كراهية الأوروبيين للإسلام مؤامرة في ألفها الثاني

**خوف الغرب وإرهاب المسلمين


وقود الكراهية**

استمرار الأوروبي في كراهية الإسلام هدفٌ أساسٌ في خطة جميع أنظمة الحكم السياسي في دول أوروبا. ليس هدفاً ثانياً أو ثانوياً. لذلك نجده مبدأً في السياسة الخارجية، ومبدأً في مناهج التدريس والبرامج الإعلامية، ومصدراً في الأفكار الثقافية وجزءاً من الأخبار والتحاليل السياسية يومياً ودورياً. تعميق الكراهية في نفس الأوروبي ضد الإسلام هدفٌ أساسٌ في السياسة الخارجية لألمانيا كما هو لأمريكا أو أي دولة أخرى. هذا الهدف يحتاج إلى خطة عملٍ في مجالين:

**المجال الأول: عقل الأوروبي

المجال الثاني: بلاد المسلمين**

في المجال الأول تنفذ أجهزة الحكم خطتها عبر دائرتين: الأولى مراكز الفكر ومصادره وهي الجامعات، دور النشر للكتب، المحاضرات، الندوات الفكرية الخاصة بالأوروبيين والمشتركة مع المسلمين، المنابر الإسلامية التي اصطنعوها والعقليات الإسلامية التافهة في الجمعيات والأحزاب والشخصيات التي تسمح لها بالعمل في أراضيها، ترعاها وتمدح إخلاصها في إعطاء الصورة «المشرِّفة» و«الصادقة» للإسلام كما تحتاجه الخطة في حكم جرمانيا. في تنفيذ خطتها بمقارنة رقيِّ التفكير في المثقف الجرماني وهو غير مسلم، وانحطاطِ التفكير في المثقف المسلم ولو كان جرمانياً.

الثانية دوائر الإعلام وبرامجه وفي الصحف، المجلات، الإذاعات، التلفزيون، وكالات الأنباء، المسارح والأفلام السينمائية.

في كل دائرةٍ ولكل مركز أو وسيلة خطط وبرامج لا تُعد ولا تنتهي. خططٌ دائمة دوام الحياة في مجتمع جرمانيا، أمريكا أو البرتغال. خططٌ جزءٌ لا يتجزأ في تكامل الخطة السياسية، الثقافية، الفكرية والأدبية. جزء أساسٌ في ثقافة الحاضر صانع المستقبل. جزءٌ أساس في ثقافة تراثِ الجيل القادم كما صاغوا ثقافة الجيل السابق تراث ثقافة الحاضر.

في المجال الثاني السيطرة السياسية والفكرية المطلقة على عقول المسلمين. وذلك باصطناع لعبة سياسية يظن الناس أنها لعبتهم، واصطناع أفكار إسلامهم يظن الناس أنه إسلام. تحقيق هذا كان سهلاً في إدارته ولكنه كان عسيراً في تعميم نجاحه. الغرب في كتابة هذه الأسطر يسيطر سيطرةً مباشرة كاملة مطلقة على جميع القرارات السياسية والمصادرِ الفكرية التثقيفية في بلاد المسلمين. سيطرته على القرارات السياسية ليست لأن الحاكم عميل لأمريكا أو بريطانيا وفي بعض بلاد المسلمين في إفريقيا لفرنسا، بل لأنه يسيطر على اللعبة السياسية في البلد. اللعبة السياسية أو المسرح السياسي أركانه أو شخصياته هم القوى والشخصيات التي في الحكم، القوى المؤيدة للحكم والقوى المعارضة للحكم. شخصياتُ المعارضة في بلاد المسلمين لا تقل خيانة للأمة، ليست أقل ولاءً وإخلاصاً للغرب. دورُ المعارضة للحكم في بلاد المسلمين هو تسهيل تنفيذ خطط الغرب أو الدولة التي تمثل الغرب في إدارة البلد المسلم. مثالٌ على هذا الدور للمعارضة السياسية في خيانة الأمة نأخذ حالة من الحالات التي تبين بوضوحٍ دورها في تسهيل خطة أمريكا وبريطانيا والغرب كافة في تقسيم بلد من بلاد المسلمين إندونيسيا.

أمريكا فرضت على “سوكارنو” تعيين جاسوسها “سوهارتو” قائداً للجيش لأنها كانت تخطط لتسليم قيادة إندونيسيا إلى “سوهارتو”. ليس لمعصية “سوكارنو” لأمريكا أو لتمرده، فقد نجحت أمريكا في إزالةِ أي أثر أو بقيةٍ من إخلاص لربه وشعبه في نفسه. لكن، زعامة “سوكارنو” قامت على إخلاصه في مقاومة الاستعمار الأوروبي ومقاومة النفوذ الأمريكي في سيطرته على إندونيسيا، وقام المسلمون بمساندته في ذلك. عندما استسلم “سوكارنو” للضغوط الأمريكية وتحوَّل إلى عميل لها لم يتضح ذلك سريعاً للعامة وبقيت زعامته ترتبط بكفاحه. لذلك اقتضت الخطة الأمريكية إذلاله لإذلالِ توجهه السابق. عندما جيء بسوهارتو جاء بصورة القوي العسكري البطل وليس كما خرج فأراً ذليلاً جباناً. طوالَ حكمه سمح لحزب “نهضة العلماء” أن يصبح تعداد أعضائه 30مليوناً، وحزب “المحمدية” أن يصبح تعداد أعضائه 36مليوناً تحت سمعه وبصره. فجأة يظهر هذان الحزبان أنهما معارضان بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الخنوع في الخضوع لسوكارنو وسوهارتو. فجأة اكتشفا أنه خائن كافرٌ لصّ. لم يقولا عميلٌ لمن، ولا كافرٌ بماذا. فجأة يتظاهرون مع غيرهم ممن لا يعرفون إسلاما ولا يطالبون بإسلام، يخربون ويحرقون. يدافع الجيش عن الأرواح البريئة والممتلكات العامة والخاصة التي لا علاقة لها بنجاح المظاهرة أو فشلها، وهذه بداية ونهاية مهمة الجيش وقوى الأمن الوحيدة في إندونيسيا إلى جانب حماية عصابة الحكم التي ثبت بعزلها خيانتها للأمة وكفرها بدين الأمة. تتوالى المهزلة في المسرح السياسي الدولي فتتهم أمريكا الجيش بقتل الأبرياء والتعدّي على الحرّيات العامة ودوس المبادئ والحريات الديمقراطية! فجأة يصدر الأمر بالخيار الوحيد لسوهارتو. الخيار الوحيد كان المحاكمة على السرقة أو الاستقالة والاحتفاظ بالسرقات.

“سوهارتو” عندما كان يحكم بسلطة مطلقة في خيانة المسلمين وخيانة الله ورسوله والمؤمنين، ويسرق ثروات المسلمين كان يسرق بمعرفة أمريكا ودول الغرب وصحافته وإعلامه. أهم من هذا كان يسرق بمعرفة ضباط جيشه وزعماء حزب “المحمدية” و"نهضة العلماء". لم يعترض أي ضابط ولا أي معارض ولا أية دولة غربية. هذا يفسر أن حملة المعارضة لم تكن لضرب سوهارتو، بل لضرب دور الجيش في أنه المحافظ على وحدة إندونيسيا، بتحويله إلى قطٍّ يهرب من نباح الكلب. القط، جيش إندونيسيا بين عشية وضحاها أصبح يتبرّأ من دوره في حماية الأمن الداخلي، ودوره في منع قتل الأبرياء وحرق الممتلكات حتى تلك التي ليست للمسلمين. كل ذلك حتى يمتنع كلياً أن يكون له دور ولو لفظي في منع تقسيم إندونيسيا. عندما تحققت غاية منع الجيش بالفرض المعنوي والإعلامي من القدرة على التحرك بوجه خطة تقسيم إندونيسيا انكفأت أحزاب المعارضة الرئيسية عن المطالبة بالديمقراطية والإسلام ووقف الفساد والرشوة وتفشي الرذيلة. كأنما غاية وجود هذين الحزبين المسلِمَيْن وهما الحزبان الرئيسان أن يكونا الرصيد الاحتياطي للشيطان عندما تحتاج اللعبة السياسية للتهويل بقوتهما، فهما الأقوياء. أو الحزبان التافهان الضعيفان ذوا القوة المهمّشة عندما لا يكون لمحرِّك اللعبة السياسية حاجة إليهما. تيمور الشرقية تفصلها أمريكا وبريطانيا دون أن يحرك حزب ‘المحمدية’ وأعضاؤه الملايين مظاهرة من مئات الأشخاص. وينام حزب ‘نهضة العلماء’ بأعضائه الثلاثين مليوناً كالزوج ينام على عتبة باب مخدع الزوجية التي تمارس فيه زوجته الخيانة الزوجية.

قولٌ باطل ينقضه الواقع، إذ لو كانت أوروبا مسيحية كيف ثارت على المسيحية وعزلتها وعزلت كهانها عن واقع الحياة في عيشهم، لو كان قولاً صحيحاً ماذا نقول اليوم، أنغيِّرهُ ليكون: الأوروبي كافر والشرق مسلم. هذا القول صحيح ينطبق على الأوروبي في حياته في خضوعه للمسيحية وفي حياته في خضوعه للرأسمالية الديمقراطية. ولكنه قولٌ وإن كان صحيحاً في وصفه إلا أنه ليس صحيحاً في واقعه. فوصف الأوروبي أنه كافر وهو مسيحي وكافر وهو ديمقراطي صحيح ولكنه وصف ما فرضوه عليه لا وصف ما اختاره هو، فالأوروبي لم يُسمح له عبر التاريخ مرة واحدة أن يكون حراً في اختيار واقعه، لم يعطَ حرية التفكير في اختيار واقعه في الحياة، اليوم في الديمقراطية يقولون عنه إنه عنده حرية التفكير وهو يردد عنهم أنه عنده حرية التفكير، يخدعونه بالكذب والإيهام أنه يمكنه أن يفكر، معطيات تفكيره صناعتهم. فالأوروبي الذي يفكر بمعطيات التفكير التي تهيؤه له سلطات النظام التي توجهه هل يمكن أن يتوصل إلى نتائج في تفكيره من غير جنس تلك المعطيات؟ كان يحيا في عبودية الفرض والمنع الفكري في حياته مسيحياً، واليوم يحيا الأوروبي في انقياد أعمى لسيل المعطيات الفكرية التي يزودونه بها طوال حياته ويحشون به رأسه منذ الرضاعة. لذلك، صحيح القول في حالة واقع الأوروبي الدائمة في المسيحية والديمقراطية؛ أن الأوروبي مُعطَّل العقل، ممنوع عليه حرية التفكير في واقعه؛ أن أوروبا ذليلة العبودية والشرق في حرية الإسلام. فهذا الوصف وحده الذي يطابق واقع حياة الأوروبي في المسيحية وفي الديمقراطية وواقع حياة المسلم في ظل دولة الخلافة دولة الإسلام التي كانت تطبِّق نظام الإسلام بين الناس وفي علاقاتها، وبدون دولة الخلافة التي أزالتها مؤامرة الأنغلوش والألمان والفرنجة وروسيا.
سبب فرض الكنيسة كراهية الإسلام على الأوروبيين هو نفس سبب فرض سلطات الحكم الرأسمالي الديمقراطي أو الاشتراكي الديمقراطي في أوروبا كراهية الإسلام على الأوروبيين اليوم. الكنيسة كانت تعرف يقيناً قوة فكر الإسلام وحجته وبرهانه الذي لا يرد، تماماً كما تعلم حكومات دول أوروبا اليوم أن فكر الإسلام هو الفكر الوحيد بديل فساد الفكر الديمقراطي الذي أثبت عفونته الواقعية. خوف الكنيسة من الإسلام كان خوفاً فكرياً لا عسكرياً، خوف الكنيسة هو الذي فرض غرس الكراهية للإسلام في نفوس الأوروبيين لتعطيل دور العقل في المقارنة. إجراء الكراهية كان لمنع المقارنة الفكرية في العقل الأوروبي، تماماً كما تستمر به سلطات الحكم الأوروبي اليوم.
هنتينغتون(1 )** مفكِّرٌ في عتمة الحقائق التاريخية يفهم خوف الأوروبيين كما أفهموه إياه كَذَبَةُ التاريخ في حقائقه ومخادعو اليوم في واقعه، يعزو خوف الغرب من الإسلام لعاملين: تاريخي بسبب الحروب الصليبية، والحركات الإسلامية القائمة على كراهية الغرب، هنتينغتون، مثلهُ كمثل آلاف المفكرين الذين سبقوه يستحم في دلو غيره، يفكر في ضياع، يهتدي إلى الواقع في نتيجته فيطيش صوابه بعد عناء البحث، يفقد سيطرته على الموضوع الذي يبحث فيه بدون رؤية في التاريخ أو الواقع، يقنع بما قاله غيره فيعيد اجتراره لما مضغه غيره. هنتينغتون، ليس له بصيرة يميِّزُ بها بين السبب والنتيجة، ولو كان عنده رؤية في التاريخ لما كان يمكن أن تعمى بصيرته عن طبيعة السبب وطبيعة النتيجة،فكيف يفهم التاريخ إن لم يكن مفكراً في حقائق التاريخ. كَذَبَةُ التاريخ، أمراءُ الكنيسة فرضوا على الأوروبيين حرب المسلمين لتأصيل الكراهية في نفوسهم، الكنيسة فرضت كراهية الإسلام على الأوروبي إجراءً وقائياً خوفاً من زوال وجودها، خوف الكنيسة من فكر الإسلام هو الذي أوجب تعطيل العقل في الأوروبي حتى لا يجري المقارنة بين خداع المسيحية ومكرها به وحجة الإسلام ورحمتها به. فالحروب الصليبية كانت نتيجة وليست سبباً، وهذا خطأ كل باحثٍ لا يربط بين حقيقة المؤامرة السياسية في المسيحية الرومانية على الأوروبيين وأحداث هذه المؤامرة، فاعتبار حدث في المؤامرة أنه أساس هو الذي يُعمي البصيرة عن فهم أي حدث سياسي في التاريخ أو الواقع.
كذا في قوله في العامل الثاني لسبب الخوف الغربي من الإسلام أنه الحركات الإسلامية الأصولية القائمة على كراهية الغرب، يدل على جهله المطلق الكامل بواقع هذه الحركات أولاً، والواقع السياسي في الدول التي تعمل فيه هذه الحركات ثانياً. وهو يدل على جهله المطلق بالتيارات السياسية الدولية التي أوجدت وتسيِّر هذه الحركات لأهداف وأغراض أبعد بكثير من الأعمال التي تقوم بها هذه الحركات. ولو لم يكن يفكر في وهم الواقع لأدرك الدور الخبيث الذي تقوم به معظم هذه الحركات التي جعلوها حتى في عبقريته رُعباً يخيف، فكيف في تصور بسطاء الناس وعامتهم في أمريكا وأوروبا!
هنتينغتون، بيدهام(1)، فوكوياما(2)، غارودي(3)، تشومسكي(4)، نيكسون(5)، وغيرهم من عباقرة المفكِّرين في زمن الجدب الفكري لجم عقولهم تحديد غاية الفكر قبل
إجراء البحث الفكري، فالموضوع المحدد سلفاً هو الذي يحدد البحث الفكري في
اتجاهه وحيثياته، فهذه الممارسة الفكرية يستحيل أن تنتج حقيقة فكرية بل تنتج مبرراً فكرياً وليس حتى فكراً. فالمفكر في تبرير أو حيثيات يفتِّش وليس يفكِّر، والذي يفتش يجد مبرراً ولكنه لا ينتج فكراً. إذ المفكر يفكر في معطيات يبحث بها عن فهم وليس في موضوع أو واقع كيف يبرره ويثبته ويطوِّره كما فعل هؤلاء ويجري على منوالهم جميع (مفكري) الثقافة الغربية ومنهم العشرات والمئات والآلاف ممن يدَّعون أنهم مفكرون “إسلاميون” أو “مسلمون”. هؤلاء، والمسلمون منهم أعمتهم حقيقة خوف الغرب عندما كان الغرب مسيحياً، أسلافهم المفكرون كذلك أعمتهم الحقيقة عن فهم سببها. لكن عواقب عدم فهم مفكري اليوم لهذه الحقيقة التاريخية هي غير عواقب عدم فهم مفكري زمن البطش المسيحي بالأوروبيين. إذ فهم الخوف الكنسي من الإسلام الذي أوجب على الحكم المسيحي الكنسي المتسلِّط على الأوروبيين فَرْضَ كراهية الإسلام جرى في غير واقع اليوم، واقع الخوف الذي فرض الكراهية وقع في عصرٍ كان للإسلام فيه دولة الخلافة، فكيف يقارَنُ واقع اليوم بواقع زال؟ حتى لو فهم هؤلاء المفكرون حقيقة التاريخ في كراهية الأوروبيين للإسلام أنه كرهٌ فرضته السلطات المسيحية فرضاً بسبب خوفها من إحداث المقارنة الفكرية بين الإسلام في عرض أفكاره والمسيحية في فرض أفكارها، كيف يتحدثون عن هذا الخوف ـ خوفُ اليوم ـ أنه حقيقة وليس خدعة؟ هل تراهم يفهمون أنه خدعة وليس حقيقة؟ جزماً، نقول، إنهم يعتقدون أن خوف اليوم حقيقة وليس خدعة، لأنهم مفكرون يفتشون عن حيثيات وليسوا مفكرين في معطيات يبحثون بها عن الحقيقة في الواقع، إنهم يفكرون في تقوية وتثبيت واقعهم وليس في حقائق واقعهم، وشتان بين فكر هذا وفكر ذاك، وبين سبب هذا وسبب ذلك؛ فذاك تفكير في حياة وهذا تفكير في تسلّط. كيف يقاس خوف الأمس على خوف اليوم؟
خوف الغرب كان له عند العصابة المسيحية ما يبرره، هل يتماثل حكم الديمقراطية اليوم في الغرب الرأسمالي مع حكم العصابة المسيحية التي خدعت الأوروبي في المسيحية وفرضت عليه بالقتل قبول المسيحية بديل وثنيته؟ لا يمكن أن يستمر خوف المسيحي ويتحول إلى خوفٍ في الأوروبي الديمقراطي المعاصر إلا إذا كانت سلطة الحكم الديمقراطي الرأسمالي اليوم عصابة ديمقراطية تخدع الشعب في كل بلد أوروبي وأمريكي في ديمقراطية عيشه وتفرض عليه بالتشريد والنبذ قبول الديمقراطية بديل القهر المسيحي! هل هذا هو الواقع الذي يفهمه ويقتنع به هؤلاء المفكرون؟ نحن، نعرف يقيناً أن هذا الواقع هو الحقيقة في الواقع، ولكننا أيضاً نعلم جزماً أنهم لا يدركون أن هذا هو الواقع الحقيقي الذي يعملون على تثبيته وتقوية استمراره، ولا ندعوهم إلى التعرف إليه، ولا نبيِّن كيف يمكن أن يتعرَّفوا إليه، فهم قد صدئت عقولهم على التمرس في فهم الباطل وتبريره وليس في فهم الحقيقة واعتناقها، فالفكر عندهم بفائدته لواقعه وليس بقدرته على تغيير الباطل بالواقع. استمرار خوفِ سلطات الحكم في أوروبا ومفكري الديمقراطية في الغرب يعني أن مؤامرة عصابة المسيحية على الأوروبي مستمرة، ولكنهم ينكرون أنهم عصابة تسلُّط وريثة التسلط المسيحي، إذاً الخوف المعلن في غياب وجود دولة الإسلام في الحياة، أو في غياب وجود حياة على أساس الإسلام، لأن حياة الإسلام تكون كما هي الحياة في كل مبدأ، في وجود سلطة حكم تقوم على الإسلام، في غياب هكذا كيان ممَّ يخافون؟ من فكر بدون سلطة تطبِّقه!
إنَّ خوف سلطات الحكم الديمقراطي في عالم الغرب من الإسلام المجرَّد من السلطة هو غير خوف سلطة الحكم المسيحي من الإسلام بسلطة تطبق أحكامه في علاقات الناس وحل نزاعاتهم، وتنظِّم علاقات المسلمين مع غيرهم بأحكام الإسلام، وتحمله دعوة إلى البشر كافة للعيش في عدالة حكمه. خوفُ هؤلاء خوف خدعة يخدعون بها الأوروبي حتى يستمر في كراهية الإسلام وقبوله بمنع عقله من التعرف على حقيقة الإسلام، وقبوله أن تكون سلطة الحكم فيه، ومنها إعلامه، وجامعاته، مصدر المعلومات الوحيد عن الإسلام. سببه وغايته ليس موضوعنا في هذا الكتاب بل جزء من موضوع الساعة: خدعة الغرب الكبرى الثانية في التاريخ، خدعة بل مؤامرة الديمقراطية الرأسمالية بعد مؤامرة المسيحية، حيث يستمر إخضاع الأوروبي في تقديس الطاعة للنظام بدل تقديس الطاعة للحاكم في المسيحية، وما الفرق في مسيرة الخضوع والتسليم إلا في صحوة من سكرةٍ للدخول في غيبوبةِ سكرةٍ أخرى.


