حديث رمضان ( 10)

**نفحات الله

عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات الله عز وجل فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم » أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان، وأبو نعيم في الحلية ., وقال ايضا “إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا له لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا” عن محمد بن مسلمة".كنز العمال.

إن النفحات الإلهية مرتبطة بأمور قدرها الله تعالى ، كالأمكنة كما في الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" قال لا تشد الرحال إلا ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الأقصى" أخرجه مسلم من حديث سلمان الأغر,وعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم “صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ” والأزمنة المرتبطة به كليالي الجمعة والقدر ورمضان فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا , قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم "مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَهُ وَقَامَ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ لَهُ كَتَبَ الله لَهُ مِئَةَ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ ، وَكَتَبَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ ، وَكُلِّ لَيْلَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ ، وَكُلِّ يَوْمٍ حِمْلاَنِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله ، وَكُلِّ لَيْلَةٍ حِمْلاَنِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله ، وَكُلِّ يَوْمٍ حَسَنَةً ، وَكُلِّ لَيْلَةٍ حَسَنَةً"إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة. ، وموسم الحج ، وما شابه ذلك .

وتارة تعود إلى أمور مرتبطة بالعبد نفسه ، فهو الذي يوجب باختياره توجيه تلك النفحات اليه في احاله من مرض وصحة وفقر وغنى وغضب وحلم, فالقيام بعمل ذي بال بين يدي المولى تجاوزاً عن شهوة عارمة ، او كظماً لغيظ مستعراو صبر عند وقوع مصيبة, فعن أم سلمة زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وخلف عليها خيرا منها ) قالت فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه مسلم عن أبي بكر.. فإن العبد يعيش بعدها حالة من الإنشراح الروحي يعيشه بكل وضوح بغض النظر عن آلامه الجسدية والنفسية كانسان, لانه يعيش حالة الاطمئنان والرضى لقضاء الله في كل احواله.

ومن جميل ما قرأت للشعراوي في خواطره في قوله تعالى { إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً }التوبة 36 “لذلك كانت تكاليف العبادة محسوبة بالقمر حتى تسيح المنازل القمرية في البروج الشمسية ، فيأتي التكليف في كل جو وطقس من أجواء السنة ، فلا تصوم رمضان في صيف دائم ، ولا في شتاء دائم ، ولكن يُقَلِّبُ الله مواعيد العبادات على سائر أيام ,وهكذا نجد أن حكمة الله اقتضت أن تدور مواقيت العبادات على سائر أيام السنة حتى يستطيع كل الناس أن يؤدوا العبادات بلا مشقة . إذن فالمنازل شائعة في البروج ، وهذا سبب قول بعض العلماء : إن ليلة القدر تمر دائرة في كل ليالي السنة ، وذلك حسب سياحة المنازل في البروج” .

ان لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها.. إن من الضروري أن يهيء العبد المقدمات اللازمة لاستنزال تلك النفحات التي لو توجهت اليه لأحدثت تغييراً جوهرياً ينعكس على سلوكه الخارجي,كالجزء المتعرض للشمس تدفئه حين يتعرض لها ولا تدفئه وهو في الظل, فمشكلات الحياة المعاصرة أن طراز حياة المسلمين اليوم أصبحت خليطاً تضيع فيه الحكمة وتحرم فيه الخصائص من تلبية مطالبها الفطرية، واصبحت الحياة معه مكفهرة كالحة سريعة ومنزوعة البركة، إذ تصاب النفوس من جراء ذلك بالتذمر، والسأم، والكراهية، والظمأ الروحي إلى نفحات السعادة التي لا تمر في أجواء مشحونة بالنفور والحقد والحسد والشماتة والتدابر, و امراض القلوب التي تنتشر بين الناس في هذه الايام,فكان لا بد من تطهير القلب تهيئة له لاستقبال هذه النفحات, عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ، يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم , ثم ذكر الرجل يطيل السفر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب أشعث أغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك” . صحيح أخرجه مسلم عن أبي كريب.

إن الركون إلى حالات إقبال القلب ، واستذواق اللذائذ الروحية في العبادات والبحث عنها ، وفي المقابل عدم الاهتمام بالسلوك الخارجي ، لمن صور تلبيس الشيطان الذي يريد من العبد ان يركن إلى اللذائذ - ولو كانت روحية - بدلا من السعي الى تغيير الواقع, فمن اللازم ان نعطي النفحة حقها ، فإن الادبار الاختياري بعد الاقبال ، مما يوجب عدم عود تلك النفحات مرة اخرى .. فهو سوء ادب بين يدي المولى يوجب مثل هذا الحرمان بل العقوبة.

إن العبد من خلال التجربة يكشف مواقع خاصة في حياته تتجلى فيها النفحات الالهية.. فعليه ان يستقرىء تلك التجارب ويحاول ان يركز على الاعمال التي توجب له مثل تلك النفحات, وكان سفيان ابن عيينة يقول :لا تكن مثل عبد السوء لا يأتي حتى يدعي : ائت الصلاة قبل النداء.**

**لذلك يعلمنا الحق سبحانه أنْ نحتاط لهذا الأمر، فيقول سبحانه: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } الكهف23-24 فاربط فعْلك بمشيئة الله التي تُيسّر لك الفعل ولا ينبغي أنْ تجزم بشيء أنتَ لا تملك شيئًا من أسبابه.

قلنا: هَبْ أنك قلتَ: سألقاك غدًا في المكان الفلاني، وسأعطيك كذا وكذا، فأنت قلتَ هذه المقولة ووعدتَ هذا الوعد وأنت لا تضمن أن تعيش لغد، ولا تضمن أنْ يعيش صاحبك، وإنْ عشْتُما لغد فقد يتغير رأيك، أو يصيبك شيء يعوقك عن الوفاء، إذَن: فقولك إنْ شاء الله يحميك أنْ تُوصف بالكذب في حالة عدم الوفاء؛ لأنك وعدتَ ولم يشأ الله، فلا دخلَ لك في الأمر.

فالوعد الحق يأتي ممَّنْ؟ منَ الذي يملك كُلَّ أسباب الوفاء، ولا يمنعه عنه مانع.

وقوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَخفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقنُونَ} الروم: 60 ومعنى خف الشيء: لم يَعُدْ له ثقَل، واستخفّ غيره: طلب منه أنْ يكون خفيفًا، فمثلًا حين تقسو على شخص يأتي آخر فيقول لك: خف عنه. واستخفّه مثل استفزّه يعني: حرّكة وذبذبة من ثباته، فإنْ كان قاعدًا مثلًا هَبَّ واقفًا.

 لذلك نقول في مثل هذه المواقف (خليك ثقيل.. فلان بيستفزك يعني: يريد أنْ يُخرجك عن حلمك وثباتك.. متبقاش خفيف..إلخ) ونقول للولد (فز) يعني قِفْ انهض، ومنه قوله تعالى {  وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ }الإسراء: 64

 فالمعنى: إياك يا محمد أنْ يستقزّك القوم، أو يُخرجوك عن ثباتك، فتتصادم معهم، لكن ظلّ على ثباتك في دعوتك ولا تقلق؛ لأن الله وعدك بالنصرة ووَعْد الله حَقٌّ. والحق سبحانه ساعة يُرخِى العنان لمن كفر به إنما يريد أنْ يُخرِج كل ما عندهم حتى لا يبقى لهم عذر، ثم يقابلهم ببعض ما عنده مما يستحقون في الدنيا، والباقي سيرونه في الآخرة الله يقول{  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }الصافات: 171-173 ,ومن سيرة الإمام علي - رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه علمنا أنه ابتُلي بجماعتين الخوارج الذين يُكفِّرونه، والشيعة الذين يُؤلهونه ويصلون به إلى درجة النبوة، حتى صدق فيه قول رسول الله: " هلك فيك اثنان: مُحب غالٍ، ومبغض قَالٍ "انتهى كلام الشعراوي والحديث ذكره الآلوسي ايضا.

ويروى أنه - رضي الله عنه - كان يصلي يوماً الفجر بالناس، فلما قرأ: (ولا الضالين) اقترب منه أحد الخوارج وقرأ{ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ }الزمر65 يريد أن يقول له: أنت كافر ولن يقبل منك عملك,وسرعان ما فطن علي لما أراده الرجل، فقرأ بعدها مباشرة: { فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ } الروم: 60 يعني: لن تُخرِجني عن ثباتي وحِلْمي ولن تستفزني.

والعظمة في هذا الموقف أنْ يرد عليه لتوِّه بالقول الشافي من كتاب الله دون سابق إعداد أو ترتيب، ولِمَ لا، وهو علي بن أبي طالب الذي أُوتِي باعاً طويلاً في البلاغة والفصاحة والحجة ( الحاوي في تفسير القرآن الكريم عبد الرحمن بن محمد القماش.)

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني سعيد بن سليمان، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، قال: حدثنا أبو سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( ما أصاب مسلماً قط، هم، أو حزن، فقال: اللهم إني عبدك، وابن أمتك، ناصيتي في يدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عنه كربه، وأبدله مكان حزنه فرحاً.

قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات ؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن).**

**الأول: بشارة أصحاب الإنابة بالهداية: قال تعالى: { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) } الزمر، فقد بشرت الآية المنيبين إلى الله والخاضعين لأمره بالهداية، التي يلزم عنها التوفيق في الدنيا والآخرة.

الثاني: بشارة المخبتين والمخلصين بالحفظ والرعاية، قال سبحانه: {وبشر المخبتين} (الحج:34)، الآية لم تتحدث عن طبيعة هذه البشارة، لكن يستفاد من آيات أُخر أنها بشارة بالجنة التي أعدت للمتقين، وبشارة برضا الله عنهم.

الثالث: بشارة المستقيمين بتأييد الله لهم، وتثبيتهم على الحق: قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} (فصلت:30). أي: الذين أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعته على ما شرع الله لهم، فلا خوف عليهم مما يقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا يحزنون على ما خلفوه من أمر الدنيا، من ولد وأهل ومال، فإن الله يخلفهم فيه، وتبشرهم الملائكة بذهاب الشر وحصول الخير.

الرابع: بشارة المتقين بالفوز والحماية: قال سبحانه: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) }يونس، فالآية تبشر المتقين بخيري الدنيا والآخرة.

الخامس: بشارة المذنبين بالمغفرة والوقاية: قال تعالى: { إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ }يس11، تبشر الآية المذنبين بمغفرة ذنوبهم، وتعدهم بالأجر الكبير الواسع الحسن الجميل.

السادس: بشارة المجاهدين بالرضا والعناية: قال سبحانه: { الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) } التوبة، فالمجاهدون في سبيل الله أعظم فضيلة عند الله من الذين افتخروا بسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، ويبشرهم ربهم برحمة منه يوم القيامة، ورضوان من الله أكبر، والنعيم المقيم في جنات الخلد. السابع: بشارة المطيعين بالجنة والسعادة قال سبحانه {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات} البقرة:25، تبشر الآية المؤمنين بالله رباً والعاملين بشرعه بالجنات والرزق الحسن والسعادة الأبدية.

الثامن: بشارة المؤمنين بالعطاء والشفاعة: قال تعالى: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} (يونس:2)، تبشر الآية الكريمة المؤمنين بالله بأن لهم أعمالاً صالحة عند الله، يستوجبون بها منه الثواب.

التاسع: بشارة المنكرين بالعذاب والعقوبة: قال سبحانه: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} (النساء:138)، قال ابن عاشور: لما كان التظاهر بالإيمان، ثم تعقيبه بالكفر ضرباً من التهكم بالإسلام وأهله، جيء في جزاء عملهم بوعيد مناسب؛ لتهكمهم بالمسلمين، فجاء به على طريقة التهكم، إذ قال: {بشر المنافقين}، فإن البشارة هي الخبر بما يَفرحَ المخبَر به، وليس العذاب كذلك. ونحو هذا قوله سبحانه: {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران:21).

العاشر: بشارة الصابرين بالدعاء لهم والرحمة: قال تعالى: {وبشر الصابرين} (البقرة:155)، إلى قوله تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} (البقرة:157)، تبشر الآية الكريمة الصابرين بالدعاء لهم والرحمة من ربهم، ومن تولاه الله بالدعاء والرحمة فقد فاز فوزاً عظيماً.

الحادي عشر: بشارة المؤمنين بلقاء ربهم، والعيش في روضات الجنات: قال سبحانه: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} (الأحزاب:47)، والفضل الكبير الذي بشر الله به عباده المؤمنين في هذه الآية، جاء شرحه في قوله سبحانه: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }الشورى22. فهذه الآية شارحة لما أبهمته الآية الأخرى.

وعلى العموم، فإن لفظ (البشارة) من الألفاظ المركزية في القرآن الكريم، وهو لفظ يتجه في الأغلب إلى المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويدل على وَعْدٍ بالخير، حصل أو سيحصل لهم. وما جاء من الآيات على خلاف هذا الأصل، فبقصد التهكم، أو لمعنى آخر مراد.

