حديث رمضان ( 10)

الثروة السمكية في عُمان

تتميز البحار العمانية بتنوعها الكبير، فعمان تطل على ثلاث بحار متنوعة البيئات والظروف الجغرافية، الخليج العربي, وبحر عمان, وبحر العرب, وطول سواحلها يبلغ (3150) كم تقريبا بالإضافة إلى أن هذه البحار هي جزء متصل بالمحيط الهندي الواسع، وهذا التنوع في البحار، يضاف إليه التغير المستمر في التيارات المائية الفريدة الباردة التي تأتي في فصل الخريف من بحار بعيدة غرب استراليا إلى شواطئ عمان المطلة على بحر العرب، مما يؤدي إلى تغير المناخ في هذه المنطقة ويسبب ما يعرف علميا بظاهرة التقليب (الخريف محليا)، وهي من الظواهر النادرة في العالم وتتميز تلك الموجودة فيها وفي بحر العرب منها على وجه الخصوص بتفردها بأنها أقوى ظواهر التقليب على المستوى العالمي مما يميز هذه المنطقة عن غيرها من مناطق الاصطياد.
فالغوص في أعماق مياه عمان يكشف الكثير من الثراء والتميز للبيئة العمانية، فقد تنوعت قيعان البحار فيها لتشمل بيئات الشعاب المرجانية والصخور والرمال والجبال في مواقع عميقة من البحار، وهذا التنوع والاختلاف في قيعان البحار، بالإضافة إلى التنوع في اتجاهات وأنواع التيارات في البحار العمانية، أدى إلى تنوع كبير وفريد في الكائنات البحرية، حيث تحوي بحار عمان وبيئاتها البحرية المختلفة، على العديد من الشعاب المرجانية المختلفة الأشكال والألوان والأحجام، بالإضافة إلى التنوع في العوالق النباتية والحيوانية الدقيقة والأعشاب البحرية وأشجار القرم، هذا بالإضافة إلى التنوع الكبير والهائل في الأسماك والرخويات والقشريات والسلاحف البحرية والحيتان والدلافين.
ولو نظرنا إلى واقع الثروة السمكية لوجدنا أن متوسط الإنتاج السمكي خلال الفترة من 2001-2010م هو 150300 طن تقريبا، تراوح بين 129904طن عام 2000م إلى 165534 طن عام 2004م، وكان الإنتاج 164055طن (كتاب الإحصاء السمكي 2010م). ولقد أثبتت المسوحات السمكية الحديثة لبحر العرب (2007-2008م) إن الكميات الممكن اصطيادها هي مليون إلى مليوني طن سنويا، أي ما يعادل عشرة أضعاف الإنتاج الحالي من الأسماك. كما أن مخزون الثروة السمكية في عمان يتركز في منطقة بحر العرب ومع ذلك ما زال إنتاج المنطقة الوسطى التي تحوي اكبر مخزون سمكي محدودا (29304طن، عام 2010م). وهو اقل بكثير من إنتاج المنطقة الشرقية (41889 طن، عام 2010م).
كما انخفضت مساهمة الثروة السمكية في الناتج المحلي الإجمالي من 1% 1998م إلى 0.5% عام 2009م. والمفترض وفق الرؤية المستقبلية 2020 تحقق معدل نمو 5.6% سنويا (الرؤية المستقبلية 2020، وكتاب الإحصاء وزارة الاقتصاد الوطني سابقا 2009م).
ان هذه الارقام(الحكومية)والفاقدة للمصداقية التي تعودت الامة على سماعها ارقام مهولة ,فالشركات المحتكرة للمادة الخام لا تعلن عن انتاجها(نهبها)الحقيقي وبرغم هذا وذاك فان هذا الانتاج ضخم جدا اذا علمنا ان تعدادالسكان في عمان 2,77 مليون فكيف يعقل ان تعاني الامة هذا العوز مع وجود هذه الثروة,فالثروة السمكية لوحدها فقط تغنيهم ولا نريد ان نحسب النفط وغيره.

**ان الامة الاسلامية تحتاج الى دوام التنبيه والتذكير حتى تفهم حق الفهم واجباتها ,وهنا يبرز دور العلماء العلماء الذين يعملون بعلمهم وتمنعهم تقواهم وورعهم عن ان يدلسوا على الامة وان يلبسوا عليها دينها ,فالامة الآن في مسيس الحاجة لهؤلاء لسقيها الافكار الصافية,فعلم العلماء ليس لهم وانما لتوعية المسلمين وانارة طريق الجنة لهم ,وقد روي في المستدرك عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)هذا حال من كتم فما حال من يلبس على الناس دينهم.

اما من يحاول من الافراد ايذاء الجماعة المسلمة وان يفسد عليهم عيشهم فقد اخبر الله عنه وتوعده(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (19)النور, وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأقِطِ وَلا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ هِيَ فِي الْجَنَّةِ)مسند احمد تعليق شعيب الأرنؤوط إسناده حسن, يعني قطع اللبن الجميد, وعن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) قال الشيخ الألباني : صحيح.

ان حمل اعباء رعاية الجماعة ثقيل واجره عظيم لمن احسن للرعية وساسها سياسة تصلحهم, واما من لم يحسن الرعاية وغش الرعية فاثمه عظيم, فقد روى الحسن ان معقل بن يسار مرض فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده فقال له معقل : لأحدثك بحديث لم احدثك ( اني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما من عبد استرعاه الله رعية فمات وهو غاش لها الا حرم الله عليه الجنة)رواه الطبراني

فكيف بمن يفت في عضد المسلمين و يفرق جماعتهم ويوردهم موارد الهلاك بل يتفنن في ايذائهم وابقائهم في دائرة الجهل والفقر والتخلف العلمي والمعيشي تحت شعارات متباينة متضاربة متعاكسة ليس من اجل هذه الشعارات وانما من اجل فرقة الجماعة المسلمة وتعريق تشرذمهم وفرقتهم فان الله توعده في الدنيا قبل الآخرة بالعذاب المهين, واريد سرد مثال واحد مؤلم فقط على لسان صاحبه(عاطف الغمري)فيقول: قبل نحو أربع سنوات، شاركت في مؤتمر في سيناء، بورقة عمل عنوانها ?أمن مصر القومي وتنمية سيناء?، ويومها علمنا أن هناك على خط الحدود مع ?إسرائيل?، مساحة خضراء مزروعة على الناحية الأخرى، بينما المساحة المتاخمة لها على حدودنا رملية صفراء . وقيل يومها تفسير لهذه المفارقة، إن الآخرين يزرعونها من المياه الجوفية، الموجودة على الناحيتين، تحت أرضهم وأرضنا، لكننا لم نستغل مياهنا لنخضر أرضنا, وهنا أستشهد بنموذج واحد فقط، حين قدمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية منحة لمصر، لقيام علماء مصريين بإجراء أبحاث لإنتاج مبيدات زراعية محلية . توفر لمصر مبيدات آمنة، تغنيها عن الاستيراد وتتيح لها التصدير من ناتجها، وإذا نجحت الأبحاث، تقدم الوكالة لمصر معونة لإنشاء مصنع لإنتاجها، وبذلك توفر فرصاً للعمل تحل جزءاً من مشكلة البطالة . وقد نجحت الأبحاث، وزف علماؤنا الخبر للقيادة السياسية صاحبة القرار، فصدر منها في الحال أمر بإيقاف المشروع لأنه كان سيضيع عليهم ملايين الدولارات عمولات في كل صفقة مستوردة)انتهى كلامه. وعن عرفجة بن شريح الأسلمي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إنها ستكون بعدي هنات و هنات و رفع يديه فمن رأيتموه يريد أن يفرق أمر أمة محمد صلى الله عليه و سلم و هم جميع فاقتلوه كائنا من كان من الناس).

بقيت مسألة واحدة هي ان غير المسلمين ممن يحملون المبدأ الراسمالي في أوربا فقد كان بينهم حروب استمرت مئات السنين الى اجل قريب لكنهم تناسو ما كان بينهم وهم اليوم يتعاونون لدرجة أنهم سوف يصبحون دولة واحدة، عملة ورقية واحدة، إلغاء الحدود والجمارك واصبحوا كتلة كبيرة ودافعهم قطعا ليس امر الله وانما مصالحهم والدفاع عنها, فالمؤمنون احرى منهم بان يتوحدوا ليس بدافع مصالحهم وانما لامر ربهم ، فلا حياة للفردية اليوم و لا بد من العمل الجماعي وإلا فاننا نؤكل واحداً واحداً، وترون بأعينكم كيف يستغلنا أعداؤنا اليوم أبشع استغلال وينقضون علينا واحداً واحداً ينهبون ويقتلون وصدق الشاعر:

      تابى الرماح اذا اجتمعن تكسرا    =    واذا افترقن تكسرت آحادا**

**ان الدين منهج كامل وخطاب الله لنا بالقيام بالفروض وغيرها من التكاليف اما ان يكون تكليفا عينيا لكل فرد كالصلاة والزكاة او فروض الكفاية التي لا يتاتى للفرد تاديتها, فمن ناحية التكليف فانها واحدة وتختلف من ناحية الاداء,فاذا اقامها البعض سقطت عن الباقين وهذه من الامثلة الحية لروح الاداء الجماعي,ومثاله قوله تعالى: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }آل عمران فإنه أمر بوجوب وجود جماعة من المسلمين لها وصف الجماعة (حزب أو أحزاب) يقوم بالدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام, وهذا الأمر من فروض الكفاية، إذا أقامه البعض سقط عن الباقين، فإن لم يقمه هؤلاء الناس، أي لم يحققوا فعلاً الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام، فإن الأمة تبقى آثمة جميعها حتى يتحقق هذا الأمر.

ولذلك فإنه لا يجوز للمجتمع الإسلامي أن يخلو من مثل هذه الجماعة في زمن من الأزمان، لأن ذلك تعطيل لأحكام الله وحدوده، وهذه الجماعة لا تحتاج إلى إذن أو ترخيص من الدولة، بل كل من كان أهلاً للدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام عليه أن يقوم بذلك دون عائق أو منع. ولا يجوز للدولة، أي دولة، بحجة ترشيد الإسلام والدعوة إليه، أن تمنع القادرين من ذلك.

وواقع فروض الكفاية، في الأعم الأغلب، يتطلب كل فرض منها لإقامته جماعة من المكلفين وليس فرداً، كفرض الجهاد، وكإقامة دولة الخلافة، وكحمل الدعوة وغيرها، وقليل هي فروض الكفاية التي بمقدور المكلف الواحد أن يقوم بها، كالصلاة على الميت وغيره. ففرض الجهاد في سبيل الله، وهو بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد أو غير ذلك، يشمل القتال بجميع أنواعه وأدواته، ويشمل التمويل والتخطيط والتسليح والتشجيع، و هذه الأعمال الكثيرة ليست مطلوبة من مكلف واحد، لأن واقعها كماً ونوعاً ليست بمقدوره، فلا بد أن يشترك الكثيرون فيها، بحيث يقوم المكلف الواحد بالعمل الذي يستطيعه، فهذا يخطط للمعركة، وآخر يشجع الجيش ويثقفهم بالإسلام، وآخر يقاتل بالصاروخ أو الطائرة أو البندقية، … وكل واحد من هؤلاء المشاركين في إقامة هذا الفرض، يسقط عنه بعمله فرض الكفاية وهو الجهاد في سبيل الله، وإن لم يقم بجميع الأعمال التي توجد هذا الفرض. وحمل الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية فرض كفاية، وهو يشمل أموراً كثيرة، كالاجتهاد، والتثقيف، والكتابة، والدراسة، والخطابة، والاتصال بالناس، ومحاسبة الحكام، وطلب النصرة، وغيرها. وهي أعمال كثيرة ومتنوعة، يتعذر على المكلف الواحد أن يقوم بها جميعها، لذلك يقوم كل مكلف بما أنيط به من أعمال يستطيعها لإقامة هذا الفرض الذي يتحقق بإقامته استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة ,فلا توجد اعمال تافهة واخرى عظيمة بل كلها اعمال تشكل بمجموعها الاطار العام لانجاح العمل ضمن مفهوم الكل الفكري الشعوري المتوحد على فكرة واحدة وطريقة واحدة وتبرز روح العمل الجماعي الذي يؤديه الجميع لانجاح العمل الواحد.