(1)* صاموئيل هنينغتون مؤلف كتاب صدام الحضارات.
(1) بريان بيدهام كاتب كتاب الإسلام والغرب الذي نشرته مجلة الإيكونوميست عام1994.
(2) فرانسيس فوكوياما كاتب كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير عام1993.
(3) روجيه غارودي أسلم إسلاماً فلسفياً لكنه لم يستوعب العقيدة الإسلامية وبالتالي وجهة نظر الإسلام في الحياة، لذلك بقي ضائعاً يخلط بين فكر إسلامي وغربي من منظار الحب المسيحي الكاذب.
(4) نعوم تشومسكي كاتب كتاب ردع الديمقراطية1992.
(5) رئيس سابق لأمريكا كاتب كتاب أمريكا والفرصة التاريخية 1992.**

كتب الخليفة عمر بن الخطاب إلى المسيحيين عهداً بعد فتح القدس ليس من حاجة إلى ذلك بل لطمأنة أهلها المسيحيين إلى وجودهم، كتب إلى أسقفها سفرنيوس:

**بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أعطى عبد الله، أمير المؤمنين، أهل إيلياء (القدس) من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم.. وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها.. لا تُسكن كنائسهم، ولا تهدم.. ولا يُنتقصُ منها، ولا من غيرها. ولا من صليبهم.. ولا من شيء من أموالهم.. ولا يُكرهونَ على دينهم.. ولا يضار أحد منهم..] كان ذلك في عام 637م 15 هجرية قبل خمسمئة وخمسين عاماً تقريباً من غدر الإنكليز والفرنسيين والألمان وبقية الأوروبيين بعهودهم مع المسلمين وقتلهم بطريقة الإبادة الجماعية بعد تسليم المسلمين سلاحهم.**

كيف استطاعت أجيال المسلمين التزام عهد الخليفة عمر بن الخطاب طوال خمسة قرون ونصف، ولم يستطع المسيحيون التزام عهدهم خمسة أيام ونصف؟ في دين الإسلام المسلمون يلتزمون حكم الله في أفعالهم أولاً وقبل أي انفعال، الله يقول في القرآن الكريم: {مَنْ أَوْفى بعهده من الله} ويقول أيضاً في القرآن العظيم: {بلى من أوفى بعهده واتقى، فإن الله يحب المتقين} وعلى لسان الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم: «لا إيمان لمن لا أمانة له. ولا دين لمن لا عهد له» ومرة ثانية يقول صلى الله عليه وسلّم: «أيما رجل أمَّن رجلاً على دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافراً». ومرة ثالثة يقول صلى الله عليه وسلّم: «من ظلم معاهداً، أو انتقصه حقه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة».

استعاد المسلمون بيت المقدس إيلياء بقيادة يوسف بن أيوب الذي أراد الله أن يكون صلاح الدين به. وكان شرط قيمة الفدية عن الشخص تتراوح بحسب وضع الشخص أقلها دينار وأكثرها عشرة دنانير. افتدى الأغنياء أنفسهم بسهولة وخرجوا بجميع ما يملكون من عربات محملة بذهبهم ومالهم إلى حيث يريدون، إذ الفدية ضريبة خروج من أمانِ الإسلام، دون أن يلتفت غنيٌّ إلى فقير ويفديه. إلا أن عجبَ هذا يصغرُ أمام العجب من فعلةِ أسقف المسيحيين بَطْريقِ بيت المقدس هرقل إذِ افتدى نفسه ببضعة دنانير وخرج يتبعه رتل لا ينتهي من عربات حمل بها نفائس وكنوزاً لا تقدر من الجواهر والمال والمتاع والأواني الملكية دون أن يفتدي أسرَ مسيحي واحد بدينار وقد قدِّرت حمولته بآلاف آلاف الدنانير! حنق عليه قواد صلاح الدين يوسف بن أيوب وأشاروا أن يصادروا أمواله ويوزعوها على المسيحيين في القدس ليفتدوا بها أنفسهم ويستعينوا بما يبقى معهم على عودتهم إلى بلدانهم في أوروبا، لكنه يرحمنا ويرحمه الله يرد على أصحابه: كلا، لا أغدر به] وعندما طلبوا منه هدم كنيسة المسيحيين، كنيسة القيامة قائلين: إذا هُدمت انقطعت عنها وفود الزوار، أما إذا استمرت بها العمارة استمرت الزيارة] أيضاً ـ يغفر الله له ولنا ـ يرد على أصحابه: عندما فتح عمر بيت المقدس أقرهم على المكان ولم يهدم البنيان] بعد افتداء أغنياء المسيحيين لأنفسهم بقي الفقراء:

أطلق سراح رجالهم، وأعفى الأرامل واليتامى والشيوخ، ونقل النساء بحراسة جنده إلى حيث شئن، ووزَّع المال والطعام على المحتاجين جميعاً وضرب لهم الخيام حتى لا يتذللوا في سؤال المسلمين لإطعامهم بعد أن تخلى عنهم بَطْريقُ المسيحية وهرب بمالهم، ودفع نفقة البواخر لعودة المسيحيين إلى مدنهم وقراهم في أوروبا بعد أن أبى أصحاب السفن وربابنتها نقلهم بغير أجر! يذكر المؤرخ شامب دور هذه الأعمال ويقول عنها: هكذا هو مسلك العرب والمسلمين، إبان الحرب وبعد الانتصار، إزاء الصليبيين.. موقف إنساني كريم] أما جيبون ففي أسلوبه يكتب: السلام الذي ساد بين المسلمين والمسيحيين.. إنما كان مؤسساً على تسامح الإسلام] أي من طرف واحد طرف المسلمين، وفي ظرفٍ واحد عندما كان المسلمون ينتصرون!

خطة غرس كراهية الإسلام والحقد على المسلمين تستمر في تاريخ السلطة المسيحية السياسية في الأوروبيين وفي تاريخ السلطة الكنسية، لويس التاسع ملك فرنسا يهاجم مصر في عام 1249 فيُهزم ويُؤسَر. يعفو عنه المسلمون فيزداد حقده وتآمره على المسلمين. يبعث إلى مارد الصين هولاكو بالهدايا والرهبان يُغريه بِ بلاد المسلمين وثرواتهم أنها له! ولزوجته المسيحية الأميرة دوكس، ولقائده الأكبر كتبوكا، والنسطوريين من مستشاريه أمثال داود ومرقص، ويوغرهم بكل مكر وكذب وتضليل أنها لقمة سائغة لكل بطّاش ذي بأس. يستجيب هولاكو ويزحف إلى بلاد المسلمين، يجوبها يقتل، يدمر، يحرق البيوت بأجسادها وكتبها، بقي يقتل في المسلمين ليلاً ونهاراً عشر سنين قبل أن يسحق جيشَهُ المسلمون بقيادة «قُطز» أميرهم ويقتلوا كتبوكا قائد المغول الأكبر بعد هلاك هولاكو. في وصف مجزرة هولاكو في قتل المسلمين التي لا تفوقها في التاريخ إلا مجزرة قتل المسيحيين للمسلمين في إسبانيا والبرتغال، يكتب الأسقف دي مسينيل أحد كبار المبشرين بالمسيحية في التاريخ، وصفاً في واقعه يكرس مؤامرة زرع الكراهية والحقد على المسلمين والإسلام وإن كان في ظاهره أنه ينبع من مؤامرة الكراهية للإسلام، يقول: كانت الحملة المغولية ضد الإسلام والعرب حملة صليبية حقيقية بالمعنى الكامل لهذا الوصف، حملة مسيحية، نسطورية.. تعلق بها أمل الغرب في القضاء على خصومه العرب والمسلمين.]

ملك المسيحية يفرح عندما يقتل المسلمين بعد أن يستسلموا، المسيحيون يفرحون عندما يقتلون المسلمين بعد أن يعاهدوهم على الأمان ويسلموا سلاحهم، الحبر الأعظم يقول إن هذا الغدر هو رغبة المصلوب ومطلوب الصنم، وعندما يقتل الوثنيُّ غيرُ المسيحي المسلمين يفرح الكهان والرهبان والمبشرون أنها هذه هي الحرب الصليبية الحقيقية!

إني أستبشر، بكل هذه المعطيات التي تفرض اليأس من قدرة الأوروبي على رؤية حجم المؤامرة عليه في عقله وقلبه، أن في هذه المعطيات نوراً جديداً يسطع يعيد أملاً بعد قرونٍ من انعدام ذلك، في أن يكتشف الأوروبي في ذاته ومن أجل ذاته أنَّ كراهية الإسلام لم يكن لها مبرِّر غير حرص حكامه جلاديه، وكهنة المسيحية الذين خدعوه في كل قول وعمل وفكر، على أن لا يرى حقيقة قول الإسلام في الإنسان والحياة والموت، ومنها قوله في الحاكم أنه ليس إلهاً وفي الكاهن أنه كذاب لا يغفر، منافق لا يتكلم عن الله. وبعد زوال الحاكم المسيحي والكاهن الدجال لم يعد مبرِّر على الإطلاق لكراهية الإسلام والصدِّ عنه وكراهية المسلمين والاستمرار في قتلهم كما يفعل حكام الديمقراطية اليوم!

مقارنة طريقة الدعوة إلى الإسلام مع طريقة المكر والقتل في التبشير بالمسيحية عملية عقلية، لو سمح بها كهنة دهاليز الدياميس لوقعت الواقعة الكبرى في الأوروبيين. المقارنة بين الحجة والبرهان في الإسلام والخداع والقتل في فرض المسيحية كان يجب أن تُحدِث الهزَّة الفكرية في الأوروبي، في مجتمع روما، في مجتمع الجرمان، والفرنجة، والأنغلوش، والأسبان والجماعات الأوروبية الأخرى من آرشيين، فلام، دانيين، ولش، إغريق وغيرهم. تحرُّك العقل في أي موضوع كان ممنوعاً في المسيحية، خوفُ السلطة الكنسية من تفكير الأوروبي خوفُ حياةٍ أو موت، لأن الفهم يقتل التصديق المسيحي في النفس أوروبية كانت أم آسيوية أو أفريقية، مهما كانت تلك النفس مريضة سقيمة الفهم إلا أن تكون معدومته. لهذا لم تحصل المقارنة ليس بالصدفة بل ببناء جدار الكراهية في نفوس الأوروبيين وفرضُ وَهْمِ الحقيقة قولهم الدائم: الغرب مسيحي أو أوروبا مسيحية والشرق إسلامي.

نتذكر احتفال المسيحيين بقيادة غودفري دوق لورين من أحفاد الصليبي شارلمان، بعد أن حاصروا القدس بأربعين ألف صليبي ولم يكن يزيد عدد حاميتها عن ألف جندي مسلم، سقطت. **احتفال المسيحيين الذي استمر أسبوعاً يكتب عنه المؤرخ المسيحي ابن العبري: لبث الإفرنج في البلد (القدس) أسبوعاً يقتلون المسلمين] ووصفه مسيحي من قواد الحملة: كانت جنودنا وخيولنا تخوض حتى السيقان في نهر الدم] واستعاد أمجاد جرائم هذه المجزرة الفرد جيبون بقول المتبرئ منها: خدام رب المسيحيين رأوا حينئذ تمجيده وتكريمه، فذبحوا سبعين ألف مسلم من أهل القدس، من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، قرباناً للرب]**التضحية البشرية عند الكلت كانت تقتصر على فرد من الوثنيين بقتله يرضى الصنم، أما صنم المسيحيين فأكثر شراهة أرادوه! ذبح ونحر سبعين ألف امرأة مسلمة مع أبيها العاجز وأمها وطفلها ورضيعها وجنينها، بطلب من الصنم! أم: لإرضاء الصنم المصلوب! هل يُعقل أن يصدِّق أوروبيُّ اليوم أن المسيح الصنم يمكن أن يكون طلب ذلك؟ أو هل يصدِّق فرنسيُّ اليوم وإنكليزهُ وألمانيهُ أن الصنم المسيح يستطيع أن يرضى أو يرفض ذلك؟ الحبر الأعظم، كاهن روما أمر أن تكون رايةُ الصليبيين في ذبحِ ونحرِ وبَقْرِ المسلمين: هكذا يريد الرب، أي: ديوس لوفولت].

**غدرُ قلب الوحش المفترس، ملك إنكلتره ريتشارد بمسلمي عكا، متحالفاً مع عدوه فيليب أوغست ملك فرنسا. بعد معاناة من الحصار الشديد ويأسٍ من فتح عكا عمد إلى طبيعته الإنكليزية الصافية، الغدر بالابن والزوجة والشريك والجار والحليف، الغدر في أساسه غدر بالوعد، واليمين، والعهد. عرض على الحامية في عكا الاستسلام والخروج آمنين وخروج من يريد من المسلمين معهم، ومَن يبقى في المدينة عكا يحيا آمناً سالماً من أي أذى في حياته: في جسده، في رزقه، وفي دينه وعلى دنياه، في عهد وحمى جيش إنكلتره جيش ريتشارد قلب المتوحِّش ملك الصليبيين الأول. رضي قائد الحامية إنقاذ أرواح ثلاثة آلاف مجاهد ومسلمي عكا من حراب وسيوف عشرات آلاف مقاتل مسيحي، ووثق بعهد الإنكليز والفرنسيين ومعاهدتهم، وهكذا دخل المسيحيون عكا وصدَّق المسلمون ووضعوا خوفهم وسلاحهم.**تفاعل الكراهية كغليان القِدر لا يتوقف ونار الحقد تتأجج، لم يستطع قبول مسلمين أحياء وهو يستطيع قتلهم أمر بسيفه وبدأ بنفسه قتلاً في النساء والأطفال والرجال الذين صدَّقوا أن مسيحياً لا يغدر بعهد، بوعد ولا بمعاهدة! لما تعب أمر جنده بقتل من يجدونه مسلماً!

**ألم الغدر الإنكليزي والفرنسي، ألمنا من قتل الإنكليز والفرنسيين والألمان للمسلمين في القدس في سنة 1191م والغدر بالمسلمين في عكا عام 1192م لا يطيش صوابنا في بحثه عن ربط سبب القتل والغدر بسبب الحملة الصليبية التي ابتدأت عام 1099م. لو كان سبب الحملات الصليبية احتلال القدس وعكا لماذا إبادة المسلمين بعد الانتصار أو الاستجابة للسلام بعهد ومعاهدة؟ ولماذا قتل المسلمين العزَّل في الخيام والمراعي أو المسافرين في البراري؟**ولو كانت الحرب الصليبية لاحتلال بلاد المسلمين المقدَّسة عند الأوروبيين، لماذا الغدر بمعاهدة المسيحيين وهو وصمة عار أبدي للمسيحية في كل تقديس وقداس وصلاة، وذلةٌ للمسيحيين بطناً بعد بطن؟ لأن إبادة المسلمين كانت القصد، لأن القتل الظالم هو السبيل الوحيد لقتل العقل في الأوروبي، لأن قتل الغدر هو طريق إذلال القلب المسيحي في فظاعة جريمة يكره بها ضحيته، لا يكره المسيحي المسلم إلا بعد أن تجفَّ فيه آخر نقطةٍ من معين الفضيلة! قتل الصليبي المسيحي قتل سياسي لا عسكري لتحقيق هدفٍ عسكري بل قتل سياسي لتحقيق هدفٍ سياسي. هدف الملوك المسيحيين في ألمانيا وإنكلتره وفرنسا وغيرها كان هدفاً سياسياً في الفرنسيين والإنكليز والجرمان وبقية الأوروبيين، في شعوبهم لا في المسلمين، الهدف كان تفريغ نفس المسيحي الأوروبي من كل فضيلة حتى تمتلئ وتفيض كراهيةً للإسلام وحقداً على المسلمين أبد الدهر!

الحرب الصليبية لم تكن لاستعادة الأراضي المقدسة فهذه من أكبر أكاذيب الكنيسة وملوك المسيحية في التاريخ على الأوروبيين، لو كان ذلك صحيحاً: لماذا سلموها ليهود الرذيلة في الجنس البشري بعد أن استولوا عليها بعد القضاء على الخلافة الإسلامية؟ لماذا أسكنوها يهود الإجرام في قتل أنبيائهم وصلب مسيح المسيحيين الأوروبيين؟ يكاد العقل لا يصدِّق مدى سذاجة الأوروبيين في تصديق كذب حكامهم عليهم مدى التاريخ، حتى الأبالسة تعجب من مدى سهولة كذب الحاكم الإنكليزي والفرنسي والإيطالي والإسباني والألماني على شعبه دون أن يعي شعبه كذب حاكمه عليه.

