه أبوداود وأحمد والطبراني . وفي رواية ثانية عنه يقول : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يوم الملحمة الكبرى فسطاطُ المسلمين بأرض يقال لها الغوطة , فيها مدينة يقال لها دمشق , خير منازل المسلمين يومئذ " رواها الحاكم .

9 - عن النواس بن سمعان قال : " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداةٍ …- إلى أن قال ? إذ بعث الله المسيح ابن مريم , فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين , واضعاً كفيه على أجنحة ملكين , إذا طأطأ رأسه قطر , وأذا رفعه تحدَّر منه جُمانٌ كاللؤلؤ… " رواه مسلم .

10 - عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صفوةُ الله من أرضه الشام ، وفيها صفوتُه من خلقه وعباده ، وليدخلنَّ الجنة من أمتي ثلةٌ لا حساب عليهم ولا عذاب " . رواه الطبراني . .

11 - عن سلمة بن نفيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " … ألا إن عقر دار المؤمنين الشام ". رواه الطبراني .

12 ? عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تزال من أمتي عصابةٌ قوَّامةٌ على أمر الله عز وجل ، لا يضرها من خالفها ، تقاتل أعداءها ، كلما ذهب حرب نشب حرب قوم آخرين ، يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منه ، حتى تأتيهم الساعة ، كأنها قطع الليل المظلم ، فيفزعون لذلك ، حتى يلبسوا له أبدان الدروع ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم أهل الشام ، ونكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصبعه يؤمئ بها إلى الشام حتى أوجعها " . رواه أبو نعيم في الحلية بسند صحيح . .

13- عن ابن عمر " أن مولاة له أتته فقالت : اشتد علي الزمان وإني أريد أن أخرج إلى العراق قال : فهلا إلى الشام أرض المنشر ؟ اصبري لكاع , فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من صبر على شدتها ولأوائها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة " . رواه الترمذي : قال: هذا حديث حسن صحيح غريب .

14 - عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : " قلت : يا رسول الله : أين تأمرني ؟ قال : هاهنا , ونحا بيده نحو الشام , قال : إنكم تحشرون رجالاً و ركباناً و تُجرُّون على وجوهكم هاهنا " . رواه أحمد والحاكم . .

15 - عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم بارك لنا في شامنا , اللهم بارك لنا في يمننا , قالوا : وفي نجدنا ؟ فقال : اللهم بارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا , قالوا : وفي نجدنا ؟ قال : هنالك الزلازل والفتن , وبها - أو قال- منها يخرج قرن الشيطان ". رواه الترمذي والبخاري وأحمد .

16 ? عن واثلة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لحذيفة بن اليمان ومعاذ ابن جبل وهما يستشيرانه في المنزل " فأومأ إلى الشام , ثم سألاه فأومأ إلى الشام , ثم سألاه فأومأ إلى الشام , قال : عليكم بالشام , فإنها صفوة بلاد الله يُسكنها خيرته من عباده , فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره , فإن الله تكفل لي بالشام وأهله ". رواه الطبراني .

17- عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنها تكون هجرة بعد هجرة , فخيار أهل الأرض ألزمهم إلى مُهاجَر إبراهيم , ويبقى في الأرض شرار أهلها , تلفظهم أرضوهم وتقذرهم نفس الله , فتحشرهم النار مع القردة والخنازير ". رواه الحاكم و أبو داود .**

**(36) السؤال : ما حكمُ رفعِ الأجهزةِ عن المريض الذي يحتاجُ إليها لبقائه حياً ، كأن يُوضَع له جهازٌ لتحريك عضلات القلب , فإن توقف الجهاز توقف القلب ومات المريض ، فما حكم رفع هذه الأجهزة ؟

(36) الجواب : التداوي مباحٌ شرعاً ، وقليلٌ من الفقهاء من قالوا بالندب والاستحباب ، مختلفين في فهم الحديث التالي الذي رواه أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان وأحمد بإسنادٍ صحيح من طريق أُسامة ابن شريك رضي الله عنه قال : " أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ كأَنَّ على رؤوسهم الطيرُ ، فسلَّمتُ ثم قعدتُ , فجاء الأعرابُ من ههنا وههنا ، فقالوا : يا رسول الله أنتداوى؟ فقال : تَداوَوْا ، فإنَّ الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ الهرم " . فقال ناسٌ إنَّ قوله عليه الصلاةُ والسلامُ : تداوَوْا , أمرٌ يفيد الاستحباب , وقال الأكثرون بل هو أمرٌ يفيد الإباحةَ , وهو الراجح عندي بدلالة الحديث التالي الذي رواه أحمد من طريق أبي رَمْثةَ رضي الله عنه قال " أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم … فنظرتُ فإذا في بعض كتفه مثلُ بعرةِ البعير , أو بيضةِ الحمامة ، فقلتُ : ألا أُداويك منها يا رسولَ الله , فإِنا أهلُ بيتٍ نُطَبِّب؟ فقال : يداويها الذي وضعها " فلو كان التداوي مندوباً لما رفضه عليه الصلاةُ والسلام , فدلَّ رفضُه له على إباحته .

