كراهية الأوروبيين للإسلام مؤامرة في ألفها الثاني

فرض كراهية الإسلام على الأوروبيين

كراهية حكام أوروبا قديماً وحديثاً للإسلام كانت وما زالت لغزاً بدون حل، ولولا أن هذه الكراهية بلغت أقصى درجات الحدَّة التي تستطيعها النفس الخبيثة في الإنسان الشاذ الذي يجعل مصالحه مصدراً، منه تنشأ قِيَمُهُ وأولوياتُهُ في الحياة، لما توارث المفكرون جيلاً بعد جيل مسؤولية البحث في حل هذا اللغز.

كراهية حكام أوروبا للإسلام ليست كراهية إنسان لإنسان، ولا كراهية كفر لإيمان، ولا من جنس كراهية الشيطان للمتقين، ولا كراهية فقير لغني، ولا من جنس كراهية العدو للعدو كما توهَّم المفكرون والباحثون في سبب هذه الكراهية. لقد ضاعوا في حقيقة هذه الكراهية لأنهم صدَّقوا أنها كراهية إنسانية، من الكراهيات التي تختلف أسباب تفجرها في الإنسان. تعاملوا مع كراهية حكام أوروبا للإسلام، قديماً وحديثاً، على أنه كره إنسان لإنسان بغض النظر عن أسبابه. لكن الواقع كان دائماً يثبت أن عمق الكره الأوروبي للإسلام، وطول مدته، وحدَّته، يناقض أي بحث فلسفي، ويرد نتائج أي بحث فكري في تعليل سبب كراهية حكام أوروبا عبر التاريخ للإسلام.

كراهية الأوروبيين عموماً للإسلام لا يمكن فهمها، كذلك. حقيقة سبب كراهية الأوروبيين للإسلام تكمن في فهم حقيقة سبب كراهية حكام أوروبا للإسلام. الأوروبيون لا يدرون لماذا يكرهون الإسلام. قديماً وحديثاً، كان الأوروبي وما زال، يحتار لماذا يكره الإسلام إلى هذا الحد. لماذا لم يكره البوذية، لماذا لم يتعلم كراهية الرومان أو الكنيسة وقد تحرر منها وما زال يتذكر آلامها!. يتساءل الأوروبي دوماً لماذا لا يكره الشيطان كما يكره المسلم، لماذا يتعلم الفكر الشيطاني ولا يتعلم الفكر الإسلامي، لماذا لا يكره الفكر الشيطاني ويكره الإسلام فكراً فكراً، دون أن يعي أي فكر فيه أو منه؟

حكام أوروبا نجحوا في زرع الكراهية في قلوب الأوروبيين للإسلام ليس لمقاتلة المسلمين كما يُظنُّ ويقول به المؤرخون، إذ بالواقع كانت الحروب لترسيخ ذلك الكره. حرب حكام أوروبا غير المبرَّرة تبريراً يقنع به العقل وإن كُتبت حوله آلاف المجلدات لتزوير حقيقته، كانت حرباً لترسيخ كراهية الأوروبيين للإسلام فلا يسمعون صوته أبداً، ومن لا يسمع صوت الإسلام لا يؤمن به أبداً. حكام أوروبا فرضوا على الأوروبيين بالسيف والسوط، والإهانة والتشريد، والسجن والقتل، كراهية الإسلام أولاً والقسم على عدم سماع صوته، وكراهية المسلم حتى قتله قبل أن ينطق بحجته. كراهية الإسلام والمسلمين فرضها ملوك أوروبا وحكام الأوروبيين جيلاً بعد جيل وقرناً تلو قرن بدون تبرير، دون حدود في عمق الكراهية، ودون حدود في أفق زمنها.

نجح حكام أوروبا في مكرهم الدائم قياصرة، أباطرة، ملوكاً، أمراءَ ورؤساءَ، قديماً وحديثاً، في تغطية السبب الحقيقي لكراهيتهم للإسلام بتحويل النتيجة إلى سبب. نتيجة تلك الكراهية التي فرضوها على شعوب أوروبا بالسيف نجد أن الأوروبي المسيحي تحوَّل إلى كارهٍ عدوٍّ للمسلم أينما كان، وفرض الحكام، كل حاكم في بلده، وكل حاكم تلو حاكم، توارث الكره للمسلمين عبر الأزمنة، فلم تمر فترة في تاريخ الإسلام إلا والأوروبي المسيحي يكره المسلم. وما الأزمنة والفترات التي يعدِّدها السطحيون أنها فترات وئامٍ وسفارات إلا فترات خداع يخدع بها حكام أوروبا المسلمين بأنهم قبلوا بالتجاور مع المسلمين، أرادوها فترات إعادة شحن النفوس الأوروبية المسيحية المريضة بهرطقة الإيمان، وتجميع المعنويات في الشعوب المحبَطة بمسيحيتها التي انتقلت من أمة رومانية وثنية تعبد الإمبراطور الروماني إلهاً ومن يمثله من الأصنام، إلى أمم أوروبية كل أمة منها تعبد الملك إلهاً ومن يمثله من النبلاء والكهان. كراهية الأوروبيين للمسلمين نتيجة وليست سبباً، تحويل النتيجة إلى سبب مكرٌ ودهاءٌ بخبث شيطاني ينبع من ذات مؤامرة السناتو الروماني في سبب مؤامرته في حبك وثنيات شعوب الإمبراطورية الرومانية بنسيج جديد يوحِّدها، مسيحية يستعبد بها الإمبراطور كافة شعوب الإمبراطورية أبداً. مسيحية تحوِّل الشعوب المقهورَة، المحتلَّة، المستعبَدَة، إلى أمة مسيحية تحفظ تحقيق الحلم الروماني بإلغاء وجود شعور كراهية المغلوب من شعوب الإمبراطورية بإلغاء سببه. التوحد الديني في دين يسمح بكل الوثنيات أن تشترك فيه في عملية فكرية تصهر جميع أنواع الضلال الوثني يتعالى عنها الإمبراطور الذي لا تجد غيره إلهاً جديراً بالطاعة العملية على الأرض. هدف المسيحية هو في سبب إيجادها جعل طاعة القيصر أمراً دينياً مقدساً هدفٌ استمر مع وجود المسيحية، وانتشر معها في البقاع التي انتشرت وطغت فيها، هدفٌ توارثه الحكام، وتناقلوه بتداول الحكم بين أكابر مجرمي الأوروبيين.

الكره والحب مظهر غريزي في طفوِ مشاعره. الطفوُ المشاعري إما أن يصدُر عن قناعة فِكرية أو بإثارة عاطفة. إثارة العاطفة ترتبط بظرف معيّن، لذلك يسهل التخلص منها إما بتغيير الظرف أو العوامل أو بإشباعها بعمل تتلاشى بتحقيقه. لذلك المظاهر الغريزية مؤقتة ظرفية بغضّ النظر عن كونها حبٌّ أو كره. أما المشاعر التي تصدر عن قناعة فكرية فهذه ترتبط بفكر وتستمر باستمرار هذا الفكر، تقوى وتضعف بدرجة وضوح الفكر ومدى الاقتناع به. في ضوء هذه المعرفة لمصادر الكره والحب يجب أن نحاول فهم سبب كره الأوروبي للإسلام، هل هو عاطفي أم فكري؟ وإذا كان لا هذا ولا هذا، فأين يكون السبب وهو ليس في ذاته ولا من ذاته، وأين هو في مصدره، أو ينبوع طاقته الشيطانية المتأججة؟

كراهية الأوروبي للإسلام لو كانت مزاجية، بمعنى عاطفية، لوجب أن يتنقل الأوروبي بين محب وكاره. لا يمكنه العيش طوال أيامه ولياليه بنفس العاطفة في زخمها وحاجتها وإشباعها. لأن ذلك لا يتعلق بقرار أو إرادة أو قدرة، إنه يتعلق بطبيعة، طبيعة الإنسان ومنه طبيعة العاطفة. فهم? هذا يتعلق بفهم هذه الطبيعة في الإنسان كما هي لا كما في آثارها. أثبت الأوروبي طوال وجوده خاضعاً لألوهية الحاكم والكاهن، وخاضعاً لألوهية نظام الحكم أو خاضعاً لألوهية ذاته أنه إنسان في طبيعته. في طبيعة إنسانيته كان كارهاً دائماً للإسلام والمسلمين مما ينفي عن هذه الكراهية أنها فورة عاطفةٍ تنطفئ بالإشباع أو تغيُّر الظروف التي أثارتها.

في الفهم السليم الباقي أن كراهية الأوروبي للإسلام فكرية، بمعنى ترتبط بقناعة، لو كان الأمر كذلك لكان يجب أن تذوي هذه الكراهية مع أول انتقال للأوروبي من قناعةٍ إلى قناعة. أو لزالت هذه الكراهية مع استبدال الأوروبي لقناعته. هذا في التجاوب الطبيعي مع تأثير القناعات في الإنسان. لكن قبل أو بعد هذه الطبيعة لا بد للقناعة الفكرية التي تحرِّك حباً أو كرهاً، بمعنى تثير عاطفة، أن تكون هذه القناعة واضحة الفكر في علاقتها الحضارية وفي غايتها الزمنية. وإن لم تكن كذلك لا تكون قناعة عقلية تستطيع تحريك عاطفة مثل الكراهية والحب، ولانتفى الوصول إلى هذا المستوى في مبحث كره الأوروبي للإسلام وامتناعه عن حب الإسلام والمسلمين. وهو يفرض العودة بالفهم إلى علاقة الكره و الحب بالحاجة وعوامل الإثارة التي انتهينا منها بانتفائها سبباً لهذه الكراهية الأوروبية الدائمة للإسلام. وبسبب هذا الانتفاء وصلنا إلى المبحث الثاني في سبب وجود الكره وعدم وجود الحب.