الحروب الصليبية كانت مؤامرة لإيجاد الواقع الذي منه تنبت الكراهية للإسلام، وفيه تتعمَّق في نفسية الأوروبي، وعليه تنتفخ قلوب الأوروبيين حتى الموت، ومن سقايته تتوالى الأجيال في الحقد على الإسلام والمسلمين. وقد بقي الأوروبي في عهد الحكم الكنسي المتسلط، وما زال في عهد حكم الديمقراطية المُضلِّلة يولد على كراهية الإسلام ولو كان أبواه كافرين كارهين للمسيحية والكنيسة.

تجميع الجيوش من مختلف الأجناس العرقية في أوروبا لم يكن بقصد إيجاد جيش قوي، ولم يكن بقصد توحيد جهد عسكري بوجه المسلمين، ولم يكن بقصد وقف انتشار الإسلام، بل بقصدِ إدخال جميع أعراق وأجناس الأوروبيين في مؤامرة زرع الكراهية والحقد على الإسلام وجبل قلوبهم بهذا النجس الشيطاني فلا يطهرون منه أبداً! لهذا كانت الدعوة إلى تجميع الجيوش وليست إلى توحيدها في جيش.

حتى اليوم ما زالت مؤامرة فرض كراهية الإسلام والحقد على المسلمين، مؤامرة الحروب الصليبية يستمر حكام أوروبا في انتهاجها وتربية أجيالهم عليها. فالمتخرج من الجامعة في أي حقل من حقول المعرفة يكره الإسلام ويحقد على المسلمين، والمتخرج من غير الجامعة فناناً، عاملاً، عاقلاً أو معاقاً، امرأة أو رجلاً يكره الإسلام. الحروب الصليبية، لو كانت مرحلة لانقضى عهدها، ولو كانت عملاً لزال أثره، ولو كانت مهمةً لزال هدفها. تبقى حية بسببها لا بمرحلتها ولا بعملها ولا بمهمتها! سببها، نقل الصراع من عسكري ينتصر فيه المسلمون، ومن فكري يكتسح فيه المسلمون إلى عاطفي يتجيِّش بالحقد والكراهية مشاعر شيطانية لا تتحسَّسُ بها نفوس المسلمين، لا تعرفها، لا تقبل بها عقولهم، لا يسمح بها دينهم. بهذا السد الجدار وحده يمكن وقف تفاعل الأوروبي، بالمنع المادي في عهد الكنيسة والمنع المعنوي في يومنا، مع الإسلام. فأي مجال لتعامل العقل الأوروبي مع الإسلام كان ممنوعاً في عهد الكنيسة وأصبح مستحيلاً في عهد الديمقراطية. ألا يعجب الأوروبي من الظروف التي منعته حتى اليوم من ممارسة العملية العقلية في حقيقة الإسلام؟ ألا يتساءل لماذا لم يمارسها جده وأبوه؟ أو أخوه أو ابنه؟ أو جاره؟ أو صديقته؟ فلينظر هل تسمح له وقائع عيشه بالتعجب أو التساؤل في حقيقة الإسلام؟ أو تسمح له في فهم سبب امتناعه عن فهم الإسلام؟ هل يجرؤ على معرفة سبب كراهيته للإسلام، أو يجرؤ على المحاولة في غسل قلبه من حقده على الإسلام؟ إذا تجرأ الأوروبي وقبل التحدي وانتصب شامخاً يريد أن يتبرأ من جميع مشاعر كراهية الإسلام هل يعرف كيف يفعل ذلك بعد أن نجحوا في تعطيل عقله بقبول المسيحية، وفي خدعة الحروب الصليبية، وفي تصديق الديمقراطية أنها نقيض المسيحية، وفي أنه يعيش في عصر الحرية؟

نعلمُ أنه لا يستطيع، ثقافة اليوم تشتِّتُ الأوروبي في عقله كل يوم، تهزمه في معركة الوجود في كل إعلام، تمنعه في كل كتاب من رؤية الحقيقة في أي أمر، تضلِّله عن مسار الحياة الطبيعي في كل مخاطبة. حتى مفكروه وفلاسفته ساذجون، يتوهمون فيوهِمون، أو مُضَلَّلون فيُضَلِّلون! صاموئيل هنتنتغتون مُضلِّلٌ لأنه مُضَلَّل أم مُضَلِّلٌ بقصد؟ ماذا يهم، أو يقدِّم ويؤخِّر إذا كان تضليل صاموئيل هنتينغتون من جهلٍ في انعدام رؤية في الحياة أم كان بقصد تضييع الأوروبي والأمريكي عن رؤية الحقِّ والحقيقة في التاريخ والحياة والوجود؟ هو، لا نقصده بشخصه بل قمة ورائداً في فلسفةِ وفكر الديمقراطية والحرية لبوس خطة إفساد عقل الأوروبي والأمريكي، ومطية تضليله في كل أمرٍ من أمور الحياة. لعل صاموئيل هنتينغتون أبرزهم في نبل القصد ونزاهة الفكر وسلامة الطوية، لكن يبقى نبله ونزاهته وحسن طويته من جنس فساد الفكر الذي به نجح الرومان في صياغة فكر المؤامرة السياسية الرومانية في المسيحية، ومن جنس فساد فكر الديمقراطية وتضليلها للمفكر فيها والقائل بها والمستمع إليها. إن التضليل في القول إن الحروب الصليبية سببٌ في كراهية المسيحيين للإسلام ليس فكراً ابتداءً من فيلسوفهم هنتينغتون حتى نحاسبه عليه ونلومه به، فهو فكرٌ متناقل بين مئات الكتاب والمفكرين، لكن عتبنا أن يقوله مثل هنتينغتون الذي يجب أن يأبى الغوص في جهالة غيره إلا أن يكون مكتشفاً لحقيقةٍ في مطمور ذلك الجهل، لا حوضاً يشرب منه. لكنا لا ننزِّهه عن امتلاء قلبه وعقله بالحقد والكراهية للإسلام، مثله مثل أي أمريكي وأوروبي يتثقف بهذا الفكر اليومي بتوجيه النظام الديمقراطي الحاكم في كل بلد، وما نعيبه عليه أن يُنتج أو يقبل فكراً، أو أن يُثبت مقولة ولو من عند غيره، يتبناها، وهو لا يدري أنها جزء من مؤامرة الخبث الكنسي في إيجاد وتجذير الحقد والكراهية للإسلام في نفس كل مسيحي!

كانت الحال بين المسلمين في دولة الخلافة ودول أوروبا أنهم في حرب دائمة، وجرت الأمور أن المسلمين هم دائماً غالبون، ينتصرون. في انتصارهم، كما في حربهم، لم يقتلوا شيخاً أو امرأة أو طفلاً أو رجالاً لا يتحركون بقتال. هم، مسيحيو أوروبا، وصفوا انتصار المسلمين أنه أرحم انتصار في التاريخ، نحن لم نذبح سكان أي بلدة استسلم أهلها أو انكسر جيش الدفاع عنها، لم نقتل امرأة تستغيث خوفاً على نفسها وطفلها، أو تبكي تسترحم لأمها أو العاجز أبيها، أو ترتعد حباً لرضيعها أو جنينها أن تبقره في بطنها رمح حاقد كاره. هذه، كانت عادة جند الصليب، جيوش الصليبية كانت تعتبر ذلك تقديساً مفروضاً من الملك والكنيسة والصنم المصلوب، أن يقتلوا المرأة المسلمة منتحبة أو صامتة، مقبلة أو مدبرة، وأمها والعاجز أباها، مرضعة كانت أم حاملاً.

معركة الإيمان والكفر الفاصلة في التاريخ، معركة اليرموك، التي انتصر فيها بضعة آلاف من المسلمين على ما يزيد على عشرات الآلاف في جيش المسيحيين، المسلمون بقيادة أبي عبيدة بن الجرَّاح، والمسيحيون بقيادة إمبراطورهم هرقل. بعد هذه الموقعة في سنة 15هـ/637م اجتاحت جيوش المسلمين بآلاف قليلة جميع البلاد التي كانت تحت إمرة المسيحيين، حتى قلب آسيا الصغرى معقل الإمبراطورية المسيحية آنذاك. لكن ذلك لم يكن الحدثَ المفاجأةَ في التاريخ. الحدثُ المذهل في الواقع أن جميع السكان المسيحيين في هذه البلاد تركوا مسيحيتهم فجأة دون فرضٍ من قادة المسلمين، ودون إكراه ولو أقل إكراه، بل دون أن يطلب قادة الجيوش المنتصرة منهم أن يتحوَّلوا إلى مسلمين. لأنه في أساس الإسلام أن لا إكراه في الدين، وفي أساس الدعوة إلى الإسلام أن الإسلام رُشدٌ يهتدي إليه من يبحث عن الرشاد، فأي فكر فيه أو منه كما أي عمل يلتزم أحكامه يبينُ الغيَّ الذي يقابله، ويفضح الضلال الذي يعاديه. جميع مسيحيي هذه البلاد تحوَّلوا إلى الإسلام وتركوا مسيحيتهم عندما سمعوا أفكار الإسلام وهم بمعظمهم لا يتكلمون العربية، من مجرد مقارنة فكرٍ إسلامي واحد بجميع أفكار مسيحيتهم، ومن مجرد تطبيق حكم إسلامي واحد عليهم ومقارنته بجميع أحكام الكنيسة فيهم. هذا هو الحدث في حقيقة المواجهة بين الإسلام والمسيحية الذي يطمسونه في أبحاثهم وسبب كراهيتهم للمسلمين، وليس انتصار جيش على جيش كما يزعمون ويلفِّقون قصداً.

حقيقة الذهول في الغرب المسيحي الأوروبي، في هيكله الكنسي المتسلِّط على الأوروبي، هو قوة الفكر الإسلامي وتفاهة الفكر المسيحي وليس شجاعة الجندي المسلم وجبن الجندي المسيحي، وليس قضية الجندي المسلم وإفلاس الجندي المسيحي من القضية. لكنهم، طمسوا حقيقة سبب الذهول لأنه أساس سبب خديعتهم للأوروبي في فرض كراهية الإسلام عليه.

حقيقة الذهول من سبب تحول المسيحيين إلى مسلمين دون فرضِ ذلك من المسلمين المنتصرين، ومن غير أي إكراهٍ لأي مسيحي، بل حتى بدون طلبٍ من المسلمين، حالةٌ أوجبت العمل للخطة في تغيير مسرح الواقع من مواجهة إيمان بكفر، ومن مواجهة جيش بجيش، إلى مواجهة قوة بكراهية الحقد الشيطانية. وحدها الكراهيةُ، برأي الكنيسة، وفي الواقع الصحيح، تمنع العقل من العمل، وتعطّل عملية الفهم في الإنسان. لم يعد يهمُّ الكنيسةُ أن تنتصر جيوش المسلمين أو تنتصر جيوش المسيحيين، أن يكتسح المسلمون أوروبا أصبح شيئاً مسلَّماً به. القضية، قضية الكنيسة، أصبحت أن لا يتحوَّل المسيحيون الباقون إلى مسلمين! مسيحيو هرقل وبلاده تحوَّلوا إلى مسلمين بين عشية وضحاها لأن نفوسهم تتوق إلى معرفة الحقيقة في الدين، إلى عبادة الله الحق. لأن نفوسهم لم تكن معبَّأة بالحقد على المسلمين والكراهية للإسلام، الكنيسة والإمبراطور لم يكونا قد توصلا بعد إلى هذه المعادلة الشيطانية في تعبئة القلوب بهذا النفث الشيطاني! عقلهم لم يكن كمسيحيين قد تعطَّل بسبب الحقد والكراهية التي مارستها الكنيسة فيما بعد بالأوروبيين الهدف الأساس في إيجاد المسيحية مؤامرة رومانية سياسية في استعباد الأوروبيين بفرض هذه العبودية وقبولها أنها مقدسة! صحيح أن المسيحية فرضت تعطيل العقل في المسيحية، لكن ذلك يبقى تعطيل العقل في القبول بالمسيحية وليس تعطيلاً بالممارسة، بينما فرض تعطيل العقل بالكراهية والحقد هو تعطيلٌ له بالممارسة وهو أخطرُ وأذلُّ للإنسان الأوروبي.

المسلمون ينتصرون، لكن الكنيسة بدل تجميع الجيوش في جيش واحد لصد المسلمين ودحرهم تبرزُ فجأة بدعوة تحرير موطن عيسى الذي منه سرقوا المسيح، ويتولى تطويع الناس في الجيوش كهنة الكنيسة، يخطبون في الشوارع يُثيرون مشاعر المسيحيين في كل مدينة وقرية، ينزل رهبانها من صوامعهم ينبذون نسكهم في الشوارع بحجة أن استرجاع بيت المقدس وبيت لحم أهم من عبادتهم للصنم في الصومعة. الرهبان والكهان يصومون في الأسواق بسبب أنَّ الطعام عليهم حرام حتى يطعم الناس جنود الصليب، ويشقون ثيابهم بسبب أن الدفء عليهم حرام حتى يجهز الناس جنود الصنم المصلوب. جيش الصليب وجيش الصنم المصلوب بقي يحارب المسلمين مئات السنين بعد استسلام الحامية المسيحية في فلسطين، لكن عويل الكهنة والرهبان في الشوارع لإثارة الناس في مقاتلة المسلمين لم يحصل! جيش الإمبراطور المسيحي في حربه طوال مئات السنين وهو في مواجهة دائمة مع الفرس لم يتظاهر حتى أنه جيش الصليب أو جيش الصنم المصلوب دون أن يتحرك كهان الكنيسة ورهبان الصوامع في إثارة الناس على وثنيي مترا ومزدك! متى ينزلُ الراهبُ من صومعته؟ متى يترك المؤمن نسكه؟ فقط في حالةٍ واحدة: عندما يكون يمثل دوراً في صومعته وعندما يكون مخادعاً في نسكه!

جيش الصليب أو جيش الصنم المصلوب لا يحركونه لمقاتلة الجيوش الإسلامية على حدودهم بل بعيداً جداً عن حدود القتال، ليس لتحقيق انتصارٍ في قلب بلاد المسلمين كما قد يُظن، وليس لضرب الجيوش من خلفها، بل لتحقيق غاية أبعد أثراً في نفوس الأوروبيين المسيحيين؛ حتى تحصل معاناة النفس في المسيحيين. حتى تأخذ دعوة الكراهية والحقد دورة المخاض العسير في غرسها في النفوس المسيحية، حتى تتواصل الحروب وتطول، وفي انتصارها يبين فائدة الكراهية والحقد على الإسلام والمسلمين أنه سبيل النصر، وفي انهزامها يأخذ الألم مداه في الزمن ويتأصل الحقد وتتعمق الكراهية بالنفس المريضة بإحباط الفشل.

جيوش ملوك المسيحية في أوروبا كانت جيوش ملوك مُتعادين كان توحُّدها في الجيش الصليبي توحداً حول قضية سياسية لا حول صنم مصلوب. الصنم المصلوب كان سبب اختلافهم وتفرقهم، كلٌّ منهم يريد أن يكون حاميه الأوحد، كل يريد أن يحتكر قدرته على الغفران، كل يريد أن يستغله في قتل غيره. لو كان السبب في توحد جيوش الصليبيين لماذا لم تتوحد قبل الحروب الصليبية؟ لماذا لم تتوحد في الحروب الصليبية؟ لو كانت حربهم من أجل الصنم المصلوب لوجب أن تتوحد قبل أن تنطلق، توحيد الجيوش في مقاتلة المسلمين في حقيقته تجميع الجيوش وليس توحيدها والفارق بين الاثنين كبير. تجميع الجيوش يكون بتوحيد الدعوة في إيجادها، أما توحيدها فهو في توحيد قيادتها. دعوة الرهبان والكهان في الشوارع عمَّت جميع الممالك في أوروبا، لم يكن بقصد تكثير سواد جيش الصليبيين، فقد كان ذلك يمكن أن يحصل كما كانت عليه العادة في أنظمة ذلك الزمن، بأمر الملك! نزول الرهبان من أديرتهم وترك الكهان لكنائسهم لم يكن بقصد تعبئة الجيوش فهذه أسخف حجج الطمس على حقيقة الحروب الصليبية، وأتفه حجج الادعاء أنها كانت لاسترداد مهد المسيح. دعوة استرداد مهد المسيح لم يكن الملك بحاجة إليها لتعبئة الجيوش، بل إشراك ومشاركة كل عائلة في جهد العناء الفكري والنفسي والمادي لزرع الألم في النفوس والعقول حتى ينتج عنه كراهية الإسلام كان قصد الرهبان والكهان. كراهية الإسلام لا يمكن أن تُفرض، فأفكار الإسلام هي وحدها الأفكار التي تتوافق مع النفس البشرية، لذلك لا يمكن أن ترفضها النفس الإنسانية إلا في حالة تعطيل مقاييس القبول والرفض للفكر. مقاييس النفس في قبول الفكر أو رفضه هي مقاييس العقل في الخطأ والصواب، فطرة الإنسان بما خلقها الله عليه تمتنع عن رفض أفكار الإسلام، عقل الإنسان إذا فكر بمعطيات التفكير يمتنع عليه أن يرفض الاقتناع بأفكار الإسلام وأحكام القرآن. تخريب النفس بالتلاعب بقواعدها وحده يسمح للنفس برفض الإسلام، تعطيل مقاييس العقل في الخطأ والصواب وحده يُفقد العقل دوره، سقاية النفس من ماء الكراهية والحقد وحده يفرض تعطيل دور العقل أبدياً بنزع مقاييس الخطأ والصواب من عمليته، وبذلك تتحوَّل الكراهية إلى سد يرفض الإسلام ويتحوَّل الموقف إلى كراهية الإسلام صدوداً مفروضاً يحجب نوره ويمنع فهم عقيدته وأفكاره وتذوق أحكامه.

أليس في المسيحية من دخل فيها مؤمناً بها؟ قد يكون، لكن ليس في التاريخ شاهدٌ على ذلك، وليس في الواقع برهانٌ أنه يمكن أن يؤمن بها إنسان بطريقة الفهم العقلي، وليس فيها ـ أي بالمسيحية ـ حجةٌ لها توافق مقياس القناعة في حقائق الأفكار. ففي حقائق التاريخ ووقائعه التي تتبناها الكنيسة في أقوالها وكتاباتها وأحداثها أن مسيحيي التاريخ كانوا إما بسطاء صدقوا أقوال بولس ومرقص قبل قسطنطين، وإما منتفعين ينافقون في طاعة الإمبراطور يتنقلون في رغباته فتحولوا بعد تحوله إلى مسيحيين دون قناعة بأقوال بولس ولوقا، وإما مقهورين كارهين للمسيحية يحتقرون أقوال بولس ويوحنا ومتى.