قوله تعالى: " فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) "هود ، فحصلت لإبراهيم البشرى، بأنه سيرزق إسحق، وأن إسحق سيرزق يعقوب، ولا يجوز للنبي أن يشك في بشارة الله تعالى(القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي).**

**وبشر الصابرين

يختار القرآن الكريم من الألفاظ ما هو أوقع في القلوب، وأدل على المطلوب؛ إذ اللفظ هو صلة الوصل بين المتكلم والمخاطب، وبقدر ما يكون هذا اللفظ واضحاً ومشرقاً، بقدر ما يحدث أثراً في النفس، فتسرع لقبوله، والأخذ بمضمونه ومدلوله.

وقوله تعالى: { مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ }البقرة213 هذان حالان؛ لأن الرسل يأتون بالبشارة والنذارة في آن واحد؛ يعني: ليس بعض الرسل مبشراً، والآخر منذراً؛ بل كل واحد جامع بين التبشير، والإنذار؛ أي مبشرين بثواب الله عزّ وجلّ لمن استحقه؛ ومنذرين بعقاب الله لمن خالف أمره؛ قال الله - تبارك وتعالى -: {لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً} [الكهف: 2] ؛ فهنا بينت الآية المبشَّر، والمبشَّر به؛ فالمبشَّر: المؤمنون الذين يعملون الصالحات؛ والمبشَّر به: أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ { وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } الكهف 4،5 ,ومن الألفاظ القرآنية المتصفة بما ذكرنا لفظ (البشارة)، فما دلالة هذا اللفظ في القرآن، نعرف ذلك بعد أن نطل سريعاً على تحديد المعنى اللغوي لهذا اللفظ.

تفيد معاجم العربية أن الجذر (بشر) يدل على ظهور الشيء مع حسن وجمال. فـ (البشرة) ظاهر جلد الإنسان، ومنه باشر الرجل المرأة، وذلك إفضاؤه ببشرته إلى بشرتها. وسمي البشر بشراً؛ لظهورهم. و(البشير) الحسن الوجه. و(البشارة) الجمال. قال الأعشى:

                   ورأت بأن الشيب جانبه البشاشة والبشارة

أي: جانبه الحسن والجمال. ويقال: بشرت فلاناً أبشره تبشيراً، وذلك يكون بالخير، وربما حُمِل عليه غيره من الشر. ويقال: أبشرت الأرض، إذا أخرجت نباتها. ويقال: بَشَرْتُ الأديم، إذا قشرت وجهه. وفلان مؤدم مبشر، إذا كان كاملاً من الرجال، كأنه جمع لين الأُدْمة، وخشونة البشرة. و(البشارة) أصلها الخبر بما يُسَرُّ به المُخبَرُ، إذا كان سابقاً به كل مخبِر سواه. و(التبشير) الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، وهي ظاهر الجلد؛ لتغيرها بأول خبر يرد عليك. والغالب أن يستعمل في السرور مقيداً بالخير المبشر به، وغير مقيد أيضاً. ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيداً منصوصاً على الشر المبشر به؛ قال تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران:21). ويقال: بَشَرْتُه وبَشَّرْتُه بِشارة فأبشر واستبشر. وبشر يبشر، إذا فرح. ووجه بشير، إذا كان حسناً بيِّنَ البَشارة. و(البشرى): ما يعطاه المُبَشَّر. وتباشير الشيء: أوله.

ولفظ (بشر) ومشتقاته ورد في القرآن الكريم في ثلاثة وعشرين ومائة موضع، ورد في ثمانية وأربعين موضعاً بصيغة الفعل، من ذلك قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (البقرة:25)، وهذا الفعل هو أكثر أفعال هذه اللفظ وروداً في القرآن الكريم، حيث ورد في ثلاثة عشر موضعاً. وورد هذا اللفظ بصيغة الاسم في خمسة وسبعين موضعاً، منها قوله سبحانه: {وهدى وبشرى للمؤمنين} (البقرة:97)، وأكثر الأسماء وروداً لهذا اللفظ لفظ (البشر)، حيث ورد في سبعة وثلاثين موضعاً، منها قوله عز وجل: {وقلن حاش لله ما هذا بشرا} (يوسف:31). وخُص في القرآن كل موضع اعتبر من الإنسان جثته وظاهره بلفظ (البشر)، نحو قوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا} (الفرقان:54).

ولفظ (البشارة) ورد في القرآن الكريم على وجوه، هي وفق التالي:**

**وعن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" إني ضربت للدنيا مثلا ولابن آدم عند الموت مثله مثل رجل له ثلاثة أخلاء، فلما حضره الموت قال لأحدهم: إنك كنت لي خلا وكنت لي مكرما مؤثرا وقد حضرني من أمر الله ما ترى فماذا عندك؟ فيقول خليله ذلك: “وماذا عندي! وهذا أمر الله قد غلبني عليك ولا أستطيع أن أنفس كربتك ولا أفرج غمك ولا أوجر سعيك ولكن ها أنا ذا بين يديك فخذ مني زادا تذهب به معك فإنه ينفعك” ثم دعا الثاني فقال: إنك كنت لي خليلا وكنت آثر الثلاثة عندي وقد نزل بي من أمر الله ما ترى فماذا عندك؟ فيقول: “وماذا عندي! وهذا أمر الله قد غلبني ولا أستطيع أن أنفس كربتك ولا أفرج غمك ولا أوجر سعيك، ولكن سأقوم عليك في مرضك، فإذا مت أنقيت؟ غسلك وجددت كسوتك وسترت جسدك وعورتك”؛ ثم دعا الثالث فقال: نزل بي من أمر الله ما ترى وكنت أهون الثلاثة علي وكنت لك مضيعا وفيك زاهدا فماذا عندك؟ قال: “عندي أني قرينك وخليفك في الدنيا والآخرة، أدخل معك قبرك حين تدخله وأخرج منه حين تخرج منه، ولا أفارقك أبدا”؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا ماله وأهله وعمله، أما الأول الذي قال “خذ مني زادا” فماله، والثاني أهله، والثالث عمله" كنز العمال.

ومن أحسن هذه الأمثال وأبلغها وأعظمها تقريبا إلى الأفهام ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله - سبحانه - أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ليعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ، وإنه كاد أن يبطئ بها ، فقال عيسى : إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم ، فقال يحيى : أخشى إن سبقتني أن يخسف بي أو أعذب فجمع الناس في بيت المقدس ، فامتلأ المسجد وقعدوا على الشرف ، فقال : إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن : أولاهن : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق . فقال : هذه داري وهذا عملي ، فاعمل وأد إلي ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده ، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك ؟ وإن الله أمركم بالصلاة ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا ، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت ، وأمركم بالصيام ، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك ، وكلهم يعجبه ريحها ، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، وأمركم بالصدقة ، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه ، فقال : أنا أفتدي منكم بكل قليل وكثير ، ففدى نفسه منهم ، وأمركم أن تذكروا الله ، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم ، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : السمع ، والطاعة ، والجهاد ، والهجرة ، والجماعة ; فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه إلا أن يراجع . ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم ، قالوا : يا رسول الله وإن صلى وإن صام ؟ فقال : وإن صلى وإن صام ، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله } ، حديث صحيح .**

**(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد) (1)

فرق العلماء بين الأذكياء والأغبياء، فالفرق أن الأغبياء يعيشون الماضي، والأذكياء يعيشون المستقبل، ووازن أنت بين إنسانيين إنسان يفكر في مواجهة التحديات المستقبلية، وإنسان يتغنى بالماضي وواقعه سيئ جداً، أيهما أذكى ؟ فالله عز وجل في هذه الآية يلفت نظرنا ليسأل كل واحد منا نفسه, هل أعددت العدة لساعة الموت ؟ هل أعددت العدة ليوم تنتقل من بيت إلى قبر ؟ هل أعددت العدة حينما تنقطع الشهوات كلها ؟ لا زوجة، ولا أهل، ولا أولاد، لا يوجد إلا القبر، وهذا القبر سوف نرده ونسكنه فلا ينكر الموت احد , البطولة والكياسة والذكاء أن تعد العدة للغد وأن تعيش المستقبل، فأن تعيش المستقبل دليل رجاحة العقل، وأن تعيش الماضي دليل ضيق الأفق فاعمال العقل في الماضي لا يغير الواقع، فالانسان اذا ألمّ به الم من أسنانه مثلا اذا تذكر ألف وليمة أكل منها أطيب الطعام فهذا التذكر لا ينهي الألم الحالي ؟ فالبطولة أن تعيش المستقبل.

اننا في حياتنا الدنيا نحصي بضاعتنا وما نكسبه او ما نخسره بعد كل صفقة او في بداية كل شهر وما هو مطلوب منا وما يمكننا ان نوفره اوما ندخره,وهذه الاعمال جزء من حياتنا اليومية ويحصل اليسر تارة والعسر تارة,ويشغل هذا الامر من وقتنا وتفكيرنا,القليل او الكثير من الوقت في خضم هذه الحياة التي صبغتها المادية بصبغتها,وننشغل بما نحن فيه عما نحن مقبلون عليه ومع الاسف فلا يشغل ما نحن مقبلون عليه عشر حيز ما نحن فيه,فكان لا بد من وقفة تدبر وتفكر في خضم هذه الحياة حتى لا ننجرف بتيار الحياة ويحرفنا عما خلقنا اصلا من اجله فنقلق لاجل ذرياتنا وبناتنا واولادنا وننسى في لجة قلقنا عليهم انفسنا.

ان ذكر ما ترك من مال وعقار واراضي هو ما يتداوله القوم حين وفاة احدهم وان ورثته سوف يستمتعون بما ترك ,واما ذكر ما قدم لنفسه فلا يكاد ان يذكر والاصل ان يعمل الانسان لنفسه ويقدم لها ,فلا يعمل للغير,ولا تخدعه الدنيا ورحم الله شوقي حين وصف الدنيا قال:

       لها نظر القيان الى غبي            ولي نظر الذكي اذا تغابى

أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ , قَالَ ( جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لِي لا أُحِبُّ الْمَوْتَ ، قَالَ : " هَلْ لَكَ مَالٌ ؟ " ، قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " فَقَدِّمْ مَالَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ " ، قَالَ : لا أُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " فَإِنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَالِهِ ، إِنْ قَدَّمَهُ أَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَهُ ، وَإِنْ خَلَّفَهُ أَحَبَّ أَنْ يَتَخَلَّفَ مَعَهُ ) .

وروى ابن حميد ، حدثنا حكام بن سلم ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن عبد ربه ، أن الحسن كان يقول : ابن آدم ، صاحب الدنيا ببدنك ، وفارقها بهمك وقلبك ، فإنك موقوف على عملك ، فخذ مما في يديك لما بين يديك ، وعند الموت يأتيك الخبر .

وروى الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - : قال : «يُقْرَأُ على الطفل فاتحةُ الكتاب، ويقول : اللهم اجعله سَلَفا وفَرَطا وذُخرا وأجْرا». أخرجه البخاري

سلفا وفرطا : إذا مات للإنسان ولد صغير قيل : جعله الله لك سلفا وفرطا ، فالسلف : من سلف المال في المبيعات ، كأنه قد أسلفه وجعله ثمنا للأجر والثواب ، والفرط ، المتقدم على القوم لطلب الماء ، أي جعله الله متقدما بين يديك ، وذخرا عنده.


(1) الحشر18**

**ان صاحب المشروع السياسي الواضح ليدرك ان الامة ومقدراتها وما تعتقده وتؤمن به ليست حقلا للتجارب,ولا تساق بالتمنيات والاحلام,فلا يعدها بما لا يقدر عليه ولا يمنيها بما لا يمكنه بلوغه فليست الامة محلا للتدليس الفكري,بل طريقه واضح المعالم والامة شريكة له لادراكها وعورة الطريق الموصل للعزة وهذا لا يتأتى الا بصدق الخطاب والممارسة.

يقول الشيخ المؤسس رحمه الله في بداية كتاب التكتل(قامت حركات متعددة للنهضة ، كانت محاولات لم تنجح ، وإن تركت أثراً فعالاً فيمن أتى بعدها ، ليعيدوا المحاولات مرة أخرى . ويرى المتتبع لهذه المحاولات ، الدارس لهذه الحركات ، أن السبب الرئيسي في إخفاقها جميعها يرجع من ناحية تكتلية إلى أربعة أمور :

أولها - أنها كانت تقوم على فكرة عامة غير محددة ، حتى كانت غامضة ، أو شبة غامضة ، علاوة على أنها كانت تفقد التبلور والنقاء والصفاء .

وثانيها - أنها لم تكن تعرف طريقة لتنفيذ فكرتها ، بل كانت الفكرة تسير بوسائل مرتجلة وملتوية ، فضلاً عن أنه كان يكتنفها الغموض والإبهام .

وثالثها - أنها كانت تعتمد على أشخاص لم يكتمل فيهم الوعي الصحيح ، ولم تتمركز لديهم الإرادة الصحيحة ، بل كانوا أشخاصاً عندهم الرغبة والحماس فقط .

ورابعها - أن هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يضطلعون بعبء الحركات لم تكن بينهم رابطة صحيحة سوى مجرد التكتل الذي يأخذ صوراً من الأعمال ، وألفاظاً متعددة من الأسماء .