كثيرون من الأوروبيين (4)، كما كثيرون من المسلمين، فتشوا في مسيحية تراث الأوروبي، كما في تراث ديمقراطية الأوروبي عن هذه القناعة الفكرية التي تفرض كراهية الأوروبيين للإسلام والمسلمين. أحداً لم يدَّعِ بحق أنه اكتشف هذه القناعة. التفتيش عن هذه القناعة يستمر منذ عشرات العقود، أي منذ قرون قليلة. كثيرون ادّعوا أنهم اكتشفوا هذه القناعة لكن ادعاؤهم ليس بحق. حقُّ الادعاءِ هو برهانه. القولُ بدون برهانٍ هو زعم لا قول. القولُ يرتبط بحقيقة، الزعمُ يرتبط بقدرةٍ على اغتصاب الحقيقة، الزعم قولٌ نرفضه بطبيعتنا كبشر أولاً. نرفضه كبشر مسلمون أولاً أيضاً، كذا يلزم الأوروبي أن يرفض الزعم بطبيعة الإنسان فيه أولاً، حتى وإن كان ليس مسلماً. غير المسلم وإن كان يتجرّد من كثير من طبائع الإنسان إلا أنه يبقى أن عليه أن يتمسك بكثير من طبيعة الإنسان فيه. فكراهية الكذب طبيعة في الإنسان ولو لم يكن مسلماً. وكرامةُ الإنسان في احترام الحجة في القول طبيعة في الإنسان قبل الإسلام، وإلا كيف يمكن أن يتحول إنسان بغير إسلام إلى الإسلام ليصبح إنساناً مسلماً؟

شرطُ القناعة الفكرية التي توقِد عاطفةً أن تكون واضحة الفكر في علاقتها الحضارية وفي غايتها الزمنية، إذا انعدم وجود هذه العلاقة بين الفكر العقدي والغاية الآنيّة انعدم تأثير القناعة في إيقاد حقد الأوروبي. والارتباط بين القناعة والعلاقة حتمي لا اختياري، دائم و ليس مؤقت، إذا انعدم وجود القناعة توقّف الكره، كما العلة و المعلول يدوران معاً. جميع مكتشفات الفلاسفة الأوروبيين تتحدث عن قناعات لا توقد كرهاً، وإذا أوقدته أو فيها إمكانية إيقاده فهي في إمكانيتها مؤقتة بفترة، محدودة بغاية تذوي بتحقيق غايتها. جميعها لا تنطبق عليها مواصفات القناعة الفكرية التي تحرك عاطفة دائمة، خاصة في الكره. جميعها لا تكشف حقيقة السبب، لأن شرط القناعة الفكرية أن تتعلق بسبب، فإن لم تتعلق بسبب كانت هراءً فكرياً، فكراً من خيالات الفكر. هراء الفكر هو من فضلات الفكر، كما هو فكر الخيال، كما للجسد فضلات كذا للفكر فضلات. فكرُ الخيال غير حلم الخيال، حلمُ الخيال يحفز للعمل، فكر الخيال يثبط الهمم. حلم الخيال عمل بأمل، فكر الخيال عمل بإحباط. في الأول عمل في غاية، في الثاني عمل في هباء. مكتشفات المفكرين الأوروبيين أولاً والمسلمين الذين درجوا بطريقة الفهم الأوروبي لم تكن أكثر فكراً من خيالات الفكر. جميعها لا تقنع الأوروبي في حجتها، حتى ولا المسلم الذي يتلهّف لمعرفة السبب لهذا العداء والاستعداء.


(4) نذكر أنه حيثما وردت أوروبية أو أوروبيين تعني الشعوب الوثنية أساساً وتحولت مسيحية بقوّة الفرّاعة المسيحية، وديمقراطية التأليه الفردي كما هو في سواد اليوم. ويلحق بها من ينهل من معين تراثها مثل شعوب أمريكا وأستراليا وغيرها.

في قراءةِ هذا الكتاب بتمعنٍ و بصيرةٍ سيكتشف القارئ أنه إلى جانب غايةِ المؤلِّف في جمع مالٍ يكفيه أجرة الهاتف والغاز والسيارة والكهرباء والماء. و بدل الضرائب في قعوده ومشيه، و تكاليف ترحاله بين المعمَّرات، وأثمان لباسه و طعامه. ونفقات المحافظة على فَراشَةِ الأوركيد عبر القارات، و مصاريف صيانةِ أقنيةِ الحياةِ في جسده، هناك غايات مباشرة تطفو في دفق الكلام. وهناك غايات غير مباشرة تختزنها أسطر هادئة في فهم المعاني. مع غاياتٍ ثابتة بمعان منفصلة بفقرات مستقلة، وغايات متنقلةٍ في صعودِ الفكر ووتيرةِ الخطاب.
غايةُ الكتاب أو غايةُ الكاتب لا يجوز أن تكون موضوع مقدمة كتاب:
كراهية الأوروبيين للإسلام: مؤامرة في ألفها الثاني.

موضوعُ المقدمة هو كما يجب أن يكون في طبيعته، إيقاظ طبيعة الفهم في الأوروبي. طبيعةُ الفهم هو طريقةُ الفهم السليم التي تتواجد في طبيعة الإنسان، مع ولادته قبل إفسادها بالمعلومات الكاذبة، المضلِّلة أو المجتزأة. الرومان، أباطرةُ وثنية أوروبا الوحيدين في التاريخ كبتوا طبيعةَ الفهم في الأوروبي طوال حكمهم كآلهةٍ فوق أوروبا. الرومان، أباطرةُ مسيحيةِ الرومان الوحيدين في التاريخ، بكنيستهم ورهبانهم، وجنودِ صليبهم، فتكوا بطبيعة الفهم وطريقة الفهم السليم في الأوروبي طوال تقديسِ الأوروبي لطاعة الحاكم المسيحي ورجال الحكم الديمقراطي في أوروبا، عباقرةُ الخداع والتضليل، منذ أن حكموا يفسدون هذه الطبيعة! إيقاظ طبيعة الفهم في الأوروبي، موضوع هذه المقدمة أو موضوع هذا الكتاب لا يكون بالتعادل مع قوى التضليل والكذب في إمكانياتها وجيوشها ومعاهدها وتكنولوجيتها. إيقاظ طبيعة الفهم في الأوروبي تتعلق بإيقاظ الشعور بل الإحساس الطبيعي في الأوروبي أنه إنسان في ولادته وفي موته وأنه من الطبيعي جدا أن يكون إنساناً في حياته، لا كارهاً. الإنسان الكاره في دوامِ وجودٍ ينبذُ بمعنى يطردُ طبيعةَ الإنسان من عقله ونفسه. يتحول معدنه بالكراهية إلى معدنِ الشياطين، لأن الكراهيةَ شعلة شيطانية.
شعلةُ الشيطان شعلةٌ من نار استوقدها الشيطان لنفسه من نار جهنم. الأوروبي الوثني كان يعرف شعلةَ الشيطان الجهنمية ويخشاها. الأوروبي المسيحي استمر في الخوف من الشعلة الشيطانية. الأوروبي الديمقراطي إن فقد الإحساس بها يتذكرها، عندها تراه يتفاخرُ بها حتى لا يخشاها. وإن لم يفقد الإحساس بها تراهُ يتوهَّم محاربتها. في طبيعة الأوروبي، في كل مراحل وجوده، وثنيا، مسيحيا، ديمقراطيا، أنه يحتاط من الشعلة الشيطانية. شعلة جهنم، أن يمتلئ قلبُ الإنسان كراهية، يخالف طبيعة الإنسان ومنه الأوروبي. بخلاف بقية أجناس البشر، أسيادهُ رهبانا ونبلاء، فرضوا أن يحيا بها قرونا، لكنها لم تحرق قابلية إحياءِ طبيعة الفهم أو الفهم السليم في الأوروبي. قتلُ فردٍ كما تم قتل يوليوس قيصر وكما تم قتل عمر بن الخطاب ممكن، أما قتل طبيعةٍ من طبائع الإنسان فلا يمكن، يمكن التلاعب بها خداعاً لا إلغاؤها .
الأوروبي يتحرَّقُ شوْقا إلى إنسانيةٍ يعيشُ بدونها، لأنها لا تعيشُ حوله. يفتشُ عنها في كل ناحية من نواحي حياته، لا يرى لها أثرا. فائدةُ هذا الكتاب أنه يثير إنسانية القارئ في ذاته، ذاتِ الإنسان هي موطن الإنسانية في الوجود. إذا لم توجد في ذاتِ الفرد لا توجد في غيره. الفرد الذي لا يكتشف ذاتيته ويتعرف إلى إنسانيته في ذاته، لا يمكن أن يكتشف إنسانيةً حوله. عند جاره، شقيقه، صديقه، حتى ولا في أبيه أو شقيقته. فإذا أحس قارئنا، بينما يقرأ هذا الكتاب، أنه يقرأه متبصِّرا بحقائق شهادته، وقد انتفى من عقله وجسده جهله بسبب كراهية المسلمين. وإذا، توصل في استنتاجه إلى وجوب استمرار عدائه للمسلمين. أو، إذا تخلى بقناعة تامة عن كل كراهية فيه للمسلمين، واكتشف أنه يجهل حقائق الإسلام، وأن جهله هذا هو نتيجة خطة في تجهيله وليس فعل إرادةٍ منه. عندها، يكون قد تحرك فيه شعورٌ ذاتي بوجوب انطلاقته في الحياة من بدءٍ جديد. عندها، تكون فيه، إنسانية مازال فيها بقية حياة. عندها، يكون هذا الكتاب قد بدأ في تحقيق فائدته. هذه الفائدة لا تعود للكاتب ولا للجار، فائدة الحياة بإنسانيةٍ ذاتيةٍ ثروةُ الحياة للفرد بعينه، وإن عمَّت جيرانه ومدينته وأفراد عائلته.
في التراث الفكري الأوروبي الروماني، الوثني منه أو الديمقراطي، تراث الحاضر تراتيلَ فكرية متوارَثة. تناقلت بالمعنى نفسه لكن بِصيغٍ كلاميةٍ ترتبط بغايات حضارية، لذلك نجد بعض الصيغ الكلامية للأفكار تتغير وبعضها يستمر. نحن نسميها تراتيلَ فكرية وليس قواعدَ فكرية لأنها أفكار تنتج من ظُلمةِ العقول لا من معرفتها، تصدر عن جهل لا عن فكر. هي أفكار من غير قاعدة فكرية، هي أفكار وهمية لا حقيقية. توحي بصورة حياتية في ظل الحقيقة لا في مسرحها. ظلُّ الحقيقة هو وهمُ الوجود للشيء، نتخيله لكن لا يمكن لنا أن نعيشه. لأنه فكر لا ينتج عن واقعٍ ولا يوجِد واقعاً ولا يؤثر بواقع. فكرٌ وجوده في لفظه، في معناه، في مناسبته وفي غايته. من هذه التراتيل ترنيمة. " بين الكره والحب خيط رفيع" ترديدةٌ فكرية شعرية فلسفية أوروبية شائعة حتى في الأغنية الأمريكية. إذا كان الفاصل بين الكراهية والحب خيط رفيع وليس سداً حصيناً، كيف يستمر الخيط الرفيع من منع الأوروبي طوال ألف عام من الانتقال من يسار الخيط إلى يمينه؟ كيف يستمر الخيط الرفيع في منع الأوروبي من محبة الإسلام والمسلمين بدل كراهيتهم؟ هو ذا الفكرُ الأوروبي الذي ينتج عن جهلٍ لا عن فكر، وهو ذا الفكرُ الوهم، ظلُّ الفكر الذي ينمو في ظلال الحقيقة. في التراث الفكري الأوروبي الحاضر خليط عجيب من الأكاذيب المباشرة والأفكار الخبيثة المضلِّلة التي استمرت في وجودها مع ألوهية الإمبراطور ومسيحيةِ طاعته وألوهيةِ الفرد في عصر الفلسفة الديمقراطية. خاصة بعد إصرارٍ أمريكي على تسفيه قيم هذا التراث والاستهزاء بأصوله التاريخية وقواعده الفكرية. لا تفتيتاً لهذا التراث، أو لاستبداله. بل لهدم الشخصية الأوروبية المتماسكة بوجه الهيمنة الأمريكية المباشرة، وتضييع الأوروبي في غاية الحاضر الذي يريدونه له منفصلاً عن تراثه وحضارته.