حقيقة التاريخ الكبرى أن ليس في أصل المسيحيين مؤمنون بها عقلاً، وهي كحقيقة المسيحية الكبرى التي أثبتتها المسيحية في كتبها أنه يستحيل الإيمان بالمسيحية عقلاً، وأنه يستحيل أن يكون مؤمنون بالمسيحية عقلاً، لا في بدايتها، ولا بعد أن أعاد قسطنطين صياغتها، ولا بعد أن فرضها ثيودوس وحتى موت كل مسيحي وإنسان.

صاغ الإمبراطور مسيحية على مقاس مقامه، رداءً على كتفيه يزيد طوله عن قدميه، يليق بسلطانه في الوثنيين قبل المسيحية، إذا نطق فنطقه مسيحي مقدس، وإذا أمر باغتصاب حق فاغتصابه مسيحي مقدس، وإذا فارت فيه رغبة في قتل أو بطش فتلك رغبة مسيحية مقدسة. كان إلهاً في الوثنيين يفرض ألوهيته، أما في المسيحية فتقديس طاعته جزء من صلاة الإيمان بالمسيح المصلوب. بهذا الواقع الصريح في مسيحية رداء قسطنطين عميت بصيرته عن رؤية حقيقة الزمن أنه لا يقبل حَبَلاً كاذباً، وأن مخاض الحَبَلِ الكاذب يقتل. لم يخطر على بال المنافق أول قاتلٍ في التاريخ للمسيحيين باسم المسيح أنَّ غبياً سيولد إمبراطوراً لا يرضى أن يكون إلهاً ابناً لأبيه بل سيفرض في المسيحية أنه إلهٌ يلد آلهة!

الإمبراطور ثيودوسيوس صدَّق أن تقديس المسيحيين لطاعته يعني أنه الإله الحقيقي لهم، فالإله المصلوب ليس أكثر من صنمٍ صنعه فَخَّار، أو نجار، أو نحات. لذا، لم يصدق أن الصنم على الصليب هو الإله الابن. لكنه كان يعتقد أن سلطانه إلهي، يفتش عن الإله الأب لا يجده، ويفتش عن الإله الابن ليجدهُ صنماً فينكره. بدأ يفكر، ويربطه بالواقع، ليكتشف حقيقة الإله الأب والإله الابن. فهم أن التقديس الذي كان غاية المؤامرة الرومانية في إيجاد المسيحية، هو تقديس الطاعة للإمبراطور بأن تكون عبودية النفس لغيرها رغبة تنبع من الذات، وإشباعها في التذلل لغيرها يكون عملاً مقدساً، وفهم أن تقديس الطاعة هذا يفرض غاية المؤامرة الرومانية في المسيحية توحيد الأعراق البشرية في طاعة الإمبراطور، لذلك لم يجد في عقله ونفسه مشكلة أو مانعاً في أن يعلن ويفرض اكتشافه لحقيقة الإله الأب وحقيقة الإله الابن. قناعته كانت أن الإمبراطور في تقديس الكنيسة لطاعته يكون هو الإله الفعلي للمسيحية وليس الصنم المعلق في الكنيسة الذي يسرق من الإمبراطور اللقب الرسمي فقط، وطالما أن الإمبراطور يولد له أولاد فهو يكون إلهاً أباً أو أباً إلهاً، فالإله الأب الذي لا يعرف المسيحيون عنه شيئاً لأن المسيحية لم تتحدث عنه في شيء هُوَ هُوَ، أو كما صرخ في جوفه أنا أنا. طأطأ رأسه فَثَقُلَ على جسده، أسنده على كفيه ونظر بين رجليه، وبوقار الذي يكتشف حقيقة أكبر من حجمه هَمَسَ في أُذُنَيْ روحه أنه الإله الأب لأركاديوس وهونوريوس. هنيهة صمت في كونه، يستجمع فيها حقيقة الألوهة في صلبه وذريته لينتصب بعدها صارخاً في جمجمة القديس قسطنطين قاتل القديسين وكتبة أناجيل المسيحية أنه الإله الأب وأن ابنه الإله الابن وأن الصنم المصلوب يسرق الاسم من ابنه. لما استفاق من رحلة الخاطر في قداسته وجد في مخدعه أن له ابنين وليس ابناً واحداً، لم يجد في ذلك مشكلة مع المسيحية التي تقول بإلهٍ ابنٍ واحد، فطالما أن ابن الإمبراطور الإله الأب يجب أن يكون إلهاً ابناً إمبراطوراً فلتقسم إمبراطورية الأب إمبراطوريتين لأركاديوس الإله الابن إمبراطورية الشرق، ولهونوريوس الإله الابن إمبراطورية الغرب، أمر بانشطار الألوهية الرومانية المسيحية لأول وآخر مرة في تاريخ الرومان في عام 395م. ولما مات الإله الأب رجل التاريخ في القضاء على الإمبراطورية الرومانية أصبح في المسيحية للمسيحيين إلهٌ أبٌ في الغرب مركزه روما وإلهٌ أبٌ في الشرق مركزه القسطنطينية وعادت الحَيْرة في معرفة حقيقة الإله الابن وبدأ الخلاف على مكان الإله الابن وعلى دوره وطبيعته. وتحوَّل ذلك الخلاف إلى مبرر التاريخ في تكريس جريمة قسطنطين مسيرةً مقدسة في قتل المسيحيين المختلفين على دور وطبيعة ومكان المسيح الإله الابن: حياً أم ميتاً، إنساناً أم صنماً، باراً أم عاقاً؟

ثيودوس أصدر قانون المسيحية أو الموت في عام 438، وهكذا فرض مسيحية قسطنطين لا مسيحية بولس ولا مسيحية مرقص وأشباهه، وتحوَّل الوثنيون إلى مسيحيين. وبقي الحال أن الإمبراطور إله المسيحيين الحي حامي الإله الذي مات وأبقوه مصلوباً حتى مجيء الإسلام. لم يحتجِ الإمبراطور إلى خدعة لإثبات قداسته فقد استمر الاعتقاد بقدسية الإمبراطور منذ مجزرة قسطنطين في كهان مجمع نيقيه الأول. لم تجرِ في المسيحيين العملية الفكرية في أحقية الإمبراطور بالتقديس فقد كان ذلك في صلب طقوسهم؛ التثليث، عبادة صنم مصلوب، أكل الخبز أنه أكلٌ لألوهة الصنم بديل الابن، شرب الخمر أنه شرب لدم الابن المعلَّق أبداً. لم يتجرأ أحدٌ على التساؤل كيف يكون إمبراطورنا مقدساً في الوثنية ويبقى مقدساً في المسيحية، ولا تساءل أحدٌ ما الفرق بين تقديسنا في الوثنية وبين تقديسنا ونحن في المسيحية، فهم لم يلحظوا فرقاً يلفت نظرهم فكيف يُثير فكرهم! قنعوا أنهم ما زالوا على ما كانوا عليه.

قرار ثيودوس أن يعطي الناس حرية الاختيار بين الحياة في عبودية المسيحية أو الموت على ما هم عليه من عبادة صنم غير المسيح كان جديراً أن يثير فكر الذي دخل في المسيحية دون أن يُخيَّر بين المسيحية والموت. لولا، أن المسيحية تمنع عليه التفكير في أساسها فكيف في تحريفها وإجراءات التعسف باسمها. قانون ثيودوس كان يجب أن يُنير للمسيحي حقيقة كبرى في حياته، فالقانون الذي يحدد حرية الحياة أنها حرية الحياة بالمسيحية أو الموت بدونها، يعني أن المسيحية التي دخل فيها طوعاً إنما دخل فيها مخدوعاً، إذ لو كان فيها حقيقةٌ لِمَ تكون خيار الحياة والموت؟ لِمَ تُفرض أنها خيار الحياة الوحيد، لماذا لا يتركون الناس يؤمنون بها كما آمَنَ بها؟ لو سأل ذلك لأجاب نفسه: لأن أسياد المسيحية كانوا يعلمون أن جموع الأمم الوثنية لن تصدِّقهم كما صدقتهم، وأنهم يعلمون ما لم أعلمه أن أسياد المسيحية مجرمون وقد كشفوا عن وجههم بهذا القانون، وأنهم كانوا يعلمون أن القول الحنون في المسيحية قولُ مخادعٍ يخدعُ مخدوعَه لإدخاله مخدعَه ليرتكب الفاحشة فيه. فلمّا لم ينفع الخداع برزت أنيابه لتفتك قتلاً في الذي رفض التجاوب الأعمى والتجاوب المهذَّب مع خداع المخادع.

قانون الإمبراطور ثيودوس الصادر في عام 438 م بعد هبوط الإله، الذي يخرج من جسده المصلوب صنماً والناس نيام، على جسد الإمبراطور قسطنطين بمئة وأربعة عشر عاماً يَقسِمُ المسيحيين منذ ذلك اليوم وحتى يتحوّلوا بقناعتهم إلى حجة الحقيقة بالإسلام إلى قسمين:

الأول: المسيحيون الذين دخلوا في المسيحية قبل قانون ثيودوس الذي أعطى الناس الحرية المطلقة في البقاء أحياءً مسيحيين أو ترك الحياة غير مسيحيين، وهذا القسم ينقسم على نفسه فئتين:

الفئة الأولى التي دخلت في المسيحية قبل دخول الإله بطريقة الرؤية في جسد قسطنطين الوثني النجس إمبراطور الرومان في عام 324 م أو 323 م.

الفئة الثانية التي دخلت في المسيحية بعد تطهُّر الوثني النجس جسد الإمبراطور بحلول الرؤية الإلهية فيه.

هاتان الفئتان يختلف معدن المسيحية فيهما، فالفئة الأولى هي الفئة البسيطة الساذجة البلهاء في الشعوب، دخلت في المسيحية لأن نفسها تتوق إلى الخلاص من شرورها، وصدَّقت أن الكاهن إذا مسحها تُغفَرُ ذنوبه رابطاً بين مسحة هذا الكاهن ومسحة عيسى النبي الذي كان يمسح فيشفي بإذن ربه، في فوران رغبة هذا البسيط الساذج بغفران الله لذنوبه نسي أن عيسى أكرمه الله بنعمة الشفاء بمسحة من يده هو لا علاقة له بهذا الكاهن الذي يعبد النبي بدل أن يعبد ربَّ النبي، فصدَّق أن كل ماسحٍ بيده يشفي ولم يحصر المسح بشفاء المرض، بل صدَّق أن المسح كما يشفي الجسد يشفي الروح، ومن هنا صدق أن مسحة الكاهن وهي إشارته بالصليب أو بإشارة الصليب، تمحو الآثام وتغسل الشرور والمفاسد التي يرتكبها الإنسان.

أما الفئة الثانية فهي الفئة التي يرتبط وجودها في المجتمع بسلطان الإمبراطور، وهي الفئة التي تتسلسل فيها العلاقة والمصالح من أصحاب أعلى المراكز بين يدي الإمبراطور إلى أدنى مستويات العامة التي ترتبط مباشرة مع رجال الإمبراطور حتى أتباع الأتباع. هذه الفئة الطامعة بدوام النعم، وهي في كل مجتمع الفئة الخسيسة في الناس، المتزلفين، لصوصٌ بالنفوذ، طمسوا منابع كل فضيلة فُطِرَ عليها الإنسان. كانوا في ركاب الإمبراطور وهو على غير المسيحية، وبقوا في ركابه وهو مسيحي، لم يتغيَّروا، بقوا على ما كانوا عليه عبدةَ منافع الإمبراطور.

الثاني: المسيحيون الذين دخلوا في المسيحية والسيفُ ذبابتُه في حنجرتهم، إما يثقبها أو يعلنوا إيمانهم أن المصلوب ابن إله، هذا هو القِسم المقهور الذي تخلى عن وثنيته الأولى كرهاً، دخل في المسيحية دون اعتقاد بها كما فعل البسيط الساذج الأبله في الفئة الأولى من المسيحيين الذين دخلوا في المسيحية دون التفريق بين مسحة عيسى ومسحة الكاهن، أو التفريق بين المرض والشر ومسحة الشفاء ومسحة غفران الذنوب. وهذا القسم المسيحي المقهور لم يدخل المسيحية طمعاً بمنافع كما فعل المتملقون الخسيسون سماسرة الفاحشة في الخداع والرشوة والابتزاز، جمهور الفئة الثانية في مسيحيي قسطنطين. بل هذا القسم هم المسيحيون الذين دخلوا في المسيحية كرهاً، دخلوا في المسيحية وهم يكرهون المسيحية، وهم يكرهون المسيحيين الذين أدخلوهم قهراً بقوة القانون، لم يقتنعوا يوماً بالمسيحية ديناً إلهياً، بل دين خضوعٍ للإمبراطور وبعد إزالته للكنيسة التي صك لها نفوذها في حياته تحت إمرته، وفي موته تحكم بجاهِه كما كان في جبروته وغطرسته يظلم ويفتك.

خطة الرومان في تحقيق هدفهم بتوحيد شعوب الإمبراطورية في عقيدة دينية تستعبدهم وتستغلهم في عقولهم وأرواحهم وأرزاقهم كانت حاذقة بارعةً خارقة الذكاء. توحيد الشعوب في ديانة من صنع المطبخ الشيطاني في قصر الشيطان الإمبراطوري، طريقة شيطانية خارقة ـ تشابه معاهدة التجارة العالمية اليوم ـ لتحقيق هدف الرومان بتوحيد الطاعة لهم! وأي طاعة؟ طاعة مقدسة، ليس للإمبراطور وحده بل لجنوده وموظفيه كهنته. توحيد الشعوب لم يكن هدفاً بل توحيد الشعوب في الطاعة للرومان، تحويل طاعة الشعوب من طاعةٍ في عبودية إلى طاعةٍ في عبودية مقدَّسة حتى يتوقف نزف التمرد النفسي في الشعوب المقهورة، ويتوقف نزف الثورات المتنقلة في شعوب عبيد الإمبراطورية.

الحلمُ الكبير، حُلُمُ الرومان لم يعمِ بصيرتهم ـ كما يعمي حلم الأمريكان بصيرتهم ـ عن وجوب مطالبة الشعوب للرومان بالقبول أن يتحولوا من أسيادٍ آلهة بالقوة إلى أسيادٍ آلهة بالتقديس! لم يفرضوا مسيحيتهم قبل أن يجعلوا لها أنصاراً، لم يظهروا أنهم أصحاب مؤامرة بولس نبي المسيحية على عيسى نبي النصرانية، تركوا فكرة الديانة الجديدة تنمو نمواً طبيعياً، أرادوها مخلوقاً طبيعياً يكبر ويتكاثر بذاته. قذفوا بعميلهم شاؤول، اقتبسوا فكرة الوحي من الله على عيسى، حوَّلوا الوحي الإلهي إلى إله، ألبسوا الوحي غنوصية، حوَّلوه إلى إلهٍ للمعرفة، أهبطوه على شاؤول، غيَّروه إلى بولس، أعلنوه نبياً للمسيحية، حموه لأنه خليفة عيسى الذي قتلوه! تركوا بولس يترعرع في لباسه المسيحي. بولس كان أضعف من الفكرة الهدف، بولس أخطأ بدمج الفكرة المسيحية بهدف الرومان، كاد يكشف سر الخطة، فشل أن يكون بمستوى الهدف، استعجاله ألَّبَ الناس عليه، ناسُ ذلك الزمن الذي كان يُفتَرَضُ أنه ينطلق منهم كانوا إما يهوداً أو نصارى أتباع تلامذة عيسى النبي عليه سلام الله رَبِّـهِ وإلهه الأوحد. اليهود، عرفوه عميلاً للرومان، جاسوساً على النصارى، وثنياً في عبادة الطاغوت الروماني. منعوه من مكالمتهم ومن الكتابة إليهم، اعتزلوه بداية ثم طردوه بالكلية لاحقاً من معبدهم، لحقوا به حسداً من عند أنفسهم أن شرَّه المستطير يبدو في الأفق أقوى من شرِّهم في الحاضر. النصارى حاوروه فاكتشفوا كفره بعيسى ونصرانية عيسى. واكتشفوا مؤامرته في سرقة عيسى ونصرانية عيسى، في سرقة المسيح من عيسى وتحريف نصرانية عيسى، واكتشفوا مؤامرته في التلبيس على عيسى في النصرانية والتلبيس على النصرانية في عيسى. اعتزلوه، ثم لاحقوه في محطاته في الأمم ليبينوا زيفه، ويعلنوا براءة عيسى منه، وبراءة النصرانية منه، وبراءتهم منه. أفسدوا عليه دوره، أفشلوه في دعوته، ألَّبوا حتى الوثنيين عليه. لما أدرك الرومان أن النصارى سيصيبون من مسيحية بولس مقتلاً عزلوه، أخفوه، محوه من الوجود! بولس، فهم الخطة الرومانية ووعى هدف الرومان في خطة المسيحية ولكنه لم يستوعب طريقة الرومان في تحقيق هدف الخطة. ليس هذا غباء فيه، أو منه، بل برهانٌ أنه لم يكن صاحب مسيحيته، لا صاحب الخطة ولا صاحب الهدف، بل مأمورٌ بهدفٍ وخطةٍ في فكره. صاحب الفكرة وحده يستوعب الخطة والهدف والطريقة، صاحب الفكرة وحده يلاحظُ الخلل في المسيرة، يرى المطب من بُعدٍ بعيد، يحتاط للفشل القاتل بطيئاً أو مفاجئاً. يصحِّح المسار دون تردد أو إشفاق، دون حساب لثمن أو أرواح، بحزم القرار وهدوء الزمن. ذاك كان قرار الرومان بعزل بولس الذي كاد، بجهله، أن يصيب خطة الرومان مقتلاً. وذاك كان قرار الرومان بقتل وتشريد ألف وثمانمائة كاهن ولاهوتي عارضوا في مجمع نيقيه لأنهم توهَّموا أن المسيحية دينٌ لهم أو منهم.