ولهذا كان من الطبيعي أن تندفع هذه الكتل فيما عندها من مخزون الجهد والحماس حتى ينفد ، ثم تخمد حركتها وتنقرض ، وتقوم بعدها حركات أخرى ، من أشخاص آخرين ، يقومون بنفس الدور ، حتى يفرغوا مخزون حماسهم وجهدهم عند حد معين ، وهكذا دواليك .

وكان إخفاق جميع هذه الحركات طبيعياً ، لأنها لم تقم على فكرة صحيحة واضحة محددة ، ولم تعرف طريقة مستقيمة ، ولم تقم على أشخاص واعين ، ولا على رابطة صحيحة .

ان غياب المشروع السياسي من قبل من نجحوا في الانتخابات اُضطروا لان يستعينوا بالادارات القديمة وان يتعاطو معها كانهم مدراء لهذه المؤسسات سواء اكانت قضائية ام تنفيذية, وبرز هذا الامر من خلال الخلافات التي طفت على السطح وادخل فيها الشارع كعامل ضاغط مع او ضد الحكومة الجديدة مما انعكس على الدولة وحدوث الفوضى التي تتنازعها الاطراف ويلقي كل طرف باللوم على الآخر تحت شعارات الاخونة او العزل السياسي.

اننا كحملة دعوة واصحاب مشروع سياسي واضح المعالم فكرة وطريقة قد حملنا القواعد الاربعة واخذنا عليها البيعة من الفئة الاقوى من الامة حتى اذا شاء الله واراد وشاء لم نجد من يغالط ويُدلس ,فالصورة واضحة:فالسيادة للشرع والسلطان للامة ولامير المؤمنين الحاكم ان يستعين بمن يشاء لادارة امور الدولة ضمن اطار السياسة التي رسمها,ليكونوا منفذين لسياسة لا واضعي سياسة فالحاكم هو الذي يحدد السياسة ولا يحددها له الغير تحت ضغط الظروف كما حصل في دول الربيع العربي اذ صار الحاكم بمثابة المدير الذي ينفذ السياسة المرسومة له.

وعله فانه من واجبنا محاربة التدليس الفكري الذي يمارس ضد الامة ومحاولة خلط المفاهيم بين الادارة والسياسة,فرجال الدولة قادة سياسيون مفكرون يعتقدون فكرة مبدأية يسوسون الناس على اساسها,والادارة علم وفن لانجاز المصالح العامة وفق سياسات الدولة ومبدأها.**

**إن غياب الفكرة التي يقوم عليها الحكم وانعدام الرؤية الرعوية الواضحة يؤدي إلى اعتبار الحكم والسياسة بمعنى رعاية شوؤن الأمة مجرد مسائل إدارية بحتة تحددها ضوابط اخرى كالعلاقات الخارجية والمعاهدات الدولية المكبلة للامة بل واحترامها بغض النظر اوافقت ام خالفت توجهات الامة وعقيدتها,وهذا ما قاد إلى الفشل الحتمي وصنع ظروف عدم الاستقرار كما حصل في مصر وتونس التي تعصف بهما رياح عاتية ناجمة عن الثورة وعن البون الشاسع بين الشعارات والممارسة العملية للحكم,فالدولة حكم وادارة والادارة تابعة للحكم يوجهها الحاكم لتتوافق مع نهجه السياسي,وموظفوا الدوائر الحكومية ينفذون سياستها ولا علاقة لهم بالحكم,ومثاله ان الموظفين في الدوائر الحكومية الفرنسية ظلوا في وظائفهم بعد ان احتلها النازي وما تغير عليهم الا توجيهات الحاكم الجديد والذي يوجه الادارة لخدمة هدفه السياسي,وهذا ما سيفعله اميرنا القادم باذن الله.

ان مفهوم الحكم هو رعاية رعية بناء على فكرة سياسية واضحة, وبناءً على هذا الفهم لواقع الحكم، فإن الحركات والجماعات التي تملك أفكاراً تطلب الحكم وتسعى اليه لانه الطريقة العملية لايجاد هذه الافكار في معترك الحياة, حتى تتمكن من قيادة أمتها بأفكارها، وفي الحالة المصرية والليبية والتونسية واليمنية فإن الفكرة السياسية للحكم منعدمة لديها، وهذا الامر هو الذي انتج هذه الحالة من الفوضي والارتباك,فالغاية غير واضحة وكذلك طريقة الوصول لها.

لقد نشأت في المجتمع جمعيات لسد ثغرة وتلك الثغرة كانت الالتزام بأحكام الإسلام التي يؤديها الافراد تحت شعار (اصلح الفرد يصلح المجتمع) ، وهي لم تطرح يوماً ما برنامجاً للحكم، ولم تستهدف الحكم أبداً في تاريخها، وكان يرضيها من الحاكم أن ترى بجنبه سجادة صلاة. وعندما طرح المرحوم سيد قطب فكرة الحاكمية لله في كتابه الشهير معالم في الطريق، ضج الإخوان المسلمون ورفضوا الفكرة وأصدر الهضيبي المرشد العام للاخوان كتابه “دعاة لا قضاة” رداً على طروحات سيد واعتبر هذا الامر خروجا عن الاطار

ان عداء أنظمة الحكم للاحزاب الإسلامية المخلصة والتي تعمل لايجاد الاسلام في واقع الحياة وإقفال كافة أبواب العمل السياسي أمامها بل واجماع وزراء الداخلية العرب على محاربتها رغم اختلافهم في امور اخرى واتفاقهم على سياسة التعتيم الاعلامي عدا عن الملاحقة والمحاربة والابعاد الوظيفي في الوقت الذي تبقيه مفتوحاً للحركات التي تصف نفسها بالاسلام المعتدل وترفع شعار الوسطية قد أدى ذلك مضافا اليه الاغراء المادي إلى توجه الشباب المندفع نحو الإسلام إلى تلك الحركات المعتدلة باعتبار أنها وحدها الموجودة في الساحة،فوجدت لها جذور وشعبية وهذه الشعبية كانت ظاهرة للعيان ابان الربيع العربي حين طالبت الأمة بالتغيير في كل من مصر وتونس وظنت الأمة أن البديل للأنظمة القائمة يتمثل في هذه الحركات الإسلامية,فخاب املها بعد ان قارنت ضخامة الشعارات وهزال الممارسات ,فتخلى عنهم من تخلى وانسلخ من انسلخ وندم على انتخابهم من ندم,ومع الاسف حورب الاسلام من خلالهم واوجدوا للمخلصين عقدة في طريقهم .

وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم في كل من مصر وتونس ومع وصولهم لم يصل الإسلام إلى الحكم في هذين البلدين، وحكم الرئيس مرسي في مصر وجماعة الغنوشي في تونس حكماً هو أقبح من سابقه، فقد رفض الغنوشي مراراً فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية مع أن نجاح جماعته كان بناء على شعار “الإسلام هو الحل”، وأقدم الرئيس مرسي على أعمال شديدة الشناعة ما تأنفه نفس المسلم مثل فخره بدفع الربا في وقته، واستمرار بيع الغاز لـ (إسرائيل)، وإقفال الكثير من أنفاق غزة، والاستقبال المخزي لنجاد شريك جزار سوريا وغيرها كثير، هذا ناهيك عن غياب أحكام الإسلام عن الحكم في مصرلا دفعة واحدة ولا تدرجا.**

**الدولة بين الادارة والحكم

آيتان من كتاب الله لفتتا انتباهي وشدتاني وهما قوله تعالى(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)النساء105 والثانية(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3))الزمر2 فافراد الله عز وجل في العبادة لا يفترق ولا ينفصل عن افراده في تطبيق حكمه ,فحكمه في الارض كعبادته فيها, وكل من يحاول الفصل بين عبادته وحكمه متتبع لسبل غير سبيل الله,فالالوهية له وحده والعبودية له وحده,وقد بين لنا في صراطه المستقيم كيف نطيعه في العبادة وفي الحكم .

ان المتتبع للاحداث السياسية التي حدثت في المنطقة العربية وما صاحبتها من سقوط رؤوس وارتفاع شعارات دغدغت مشاعر الناس دغدغة اوهمتهم انهم قد انعتقوا من قيود كانت تضغط عليهم سياسيا واقتصاديا اورثتهم الفقر والذل وكم الافواه وامست الهجرة للعقول والهروب من الواقع هو الحل.

ومع ارتفاع شمس الحقيقة وبدء ذوبان ثلج الوهم بدأت الامور تتكشف شيئا فشيئا وكثرت الاسئلة تتوالى ولا اجوبة لها وان وجدت بعض التبريرات الخجولة التي لم تلب بعض احتياجات الناس الذين ُحق لهم ان يسألوا هل حصل تغيير…؟؟؟؟وهل سقط النظام الذي سالت دماؤنا لاسقاطه…؟؟؟ هل تجذر ام سقط..؟؟وهل انكسر قيد الامة ام أُسبغت عليه الصفة الشرعية…؟؟؟

لقد ظهر للعيان مسألة بالغة الأهمية في الحياة السياسية، وهي الفرق في مفهوم الحكم بمعنى القيادة ومعنى الإدارة وهذا ما نحن بصدده فالنظرة الخاطئة لواقع الحكم تؤدي إلى اعتباره مسألة إدارية كإدارة الشركات والمؤسسات، فتخلو من أذهان هؤلاء(الحكام الجدد) المسائل القيادية بمعنى القوامة على المجتمع وصبغه بصبغة الفكرة السياسية التي حملتهم الى الحكم,فقد كان شعار (الاسلام هوالحل)هو من اوصلهم لتعشق الناس للاسلام فتبخر هذا الشعار بعد ان وصلوا,وليس هذا فحسب بل لقد تفاخر احدهم انه قد ادى الفائدة في وقتها بعد ان كان يحاربها حين كان في المعارضة,فقد حصل الخلط بين التصريح الاداري لمدير شركة حول وضعها المالي وبين تصريح حاكم راع لأمة.

انه من الضروري وضع الحد الفاصل بين الادارة والحكم,فواقع الادارة انها العلم الذي يرجع اليه لتحقيق التنظيم السليم ضمن الامكانيات المتاحة للوصول الى الاهداف المنشودة باقل تكلفة وجهد ممكن في الوقت المناسب وذلك بتوزيع المهام والمسؤليات توزيعا يلائم الغرض المطلوب,وهذه لا علاقة لها بوجهة نظر ويمكن اخذها من مدارسها المتعددة او اجزاء منها وفق ما يناسب الآخذ.

انه لا يمكن قيادة أي أمة او أن تعتبر جماعة ما نفسها قوامة على فكر الامة وحسها من دون فكرة أساسية سياسية للحكم، وهذه الفكرة قد تكون مبدأ وقد تكون فكرة أخرى غير مبدئية كالفكرة القومية او الوطنية التي تثير مشاعر وأحاسيس الوطنية او القومية مثل فكرة الحزب النازي الألماني التي ُتميز العرق الألماني عن باقي العروق, فيأخذ الحزب الحاكم قيادة البلاد في خدمة قومية ما على حساب قوميات أخرى ، أو حتى فكرة شديدة التعصب لقومية ما والتي يكون مخزون مشاعرها أحداثاً تاريخية جساماً مثل أحزاب الدولة اليهودية التي لا يزال الهولوكوست عنصراً أساسياً في بنيتها المشاعرية وبالتالي ينعكس على أفكارها السياسية العملية، وباختصار فإن الحركة التي تتولى الحكم يجب أن يكون لديها فكرة ما للحكم بها وقيادة أمتها بهذه الفكرة، وبدون ذلك لا يمكن لأي حركة أن تقود أمة ما قيادة فعلية بدون وجود الفكرة.**

**الثالثة أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شيء له قيمة ومقدار رفعه وحفظه ثم نظرت إلى قول الله عز وجل ‏"‏ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) النحل‏‏ فكلما وقع معي شيء له قيمة ومقدار وجهته إلى الله ليبقى عنده محفوظاً‏.‏

الرابعة‏:‏ أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى الحسب والشرف والنسب فنظرت فيها فإذا هي لا شيء ثم نظرت إلى قول الله تعالى ‏"‏ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات‏‏ فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريماً‏.‏

الخامسة‏:‏ أني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضاً وأصل هذا كله الحسد ثم نظرت إلى قول الله عز وجل ‏"‏ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) الزخرف‏ فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة من عند الله سبحانه وتعالى فتركت عداوة الخلق عني‏.‏

السادسة‏:‏ نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضاً فرجعت إلى قول الله عز وجل ‏"‏ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) فاطر‏ فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدو لي فتركت عداوة الخلق غيره‏.‏

ا لسابعة‏:‏ نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذل فيها نفسه ويدخل فيما لا يحل له ثم نظرت إلى قوله تعالى ‏"‏ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) هود فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها فاشتغلت بما لله تعالى علي وتركت ما لي عنده‏.‏

الثامنة‏:‏ نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم كلهم متوكلين على مخلوق, هذا على ضيعته وهذا على صحة بدنه وكل مخلوق متوكل على مخلوق مثله فرجعت إلى قوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) الطلاق‏‏ فتوكلت على الله عز وجل فهو حسبي قال شقيق‏:‏ يا حاتم وفقك الله تعالى.