لقد طال زمن مسيرة الأوروبي (3) يقضي حياته كلها يفتش عن مسلم يقتله بعد أن عجز عن إفناء أمة المسلمين. وطال زمن حياة الأوروبي في تخصيص المسلم بكراهيته وعدائه. بعد أن عجز حكام أوروبا عن إفناء المسلمين تحوَّلوا إلى عزلهم مجموعات يسهل عليهم نهب ثرواتها. حان زمن البحث العقلي في الأوروبي في سبب كراهيته للإسلام والمسلمين. بعد كل هذه القرون من الكراهية والاستعداء الأوروبي للمسلمين لم يتحول المسلمون إلى كارهين للأوروبيين مسيحيين ديمقراطيين أو كارهين للمسيحية. أدوات التكنولوجيا وسيط مهم، فعال ومؤثر في نشر كذب الأوروبيين. الأكاديميون السطحيون وأذناب الفكر الأوروبي في امتداده الشرقي يقولون إن التكنولوجيا الحديثة سلاح ذو حدين. هل يصدق عاقل، أن الأوروبيين يمكن أن يمكنوا المسلمين من سلاح ذي حدين يستطيع في حده الأيمن أن يقهر الأوروبي في روحه أو عقله في حضارته، أو وجوده في غناه و خداعه؟ هل يمكن لهذه التكنولوجيا أن تنير ظلاما أو أن تهدي إلى حقيقة ؟ الكل يعلم أنها وسائط للأقوى لا للحق أو الباطل. حكمُ أوروبا اليوم حكمُ امتدادٍ لحكم أوروبا الماضي، يبدِّل قِناعه حيث يحتاج أو يلزم. مسيحيا ديمقراطيا، إرهابيا غادرا، متسامحا، رحيما، بكل ما يحتاجه ذلك من نفاقٍ و خداع، حسب قاعدة ديمقراطية اليوم **“الغاية تبرر الواسطة”**التي كان يعمل بها الرومان قبل المسيحية، كما و هم مسيحيون. فالمسيحية جعلت هذه القاعدة قاعدة مقدسة مستوحاة من الروح القدس باعتماد قول بولس : “فصرت لليهودي كيهودي? وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس?.وللذين بلا ناموس كأنني بلا ناموس.” (1كورنثوس:9: 20-22)
لماذا يكره الأوروبي؟ أوروبي الديمقراطية أو المسيحية ، أوروبي اليمين أو اليسار ، أوروبي أوروبا أو أمريكا، أوروبي الغرب والشرق، أوروبي أوروبا أو مستعمراتها، شيبها وشبابها، رجالا ونساء لماذا يكرهون الإسلام والمسلمين؟ كيف بدأت هذه الكراهية ؟ لماذا وُجدت هذه الكراهية ؟ هل وُجدت أم أوجدوها ؟ لماذا أوجدوها ؟ أجوبتها تخفى على الأوروبي كما على المسلم. أجوبتها سبب هذا الكتاب.
كشفُ سر مؤامرة الحكومات الأوروبية على الأوروبيين في إيهامهم بمبررات كراهية الإسلام والمسلمين ليس غاية هذا الكتاب كما يبدو من إعلان سببه. هذا الكشف لن يغير قناعة الحكومات الديمقراطية بوجوب استمرار ثقافة كراهية الإسلام والمسلمين، وتبنيها وتكريسها قاعدة عامة في الحكم و تثبيتها تراثا حضاريا دائما في ثقافة الفرنسي والألماني والداني. غاية هذا الكتاب ليس إنقاذ الروماني والإسباني والنورديين من بؤس الحياة في كراهية، فحتى يحصل هذا يلزم أن تكون إمكانيات الناشر أكبر من إمكانيات جميع الحكومات الأوروبية بمؤسسات الكراهية فيها من مجلس نواب وشيوخ، من صحف ومجلات، جامعات ومعاهد أبحاث، أجهزة إعلام، أحزاب ومنظمات، مفكرين وأساتذة، سياسيين وقضاة، فلاسفة وإعلاميين جميعهم في طاعة الحكومة في غرس وتعميم ثقافة كراهية الإسلام والمسلمين. لكن إمكانيات الناشر ليست أكبر من إمكانيات الحكومة الأوروبية المتعددة الجنسيات والجيوش، ليست بمستواها حتى وليست أضعف منها. غايةُ هذا الكتاب ليس مزاحمة الحكم في أوروبا في السيطرة على عقل الأوروبي. وليست من أجل كشف خطة الأحزاب السياسية في وهمِ الحاجةِ إلى كراهية الإسلام والمسلمين. ليست غاية الكتاب استقطاب ملايين الأوروبيين في معرفة مدى خداع حكامهم لهم في الماضي والحاضر. هذه الغايات وغيرها نتمنى تحقيقها لكنها تحتاج إلى إدارة أكبر من مجموع إمكانيات مؤسسات الحكم في أوروبا، وهو أمر يستحيل وجوده أو إيجاده. لذلك لا نطمح أن يكون هذا الكتاب سبب زوال كراهية الأوروبيين للمسلمين. ولا سبب إزالة حب الأوروبيين لقتل المسلمين. ولا سبب تغيير قناعة الأوروبيين بوجوب نهب ثروات المسلمين. ليس هذا سبب الكتاب لأنه عمل دولة تقوم على الإسلام وليس عمل كاتبٍ أو باحثٍ أو مفكرٍ مسلماً عربياً أو مسلماً أوروبياً. وهو، في غياب هكذا دولة، مسؤولية المفكرين الفلاسفة ورجالات المجتمع الأوروبي أولا. إذ، زوال هذه الكراهية لا يؤثِّر في حالة مسلمي اليوم،كما لم يؤثر وجودها في حالة مسلمي الماضي. زوال هذه الكراهية هو لإنقاذِ إنسان أوروبا من نفسه.
الكراهية أبشع أمراض النفس بخبثها في التأثير على السلوك. خضوعُ إنسان أوروبا و خنوعه في الانقياد لأهوائه في إشباع رغبات ميوله وغرائزه هو استمرارٌ للعيش الوثني الذي كان يعيشه في حكم الرومان. واستمرارٌ للعيش المسيحي في حكم الرومان وورثتهم الكنيسة والنبلاء عندما فرضوا عليه تقديس الكراهية للإسلام والمسلمين. وكما هو يحيا في تضليل ساسته الذين ينفِّذون مخططات في اصطناع مبررات جرمية وفكرية لإيقاد الشعلة الشيطانية في النفس الأوروبية، ذكورا وإناثا، دائما وأبدا.
غايةُ الكتاب غير غاية الكاتب. أصلُ البحث يجب أن يكون في غاية الكتاب لا في غاية الكاتب. إذِ للكتاب غايات لا متناهية. لا تنتهي في الزمن ولا تنتهي في جنس، لا تنتهي في لغةٍ ولا تنتهي في جغرافيا. فطالما هناك من يقتل ويشرد مسلمي كوسوفا بحجة الدفاع عن المسلمين والمقهورين، ويقصف صخور الصرب وأحراجها بحجة ظلمهم للمسلمين. يقصفُ المسلمين في العراق بحجة إنقاذ المسلمين في الكويت، يقتل المسلمين في العراق بحصار التجويع والأمراض بحجة الأمن القومي الأوروبي، يقتل المسلمين في فلسطين بحجة السلام، سيكون لهذا الكتاب غاية يحققها.
غايةُ الكاتب غير غاية الكتاب، لأن غاية الكاتب فردية، محصورةٌ في بيع نسخة من الكتاب لواحدٍ أو أكثر. فالكِتاب، كما في العصور الغابرة، يحتاج قلماً ودواةَ حِبْر، يحتاجُ إلى قرطاسٍ وضوءِ شمعة، قنديلٍ أو ضوءُ مِصباح. وأهم من هذا يحتاج إلى كهفٍ قريبٍ فيه داجنٍ وحلوب، لكن ليس في إيطاليا أو السويد! الكاتب يرفض مقولة الرأسمالية “إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب”، في إيطاليا و السويد يمنعون صيد الذئاب حتى التي يخاف منها جنس الكاتب. في زمنٍ غاب منه وعنه ضوءُ شمعةِ الحقيقةِ ماذا تكون فيه غاية إنسانِ هذا الزمن؟ ندريه أو نجهله؟ نقوله أو نسكت عنه؟ جوابه ليس غاية هذا الكتاب.


(3) حيثما وردت هذه الكلمة فإنها تشمل شعوب أوروبا وفلولهم المنبوذة التي نفوها إلى المستعمرات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية عبر المحيط.