سبب القتل، قتل الحاكم المسيحي للمسيحيين، هو سبب إيجاد المسيحية، بل سبب إيجاد الرومان للمسيحية. الرومان أوجدوا المسيحية ليوحِّدوا الشعوب في صيغة العبودية المقدسة للرومان. فأي معارضة من مسيحيين لحامي إله المسيحيين يعني التمرد على سبب إيجاد المسيحية، لذلك كان القتل فردياً، جماعياً ودائمياً في التاريخ المسيحي بدون رحمة، لأنه مقدَّس، بل إن معارضة أو مخالفة الإمبراطور أو جابي الإمبراطور أو خسيسه هي ضرب لأقدس مقدسات المسيحية، وهدم لأساس بنيانها، وتضييع لسبب وجودها. وهذا وحده يفسر جميع أسباب الحروب المسيحية والقتل النظامي للمسيحيين الذين صدَّقوا الكذاب وفي سذاجتهم صدَّقوا أن الخدعة حقيقة.

المسيحية مكيدة الرومان الكبرى في التاريخ لإيقاع شعوب الإمبراطورية الرومانية في شباك الرق الأبدية لم تقع فيها إلا الشعوب الأوروبية التي ما زالت تائهة في سبب وجودها في الحياة، خدعة لم تنطلِ عليهم بسهولة. فقد قاوموها طوال ما يقرب من ثلاثة قرون حتى قرر الإمبراطور الإله قسطنطين أنه آن الأوان ليعلن أن الإله أو ابن الإله كما يسمونه قد هبط عليه ونصره وطلب منه أن يكون حامِيَهُ، فلم يستطع الإمبراطور الإله الوثني، وهو المفترض أن يكون شهماً، إلا أن يوافق على أن يحمي المسيح المصلوب عندهم أبداً. عندها، لحق به من حاشيته وأتباعه من كان في نفسه يحتقر وثنيته ويريد الخلاص منها، أما أكثرية الناس المطلقة في شعوب الإمبراطورية فبقيت وثنية. لم يفرض على الشعوب أن تتحول إلى المسيحية بل عمد إلى إجراءين بارزين سار عليهما جميع الأباطرة من بعده طوال مئة وعشرة أعوام حتى مجيء الإمبراطور ثيودوس في سنة 438. الإجراء الأول بناء كيان خاص للمسيحيين في الإمبراطورية، عمد إلى بناء الكنائس وإعفاء رجالها من الكهان من الضرائب، وتنمية إدارة المحاكم، وإقرار الأحد عطلة رسمية. الإجراء الثاني التركيز على تحديد المسيحية وقتل المسيحي الذي يخالف الديانة المسيحية التي يصوغها الإمبراطور، دون أن يتعرَّض بالقتل لمن لا يؤمن بمسيحيةِ الإمبراطور. عجباً، أن لا يتوقف المؤرخون عند هذين الإجراءين، ولا يفهمهما أو يفسرهما أحد! الإجراء الأول هو إجراء تشكيل عصابة فكرية قوية حول الإمبراطور وليس إجراء نشر ديانة جديدة، والإجراء الثاني تولي الإمبراطور مباشرةً وبنفسه صياغة العقيدة المسيحية التي يستولي بها على عقول وقلوب وأرواح وأجساد وأموال المسيحيين. كلاهما ليس لإيجاد مؤمنين، الأول صناعة حبل قوي بل سلسلة حديدية لربط المؤمنين بها، والثاني لتفريخ مؤمنين بما يأمرهم بالإيمان به، صيغة لإيجاد مسيحيين للإمبراطور لا للمسيح الوهم، وليس للإيمان الخدعة.

الواقع والقضية غير الحقيقة في سبب القتل والتشريد والحرمان الذي فرضه قسطنطين على المسيحيين الكهان أعاظم علماء لاهوت وناسوت بولس ولوقا. سبب إيجاد الرومان للمسيحية هو سبب القتل والتشريد كما أن العكس صحيح، سبب جريمة قسطنطين هو سبب المسيحية.

الرومان لم يستطيعوا تحويل الشعوب المُستَعمرَة إلى شعوب رومانية لسببين:

الأول: أن مساواة المغلوبين المستعبَدين بالمنتصرين الأسياد كان يمكن أن يُبطل مبرر وجود الإمبراطورية الرومانية في الأساس.

الثاني: أن الشعوب المقهورة كانت ترفض باستمرارٍ رومانيتَها حتى بالخضوع بالقوة.

تاريخ الإمبراطورية الرومانية في مسرح الزمن تاريخ حروب، وقضاءٌ على ثورات، وإبادة قبائل وشعوب وَمَواطن. تاريخ عصابة من اللصوص، تسرق، فإن عورِضت أو جوبهت قتلت ودمَّرت وسحقت. منعُها من السرقة كان معصية للإمبراطور، جحوداً بنعمته أن لم يُقتَل قبل أن يُسرَق، وكفراً بألوهته أنه يُبقي الحيَّ حياً في عبوديته. قوتها اعتمدت على منع أحد من سرقتها، واستمرار زيادة قوتها اعتمد على قدرتها في سرقة غيرها، لم تكن يوماً أكثر من أمة من اللصوص.

الرومان، كانوا يحلمون أن يسرقوا دون معارضة المسروق منه. لم يهتدوا إلى هيكلة الأمم المتحدة التي تفرض على السارق أن يرضى بسرقته وليس أن لا يعارض سرقته. كانوا، أبالسة أيامهم، يحلمون بعالم في وَهْمٍ تخيلوه أن تكون فيه أرواح الناس، أجسادهم وممتلكاتهم، تُقدَّم طائعةً في ذلّة لتكريس سموِّهم وتعاليهم. حاجة الرومان إلى وقف قتل غيرهم لم تكن رحمة بغيرهم بل رحمة بذاتهم. القتل لم يكن هدفاً رومانياً تماماً كما القتل ليس هدفاً لجيوش الأمم المتحدة وتماماً كما لم يكن لجيوش الإنكليز وجيوش الفرنسيين عندما احتلت بلاد المسلمين. السرقة، النهب كان سبب القتل عند الرومان كما هو في جيوش اليوم، قتل الرومان كقتلِ اليوم، هو قتلٌ لمن يمنع أسياد القوة: رومان، إنكليز، أمريكان، من السرقة.

الرومان، بعد قرون من القتل من أجل السرقة أدركوا أن قتلهم غيرهم للسرقة يسرق منهم روح الإنسان. الإنكليز والفرنسيون والأسبان والهولنديون وعصابات عرقية أخرى مثل البرتغاليين والعرق الجديد الذي عُرِف بالإيطاليين لم تسنح لهم فرصة الإحساس أو الاهتداء إلى حقيقة موت روح الإنسان فيهم، ليس لعدم وجود مقياس معرفة موت الروح في ثقافتهم بقدر ما هو لانشغالهم بالتزاحم على سرقة ما كانت تسرقه الإمبراطورية الرومانية وحدها. حتى برزت أمريكا اليوم، منذ خمسين عاماً، بعد أن فرضت نفسها الدولة الكبرى وريثة الحق في شرعية لصوصية الإمبراطورية الرومانية بفلسفة تفصل بين السرقة والقتل بتحويل السرقة إلى نظام سياسي يلف علاقات جميع الدول وشعوبها. فلسفتها تقترح أنها تؤدي إلى عدم نجاح المقهور الذي يُسرَق في عقله وماله ودينه كل يوم في سرقة روح الإنسان من سارقه! فلسفة النظام الأمريكي للعالم تعتمد على أن سبب نجاح المقهور في عقيدته وحريته ورزقه في سرقة روح الغاصب أن الغاصب كان يعتمد القتل سبباً في غصبه. أما إذا كان غصباً بقوة نظام وفرض علاقة وخداع مقاله فإن المغصوب ليس لديه حجة سلاحاً، ولو وَجَدَ لما وَجَدَ مغتصباً مسلَّحاً بل شبحاً: أسطرٍ على ورق. خطتها تفترض أن المُغتَصَب يعجز عن سرقة روح الغاصب، لأن الغاصب ضائع في نظام الغصب الجديد. فقد تحول من فرد رئيس دولة إلى فرد في نظام أمة، الغاصب في النظام العالمي الجديد ضائع بين الملفات واللجان وأزقة مباني الأمم المتحدة.

قبل استعماريِّي اليوم، الرومان أرادوا مثل جميع الدول الاستعمارية خطة يسرقون بها شعوب العالم تمنع الشعوب المنهوبة من التأثير في روح الرومان وسرقتها. خطتهم كانت أذكى من خطة اليوم، نجحوا حيث أخفقت. خطتهم كانت تقضي بتوحيد عقيدة الشعوب التي تنهبها، توحيد عقائد الشعوب الوثنية في عقيدة شاملة تهضم كل الوثنيات وتصهرها في عقيدة دينية واحدة تلغي فوارق الأعراق وتطمس على العقول لتمنعها من التمييز بين الغاصب والمُغتَصَب، وتسدُّ منافذ الإحساس بالقهر والاستعباد والتسلط على النفوس والعقول والأرزاق.

سبب إيجاد الرومان للمسيحية هو توحيد شعوب الإمبراطورية بدين جديد يمنع الإحساس بظلم الرومان، ويُبَدِّلوا سرقة الرومان لخيرات الشعوب بمبادرة الشعوب لتقديم خيراتها إلى الرومان آلهة الدين الجديد بلباس حُماتِه. وبذلك تحوَّل قتل الروماني لغيره من قتل للاستيلاء إلى قتل للتقديس! ومن هنا كان القتل في مسيحية الدولة الرومانية ووريثتها الكنيسة المسيحية قتلاً مقدساً. القتل للتقديس كان واقعه عند الرومان قتل من يعترض على أنه مِلكُ القيصر عقلاً وروحاً ومالاً، تماماً كما كان القتل المقدَّس عند الكنيسة قتل من يعترض على تسليم عقله وروحه وماله للكاهن!

المرحلة الثانية بدأت في السنة التالية لترائي الإله المسيحي على الإله الوثني قسطنطين بالأمر الأول بالقتل الجماعي لمخالفيه ـوالأصح القول بقولهم القتل الجماعي لمخالفي الكاهن الذي عينه الإمبراطور لسوق المسيحيين في عبادة الطاعة للإمبراطور ـ في مجمع نيقيه الذي عارض اقتراحه الأول بالتثليث وأصروا أن قد كان الأب إذ لم يكن الابن وأن الأب وحده الله. فأمر أمره المسيحي الأول في عام 325 ميلادية بنفي وتشريد وصلب وقتل أو تقطيع تسعين بالمئة من المجتمعين ولم يسمح بالبقاء إلا للذين خضعوا لمشيئته في إقرار التثليث المبهم وعددهم يقارب المئتين من أصل 2048 كاهناً وداعياً ومبشِّراً مسيحياً، معظمهم لم يفهم بوضوح حقيقة الفكر التآمري في المسيحية الرومانية فأخذوها أخذاً وثنياً مسيحياً لا مسيحياً رومانياً، فاختلط عليهم الأمر وتاهوا عن البعد الروماني في المؤامرة المسيحية. وهكذا استمرت هذه المرحلة فيما عُرِف فيما بعد بالكنيسة الكاثوليكية حتى زوال سلطتها، مرحلة قتل وتشريد ونفي كل مخالف استمرت من أول إمبراطور مسيحي وانتقلت إلى أول كاهن مسيحي روماني حاكم وحتى عزل الكنيسة وجزاريها عن السلطة المباشرة.

هذا العمل الأول، فهمه، يلقي الضوء على فهم سبب مبادرة الرومان في مؤامرتهم المسيحية. واقع الخلاف في مجمع نيقيه هو غير حقيقة الخلاف. واقعه لا يستوجب هذا القتل الجماعي إذ الخلاف بقي محصوراً بين وثنيين وفي أفكار وثنية وكلها أفكار افتراضية وليست أفكاراً واقعية. آريوس، المخالف، لم يعترض على ألوهة الصنم ولا على عبادة الصنم، ولم يعترض على أبوة الأب ولا على ألوهة الابن، ولا على فكرة الأب والابن، ولا على فكرة التناسخ الإلهي، آريوس كان في كل هذا وثنياً ولكنه وقد كان باراً محباً لأبيه رأى أن الإله الابن لا بد أن يكون باراً بأبيه الإله، لأن البر فضيلة طبيعية في الإنسان وفي رأيه كل فضيلة طبيعية في الإنسان هي امتدادٌ أو جزءٌ من طبيعة إلهية. لذلك، يستحيل عند إله آريوس أن لا يكون باراً بأبيه. ولما كان البر يلزم أن يكون مظهره في أهم المظاهر وجد آريوس أن الابن يجب أن لا يجلس حيث يجلس أبوه، أو يزاحمه كرسي الألوهية التي بسبب تفاهته لم يرَ كما رأى الإمبراطور أنها تتسع لاثنين! فما كان منه ـ من آريوس ـ إلا أن أصر على أن الابن البار ـ وهو المسيح الصنم ـ يأخذ من أبيه الألوهة ويطيع أباه الإله ويرضى أن يبقى صنماً بدون سلطة الألوهة ما دام أبوه حياً. آريوس في صنميَّة إلهه لم يكن أكثر سخفاً من وثنية الألوهة التي أراد الإمبراطور فرضها على كهان المسيحية في مجمع نيقيه. لم يستوجب الخلاف النظري قتل القوي للضعيف، أو قتل صاحب السلاح لعديم السلاح، ولا يستوجب قتل كاهن فكيف بعشرات مئات الكهنة. فلا بد أن حقيقة سبب القتل غير واقع سبب القتل.

الحدث نفسه، حدث مجمع نيقيه، حدثُ موضوعِ الخلاف، حدث المجزرة، كله حدثٌ واحد يُظهر أن الموضوع لا يتعلق في بحث ألوهة صنم بل في ما كانت عليه القضية في الواقع. القضية في واقعها قضية طاعة الإمبراطور، أو عبودية الطاعة للإمبراطور أن تكون جزءاً من عقيدة الدين المسيحي أو لا، آريوس لم يشكك بألوهية الابن بل كرَّسها ولذلك رآهُ عنواناً لبر الابن بأبيه، لم يستطع أن يرى إلهه ابناً عاقاً يزاحمُ أباه. هل يجوز لكاهن أن يكون له رأي غير رأي الإله الإمبراطور؟ في رأي الإنجيل وفي رأي بولس: لا، لا يجوز، إذ الرأي الأول والآخر صاحب الحق الإلهي الحاكم! آريوس، لعنه الإمبراطور كما لعنه الله بكفره، وجده الإمبراطور مذنباً بجريمة الكفر في قدسية الطاعة للإمبراطور وليس مجرماً في عدم طاعة الإمبراطور. آريوس، على تفاهته، كان مقتنعاً أن المجمع هو مجلس نقاش وبحث حقيقي، لم يرَ أبعد من أفق منخره، صدَّق أنه يمكن له كما كان لبولس سلطة إقرار صفة من صفات الفضيلة على إلهه. لم يرَ أنه أول عملٍ يقوم به الحاكم المسيحي الأول لإثبات وإقرار سلطته على الكنيسة والكهان وإلباس سلطته اللقب المقدس إمبراطور الكنيسة أي سيدها الأوحد أبدياً. لم يرَ ـ آريوس ـ أن المجمع هو لإعلان قدسية الإمبراطور وحقه المطلق في صياغة شكل الإله ودوره وسلطته. الأبله ـ آريوس ـ ظن أو صدَّق أن المجمع يُعقد بأمر الإمبراطور لتبادل الآراء في حقيقة الإله الذي اشتغل الرومان ما يقرب من ثلاثمائة عام في إقناع الناس بحقيقة المسيح الذي كانوا يعدِّلون في صياغة ألوهيته كلما اقتضت ظروف مراعاة شروط الوثنيين الجدد في ما يجب أن يكون عليه الإله المشترك، إذ فكرة المسيح الإله الابن من إله أب فكرة مشتركة كانت سائدة في جميع الوثنيات، وإن كانت فكرة الإيمان بألوهيته الهابطة أنها وحدها تُنقذ من الجهل والعذاب وتغفر ذنوب جميع المعاصي فكرة غنوصية خالصة.

حتى يفهم الأوروبي سبب ظلم الكنيسة لأجداده، وجشع الكهان في اغتصاب إنسانية الأوروبي بتعطيل عقله، ووحشية البطاركة والأحبار في قتل أتباع غير كنيستهم، لا بد أن يفهم حقيقة المسيحية في سببها وغايتها. هذه الحقيقة هي بالواقع التاريخي للبشرية المؤامرة الأولى على الجنس البشري. نقول إنها مؤامرة تاريخية من حيث إن مؤامرة الرومان المتجسدة بالدعوة للمسيحية استمرت من بداية القرن الرابع الميلادي وحتى بداية القرن الثامن عشر ما يقرب من ألف وأربعمائة سنة، حيث استوجبت ظروف الزمن إعادة صياغة مؤامرة استعباد الأوروبي بتعطيل عقله كلياً. فبعد أن منعت المسيحية عقل الإنسان الأوروبي من ممارسة قدرته الطبيعية في فهم المسيحية طوال مئات السنين بقوة الفأس الكنسي الذي كان يجول لقطع الأعناق التي تتعالى حنجرتها في السؤال، وحِدَّة السيف الكنسي الذي يصول في جزِّ الرؤوس التي تجرأت في طلب فهم المسيحية، جاءت ثورة التحرر من جبروت الكنيسة في قهرها للنفوس بصياغة جديدة لتعطيل العقل في الأوروبي كلياً بإطلاق غرائزه ورغباته لتطغى على براهين العقل وحيثيات التفكير، وذلك بتسخير العقل في إشباع الغرائز والجوعات بديلاً عن عمله الطبيعي في تنظيم إشباعها مباشرةً، أو تخفيف حِدَّتها في طلب الإشباع بموازنة أسباب الإثارة فيها أو لها.

