فرض كراهية الإسلام على الأوروبيين
كراهية حكام أوروبا قديماً وحديثاً للإسلام كانت وما زالت لغزاً بدون حل، ولولا أن هذه الكراهية بلغت أقصى درجات الحدَّة التي تستطيعها النفس الخبيثة في الإنسان الشاذ الذي يجعل مصالحه مصدراً، منه تنشأ قِيَمُهُ وأولوياتُهُ في الحياة، لما توارث المفكرون جيلاً بعد جيل مسؤولية البحث في حل هذا اللغز.
كراهية حكام أوروبا للإسلام ليست كراهية إنسان لإنسان، ولا كراهية كفر لإيمان، ولا من جنس كراهية الشيطان للمتقين، ولا كراهية فقير لغني، ولا من جنس كراهية العدو للعدو كما توهَّم المفكرون والباحثون في سبب هذه الكراهية. لقد ضاعوا في حقيقة هذه الكراهية لأنهم صدَّقوا أنها كراهية إنسانية، من الكراهيات التي تختلف أسباب تفجرها في الإنسان. تعاملوا مع كراهية حكام أوروبا للإسلام، قديماً وحديثاً، على أنه كره إنسان لإنسان بغض النظر عن أسبابه. لكن الواقع كان دائماً يثبت أن عمق الكره الأوروبي للإسلام، وطول مدته، وحدَّته، يناقض أي بحث فلسفي، ويرد نتائج أي بحث فكري في تعليل سبب كراهية حكام أوروبا عبر التاريخ للإسلام.
كراهية الأوروبيين عموماً للإسلام لا يمكن فهمها، كذلك. حقيقة سبب كراهية الأوروبيين للإسلام تكمن في فهم حقيقة سبب كراهية حكام أوروبا للإسلام. الأوروبيون لا يدرون لماذا يكرهون الإسلام. قديماً وحديثاً، كان الأوروبي وما زال، يحتار لماذا يكره الإسلام إلى هذا الحد. لماذا لم يكره البوذية، لماذا لم يتعلم كراهية الرومان أو الكنيسة وقد تحرر منها وما زال يتذكر آلامها!. يتساءل الأوروبي دوماً لماذا لا يكره الشيطان كما يكره المسلم، لماذا يتعلم الفكر الشيطاني ولا يتعلم الفكر الإسلامي، لماذا لا يكره الفكر الشيطاني ويكره الإسلام فكراً فكراً، دون أن يعي أي فكر فيه أو منه؟
حكام أوروبا نجحوا في زرع الكراهية في قلوب الأوروبيين للإسلام ليس لمقاتلة المسلمين كما يُظنُّ ويقول به المؤرخون، إذ بالواقع كانت الحروب لترسيخ ذلك الكره. حرب حكام أوروبا غير المبرَّرة تبريراً يقنع به العقل وإن كُتبت حوله آلاف المجلدات لتزوير حقيقته، كانت حرباً لترسيخ كراهية الأوروبيين للإسلام فلا يسمعون صوته أبداً، ومن لا يسمع صوت الإسلام لا يؤمن به أبداً. حكام أوروبا فرضوا على الأوروبيين بالسيف والسوط، والإهانة والتشريد، والسجن والقتل، كراهية الإسلام أولاً والقسم على عدم سماع صوته، وكراهية المسلم حتى قتله قبل أن ينطق بحجته. كراهية الإسلام والمسلمين فرضها ملوك أوروبا وحكام الأوروبيين جيلاً بعد جيل وقرناً تلو قرن بدون تبرير، دون حدود في عمق الكراهية، ودون حدود في أفق زمنها.
نجح حكام أوروبا في مكرهم الدائم قياصرة، أباطرة، ملوكاً، أمراءَ ورؤساءَ، قديماً وحديثاً، في تغطية السبب الحقيقي لكراهيتهم للإسلام بتحويل النتيجة إلى سبب. نتيجة تلك الكراهية التي فرضوها على شعوب أوروبا بالسيف نجد أن الأوروبي المسيحي تحوَّل إلى كارهٍ عدوٍّ للمسلم أينما كان، وفرض الحكام، كل حاكم في بلده، وكل حاكم تلو حاكم، توارث الكره للمسلمين عبر الأزمنة، فلم تمر فترة في تاريخ الإسلام إلا والأوروبي المسيحي يكره المسلم. وما الأزمنة والفترات التي يعدِّدها السطحيون أنها فترات وئامٍ وسفارات إلا فترات خداع يخدع بها حكام أوروبا المسلمين بأنهم قبلوا بالتجاور مع المسلمين، أرادوها فترات إعادة شحن النفوس الأوروبية المسيحية المريضة بهرطقة الإيمان، وتجميع المعنويات في الشعوب المحبَطة بمسيحيتها التي انتقلت من أمة رومانية وثنية تعبد الإمبراطور الروماني إلهاً ومن يمثله من الأصنام، إلى أمم أوروبية كل أمة منها تعبد الملك إلهاً ومن يمثله من النبلاء والكهان. كراهية الأوروبيين للمسلمين نتيجة وليست سبباً، تحويل النتيجة إلى سبب مكرٌ ودهاءٌ بخبث شيطاني ينبع من ذات مؤامرة السناتو الروماني في سبب مؤامرته في حبك وثنيات شعوب الإمبراطورية الرومانية بنسيج جديد يوحِّدها، مسيحية يستعبد بها الإمبراطور كافة شعوب الإمبراطورية أبداً. مسيحية تحوِّل الشعوب المقهورَة، المحتلَّة، المستعبَدَة، إلى أمة مسيحية تحفظ تحقيق الحلم الروماني بإلغاء وجود شعور كراهية المغلوب من شعوب الإمبراطورية بإلغاء سببه. التوحد الديني في دين يسمح بكل الوثنيات أن تشترك فيه في عملية فكرية تصهر جميع أنواع الضلال الوثني يتعالى عنها الإمبراطور الذي لا تجد غيره إلهاً جديراً بالطاعة العملية على الأرض. هدف المسيحية هو في سبب إيجادها جعل طاعة القيصر أمراً دينياً مقدساً هدفٌ استمر مع وجود المسيحية، وانتشر معها في البقاع التي انتشرت وطغت فيها، هدفٌ توارثه الحكام، وتناقلوه بتداول الحكم بين أكابر مجرمي الأوروبيين.