ان من الخطر أن يختصر الاسلام إلى عبادات خمس تؤدى من قبل افراد,يقول قائلهم اسالك الله نفسي ولا علاقة لي بغيري اساء ام احسن(شوبخصني), بل لا بد ان ندرك حقيقة اننا معنيون بمن حولنا فعدم استقامتهم (مثلا) وظلمهم ينعكس علينا وقد روى البيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ( مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ قَطُّ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ ، وَلاَ فَشَتِ الْفَاحِشَةُ فِى قَوْمٍ إِلاَّ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالْمَوْتِ ، وَمَا طَفَّفَ قَوْمٌ الْمِيزَانَ إِلاَّ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ ، وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلاَّ مَنَعَهُمُ اللَّهُ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا جَارَ قَوْمٌ فِى حُكْمٍ إِلاَّ كَانَ الْبَأْسُ بَيْنَهُمْ أَظُنُّهُ قَالَ وَالْقَتَلُ). وواجب علينا ان نتعاطى مع كل القضايا التي تتعلق بالشان العام لانه من صلب شاننا في قوله تعالى(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الانفال وفي صحيح الحاكم عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال (أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله عز و جل) فالاسلام ليس طقوسا تؤدى ولا عبادات شعائرية يؤديها افراد, بل هو اوامر ونواه في كل امر دق هذا الامر او جل سواء اخوطب به الفرد او خوطبت به الجماعة.**

**أما الطبع أن تبقى وحدك، وأن تستمتع بالحياة وحدك ان استطعت ولن تستطيع, فعن معاذ بن جبل : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لعلى بن أبى طالب (ألا أنبئك بشر الناس قال بلى يا رسول الله قال من أكل وحده ومنع رفده وسافر وحده وضرب عبده ثم قال يا على ألا أنبئك بشر من هذا قال بلى يا رسول الله قال من يخشى شره ولا يرجى خيره ثم قال يا على ألا أنبئك بشر من هذا قال بلى يا رسول الله قال من باع آخرته بدنيا غيره ثم قال يا على ألا أنبئك بشر من هذا قال بلى يا رسول الله قال من أكل الدنيا بالدين)رواه بن عساكر. فالآيات الكثيرة والاحاديث التي تحض على التعاون والتناصح والتباذل والتزاور والتهادي والمجالسة وأن يتخذ الأخ أخاً له في الله يمحضه النصح ويعينه و يعطيه وصدق الله العظيم{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}سورة العصر.

أن جلائل الأعمال لا تقوم إلا بالعمل الجماعي، فالعمل الفردي لا يحقق شيئا وان بز صاحبه, أما العمل الجماعي فانه يحقق كل شيء، فالمسلمون إذا أرادوا أن ينهضوا او يغيروا لا بد من التعاون ولابد من عمل جماعي كبير، أما إذا كان انتماؤهم إلى فرديتهم ، فهؤلاء الأفراد مهما حققوا من نجاح فردي كبير فهذا النجاح الفردي محدود ولا يفعل شيئاً اذ ان العمل الفردي يفتت الجماعة ويضعفها, والفردية من لوازمها تحطيم الآخرين ليعلو بفرديته عليهم فالذي يملك نزعة فردية فمن لوازم فرديته أن يحطم الآخرين، والنزعة الجماعية من لوازمها التعاون في قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}المائدة2 ، ومن علامات الثقة بالنفس السلوك الدال على ما نسميه بالروح الجماعية ,وهؤلاء الافراد الذين يؤدون هذا العمل لا بد لهم من صفات يتصفون بها كالتخلي عن الأنانية وعدم الافراط في حب الذات، وحب الظهور الدال على النزعة الفردية وعدم رؤيته لغيره او نظرته لغيره من خلال نفسه.

ان وباء (الانانية)كمرض يصيب الامم لا وجود له في المجتمع الاسلامي لتجذر فكرة الجماعة والعمل الجماعي الممارس عمليا من قبل الجماعة المسلمة على الدوام وفي كل يوم في صلاة الجماعة(مثلا) وغيره من الفروض ,بل هو اصل من اصول التزام الفرد المسلم تجاه دينه ,والاحكام الشرعية الآمرة بالتجمع وعدم الفرقة اكثر من ان تحصى,والدعوة للايثار على النفس موجودة في اوصاف المؤمنين في قوله تعالى( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(9)الحشر,والايثار مع الاحتياج ابلغ واوقع في النفس لاختلافه عن الكرم في قوله تعالى(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) الانسان,فمجتمع هذه صفات افراده محصن من وباء الانانية وتكون روح العمل الجماعي والشعور بالمسؤلية عن الغير ظاهرة فيه بغير تصنع وتكلف بل هي سجية من سجاياه,وشاعرهم حين قال:

 ونحن اناس لا توسط عندنا           لنا الصدر دون العالمين او القبر

وغيره كذلك:

فلسنا على الاعقاب تدمى كلومنا ولكن على اقدامنا تقطر الدما

وغيرهما كثير كثير ليس وصفه لنفسه ولكن وصفه للجماعة التي ينتسب لها فهذه حالهم وهذه اوصافهم.

بعكس المجتمعات الراسمالية فانها المناخ الطبيعي لفكرة الانانية منبتا وحصادا, فالأنانية هي حب الإنسان لنفسه، وعشقه للسيطرة والتملك، وهي (الأنا) التي تجعل الإنسان لا يرى إلا نفسه، ولا يهتم إلا بشخصه هو أما إذا تجاوزت الانانية حدود الذات إلى الغرور والتكبر واحتقار الآخرين والتي نهينا عنها في قوله تعالى(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)لقمان, فاستصغارهم وتسفيه آرائهم، والسعي إلى السيطرة عليهم يوجد التدابر والتنافر والاحقاد والتنافس على الدنيا بين الافراد وهنا مكمن الخطورة وأصل الداء لان ذلك يفتت المجتمع ويقطع كل موصول بينهم, فالشخص الأناني لا يحبُ الاعتراف بالخطأ، ويظن نفسه دائم الصواب، وأنه من المعصومين عن الزلة والمعصية، وهو يجهل بأن الاعتراف بالخطأ دليلٌ على احترام عقول الناس، ولأن الأناني ليس لديه مُحرمات، بل يُحل لنفسِه كل شي ما دامت مصلحتهُ موجودة وهي أكبر سبب لأداء المُحرمات، والأخطاء الشنيعة، والأنانية هي داءٌ مدّمر لصاحبه ولمن حوله؛ فالأناني لا يُحبُ ان يشاركه اجد شيئا ، بل يُحبُ أن يرى غيره يشقى وهو يرتاح ويُحب مصلحته فقط.**

**ان الروح الجماعية في المجتمع الإسلامي ظاهرة في اغلب امور المسلمين بل هي الركيزة التي تميز المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات, فهو المجتمع الذي توحد افراده على مبدا اعتقدوا عقيدته وطبقوا احكامه التي صهرت الافراد في بوتقته (المبدأ) فتوحدوا على مفهوم السعادة و الفرح والحزن,فلم توحدهم غريزة بقاء او خوف من عدو او طمع ومغنم كغيرهم من المجتمعات, فكان بحق مجتمع (الجماعة المسلمة) الذي تعهده الله بعنايته بعد ان كانوا متدابرين في الجاهلية, وخاطبهم الله وذكرهم بحالهم من قبل في قوله {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}آل عمران103,وخاطب نبيه صلى الله عليه وأله وسلم فقال له {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}الانفال63, ووصفهم الله ومدحهم في قوله تعالى{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}الفتح29.

لقد خاطبهم الله وامرهم بالتعاون والتناصح بعد ان زرع بينهم روح المودة والتآلف وانهم اخوة من دون الناس {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}الحجرات10,فجاء قوله تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}المائدة2 بعد ان بين لهم آلآءه وفضله, وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ثم شبك بين أصابعه"الصحيحين وقوله تعالى {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}آل عمران133 ومعنى هذا أي أنك ضمن جماعة و فضائل الجماعة انهاً تعطيك حصنا فلا تزل قدمك لانك في حصن بين اخوتك تعيش بينهم عيشك الطبيعي وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (فمن أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين أبعد ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان قالها ثلاثا و عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين أبعد)المستدرك وهذه من ألفاظ الإغراء، أي الزموا الجماعة وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ)مسلم.

فالطبع فردي والتكليف جماعي، أنت مكلف أن تتعاون مع أخيك، مكلف أن تزوره ، مكلف أن تنصحه وان تنصره، فكل ما يتعلق بوحدة المسلمين و جماعتهم أنت مكلف به تكليفاً شرعيا مباشرا بغض النظر اكنت كريما ام بخيلا او شهما او غير ذلك فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ" أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلا يُسْتَشْهَدُ أَلا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ )الترمذي.**

**إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كحق سياسي للمسلم ، يعتبر واجباً شرعياً و فرضاً على المسلمين ، لضمان تحقيق الإيمان و العدل اللذين هما أساس الحكم ، و ذلك مصداقاً لقوله تعالى : " الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ " (التوبة 112) ويقول ابن تيمية و لهذا قيل : " إن الله يقيم الدولة العادلة و إن كانت كافرة ، و لا يقيم الظالمة و إن كانت مسلمة " (فتاوى ابن تيمية) .

في قول الحق سبحانه وتعالى( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واؤلئك هم المفلحون) (104 آل عمران) فقد أوجب الله سبحانه وتعالى بتلك الآية ذلك على المسلمين كفرض كفاية ، فالأمر (ولتكن) هو للوجوب مما يعني وجوب الدعوة للإسلام وأعمال الأمر والنهي، (ومنكم) هي للتبعيض ولصرف الأمر ليصبح فرضاً واجباً يتم بتحقق الكفاية. أمّا ( أمة ) فتعني جماعة من الأمة الإسلامية وليس الأمة بكاملها .فالآية فرضت قيام جماعة ( أمة ) من بين المسلمين يتكتلون ضمن تكتل سياسي عملها الدعوة للإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام كفرض كفاية واجب التحقق ولا بد. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما طولب به المسلمون كل المسلمين أفرادا وجماعات ، بصفتهم التكتلية وبصفتهم الفردية، في كل مكان وواقع تواجدوا فيه، بوجود دولة الإسلام ، وفي حالة غيابها، ولا يختص ذلك الفرض بالأحزاب والجماعات فقط وإن كان ذلك في سلم اولويات عملها،فالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الأصل فيه أنه عمل كل مسلم و المسلم مفروض عليه أن يكون حامل دعوه, فمع أنً المسلم مأمور به فالبارز في المسلم بشكل عام أنه ملتزم بالإسلام متقيد بأحكامه، حامل لأفكاره وداع لها. أمّا حامل الدعوة الإسلامية فأبرز ما يتصف به هو أنّه حامل للإسلام ، عامل لتطبيق أحكامه باستئناف الحياة الإسلامية ، مما يحتم عليه أن يكون في رأس سلم أولوياته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يعني القول بأنّه من المعلوم بالضرورة أنه أينما ورد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصرف ذلك لحملة الدعوة، لا يعني بحال صرف ذلك عن بقية المسلمين، ولا حصره في فئة معينة منهم، بل من ناحية النظرة لآكد لأشخاص لعلمهم بوجوب هذا الفرض الواجب عليهم وعلى المسلمين أجمعين ويشرح هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما من امريء يخذل امرأً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته ، وما من أمريءٍ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته ) رواه أحمد وأبوداود ، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أُذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة ) رواه أحمد

فاصلاح ذات البين بين المسلمين والعمل لاعادة المودة بين الاصحاب ودوام التناصح والتواصي بالحق والصبر والثبات عليه بالالتزام بشرع الله وكل ما يدور ضمن هذه الدائرة هو من الشان العام وصدق الله العظيم ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: 10]، وأخبر عزَّ وجل أن هذا هو الخير فقال: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 114]، فالأمة لن تكون أمة واحدة ولن يحصل لها قوة ولا عزّة حتى ترتبط بالروابط الدينية حتى تكون كما وصفها نبيها - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «المؤمنُ للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»(البخاري ومسلم) وقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»(مسلم) فالامة كلها جسد واحد بغض النظر عن القرب او البعد فالفرح واحد والالم واحد ,فالم القدم كالم الانف والامة كذلك.**

**مفهوم الشأن العام ومجالاته

الشَّأْن : الحال والأَمْرُ وفي التنزيل العزيز : يونس آية 61( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ )

و الشَّأْن المنزلةُ والقدر يقال : رجل من ذوي الشأن و الشَّأْن الخَطْبُ .