**أصل المسيحية أنها مؤامرة على جنس البشر في مدى السيطرة الرومانية، لأن قوة الرومان زمن صياغتهم للمسيحية كانت أقوى قوة عسكرية في الجنس البشري. صحيح أنهم كانوا يخسرون حرباً، ولكنها كانت هزيمة جيش من جيوش الرومان، وصحيح أن الفرس كانوا سداً في توسعهم في الشرق إلا أنه لم يكن مقارنة بين موارد القوة في الإمبراطورية الرومانية مع موارد القوة في الفرس، كان الرومان يحاربون الفرس بجيش من جيوشهم وليس بكل جيوشهم. وفي مؤامرة الرومان على شعوب الإمبراطورية بالمسيحية كانوا يأملون أن تكون المسيحيةُ هي الشرك الذي يوقِعُ الفرس في تبعية الرومان.**فشل الرومان في نجاح مؤامرتهم في الفرس لم يكن بسبب ذكاء الفرس بل بسبب غباء الرومان. ذلك أن الرومان فرضوا إيمان الناس بالمسيحية بالمكر والخداع والدس، منذ تحول شاؤول الخسيس في شرطة الرومان بإمرة كاهن الهيكل الصدوقي من يهود إلى بولس الذي هبط عليه إله المعرفة، لغاية إعلان قسطنطين إله الرومان تحوله إلى إمبراطور المسيحيين الأول بسبب هبوط إله المعرفة أيضاً عليه، كما هبط على شاؤول عميل الرومان وأجيرهم على إطلاق مؤامرتهم. وقد استمرت فترة المكر والخداع والدس في تمرير المؤامرة الرومانية هذه في نشر المسيحية ما يقرب من مئتين وخمسة وسبعين عاماً، أي منذ ما يقرب من سنة 50 ميلادية، سنة تحول شاؤول الخسيس إلى بولس المسيحي، وحتى سنة 325 ميلادية سنة تحول الإمبراطور إلهاً وثنياً إلى إلهٍ مسيحي. ذلك كان مرحلة الدس الروماني في صياغة المسيحية التي كانت منذ البداية تُعرف بمسيحية بولس لفصلها عن نصرانية المسيح، وكان ذلك الفصل بسبب قوة إيمان تلامذة عيسى عليه السلام وعنادهم على التبرؤ من ديانة بولس وبراءتهم من كفره، ووثنيته، وتحالفه مع الرومان. تلك كانت المرحلة الأولى في الممارسة أما في مجالها فكان محصوراً في القسم الغربي من شرق الإمبراطورية بسبب وقوف الحواريين سداً في وجه بولس منذ البداية ما منع أتباعه تقليدياً من إمكانية تجاوزهم للعمل في بلاد الفرس. خاصة وأن دعاة المسيحية صُبِغوا منذ اليوم الأول أنهم عملاء السلطة الرومانية ما كان يعني الموت المحتم إذا قُبِضَ عليه في بلاد الفرس. وكان من شأن المرحلة الأولى في الممارسة والمجال أن فُرِضَ الحائل التاريخي بين المسيحية والشرق أبدياً. ولست أرى سبباً في ذلك الخطأ التاريخي إلا عناد الرومان في الاستعجال في السير بالمؤامرة مهما كانت العواقب التي كان الرومان يعتمدون على حلِّها في حال تعقدها المستعصي على تغيير الظروف بالقوة العسكرية. إذ، قليل من قادة الرومان أمثال أوغسطوس الذي كان يرى في تلافي الحاجة إلى الحسم العسكري، حيث أمكنَ، بعداً أعمق في التاريخ. غيرنا، قد يقول إنه غباء، من يقول ذلك يغفل شراسة صراع الحواريين تلامذة النبي عيسى رضوان الله عليهم في محاربة كفر بولس بدين النبي عيسى ووقوفهم المستميت بوجه محاولاته لطمس تعاليم عيسى وتحريفها وتبديلها بمعارف غنوصية، وثنية، وهلينيَّة. كذلك، من يقول بغباء الرومان بدل استعجالهم للسير بالمؤامرة اعتماداً على الحل العسكري في النهاية، يغفل حقيقة احتقار يهود لبولس ودعوته التي هي ضد تعاليمهم أيضاً وأثر ذلك الاحتقار في صدود مجاوريهم من الأمم الوثنية في عدم التجاوب مع بولس أولاً والدعاة من بعده عبر الزمن.

البديل الوحيد لتخبط المسيحي هو البديل الوحيد لكل وثنيات الدنيا، مفكِّروا أوروبا عملوا لكي يكون البديل للأوروبي في إحباطه في مسيحيته هو الديمقراطية. اليوم، يرى الأوروبي أنه محبطٌ في طريقة العيش الديمقراطي، مفكِّرو أوروبا بعد أن انقرضت منها طبقة الفلاسفة بجفاف تربة العقل من السقاية الشيطانية بدأوا يفلسفون الإحباط في الأوروبي حتى لا يروا إخفاقهم ولا يعترفوا بجهلهم. يستمرون في شعوذة القول لأنهم لا يرون البديل. جربوا، وسمحوا للناس، وأثاروا الأجيال جيلاً بعد جيل لتجربة كل الوثنيات علَّهم يلحظوا بصيصاً في أملٍ بإنقاذ الأوروبي من كبوته الفكرية. يأس الأوروبي من الكنيسة وكفره بالمسيحية مَنَعاهُ من ملاحظة المؤامرة عليه بالديمقراطية حتى لا يتمرد على السيطرة عليه وعلى نظام ترويضه حيواناً داجناً في عمله ومسكنه، اليوم لا يوجد في الأفق إمكان صياغة مؤامرة جديدة تنقله من واقعٍ في عبوديةٍ إلى واقع آخر في العبودية، حيرة الأوروبي ليست حيرة فرد بل حيرة الجنس البشري. بديل الإحباط في المسيحية هو بديل الإحباط في الديمقراطية، وهو بديل الإحباط في كل وثنية، وفي كل ضياع، وفي كل كفر. بديل الأوروبي في أيديولوجيته اليوم ممنوعٌ عليه أن يفكر فيه، تماماً كما كان ممنوعاً عليه أن يفكِّر في بديل مسيحيته: إسلام القرآن. تربى في السجن المسيحي على كره الإسلام، ويتربى في سجن طاقة غرائزه، سجن الديمقراطية، على كره الإسلام. الكنيسة لم تسمح له أن يتعرف أو يفهم الإسلام حتى لا تكون الكنيسةُ سجناً بلا سجناء كما أصبحت في بلاد الإسلام هياكل جوفاء. أنظمة الحكم الديمقراطي لا تسمح للأوروبي أن يتعرف إلى الإسلام حتى لا يلحظ لهثه الدائم في الحياة الديمقراطية في خدعة الشبع من الجشع الغريزي.

كيف يمكن أن يفهم الأوروبي سبب قتل الكنيسة للمسيحيين، أو سبب قتل المسيحيين الكاثوليك للمسيحيين البروتستانت وكل فريق لا يقل وثنية عن الآخر، ولا يقل تمسكاً بالباطل، يتفاخر بجهله، ويتكابر في عميته، ويتبارى في وحشيته ضد مسيحية الآخر كلما سنحت له الفرصة، إذا لم يهتدِ إلى حقيقة المسيحية في وجودها وطريقتها وغايتها؟ بالأمسِ لم يكن حراً في سلوك طريق الهداية لمعرفة حقيقة المسيحية، كان عبداً يُساط في انقيادٍ للعيش جاهلاً مسخَّراً في عقله وماله وعمره، لعل أحفاده أوروبيي اليوم يجدون له عذراً. اليوم، في ظل ديمقراطية التضليل، ماذا يمنع أوروبيي اليوم من السعي لمعرفة المسيحية في حقيقتها بتجرد ونزاهة، بَعْدَ، كما يعلنون، أنْ طُمِسَتْ في القلوب والعقول؟ لم تجرِ في أوروبا بعد عزل الكنيسة عن دور حكم الناس محاولة لفهم حقيقة المسيحية. جميع المحاولات التي جرت كانت موجهة في انتقاد سخافة الأفكار المسيحية وفساد عقائد المسيحية. أو محاولات جرت في بيان جرائم الكنيسة وجشع بطاركتها وقسوة قلوب أحبارها وخداع كهنتها. أهل الديمقراطية، حكامها، فلاسفتها ومفكِّروها، المخطِّطون والمشرفون على ثورات الديمقراطية منعوا أي محاولة ولو فردية في قرية منزوية أن تبدأ. فهم حقيقة المسيحية اليوم ما زال ممنوعاً، حتى اليوم لا يوجد أوروبيٌ واحد تجرأ وقام وأعلن حقيقة التاريخ في مسيحية الكنيسة التي استعبدت الأوروبيين ما يقارب خمسة عشر قرناً، بعدَ ما يقرب من مائتي عام من تحرر الأوروبي من سطوة الظلم الكنسي يمتنع الأوروبي عن فهم حقيقة سبب قتل جده وأبيه، هل يمتنع أم يمنعونه؟ لا يهمنا في شيء أن نثبت أنهم، حكام الديمقراطية، يمنعونه من فهم سبب قتل الكنيسة لجده المسيحي، المهم أن يفهم الأوروبي أنه حتى اليوم لا يفهم السبب، وأن الأسباب المعلنة والتي كتبوا في إثباتها مئات وآلاف الكتب أسباب تمويهية حتى يستحيل عليه أن يتبيَّن حقيقة سبب مقتل جده المسيحي. لأنه لا يمكنه أن يفهم حقيقة السبب إلا بربطه في حقيقة المسيحية ابتداءً وغاية. والخطر على الديمقراطية، ونظام العيش الديمقراطي، والأيديولوجية الديمقراطية في عقول الأوروبيين، كل الخطر أن يربط الأوروبي فهمه لحقيقة المسيحية بالثورة الديمقراطية، عندها فقط يهتدي إلى حقيقة الديمقراطية وثورتها أنها مؤامرة عليه نقلته من واقعٍ في جهل إلى جهلٍ في واقع، ومن واقع في ضياع إلى ضياع في الحياة، ومن واقعِ خنوعٍ في عبوديةٍ إلى عبودية في نظام!

متى، يقول إن مسيحه قال: قد سمعتم أنه قيل للأولين لا تقتل فإن مَنْ قتلَ يستوجب الدينونة، أما أنا فأقول لكم إن كل من غضب على أخيه يستوجب الدينونة (متى 5: 21). في هذا القول يُبطِل مسيح متى شريعة يهود المحرَّفة التي تسمح بالقتل ويجزم أن من يقتل يستحق الإدانة أي يكون ارتكب جريمة القتل. ثم يمعن في تحريم القتل بتحريم الغضب الذي هو من مقدمات القتل الأساسية، ويجعل الإدانة واجبةً واقعةً على الذي يجوز مقدِّمةً محتملة للقتل. فبأيِّ مسيحية غدرَ شارل التاسع بالمسيحيين في باريس وأجرى دماءهم سيلاً نجساً في أزقة وسواقي المدينة وهم ضيوفٌ عنده وفي أمانِهِ وعهدِهِ بحمايتهم؟ وبأيِّ مسيحيةٍ قتل قسطنطين المئات وسجن وشرد المئات مِمَّن خالفوه الرأي في مجمع نيقيه أول مجمع كنسي لاهوتي يجتمع بأمر الإمبراطور الذي كان وثنياً وتحول مسيحياً بالطريقة نفسها التي تحوَّل فيها الوثني شاؤول إلى مسيحيٍ بولس؟

متَّى، نفسه، في كتابه ذاته، يقول عن مسيحه عينه إنه قال: قد سمعتم أنه قيل أحِبَّ قريبك وابغض عدوك، أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم. وصلُّوا لأجل مَنْ يعنَتُكُم ويضطهدكم لتكونوا بني أبيكم الذي في السموات، لأنه يُطلِع شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين (متى 5: 43 ـ 45) حرَّم الغضب مقدِّمة القتل، وحرَّم ـ مسيحهم ـ البغض تربة الشر، حتى بغض الأعداء وأمر بحب الأعداء وجعل ذلك شرط العبودية لله، إذ كلمة ابن في ذلك الزمن الذي كتب فيه متى كانت تعني العبد، وكلمة ابن الله كانت تعني عبد الله. ولكن سبب إيجاد المسيحية وهدف صياغتها أوجب تحوير وتحريف وتزوير معناها بالذي يعنونه. قرار الديوان الكنسي عام 1568 بقتل المسيحيين في بلاد الأرض المنخفضة من أوروبا كان قراراً، بأيِّ مسيحية؟ مسيحية متى في إنجيله تحرِّم ذلك، مسيحية الحبر الأعظم في الكنيسة تحرِّم ذلك، مسيحية التثليث تحرِّم ذلك، مسيحية الصنم المصلوب تحرِّم ذلك! مسيحية الإمبراطور وحده تسمح بذلك، وحدها مسيحية الرومان تسمح بذلك. لا يمكن فهم سبب إباحة ذلك إلا بربطه بسبب إيجاد الرومان للمسيحية، ورعاية نموها، وتبني الإمبراطور لها، وفرض تعميمها على جميع شعوب الإمبراطورية. عندما جاء جنود الرومان، نزولاً عند إلحاح كاهن هيكل يهود كايافاس ـ caiaphas المارق عن دين موسى سلام الله عليه، لاعتقال عبد الله ونبيه عيسى، كان قائد العسكر الروماني شاهراً سيفه فلما وقف في حضرته قال له النبي عيسى كما يدَّعي مرقص في كتابه: رد سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون (متى: 26: 52 وما بعدها). نحن نعلم بالبرهان العقلي أن عيسى كان عبداً نبياً مرسلاً من الله، ونؤمن عقدياً أنه جاء بالديانة النصرانية، ونفهم يقيناً واقع مؤامرة سلطات الحكم الروماني بإيجاد المسيحية وترئيس عيسى عليها باسم المسيح، وصياغة أفكار مسيحية مسيحهم الذي صنعوه صنماً إلهاً، طوال عشرات العقود من الزمن بعد رفع الله لعيسى من الأرض، من الأفكار والافتراضات التي تزخر بها وثنيات روما والإغريق والشرق. مرقص أحد الذين كتبوا تاريخ المسيح الذي أوهم بولس الناس به، هل نسيت الكنيسة هذا القول لمسيحهم عندما أمرت محاكم التفتيش الكنسية بقتل مئات الآلاف من المسيحيين لمجرد الشبهة في مخالفتها الرأي في حالة مفترضة افتراضاً في المسيح الذي زعم بولس أنه هبط عليه دون أي دليل؟ الكنيسة اختارت أربعة كتب تاريخية وسمَّت كلاًّ منها إنجيلاً من بين آلاف الكتب التي عُرضت عليها وقُدِّمت من كتّابٍ مسيحيين، الكنيسة هي التي فرضت أن هذه الكتب على ما فيها من تناقض واختلاف أنها مقدَّسة عندها، قبل ذلك لم يعتبر أحدٌ أنها كتب مقدَّسة بل كتب تاريخية من تأليف أشخاص. في هذه الكتب يروون عن عيسى، فقط لإعطاء مصداقية لما يزعمونه عن المسيح الذي لا علاقة له بالمسيح عيسى، إذا كانت الكنيسة تعتبر هذه الأناجيل مقدسةً فعلاً فكيف تتجرأ على مناقضة قول في أقدس لحظات مسيحيتهم، لحظة القبض على (يسوع)؟ أليس من المفترض أن يكون مشهد القبض على إلههم أكثر المواقف أثراً في نفس أي مسيحي، وقوله في ذلك الموقف أكثر المواقف تأثيراً في مواقف الكنيسة؟ جاء الجند للقبض على (يسوع) الذي جعلوه فيما بعد إلهاً في صنم ليقتلوه وهو أهم حادث في تاريخ مسيحيتهم فيقول بسماحة مذهلة لا حاجة إلى شهر السيف يكفي أن تشيروا علي بالمشي معكم لملاقاة حتفي. في مواجهة جريمة قتله لا يرد، لا يعارض، لا يفاوض، يسلم نفسه، أما الكنيسة فمجرد الشبهة بمخالفة فرد أو مئات الآلاف لرأي تبنَّته بالتصويت لا بحجة دليله ولا بقوة برهانه، بل بطريقة التصويت نفسها على إباحة اللواط في برلمان الإنكليز، أو طريقة التصويت على إباحة عبادة الشيطان في أمريكا، أو طريقة إباحة الزنا في فرنسا، بنفس الطريقة أقرت الكنيسة رأياً تبنَّته وفرضته مقدساً. كل من أراد مناقشته أو إعادة النظر فيه لأنه يخالف ما تعلموه عبر عشرات ومئات السنين، أمرت الكنيسةُ بقتله! كيف يفسِّر مسيحيُّ اليوم، إذا كان عاقلاً راشداً عدلاً سبب جريمة الكنيسة بقتل آلاف وملايين المسيحيين الذين خالفوها الرأي؟ قد يظن البعض بعد حيرة طويلة في السبب أن الكنيسة نسيت موقف (يسوع) في الانقياد للجنود الذين أخذوه ليقتلوه، لكن هذا ظنٌ موهوم للخروج بالكنيسة من مأزقها حتى لا يكفر بها، إذ كيف يكفر بها ولا يملك بديلاً عنها يتمسك به ينقذه يوم الدينونة. الذي يوجِدُ الأعذار للكنيسة التي كفرت حتى بما اعتبرته وأمرت به أن يكون مقدساً ليس إنساناً عاقلاً راشداً عدلاً، لذلك لن نتوقف للرد عليه. بعضٌ آخر، بعد حيرةٍ أطول في عقله، قد يصل إلى الظن أن الكنيسة خالفت نصوصها المقدسة، وبسبب ما كتب رجالاتها عن اعترافات أسياد الكنيسة عن مخالفتهم للنصوص المقدسة وما أدى إليه من سوء تصرف في بعض الأحيان، وفي بعض القضايا، صدَّق هذا المحتار أن الكنيسة نادمة، وصدَّق أنها أخطأت فوصل للاقتناع أن سبب جرائم الكنيسة التي لا تُحصى ولا يمكن حصرها ولا حتى بآلاف المجلدات كان مخالفة للنص المقدس الذي هو أساساً من صنعها. تائه حائرٌ في واقع علاقة الحياة بالموت، ضائع خائف من انقطاع حياته عن بعثه يوم الوقوف بين يدي الله الخالق ليحاسبه على كفره وإيمانه، خائف من عذاب الله أضاع عقله في خوفه، يفترض كما يظن عَبَدَةُ جوبيتر أن إلهه سينقذه من عذاب الله في الحياة الآخرة فيزداد تمسكاً بشبكة العنكبوت التي وقع فيها. ظنُّ هذا أوهَنُ من ظنِّ الأول، كلاهما يلتمِسُ لنفسه عذراً من إنكار قدسية الكنيسة والارتقاء إلى مستوى مسؤولية الشهادة بالحق. الذي يمنع المسيحي أينما كان من إنكارٍ مطلق للكنيسة لأن كل الخيارات البديلة للمسيحية، وكل الأفكار التي بمتناول يده أن يفهمها، هي بدائل وثنية يعتقد أنه يحتقرها في ذاته ولكنه يحتقرها بقوله لا في ذاته، لهذا لا يلحظ أنه يعيش في ذاته وثنية ليست أقل هولاً ولا أكثر سخافة من تلك الوثنيات التي يحتقرها.