التفاخر بالكذب في الحرب المسرحية لإنقاذ مسلمي كوسوفا بتهجيرهم هرباً من وقوع قنابل طائرات الأطلسي على رؤوسهم بدل منازلهم، قامت به ألمانيا. أعلنت دولة قبيلة الجرمان أعظم قبائل أوروبا شأنا في الزِّرع (1) والضرع (2) أنها تعارض التدخل البري. الحقيقة الواضحة في اتفاق قطبي الصراع في موضوع يوغوسلافيا إنكليز بريطانيا ورعاة أمريكا عدم الدخول في حرب برية. حرب صربيا أو حرب كوسوفا قامت باتفاق محدد في عمقه وسقفه وبعده بين دولتين فقط من دول الاعتداء على بلاد المسلمين كوسوفا، وتهجير أهلها وقتل نسائها وأطفالها. بريطانيا وأمريكا وحدهما المعنيتان في الصراع على صربيا وليس ضد صربيا كما يوهِمون. حاجة ألمانيا لإعلان عدم قبولها غير وارد، لأنه ليس موضوعا يؤثر فيه رأي ألمانيا. يعني أنها تسجل موقفا من غير وجود منبر للموقف، هذا تفاخر بكذب.
نستوقفُ القارئ في أمثلة التفاخر بالكذب، وفي الحديث عن مسرحية حرب صربيا، والكذب في كل ما قيل عن أسبابها وأهدافها وحتى عن إنسانيتها. لأن الحديث عن إنسانية هذه الحرب، أو مبرراتها الإنسانية، حديث ليس في سبب التطرق إلى موضوع الكذب ابتداءً، ولا في حديثٍ يجب أن يرقى إلى أهداف الكاذبين الكبار لا إلى أسباب الكذب أو غاياته. فالحديث عن كذبهم في إنسانيتهم لا يكشف حقيقة المؤامرة. غاية العمل تفضحُ المؤامرةَ لا تحدد نهايتها ، ولا نجاحها، لكنها تحدد مسارها.
**في عالم اليوم، عالم سيطرة الفكر الأوروبي المتجمع من منبوذات الفكر الإنساني في مراحله ، يكثر الكذب ويتأصل حتى يستحيل اكتشافه.**كذب الأوروبيين اليوم كثيرُ الضرر جليلُ الخطر في الشعوب الحية والميتة. كشفُ هذا الكذب لا يجدي إذا لم تقم دولة في فكرها العقدي كشفه، وفي فكرها السياسي هدمه. في عالم اليوم نتأثر بأكاذيب الأوروبيين الحاضرة فينا وهي وإن كانت كثيرة إلا أنها قسمان:
**القسم الأول:**هو الأهم والأخطر ومحصور في جنس الأوروبيين أنفسهم. هو الكذب الذي يفرض حكام الأوروبيين على رعاياهم تصديقه. في الماضي السحيق كانت طريقة فرضه طريقة ثيودوس إمبراطور روما. فرَضَ قتل كل من لا يستبدل مسيحية الإمبراطور دينا بديل وثنيته، في عام 438م كان أكثر من نصف سكان الإمبراطورية لا يجدون حاجة لاستبدال وثنيتهم بمسيحية الدولة. أرنست رينان من زاويته فيلسوفاً مبرراً تمسك الأوروبيين بوثنياتهم بعد
المسيحية وحتى بعد اعتناقها. تبريره رغم سطحيته، لأن السبب الحقيقي أعمق مما اكتشف، فيه مغزى. تبريره يقول إن الأوروبيين لم يجدوا فرقاً يستحق ترك وأخذ، أو تبديل وثنية بمسيحية. مغزى تبريره فيه استهزاء إن لم يكن احتقار لكل التراث الأوروبي خلال فترة عهد المسيحية في أوروبا. أن كل أقوال وأعمال وأفكار هذه المئات من السنين فُرِضَت على الأوروبي في صدقها وموضوعها وهدفها. لا بالضرورة، ولا بالمبرر كما في الواقع صادقة في جزيئاتها أو كلياتها.
القسم الثاني: كذب الأوروبيين على غيرهم وبالتحديد على المسلمين منذ ابتداء وجود المسلمين في كيان الدولة كياناً دولياً يدعو الأوروبيين، كما يدعو كافة البشر، لاعتناق الإسلام ديناً، أو العيش في نظام حكم الإسلام، وحتى اليوم.
هذا الكتاب ليس في موضوع كذب حكام أوروبا على الأوروبيين. وليس في موضوع كذب حكام أوروبا على المسلمين. إنه في موضوع كذب حكام أوروبا على الأوروبيين وعلى المسلمين في خدعة واحدة. خدعة لا يستطيع التفكير بها شيطان إنسي. خدعةٌ يعجز عنها شيطان جهنمي. خدعة تفوق قدرات الأبالسة مجتمعين. خدعة في أبعادها وأعمالها يحتكر الحاكم الوثني الذي تحوَّل إلى مسيحي بصيرةَ صياغتها وفرضها. خدعةٌ عامة في الأوروبيين مسيحيين في حكم الكنيسة أو كارهين للكنيسة والمسيحية بعد عزلها من مقاعد الحكم. خدعة عامة في المسلمين وهم مؤمنين في دولة الخلافة أو تاركين إسلامهم بعد هدم دولتهم، دولة الإسلام. خدعة عامة في الجنسين كانت الأولى في تاريخ علاقة الأوروبيين المسيحيين بالمسلمين أهل التوحيد.
خدعةُ حكام أوروبا الكبرى في شعوبهم المسيحية والمسلمين هي سَوقُ الأوروبيين في مسيرة كراهية الإسلام والمسلمين. بدأت مسيحية في مظهرها بسبب تسخير جميع رهبان الكنيسة في مختلف رتبهم الكهنوتية، من أقواها في فرض غفران الرب إلى أضعفها في منح غفران الذنب. نقول تسخيرها لأنها لم تكن منها مباشرة في ابتكار الخدعة حتى لو كانت مباشرة منها في التنفيذ. لأن هذه الخدعة من جنس الخدع التي لا تتأتى إلا من فكرِ حكم. من رؤيةٍ في الحكم، أو من هدفٍ في خطةِ حكم. لا تأتي خدعة كهذه من فكر كهنوتي، ولا من فكر مخابراتي، ولا من فكر تنظيمي أو إداري، ولا من سياسة دفاعية أو هجومية. إن فكر الحكم جنس من الأفكار ينفصل في تكوينه إيجاداً عن جميع أجناس الأفكار الأخرى. فجميع مُتعلَّقاتِه خاصة به، وما ينتج عنه لا ينتج عن غيره. لأنه وحده الفكر الذي يتعلق بسبب وجود الحكم وارتباطه بسبب الحياة ومصير الحاكم أو النظام. و إذا نتجت هذه الخدعة عن حاكم وهو من رتبة كهنوتية مسيحية فهي تنتج عن فكر الحكم الذي عنده وليس من الفكر الكهنوتي الذي سخره لوصوله إلى الحكم. فالفكر الكهنوتي-إذا صح تسميته فكراً - لا يمكن أن ينتج عنه هكذا فكر أو عمل. بدأت مسيحية في مظهرها وتستمر مع الثورة على المسيحية، وتقوى في حكم الديمقراطية وحكام أوروبا الديمقراطيين. وهو الدليل العملي الدامغ أن مؤامرة فرض كراهية الإسلام على الأوروبيين لم تكن من كهنوت الكنيسة بل كانت من حكام سخَّروا الكنيسة. الواقع الذي نعيشه، أوروبيين ومسلمين، في دوامة هذه الكراهية من غربيِّ الشرق ،أنها كانت في خدعة الأوروبيين وليس المسيحيين الأوروبيين . الأوروبي اليوم، مسيحياً أو تاركاً للمسيحية متنكراً لها، يكره الإسلام بالمستوى نفسه. كراهية الأوروبي للإسلام لا تنبع من فكر وثني، أو فكر مسيحي، أو فكر ديمقراطي ثقافي تعليمي. هكذا كراهية تنبع عبر عصور، تتوارثها أجيالُ قبائل وشعوب وأمم في قرنٍ تِلو قرن، كراهية تنبع من تراث حضاري يقوم عليه حكم. الدليل القاطع هو الشهادة التي ينطق بها الواقع، لا تختفي آثاره، لا تذوي ثمراته ولا تمحى دلائله.


(1) نسبة إلى قوة البأس
(2) نسبة إلى وفرة غناهم.

مقدمة في الكراهية
يربط كثير من الناس بين الصدق والتكنولوجيا كأن التكنولوجيا سد بوجه الكذب، أو أنها تساعد في إثبات الصدق. كما يربط كثير من الناس بين السعادة وتغير رقم في التقويم الزمني، كأن السعادة تتعلق بدورة أرضٍ أو قمر. لم يكن عند الرومان مثل تكنولوجيا اليوم، لكنهم نجحوا جداً في كذبهم أو في فرض كذبهم قروناً كثيرة. مسيحيو كنيسة الرومان لم يؤمنوا بدورة أرضٍ أو قمر، عاشوا أجيالاً في شقاء لم تعرف البشرية له مثيلاً. ذاك لأن الصدق يتعلق بقيم، فإن انعدمت هذه القيم انعدم طبيعياً وجود الصدق، وإن وجد صدق مع انعدام القيم، فهو ليؤيد كذباً، ولهذا يكون في موضعه كذباً لا صدقاً. كذا السعادة لا تتعلق برقم أو قاعدة علمية أو سلوكية، لأن السعادة حالة حياتية دائمة تنتج عن قناعة عقلية بوجهة نظر محددة في الحياة.
أكاذيبُ عصر التكنولوجيا لا تُعد و لا تُحصر بينما أكاذيب عصر الرومان محدودة محصورة، لهذا يتوقُ كثير من وثنيي اليوم لو يعود عصر الرومان ويزول عصر تكنولوجيا أمريكا. عقول هؤلاء لم تعد تستطيع استيعاب حجم أكاذيب التكنولوجيا، وتنوءُ أعناقهم حدَّ الالتواء بسبب كثرة هذه الأكاذيب. يتمنون عودة عصر الرومان لأنه، في اعتقادهم بسبب جهالتهم حجم الكذب الروماني، أن كذب الرومان كان أقل من كذب دول الناتو!!! هؤلاء يخلطون بين كثرة الأكاذيب وحجم الأكذوبة، معظمهم ينوءُ من ثِقل الأكاذيب دون البحث في حجمها. القاعدة العلمية تجزم أن لا علاقة للعدد بالثقل إلا في ذات النوع. التفاحة أخف من تفاحات ثلاث، لكن موزة أثقل من ألف حبة قمح. المتعبون من كذب اليوم، في إنهاكهم، لا يستطيعون التمييز بين ثقلٍ وأثقال. الثقل هو الوزن الضاغط أو القوة الضاغطة، هو الذي يقرر القوة المناوئة اللازمة لاحتماله. الأثقال في نوعها أو عددها لا تؤثر في الاحتمال إلا من خلال ثقلها.
عدم التمييز في علاقة الاحتمال بالثقل والأثقال هو الذي يوجد الخلط بين علاقة الشقاء و الألم بالكذب و الأكاذيب. بؤس الإنسان وشقاؤه يتعلقان ببعد الكذب، الذي هو حجمه وأثره ومداه. لا يتعلقان بكثرته في القول و الحدث. كثرة الكذب تحدث الضياع وليس الشقاء. شقاء الكذب غير ضياع الكذب. شقاء الكذب هو شقاء الإنسان الذي يحس أو يعلم يقينا أنهم يكذبون عليه. ضياعُ الكذب هو عجز الإنسان عن معرفة الحقيقة التي يحس أو يعلم يقينا أنه لا يمسك بها، لأنهم يمنعونه بكثرة الأكاذيب من تبيانها. الشقاء هو ألم العيش والضياع هو جهل قصد العيش. في الشقاء ألم وأمل بينما في الضياع ألم وقنوط. الفارق بين مزيج الألم والأمل ومزيج الألم والقنوط هو الفارق بين الحي والميت!
مزيجُ الألم والأمل يحتم البحث عن قرار، الألم والقنوط يمنع البحث عن قرارٍ هو إرادة عمل. قرار الألم انتقام. قرار الأمل سعادة. مزيج الألم والأمل يحدد نوع القرار أنه قرار الحياة، يحدد نوع الحياة أنها حياة في سعادة. هكذا، يمنع الأمل نتيجة الألم الذي هو الانتقام، ولا يمنع الألم نتيجة الضياع الذي هو الإحباط. إنسان الألم والأمل يطفو، لا يغرق. إنسان الضياع يغرق، لا يطفو.
في عصر الناتو، عصر التكنولوجيا، أو عصر استفراد سيدة دول الناتو بقبيلة الصرب يعاني وثنيو أوروبا من كثرة الكذب. معاناتهم تمثلت في عدم مبالاتهم بقصف بلاد قبيلة الصرب. عدم مبالاتهم لم تنبع من كراهيتهم لهذه القبيلة بسبب جرائم رجالاتها ووحشيتهم في قتل المسلمين في البوسنة وكوسوفا. وليست بسبب غدرهم ونحرهم للعجائز والنساء والأطفال المسلمين. فليس عند وثنيي أوروبا أي شفقة أو احترام لأي حق من حقوق المسلمين بالعيش في كوسوفا أو البوسنة أو العراق أو كشمير. ولا في أي مكان، ولا حتى أن يستقلوا في استغلال خيرات بلادهم. عدم اكتراث الجرمان والفرنجة والأسبان والرومان، أهل إيطاليا اليوم، وغيرهم من الأعراق القبائل الأوروبية، ليس كراهية للصرب. بل ينبع من حيرة في فهم حقيقة الوضع لا نشرة الأخبار المصورة عن الوضع.
كثرة الكذب تشمل بطبيعتها تنوع الأكاذيب. الكذب في جنسه يتنوع، فلا بد في كثرته أن تكون طبيعتها من جنسه متنوعة. تنوع الأكاذيب وكثرتها غير التفاخر بالكذب. تغاير التفاخر عن موضوع كثرة الكذب وجنسه هو مفارقة في قصد الكذب. فالكذب في كثرته قصدُ التضليل، والكذب في نوعه قصد إخفاء الحقيقة الذي هو غير التضليل عن الحقيقة. تفاخر الكذب قصده إحداث الصدع في العقل. الصدع في العقل يمنع التفكير في الكذب. التضليل يجر المفكر في بحثٍ عن الحقيقة بغير معطياتها، لذلك المضلِّل يستنفذ طاقة المضلَّل في غير جدوى. إخفاء الحقيقة لا يلغي دلائلها لكنه يحصر معرفتها بخبراء دلائلها، الذين يبقون قلة قليلة جداً في خضم لا تؤثر فيه. كشجرةٍ في جرداءٍ لا يشبع? ثمرها أهلها. المتفاخر بالكذب يصدع العقل لأن التفكير بسبب التفاخر، أي بمعناه، يؤدي إلى ألم العقل. شرط التفاخر بالكذب أن يُعرف أنه كذب و إلا يكون تفاخراً بمجهول، أو بصدق، أو بجدية. تحديد صفة التفاخر تقتضي معرفته بوضوح للعامة ولس للخاصة. كمن يتفاخر بصفة من صفاته عليه إبراز هذه الصفة. المتفاخر بالكذب لا يدَّعي أنه كذاب ولا يُتَّهم أنه كذاب، لأن تفاخره ليس قولاً بكذب بل قولاً لا يرتبط بواقع، كذبه يكون بمجابهة الواقع لقوله لا بمخالفة الواقع لقوله ولا للكذب فيه الذي لا يحتاج إلى بحثٍ كما في كذب إخفاء الحقيقة.