وفي التنزيل العزيز : عبس آية 37( لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ).

والشَّأْن الحاجةُ وفي التنزيل العزيز : النور آية 62( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ) . والجمع : شؤون وشؤون العين مجاريها الدَّمعِيَّة.

وتطلق على الحالات التي يُعتنَى بها ، فيقال : شؤون الطلبة ، وشؤون العاملين وشؤون الناس.المعجم الوسيط

الشأن العام :هي التدابير التي تهم جمهور الأمة، فالإسلام دين الجماعة، والإمام ابن القيم يتحدث عن التدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، فالشأن العام هي ما يسميه الفقهاء فروض الكفاية ,وهذا الشأن العام أو فروض الكفاية هي أشد توكيدا من الفرائض الفردية،فانها فرض من حيث التكليف واداء هذا الفرض مطلوب من الامة بمجموعها,فاذا اقامه البعض سقط عن الباقين, لأن التخلف عن القيام بأمور الشأن العام (يعني فروض الكفاية) إثم يقع على الأمة جمعاء، بينما التخلف عن الفرائض الفردية والعينية فالإثم يقع على الفرد وحده، فالشأن العام هو الذي يحقق مصلحة الأمة ويجدد حيويتها, فالتدابير التي تجعل الحياة حياة إسلامية سليمة داخل المجتمع المسلم ضمن اطار مفهوم المجتمع للحفاظ على ترابطه بجعل هذه العلاقات سجية من سجايا افراده, هي معنى الشأن العام. عن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ", واخرج الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه و سلم قال (من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن لم يمس ويصبح ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم)

أن العمل الفردي لا يًثمر في المحاسبة ولا بتغيير نمط العيش وطرازه ، فكان لا بد من وجود أحزاب سياسية ، لتكون الوسيلة المثلى التي تجسد سلطان الأمة في حقها تجاه محاسبة الحكام . و حتى لا تكون الأمة سهلة الانقياد ، كان لا بد من وجود أحزاب سياسية تقوم بأعباء محاسبة الحكام .يقول السيد قطب رحمه الله في الظلال( فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها ? هذه الوظيفة الفردية لإقامة منهج الله في الأرض ، و لتغليب الحق على الباطل ، و المعروف على المنكر ، و الخير على الشر ? هذه الوظيفة التي من أجلها أُنشئت الجماعة المسلمة بيد الله و على عينه ، و وفق منهجه .

وقد ذكر أبو الأعلى المودودي رحمه الله في كتاب (مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة) وتحت باب: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “فالظاهر من كل هذا التبعيض في آية: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ… ) ليس بمعنى أن المسلمين مطالبون بأن تكون فيهم جماعة تقوم بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أما بقية عامة المسلمين فليس بواجب عليهم القيام بهذه المهمة أصلاً، وإنما معناه أن من الواجب أن لا تخلو الأمة بأي حال من الأحوال من جماعة - على الأقل - تسهر على إنارة سراج الحق والخير ومكافحة ظلمات الشر وغوائل الباطل. فإنه إذا لم تكن فيها جماعة كهذه فمن المحال لها البتة أن تسلم من لعنة الله وعذابه الشديد فضلاً عن أن تكون خير أمة أخرجت للناس”. انتهى قول المودودي.

إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كحق سياسي للمسلم**

** لقد جعل الإسلام من أسباب التملك الشرعية أخذ المحتاجين المال لأجل الحاجة للحياة بالقوة من أي مكان يجده والسبب في ذلك أنّ العيش حقّ لكل إنسان فيجب أن ينال هذا العيش حقاً لا منحة ولا عطفاً، وذلك بالعمل، وإذا تعذر عليه إيجاد العمل كان على الدولة الإسلامية أنْ تهيئه له، لأنها الراعي لهذه الرعية، فإذا تعذّر عليها إيجاد العمل له، أو عجز عن القيام بالعمل كان عيشه واجباً على من تجب عليه نفقته شرعاً، فإن لم يوجد من يقوم بنفقته، أو وجد وكان غير قادر على الإنفاق، كانت نفقته والحالة هذه على عامة المسلمين، وعلى بيت المال، وإذا خلا بيت المال من القيام بضمانة عيشه، أخذت الدولة من فضول أموال الإغنياء لتحقيق ذلك، وإذا قصّرت الدولة عن سدّ جوعات الإنسان، أو كان في وضع لا يستطيع حصوله على حقّه من قبل الدولة، أو لم تقم به جماعة المسلمين مع علمهم بحاله.

ومن المؤكد أن الدولة التي تطبق الإسلام عقيدة ونظاماً لا تقصّر تجاه رعاياها. كما أن من المؤكد أن جماعة المسلمين لا يقصّرون تجاه إخوانهم المحتاجين كان من حق الفرد المحتاج أن يأخذ ما يقيم به أوده، من أيّ مكان يجده سواء أكان عند الدولة، أم عند الأفراد، وأخذه لحاجة حياته يجعله ملكاً حلالاً له.

ولم يقطع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة - المجاعة - يد من أخذ لسد حاجته لأجل حياته، لأنه لم يعتبر سارقاً لعدم توافر شروط قطع اليد بالسرقة، التي منها أخذ المال لغير حاجة الحياة.

ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا قطع في مجاعة مضطر " وقوله: "لا قطع في الطعام المهيأ للأكل " وبهذه الأسباب التي اتخذها الإسلام مكّن كل فرد من إشباع حاجاته كلُها إشباعاً كلياً ووفّر له رفاهيته وجعله يعيش عيشة رغيدة ورعاه رعاية حسنة,وكان من أثر رعايته أن أصبح بيت المال كافلاً لكل فرد، راعياً له.

وقد وصلت كفالة بيت المال أن فرض عبد الملك بن مروان رئيس الدولة الإسلامية، راتباً لخادم المُقْعَد، وراتباً لقائد الأعمى، بل أصبح الناس في المجتمع الإسلامي، لا يحتاجون إلى مساعدة بيت المال لتوفّر حاجاتهم ورفاهيتهم، فقد حدَّث يحيى بن سعد عامل عمر بن عبد العزيز قال: " بعثني أمير المؤمنين على صدقات أفريقيا فاقتضيتها وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيراً يقبل الزكاة ولم نجد من يأخذها منا وقد سمعت الناس يقولون: لقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس.

ومن مجموع هذه الأسباب التي اتخذها الإسلام كان كل إنسان متمتعاً بالرفاهية مشبعاً الحاجات الأخرى, فما أحوج المسلمين اليوم لأن يحملوا الدعوة الإسلامية لسيادة أحكام الإسلام في الأرض استجابة لأمر الله تعالى، ورعاية لشؤونهم، وكفالة لحقوقهم، وضماناً لحاجاتهم.

فبحكم الاسلام وحده يتحقق للناس الرفاهية في الدنيا، والعيش الطّيب فيها، بعد أن ضاعت حقوقهم، وحُرِموا من إشباع حاجاتهم الاساسية وهم الاغنياء، فلم تُرعَ شؤونهم وقد أصابهم القلق النفسي، والاضطراب الفكري، وهم تائهون في هذا البحر الذي تسيطر عليه الشقاوة وتتلاطم عليه أمواج الكفر والإلحاد وتخيم عليه الفوضى والارتباك بكل معانيها.

وهم لا يدرون كيف ينجون منه، وفي أي طريق وسبيل يسلكون ولكن رب العالمين الرؤوف بعباده، عيّن الطريق وبيّن السبيل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. فقال جل جلاله: ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن أتبعني )يوسف 108 ، ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )الانعام153.من الاسلام ضامن للحاجات عبد العزيز البدري.