كيف يفهم المسيحي ويبقى مسيحياً بعد أن يعلم أن شارل التاسع ملك الفرنجة دعا مخالفيه بآراءٍ مسيحية إلى باريس في عام 572 ليكونوا ضيوفاً عليه ليناقشهم ويتبادل الرأي المسيحي معهم بالحجة ليتوافقوا على رأي واحد يخدم المسيحية فيصدقوه، ثم في الليل يغدر بهم قبل التحاور وإثبات الاختلاف القاطع فتجري دماؤهم سواقي في أزقة باريس؟ ويفخر تاريخ المجرم شارل التاسع بتهنئة كاهن روما له حامل نفس لقب كاهن روما الوثني قبل المسيحية وحتى قبل مولد المسيح بمئات السنين «الحبر الأعظم»؟ كيف يعلم المسيحي أن المسيحيين كانوا يعرضون على المسلمين بلداً بعد بلد في إسبانيا أن يستسلموا فيحافظوا على أرواحهم ونسائهم وأطفالهم فيصدِّق المسلمون فيستسلموا، وبعد الاستسلام تُبقر بطون النساء ويُذبح الرجال في أعناقهم ويداس الأطفال بأرجل الخيول ويبقى مسيحياً في ملَّة الغدرالاوروبي؟ كيف يبقى المسيحي مسيحياً بعد أن يقرأ في كتاب الفاتيكان «المسيحية عقيدة وعمل» الذي نشره الفاتيكان سنة 1968 أي بعد ألف وتسعمائة وعشرة أعوام من ذوبان بولس في التاريخ في صفحة 50 ما نصه: كان القديس بولس منذ بدء المسيحية ينصح لحديثي الإيمان أن يحتفظوا بما كانوا عليه من أحوال قبل إيمانهم بيسوع]؟ ألا يفهم أنه نفسه حفيد وثني لا مسيحي ولو سمى بولسُ جدَّه مسيحياً؟ ألا يرى أنه لا توجد مسيحية كما يتوهَّم وجودها؟ ألا يتذكر أن بولس مؤسس المسيحية هو الذي كان يقول هذا القول لجده؟ ألا يلحظ خلفية ديانته؟ ألا يتعرَّف إلى أصل المسيحية؟ ألا يشعر أو يفكِّر في أصله المسيحي؟

**المؤرخون والباحثون يحصرون سبب قتل المسيحيين للمسيحيين أنه خلاف عقيدي، هل من طبيعة الإنسان أن يقتل إنساناً آخر لأنه يختلف معه في الرأي؟ كثيرون يجيبون نعم، ويعطون البراهين على حروب الشعوب الوثنية عبر التاريخ أنها كانت لاختلاف عقائدهم. الحقيقة الواقعية في التاريخ أو في حروب التاريخ تنقض قولهم، وحتى لا نخوض في الحروب الصغيرة لنقض قولهم سنأخذ أضخم وأطول وأهول حرب وثنية حصلت في تاريخ الجنس البشري قبل تعميم الرومان لوثنيتهم الجديدة بقوة القتل بالسيف والرمح والفأس.**أطول وأهول الحروب الوثنية افتعلها الرومان منذ العام 500 ق.م. وحتى عام 323 م عندما أعلن قسطنطين أنه رأى رؤية في المنام أوجبت عليه أن يتحوَّل من وثني يعبد صنم جوبيتر إلى مسيحي يعبد ويركع لصنم المسيح. طوال ثمانمئة عام قضاها الرومان في قتل غيرهم. لماذا؟ المؤرخون والباحثون المتخصصون يجمعون على أن الرومان كانوا متسامحين مع جميع الوثنيات، ويجمعون أن روما كانت بكثرة هياكل أصنام الوثنيين وتعددها أشبه بعاصمة كل الوثنيات، ويجمعون أن الرومان لم يخوضوا حرباً واحدة من آلاف الحروب التي خاضوها من أجل القضاء على وثنيةٍ مخالفة لوثنيتهم، ويجمعون أن الرومان لم يفرضوا وثنيتهم على أحد. الحرب الوحيدة التي خاضوها ضد وثنية التضحية البشرية وثنية الكلت في شعوب بريتانيا وأيرلندة، فهذه هي الحرب الوحيدة التي خاضوها ليمنعوا الوثنيين أجداد إنكليز اليوم من ممارسة التضحية البشرية. نفوس الرومان على فظاعة وحشية قلوبهم تقزَّزت من فجور التفحش في أمة الكلت فحاربوهم ليمنعوهم من ممارسة هذه الفظاعة التي لم يقوَ الرومان على احتمالها. انتصر الرومان ولكنهم لم يفرضوا وثنيتهم عليهم.

الحقيقة التاريخية أن الرومان لم يحاربوا الوثنيين الآخرين لإلغاء وثنية وفرض وثنيتهم، والحقيقة التاريخية أن الرومان كانوا يحاربون الجيوش التي تقف في توسيع حدود سيطرتهم لنهب خيرات البلاد الأخرى واستعباد الناس. لم يحاربوا يوماً حرباً وثنية، حتى عندما احتلوا فلسطين لم يفرضوا على يهود أن يتحولوا إلى وثنية أخرى ويتركوا وثنية أحبارهم. بل أقروهم وصادقوهم وأفرزوا لهم قوة عسكرية أسموها شرطة الهيكل تحت إمرة كاهن الهيكل لتحميه وتأتمر بتنفيذ أحكامه التوراتية المحرَّفة. وهذه الحقيقة التي يُجمع عليها المؤرخون حقيقة في مجامع المصادر التاريخية في كل اللغات وعند كل الشعوب، وهي تنقض قول كل باحث أو مؤرخ استدل بأدلة لم يفهمها على حقيقتها. الحقيقة التاريخية أن حروب الوثنيين كانت لتوسيع رقعة سيطرتهم. إذن لا يصح دليلاً أن همجية القتل المسيحي للمسيحي كانت امتداداً للحروب العقدية في التاريخ الوثني، لأن ذلك لم يحصل حقيقة في الحروب الوثنية وإن كان ذريعة معلنة في كثير من الحروب لتأليب النفوس وتعبئتها للقتال. إلا أنها لم تكن ذريعة حقيقية بل ذريعةً خديعة للنفوس.

الحرب العقدية الوحيدة التي عرفها الجنس البشري هي حرب المسلمين للكفار أي لغيرهم من البشر. وهي الحرب الوحيدة التي كان فيها قواعد للحرب وقواعد للقتل. حرب المسلمين لم تكن لتوسيع الحدود لنهب خيرات البلاد، ولم تكن لاستعباد الناس، ولم تكن لفرض الإسلام ديناً، بل لتطبيق نظام الإسلام في علاقات الناس، ولتطبيق معالجات الإسلام في الخلافات الناشئة عن تلك العلاقات، كانت لفرض العدل وإحقاق الحق بين الناس بقوة الدولة.

حرب المسيحيين للمسيحيين لم تكن حرباً على خلاف أن المسيح طبيعة واحدة ومشيئةٌ واحدة أو أن المسيح طبيعتان ومشيئتان، هذا السبب المعلن الذي صدقه المؤرخون والباحثون وافترقوا في تأييد هذا أو ذاك، وتاهوا في آلاف الشواهد والأحداث التي حصروا فهمها بتصديقهم المسبق للذريعة المعلنة فضاعوا وتاهوا عن ملاحظة أن الذريعة خديعة لتغطية حقيقة سبب الحرب التي لا علاقة لها بالمسيحية بل بالغاية التي من أجلها وُجدت المسيحية.

تمدُّدُ الرومان في البداية وتوسع الإمبراطورية الرومانية قام على مبدأ واحد طوال وجودها، قاعدة إفناء الجيوش والقبائل التي تحيط بحدودها لضم بلادهم إلى نفوذها وسلطتها وإدارتها. ومن لم يقتلوا يكونون عبيداً للإمبراطور يوزعهم على مؤيديه في طول البلاد وعرضها. لم يعرف تاريخ البشرية استبداداً وظلماً أكثر قسوة وجبروتاً وبطشاً من حكم الرومان الذي امتد مئات السنين. لا يمكن الاتفاق على عمر الإمبراطورية الرومانية لأن بعض المؤرخين ينعيها عندما انتقلت سلطة الاستبداد والظلم والقتل إلى الكنيسة، إذ بعد أن قسَّم الإمبراطور تيودوسيوس في عام 395 الإمبراطورية الرومانية قسمين بين ابنيه غربية عاصمتها روما يكون عليها ابنه أركاديوس بعد موته الذي كان في عام 408، وشرقية يكون عليها إمبراطوراً ابنه الثاني هونوريوس. غزا البربر روما عام 476م وحطموا سلطة إمبراطورها أبدياً فاستغلت الكنيسة في روما غياب الحاكم القوي وأعلنت أنها صاحبة الحق في الحكم، وبذلك ورثت سلطان الاستبداد والظلم والبطش. بعض المؤرخين ينهي وجود الإمبراطورية الرومانية بهذا الحدث، ولكنا نرى أن حكم الكنيسة كان استمراراً لنفس نمط الحكم الاستبدادي الإمبراطوري الذي كانت الكنيسة تبرر ظلمه وبطشه، فلا شيء في التاريخ تبدل حتى يقال إن عهداً في الاستبداد انتهى وبدأ عهد جديد في الظلم. انتقال السلطة كان تداول بين أيدي أهل الظلم أنفسهم وفي إطار المسيحية نفسها فلم يطرأ جديد لا في أهل الحكم ولا في إطار الحكم ولا في طريقة الحكم ولا حتى في تبرير الاستبداد والظلم والبطش، فالكنيسة كانت مسخَّرة وأصبحت تسخِّر مباشرة.

في رسالة بولس ـ الذي تعتبره الكنيسة قديساً ـ إلى أهل رومية يقول: فالحاكم المستبد لا يحمل السيف عبثاً، إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر]. متى كان طغيان وإجرام فرعون ونيرون وتيبيريوس وأورليان ودقلديانوس وقسطنطين وتيودوسيوس عمل طاعة لله، هل تيبيريوس إمبراطور الرومان الذي وافق على قتل مسيح بولس خادم الله في جريمته؟ هل يُعقل أن يعتبر المسيحي قسطنطين الذي أمر بفض مجمع نيقيه الذي انعقد لأول مرة بحضور ألفين وثمانية وأربعين كاهناً من مختلف الرتب الكنسية لأنهم خالفوه في الرأي، فقتل معظمهم وشرد المترددين منهم وأعاد عقده بالقلة التي وافقت معه، أنه عمل يخدم إلههم؟ هل جرائم تيودوسيوس عام 395 عندما أنشأ محاكم التفتيش وقتلَ بمجرد الشبهة بمخالفته مئات الآلاف من المسيحيين خدمة لإلههم؟ هل بطش جمعية الصليب المقدس التي أمر الإمبراطور بإنشائها في تورينو قبيل عام 350 لتقتل جميع الوثنيين بالإبادة خدمة لإلههم؟ لماذا لم يسأل المسيحيون إلههم وهو موجود بينهم صنماً في كنيستهم أو حياً في قلوبهم: إذا كنت إلهاً فلماذا لم تَهْدِهِمْ بدل أن تأمرنا بقتلهم؟ أم أن المسيحي يُقرُّ بقول بولس إن الحاكم مسيحياً أو وثنياً هو إله لا يُسأل عما يفعل؟ وهل قتل وتشريد محاكم التفتيش في إسبانيا، بأمر الحاكم الإله وبأمر الكنيسة، مئات الألوف من المسيحيين من رحمة الإله أم من استبداد وظلم وبطش الحاكم الوثني وتبرير الكنيسة له في جريمته؟ ألا يتساءل المسيحي في قرار الديوان الكنسي الصادر في عام 1568 بإدانة جميع شعوب الأراضي المنخفضة في أوروبا الشمالية والحكم عليهم بالإعدام فقامت جيوش الحكم المسيحي بقتل السكان رجالاً ونساءً وأطفالاً، عن سبب هذا القرار وحقيقة النفسية والعقلية والعقيدة التي أمرت بذلك أنها نفسية وعقلية وعقيدة وثنية مسيحية إذ لا يعقل لإنسان يصدق أنه إنسان أن يفعل ذلك، وأنه لا يمكن أن يفعل ذلك إلا وثني تحجَّر قلبه على احتقار الصنم الذي يعبده؟

كذا في قول بطرس الخرافة الذي أوهموا المسيحيين بوجوده، بطرس الذي كان في التاريخ النصراني أنه موجود، كان حوارياً من أصحاب عيسى عليه السلام وكان يرى في بولس عدواً للنصرانية ولتلامذة عيسى نبي الله، فكان شديد الضراوة في محاربة بولس والتبرؤ من دعوته المسيحية التي تقول بالإله المتجسد في إنسان وهي فكرة الوثنية الغنوصية. لطمس عداوة بطرس اخترع بولس بطرساً جديداً بعد موت بطرس الحواري المؤمن بعيسى نبياً عبداً مرسلاً من الله الخالق الواحد الأحد، وساعد الرومان دعوة بولس بمزاملته لبطرس بطمس خبر موت أو قتلهم بطرس الحواري أحد الإثني عشر من تلامذة نبي الله عيسى. وهكذا هناك بطرس الحقيقي الذي لم يكذب على الله ولم يقدِّس عيسى ولم ينطق بكفر وهناك بطرس الخرافة التي استمدت قوتها من بطرس الذي قتله الرومان سراً ولم يكشف التاريخ أين وكيف. وبينما حياة بطرس الحواري تلميذ عيسى شخصية حقيقية إذ سجل التاريخ أحداثاً وأقوالاً ترتبط به، نجد حياة بطرس الخرافة ليست شخصية حقيقية فكل الأحداث والأقوال التي ترتبط بها تلصق به ولا ترتبط به، وكل ما يقال عن بطرس الخرافة ليس فيه إثبات على العلاقة بين الشخص والقول أو بين الشخص والفعل، هناك فراغ بين بطرس الخرافة والزعم أنه قال أو فعل. لا بل إن الوقائع الملصقة ببطرس الخرافة تثبت أن شخصيته شخصية مزورةُ الوجود لم تكن أبداً موجودة. يقول بطرس الخرافة وهو الذي عينوه بعد مئات السنين قديساً، وكان لا بد من ذلك لإعطاء أقواله إثباتاً وأحقية: اخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب، إن كان للملك فكمن هو فوق الكل، أو للولاة فكمرسلين منه للانتقام من فاعل الشر، وللمدح لفاعلي الخير، أكرموا الجميع، أحبوا الاخوة، خافوا الله، أكرموا الملك] رسالة بطرس الأولى: الإصحاح الثاني: 11 ـ 17، الذي ينظر في هذا المقطع وينظر في المقطع السابق الوارد عن بولس يدرك فوراً أن هذا ليس كلام رجلين بل كلام رجل واحد، فإن تغاضينا عن الأسلوب الواحد والنص الواحد والمعنى الواحد فإن الرسالة بالمعنى لا يمكن التغاضي عنها، فهي رسالةُ خُطَّةٍ لا رسالة خطاب مكتوب أو مقروء، بل هدف عمل، وغاية خطة، ورسالة المعنى في الخطاب. وهذا يفرض أن وراء الرسالة الواحدة في الخطابين جهةً واحدة، وعقلاً واحداً، وإدارة واحدة.

هذا الفكر في المسيحية هو فكر أساسي في المسيحية وقد استوجب على مر العصور توضيحه وتثبيته، ففي كتابات ترتوليان كما جاءت في اقتباس جان توشار في كتابه تاريخ الفكر السياسي جاء عن ترتوليان هذا النص: الإمبراطور هو لنا أكثر مما هو لأي إنسان آخر، لأن إلهنا هو الذي أقامه ولهذا وجب علينا أن ندعمه، فالسلطة الإمبراطورية مستمدة من الله، وإن كانت لا تشارك في فضائل الألوهية لأنها مخلوقة، فالله خلقها لتنفيذ مشيئته… نحترم في الأباطرة حكم الله الذي أقامه لحكم الشعوب، فنحن نعلم أنهم بإرادة الله يمسكون بالسلطة.] أيضاً هذا القول قيل في حق أباطرة الرومان الوثنيين آلهة زمانهم الذين كانوا يعلنون أن حقهم الإلهي كان من صنم جوبيتر أو من يختار الإمبراطور من عديد الأصنام أن يكون حاميه. لكن، لا يجب الضياع في ظاهر هذا القول أو في معناه أو في حيرة تناقضه مع ما كان يجب أن يكون عليه القول، بل لا بد من التمسك في فهم مدلول معاني هذه الكتابات حتى لا نضيع كما ضاع الباحثون والنقاد عن هدف الفهم في حقيقة المسيحية المؤامرة الرومانية التاريخية على الجنس البشري. ولا يجب أيضاً أن نلتفت إلى مناقضتها لقول منسوب إلى مسيحهم في أناجيلهم معبراً عن ازدرائه واحتقاره وتبرئه من أهل السلطة بقولهم إنه قال: مملكتي في السماء.] ما معنى أو ما مدلول معنى قول المبشر ترتوليان: الإمبراطور هو لنا أكثر مما هو لأي إنسان آخر] في ضوء واقع ترتوليان أنه يدعو لدين جديد يخالف دين الإمبراطور؟ ليس في مدلول هذا اللفظ إلا مدلول واحد أن ترتوليان كان يدعو لدين جديد بأمر من الإمبراطور وبموافقة منه ومباركته وحمايته له. وما معنى أو مدلول معنى قوله: لأن إلهنا هو الذي أقامه] في ضوء إعلان الإمبراطور أن الإله جوبيتر هو الذي أقامه؟ أيضاً ليس في مدلول هذا اللفظ إلا مدلول واحد هو أن ترتوليان في حقيقة الواقع لم يكن يرى فرقاً بين جوبيتر والمسيح إلا بتغيير التسمية لإثارة رغبة التغيير حتى يكون في التغيير تحقيق هدف الخطة في توحيد جميع الوثنيين. كذلك في قوله: فالسلطة الإمبراطورية مستمدة من الله] ألم يكن مفروضاً على جميع شعوب الإمبراطورية الرومانية على اختلاف وثنياتهم أن يعتقدوا أن السلطة الإمبراطورية مستمدة من الآلهة صنماً كانت أم أصناماً؟ أليس ذلك تثبيتاً وترسيخاً للعقيدة الوثنية الرومانية المفروضة على كافة الشعوب؟ أليست إعلاناً عن استمرار حق الإمبراطور الإلهي مع انتشار المسيحية؟ وهكذا يلزم أن تفسر جميع أقاويله على أنها أقوال كهان جوبيتر وكهان أبولون وكهان يونو وكهان وينوس وكهان مينروة. وقوله: نحترم في الأباطرة حكم الله الذي أقامه لحكم الشعوب] هو نفسه في مدلوله كمراسيم السناتوس الروماني بتأليه الإمبراطور أي بإعلانه إلهاً لتكريمه بعد موته كما فعل بمرسوم إعلان يوليوس قيصر إلهاً بعد موته بسنتين، وبمرسوم إعلان أوغسطس قيصر إلهاً في حياته ورُفع صنمه في جميع الهياكل وفي جميع البلاد ورُتِّلت التراتيل باسمه إلى جانب تراتيل الأصنام الأخرى واعتبرت يوم مولده مقدساً واسمه مقدساً، وبعدها أمر بعبادة آبائه على أنهم آلهة طالما هو إله، وأعلن شقيقته أوكتافية وزوجته ليفيا آلهة بمساواتهما مع عذارى آلهة الموقد العائلي الروماني ورُفعت صورهما وتماثيلهما في الهياكل. السناتوس والشعب الروماني وشعوب الإمبراطورية جمعاء، وكلهم وثنيون كانوا يحترمون في الأباطرة حكم الله، وحكم الله هنا تعني اختيار الله لهم ليكونوا أباطرة وهذا يناقض الواقع. فمعظم، إن لم يكن جميع، أباطرة الرومان وصلوا إما بالقوة أو بالغدر أو بالرشوة أو بالزنى بالإمبراطورة أو باللواط مع الإمبراطور. فأي إله يكون من يختار إمبراطوراً بهذه السبل؟ وأي دين يقر باحترام قدسية هكذا إمبراطور، وأي مبشر يدعو لتقديس حق هكذا إمبراطور؟ ولِمَ يصر ترتوليان المبشر المسيحي العظيم بل فيلسوف المسيحية الكبير أن يستعمل لقب الإمبراطور الذي هو عنوان الوثنية والإجرام والنهب في تاريخ البشرية إبان وجود ترتوليان؟ لماذا لم يستعمل غير هذا اللفظ المقيت في قلب الجنس البشري؟ ليس إلا لسبب واحد هو أن الإمبراطور كان سيده، حاميه في رسالته، إلهه في واقعه.