وقال حاتم الأصم رحمه الله ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علماً فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك هو‏.‏

وقال مالك ابن دينار‏:‏ إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا‏.

      يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً =   إذ عبت منهم أموراً أنت تأتيها

      أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهداً    =   فالموبقات لعمري أنت جانيها 

      تعيب  دنياً  وناساً  راغبين   لها     =    وأنت  أكثر  منهم  رغبة  فيها

**عالم وتلميذ

ان العلامات الفارقة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة ونعني بعلماء الدنيا علماء السوء الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ‏"‏ رواه ابن عساكر عن أبى هريرة , قال سفيان : إن أنا عملت بما أعلم فأنا أعلم الناس وإن لم أعمل به فليس في الدنيا أجهل مني, وقال أبو الدرداء : لا يكون المرء عالما حتى يكون بعلمه عاملا, فالعلم علمان‏:‏ علم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وعلم في القلب فذلك العلم النافع ‏‏. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:“فقيه واحد أشد على الشيطان من آلف عابد”.رواه الترمذي وابن ماجة. وعن أبي بكر رضي الله عنه قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أُغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً، ولا تكن الخامس فتهلك والخامس أن يبغض العلم وأهله "رواه الطبراني.

أن المتعلم لا بد ان يتأدب بآداب طلب العلم وكيفية التعامل مع العلماء, لانها أدب مع الله سبحانه وتعالى وتعظيم لشعائره، في قوله تعالي:" ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ" (32) الحج,وتوقير حملة العلم الشرعي وحماته من توقير الله سبحانه وتعالى قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه"رواه أحمد ، والطبرانى.

وتوقير العالم سنة ماضية:- قال طاووس بن كيسان:" من السنة أن يوقر أربعة: العلم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد". قال الشعبي: صلي زيد بن ثابت رضي الله عنه علي جنازة ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ يركبه، فقال له زيد: “خل عنك بابن عم رسول الله، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء”. قال الناظم:

         وقر مشايخ أهل العلم قاطبة     =  حتى توقر إن أفضى بك الكبر

         واخدم أكابرهم حتى تنال به      =  مثلا  إذا  ما  شارف  العمر

وروى نافع عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (الاقتصاد فى النفقة نصف المعيشة والتودد إلى الناس نصف العقل وحسن السؤال نصف العلم)رواه الطبرانى فى الأوسط ، وابن عساكر وهذه قصة استاذ وتلميذه تشرح ما نحن بصدده: روي عن حاتم الأصم - تلميذ شقيق البلخي رضي الله عنهما - قال الذهبي في العبر: حاتم الأصم هو أبو عبد الرحمن الزاهد صاحب المواعظ والحكم.. وكان يقال له لقمان هذه الأمة. أنه قال له‏:‏ شقيق منذ كم صحبتني قال حاتم‏:‏ منذ ثلاث وثلاثين سنة قال‏:‏ فما تعلمت مني في هذه المدة قال‏:‏ ثمان مسائل قال شقيق له‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل قال‏:‏ يا أستاذ لم أتعلم غيرها وإني لا أحب أن أكذب, فقال هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها قال حاتم‏:‏ نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوباً فهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل إلى القبر فارقه فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي‏.‏

فقال‏:‏ أحسنت يا حاتم فما الثانية فقال‏:‏ نظرت في قول الله عز وجل ‏"‏ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)النازعات ‏ فعلمت أن قوله سبحانه وتعالى هو الحق فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت علي طاعة الله تعالى‏.‏**

**الشجاعة

يردّ معناها إلى أصل واحد هو الجرأة والإقدام. في لسان العرب: شَجُع شجاعة: اشتد عند البأس، والشجاعة: شدة القلب عند البأس، ومن يتصف بهذا الخلق يقال له: شَجاع وشِجاع، والثبات على الحق. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ) أخرجه البخاري، وأرسل ابو بكر رضي الله عنه كتابا لخالد بن الوليد يقول فيه: احرص على الموت توهب لك الحياة، فأخذه الشاعر فقال:

تأخرت استبقي الحياة فلم أجد = لنفسي حياة مثل أن أتقدما

قلنا ان الشجاعة هي شدة القلب عند البأس، و(عند) هي الظرف الذي يُعَينها، فليست قبله او بعده بل فقط عند وقوعه، ومن شيم الخلفاء ما ذكره المسعودي في مروج الذهب (ج2 ص113) (ان عبد الملك بن مروان سار على رأس الجند الشامية لقتال المختار الثقفي بالكوفة، وبينما هو في الطريق اتاه في احدى الليالي خبر مقتل عبيد الله بن زياد وانهزام جنده، وأتاه في تلك الليلة ايضا مقتل القائد الذي ارسله لحرب عبد الله ابن الزبير بالمدينة ثم جاءه خبر مسير امبراطور الروم ونزوله المصيصة في طريقه الى الشام، ثم جاءه ان عبيد دمشق واوباشها خرجوا على اهلها وان المسجونين فيها هدموا السجن وخرجوا منه وان خيل الاعراب اغارت على حمص وبعلبك الى آخر ما هنالك من اخبار السوء ، وكان عبد الملك بالرغم من هذا رابط الجأش شديد الايمان، فلم ير في ليلة قبلها اشد ضحكا ولا احسن وجها ولا ابسط لسانا ولا اثبت جنانا من تلك الليلة تجلد وسياسة للملوك) انتهى.

وقد ذكر ابن عبد البر في بهجة المجالس وأنس المجالس لا حيث قال: “وقد وفد على عمر بن الخطاب بفتح، فقال: متى لقيتم عدوكم؟ قالوا: أول النهار. قال: فمتى انهزموا؟ قالوا: آخر النهار، فقال: إناّ لله، وأقام الشرك للإيمان من أول النهار إلى آخره!! والله إن كان هذا إلاّ عن ذنب بعدى، أو أحدثته بعدكم، ولقد استعملت يعلى بن أميّة على اليمن استنصر لكم بصلاحه”.

قال عمر بن الخطاب ? رضي الله عنه ? لبعض بني عبس: كم كنتم في يوم كذا؟ قال: كنا مئة، لم نكثر، فنتواكل ونفشل، ولم نقل، فنذل. قال: فبم كنتم تظهرون على أعدائكم، ولستم بأكثر منهم؟ قال: كنا نصبر بعد الناس هنيهة». يتبين من أسئلة عمر ? رضي الله عنه ? أنه يريد أن يعرف الأسباب وراء انتصار عبس رغم قلتهم؛ وقد جاء الجواب شافياً، ومعقولاً، واحتوى على عناصر سوف تنفع عمر في توجيه قواد جيوش المسلمين؛ فليس النجاح بكثرة العدد، لما فيه من التواكل، وكثرة العدد عند غير المجرب قد تغري بالاعتماد عليها، والاغترار بها، فتكون مدعاة للخذلان؛ وهناك عنصر مهم آخر، وهو الصبر في المعارك، ومع الصبر يأتي النصر، والشجاعة التي تجعل بطلاً يغلب آخر هي في المقدرة على الصبر، وإطالة المقاومة، وتمديد الأمل في أن يمل الخصم، وييأس العدو، فيسلِّم أمره، ويلقي سلاحه، أو يلوذ بالفرار.

وقال عمر بن الخطاب ? رضي الله عنه ? للحطيئة: كيف صبرتم على حرب بني ذبيان، وهي أضعافكم في العدد؟ قال: كان فينا ألف حازم. قال: وكيف كان فيكم ألف حازم، وهل كان في عبس وغطفان هذا؟ قال: كان فينا قيس بن زهير»، رجل واحد استطاع بحزمه أن يكسب قومه الحرب، رغم أن عددهم كان قليلاً.

وعمر، وهو الحازم، يعرف ما يفعله الحزم بالناس، ولعل عمر سرَّ سرورًا عظيماً أن يسمع من الحطيئة أن الحزم يفعل هذا الفعل، ولابد أن هذا يزيده إصراراً على الحزم الذي اتخذه ديدناً له في حياته ? رضي الله عنه.

واما القصة: فإنها لربعي بن عامر رضي الله عنه: يرسل رستم عبر القنطرة يطلب من المسلمين وفدًا للحديث معه، فيخبر زهرة بن الحُوِيَّة سعد بن أبي وقاص بذلك، فيجمع سعد بن أبي وقاص مجلس حربه، ويقول لهم: إنني سأرسل له وفدًا عظيمًا من أصحاب الرأي، كما أرسلت من قبل ليزدجرد؛ ليقيم عليه الحُجَّة، ويدعوه إلى الإسلام. فيقول ربعي بن عامر: إن هؤلاء القوم قوم تباهٍ، وإننا لو فعلنا ذلك يرون أننا قد اعتددنا بهم (أي: جعلنا لهم مكانة عظيمة، وأقمنا لهم الهيبة ونحن خائفون منهم)، ولكني أرى أن ترسل لهم واحدًا فقط؛ فيشعروا أننا غيرُ مهتمين بهم؛ فيوهن ذلك في قلوبهم. فتجادل معه القوم، ولكنه ظل يجادلهم حتى قال سعد: ومن نرسل؟ فقال ربعي: سَرِّحوني. أي: دعوني أذهب إليه أكلمه؛ وعندما وافق سعد وافق بقية القوم، ووقع في قلوبهم الرضا، وذهب ربعي بن عامر ليقابل رستم. وربعي هذا لم يكن من قواد الجيوش الإسلامية، ولكنه سيد في قومه، وانطلق ربعي على فرسه الصغير ذي الذيل القصير، وهذا شيء تُهَانُ به الخيولُ، ويلبس ثيابًا بسيطة جداً (قديمة ومهلهلة ولكنها نظيفة)، وهذا لباسه منذ أن قدم للقتال؛ فذهب به لمقابلة رستم، ويربط سيفه في وسطه بشيء غنمه من الفُرْسِ، وبالطبع هم يعرفون شكل لباسهم (وفي هذا إذلال لهم كأنه يقول لهم: ما كان في أيديكم بالأمس أصبح اليوم في يدي، وهذا أمر يؤثر في أنفسهم كثيرًا)، ويحمل فوق ظهره السهام، وفي مِنطَقته السيف، وله جحفة من جريد النخل مثل التُّرس يتقي بها السهام، وكانت دروع الفُرس من الحديد القوي، وكان يلبس من الدروع درعًا حديدية تغطي نصفه الأعلى، وكان من أطول العرب شعرًا وقد ضفَّره في أربع ضفائر، فكانت كقرون الوعل، ودخل عليهم بهذا المنظر غير المعتاد بالنسبة لهم؛ فدخل بفرسه ووقف على باب خيمة رستم، فطلب منه القوم أن ينزع سلاحه، فقال: لا، أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رَجعتُ.

فأخبروا رستم بذلك، فقال: ائذنوا له بالدخول. فدخل بفرسه على البُسُطِ الممتدة أمامه، وهي طويلة جدًّا، يتراوح طولها ما بين مائة وخمسة وستين مترًا إلى مائة وخمسة وثمانين مترًا، وعندما دخل بفرسه وجد الوسائد المُوَشَّاة بالذهب؛ فقطع إحداها، ومرر لجام فرسه فيها وربطه به، وهذا يُوحِي بأن هذه الأشياء ليست بذات قيمة عنده، وفي هذا أيضًا إذلال للفرس، ثم أخذ رمحه، واتجه صوب رستم وهو يتكئ عليه، والرمح يدب في البسط فيقطعها، ولم يترك بساطًا في طريقه إلا قطعه، ووقف أهل فارس في صمت، وكذلك رستم، وبينما هم يفكرون في جلوسه جلس على الأرض، ووضع رمحه أمامه يتكئ عليه، وبدأ رستم بالكلام؛ فقال له: ما دعاك لهذا؟ أي: ما الذي دفعك للجلوس على الأرض؟ فقال له: إنا لا نستحب أن نجلس على زينتكم. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال له: لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة (هذا هو المفهوم عند ربعي بن عامر، وعند الجيش المسلم في معظم الأحاديث التي دارت: أن الله قد ابتعث هذه الطائفة؛ لتقوم بمهمة وليست للبحث عن الغنائم، أو الطغيان في البلاد)، فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر. فقال له رستم: قد تموتون قبل ذلك. فقال: وعدنا الله أن الجنة لمن مات منا على ذلك، وأن الظفر لمن بقي منا. فقال له رستم: قد سمعت مقالتك (أي فهمت مقصدك)، فهل لك أن تؤجلنا حتى نأخذ الرأي مع قادتنا وأهلنا؟ فهو يطلب منه مهلة يفكر فيها، فقال له: نعم، أعطيك كم تحب: يوماً أو يومين؟ أي: من الممكن أن نعطيك فرصة من غير أن نحاربكم لمدة يوم أو يومين؛ فقال له رستم: لا، ولكن أعطني أكثر؛ إنني أخاطب قومي في المدائن. فقال: إن رسول الله قد سنَّ لنا ألا نمكن آذاننا من الأعداء، وألا نؤخرهم عند اللقاء أكثر من ثلاث (أي ثلاثة أيام فقط حتى لا يتمكنوا منا ويتداركوا أمرهم)، فإني أعطيك ثلاثة أيام بعدها؛ اختر الإسلام ونرجع عنك أو الجزية، وإن كنت لنصرنا محتاجًا نصرناك، وإن كنت عن نصرنا غنيًّا رجعنا عنك، أو المنابذة في اليوم الرابع، وأنا كفيل لك عن قومي ألا نبدأك بالقتال إلا في اليوم الرابع، إلا إذا بدأتنا (أي: أنا ضامن لك ألا يحاربك المسلمون إلا في اليوم الرابع). فقال له رستم: أسيِّدُهم أنت؟ أي: هل أنت سيد القوم ورئيسهم حتى تضمن لي أن لا يحاربوني؟ فقال له: لا، بل أنا رجل من الجيش، ولكنَّ أدنانا يجير على أعلانا. فهو يقصد أن أقل رجل منا إذا قال كلمة، أو وعد وعدًا لا بُدَّ وأن ينفذه أعلانا.