2- وجاءت الطهارة بمعنى : النظافة وهذا التنظيف بالماء الطاهر في آيات كثيرة منها ما روى الدارقطني عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبدالله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}التوبة 108 فقال : “يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا” ؟ قالوا : يا رسول الله ، نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “فهل مع ذلك من غيره” ؟ فقالوا : لا غير ، إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. قال : “هو ذاك فعليكموه” وفي قوله تعالى (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ…) الأنفال 11 وقوله تعالى ، في سورة.( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) الفرقان 48.
3- وجاءت الطهارة في إزالة أثر دنس دم الحيض في قوله تعالى في سورة البقرة من أجل اعتزال النساء فيه ووجوب الاغتسال بعده للنظافة منه في قوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة222 بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرٍ نِسَاءَهُمْ وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا
وفي سورة آل عمران في حق مريم ({وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}42 قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} أي اختارك ، {وَطَهَّرَكِ} أي من الكفر ؛ عن مجاهد والحسن. الزجاج : من سائر الأدناس من الحيض والنفاس وغيرهما ، واصطفاك لولادة عيسى. {عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} خصها الله بعدم التحيّض(قاله القرطبي) ، ويعزز هذا المعنى من كتاب الله ما جاء في أزواج الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة ، وذلك في قوله تعالى (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(25)}البقرة مِنَ الحَيْضِ وَالدَّنَسِ وَالأَذَى ، وَالأَخْلاَقِ الرَذِيلَةِ ، وَالصِّفَاتِ النَّاقِصَة ، وَيُدخِلُهُمْ فِي ظِلٍّ وَارِفٍ كَثِيفٍ لاَ حَرَّ فِيهِ وَلاَ قَرَّ . أيسر التفاسير أسعد حومد.
4-وجاءت الطهارة بالنسبة لقوم لوط عليه السلام حيث أشار الله في الموضوع إلى سبيلين في قول لوط لقومه (قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هود 78 فرج الأنثى و طهارته ، وقذارة شرج الذكر,وكذلك قول قومه سخرية واستهزاء به وبمن معه، في قوله تعالى في (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) الأعراف82
5-وجاءت الطهارة المعنوية بالنسبة لكتاب الله لأنه خالص من التحريف ومن الباطل ، من حين أن نزل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها(لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) فصلت 42.وقوله تعالى (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً) 2البينة يعني قرآنا مطهرا من الزيادة والنقصان ويقال " مطهرة " من الكذب والتناقض, وما جاء في قوله تعالى (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) عبس, مطهرة من الأدناس والشرك .
6- وجاءت الطهارة في التحذير من القرب من مواقع الزلل لسلامة النية ، ومن غير قصد خفي للحفاظ على" طهارة القلب " في قوله تعالى( فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) الأحزاب 53, وقد روى مسلم عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه” .
7-وجاءت طهارة القلب في آداب الزيارة والمجاملة بل والملاءمة وزكاؤه وذلك في قوله تعالى ، في : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) المجادلة نزلت هذه الآية في أهل المسيرة منهم من كانوا يكثرون المناجاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الفقراء حتى تأذى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والفقراء فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بالصدقة قبل أن يتناجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بكل كلمة أن يتصدقوا بدرهم على الفقراء فقال { ياأيها الذين آمَنُواْ } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن إذا ناجيتم الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم فقدموا بين يدي نجواكم صدقة قبل أن تكلموا نبيكم تصدقوا بكل كلمة درهماً { ذلك } الصدقة { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الإمساك { وَأَطْهَرُ } لقلوبكم من الذنوب ويقال لقلوب الفقراء من الخشونة { فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ } الصدقة يا أهل الفقر فتكلموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شئتم بغير التصدق { فَإِنَّ الله غَفُورٌ}.
8- وجاءت الطهارة والتطهير لبيت الله الحرام من درن الشرك وعبادة الأوثان وذلك في عهده تعالى لإبراهيم " عليه السلام " في سورة البقرة (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) { طَهِّرَا بَيْتِيَ } عبارة عن بنيانه بنية خالصة وقيل : المعنى طهراه عن عبادة الاصنام.
وآخر معنى ان كلمة المتطهرين --جاءت بمعنى الذن يتطهرون من اي حدث وذلك قبل اداء النسك سواء كان صلاة او طوافا او غير ذلك مما يتطلبه الركن في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة 222وقوله تعالى(فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) 108التوبة فالمطهرين بتشديد حرف (ط) هم الذين يسرعون في التطهر لانهم يحبون ان يتطهروا اي يحبون ان يكونوا دائما على طهارة وقد تم ادغام حرف (ت) الاوسط من الكلمة,والمطهرون – يتشديد حرف (ه) الهاء وهم الذين طهرهم الله ايتداء ودائما ولا يصيبهم اي حدث ولا يكون الا ملكا من الملائكة او روحا طاهرة وكذلك الصحف المطهرة وكذلك اهل البيت الذين يطهرهم الله تطهيرا, وهنا نعرف الفرق بين الطهر والتطهر فان الطهر من الله وليس للانسان دخل فيه اما التطهر فان عليه ان يتطهر بنفسه والله اعلم ,وعليه تاتي الاية الكريمة (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) 79الواقعة.

**مفهوم الطهارة في القرآن

لقد ذكر الله تعالى في آية الميثاق الفطرة وإقرار الناس وشهادتهم على أنفسهم بأن الله ربهم في قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ }{ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } الأعراف 172-173 وجاءت الأحاديث النبوية مفسرة لهذه الآية مؤكدة لمعناها في أن الله فطر البشرية كلها على معرفته وتوحيده تعالى في قوله صلى الله عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء » البخاري ومسلم,وعند بحث موضوع الطهارة كان لا بد من ضبط المعنى اللغوي في استعمال العرب لهذة اللفظة قبل الاسلام وكيف استعملها المسلمون كمعنى اصطلاحي,فاحببت قبل البحث ان اضع اصل تبنى عليه المعاني المتقاربة او تدور ضمن دائرته,وهو ان الاصل هو الطهر, والنجس او الرجس اوالرجز, طارىء طرأ عليه كالمرض والصحة,فالصحة اصل والمرض طارىء.

جاء في لسان العرب: ( طهر ) الطُّهْرُ نقيض الحَيْض والطُّهْر نقيض النجاسة والجمع أَطْهار وقد طَهَر يَطْهُر وطَهُرَ طُهْراً وطَهارةً المصدرانِ عن سيبويه وفي الصحاح طَهَر وطَهُر بالضم طَهارةً فيهما وطَهَّرْته أَنا تطهيراً وتطَهَّرْت بالماء ورجل طاهِر وطَهِرٌ عن ابن الأَعرابي وأَنشد:

أَضَعْتُ المالَ للأَحْساب حتى                       خَرجْت مُبَرّأً طَهِر الثِّيَابِ

قال ابن جني جاء طاهِرٌ على طَهُر كما جاء شاعرٌ على شَعُر,ورجل طَهِرُ الخُلُقِ وطاهرُه والأُنثى طاهرة والاسم الطُّهْرُ بالضم و طَهَّرهُ تطْهِيراً, وتَطَهَّر بالماء وهم قوم يتطهرون أي يتنزهون من الأدناس ورجل طَاهِرُ الثياب أي مُنزَّه ,وإِنه لَطاهرُ الثيابِ أَي ليس بذي دَنَسٍ في الأَخْلاق, ويقال فلان طاهر الثِّياب إِذا لم يكن دَنِسَ الأَخْلاق قال امرؤ القيس:

ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيّةٌ              وأَوْجُهُهُمْ بِيضُ المَسافِرِ غُرّانُ 

في قوله تعالى (وثِيابَكَ فَطَهِّرْ) المدثر4 معان منها وقَلْبَك فَطهِّر في حديث سَلْمان أَنه نزل على نَبَطِيَّةٍ بالعراق فقال لها هل هنا مكانٌ نَظيف أُصَلي فيه فقالت طَهِّرْ قَلْبَك وصَلِّ حَيْثُ شِئْتَ فقال سلمان فَقِهَتْ أَي فَهِمَتْ وفَطِنَتْ للحقِّ ومنه قول عنترة:

 فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيابَه           ليس الكَريمُ على القَنا بِمُحَرَّمِ 

أَي قَلْبَه وقيل معنى (وثيابك فطهر) المدثر4 أَي نَفْسَك وقيل معناه لا تَكُنْ غادِراً فتُدَنِّسَ ثيابَك فإِن الغادر دَنِسُ الثِّياب قال ابن سيده ويقال للغادر دَنِسُ الثياب وفلان دَنِسُ الثِّيابِ إِذا كان خَبيثَ الفِعْل والمَذْهَبِ خَبِيثَ العِرْض وأَنشد قول غيلان:

  إِني بِحَمْد الله لا ثوبَ غادِرٍ            لَبِستُ ولا مِنْ خِزْيةٍ أَتَقَنَّع

وقيل معناه وثيابك فقَصِّر فإِن تقصير الثياب طُهْرٌ لأَن الثوب إِذا انْجرَّ على الأَرض لم يُؤْمَنْ أَن تصيبَه نجاسةٌ, وقِصَرُه يُبْعِدُه من النجاسة, والتَّوْبةُ التي تكون بإِقامة الحدّ كالرَّجْمِ وغيره طَهُورٌ للمُذْنِب وقيل معنى قوله وثيابك فطهِّرْ يقول عَملَك فأَصْلِح وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله (وثيابك فطهّر) المدثر4 يقول لا تَلْبَسْ ثِيابَك على معصية ولا على فجُورٍ وكُفْرٍ, وطهَّر فلانٌ ولَدَه إِذا أَقام سُنَّةَ خِتانه وإِنما سمّاه المسلمون تطهيراً لأَن النصارى لما تركوا سُنَّةَ الخِتانِ غَمَسُوا أَوْلادَهم في ماء صُبِغَ بِصُفْرةٍ يُصَفّرُ لونَ المولود وقالوا هذه طُهْرَةُ أَوْلادِنا التي أُمِرْنا بها فأَنْزل الله تعالى( صِبْغةَ الله ومَنْ أَحْسَنُ مِن اللهِ صِبْغةً)البقرة 138 أَي اتَّبِعُوا دِينَ اللهِ وفِطْرَتَه وأَمْرَه لا صِبْغَةَ النصارى, فالخِتانُ هو التطهِيرُ لا ما أَحْدَثَه النصارى من صِبْغَةِ الأَوْلادِ

والطهارة في القرآن جاءت بالمعاني التالية:

1- جاءت الطهارة بمعنى: تزكية النفس من الشرك وتطهيرها منه وذلك في قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) التوبة 103 أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها قال : من ذنوبهم التي أصابوا , وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله وصل عليهم قال : استغفر لهم من ذنوبهم التي أصابوها فإن صلواتك سكن لهم قال : رحمة لهم , وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله وصل عليهم يقول : ادع لهم إن صلواتك سكن لهم قال : استغفارك يسكن قلوبهم ويطمن لهم .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتى بصدقة قال ( اللهم صل على آل فلان, فأتاه أبي بصدقة فقال : اللهم صل على آل أبي).**

**أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ

توبة مالك بن دينار (قصة رائعة ومؤثرة))

يقول: بدأت حياتي ضائعا سكيراً عاصيا .. أظلم الناس وآكل الحقوق .. آكل الربا .. أضرب الناس .. افعل المظالم .. لا توجد معصيه إلا وارتكبتها .. شديد الفجور .. يتحاشاني الناس من معصيتي.

ويقول: في يوم من الأيام .. اشتقت أن أتزوج ويكون عندي طفله .. فتزوجت وأنجبت طفله سميتها فاطمة .. أحببتها حباً شديدا .. وكلما كبرت فاطمه زاد الايمان في قلبي وقلت المعصيه في قلبي .. ولربما رأتني فاطمة أمسك كأسا من الخمر .. فاقتربت مني فازاحته وهي لم تكمل السنتين . وكأن الله يجعلها تفعل ذلك .. وكلما كبرت فاطمه كلما زاد الايمان في قلبي .. وكلما اقتربت من الله خطوه .. وكلما ابتعدت شيئا فشيئاً عن المعاصي.. حتى اكتمل سن فاطمه 3 سنوات فلما اكملت .. الــ 3 سنوات ماتت فاطمه

يقول: فانقلبت أسوأ مما كنت .. ولم يكن عندي الصبر الذي عند المؤمنين ما يقويني على البلاء .. فعدت أسوا مما كنت .. وتلاعب بي الشيطان … حتى جاء يوما فقال لي شيطاني: لتسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من قبل!! فعزمت أن أسكر وعزمت أن أشرب الخمر وظللت طوال الليل أشرب وأشرب وأشرب, فرأيتني تتقاذفني الاحلام . حتى رأيت تلك الرؤيا, رأيتني يوم القيامه وقد أظلمت الشمس .. وتحولت البحار إلى نار. وزلزلت الأرض .واجتمع الناس إلى يوم القيامه .. والناس أفواج … وأفواج .. وأنا بين الناس وأسمع المنادي ينادي فلان ابن فلان .. هلم للعرض على الجبار

يقول: فأرى فلان هذا وقد تحول وجهه إلى سواد شديد من شده الخوف, حتى سمعت المنادي ينادي باسمي .. هلم للعرض على الجبار

يقول: فاختفى البشر من حولي (هذا في الرؤيه) وكأن لا أحد في أرض المحشر .. ثم رأيت ثعبانا عظيماً شديداً قويا يجري نحوي فاتحا فمه. فجريت أنا من شده الخوف فوجدت رجلاً عجوزاً ضعيفاًً ..