              والتداوي مباحٌ دون تخصيصه بمرضٍ من الأمراض , ومنها الأمراضُ التي تصيب المرضى في قلوبهم , فيلجأ الطبيبُ إلى وضع جهازٍ للمريض لتنشيط عضلة القلب , فيبقى على قيد الحياة , فإن توقف الجهازُ توقَّف النبضُ فمات المريضُ . وحيثُ أنَّ وضع الأجهزة هذه يدخل في باب التداوي والعلاج فإنه يأخذ الحكمَ نفسه وهو الإباحة , وعليه فإنَّ رفع الأجهزة هذه عن المريض مباحٌ لا إثمَ فيه , ولو مات المريضُ على الفور . 

              ولا يُقالُ إنَّ رفع الأجهزة يأخذ حكم القتل , لا يُقال ذلك لاختلافِ الحالتين حالةِ القتلِ ، وهو جريمةٌ كبرى ، وحالةِ وقفِ العلاج والدواء وهو مباحٌ , والفارق بين الحالتين واضحٌ لا لبس فيه .**

**(11) السؤال : أنت تذكر أن حُكْمَ وصْلِ الشعر معلَّل ، والعلة هي الخداع من حديث معاوية ، ولكنك لا تجعل الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً ، فكيف يستقيم هذا ؟

(11) الجواب : إن الأحاديث هي التي علَّلت النهي عن وصل الشعر بالشعر ، وسمَّته زُوراً في عددٍ منها ، فالعلة صحيحة لأنها منصوص عليها في الأحاديث ، فما كان زُوراً وخِداعاً وتَضليلاً فهو حرام . وإنَّ وصل الشعر بالشعر واضح فيه الخداع والتضليل حيثما كان ومتى حصل ، فهو حرام إلى يوم القيامة .

(12) السؤال : تذكرون في أحد المواضع دليلاً قوَّاه البعض وضعَّفه البعض ، ثم تُقَرِّرون أن تأخذوا بالدليل دون أن تحسموا الأمر لمصلحة قوة الدليل ، ومما تذكرونه أن أحكام الله سبحانه ستتعطل لو لم نأخذ ببعض الأحاديث التي وقع الخلاف على صحتها وخطئِها ، وقد وقع في نفسي شيء عظيم من قولكم هذا ، فإن عدم وجود الدليل هو دليلٌ بحد ذاته ، أي يترتب حكمٌ على عدم وجود دليل في أمر ما ، ويترتب حكم آخر على وجود دليل ، ولا يصح بحال أن نُعمِل دليلاً ضعيفاً لأن حكماً سيتعطل بدونه ، بل الحكم الفقهي يأتي من الدليل ، فإذا عدم الدليل اختلف الحكم ، ولا أعرف كيف قلتم ما قلتم في هذا السياق ؟

(12) الجواب : لقد بالغتَ في الظن بي يا أخي الكريم ، وغفر الله لي ولك ، فأنا ما قلتُ يوماً إِنني آخذ بالحديث الضعيف ، فقولك ( لا يصح بحال أن نُعمل دليلاً ضعيفاً لأن حكماً سيتعطل بدونه ) لم أقل أنا ما يخالفه ، بل هو ما أسير عليه ، وما قلتُه هو أنني قد آخذ دليلاً اختلفوا فيه ، فمنهم من حسَّنه وصحَّحه ، ومنهم من ضعَّفه ، وهذا هو النهج الذي نسير عليه كلُّنا ، أما الحديث الضعيف عند الجميع فلا آخذه مطلقاً ، والفرق شاسع بين الأمرين .

                   أما قولك ( فإنَّ عدم وجود الدليل هو دليل بحدِّ ذاته ، أي يترتب حكمٌ على عدم وجود دليل في أمرٍ ما ويترتب حكم آخر على وجود دليل ... ) فإن هذا القول لا مكان له هنا ولم أتطرق أنا إليه ، وإنما موضوع البحث هو المسائل التي وردت فيها أحاديث ، ولكنها مختَلَفٌ عليها من حيث الصحةُ والحسنُ والضعفُ ، ويُرادُ اختيار أحدها ، فبالتدقيق تستطيع أن تدرك الفارق بين المسألتين ، فطب نفساً واطمئن .**