ونذكر حادثة أبي عبيد بن مسعود الثقفي في موقعة باقُسْيَاثا، عندما أُسِرَ قائدُ الفرس جابان وأمَّنه جنديٌّ مسلمٌ، وهو لا يعرف أنه جابان، وبعد ذلك علم المسلمون أنه جابان، فرفض أبو عبيد بن مسعود الثقفي أن يقتله وقال: أمَّنه جندي مسلم، ويقتله أبو عبيد. وأطلق سراحه، وقد كان قائد الفرس في موقعة أُليّس، فهُزِمَ ثم هرب، ثم التقى مع المسلمين في موقعة باقُسْيَاثا، وهُزِم فهرب، ثم قُتِلَ بعد ذلك، فالمسلمون يجير أدناهم على أعلاهم، هكذا قال له ربعي بن عامر، ثم تركه وانصرف.**

**نصيحة أبي حازم التابعي لسليمان بن عبد الملك

مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أياما، فقال هل بالمدينة أحد أدرك أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا له: أبو حازم، فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين، وأي جفاء رأيت مني؟ قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني. قال: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك. قال فالتفت سليمان إلى محمد بن شهاب الزهري فقال أصاب الشيخ وأخطأت، قال سليمان: يا أبا حازم، مالنا نكره الموت؟ قال لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. قال: أصبت، يا أبا حازم فكيف القدوم غداً على الله؟ قال أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان، وقال: ليت شعري، مالنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله. قال: وأي مكان أجده؟ قال: {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم}. قال سليمان: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟ قال أبو حازم رحمة الله: قريب من المحسنين. قال له سليمان: يا أبا حازم، فأي عباد الله أكرم؟ قال: أولو المروءة والنهى. قال له سليمان: فأي الأعمال أفضل؟ قال أبو حازم: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال سليمان: فأي الدعاء أسمع؟ قال أبو حازم: دعاء المحسن إليه للمحسن. قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: للسائل البائس وجهد المقل ليس فيها مَنٌّ ولا أذى. قال: فأي القول أعدل؟ قال: قول الحق عند من تخافه أو ترجوه. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها. قال: فأي المؤمنين أحمق؟ قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره؟ قال له سليمان: أصبت فما تقول فيما نحن فيه؟ قال: يا أمير المؤمنين، أوَتَعفني؟ قال له سليمان: لا ولكن نصيحة تلقيها إلي. قال: يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضا لهم حتى قتلوا منهم مقتله عظيمة فقد ارتحلوا عنها، فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم، فقال له رجل من جلسائه بئس ما قلت يا أبا حازم. قال أبو حازم: كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، قال له سليمان: فكيف لنا أن نصلح؟ قال تدعون التصلف وتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية. قال له سليمان: كيف لنا بالمأخذ به؟ قال أبو حازم: تأخذه من حله وتضعه في أهله. قال له سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ قال أعوذ بالله، قال له سليمان: ولم ذاك؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات. قال له سليمان: أرفع إلينا حوائجك. قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة؟ قال سليمان: ليس ذاك إلي. قال أبو حازم: فمالي إليك حاجة غيرها. قال: فادع لي، قال أبو حازم: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى. قال له سليمان قط! قال أبو حازم: قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينفعني ان أرمي عن قوس ليس لها وتر. قال له سليمان: أوصني؟ قال: سأوصيك وأوجز، عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك. فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير. قال فردها عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا وما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي. وكتب إليه إن موسى بن عمران لما {ورد ماء مدين وجد} عليها رعاء {يسقون ووجد من دونهم} جاريتين تزودان، فسألهما فقالتا {لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير}، وذلك انه كان جائعا خائفا لا يأمن، فسأل ربه ولم يسأل الناس، فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان، فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله. فقال أبوهما وهو شعيب: هذا رجل جائع، فقال لإحداهما فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت: {إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا}، فشق على موسى حين ذكرت {أجر ما سقيت لنا}، ولم يجد بدا من ان يتبعها انه كان بين الجبال جائعا مستوحشا، فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجيزتها، وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض أخرى، فلما عيل صبره ناداها يا أمة الله ،كوني خلفي وأريني السمت بقولك ذا فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ، فقال له شعيب: اجلس يا شاب فتعش، فقال له موسى: أعوذ بالله فقال له شعيب: لم؟ أما أنت جائع؟ قال: بلى، ولكني أخاف ان يكون هذا عوضا لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا. فقال له شعيب: لا يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام، فجلس موسى فأكل، إن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه، وإن كان لحق في بيت المال، فلي فيها نظراء، فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة. وهذه القصة السابقة رواها الإمام الدارمي في مسنده برقم (٦٧٣)**

**قصة بهيسة بنت أوس بن حارثة بن لام الطائي

رجاحة عقل امرأة

قال الحارث بن عوف يوما لخارجة بن سنان المري: أتراني أخطب الى أحد فيردني؟ فقال له: نعم، قال: ومن ذاك؟ قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي، فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، ففعل، وركبا حتى أتيا أوس بن حارثة بن لام الطائي فوجداه في فناء منزله، فلما أن رأى الحارث بن عوف قال: مرحبا بك يا حارث، ثم قال: وبك، قال: ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطباً، قال: لست هناك. فانصرف ولم يكلمه ودخل أوس على امرأته مغضبا، وكانت من عبس، فقالت: من رجل واقف عليك فلم يطل، ولم تكلمه؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف. قالت: فمالك لم تستنزله؟ قال: إنه استحمق! قالت: وكيف؟ قال: جاءني خاطبا! قالت: أفتريد أن تزوج بناتك؟ قال: نعم، قالت: فاذا لم تزوج سيد العرب فمن. قال: قد كان ذلك، قالت: فتدارك ما كان منك. قال: بماذا؟ قالت: تلحقه فترده. قال: كيف وقد فرط مني؟ قالت: لقيتني مغضبا بأمر لم تقدم فيه قولاً، فلم يكن عندي فيه من الجواب إلا ما سمعت، عد ولك عندي كلما أحببت، فإنه سيفعل. فركب في إثرهما. قال خارجة بن سنان: فوالله إني لأسير مع الحارث إذ حانت مني التفاتة فرأيت أوساً، فأقبلت على الحارث -وما يكلمني غماً- فقلت له: أوس بن حارثة في إثرنا. قال: وما نصنع به؟ امض. فلما رآنا لا نقف عليه، صاح: حارث، أربع عليّ ساعة، فكلمته بذلك الكلام، فرجع مسروراّ. ودخل أوس منزله، وقال لزوجته: أدعي لي فلانة -يقصد أكبر بناته-. فأتته، فقال: يا بنية، هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب، قد جاءني خاطبا وقد أردت أن أزوجك منه، فما تقولين؟ قالت: لا تفعل؟ فإني امرأة في وجهي ردة -قبح-، وفي خلقي بعض العهدة -العيب-، ولست بابنة عمه فيرعى رحمي، وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني. وقال مثل ذلك للوسطى فأجابت مثل الكبرى. فنادى الصغرى فعرض عليها الأمر، فقالت: أنت وذاك. فقال: قد عرضت ذلك على اختيك فأبتاه فقالت: ولم يذكر لها مقالتيهما لكني والله الجميلة وجها، الصناع يداً، الرفيعة خلقاً، الحسيبة أباً، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه بخير. فقال: بارك الله عليك. ثم خرج إلى الحارث فقال: زوجتك يا حارث ابنتي بهيسة بنت أوس. قال: قبلت. فأمر أمها أن تهيئها، وتصلح من شأنها. ثم أمر ببيت فضرب لهما. ثم بعث بها إليه. قال الراوي خارجة بن سنان: فلما أدخلت عليه بهيسة، لبث هنيهة ثم خرج فقال: أفرغت من شأنك قال: لا والله. قال خارجة بن سنان: كيف؟ قال: لما دخلت عليها قالت: مه، أعند أبي وإخوتي؟ هذا والله ما لا يكون. فأمر بالرواحل وارتحلوا. ولما ساروا ما شاء الله، قال الحارث لخارجة: تقدم، قال خارجة: فتقدمت ثم عدل الحارث بزوجته عن الطريق. وما لبث أن لحق بي، فقلت: أفرغت؟ قال لا والله قلت: ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة أو السبية الأخيذة، لا والله! حتى تنحر الجزر وتذبح الغنم، وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل لمثلي. فقلت: والله إني أرى همة وعقلا وأرجو أن تكون منجية. وسكت الحارث قال خارجة: فرحلنا حتى وصلنا ديارنا، فأحضر الإبل والغنم، ثم دخل عليها. وسرعان ما خرج علي فقلت: أفرغت؟ قال: لا. قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها فقالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف ما لا أراه فيك؟ قلت: وكيف؟ قالت: أتفرغ للنساء، والعرب تقتل بعضها بعضاً!! المقصد: كانت الحرب في بدايتها بين عبس وذبيان قلت: فيكون ماذا؟ قالت أخرج إلى القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فانهم لن يفوتوك ما تريد. فقال الحارث: أخرج بنا يا خارجة، فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فاصطلحوا على أن يحتسبوا القتلى، عن كل رجل دية فحملنا 3000 بعير في 3 سنين، وانصرفنا لأجمل الذكر، فمدح زهير بن أبي سلمى الحارث بالقصيدة المشهورة:

         أمن   أم  أوفى  دمنة لم تكلّمِ  = بحومائة الــدراج   فالمتثلّـم

         يمينا  لنعم  السيدان وجدتمـا      =   على كل حال من سحيل ومبرم

         تداركتما عبسا وذبيان بعدمـا      =  تفانوا ودقوا  بينهم  عطر منشم

         وما الحرب الا ما علمتم وذقتم      =   وما هو عنها  بالحديث  المرجم

         متى تبعثوها تبعثـوها ذمـيمة       =  وتضر إذا  ضريتموهـا  فتضرم

وتصالحت عبس وذبيان بعد حرب دامت قرابة الأربعين عاماً، حقنت فيه الدماء بفضل هرم بن سنان والحارث بن عوف، فقام زهير يمدحهما ويشيد بفضلهما إذ إنهما تحمّلا دية َ قتلى القبليتين من أجل الصلح بينهما.

ثم دخل عليها فقالت أما الآن فنعم؛ فأقامت عنده في ألذ عيش وأطيبه وولدت له بنين وبنات وكان من أمرهما ما كان والله أعلم بالصواب.**

**الكيّس من دان نفسه

عن أبي يعلى شداد بن أوس -رضي الله عنه- عنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ??الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ?? المستدرك والترمذي وأحمد.

هذا الحديث (الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ))، والمراد بالكيس، هو: الإنسان العاقل الحازم، الذي يحسن تدبير الأمور، وينظر في العواقب، ويحترز الاحتراز المطلوب، بخلاف ذلك الإنسان قصير النظر الذي يتبع هواه، ولا يجاوز نظره أنفه، كلما عرضت له شهوة تبعها، وكلما دعاه هواه إلى شيء ارتكبه، فهذا خلاف الكيّس؛ لأن الإنسان العاقل يعلم أن هذه الدنيا عرض زائل، وأن الآخرة نعيم باق لا يزول ولا يحول، فليس من العقل أن يقدم الإنسان العرض الزائل على النعيم الباقي، ليس هذا من العقل، وليس هذا من المروءة، وقد مثل بعض أهل العلم ذلك بمثال مثلوا ذلك بإنسان قد انطلق هارباً يطارده سبع فتعلق بغصن شجرة، فبينما هو كذلك إذ نظر أسفل منه فوجد حفرة، وهذه الحفرة فيها تنين قد فغر فاه ينتظر متى يسقط حتى يلتقمه، ثم نظر في أصل هذا الغصن، فوجد فأرين أسود وأبيض، يقرضانه قرضاً مستمراً دائماً لا يفتئان من قرضه، ثم نظر فيما حوله، فوجد خلية فيها عسل، فذاقه فأعجبته حلاوته، فصار يلعق من هذا العسل، فنسي الفأرين ونسي الحفرة، فالحفرة هي القبر، والفأران الأسود والأبيض هما الليل والنهار، يقرضان عمر الإنسان دائماً، كل لحظة هي نقص، وسينكسر هذا الغصن الذي هو العمر، لابد أن ينكسر.