فقلت: آه: أنقذني من هذا الثعبان فقال لي .. يابني أنا ضعيف لا أستطيع ولكن إجر في هذه الناحيه لعلك تنجو .. فجريت حيث أشار لي والثعبان خلفي ووجدت النار تلقاء وجهي .. فقلت: أاهرب من الثعبان لأسقط في النار فعدت مسرعا أجري والثعبان يقترب فعدت للرجل الضعيف وقلت له: بالله عليك أنجدني أنقذني .. فبكى رأفة بحالي … وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن إجر تجاه ذلك الجبل لعلك تنجو فجريت للجبل والثعبان سيخطفني فرأيت على الجبل أطفالا صغاراً فسمعت الأطفال كلهم يصرخون: يافاطمه أدركي أباك أدركي أباك

يقول: فعلمت أنها ابنتي .. ويقول ففرحت أن لي ابنة ماتت وعمرها 3 سنوات تنجدني من ذلك الموقف فأخذتني بيدها اليمنى .. ودفعت الثعبان بيدها اليسرى وأنا كالميت من شده الخوف ثم جلست في حجري كما كانت تجلس في الدنيا وقالت لي ياأبت (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)الحديد,

يقول: يابنيتي .. أخبريني عن هذا الثعبان!! قالت هذا عملك السئ أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك .. أما عرفت يا أبي أن الأعمال في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامه..؟ يقول:وذلك الرجل الضعيف: قالت ذلك العمل الصالح .. أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى لحالك لا يستطيع أن يفعل لحالك شيئاً, ولولا انك انجبتني ولولا أني مت صغيره ماكان هناك شئ ينفعك

يقول: فاستيقظت من نومي وأنا أصرخ: قد آن يارب.. قد آن يارب, نعم ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله , يقول:واغتسلت وخرجت لصلاه الفجر أريد التوبه والعوده إلى الله , يقول: دخلت المسجد فإذا بالامام يقرأ نفس الاية

ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله , ذلك هو مالك بن دينار من أئمه التابعين هو الذي اشتهر عنه أنه كان يبكي طول الليل .. ويقول: إلهي أنت وحدك الذي يعلم ساكن الجنه من ساكن النار، فأي الرجلين أنا, اللهم اجعلني من سكان الجنه ولا تجعلني من سكان النار, وتاب مالك بن دينار واشتهر عنه أنه كان يقف كل يوم عند باب المسجد ينادي ويقول: أيها العبد العاصي عد إلى مولاك .. أيها العبد الغافل عد إلى مولاك …أيهاالعبد الهارب عد إلى مولاك .. مولاك يناديك بالليل والنهار يقول لك من تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة أسألك تبارك وتعالى أن ترزقنا التوبه لا إله إلا أنت سبحانك .. إني كنت من الظالمين.**

**رابعاً - القدرة على الحرب في جبهتين: ومن أعظم إنجازات العسكرية الإسلامية أن الأمة الإسلامية الناشئة استطاعت أن تفتح جبهتين وأن تدير دفة الحرب في كل منهما بكل كفاية واقتدار، وكان ذلك في مواجهة أعظم قوتين عالميتين في ذلك الوقت هما فارس وبيزنطة.. وذلك مثل فريد في التاريخ الحربي لم تبلغه أقوى الأمم وأعظمها خبرة في الحروب,فمعركة اليرموك محق فيها الروم وبعدها القادسية ويفصل بينهما سبع وثلاثون يوما ووقعتا سنة 15 للهجرة.

فالمعروف من وجهة نظر فن الحرب أن الحرب في جبتهين من أصعب المواقف التي تواجه القيادة، فهي تنطوي على مشكلات بالغة الصعوبة والتعقيد وتتطلب كفاية إلى أقصى حد في الإدراة والتخطيط والقتال، ويكفي أن نعلم أن العسكرية الألمانية لم تهزم في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) إلا حين فتح الحلفاء أمامها جبهة ثانية للقتال في روسيا.

خامساً - اتقان كل أشكال العمليات الحربية: ولقد أثبت المسلمون عملياً أنهم - طبقاً للمعايير المقررة في العلم العسكري - قادرون على القيام بجميع العمليات الحربية على اختلاف أشكالها ومستوياتها بكفاية عالية مثل الدفاع والهجوم والمطاردة والانسحاب والقتال في المدن والقرى ومهاجمة المواقع الحصينة والحصار واقتحام الأسوار وعبور الأنهار وأعمال الوقاية والحراسة وأعمال المخابرات والحرب النفسية ومفازر (دوريات) الاستطلاع وسرعة التنقل والإغارة.. الخ.

سادساً - الحرب فوق مختلف أنواع الأراضي: والمعروف أن أساليب القتال تختلف طبقاً لطبيعة الأرض التي يجري فوقها القتال، فهناك مثلاً فرق كبير بين القتال في الأراضي الصحراوية والقتال في الأراضي الزراعية او الجبلية وهكذا.. ويحتاج كل نوع من هذه الأراضي إلى إعداد خاص للقوات التي تقاتل عليه من حيث التدريب والتسليح وتشكيلات القتال, فلقد حاربوا فوق الأراضي الصحراوية والجبلية والزراعية، وحاربوا داخل المدن والقرى وواجهوا الموانع المائية كالأنهار فعبروها واسسوا سلاح الهندسة.

سابعاً - مواجهة كل أشكال التنظيم الحربي: فقد حارب المسلمون أشكالاً مختلفة من أشكال التنظيم الحربي، فقد واجهوا الجيوش المنظمة وغير المنظمة،واستوعبوا المفاجآت الحربية وتعاملوا معها(الفيلة في القادسية) وحتى الجيوش المنظمة والتي لم تكن على نمط واحد من التنظيم، فبديهي أن تنظيم جيوش فارس كان مختلفاً عن تنظيم جيوش بيزنطة، فضلاً عن اختلاف نظريات كل جيش في إدارة المعارك. وعلى الرغم مما ينطوي عليه ذلك من مشاكل معقدة فإن المسلمين استطاعوا أن يستوعبوا ويفهموا هذه النظم وان يقهروا أعداءهم على اختلاف تنظيماتهم,وكذلك أثبت المسلمون قدرتهم وكفايتهم في إدارة البلاد المفتوحة وهو أمر ينطوي على الكفاية والكفاءة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية بالإضافة إلى الكفاية العسكرية,بل واصبح ابناء البلاد المفتوحة جزءا من هذا الجيش حين هداهم الله واسلموا, واصبح هؤلاء الذين قاتلوا المسلمين البارحة هم جنود المسلمين اليوم المدافعين عن الإسلام دفاعهم عن أنفسهم واكثر ، وهذا ما نفهمه من أعداد الجند التي وصلت في عهد معاوية بن أبي سفيان في الشام اكثر من مئة وخمس وسبعون ألفاً ( 175 ) هذا غير الجيش في المغرب فيما يذكره المسعودي جـ 4 ص 244 ( لقد غزا اسبانيا جيش كبير ضم عدداً كبيراً من البربر ، وكذا غزا يزيد بن المهلب جرجان وطيرستان بجيش مكون من مئة الف رجل ) وان عدداً كبيراً جداً من معتنقي الدين حديثاً من فرس وأقباط وبربر وأتراك خدموا الإسلام بإعتبارهم جنوداً تقاتل في سبيل الله .

يقول محمود شيث خطاب رحمه الله"إن من الخطر أن يرسخ في الأذهان الاعتقاد الخاطئ بأنه ليس للإسلام نظريات حربية، ولا أعمال قادة، ولا تاريخ حربي يستحق الدراسة، وهو أمر لا تخفى بواعثه على الفطن »والمؤمن كيّس فطن«، فإن ترسيخ هذا المفهوم هو جانب من الحرب التي تستهدف طمس معالم الحضارة الإسلامية، ومنع او اعاقة قيامها من جديد، كما تستهدف طمس معالم العسكرية الإسلامية التي هي بحق أحد الجوانب الرائدة من حضارة الإسلام", والقلاع الحربية التي لا تخلو جميع الاقطار الاسلامية منها ما زالت الى يومنا هذا شاهدة,وتضم خلف اسوارها حكايات الامجاد والبطولات العسكرية من اليمن وعمان الى طشقند.

ان العقيدة الاسلامية وان حثت على الصبر على الأذى فإنها قد فجرت التحدي لكل مخالف دون وجل أو خوف ( وأن تقول الحق أينما كان لا تخاف في الله لومة لائم ) وهذا ما قالوه عند بيعة العقبة الثانية بعد ما قيل لهم أتدرون عَلامَ تبايعون … انه ليس الصبر على الأذى فقط و إنما هو ثبات على الحق وجدوه في قوله تعالى {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ }التوبة13، وقوله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }آل عمران173 .**

**العقيدة العسكرية

يعبر اصطلاح العقيدة العسكرية عن السياسة العسكرية المرسومة التي تعبر عن وجهات النظر الرسمية للدولة في أمور الصراع المسلح، ويشمل كل ما يتعلق بطبيعة الحرب وغايتها (من وجهة نظرها) وطرق إدارتها، والأسس الجوهرية لإعداد البلاد والقوات المسلحة للحرب. وعلى هذا الأساس فإن العقيدة العسكرية للجيش تقوم بصياغتها القيادة السياسية للدولة المبدأية والدولة المستقلة في قرارها لتحقيق غاياتها فالجيش بالنسبة للقيادة السياسية اداة تستعملها او تهدد بها, للحفاظ على الدولة واستقلال قرارها وتحقيق اهدافها والحفاظ على مصالحها ان كانت من الدول المؤثرة في الموقف الدولي،واما الدول التي تدور في فلك غيرها او الدول الوظيفية والعميلة فقرارها لغيرها,فالصراعات اليوم لا تقتصر على الحروب والقتال بين الجيوش فقط، بل إن مؤسسات الدولة برمتها تدخل ضمن صراعات او ادارة ازمات او اعمال سياسية بكل قدراتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية بالإضافة إلى قوتها المسلحة,وبديهي أن يكون لكل دولة عقيدتها العسكرية الخاصة بها وذلك بالنظر لظروفها الاقتصادية والجغرافية وأهدافها السياسية إلى غير ذلك من العوامل الاستراتيجية.

 أن الإسلام باعتباره مبدا تقوم علية حضارة كاملة، وأنه نظم كافة أمور الحياة ديناً ودنيا، قد عالج أمور الجهاد باعتباره الطريقة لنشر المبدأ، ووضع المناهج والمبادئ والاحكام بكل ما يتصل به من حيث أهدافه وآدابه, والباحث المحقق لا يجد في الإسلام كل ما تحتويه النظريات العسكرية المعمول بها في الشرق أو الغرب فحسب، بل إنه ليكتشف بالتحليل والمقارنة أن قواعد ونظم الإسلام الحربية تتجاوز تلك النظريات وتتفوق عليها سواء من الناحية الفنية البحتة أو من حيث نبل المقاصد والأهداف.

وقد نشأت في المدينة بعد الهجرة أول مدرسة عسكرية ,وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدها ومعلمها الأول، وعلى أساس مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة القولية والفعلية والتقريرية قامت نظم وقواعد العسكرية الإسلامية في مختلف شؤون الحرب والقتال، مثل: أسباب الحرب وأهدافها -آداب الحرب- بناء الجيش القوي - بناء المقاتل - إعداد القادة - التدريب على القتال - الحرب النفسية - المخابرات والأمن ومقاومة الجاسوسية - الانضباط والجندية وتقاليدها - بناء الروح المعنوية وإرادة القتال - إعداد الأمة للحرب - الصناعة الحربية واقتصاديات الحرب… الخ

وهكذا تكوّن أول جيش في تاريخ الإسلام والمسلمين، وتعلم رجاله في المدرسة العسكرية الإسلامية على يد قائدها ومعلمها الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أذِنَ اللهُ لهم بالقتال طبّقوا ما تعلموه في المعركة فكانوا مضرب الأمثال في الكفاية والكفاءة القتالية والشجاعة والعبقرية الحربية، وكانوا دائماً منصورين على أعدائهم بإذن ربهم,واصبح بحق الجيش الذي لا يهزم.