وداعية

… صراع الحضارات هو صراع حضارات الماضي بوسائل اليوم. فسادُ فكرِ اليوم ليس أكثر فساداً من فكر الماضي أو أقل، لأن الفساد لا يكون بالمقارنة بل بالمصدر والنوع والنتيجة. مقاييس الفساد لا تتعلق بتاريخٍ أو كثرةٍ أو قوةٍ بل بموافقتها لطبيعة الإنسان في نفسيته وعقليته وعلاقاته. فسادُ فكرِ اليوم الغربي لا يفارق فساد فكرِ الماضي وإن كان في بيئة مغايرة.

ضلال فكر الغرب ليس صدفةً، ليس سذاجةً وليس قصداً. لأول مرة يكون الفكر الفاسد نتيجةً. ليس صدفةً، سذاجةً أو قصداً. ضلال فكر الرأسمالية الغربية نِتاجُ ثقافة وفهم واستنباط.

الثقافةُ معلوماتٌ، الفهمُ طريقةُ التفكيرِ، الاستنباط نِتاج فكري من قاعدة فكرية يغني تراث الحاضر الفكري. امتداد حضارة الماضي في حاضر اليوم هو في ثقافة الماضي.

ثقافة الماضي هي معلومات الغرب.

**ثقافة كراهية الأوروبي للإسلام جزء من حضارة المسيحية ثقافةِ ماضي الحاضر.

معلومات ثقافة كراهية الأوروبي الحاضر للإسلام هي ثقافة المسيحية في كراهية الإسلام.**

الوثنية معلومات الاستنباط المسيحي.

كراهية الوثني يصوغها تراثه الفكري.

كراهية المسيحي طبيعة وثنية.

كراهية الأوروبي للإسلام من كراهية المسيحي في تراثه الوثني. لماذا يمتنع الأوروبي عن البحث في سبب كراهيته للإسلام؟ لعل بصيرته تعمى عن رؤيته لحقيقة ضياعه في الحياة والموت.

لماذا يرضى أن يبقى أسير كراهية مستمرة منذ ألف عام بينما يلاحظ أن عقله وراء التجدد في كل يوم؟ لعل سعيه في إشباعِ نهمٍ في مال أو جنس يفقده الإحساسَ بحقيقة معنى الوجود أنه وجود بسعادة أو وجود بشقاء.

أوروبي اليوم، أو أميركيه، يولد ويعيش في غباء ثقافة الكراهية. كراهيته في تراثه الثقافي، غباءٌ يمنعه من فهم الإسلام، أو التفكير فيه والاهتداء إليه واعتناقه. هذا قصدُ ثقافةِ كراهية الأوروبي للإسلام. وقصد الغباء في ثقافة أمريكي اليوم وذيله الأوروبي.

وداعيتنا… فيها حقيقة جازمة ? لا شك أن قارئنا يوافقنا - أن الكراهية، أحط مشاعر الغريزة في الإنسان والحيوان وأخطرها، لأنها سبب الجريمة والقتل الفردي والجماعي ، طوال تاريخهم كبشر، دون مسوِّغ. الكراهية سبب لا يفسر للجريمةِ أحطِّ أعمال الإنسان. الكراهية أحطُّ مشاعر الإنسان تؤدي إلى أحطِّ أعمال الإنسان، تتملك الشخصيةَ الأوروبيةَ منذ ألف عام. أوروبيُّ اليومِ مع أراذل الأوروبيين العابرين، أو منبوذي أوروبا إلى مستعمراتهم الجديدة جزر الهادئ والأطلسي تسيطر على عقله أحطُّ مشاعر. أمريكيُّ اليوم متحرراً من عقدة إذلال الأوروبي له يتخبط في كراهيته من إرثه الأوروبي.

سيطرة المشاعر المنحطة على عقل الإنسان تفقده إدراك مقاييس القيم. مقاييس القيم تهدي إلى حقائق المعرفة، القيم وحدها ترتقي بالإنسان لا تهديه. ارتقاء الإنسان غَيْرُ اهتدائه، ارتقاؤه نسبي لا مطلق لأنه يرتبط بفكره الأساسي. إهتداؤه يكون إلى الحقائق في المعرفة، لذلك ارتقاء المهتدي هو من غير جنس ارتقاء القِيَم.

قِيَمُ الأوروبي من عقلٍ تسيطر عليه كراهية الإسلام، أحطُّ مشاعر الفرد وأخطر مشاعر الجماعة. قِيَمُ الأمريكي من عملٍ في جريمةٍ غيرِ مسوَّغةٍ في الماضي أو الحاضر، أحطُّ أعمالِ الإنسان منذ وجوده من نسل آدم كما نعتقد. أحطُّ أعمالِ الإنسان منذ وجوده من نسل الدود والقرود والذئاب كما يعتقدون. قِيَمُ الأوروبي قِيَمٌ بالنسبة إلى انحطاطه في مشاعره وأعماله لا بالنسبة لمقاييس القِيَمِ التي أورثَها آدمُ لنسله.

إشفاقنا أن يحيا إنسان في كراهية، رسالتنا أن يحيا إنسان بقيم ترتبط بمقاييسها لا بانحطاط مشاعر. هل يستمر إنسان أوروبا في كراهيتنا فلا يحس بإشفاقنا ولا يسمع رسالتنا؟ أن يحس بإشفاقنا عليه في جهله وضياعه وكراهيته، وأن يعي رسالتنا في الحياة، حياته إنسان اليوم، غاية في هذا الكتاب.

حوار الشرق والغرب أو حوار الغرب والشرق، حوار الأديان، وهو حوار المسيحيين مع مسلمين يخادعون الله في إسلامهم وينافقون المسلمين في نيتهم وهدفهم ونشاطهم. حوارهم مع من صنعوهم من خونة المسلمين علماء وفقهاء وزعماء يعدون له أهدافاً كثيرة مما هو في نشراتهم ومداولاتهم. لكنهم جميعاً يخفون أمرين هما الهدف الرئيس لمشروع الحوار وهنا تكمن خيانة المسلمين المشاركين، الأول: ان الحوار بين الكفر والإيمان يجري ضمن إطار محدد سلفاً، هو حصر البحث ضمن موضوع إزالة الخلافات التي تعترض التعايش المشترك بين الإسلام وأوروبا ضمن القيم والأنظمة والأوضاع القائمة.

الثاني: هذا الحوار يسدل ستارين الأول على بصيرة الأوروبي يمنعه بسماكة جديدة من فهم الإسلام. لأنه يعلم ان قبول المسلمين بهذا الحوار يعني سلفاً تخليهم عن جميع أحكام دينهم المتعلقة في علاقة الإسلام بالكفر. وهذه العلاقة تشمل نظام الحكم في الإسلام والنظام الاقتصادي في الإسلام والنظام الاجتماعي في الإسلام. كما تشمل نظام العلاقة الخارجية للكيان في دولة الخلافة، ونظام الجهاد الذي هو قانون الحرب والسلم الإلهي. وهذا الواقع يزيد في ازدراء الأوروبي للمسلمين وهو ما يزيده تصميماً على إغلاق عقله بوجه أية محاولة لطرق أنسجة عقله. الستار الثاني يسدل على بصيرة المسلم فيمنعه من رؤية كراهية الأوروبي للمسلم، وإن كان يستمر بالإحساس بها. الفرق بين الرؤية والإحساس أن الرؤية تثير الفهم بينما الإحساس وحده يُربك الفهم. هذا الستار يمنع المسلم من ان يرتد في صده عن الفهم إلى ذاته مما يبقيه في حالة الارتباك المستمرة في حقيقة علاقة الإسلام بالكفر الأوروبي.

يستحيل التعايش بين كاره ومكروه، لماذا يخدعون الكاره الأوروبي والمسلم المكروه بفكرة التعايش المشترك؟ جوابه أيضاً غاية في هذا الكتاب.

التعايش المشترك في طياته حتى لا نقول في أساسه بعد ان بينا أساسه أنه يفرض على كل مشترك ان يتخلى عن الأعمال التي تمنعه من التعايش مع المشترك الآخر. في الممارسة العملية ان المسلمين تخلوا عن جميع الأعمال التي تبعدهم عن الكفر. هم في عيشهم يحتكمون إلى نظام كفر، نظام حكم بغير ما انزل الله. في مدارسهم يتعلمون أفكار الكفر، أفكاراً غير أفكار الإسلام منذ نعومة أظفارهم. في صحافتهم وإذاعاتهم وإعلامهم يدعون إلى أفكار الكفر، أفكار ضد أفكار الإسلام، يصوغون إسلاماً يخدعون به المسلمين. لا نقول إن المسلمين كفروا بل نقول عن المسلمين يعيشون قاطبة في أنظمة حكم غير نظام الحكم في الإسلام. جميعهم يعيشون في أنظمة حكم كافرة بالله ورسوله وقرآنه، خاصة تلك الأنظمة التي تدعي إسلاماً أكثر مكراً وخداعاً ونفاقاً لله ورسوله والمسلمين، لكن الأوروبي لم يرض بالتخلي عن أقل مبررات الكراهية. يرفض السماح لمسلمة تستر عورتها ان تعيش معه. ليس هناك حتى قانون يمنع ستر العورة. لكنه بحجة مخالفة ستر العورة للعرف العام الذي يسمح كشف العورة ولا يفرض كشفها.