فالعاقل لا يغتر بحلاوة هذا العسل الذي هو لذة الدنيا، وإنما يفكر كيف الخلاص، وكيف المخرج، وهذا الإنسان الذي يتصرف هذا التصرف، ويجلس يلعق من هذا العسل ليس كيِّساً، وليس عاقلاً، وتصرفه ينبئ عن سفه.

هذا مثال يقرب لنا الحال التي نحن عليها في هذه الحياة الدنيا، من الناس من أعجبته واستهوته لذاتها وشهواتها، فجعلها همته وغايته، فصار من أجلها يسعى، ومن أجلها يعمل، ومن أجلها يكدح، من أجلها يؤمل ويرجو، ويقوم ويقعد، فهذا لا شك أنه نقص وقصور في العقل.

العاقل حتى لو عرض له شيء من الشهوات فإنه يعرف أنه سيدفع الثمن غالياً، وأن هذه الشهوة لها ثمن يدفعه في يوم القيامة، وقد يدفعه في الدنيا، فاللذة تعقبها حسرة، فلذات هذه الحياة الدنيا المحرمة منغصة تتلوها الحسرات، فهي مكدرة، ولذلك فإن الإنسان يؤثر ما عند الله -عز وجل-؛ لأنه صبر قليل ثم يفضي به بعد ذلك إلى سعة رحمة الله -عز وجل- وبحبوحة الجنة. وقد جاء في الحديث: ((حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ)) رواه مسلم، فهذه طبيعة هذه المعادلة، وهذه أوصاف هذا الطريق، فإن لم يكن الإنسان متبصراً في أموره فإنه يتتبع هذه الشهوات التي حفت بها النار، ثم بعد ذلك يسقط فيها، وأما الذي يعلم أن هذا التعب تعقبه لذة دائمة مستمرة، فإنه يؤثر هذا التعب القليل لأنه ستعقبه لذة عظيمة، وقد ذكر ابن حزم -رحمه الله- مثالاً لهذا بطريقين: أحدهما ضيق يفضي إلى قصور وحدائق غنّاء واسعة، والآخر واسع فيه أزهار، وفيه أشياء جميلة جداً ويفضي إلى مكان ضيق، يكون مثوى هذا الإنسان، فالعاقل يؤثر سلوك الطريق الوعر الضيق الذي يفضي به فيما بعد إلى مكان رحب واسع فيه ما لذ وطاب، وأما الإنسان الذي يكون نظره قاصراً فيقول أسلك هذا الطريق القصير الواسع، ثم بعد ذلك ليكن ما يكون من المآل والمصير الذي يفضي إليه، وهذا لا ينبغي للإنسان أن يكون منهجاً له في التفكير والعمل.

قوله: (الكيس من دان نفسه)، يعني حاسبها وزمها وضبطها، ولم يترك هذه النفس منطلقة، ترتع في بحر الشهوات والأهواء، فإن ذلك عاقبته ردية. يقول: (وعمل لما بعد الموت)، لأنه هو المستقبل الحقيقي، وهي الدار التي يفضي إليها، إما إلى جنة، أو إلى نار، ولا ينفع الندم، ولا ينفع الاستعتاب، ولا تنفع التوبة.

وحياة الواحد منا ستون، سبعون، وبعضنا أقل، وبعضنا أكثر بقليل، إذا وصل الواحد إلى مائة وعشرين سنة صار مثل الطفل، ويخلط، حتى لا يستطيع أن يقوم بأخص حاجاته، وقد استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الهرم.

يسر المرءَ طولُ عيشٍ وطولُ عيشٍ قد يضره

تفنى لذاذتُه ويبقى عد حلوِ العيشِ مُرُّه

وتسوؤه الأيامُ حتى ما يرى شيئاً يسرُّه

إذا أكل تنغص، وإذا نام تنغص، وإذا استيقظ تنغص، ونومه مكدر، ينام ويغفو كما يغفو الطائر ثم يستيقظ، يطول عليه الليل الذي يستلذ الشبابُ النوم فيه، تتطاول عليه ساعاته، وينتظر متى يصبح، يؤذيه الحر، ويؤذيه البرد، ولو كان يسيراً، ويبقى في حال من الضعف والعجز، وتنتابه الأمراض والأوجاع من كل ناحية، ويبقى مشغول القلب؛ لأنه يشعر أنه مفارق عما قريب، فتؤثر فيه الكلمة، وتؤثر فيه أدنى الأشياء والتصرفات، ولم يكن كذلك أيام قوته وشبابه، بل لربما يشعر أن من حوله لربما استثقلوه؛ لفرط ما عنده من الحساسية التي سببها الضعف.

فالإنسان يتمنى طول عيش، وطول العيش هذه نهايته، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (خيركم من طال عمره، وحسن عمله) فالإنسان يكبر، ويكبر معه حب الدنيا، وطول الأمل يبقى معه، والإنسان العاقل يعمل لما بعد الموت (والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني)، أتبع نفسه هواها أي ما تملي عليه نفسه يفعله، والمقصود بالهوى هو مطلوبات النفس من حظوظها العاجلة من المآكل والمشارب والملابس، وألوان الشهوات من المراكب والدور وغيرها، كل هذا الحطام يقال له هوى النفس، ولا يطلق ذلك غالباً إلا على سبيل الذم، كما قال ابن عباس: ما ذكر الله الهوى إلا ذمه.

فجعل القضية هوى وضلالاً، فالإنسان العاجز بمعنى غير الحازم، وهو الذي يقول هات إذا أتته أرباح محرمة، ويقول للذي يقول: لا أريد هذه المساهمة، هذه جمر أكوى به في نار جهنم وفي قبري، أنه مجنون، وأنه معتوه ومغفل، كيف يترك هذه الأموال وقد أتته باردة، والواقع أنه هو الذي لا يفهم، لأنه سيدفع ثمن هذا، ولكن الإنسان تغلبه نفسه، فيضعف فيؤدي ذلك به إلى أمور لا تحمد عواقبها، والناس على قدر بصرهم في هذه الأمور، وعلى قدر ما يرزقون من المجاهدات والصبر يوفقون للعمل ويتفاوتون فيه غاية التفاوت، فمن مكثر ومن مقل ومن مسرف على نفسه ونسال الله الثبات.**

**العفو مع المقدرة

العفو هو الصفح عن ذنب أو هفوة بقصد أو بغير قصد. والعفو لصاحب الحق ان كان ممن يقدر على أخذه فسامح فهذا هو العفو، وأما ان كان ممن لا يقدر على أخذ حقه فسامح فلا يسمى عفواً، وإن كان شيئا آخر لعدم وجود المقدرة، فحتى يسمى عفوا لا بد من وجود المقدرة عند صاحبها لأن يأخذ الحق او يسامح.

والعفو للمستطيع تزيد من هيبته ومكانته بين الناس، وقبل هذا وذاك ان يكون هذا العفو لله تعالى، وصدق الله العظيم: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (22) النور، وأما فضله فهو فكثير. قال تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن: 14]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَهُ دعاه الله عز وجل على رُءُوس الخلائق حتى يخيِّره الله من الحور ما شاء). أبو داود والترمذي وابن ماجه. يقول تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} فصلت: 34.

فكثيرا ما نتعرض لإساءات متكررة من الآخرين. فهذا قد يؤذيك بكلمة أو يتهمك في أهلك ودينك، وقد لا تتصور من أين قد يأتيك الأذى، وربما لا تتوقعه أيضا من أن يكون من أقرب الناس إليك. في هذه الحالة يكون الجرح عميقا، وغالبا ما ينعدم العلاج لذلك. حينها يعيش المرء صراعا مع الشر لا سيما وإن كان له قرينا يهتف في أذنه? يجب أن ترد الصاع صاعين?.

إن من أعظم الأخلاق العفو عند المقدرة فهذه عبادة مهجورة، وهي من صفات الله وأسمائه الحسنى فهو سبحانه ?العفو القدير? أي يعفو بعد مقدرته على الأخذ بالذنب، والعقوبة على المعصية، فالعفو بدون مقدرة قد يكون عجزاً وقهراً، ولكن العفو مع المقدرة والانتقام فلا شك أنه صفة عظيمة لله فيها الكمال، فهو سبحانه يحب العفو، ويحب أن يرى عبده يعفو عن الناس. قال تعالى: ?خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ? (الأعراف:199)، ويقول ?فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ? (الشورى الآية40).

وأما القصة فهي كما روى احمد بن ابي داود قال: ما رأيت أحداً نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يحب أن يفعله الا تميم بن جميل، فإنه لمّا مثل بين يدي المعتصم، فأحضر السيف والنطع وأوقف بينهما، تأمّله المعتصم، وكان جميلاً وسيماً، فأحبّ أن يعلم أين لسانه وجنانه من منظره، فقال له: تكلّم يا تميم. فقال: أمّا إذ أذنت يا أمير المؤمنين فأنا أقول الحمد لله الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثمّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين، جبر بك صدع الدّين ولمّ بك شعث المسلمين، وأوضح بك سبل الحق، وأخمد بك شهاب الباطل، إن الذنوب تخرس الألسنة الفصيحة، وتعيي الأفئدة الصّحيحة، ولقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجّة وساء الظن، ولم يبق إلاّ عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليّ أشبههما بك وأولاهما بكرمك، ثمّ قال على البديهة:

أرى الموت بين السيف والنطع كامناً = يلاحظني من حيثما تلفــت

وأكـبر ظني أنك اليوم قاتلي = وأي أمرئ مما قضى الله يفلـت

وأي أمرئ يـأتي بعـذر وحـجة = وسيف المنايا بين عينيه صلـت

وما جزعي مـن أن أمـوت وإنني = لأعلم أن الموت شيء ؤقـت

ولكـن خـلفي صبيـة قد تركتهم = وأكبادهم من حسرة تتفتـت

كأني أراهـم حـين أنـعى إلهـم = وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا

فإن عشت عاشوا خافضين بغـبطة = أذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا

وكم قائـل لا يبـعد الله روحـه = وآخـر جذلان يسرّ شمـت

فتبسمّ المعتصم وقال: كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل، وقد وهبتك للصّبية، وغفرت لك الصّبوة. ثمّ أمر بفك قيوده وخلع عليه، فقد كان تميم بن جميل السّدوسي قد خرج بشاطئ الفرات، واجتمع إليه كثير من الأعراب، فعـظم أمره، وبعد ذكره، ثم ظفر به، وحمل موثقاً إلى باب المعتصم.

وذات يوم أراد مَعْنُ بن زائــدة أن يقتل مجموعة من الأسـرى كانوا عنده؛ فقال له أحدهم: نحن أسراك، وبنا جوع وعطش، فلا تجمع علينا الجوع والعطش والقتل. فقال معن: أطعمـوهم واسقوهم. فلما أكلوا وشربوا، قـال أحدهم: لقد أكلنا وشربنا، فأصبحنا مثل ضيوفك، فماذا تفعل بضيوفك.

واما القصة الثانية: فقد وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الى طيء فريقا من جنده يتقدمهم علي بن ابي طالب-رضي الله عنه- ففزع من ذلك عدي بن حاتم، وكان من أشد الناس عداءً للرسول- صلى الله عليه وسلم-، فصبح علي القوم واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم الى الرسول - صلى الله عليه وسلم-، فلما عرض عليه الاسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد هلك الوالد وغاب الوافد فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني -الأسير-، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكل -المحتاج-، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة ورده خائبا، أنا بنت حاتم الطائي.

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- “يا جارية هذه صفات المؤمنين لو كان ابوك مسلما لترحمنا عليه، خلو عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق” وامتن عليها فأطلقها إكراما لها، فاستأذنته في الدعاء، فأذن لها، وقال لأصحابه: “اسمعوا وعوا” فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك الى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم الا جعلك سببا في ردها.

فلما أطلقها رجعت الى أخيها عدي وهو بدومة الجندل فقالت له: يا أخي إيت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله، فإني رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة، رأيت خصالا تعجبني: رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، وإن يكن نبيا فلسابق فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل في عز ملكه، فقدم عدي الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلم، وأسلمت سفانة رضي الله عنهما. المصدر: ذكرها محمد ابن اسحاق في (المغازي).**

**صلاح النفس بالعلم

وتقوى الله في السر والعلن

اختلف أهل البصرة فقال بعضهم العلم أفضل من المال، وقال بعضهم الآخر بل المال أفضل من العلم. فأوفدوا رسولا الى عبد الله بن عباس فسأله فقال ابن عباس: العلم أفضل من المال. فقال الرسول: إن سألوني عن الحجة، ماذا اقول؟؟

قال قل لهم إن العلم ميراث الأنبياء؟ والمال ميراث الفراعنة، والعلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم يعطيه الله لمن أحبه، والمال يعطيه الله لمن أحبه ولمن لا يحبه. واسمع قول الله عز وجل: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ) (33) الزخرف. ولأن العلم لا ينقص بالبذل والنفقة ولكن المال ينقص بالبذل والنفقة، ولأن صاحب المال إذا مات انقطع ذكره والعالم إذا مات فذكره باق، ولأن صاحب المال يسأل عن كل درهم من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وصاحب العلم له بكل حديث درجة في الجنة.