لقد قامت المدرسةُ العسكرية الإسلامية على اساس هذا المبدأ وعلى احكامه الشرعية, كما قام أيضاً جيش الإسلام بقادته ورجاله على نفس الاساس، ودخلت الدولة الوليدة معترك الصراع الدولي تجابه الحواجز المادية التي تقف في وجه الدعوة وتكسرها بهذا الجيش الإسلامي فكانت النتيجة المذهلة,يقول ( ول ديورانت ) في كتابه قصة الحضارة جـ 12 ص 46 ( وكان في غرب بلادهم العرب ومعظمهم من البدو الفقراء ، ولو أن إنساناً في ذلك الوقت قد قال إن أولئك الأقوام الرُّحل الواجمين قد كُتب لهم أن يستولوا على نصف الإمبراطورية الرومانية وعلى بلاد الفرس كلها لسخر من قوله هذا أحكم الساسةِ وأنفذهم بصيرة ) .

إن أعظم الأدلة التي تبرز النتائجَ التي حققتها العسكرية الإسلامية شهادةُ التاريخ.. فلقد حققت الجيوش الإسلامية من المهام والانجازات ما أصبح من الحقائق التاريخية التي لا تنازع, والتي نذكر منها على سبيل المثال:

أولاً - تأمين الدعوة وقيام الدولة الإسلامية: وهذا ما حققه جيش الإسلام في عصر النبوة، الذي حارب فيه المسلمون أكثر من عدو، فقد حاربوا المشركين واليهود والروم، وكانوا في كل معاركهم يواجهون عدواً متفوقاً عليهم في العدد والعدة، لكن نصر الله كان حليفهم.

ثانياً - الفتوحات الإسلامية: وفي أقل من مائة عام امتدت الفتوحات الإسلامية من حدود الصين شرقاً إلى شاطئ الأطلسي غرباً، وقد بلغ عدد القادة الفاتحين في أيام الفتح الإسلامي ستة وخمسين ومائتي قائد (256) منهم ستة عشر ومائتا (216) صحابي وأربعون من التابعين بإحسان رضي الله عنهم,فالعسكرية الإسلامية« قد هزمت كلا من العسكرية الفارسية والعسكرية البيزنطية في القادسية واليرموك نهائيا في عشرين سنة.

ثالثاً - إتقان الحرب البحرية: ولقد أتقن العرب - أبناء البادية - بناء الأساطيل وفنون الحرب البحرية، وبلغوا درجة من الكفاية استطاعوا بها هزيمة أسطول بيزنطة وهو أعظم قوة بحرية في زمانهم. يقول ابن خلدون: »إن المسلمين تغلبوا على لجة بحر الروم وإن أساطيلهم سارت فيها جائية وذاهبة من صقلية إلى تونس، والرومان والصقالبة والفرنجة تهرب أساطليهم أمام البحرية العربية ولا تحاول الدنو من أساطيل المسلمين التي ضريت عليه كضراء الأسدعلى فريسته ففتحت قبرص في 27هـــ.**

**وفي الوقت الذي تتهدد الآيات جبابرة الكفار والمشركين بعذاب جهنم الشديد‏,‏ فإنها تبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار‏,‏ وتصف ذلك بأنه هو الفوز الكبير‏,‏ أي‏:‏ الذي لا يدانيه فوز آخر‏,‏ لأن مجرد النجاة من النار فوز‏,‏ فيصبح الفوز بالجنة هو قمة الفوز الذي لا يدانيه فوز آخر‏.‏

وتنتقل الآيات بعد ذلك بالخطاب إلي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ يبطش بالجبابرة والظلمة من عباده بطشا شديدا‏,‏ و‏(‏البطش‏)‏ هو الأخذ بالقوة التي لا تقاوم‏,‏ وبالشدة التي لا تحتمل‏,‏ وفي ذلك تحذير للغلاة الظالمين المتجبرين على الخلق من الاستمرار في ظلمهم وتجبرهم لأن عاقبة ذلك وخيمة‏.‏

وفي ذلك أيضا تطمين للذين ظلموا بأن حقوقهم لن تضيع عند رب العالمين‏,‏ وهو ـ تعالى ـ الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏,‏ وهو الغفور الودود‏,‏ أي كثير المغفرة لكل من تاب إليه من عباده بصدق ـ مهما عظم الذنب‏,‏ وكبرت المعصية ـ‏,‏ وهو ـ تعالى ـ كثير الود لكل من آمن بجلاله‏,‏ وأطاع أوامره‏,‏ واجتنب نواهيه ما استطاع إلي ذلك سبيلا‏,‏ وكان مستخلفا ناجحا في الأرض‏.‏

ووصف الله ـ سبحانه وتعالى ـ ذاته العليا بوصف (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) البروج)‏ تأكيد علي جميع المعاني السابقة في سورة البروج لأنه ـ تعالى ـ هو خالق العرش ومالكه‏,‏ وهو ـ سبحانه ـ العظيم في ذاته وصفاته‏,‏ وأسمائه‏,‏ وأفعاله‏,‏ وفي كل ما ينسب إلي جلاله‏;‏ وهو المهيمن علي جميع خلقه‏,‏ والمتفضل عليهم جميعا من جوده‏,‏ وفضله‏,‏ وكرمه‏,‏ ورحمته‏,‏ والذي لا يتخلف شيء عن إرادته‏.‏

وتختتم سورة البروج بخطاب موجه من الله ـ تعالى ـ إلي خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يذكره بأمتين من الأمم التي كفرت بأنعم ربها فأهلكهما الله وهما كل من أمة فرعون‏,‏ وقبيلة ثمود‏,‏ حتي يكون في ذلك إنذار لكفار ومشركي قريش‏,‏ ولكل كافر ومشرك من بعدهم‏,‏ وفي ذلك يقول الله نعالى(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) البروج‏:17‏ ـ‏22).‏ ووصف ربنا ـ تبارك وتعالى ـ وحيه الخاتم بهذا الوصف الرائع‏:‏ بل هو قرآن مجيد‏*‏ في لوح محفوظ هو تأكيد على شرف القرآن الكريم لأنه كلام رب العالمين‏,‏ وعلى صدق كل ما جاء فيه من ركائز الدين‏,‏ وأخبار الأمم السابقة‏,‏ وعلى أنه محفوظ بحفظ الله ـ تعالى ـ في الأرض وفي الملأ الأعلى‏.‏ وعلى الرغم من ذلك كله فإن كفار ومشركي قريش قد كذبوا به‏,‏ كما كذب ويكذب به كثير من الكفار والمشركين عبر التاريخ إلي اليوم‏,‏ وسوف يظلون كذلك حتى قيام الساعة‏,‏ وحينئذ يدركون الحقيقة ساعة لا يجدي الإدراك‏,‏ ويندمون ساعة لا يجدي الندم‏,‏ والقرآن باق والتحدي قائم ‏ومحفوظ بحفظ الله‏,‏ لا يزول ولا يحول.‏**

**والإحداثيات البروجية في الأرصاد الفلكية تنسب كلها إلي مركز الأرض من قبيل التقريب‏ وتتأرجح هذه الإحداثيات بدورة يقدر طولها بنحو الشهر حول مستوي البروج‏,‏ وذلك باختلاف طفيف بسبب دوران كل من الأرض والقمر حول مركز ثقلهما المشترك‏‏ ولهذا السبب فإن مدار الشمس الظاهري طوال السنة علي الكرة السماوية ينطبق على دائرة البروج‏,‏ ووقوع الشمس الظاهري في كل برج من بروج السماء يحدد شهور السنة الإثني عشر‏,‏ كما يحدد طول السنة ذاتها ويشغل كل برج من هذه البروج نحو‏(30‏ درجة‏)‏ من دائرة السماء‏(‏ المقدرة بـ‏360‏ درجة‏),‏ وإتمام حركة الشمس الظاهرية فيها يحدد السنة الشمسية لأهل الأرض‏.‏ وهذه البروج الإثنا عشر تسمي مجازا بأسماء منها‏:‏ الحمل‏,‏ الثور‏,‏ التوءمان‏,‏ السرطان‏,‏ الأسد‏,‏ العذراء‏,‏ الميزان‏,‏ العقرب‏,‏ القوس‏,‏ الجدي‏,‏ الدلو‏,‏ والحوت‏.‏

  ويأتي بعد القسم بالسماء ذات البروج‏,‏ قسم ثان يقول فيه ربنا تبارك وتعالي واليوم الموعود وهو يوم القيامة الذي يتم فيه تدمير الكون وإعادة خلقه‏,‏ ثم بعث الأموات وحشرهم‏,‏ وعرضهم الأكبر أمام خالقهم للحساب والجزاء‏,‏ وهو اليوم الذي وعد الله ـ تعالى ـ به عباده‏,‏ وحذرهم من أهواله‏.‏

  ثم يأتي القسم الثالث الذي يقول فيه الحق ـ تبارك وتعالى وشاهد ومشهود والشاهد من الشهادة بمعني الحضور أو الشهادة على الغير‏,‏ والمشهود هو الحاضر أو من يشهد عليه‏ فعن يونس قال سمعت عمارا مولى بنى هاشم يحدث  انه قال في هذه الآية { وشاهد ومشهود } قال الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة والموعود يوم القيامة"تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم,‏ وعن يزيد النحوي عن عكرمة عن بن عباس : في قوله وشاهد ومشهود قال الشاهد محمد صلى الله عليه و سلم والمشهود يوم القيامة وذلك قوله { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا }النساء 41.

 ويأتي جواب هذا القسم المثلث بقول ربنا ـ تبارك وتعالى‏:‏ قتل أصحاب الأخدود أي‏:‏ لقد لعنوا أشد اللعن‏,‏ وطردوا من رحمة الله شر الطرد‏‏ وأصحاب الأخدود هم قوم من مشركي اليمن الذين نقموا على إيمان المؤمنين‏,‏ وتوحيد الموحدين من بينهم‏,‏ فقاموا تحت التهديد بإحراقهم في النيران التي سعروها في الأخدود الذي حفروه,  فلما رفض عباد الله المؤمنون هذا التهديد قام أصحاب الأخدود بإلقاء الرافضين للشرك بالله في سعير نيران هذا الأخدود ظلما وتجبرا,‏ وهؤلاء المشركون المتجبرون جلوس حول ذلك الأخدود الممتلئ بالنيران المشتعلة وهم يتشفون ويستمتعون بإلقاء المؤمنين في جمرة النيران حتي يتم إحراقهم أحياء فيها‏,‏ وهم من غلظة قلوبهم‏,‏ وشدة إجرامهم يتهللون ويضحكون كلما ألقي في النار أحد من المؤمنين وما كرهوا منهم إلا توحيدهم لله تعالي (إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)

  ثم تنتقل الآيات إلي تقرير عدد من الأحكام الإلهية المستمدة من هذه الواقعة المفزعة‏,‏ و التي هي في الوقت نفسه أحكام مطلقة تؤكد لكل ذي بصيرة أن الدنيا الغابرة هي رحلة قصيرة إلى الآخرة الأبدية الباقية‏,‏ ولا يمكن لعاقل أن يضحي بآخرته من أجل دنياه‏,‏ وفي ذلك تطمين للمؤمنين الذين حرقوا في أخدود مشركي أصحاب الأخدود‏,‏ وتهديد للذين قاموا بهذه الجريمة البشعة‏,‏ وفيه تطمين لكل مسلم ومسلمة يتعرض أو تتعرض لفتن المشركين في كل مكان وفي كل حين‏,‏ بأن مصيرهم الخلود في جنات النعيم‏,‏ وفيه ـ في الوقت نفسه ـ تحذير‏(‏ للذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا‏)‏ من مغبة أعمالهم التي قد تخلدهم في نار جهنم إلى أبد الآبدين‏.