**فكرة التحرر من الالتزام الديني يفرضونها علينا بينما يفرضون على الأوروبي التعصب الديني، لماذا؟ فكرة التحرر الفكري من قواعد الإسلام يفرضونها علينا بينتما يمارسون على الأوروبي أحقر ممارسات التزمت الفكري، لماذا؟ جوابه غاية في هذا الكتاب.

هذا ليس لطبقة من طبقات أجناس الأوروبيين، ليس لعرق جرماني أو إنكليزي، ليس لمثقفين أو عامة. إنه مقاربة مع إنسان مخدوع في فهمه، مضلل في حاضره، تائه مثل أسد في عراء من الأرض. لا يميز الإنسان عرقه السلافي أو الروماني. يميّز الإنسان فهمه للحياة والموت وغايته في الحياة أو الموت ومصيره في الحياة أو الموت.**

كتابنا هذا، قول مكتوب لكل أوروبي وثني أو غير وثني، مسيحي يعلم انه وثني أو مسيحي يقول أنه ديمقراطي. له نقول إنك تعلم اليوم أننا نعلم أنك تكرهنا بفلسفة وخطة وممارسة، وأنك تكرهنا دون أن تفكر بسب كراهيتك ولا بغايتها ولا بواقعها. فيه بيان أن العداوة غير الكراهية. العداوة تغيض في مصادر الكراهية، ولا نتحدث عن عداوتك للمسلمين إنه موضوع آخر في مسرح آخر من طيات النفس البشرية التي حرموك منها. في تاريخ الأوروبي الوثني، في تجدده المسيحي وفي تجدده الديمقراطي ما زال محروماً من النفس البشرية. هيكلك البشري الذي تراه في المرآة، يخدعك انك إنسان في هيكله. إنسان الكراهية، أوروبي اليوم، يخدع نفسه في إطفاء ظمأه. يسكب الخمرة في جوفه لا ليطفئ حرقة الكراهية للمسلمين التي تفقأ بطنه، بل لينسى كراهيته لنفسه التي نشأت خارج هيكل الإنسانية الذي يراه في المرآة. تذكيرنا للأوروبي أنه في هيكل الإنسان مثلنا أما في تضييعه لنفسية الإنسان واستبدالها ممارسة في نفث الكره الشيطاني ليس إنساناً مثلنا، كما أراده الله. تذكيرنا ربما يكون وخزاً في عقل الأوروبي يتنبه به إلى طريقة البحث والتفتيش عن نفسية الإنسان التي طردها من هيكله في التاريخ. أو التي هربت من لهيب كراهية أرادت أن تحرقها. هذا، تفتيش الأوروبي عن نفسية الإنسان غاية في هذا الكتاب.

أرضُ التاريخ، صخورُ الأرض، رمالُ الصحراء، أوراقُ الشجر، نسورُ الأعالي، جماجمُ الموتى، صحائفُ البشر، تاريخُ الخير والشر مذ هبط وحي الله بالإسلام أنَّ المسلم لا يقتل مسلما أو غير مسلم. أنَّ المسلم لا يغدر، لا يبغي ولا يظلم. أنَّ المسلم يدعو للإسلام بحجة وبرهان سعياً يحتسب ثوابه لآخرته، وليس اكتساباً لمنفعة في حياته. حقيقةٌ منقوشة في ذاكرة الإنسانية ليس ادعاءً من المسلمين. رحمةُ المسلمين حقيقة منقوشة في تاريخ الأوروبيين اكثر منها مُسَطَّرة في صحائف المسلمين.

يوسف بعدراني

** الفهرس**

003… مقدمة في الكراهية

009… فرض كراهية الإسلام على الأوروبيين

034… خوف الغرب وإرهاب المسلمين ( وقود الكراهية )

041… حالة كراهية الإسلام

053… وداعية

054… ألمراجع

المراجع

01- بولس بعد شاؤول - رسائل بولس

02- لوقا - أعمال الرسل

03- لوقا، مرقس، يوحنا، متى- الأناجيل الأربعة

04- الكاهن جان كومبي - دار المشرق تاريخ الكنيسة

05- الدكتور أسد رستم - الجامعة اللبنانية - أوغسطس قيصر و خلفاؤه

06- الدكتور أسد رستم - الجامعة اللبنانية - حرب الكنائس

07- د.عبد الفتاح إمام - عالم المعرفة - الطاغية

08- الكسندر كرافتشوك- دار الحصاد - الوثنية و المسيحية

09- علي عزت بيكوفيتش - مجلة النور- الإسلام بين الشرق و الغرب

10- د. أحمد شلبي - مكتبة النهضة المصرية - المسيحية

11- إدوارد جيبون- دار الكتاب العربي - اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وزوالها

12- المطران برتولوميي - لاس كازاس - المسيحية و السيف

13- محمد طاهر التنير / بيروت- العقائد الوثنية في المسيحية

14- ليوبولد ليدل - دار التضامن- أسرار الفاتيكان

15- أليكسي جورافسكي - عالم المعرفة- الإسلام و المسيحية

16- هيم ماكبي - بولس و تحريف المسيحية

17- كارليل - الأبطال و عبادة البطولة

18- وليام باتون - أديان العالم الكبرى

19- جورج سباين - دار المعارف بمصر - تطور الفكر السياسي

20- برتراند راسل: ت/ د. زكي نجيب محمود - تاريخ الفلسفة الغربية

21- جان جاك شوفالييه - تاريخ الفكر السياسي

22- كارل غوستاف يونغ - علم النفس و الديانة الغربية

23- أندريه نايتون - المفاتيح الوثنية للمسيحية

14- ادغار ويند - الأسرار الوثنية في عصر النهضة

15- عبد الفتاح عبد الصمد- مكتبة العرفان - صليبية إلى الأبد

16-قاسم عبده قاسم - عالم المعرفة - ماهية الحروب الصليبية

فرضُ كراهية الإسلام على الأوروبي المسيحي طوال ألف عام من قبل الحبر الأعظم كاهن هيكل الإمبراطور وخسيسه قائد جيوشه، كان حتى لا يتعرَّف المسيحي إلى سبب شقائه وظلم المسيحية له في عيشه وفكره أنه هو سبب إيجاد المسيحية ابتداء. حتى لا يتعرَّف إلى أن تقديس الطاعة للحاكم ـ سبب إيجاد المسيحية مؤامرة سياسية ـ هو سبب ظلمةِ حياته، وحتى لا يرى سبب هذه الظلمة، وهي شقاء العيش في عتمة الفكر، أنه لإبقائه مسيحياً. فلو سُمِح له بالتفكير في المسيحية، وربط المسيحية في شقاءِ واقعه، وربط شقاءه في تقديس مقدسات المسيحية وأُولاها طاعة الحاكم وخسيسه وكاهنه، ولاحظ الكفر في هذا التقديس، لما بقي راضياً بعبودية الشقاء المقدَّس يوماً من مئات آلاف تلك الأيام. ولو سمحوا للأوروبي المسيحي بالتفكير ذات يوم في التاريخ لقارن بين قدسية الطاعة لله وقدسية الطاعة للحاكم، واهتدى إلى المفارقة بين قدسية الطاعة لله وقدسية الطاعة لحامي صنم مصلوب في مسيحية مبتورة، بدايتها بدون نهاية، حياتها بدون بداية، نهايتها بدون حياة.

حفاظاً على تكريس تقديس الطاعة للحاكم، سبب إيجاد المسيحية مؤامرة سياسية أساساً، فرضوا كراهية الإسلام في المسيحي. قبل الإسلام لم يكن في الحاكم وكنيسته خوفٌ من نورٍ في حقيقة، أو خوفٌ من حقيقة في فكر، أو خوف من فكر في برهان، أو من برهان في دين، أو من دين في قرآن، أو من قرآن في كتاب يتنزَّل وحياً على نبي يثبت عبوديته لله ويدعو إلى توحيد الألوهية في الله، وتحديد تقديس الطاعة أنه لله وحده، وتساوي البشر حاكماً ومحكوماً في الطاعة لله، وفي عقوبة معصية حكم الله، وفي يوم حساب الله، وأنه لا إنسان يكون وسيطاً عند الله لا في الدنيا ولا يوم الدينونة، يوم إيفاء الديون لصاحب حقًّ مقهور من مغتصبٍ قادر، إلا في دعاء يأذنُ الله به.

قبل نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلّم لم يكن هناك دينٌ يهدي إلى الحق، يحرِّكُ العقل والحواسَّ لمعرفة حقيقة الوجود في الحياة، دينٌ يمنع توارث الإيمان، يفرض الإيمان بالبحث الفكري، بالقناعة بأساس الدين القرآن أنه وحيٌ منزَّلٌ من عند الله بواسطة ملَكٍ اسمه جبريل يتلوه في قلب النبي، ويُفقِّهُ به عقل النبي، ويجريه على لسان النبي محمد آخر المرسلين والأنبياء. ويفرض البحث العقلي في ثبوت نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلّم وعبوديته لله، ويفرض البحث العقلي في برهان وجود الله، وبرهان عدم خضوعه لحواس الإنسان، وبرهان عدم مشابهته لشيء في الوجود، وبرهان العجز في البحث في طبيعته غير برهان البحث في إثبات وجوده.

قتل الإمبراطور جاليريوس للنصارى تهيئة لتحول الإمبراطور اللاحق قسطنطين الذي قام بتصفية آخر فلولهم التي حصروها في فخِّ مؤتمر نيقيه، ومرسوم ثيودوس الإمبراطوري بالحياة للمسيحي والموت للوثني الذي يرفض التحوَّل في وثنيته إلى المسيحية الجديدة في عام 438، واستمرار الإجراء القسطنطيني بقتل كل إنسان يخالف في مسيحيته مسيحية الإمبراطور، وتوارث الكنيسة بشخص كاهنها الأعظم صلاحية الإمبراطور بقتل مخالفيها بأي فكر مسيحي، كان التهيئة المثلى في بناء السد بين مسيحيي أوروبا والإسلام الذي جاء لاحقاً. بسبب قوة الإسلام الفكرية التي هي قوة دامغةٌ، قاهرة لكل زيف وباطل، خافت الكنيسة من حتمية زوال المسيحية. كان لا بد من مصاحبة إجراء القتل الدائم بإجراء أقوى من القتل، فالخطر ساحقٌ ماحقٌ لا يتعلق بأفراد أو جماعات بل بكيان وعقيدته، بالمسيحية وسببها، بالوجود السياسي لطغمة الظلم والتضليل. بالتفكير التآمري الذي أوجد المسيحية مؤامرة سياسية على الأوروبيين، استنبطت عقول أبالسة الظلم في الأوروبيين وجوب فرض الكره للإسلام في قلوب مسيحييهم. فرضوه كما فرضوا المسيحية ابتداءً بمنع العقل من التفكير بالإسلام وحقيقته في برهانه، ومنع الأوروبي من إجراء العملية الفكرية في أفكار الإسلام وحجتها. وفرضوه بإذكاء كراهية المهزوم للمنتصر، وفرضوه بمشاعر خوف الضعيف في القوي، وفرضوه كما فرضوا المسيحية لاحقاً بقتل من يخالفهم مسيحياً في قتل من لا يشاركهم كراهية الإسلام.