ولنا في هذا الموضع قصتين، قصة المال وقصة العلم:

رُوي أن رجلاً بلغ من البخل غايته، حتى صار إماماً فيه، وكان إذا وقع في يده درهم، خاطبه وناجاه فكان يقول:‏ ‏ كم من أرض قطعت، وكم من كيس فارقت، وكم من خامل رفعت، وكم من رفيع أخملت، فالآن، استقر بك القرار، واطمأنت بك الدار، لك عندي ألا تـَعـْرى ولا تضحى، ثم يلقيه في كيسه ويقول له:‏ ‏ اسكن اسكن على اسم الله، في مكان لا تهان ولا تـُذلُّ فيه، ولا تـُزعج منه.

‏ ‏ وألح أهله عليه مرة في إنفاق درهم، فدافعهم ما أمكن، ثم أخرج درهما، فبينما هو ذاهب، إذ رأى حوَّاء قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه، فقال في نفسه:‏ ‏ أتـْلف شيئاً تـُبذل فيه النفس بأكلة أو شربة!!‏ ‏ والله ما هذا إلا موعظة لي من الله، فرجع إلى بيته، ورد الدرهم إلى كيسه، فكان أهله منه في بلاء، وكانوا يتمنوْن له موتاً عاجلاً، فلما مات، وظنوا أنهم استراحوا منه، جاء ابنه، فاستولى على ماله وداره ثم سأل:‏ ‏ ما كان أُدم أبي؟‏ ‏ فقال:‏ ‏ كان يأتدِم بجبن عنده، قال:‏ ‏ أرونيه، فإذا فيه حزُّ كالجدول، من أثر مسح اللقمة، فقال:‏ ‏ ما هذه الحفرة؟‏ ‏ قالوا:‏ ‏ كان لا يقطع الجبن، وإنما كان يمسح اللقمة على ظهره، فيـُحفر كما ترى، قال:‏ ‏ بهذا أهلكني وأقعدني هذا المقعد، لو علمت ذلك ما صليت عليه يوم مات، قالوا:‏ ‏ فكيف أنت تريد أن تصنع؟‏ ‏ قال:‏ ‏ أضعها من بعيد، فأشير إليها باللقمة. وسئل أحد البخلاء عن الفرج بعد الشدة فقال: (أن تحلف على الضيف فيعتذر بالصوم).

وأما القصة الثانية: روي أن رجلا جاء إلى إبراهيم بن أدهم فقال له: “يا أبا إسحاق إني مسرف على نفسي فاعرض علي ما يكون لها زاجرا ومستنقذا لقلبي”. قال: “إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية”. قال: “هات يا أبا إسحاق”.

قال: “أما الأولى فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل رزقه”. قال: “فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه؟!”. قال له: “يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه؟!”. قال: “لا، هات الثانية”.

قال: “وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئا من بلاده”. قال الرجل: “هذه أعظم من الأولى يا هذا، إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين أسكن؟!”. قال: “يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟!”. قال: “لا، هات الثالثة”.

قال: “إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعا لا يراك فيه مبارزا له فاعصه فيه”. قال: “يا إبراهيم، كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر؟!”. قال: “يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره به؟!”. قال: “لا، هات الرابعة”.

قال: “إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل له أخرني حتى أتوب توبة نصوحا وأعمل لله عملا صالحا”. قال: “لا يقبل مني”. قال: “يا هذا فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير فكيف ترجو وجه الخلاص؟!”. قال: “هات الخامسة”.

قال: “إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذوك إلى النار فلا تذهب معهم”. قال: “لا يدعونني ولا يقبلون مني”. قال: “فكيف ترجو النجاة إذًا؟!”. قال له: “يا إبراهيم حسبي حسبي، أنا أستغفر الله وأتوب إليه”. ولزمه في العبادة حتى فرق الموت بينهما. المصدر: كتاب التوابين لابن قدامة.**

**بر الوالدين

    وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (24) الاسراء

قوله تعالى وقضى يعني أمر، وهذا قضاء أمر لا قضاء حكم، وروى مسلم عن ابي هريرة قال: «سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم -يقول: «رَغِمَ أنْفُهُ، رَغِمَ أنفه، رَغِمَ أنفه» قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: مَنْ أدْرَكَ والديه عِنْدَ الْكِبَرِ: أحدُهُما أو كلاهما ثمَّ لم يدخل الجنة».

وقد أورد الحافظ ابن حجر في المطالب العالية بلفظ: ما من مسلم يصبح ووالداه عنه راضيان، إلا كان له بابان من الجنة، وإن كان واحدا فواحد، وما من مسلم يصبح ووالداه عليه ساخطان، إلا كان له بابان من النار، وإن كان واحدا فواحد. وزاد أبو يعلى في آخره: فقال: أراه رجلا: يا رسول الله، فإن ظلماه؟ قال صلى الله عليه وسلم: وإن ظلماه، وإن ظلماه وإن ظلماه. ثلاث مرات. قال الحافظ ابن حجر: إسناد أبي يعلى حسن. وعن جابر بن عبد الله رضِي الله عنه - قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي أخَذَ مالي، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - للرجل: ((اذهَبْ فأتِني بأبيك))، فنزل جبريل - عليه السلام - على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يُقرِئك السلام ويقول لك: إذا جاءَك الشيخ فسَلْه عن شيءٍ قالَه في نفسه ما سمعَتْه أذناه، فلمَّا جاء الشيخ قال له النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما بال ابنك يَشكوك، أتريد أخْذ ماله؟ قال: سَلْهُ يا رسول الله، هل أُنفِقه إلا على إحدى عمَّاته أو خالاته أو على نفسي! فقال النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إيهٍ! دَعْنا من هذا، أخبِرنا عن شيءٍ قُلتَه في نفسك ما سمعَتْه أذناك))، فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يَزال الله يزيدنا بك يقيناً! لقد قلتُ في نفسي شيئًا ما سمعَتْه أذناي فقال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((قُلْ وأنا أسمع))، قال: قلت:

غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا = تُعَلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ

إِذَا لَيْلَةٌ ضَافَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ = لِسُقْمِكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ

كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي = طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنَايَ تَهْمُلُ

تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا = لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ

فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي = إِلَيْهَا مَدَى مَا فِيكَ كُنْتُ أُؤَمِّلُ

جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً = كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ

فَلَيْتَكَ إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي = فَعَلْتَ كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ

قال: فحينئذٍ أخذ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- بتلابيب ابنه وقال: ((أنت ومالُك لأبيك)).

والثانية: روى مسلم عن أسير بن جابر، قال: كان عمر بن الخطاب، إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال: فكان بك برص، فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم قال: ألك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة، هو بها بَرّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل”؛ فاستغفر لي. قال: فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إليّ، قال: فلما كان من العام المقبل، حج رجل من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس، فقال: تركته رث الهيئة، قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل. فأتى أويسا فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح، فاستغفر لي. قال: استغفر لي. قال: لقيت عمر؟ قال: نعم. قال: فاستغفر له، قال: ففطن له الناس، فانطلق على وجهه. قال أسير: وكسوته بردة. وكان كل من رآه قال: من أين لأويس هذه البردة؟**

**التسخير

أولاً: المراد بدلالة التسخير والتدبير:

قال الراغب: التسخير: سياقةٌ إلى الغرض المختص قهراً"ـ ويقول النابلسي في موسوعته الفقهية: التسخير في أدق معانيه أن يقهر الفاعل في أداء الفعل وفق مراد القاهر، الشمس مقهورة على أن تشرق، ولا تملك ألا تشرق، لأنها مسيرة ومسخرة، أما الإنسان فيؤمر، ولا يأتمر، يُنهى فلا ينتهي، والإنسان مخير ومكلف، أمره الله بأوامر ونهاه عن أمورٍ، فإما أن يأتمر أو لا يأتمر، إن ائتمر قبض الثمن، وإن لم يأتمر دفع الثمن، فلذلك ما سوى الإنسان والجن الخلق كلهم مقهورون على تنفيذ ما أمروا به، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ سورة الأحزاب72.

ومرجع هذه الدلالة على الخالق من جهة الخضوع الكوني العام لسيطرة قاهرة تامة، لا تملك الخروج عليها ذرة واحدة، وتتمثل هذه السيطرة في السنن والنواميس الكونية الدقيقة التي تسير عليها العوالم دونما تخلف.

وإذا نظرنا إلى هذا العالم وجدناه بجميع أجزائه مقهوراً مسيراً مدبراً مسخراً، تظهر فيه آثار القهر والاستعلاء لمسيّره، وتتجلى فيه شواهد القدرة لمخضعه ومذلـّله، بما لا يدع مجالاً للشك في وجود مدبر يدبره، وقدير يمسك بمقاليده، قال تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ} [الزمر:63]، والمعنى كما قال ابن كثير: “إن أزمة الأمور بيده”. وقد جاء ضمن الأسئلة التقريرية التي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحتج بها على الكفار: {وَمَن يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ} [يونس:31]، حيث أن الحس والفطرة يشهدان بضرورة مدبر لهذا العالم، فكان إقرار الكفار بذلك.

ثانياً: مظاهر التسخير والتدبير في الأنفس:

من الإشارات اللطيفة إلى دلالة التدبير في الأنفس قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ في ذَلِكَ لايَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الروم:37]، وقوله تعالى: {لَهُ مَقَـلِيدُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} [الشورى:12].

يقول الرازي مقرراً هذه الدلالة: “يعني: أو لم يعلموا أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارة، ويقبض تارة أخرى، وقوله: {وَيَقْدِرُ}، أي ويقتر ويضيق، والدليل عليه إنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه، ولا بد له من سبب، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله، لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق، ونرى الجاهل المريض الضعيف في أعظم السعة، وليس ذلك أيضاً لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك؛ لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكبير والسلطان القاهر قد ولد فيها أيضاً عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان، فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة، علمنا أنه ليس المؤثر في السعادة والشقاوة هو الطالع، ولما بطلت هذه الأقسام، علمنا أن المؤثر فيه هو الله سبحانه”.

ثالثاً: مظاهر التسخير والتدبير في الآفاق:

إذا تأملنا الآيات القرآنية المشيرة إلى هذه الدلالة وجدنا بعضها يشير إلى التسخير المطلق للكائنات، وبعضها الآخر ينبه إلى تسخير المخلوقات للإنسان، فمن الأول قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ} [الأعراف:54]. وقوله تعالى: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} [الرعد:2]، وقوله: {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَاء وَٱلارْضِ} [البقرة:164].ومن الثاني قوله تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلانْهَـٰرَ(32)وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ}إبراهيم:32،33 .وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأرْضِ} لقمان:20.

هذا وقد اكتشف الإنسان مع تقدم العلوم الحديثة المزيد من خبايا الكون وقوانينه، فيقول أحد علماء الغرب مشيراً إلى ذلك: “إذا رفعنا أعيننا نحو السماء، فلا بد أن يستولي علينا العجب من كثرة ما نشاهده فيها من النجوم والكواكب السابحة فيها، والتي تتبع نظاماً دقيقاً لا تحيد عنه قيد أنملة مهما مرت بها الليالي، وتعاقبت عليها الفصول والأعوام والقرون، إنها تدور في أفلاكها بنظام يمكننا من التنبؤ بما يحدث من الكسوف والخسوف قبل وقوعه بقرون عديدة، فهل يظن أحد بعد ذلك أن هذه الكواكب والنجوم قد لا تكون أكثر من تجمعات عشوائية من المادة تتخبط على غير هدى في الفضاء؟ وإذا لم يكن لها نظام ثابت، ولم تكن تتبع قوانين معينة، فهل كان من الممكن أن يثق الإنسان بها ويهتدي بهديها في خضم البحار السبعة، وفي متاهات الطرق الجوية التي تتبعها الطائرات؟ لا يسع الإنسان إلا أن يمجد ذلك النظام الرائع وتلك الدقة البالغة والقوانين التي تعبر عن تماثل السلوك وتجانسه، ولولا ثقة الإنسان في أن هنالك قوانين يمكن كشفها وتحديدها لما أضاع الناس أعمارهم بحثاً عنها، فبدون هذا الاعتقاد وتلك الثقة في نظام الكون يصير البحث عبثاً ليس وراءه طائل، ولو أنه كلما أجريت تجربة أعطيت نتيجة مخالفة لسابقتها بسبب توقفها على المصادفة أو عدم وجود قوانين مسيطرة، فأي تقدم كان من الممكن أن يحققه الإنسان؟! لا بد أن يكون وراء كل ذلك النظام خالق”.