   (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) البروج‏

    تؤكد الآيات أن الذين ابتلوا المؤمنين والمؤمنات في دينهم بالإيذاء والتعذيب الشديدين ـ كما فعل أصحاب الأخدود مع موحدي زمانهم‏,‏ وكما يفعل المشركون المتجبرون على الخلق في كل زمان ومكان ـ ثم لم يتوبوا عن جرائمهم ويكفروا عن ذنوبهم تلك‏;‏ فإن الله ـ تعالى ـ يتهددهم بعذاب جهنم وحريقها كما عذبوا عباده الموحدين بنيران الدنيا‏.‏ وشتان بين نار الدنيا الآنية الضعيفة‏,‏ وهي للحظات ثم تنتهي‏,‏ ونار الآخرة التي لا تبقي ولا تذر‏,‏ وتظل كذلك لآماد لا يحددها إلا خالق الوجود ومدبر أمره‏.‏ و‏(‏الفتنة‏)‏ من‏(‏ الفتن‏)‏ وأصله إدخال خام الذهب في النار لصهره وتخليصه من شوائبه‏,‏ ثم استعمل في التعبير عن الاختبار والابتلاء بالمحن والشدائد‏,‏ وبالمنح واللطائف التي تظهر معدن الإنسان‏,‏ وحقيقة باطنه‏,‏ وإن كانت‏(‏ الفتنة‏)‏ غالبا ما تستخدم في الابتلاء بالشدائد والمحن التي تظهر للعبد حقيقة ذاته من انطواء علي الخير‏,‏ أو انطواء علي الشر‏,‏ وذلك ليقيم الله الحجة على كل عبد بأعماله ‏**

**الغلام والملك

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال "كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحرٌ فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر فبعث إليه غلاماً يعلمه وكان في طريقه إذا سلك راهبٌ فقعد إليه وسمع كلامه فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الراهب فبينما هو كذلك إذا أتى على دابة ٍ عظيمة قد حبست الناس فقال اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل فأخذ حجراً فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإن ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس سائر الأدواء فسمع جليسٌ للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما ها هنا لك إن أنت شفيتني قال إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك قال ربي قال ولك ربٌّ غيري قال ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيء بالغلام فقال له الملك أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل قال فقال إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمئشار فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللهم أكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم أكفينهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال ما هو قال تجمع الناس في صعيدٍ واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارم فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على الجذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه فمات فقال الناس آمناً برب الغلام, فأتي الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس, فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم فيها النيران وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبيٌّ لها فتقاعست فقال لها الغلام يا أماه اصبري فإنك على الحق"الجمع لبن الصحيحين .

ان المحور الرئيسي لسورة البروج يتركز حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏,‏ وقصة أصحاب الأخدود نموذج متكرر لتجبر أهل الباطل على أهل الحق‏,‏ ولثبات أهل الحق أمام فتن أهل الباطل انطلاقا من اليقين بأن الله العزيز الحميد قد أقسم بعظيم قدرته  بالدفاع عن عباده المؤمنين‏ (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور)ٍ 38الحج,‏ وهذا القسم المطلق يشمل الزمان والمكان إلي قيام الساعة‏.‏

 وتبدأ السورة الكريمة بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـوَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)

 يقول د‏.‏ زغلـول النجـار" والقسم بالسماء تنبيه لنا إلي دقة بنائها‏,‏ واتساع أبعادها‏,‏ وإحكام حركات أجرامها‏,‏ وانضباط كل أمر من أمورها‏;‏ ووصفها بذات البروج تأكيد علي كل ذلك لأن البروج هي التجمعات النجمية الإثنا عشر التي تحيط بالكرة السماوية كحزام لها عند دائرة البروج‏,‏ وهي الدائرة الكبرى التي يقع فيها مستوى مدار الأرض حول الشمس الذي يعرف باسم المستوى البروجي ويعرف بأنه المستوى الذي يشمل الخط الواصل بين كل من مركز الشمس ومركز ثقل نظام الأرض والقمر‏,‏ واتجاه دوران مركز ثقل هذا النظام حول الشمس‏ وهو يقع في نقطة تقدر بنحو‏4700‏ كم بعيدا عن مركز الأرض أي علي عمق يقدر بنحو‏1700‏ كم تحت مستوي سطح الأرض‏.**

**وحاربوه بالانضمام إلى معسكرات المهاجمين كما وقع في غزوة الأحزاب وحاربوه بالإشاعات الباطلة كما جرى في حديث الإفك على يد عبد الله بن أبي سلول ، ثم ما جرى في فتنة عثمان على يد عدو الله عبد الله بن سبأ . وحاربوه بالأكاذيب والإسرائيليات التي دسوها في الحديث وفي السيرة وفي التفسير حين عجزوا عن الوضع والكذب في القرآن الكريم .

 ولم تضع الحرب أوزارها لحظة واحدة حتى اللحظة الحاضرة . فقد دأبت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على الكيد للإسلام ، وظلتا تغيران عليه أو تؤلبان عليه في غير وناة ولا هدنة في جيل من الأجيال . حاربوه في الحروب الصليبية في المشرق ، وحاربوه في الأندلس في المغرب ، وحاربوه في الوسط في دولة الخلافة حرباً شعواء حتى مزقوها وقسموا تركة ما كانوا يسمونه « الرجل المريض» . . واحتاجوا أن يخلقوا أبطالاً مزيفين في أرض الإسلام يعملون لهم في تنفيذ أحقادهم ومكايدهم ضد الإسلام . فلما أرادوا تحطيم « الخلافة » والإجهاز على آخر مظهر من مظاهر الحكم الإسلامي صنعوا في تركيا « بطلاً »! . . ونفخوا فيه . وتراجعت جيوش الحلفاء التي كانت تحتل الأستانة أمامه لتحقق منه بطلاً في أعين مواطنيه . بطلاً يستطيع إلغاء الخلافة ، وإلغاء اللغة العربية ، وفصل تركيا عن المسلمين ، وإعلانها دولة مدنية لا علاقة لها بالدين وهم يكررون صنع هذه البطولات المزيفة كلما أرادوا أن يضربوا الإسلام والحركات الإسلامية في بلد من بلاد المسلمين ، ليقيموا مكانه عصبية غير عصبية الدين وراية غير راية الدين { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }الصف 8 .وهذا النص القرآني يعبر عن حقيقة ، ويرسم في الوقت ذاته صورة تدعو إلى الرثاء والاستهزاء فهي حقيقة أنهم كانوا يقولون بأفواههم : { هذا سحر مبين } . . ويدسون ويكيدون محاولين القضاء على الدين الجديد . وهي صورة بائسة لهم وهم يحاولون إطفاء نور الله بنفخة من أفواههم وهم هم الضعاف المهازيل.

{ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } . . وصدق وعد الله . أتم نوره في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فأقام الجماعة الإسلامية صورة حية واقعة من المنهج الإلهي المختار . صورة ذات معالم واضحة وحدود مرسومة ، تترسمها الأجيال لا نظرية في بطون الكتب ، ولكن حقيقة في عالم الواقع سطعت شمسها على العالم, وأتم الله نوره فأكمل للمسلمين دينهم وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام ديناً يحبونه ، ويجاهدون في سبيله ، ويرضى أحدهم أن يلقى في النار ولا يعود إلى الكفر, فتمت حقيقة الدين في القلوب وفي الأرض سواء .

   وما تزال هذه الحقيقة تنبعث بين الحين والحين وتنبض وتنتفض قائمة على الرغم من كل ما جرى على الإسلام والمسلمين من حرب وكيد وتنكيل وتشريد وبطش شديد,فهاجس الكافر الذي يؤرقه بل ويدفعه للحرب وللبطش هو عودة دولة الاسلام والتي يعمل المخلصون لعودتها بكل جهدهم مترسمين خطى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لبنائها لتكون الخلافة الثانية على منهاج النبوة والتي بشر بها, وما شعار (الحرب على الارهاب) الا اعلان حرب على الاسلام بلغة رقيقة ليحفظ لعملائه من الحكام الحد الادنى من ماء الوجه,ليسهلوا له حربه ففتحوا له مؤسساتهم ووزاراتهم وجيشهم بل واجواءهم لتحلق طائراته وتقتل من تشاء من ابناء المسلمين وتتكشف وتتجسس والذريعة حاضرة جاهزة ترددها ابواقه الاعلامية على لسان ابناء المسلمين ولم يكتفوا بهذا بل ومدوه بالمال  .

  ان كل ما يحدث اليوم في العالم الاسلامي من(ثورات)ادت الى ايجاد شرخ وجرح ومناكفات وصل حدها درجة استحلال قتل الخصم او التواطىء مع العدو لقتله, بل وجعل العدو حكما يتدخل للاصلاح بينهم وكل ما يدور ضمن هذه الدائرة ما هو الا جولة من جولات هذه الحرب الطويلة المعلنة على الاسلام  واهله لتفتيت المسلمين وشرذمتهم شرذمة يصعب لملمة شتاتها, وايجاد شرخ بين المسلمين يصعب معالجتها وفتق يصعب رتقه,بل وغدا من كان ينادي البارحة للاسلام يدعو للدولة المدنية والديمقراطية ليواكب توجهات الكافر او لاخذ شهادة حسن سلوك منه.**

**{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} الصف 8

الإطفاء هو الإخماد ، يستعملان في النار ، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء والظهور. ويفترق الإطفاء والإخماد من وجه ؛ وهو أن الإطفاء يستعمل في القليل والكثير ، والإخماد إنما يستعمل في الكثير دون القليل ؛ فيقال : أطفأت السراج ؛ ولا يقال أخمدت السراج. وفي " نُورَ اللَّهِ " هنا خمسة أقاويل : أحدها : أنه القرآن ؛ يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول ؛ قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني : إنه الإسلام ؛ يريدون دفعه بالكلام ؛ قاله السدي. الثالث : أنه محمد صلى الله عليه وسلم ؛ يريدون هلاكه بالأراجيف ؛ قاله الضحاك. الرابع : حجج الله ودلائله ؛ يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم ؛ قال ابن بحر. الخامس : أنه مثل مضروب ؛ أي من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلا ممتنعا فكذلك من أراد إبطال الحق ؛ حكاه ابن عيسى. وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما ؛ فقال كعب بن الأشرف : يا معشر اليهود ، أبشروا! فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه ، وما كان ليتم أمره ؛ فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية واتصل الوحي بعدها.

وقال صاحب تظم الدر"ولما أخبر عن ردهم للرسالة ، علله بقوله : ( يريدون ) أي يوقعون إرادة ردهم للرسالة بافترائهم (ليطفئوا) أي لاجل أن يطفئوا (نور الله ) أي الملك الذي لا شيء يكافيه (بأفواههم ) أي بما يقولون من الكذب لا منشأ له غير الأفواه لأنه لا اعتقاد له في القلوب لكونه لا يتخيله عاقل ، فهم في ذلك كالنافخين في الشمس إرادة أن يمحو نفخهم عينها وينقص شينهم زينها ، فمثل إرادتهم لإخفاء القرآن بتكذيبهم وجميع كيدهم بمن يريد إطفاء الشمس بنفخه فهو في أجهد وأضل الضلال :

وفي تعب من يسحد الشمس ضوءها ويجهد أن يأتي لها بضريب

ويقول سيد قطب رحمه الله"وبشارة المسيح بأحمد ثابتة بهذا النص ، سواء تضمنت الأناجيل المتداولة هذه البشارة أم لم تتضمنها . فثابت أن الطريقة التي كتبت بها هذه الأناجيل والظروف التي أحاطت بها لا تجعلها هي المرجع في هذا الشأن .