الكراهية، حائط نفسي من معدن الحقد ينبع من نفثٍ شيطاني سام يمنع العقل من عمله الطبيعي في التفكير في حقائق المقاصد وبرهان الفكر. كراهية الإسلام التي نجح جلادو المسيحية في الأوروبيين في فرضها على النفس الأوروبية التي توالدت بقبول الظلم والعبودية المقدسة في طاعة الحاكم والكنيسة التي أوجدها درعاً له، منعت الأوروبي من ملاحظة الفكر الإسلامي الذي أرعب الكنيسة وحكامها كهاناً وأمراء. فكرة من أفكار الإسلام كانت أكثر إرهاباً للكنيسة من جيوش المسلمين، قاعدة فكرية في التعرف للإسلام، في بحثه في الذات الإنسانية، في وجوب خضوع العقل والنفس له في حجته، في كيفية الإيمان به أنه لا يكون إلا إيماناً بحرية العقل في التصديق ببرهانه، وحرية النفس في الاطمئنان إلى هديه، في قول آيته في القرآن الكريم: {لا إكراه في الدين قد تبيَّن الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} [سورة البقرة، الآية: 256] فالإسلام؛ عقيدة دينٍ لا يُؤخذُ إلا عن يقين، واليقين هو القناعة بالحجة التي تُنير الخطأ فتلفظه النفس، واليقين هو التصديق بالبرهان الذي يبينُ الباطل فيزهق تلقائياً فيذوي ويتلاشى من العقل، واليقين هو الذي لا تطمئن النفس إلا بالتجاوب معه، والخضوع له، والعمل به.

هذه الحرية في الدخول بالإسلام أو عدم الدخول في الإيمان به ليست عفوية في الإسلام بل مقصودة لأنها أساسٌ في أخذه وأساسٌ في الالتزام بأحكامه، فطريقة الالتزام بأحكامه ذاتية أولاً فهي تعتمد على مخافة المؤمن من عقاب الله في الآخرة والقناعة بالسعي لنوال رضوانه في الدنيا للدخول برحمته تعالى إلى الجنة بدل النار. لذلك، حرية القرار للإنسان بالإيمان بالإسلام أو الكفر به قرارٌ يتعلق بحياته قانعاً هنيئاً وفي مصيره في جنة أو نار، فالخيار لا يتعلق بالإسلام بل بالإنسان. والحرية ليست حرية هوى بل حرية في القرار، والتي لا تكون إلا بالتزام قواعد الفهم والعقل حتى لا يكون للإنسان عذر في أنه لم يستعمل عقله أو لم يُفرض عليه أن يستعمل عقله، فالقرار لا يمكن أن يؤخذ إلا بالعملية العقلية وأما قرار الهوى فهو طيشُ غريزةٍ جريمة يرتكبها الفرد يغتصب بها حياته، ويعطل عقله في سببه ودوره، ويورد نفسه فشلها في الدنيا وجحيمها في الآخرة.

تقديس الطاعة للإمبراطور كان مفروضاً على شعوب الإمبراطورية فرضاً، توحيد الشعوب في طاعة الإمبراطور المقدس كان مفروضاً عليها فرضاً، سبب المسيحية التي صاغها الرومان هو تحويل هذا الفرض إلى قناعةٍ من صُلب الديانة، خيانتها خيانة لِقُدس الديانة! وقد مارست السلطات فرض هذا التقديس في جميع المسيحيين وفي كل العهود، عهد الإمبراطور وعهد الكنيسة التي غدرت بالنظام الإمبراطوري عندما سنحت لها فرصة ضعفٍ في الإمبراطور. وهذا السبب، الذي طمسه الأباطرة الرومان آلهة شعوب الإمبراطورية في المسيحية كما قبل المسيحية في فراغ التسمية فكان أخبث سر إمبراطوري في التاريخ، والذي طمسه الكرادلة وأساقفتها وأبواتها أباطرة الكنيسة والأصنام التي تجري فيها حياة روح القدس فكان أقدس سر كنسي في التاريخ، والذي به انفصل هنري الثامن عن سلطة آباء روما. وبسببه أعلن كل قوي نفسه ملكاً مسيحياً قاطع طرق في الأرض، وبسببه كانت القسوة الشيطانية في نفسية المسيحي لقتل غيره واستباحة كل الوسائل الشيطانية للانتصار على غيره. وهو السبب السر الذي من أجله توحَّد ملوك أوروبا مرة واحدة في تاريخ أوروبا، عندما علموا أن الإسلام دينٌ جديد يحرِّمُ طاعة الإنسان للحاكم ويفرض طاعة الإنسان لرب الحاكم، وأن الحاكم عبدٌ في طاعة الله وليس مقدساً بديلاً، وأن الصنم لا يغفر الذنوب ولا خادم الصنم يغفر الذنوب حاكماً كان أم بطريقاً، وأن قدسية الإنسان حاكماً أو كاهناً أساس الوثنية في الوجود، وأن الحاكم الذي يفرض تقديس الطاعة له هو سارق الله الذي يسرق منه حقه سبحانه في تقديس الناس لطاعته وحده هو من أهل النار والعذاب، الملعون من الرحمة الإلهية.

الإسلام، منذ بدايته دعا إلى توحيد الطاعة لله وحده، وتقديس الطاعة لله وحده، وأن الغفران بيده سبحانه وحده، وحرَّم وجود الوسيط بينه وبين الناس وأمر بقتل من يدَّعي ذلك، ومنع وجود البديل عنه سبحانه بين الناس وأمر بقتل من يدعي ذلك، وفرضَ على الحاكم أن يحكم بأمر الله وحده وأمر بقتل من يحكم بأمر هواه، ولعن الذي يطلب من الناس طاعته بديل طاعة الله وأمر بإزاحته، ووصف الذي يبيح ويحرِّم أنه شيطان يجب محاكمته؛ منذ البداية كشف الإسلام قناع التلبيس على عقول المسيحيين وكشف حقيقة المؤامرة على الأوروبي المسيحي، منذ البداية تنبَّه الحكامُ جلادو الموت في الأوروبيين، آلهةُ الكنيسة في أوروبا خطر أن يوقِد الإسلامُ جذوة الإنسان في قطعان أوروبا الرومانية والجرمانية، الفرنجة والسكسون، الولش والأنغلوش، وغجر الدويتش والفلامش، والأسبان والبرتغال. خافوا هديَ الله في دين الإسلام أن يحيا المسلم حياة إنسان لا كما يحيا الأوروبي في المسيحية، خافوا فرضَ الله على الحاكم أن يكون إنساناً في طاعة حكم الله لا جلاداً يقطع الأعناق التي تعلو أكتاف الأوروبيين، خافوا أمر الله للحاكم أن يكون رحوماً في طاعة الله لا مفترساً في معصيته. سفّاحو التاريخ، ملوك المسيحية في قتل واستعباد الأوروبيين مئات السنين كرهوا الإسلام لما علموا أنه يحرِّمُ على الأوروبيين تقديس الطاعة لهم، وأمروا بكراهيته لما علموا أن الإسلام يحرِّم وجودهم، وأعلنوا عداءهم الأبدي لأن الإسلام يوحِّد الألوهة في الله الواحد ويوحِّد الناس في طاعة الله لا في طاعة حاكم، ويمنع تداول الألوهة بين الناس حاكماً أو كاهناً، ويمنع وجود الإبريق الذي يسكب ألوهة في خمر مقدس تضيع به العقول وتنعدم به البصيرة؛ من تلك المعرفة بالإسلام فرض حكامُ أوروبا على الأوروبيين أن ينهشوا المسلم بأنيابهم ومخالبهم حيثما يجدونه في الأرض غدراً به نائماً هنيئاً، أو خاشعاً في صلاته، أو راضياً من رزقه يأكل، أو فرحاً في طاعة الله يسعى. ومن خوفهم سماعَ الأوروبي لكلمة واحدة من مسلم فرضَ حكام أوروبا وكهنتها، آلهة الناس والكنيسة، على الأوروبي أن يقتل المسلم قبل أن ينطق المسلم مُقبلاً كان أو مدبراً، ناطقاً أو أخرسَ، محارباً أو تاجراً. منعوا أي علاقة بين الأوروبي والمسلم حتى لا يقارنَ الأوروبي تقديسه لطاعة الحاكم بتقديس المسلم لطاعة الله، حتى لا يقارن سبب الطاعة لله في الإسلام بسبب الطاعة للحاكم والكاهن في المسيحية، وحتى لا يتعرَّف إلى الحياة في طاعة الله ومقارنته حياته في طاعة الكذاب على الله.