رابعاً: خلاصة الدلالة:

حاصل هذه الدلالة أن ما نشاهده في هذا الكون الرحيب من مظاهر التسخير والتدبير والإتقان والتنظيم لا يتصور عاقل وقوعها على هذا الحال على وجه المصادفة أو العشوائية، والأبعد من ذلك أن يكون كل مخلوق في هذا الكون قام بتنظيم نفسه ووضع القوانين والسنن لهذا الكون؛ لأن العقل يجزم بأن هذه المخلوقات لا تملك شيئاً من ذلك لنفسها فضلاً عن غيرها، وفاقد الشيء لا يعطيه، فلم يبق إلا التسليم والإقرار بوجود خالق قدير عليم قام بتسخير وتدبير هذا الكون، إنه الله جل جلاله.

فقه التسخير

إن المطلوب شرعا من كل مسلم ومسلمة، ومن كل داع وداعية أن يكون ملماً بفقه التسخير، ويعمد إلى توظيف الأوقات والطاقات توظيفًا سليمًا وشاملاً وكاملاً في خدمة الإسلام، وأهدافه القريبة والبعيدة؛ فالله سخّر للإنسان كل شيء، وهو مطلوب منه بالتالي أن يسخِّر كل شيء في سبيل الله، بحيث يتحقق من ذلك كمال الشكر وتمام الأجر والتوفيق والنصر من عند الله.فلا بد أن يسخر كل ما في الأرض للإسلام، وأن يحكم بتشريعه، ويصان بمبادئه، ويحصن بأخلاقه، وتعالج المشاكل بنظمه، فالمستخلف في الارض مطلوب منه ذلك.

فما سخر الله ما في الكون للإنسان عبثا بل لمطلوب شرعا، واقرأ معي وتمعن: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} الذاريات: 20، 21. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّـر لَكُـمُ الشَّمْـسَ وَالْقَمَـرَ دَآئِبَيـنَ وَسَخَّـرَ لَكُـمُ اللَّيْـلَ وَالنَّهَـارَ} [إبراهيم: 32، 33].{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12].{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحج:65].{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان: 20]. فالتسخير لنا نحن البشر وليس لجماد او نبات او حيوان.فإن هنالك طاقات ومؤهلات معطلة بلا حدود، وهنالك أوقات مهدورة بلا حساب، وهنالك العديد من الفرص والوسائل تمر بلا فائدة، وهنالك علوم ومبتكرات وتقنيات لا مكان لها في دائرة التنظيم والتخطيط والإدارة والبرمجة والإعلام إلى ما نهاية له، ولا بد ان يكون كل هذا مسخرا لله تعالى، وصدق الله العظيم: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (163)الانعام.

إن أعداء الإسلام لا يفتئون يطورون أسباب ووسائل الاستفادة من المناسبات التقليدية، ثم هم يصطنعون مناسبات وفرصًا ويسخرونها في خدمة مشروعهم في حربهم ومعاندتهم للمسلمين حتى لا تقوم لهم قائمة، فحري بنا ان نوظف كل فرصة ولحظة لخدمة قضيتنا الاساسية التي بوجودها وجودنا كما فعل الرسل والدعاة الى الله من قبلنا. فإبراهيم بعد أن حطم آلهة قومه، وأبقى على كبيرهم. كان أن قال لهم عندما سألوه: {قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} الأنبياء62، 63. والغلام المؤمن الذي تحير الملك في كيفية قتله والتخلص منه، بعد أن خشي على مُلكه منه، اغتنم المناسبة وسخرها بقوة في تحقيق الهدف الذي يسعى إليه، وهو دفع الناس إلى الإيمان بالله، فقال للملك: إذا أردت أن تقتلني، فما عليك إلا أن تجمع الناس، وتربطني إلى جذع شجرة، ثم تأخذ سهمًا من جعبتي، وتصوبه إلى رأسي، وتقول: باسم رب هذا الغلام. ولقد فعل الملك هذا، ودون أن يفطن للوسيلة التي أدت إلى إيمان الشعب كله برب الغلام، وفي هذا بلوغ القمة، في تسخير المناسبة وسبق لم يسبق له مثيل.

وعندما يحض رسول الله المسلمين ويقول: “اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك”؛ فإنه يعلمنا ان كل امر لا بد نأخذه ونوظفه خدمة لقضيتنا.

دعاء التسخير لأمير المؤمنين على بن ابي طالب رضي الله عنه ذكره صاحب التحفة عن اللآلئ المخزونة لأحمد بن عباس اليزدي: (بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم سخّر لي اعدائي كما سخرت الريح لسليمان بن داود عليهما السلام، وليّنهم لي كما لينت الحديد لداوود عليه السلام، وذللّهم لي كما ذللت فرعون لموسى عليه السلام، واقهرهم لي كما قهرت ابا جهل لمحمد صلى الله عليه واله، بحق كهيعص حم عسق. صم بكم عمي فهم لا يرجعون. صم بكم عمي فهم لا يبصرون. صم بكم عمي فهم لا يعقلون. فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم. وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين. بسم الله الرحمن الرحيم، بحرمة كاف هاء يا عين صاد حا ميم عين سين قاف ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم).

واما القصة فقد حصلت في باكستان حين اراد الله امرا: فقد خرج الطبيب الجراح الشهير (د: ايشان) على عجل الى المطار للمشاركة في المؤتمر العلمي الدولي الذي سيلقى فيه تكريماً على انجازاته الكبيرة في علم الطب، وفجأة وبعد ساعة من الطيران أُعلن أن الطائرة أصابها عطل كبير بسبب صاعقة، وستهبط اضطرارياً في أقرب مطار، توجه الى استعلامات المطار مخاطباً:أنا طبيب عالمي كل دقيقة عندي تساوي أرواح أناس وأنتم تريدون أن أبقى 16 ساعة بانتظار طائرة؟ أجابه الموظف: يا دكتور، إذا كنت على عجلة يمكنك استئجار سيارة، فرحلتك لا تبعد عن هنا سوى 3 ساعات بالسيارة، فرضي د / ايشان على مضض وأخذ السيارة وظل يسير وفجأة تغير الجو وبدأ المطر يهطل مدراراً وأصبح من العسير أن يرى اي شيء أمامه، وظل يسير وبعد ساعتين أيقن أنه قد ضل طريقه وأحس بالتعب رأى أمامهُ بيتاً صغيراً فتوقف عنده وطرق الباب فسمع صوت امرأة كبيرة مقعده تقول: تفضل بالدخول كائنًا من كنت فالباب مفتوح، دخل وطلب من العجوز المقعدة أن يستعمل تليفونها، ضحكت العجوز وقالت: أي تليفون يا ولدي؟ ألا ترى أين أنت؟ هنا لا كهرباء ولا تليفونات. ولكن تفضل واسترح وخذ لنفسك فنجان شاي ساخن وهناك بعض الطعام كل حتى تسترد قوتك. شكر د/ ايشان المرأة وأخذ يأكل بينما كانت العجوز تصلي وتدعي وانتبه فجأة الى طفل صغير نائم بلا حراك على سرير قرب العجوز وهي تهزه بين كل صلاة وصلاة، استمرت العجوز بالصلاة والدعاء طويلاً فتوجه د ايشان لها قائلًا:

والله لقد اخجلني كرمك ونبل أخلاقك وعسى الله أن يستجيب لك دعواتك. قالت العجوز: يا ولدي أما أنت ابن سبيل أوصى بك الله وأما دعواتي فقد أجابها الله سبحانه وتعالى كلها إلا واحدة، فقال د / ايشان: وما هي تلك الدعوة التي لم يجيبها لك الله؟ قالت: هذا الطفل الذي تراه امامك هو حفيدي يتيم الأبوين، أصابهُ مرضٌ عضال عجز عنه كل الأطباء عندنا، وقيل لي أن جراحاً كبيراً قادر على علاجه يقال له د/ايشان، ولكنه يعيش بعيداً من هنا ولا طاقة لي بأخذ هذا الطفل الى هناك وأخشى أن يتعب هذا المسكين، فدعوت الله أن يسهل أمري فبكى د/ ايشان بشكل مؤثرـ وقال : والله إن دعاءك قد عطل الطائرات وضرب الصواعق وأمطر السماء، كي يسوقني إليك سوقاً.**

**معاوية والبطريق

أسرت الروم مسلمًا قُرشيًّا في زمن معاوية رضي الله عنه، وأُدخِل الأسير على ملكهم فتكلم بين يديهم بعزِ الإسلام فلطمهُ أحد البطارقة، فقال الأسير: الله بيننا وبينك يا معاوية ولّيتَ أمورنا فضيعتنا.

بلغت المقالة معاوية، فأرسل في فداءهِ فأُفتدي، وسألَ عن اسم اللاطم فأُخبِر، ثم أرسل معاوية إلى قائدٍ له فطنٍ بمعرفةٍ وخبرةٍ، وقال له: إنّي أُريدكَ أن تتحيل في إحضار ذلك الرجل من القسطنطينية. فقال القائد: إنّي أريد أُنشئ مركِبًا بمجاديفٍ خفيةٍ يلحق ولا يُلحق. قال: أفعل ما بدى لك ولك ما تحتاجه.

صنعَ المركب وملأهُ من كُلِّ طرفةٍ وتحفةٍ، وأعطاه معاوية أموال جزيلة، وقال: اذهب كأنك تاجر وبع واشتري واهدي لوزير الملك ولبطارقتهِ وخواصهِ إلا ذلك الرجل فلا تقربه ولا تُهادهِ، فإذا عتبَ عليك فقل: ما عرفتُكَ وسأُضاعف لك الهدية متى عدت لك.

وفعل القائد ورجع إلى معاوية فأخبره، فجهزهُ ثانيةً وأضعف له وقال: هذه للملك ولخواصهِ ولذلك اللاطم، فإذا عزمتَ على العودة فقل له: إنّي أُحب أن أُصاحبك فسلني حاجةً أُحضرها لك جزاء ما قصرتُ في حقك.

ففعل القائد، فقال -اللاطم- : أُريد بساطا من حريرٍ يحوز جميع الألوان وصور الأطيار والأزهار والأشجار والوحوش، طوله كذا وعرضه كذا والموعد كذا.

رجع القائد إلى معاوية فأخبره، فأمر الصُنّاع أن يصنعوا ذلك البساط في صورةٍ تُدهش الناظرين بلا محاذير، وكانوا. ثم قال له: اذهب فإذا وصلت إلى فم البحر فأنشر البساط فإن الشره والطمع سيحملهُ على النزول إليه، فإذا اتاك فأشغله بالحديثِ وأعرض عليه البساط وقدم له التُحف ثم ابسط الشراع وقيد الخراع والذراع والإسراع الإسراع.

وأقبل المركب فأشرف ورأى البساط، فكاد عقله يذهب ونزل إلى المركب فتلقاه القائد يعرض عليه البساط ويلعب به لعب الأفعال بالأسماء، وأشار لأصحابه بالتجديف، فما شعر إلا والشراع يُرفع، فقال: ما هذا؟ فقيدوا الخراع والذراع وجاؤوا بهِ إلى معاوية موثقًا، فقال معاوية: الحمد لله، عليَّ بالأسير.

جاؤوا به، فقال له: أهذا خصمك؟ قال: نعم. قال: قم فألطمه كما لطمك ولا تزد بمثل ما عوقبتم به، فتقدم المسلم فلطمه وحمد الله وشكر لأمير المؤمنين.

ثم ألتفت معاوية للبطريق فقال له: قل لملككَ لقد تركت ملك المسلمين يقتص مِن مَن هم على بساطكَ من وزراءك وخواصك، فأعرف قدرك وإياك وغدرك. ثم قال لقائدهِ: خذهُ إلى فم البحر ثم ارمهِ هناك وارم معه بساطه. فذهب القائد حتى وصل بهِ إلى الشاطئ الآخر، ورمى به على فم البحر. ذهب إلى ملكهِ وبلّغ البطريق رسالة معاوية رضي الله عنه، فهاب ذلك الملك معاوية وعظمه

وقال: لله أبوه أمكر الملوك وأدهى العرب، قدموه فساس أمرهم، والله لو همّ بأخذي من على بساطي لتم له الحيلة في ذلك. كتاب مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق لابن النحاس. وهي مختصرة ص 835 ? 836. وفي كتاب الشهب اللامعة في السياسة النافعة لابن رضوان المالقي بشكل مطول ص 283 إلى 289، وفي كتاب نهاية الإرب في فنون الأدب. ج 6 ص 185 ? 187.

إن رعاية شؤون الأمة داخليا وخارجيا هو واجب الخليفة، يؤديه ولا يشكر على فعله لأنه واجبه، ويحاسبه الله ان قصر في ذلك او تهاون وكرامة المسلم وماله وعرضه محفوظ وتدافع عنه دولته، ففرديته لا تعني اطلاقا ان يكون نهشا لمن اراد بل هو العزيز أنّى اقام وأنّى ارتحل. وهذا ما تدركه الدول التي تحافظ على رعيتها. فأمريكا اصدرت قانونا يمنع أي دولة من محاسبة جنودها او محاكمتهم بل وكل من يحمل جواز سفرها يحسب له ويحترم من قبل الغير لان الغير أدرك جدية امريكا في هذا الشأن، وهذا ما سوف تفعله دولتنا ان شاء الله عما قريب لان الجميع سوف يدرك اننا سوف نقضي على بساطهم.**