وقد قرئ القرآن على اليهود والنصارى في الجزيرة العربية وفيه : { النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل } وأقر بعض المخلصين من علمائهم الذين أسلموا كعبد الله بن سلام بهذه الحقيقة ، التي كانوا يتواصون بتكتمها!

كما أنه ثابت من الروايات التاريخية أن اليهود كانوا ينتظرون مبعث نبي قد أظلهم زمانه ، وكذلك بعض الموحدين المنعزلين من أحبار النصارى في الجزيرة العربية . ولكن اليهود كانوا يريدونه منهم . فلما شاء الله أن يكون من الفرع الآخر من ذرية إبراهيم ، كرهوا هذا وحاربوه.

وعلى أية حال فالنص القرآني بذاته هو الفيصل في مثل هذه الأخبار . وهو القول الأخير .

ويبدو أن الآيات التالية في السورة جاءت على الأكثر بصدد استقبال بني إسرائيل اليهود والنصارى للنبي الذي بشرت به كتبهم . والتنديد بهذا الاستقبال ، وكيدهم للدين الجديد الذي قدر الله أن يظهره على الدين كله ، وأن يكون هو الدين الأخير!

{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) } الصف.. ولقد وقف بنو إسرائيل في وجه الدين الجديد وقفة العداء والكيد والتضليل ، وحاربوه بشتى الوسائل والطرق حرباً شعواء لم تضع أوزارها حتى اليوم . حاربوه بالاتهام : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ }6 الصف . . كما قال الذين لا يعرفون الكتب ولا يعرفون البشارة بالدين الجديد . وحاربوه بالدس والوقيعة داخل المعسكر الإسلامي ، للإيقاع بين المهاجرين والأنصار في المدينة ، وبين الأوس والخزرج من الأنصار وحاربوه بالتآمر مع المنافقين تارة ومع المشركين تارة .**

**وتذاكر قوم قصر الليل عليهم فقال بعضهم: أما أنا فإن الليل يزورني قائماً ثم ينصرف قبل أن اجلس، وقال علي بن بكار منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء إلا طلوع الفجر، وقال الفضيل بن عياض: إذا غربت الشمس فرحت بدخول الظلام لخلوتي فيه بربي، فإذا طلع الفجر حزنت لدخول الناس علي

وقال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وقال بعض العلماء: ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملّق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة، وقال بعضهم: قيام الليل والتملّق للحبيب والمناجاة للقريب في الدنيا ليس من الدنيا هو من الجنة أظهر لأهل الله تعالى في الدنيا، لا يعرفه إلا هم، ولا يجده سواهم روحاً لقلوبهم.

   أن مقادير ما يظفر به المتعرض للطف الله تعالى في الأحوال والأعمال يجري مجرى الصيد وهو كالرزق فقد يقل الجهد ويجل الصيد وقد يطول الجهد ويقل الحظ، والمعول وراء هذا الاجتهاد على نفحة من نفحات الرحمن فإنها توازي أعمال الثقلين، وليس فيه من اختيار العبد إلا أن يتعرض لتلك النفحة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا فإن المجذوب إلى أسفل لا ينجذب إلى أعلى ، وكما يقول الغزالي: كل مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها فقطع العلائق الجاذبة هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: « إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها » وذلك لأن تلك النفحات والجذبات لها أسباب سماوية؛ إذ قال الله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} الذاريات: 22، وهذا من أعلى أنواع الرزق والأمور السماوية غائبة عنا فلا ندري متى ييسر الله تعالى أسباب الرزق فما علينا إلا تفريغ المحل والانتظار لنزول الرحمة وبلوغ الكتاب أجله كالذي يصلح الأرض وينقيها من الحشيش ويبث البذر فيها وكل ذلك لا ينفعه إلا بمطر ولا يدري متى يقدر الله أسباب المطر إلا أنه يثق بفضل الله تعالى ورحمته أنه لا يخلي سنة عن مطر فكذلك لا تخلو سنة وشهر ويوم عن نفحة من النفحات فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب عن حشيش الشهوات، وبذر فيه بذر الإرادة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة، وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع وعند ظهور الغيم يقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة وعند اجتماع الهمم كما في يوم عرفة ويوم الجمعة وأيام رمضان فإن الهمم والأنفاس أسباب - بحكم تقدير الله تعالى - لاستدرار رحمته حتى إن الأمطار تُستدر بها في أوقات الاستسقاء، وهي لاستدرار أمطار المواهب ولطائف المعارف والعطايا من خزائن ملكوت الله أشد مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء واستجرار الغيوم من أقطار الجبال والبحار .

والذي يسبر غور النفحات التي يبشرالله بها عباده وينذر يجدها على ضربين:

الضرب الأول: نفحات الجنة والخير والبركة: وهي ومضات النور والاطمئنان والسكينة التي يعجلها الله في الدنيا لأهل طاعته؛ حيث إن الله تعالى يعجل لأوليائه وأهل طاعته من نفحات نعيم الجنة وروحها ما يجدونه ويشهدونه بقلوبهم مما لا يحيط به عبارة ولا تحصره إشارة، حتى قال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فإنهم في عيش طيب، قال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، وقال بعضهم: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} النحل: 97؛ قال الحسن: نرزقه طاعة يجد لذتها في قلبه، أهل التقوى في نعيم حيث كانوا في الدنيا والبرزخ وفي الآخرة.

العيش عيشهم والملك ملكهم ما الناس إلا همو بانوا أو اقتربوا

والضرب الثاني: نفحات الإنذار ونواقيس الخطر التي ينذر الله بها أهل المعاصي والإعراض عن ذكره؛ فإن الله يعجل في الدنيا من أنموذج عقوبات جهنم ما يعرف أيضا بالتجربة والذوق، فالحمى التي تصيب بني آدم وتزيد من درجة الحرارة الداخلية للجسم هي نار باطنة ومنها ما يكون نفحة من نفحات سموم جهنم ومنها ما يكون نفحة من نفحات زمهريرها، ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم النار التي في الدنيا، قال الله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ} الواقعة:73 يعني: أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تذكر بنار جهنم، ثم لا تسأل عما يجده أهل الإعراض من ضيق الصدر وحرجه ونكده، وعما يعجل من عقوبات المعاصي في الدنيا ولو بعد حين من زمن العصيان، وهذا من نفحات الجحيم المعجلة لهم، ثم ينتقلون بعد هذه الدار إلى أشد من ذلك وأضيق، ولذلك يضيق على أحدهم قبره ? نسأل الله السلامة والعافية - حتى تختلف فيه أضلاعه، ويفتح له باب إلى النار فيأتيه من سمومها، قال الله تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } طه: 124 .

ان الغواص عندما ينزل لأعماق البحر ويعيش الاختناق يصعد إلى السطح ، يستنشق الهواء ثم يغوص مرة أخرى ، ونحن في حياتنا اليومية نعيش في ظلمات حالكة ، ظلمة العمل و ظلمة المعاشرة الاجتماعية وبعض الظلمات التي تسلب الإنسان روحه من الغم والهم وضغوط الحياة, فعليه أن يلجأ إلى عالم الصلاة والقرآن والدعاء ؛ ليستنشق شيئا من هذا الرحيق يعينه ويصبره.

ان نفحات الخير ودفع العطايا في هذا الشهر الكريم أكثر من أن يطالها حصر؛ فهو شهر الصيام الذي نزل فيه القرآن؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 183، وفيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، ويصفد مردة الشياطين وعصاة الجن، ويكفي أن فيه ليلة القدر التي جعل الله ثواب العبادة فيها أفضل من ثواب العبادة لمدة 83 سنة وثلاثة أشهر، وهو ما يقترب من أعلى معدل لمتوسط عمر الإنسان في هذه الأمة، والعمرة في هذا الشهر تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالمحروم من يجعل جهده وسعيه في هذا الشهر معادلا لجهده في غيره، فلا يخصصه بمزيد من الاجتهاد في الخيرات التي هي ميدان التسابق والتي فيها الربح العظيم .

جعلنا الله من عتقاء هذا الشهر المبارك الذين سبقت لهم منه الحسنى، {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} آل عمران: 53 .**

**ويقول في هذا المقام ابن الجوزي " من الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا فهم في صعود وترق، كلما عبروا مقاما إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا "

خلق الله الإنسان من ضعف، تتنازعه لواعج الهوى وبواعث الشهوات، ذلك أن طبيعته البشرية الخطاءة تحول بينه وبين الوصول إلى المثالية والكمال المطلق، ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة متضافرة على استحالة تحول هذا المخلوق البشري الإنساني الظلوم الجهول إلى ملائكي معصوم من الخطإ مجبول على الطاعة دون جهد أو معاناة ؛ قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} الإسراء: 67 وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنب هو عليه مقيم لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتنا توابا نسيا إذا ذُكِّرَ ذكَرَ » رواه الطبراني في المعجم الأوسط، وصححه الألباني.

وأمام هذا الضعف البشري الذي جبل عليه الإنسان وقوة نوازع الهوى كان لا بد من كسر معادلة القصر النسبي لعمر الإنسان فكانت منته هذه المواسم حتى تثقل موازين صاحبها يوم القيامة فيكون من الناجين، قال تعالى: { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } الأعراف: 8، 9، فمنح الله عباده مواسم وأماكن ضاعف لهم فيها العمل الصالح وفتح لهم فيها أبواب الخير مشرعة على مصاريعها، يقبل من عاصيهم ويعفو عن مسيئهم ويمنح مستجديهم, فنفحات الله منح من خزائن رحمته يصيب بها من يشاء من عباده المؤمنين، فمن تعرض لنفحة منها سعد سعادة الأبد، والتعرض للنفحات الترقب لورودها بدوام اليقظة والانتباه من سِنة الغفلة حتى إذا مرت نزلت بفِناء القلوب .

قال العلامة المناوي: ومقصود الحديث « اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات الله عز وجل فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم »: إن لله فوائض مواهب تبدو لوامعها من فتحات أبواب خزائن الكرم والمنن في بعض الأوقات، فمن تعرض لها مع الطهارة الظاهرة والباطنة بجمع همة وحضور قلب حصل له منها دفعة واحدة ما يزيد على هذه النعم الدائرة في الأزمنة الطويلة على طول الأعمار، فإن خزائن الثواب بمقدار على طريق الجزاء، وخزائن منن النفحة لا تفرق فيما تعطي عليه، والجزاء له مقدار ووقت معلوم ووقت النفحة غير معلوم بل مبهم في الأزمنة والساعات، وإنما غُيب علمه لنداوم على الطلب بالسؤال المتداول كما في ليلة القدر وساعة الجمعة، فقصد أن نكون متعرضين له في كل وقت قياما وقعودا وعلى جنوبنا وفي وقت التصرف في أشغال الدنيا، فإن المداوم يوشك أن يوافق الوقت الذي يفتح فيه فيظفر بالعطاء الأكبر ويسعد بسعادة الأبد .

وقد شكا بعضهم إلى أستاذه طول سهره بالليل وأن السهر قد أضر به ثم قال: أخبرني بشيء أجتلب به النوم، فقال له أستاذه: يا بني إن لله نفحات في الليل والنهار تصيب القلوب المتيقظة وتخطئ بالقلوب النائمة فتعرض لتلك النفحات ففيها الخير، فقال: يا أستاذ تركتني لا أنام بالليل ولا بالنهار**