القضية في مجمع نيقيه أن الإمبراطور قسطنطين كان يعتبر موقعه سليل الأباطرة الذين أوجدوا المسيحَ إلهاً، فهو في حقيقة التاريخ وريث الإمبراطور صانع المسيح الإله الابن المصلوب، وصانع رواية الإله الابن العاق وخرافة الابن المخلوق في الأزل من الأب. أبله الكهان آريوس أراد أن يكون إلهاً مثل الإمبراطور، يصنعُ إلهاً! عارض صنيع الإمبراطور صنم الإله الابن العاق وبَدَّلَهُ بصنم الإله الابن البار! لم يغير في الصنم أو يقترح تعديلاً في عدد أصابع قدم الصنم التي أبقى عليها خمساً، أو تقصير قطعة القماش التي تغطي عورة الصنم إذ كانت قطعة القماش التي تغطي عورة الرجل بالغة الأهمية عند الأباطرة الرومان، لأنها كانت تمثل إخفاء لذكورة الرجل أنها في رجولة أو أنوثة، كان اللوطي منهم أكثر حرصاً على ستر عورته حتى لا تُرى حقيقته، وكان الرجل منهم أكثر اهتماماً على ستر عورته حتى لا يُعرف بذكورته بدل شجاعته، فقد كانوا يقدِّرون الشجاعة أكثر من الذكورة. القضية في مجمع نيقيه قضية إقرار من هو صاحب القرار الإلهي في الإمبراطورية، فإن طغت سلطة الكهان على سلطة الإمبراطور سقطت ألوهة الإمبراطور بين أرجل الكهان، وإن ثبت الحق الإمبراطوري بقي الكهان بين قدمي الإمبراطور. كان من الطبيعي أن يخنع كهان الكنيسة في طاعة أحكام الإنجيل وتعاليم شاؤول الذي غيَّر اسمه إلى بولس ويرضون بقدسية ألوهية الإمبراطور. أول مجمع للكهان في تاريخ المسيحية رفض الانصياع في ذل الخنوع للإمبراطور كما فرضته كل أناجيلهم، وكما فرضه بولس في كل تعاليمه. كهان نيقيه أرادوا أنفسهم صانعين لإلهٍ بار. لم ترضَ نفوسهم النجسة بإلهٍ ابنٍ عاق، إذ كيف يستطيع ابنٌ إلهٌ عاقٌ أن يطهِّر الرِّجس في نفوسهم، كانوا يعلمون أنهم أنجاس فأرادوا صنع مطهِّرٍ لهم. وقد وقفوا في ذلك الموقف يستمدون قوتهم من عراقة آريوس في مهد التثليث الإلهي، بل أحد أهم مراكز التثليث في الأمم الوثنية: مصر الفرعونية. آريوس، وثنياً من مصر، كان دائم التفكير بثلاثية آلهة فراعنة مصر، كان يرى فيها خلطاً، ويرى فيها عجباً، ويرى فيها تناقضاً. لما أدرك ثلاثية بولس في مسيحيته التاريخية لَحَظَ فيها تناقضاً خليطاً عجيباً فأراد تصحيحه حتى لا تصير المسيحية إلى ما صارت إليه ثلاثية الفراعنة من زوال بفعل عواملها الذاتية. لما أعلن تصحيحه عارضهُ مَنْ حولَهُ، عندها، تذكَّر سَحَرَةَ فرعون وإفلاسهم في حضرة الحقيقة. سَحَرَةُ فرعون لما رأوا ما فعل موسى أدركوا حقيقة موسى أنه على يديه أجرى الله مثلاً على قدرته، قدرة الله تجلَّت في كشف خداع السحرة، سبحانه ما أرحمه، لم يبطش بهم بل أجرى الحقيقة في عيونهم وعيون نظّارهم. لم يكن أمام السحرة الخيار بعد أن كُشِفَ عنهم حجابُ ستر الحقيقة إلا أن يروا الحقيقة. في غمزةِ الخاطر خرُّوا ساجدين حمداً لله أن كشف عن عقولهم حُجُبَ الوهم والخديعة، هم كانوا يصدقون ما يرون وهماً أنهم صنعوه، الله سبحانه أراهم أنهم لم يصنعوا شيئاً، أراهم أنهم يتوهمون صنعاً. كسحرة فرعون ظنَّ نفسه، أنه كُشِفت له حقيقة الابن المصلوب إلهاً باراً وليس إلهاً عاقاً. كسَحَرَةِ فرعون أراد التمرد على ألوهة القول في أمر الإمبراطور. توهَّم رؤيا فانتصب عنفوانه في السير بها مستمداً قوة في الاقتداء في أبرار موسى الذين هُم مِنه أبرياء، أولئك رضوان الله عليهم سجدوا لله لما رأوا برهان ربهم، هذا أراد تغييراً في معدن إلهه باراً بدل عاقاً! آريوس كان من الشرق الحافل بتتالي أنبياء الله، وبتراث البر الذي كانوا يدعون إليه سلام الله عليهم أجمعين، كانوا يدعون إلى البر بعهد الله في توحيد طاعته، وعهد آدم في توحيد عبادته سبحانه، وعهد الإنسان، كل إنسان، بالوفاء بعهد الوفاء لله على أنعمه ببر الله في كل قول وعمل كما يأمر الله به مع كل نبي. البرُّ تراث عميق الجذور في أهل الشرق، أهل مدائن الأنبياء. لم يستطع آريوس أن يتنكّر لأصل كل الفضائل في ديانات الله: البر بعهد الله ومنه البر بالوالدين. آثر أن يتشبَّه بالذين آمنوا في حضرة فرعون دون أن يلحظ أن أولئك آمنوا بالله الحق، انتقلوا من كفر فرعون إلى إيمان توحيد الطاعة لله، وأنه لم ينتقل من كفر إلى كفر حتى، بل غرق في الكفر إلى قعرٍ أذل: بدل أن يكون كافراً يلحق بحاشية الإمبراطور مرفوع الرأس بين أترابه من رجال الكنيسة عبيد الطاعة لقسطنطين، اختار أن يكون مقطوع الرأس كافراً ينتظر قيام الساعة التي يُقذفُ بها في سعير الجحيم مع الذين قتلوه وتآمروا على تغيير وتزوير وتحريف دين عيسى عليه السلام.

واقع الحدث في مجمع نيقيه وقضية مجمع نيقيه لا يستوجبان هذا القتل والنفي والإذلال والحرمان الذي تبعه. وثنيون يقولون إن الابن إلهٌ قبل أن يولد وآخرون وثنيون يقولون إن الابن إلهٌ بعد أن وُلد، أو ابنُ إلهٍ يكون إلهاً في غياب أبيه أو بعد موت أبيه. وثنيون يقولون إن الابن عاقٌ يحكم بوجود أبيه وآخرون وثنيون يقولون بل الابن بارٌ لا يتجرأ على التطاول على سلطة أبيه ودوره. هذا تنافس على تمجيد الابن، هذا تفاخر في صفات الابن، هذا ترسيخ لوثنية الأب، وتأكيد لصنمية الاثنين، ومغالاةٌ في طمس حقيقة الألوهية في الوجود، هذا تطاول على الألوهية بإخضاعها لما يريده الإنسان لها، وإذلال لها بفرض مشيئة الإنسان على تشكيلها، هل الإله يشكِّل المخلوق الإنسان أم الإنسان يصوغ شكل الإله الخالق؟ هذا استعباد للإله، تحقيرٌ له وتسفيه! هذا يعني أن الإنسان هو الذي أوجدَ الإله المزعوم أباً كان أو صنماً! هل المسيحيون بولس ولوقا ومرقص هم الذين أوجدوا هكذا إله يُختلف على حقيقته وشكله ودوره؟ لِمَ لَمْ يحدِّدوا هُم حقيقة وشكل ودور وأصل الإله الذي قالوا للناس عنه إنه إله؟ هل كانوا هم يجهلون أصل إلههم؟ هل كانوا هم يجهلون كيف يجب أن يكون دور المسيح إلههم؟ وكانوا يجهلون علاقة الابن بأبيه؟ هل أرادوه حقاً ابناً عاقاً بأبيه كما جعلوه ابناً عاقاً بأمه؟ لماذا كانوا لا يفرِّقون بين البر والعقوق؟ لماذا لم يلحظوا أنه من المهين المذل أن يكون إلههم عاقاً؟ لماذا أرادوا وأصروا أن تكون صفة الإله الابن أنه عاقٌ بأمه أولاً ثم بأبيه؟ لماذا عجزوا عن معرفة دور الأب في الوجود منفصلاً عن دور الابن؟ لماذا عجزوا عن توزيع الصلاحيات عليهما؟ لِمَ أعطوا كل سلطات الألوهة للابن؟ لِمَ جعلوا صنماً للابن وحده؟ لماذا يركعون لصنم الابن وحده؟ لماذا لا يركعون لذكر الأب إذا عجزوا عن إيجاد صنمٍ له؟ لماذا في تقديسهم للابن إلههم يأكلون لحمه ويشربون دمه، هل لأنهم يعلمون أنه إله بالوهم لا بالحقيقة؟ هل لأنهم يعلمون أنهم هم أوجدوا هذا الابن ولذلك هم قادرون على إفنائه بالتهامه رمزاً واستحضاره صنماً في كل حين؟ ماذا أرادوا غير تسفيه الإنسان في عقله، وتحقيره في وجوده، وتسخيره في حياته؟

في رحابِ الأرض مسلمون في كل مكان، في جوارهم مسيحيون معهم يتعايشون. في شرقنا، شرقِ بلادٍ شعوبُها تحيا بكراهية الإسلام، معنا مسيحيون منذ قرون. الإسلامُ يمنع كراهية الإنسان لدينه، لأنه يمنع فرضَ الإسلام ديناً على أي كافرٍ من أي جنس، ولأنه حصر حق الهداية والاهتداء كما سلطةُ الحساب على الإيمان والكفر بالله وحده. المسلمُ لا يكره بطبيعته ومن لم تكن هذه طبيعته يفترض إسلامه لا يعيشه. مسيحيُّ شرقِنا، شرق أوروبا، لم يتحدث عنا يوماً في التاريخ أننا نكرهه، لم ينتقد يوماً كراهيتنا له. مثلُهُ كمثَلِ جارِ المسلمين في فسيح الأرض، كوكبنا في الحياة والموت. نحنُ، مسلمو الأرض لم نشتك من كراهية مسيحيّ الشرق المبارك، مهبطِ الوحي، منزلِ الرسالات، مثوى الأنبياء والصالحين حتى يرث اللهُ الأرض. ولم نشتك كراهيةَ مسيحيٍّ يجاورنا إن لم يكن أوروبياً في جنسه أو متلبساً فساد تراثه كمَثَل الأسترالي أو النيوزيلندي أو الأمريكي.

**كيف تكون كراهية الأوروبي للإسلام كراهيةً مسيحيةً وأكثر من نصف مسيحيي الأرض يجاوروننا بدون كراهية الأوروبي؟

هل تكون كراهية الأوروبي لنا كراهية ديمقراطيين لمسلمين؟ لا يمكن، فقد بدأت كراهية الأوروبيين قبل الديمقراطيين بقرون، بدأت في عصور الظلام، عصور الإيمان المسيحي في أوروبا، عصورِ حكم منع العقل من الفهم. هل كانت كراهية الأوروبي للإسلام بسبب علاقة مجاورة أوروبا لشرق الأنبياء، لو كانت العلاقة جغرافية أو شعوبية، كيف تكون هذه الكراهية أوروبيةً لكل المسلمين لا فرقَ بين مَن هم من شرقها أو من جنسهم؟**

كراهيةُ الأوروبي للإسلام ليست من قناعة فكرية عنده، كثيرون يعلنون ذلك وهم بكرهوننا بدون سبب يعرفونه، ولا من عاطفة، أو شعوبية. بل من قناعة فكريةٍ في آلهة الحكم الأوروبي عندما كانوا مسيحيين واستمرت وهم آلهةُ حكمٍ ديمقراطي. فرضوا الكراهية عليه وهو مسيحي يقدّس إذلالَ إنسانيته في طاعة الكاهن والحاكم. كما يفرضون عليه الكراهية وهو ديمقراطي يقدّسُ تفاهةَ إنسانيته في طاعة النظام.

بيروت في 26 جمادى الآخرة 1420 هجرية الموافق 10/10/2000

** يوسف بعدراني **

كراهية الأوروبيين للإسلام

مؤامرة في ألفها الثاني

                           يوسف بعدراني



            جميع حقوق الطبع والترجمة والنشر محفوظة للمؤلف

1421هـ - 2000