نزاهة الباحثين والنقاد في واقع الألوهة في أوروبا، أو في هل غيَّرت ثورة الإمبراطور الروماني الوثني على الوثنيات وفرضه المسيحية لتوحيد الوثنيين بالسيف والذبح والصلب واقع هذه الألوهة، نزاهة لا تشوبها شائبة. حيادهم في جدية البحث عن الحقيقة وتجرّدهم في فهم القرائن يذهل العقول. عمق أبحاثهم وتشعب انتقادهم يدل على شغفٍ وحبٍّ للحقيقة لولاه لما كان يمكن لأحد منهم أن يستمر في بحثه لما في أبحاثهم من اكتشافات تُؤلم وتصدُم وتُحبِط. آلاف الأبحاث والمقالات الانتقادية، وآلاف الشروحات مع وضد الانتقادات في عشراتِ وعشراتِ آلاف الكتب.

**هل وصلوا إلى الحقيقة؟

أو:

هل ضاعوا في الحقيقة؟

الباحثون كلهم افترقوا يمنة أو يسرة: فرقتين متناقضتين:

فرقة تقول إن المسيحية غيرت واقع الألوهة في الغرب.

فرقة تقول إن المسيحية لم تغيِّر واقع الألوهة في الغرب.

الفرقة التي فارقت يمنةً تقول إن المسيحية منعت عبادة الأصنام.

الفرقة التي فارقت يسرة تقول إن المسيحية منعت عبادة غير الصنم على الصليب.

فرقة تقول إن المسيحية دين جديد.

فرقة تقول إن المسيحية خليط من كل الأديان سابقتها.

واحدة تقول إنه دين الرحمة والإنسانية.

واحدة تقول إنه دين الهمجية والوحشية.

أو تقول إن المسيحية دين سماوي.

بينما الأخرى تقول إنه دين أرضي صاغته وألَّفته يد إنسان.

المسيحية؛

دين الهمجية والوحشية أو دين الرحمة والإنسانية، دين الخديعة والتزوير أم دين سماوي، دين الشياطين أم دينٌ روحي، وثنية جديدة أم وثنية قديمة، هل هذا هو موضوع البحث أم هو بحث في غير الموضوع؟

غفلتهم عن حقيقة المسيحية أنها مؤامرة رومانية لترسيخ دعائم إمبراطورية رومانية أبدياً غفلة أم تغافل؟**

الموضوع الحقيقة؛ هل غيرت أوامر السناتو بفرض المسيحية واقع حال الأوروبي في عبوديته، في حريته، في طريقة عيشه، في بؤسه، في سعادته، في ثرائه، في فقره، في فكره، في أحلامه، في حياته أو في موته! لماذا لم تغيِّر؟ لأنها لم تغيِّر واقع الألوهية! الثورة المسيحية أو الأصح فرضُ المسيحيةِ فَرَضَ تغيير حال الإمبراطور من إله يحمي صنم جوبيتر في معبده إلى حامي صنم المسيح في معبده. حقيقة الموضوع أن الإمبراطور بقي في نظرهم إلهاً يحكم بهواه ليرضي المسيح بعد أن كان إلهاً يحكم بهواه ليرضي جوبيتر. واقع الألوهية في الغرب لم يتغير بفرض المسيحية بل جاءت المسيحية في أهمِّ نصوصها الأولى تقدِّس الحاكم، تثبِّته، تطيعه، تحميه، تكرِّسه من نسل الآلهة، تقدِّس حقه الإلهي في بركة الإله، تجعل طاعته واجباً مقدساً في أساس المسيحية. في أوائل ديانته التي صاغها في أوائل رسائله يقول مؤسس المسيحية بولس في رسالته إلى أهل رومية الإصحاح الثالث عشر: 1 ـ 3 ما نصه: لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله.. حتى إن مَن يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله. والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة، فإن الحكام ليسوا خوفاً للأعمال الصالحة بل للشريرة.] أي تقديس للحاكم أكثر من هذا التقديس؟ الحاكم عند بولس ليس الحاكم المسيحي بل الحاكم الوثني والأخص الحاكم الإله الروماني. هو كان يدعو في بلاد الرومان ويخاطب رعايا الرومان فهو لم يدعُ إلى طاعة حاكم لاحق بل إلى طاعة الحاكم القائم. ولم يدعُ إلى طاعة حاكم مسيحي فلم يكن هناك حديث عن حاكم مسيحي، وهذا سرُّه المخفي أنه جاء بدعوته المسيحية يكرِّس ألوهة الحاكم الروماني وثنياً غير مسيحي حتى يسهل تكريس ألوهته مسيحياً حاكماً. وفي نفس الرسالة في 4 ـ 5 يقول: فإذا كنت تريد ألا تخاف السلطان افعل الصلاح فيكون لك مدح فيه لأنه خادم الله للصلاح، لكن إذا فعلت الشر فخف لأنه لا يحمل السيف عبثاً، بل هو خادم الله منتقم من الذي يفعل الشر.] هل كان في زمن قول بولس هذا الكلام أشرُّ وأظلم من حكم الرومان؟ ما معنى الصلاح في هذا الكلام غير طاعة الحاكم الوثني الروماني! هذه رسالة تبشير فيما يزعمون أنه دين جديد، بينما في تفسيرها العملي رسالة تبشير بدين خضوع مطلق للحاكم الروماني، هذه الرسالة وحدها إثبات يكفي برهانها لدمغ بولس أنه مربوط بحبل طرفه بيد سلطة رومانية تحركه كيف تشاء، تنفخ فيه الهواء لينطق بما تريد. كيف مرَّ البحاثة والنقاد والفلاسفة بهذا القول ولم يأخذوه إثباتاً على أن المسيحية كلها مؤامرة فكرية من حبك الرومان؟ إنهم بحثوا في معنى القول وأسهبوا في شرحه أنه دعوة إلى المسالمة، وأنها تتعلق بالصيغة الروحية للتبشير المسيحي، وأنها من جنس من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، وأنها إثبات عن الرحمة عند المسيحيين. لم يفهموا هذا القول بمدلوله، لم يربطوا القول بهدف القول، لم يدركوا مقاصد الفكر في الألفاظ، فهموا النص ولم يفهموا معناه، أو أدركوا معناه ولم يعقلوا غايته، فصلوا بين اللفظ وفكره، أو بحثوا وانتقدوا وكفروا بمعنى اللفظ فأشبعوا عطش الكراهية للمسيحية في نفوسهم، واكتفوا بنشوة إثبات الحجة على الخطأ والفساد في الفكر المسيحي. الكراهية عاطفة ككل العواطف في الإنسان، إن كان السعي لإشباعها، عميت بصيرة العقل عن رؤية مسالك الدرب في السعي، همهم كان إقامة الحجة على صوابية كراهيتهم، وعلى خطأ المسيحية، وعلى فشل المسيحية، وعلى جرائم المسيحية، وعلى أن المسيحية أوهام وتدجيل ووثنية. ماذا يقدم أو يؤخِّر ذلك في وجود المسيحية، ماذا يؤثر في ارتداد المسيحيين عن مسيحيتهم، بماذا يضعف سطوة الكاهن على المسيحي؟

في الحقيقة التاريخية الثانية عن تأليه الناس للحاكم في المسيحية ديانة الرومان الجديدة أيضاً قد دال عليه الزمن، ولم يعد أحد يناقش فيه أو يتأثر به. فالمسيحية في أوروبا ـ في وهم الأوروبيين ـ زالت بحلول الديمقراطية.

إذا سلمنا، نحن المسلمين، وصدَّقنا أولاً أن الوثنية التي سادت في وثنيات قبل المسيحية زالت وحلَّت محلَّها المسيحية. وصدَّقنا ثانياً أن المسيحية زالت وحلَّت محلَّها الديمقراطية فالواقع يصدمنا: لماذا تعاظمت كراهية الأوروبي للإسلام لماذا يستمر كل حاكمِ قطيعٍ أوروبي في قتل المسلمين؟ لماذا تهيج مشاعر الأوروبيين ضد الإسلام والمسلمين في سرعة البرق؟ لماذا يكره الأوروبيون المسلمين في عقولهم وقلوبهم؟ لماذا يستمر الحكام بنظامهم الديمقراطي في منع الأوروبيين من فهم الإسلام؟ لماذا بعد قرنين ونيف من حلول الديمقراطية ديانة وثنية جماعية بدل المسيحية ديانة الوثنية الفردية؟ أم أن القول الأصح حلول الديمقراطية ديانة وثنية فردية جديدة بدل المسيحية ديانة الوثنية الجماعية. أيهما أكثر صواباً وأقوى حجة هو موضوع منفصل عن جواب لماذات المسلمين في سبب استمرار كراهية أوروبا للإسلام. ولا يخفف أو يزيل صدمة المسلمين، ولا يفسِّر سبب استمرار كراهية ديمقراطيي أوروبا وأمريكا للمسلمين والإسلام بنفس الحدَّة التي كان يكرهنا بها المسيحيون، وحتى أكثر مما يكرهنا وثنيو خرافات الهنود واليابان ووثنيو الفراغ ملحدي كل زمان.

إنهم يكرهوننا بلا شك. في الواقع يكرهوننا بمشاعر المسيحيين. المسيحية ما زالت متأصلة. يكذبون عندما يقولون إن الديمقراطية حلت محل المسيحية. الغبي وحده الذي لا يستطيع التفريق بين استبدال الحاكم لِقناعه المسيحي صنماً مصلوباً بِقِناع ديمقراطي، وبين حلول الديمقراطية محل المسيحية. حال الغبي هذا كحال الغبي الذي لم يستطع التفريق بين تبديل الإمبراطور قِناعه بصنم جوبيتر بِقِناعِ مسيحٍ صنمٍ مصلوب، وبين حلول المسيحية محل الوثنيات. الغبي، مسيحياً أوروبياً أو ديمقراطياً أوروبياً لا يدري لماذا يستمر الحقد فيه على المسلمين، ولا يدري رغم عدم التزامه المسيحي لماذا يتوارث كراهية المسلمين ويغلظ عقله حتى عن محاولة فهم الإسلام. الغبي الأوروبي لا يدري لماذا عقيدته الديمقراطية ونظامه الديمقراطي، ولماذا حكامه الديمقراطيون وثقافته الديمقراطية أبقت على شعلة كراهية المسلمين والإسلام ناراً تتأجج في قلبه وعقله، رغم ثورته على المسيحية ـ في خياله ـ ورغم تبديله المسيحية بالديمقراطية ـ في أحلامه ـ فكراً وطريقة عيش.

الغبي رجل حلَّ في الغباء. الغباء ثقافة فكرية يفرضها حكام أوروبا كلٌّ في شعبه وعلى شعبه. فرضوا أن لا يكون هناك غبي أوروبي بل أوروبيون أغبياء فيهم ومنهم استثناء يديرون فيهم وعليهم لعبة تثقيفهم ثقافة الغباء.

ثقافة الغباء في الأوروبيين بدأت عندما بدأ السناتو خطته في تحويل مئات الوثنيات إلى وثنية واحدة، وعندما بدأ خطته الفكرية في تحويل الوثنيين في وثنيات إلى وثنيين في وثنية، وترسخت أبدياً إلى اليوم عندما فرض المسيحية بديلاً جديداً لتعدد الوثنيات وتفرق الوثنيين. وما الثورة الديمقراطية على المسيحية إلا كالثورة الرومانية على وثنياتها. هل غيَّرت الثورة الرومانية المسيحية على الوثنية واقع الألوهية في الغرب؟

يميل الباحثون ميلة واحدة يمنةً، ويميل النقاد الذين يفتشون عن الحقيقة ميلة واحدة يسرةً. كلهم يكتبون ويقارنون ويفتشون في تجرّد وتقيد بمثاليات وخُلُقِيّات لم تجرِ به أبحاثٌ أخرى في تاريخ كفار الجنس البشري.

تداول الأيام بين الحكام أزالت القيصر وشتَّتَت التوحد في الأمة الرومانية وقامت الشعوب أمماً وتكاثر الحكام الآلهة كلٌّ في ظلمه وجبروته يحكم قطيعاً من الأوروبيين. جميع الحكام حرصوا على قواعد مؤامرة تجييش الأوروبيين بكراهية الإسلام وكراهية المسلمين. جميع حكام أوروبا وهم متفرقون يتقاتلون مسيحيون مع مسيحيين في بلادهم كانوا يبعثون جيشاً موحَّداً من جميع المسيحيين الأعداء ليقتلوا المسلمين، لسبب واحد: حتى لا تخبو مشاعر كراهية الإسلام في نفوس الأوروبيين. لم يُعامَل الأوروبي يوماً في التاريخ وفي الحاضر على أنه إنسان، عبر التاريخ، كان يُعامَل على أنه ثور، حيوان مُنتج، يُساطُ فيطيع. واليوم، عبودية الأوروبي في أجلى مظاهرها التاريخية، مؤامرة اليوم منعته من الإحساس بحقيقته حتى فقد الإحساس بعبوديته، وظلمه، وتفاهته. حقيقة عبودية الأوروبي اليوم أن المؤامرة في عبوديته ألغت وجوده الإنساني في الواقع بجعله وجوداً إنسانياً في وهم الواقع. ولكن كراهيته للإسلام لم تخبُ، ومؤامرة الحكام في الإبقاء على النتيجة سبباً لم تنكشف. نجاح الحكام، عصراً بعد عصر، في إحكام الغطاء على الحقيقة التاريخية في سبب كراهيتهم للإسلام، ونفخها في شعوب العبيد للسلطة كراهية مسيحيين لمسلمين أبقى ويُبقي تفجير ذلك الحقد وتلك الكراهية في أيدي الحكام أبداً.

**حقيقةُ المؤامرة في واقعها أنها مؤامرةٌ على الأوروبيين وليست على المسلمين كما يُظن عبر التاريخ والكتب والأبحاث والمؤامرات والحروب ووحشيَّة الأوروبي عبر التاريخ في قتله للمسلمين. حقيقة المؤامرة أنها في واقعها مؤامرة على الأوروبيين لا يُمكن أن تُفهم إلا بالتمسك الدائم بحقيقتين في التاريخ.

الأولى: واقع الأوروبي قبل المسيحية أنه كان وثنياً مفروضاً عليه تأليه الحاكم.

الثانية: واقع الأوروبي بعد المسيحية أنه كان مسيحياً مفروضاً عليه تقديس الطاعة لل

حاكم.

المسيحية وحَّدت الأوروبيين في وثنية عبادة صنم لا ينطق وعبادة حامي صنم ينطق عنه. في البداية كان الحامي واحداً: إمبراطور الرومان.**

لمّا فهم أكابر مجرمي قبائل أوروبا مؤامرة الإمبراطور تلقَّفوها وقام كل من يستطيع التفوق على غيره بالجريمة والغدر والخديعة على أنه صاحب الحق في حماية الصنم، أو صاحب قدرة على حماية الصنم، لم يقل ممن يحميه، ولم يقل لماذا يحتاج الصنم الجديد إلى من يحميه. لم يقل، لأنه كان يعلم أنه يكذب. يقول ليكذب لا يقول ليثبت. الناس لم يسألوا، لأن بينهم وبين المنتصر في معركة حماية الصنم جيشاً. جيش المنتصر في جريمته أحط الناس في عبودية الحامي الجديد للصنم الجديد. المنتصر، الذي أطل برأسه بعد انهيار الإمبراطور الروماني إله المسيحيين الناطق الحي، كان بديلاً صغيراً في قبيلته وجغرافيته، محدوداً في قوته وموارده. بمقارنة موارده مع غيره كان يحدَّد مستوى ألوهته المقتطعة من الإمبراطور: ملكاً، دوقاً، أميراً أو غيره. بذا، تحولت أو تفسَّخت حتى لا نقول تقمَّصت ألوهة القيصر في طبقة من حثالة المجرمين في كل شعب أوروبي بعد أن تكاثرت القبائل لتصبح شعوباً بعد أن تفرَّقت البطون وتباعدت الأفخاذ. المنتصر الذي اغتصب سلطة من الإمبراطور أو مقاطعة من مقاطعاته بالواقع اقتطع جزءاً من كل، فإذا كان الإمبراطور إلهاً وسلطته إلهية فالمجرم المغتصب المنتصر يتحوَّل طبيعياً ليكون من معدن السلطة التي حصل عليها، دون إعلان وتبرير كان المجرم المنتصر يصبح إلهاً يفرض ألوهته بتقديس شعبه لطاعته. وكان أول أعمال ألوهته الجديدة إعلانه نفسه حامياً للصنم المصلوب وقسمه أن كل شيء يعمله يكون لخدمة الصنم أولاً لا الناس. وبالتالي يكون هو الوحيد الذي يقرر كيف يُخدم ويُحمى ويُسعَد صنم الشعب!

في الحقيقة التاريخية الأولى عن تأليه الناس للحاكم واقع قد دال عليه الزمن ولم يعد أحد يناقش فيه أو يتأثر به، ولا يقدِّم البرهان فيه أي حجة ولا يثير حماساً. فالوثنية في أوروبا ـ في وهم الأوروبيين ـ زالت بحلول المسيحية.