جوانب إقتصادية في أجوبة أسئلة وتوضيحات

رهن المبيع على ثمنه

ألسؤال (1) من : عزالدين ابن عبد السلام

**ا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الكريم أتمنى أن تصلك رسالتى هذه وشخصكم الكريم بتمام الصحة ‏والعافية? أما بعد، أرجو أن يتسع صدركم لسؤالي الذي سأصوغه على الشكل الآتي، يذهب مشترٍ لبائع ليشتري ‏منه بيتاً أو قطعة أرض، ويكون البيع بالتقسيط على دفعات يتفقون عليها، فيأخذ المشتري البيت أو قطعة ‏الأرض، ولكنه لا يملكها ملكية تامة إلا عند آخر دفعة من القسط، فالمشتري يجري تقريبا كل التصرفات على ما ‏اشترى إلا البيع، فهو لا يقدر مثلا بيع ما اشترى إلا عند آخر قسط، والسؤال هنا ?يتوجه الناس إلى شباب ‏الحزب يسألونهم عن هذه المعاملة لثقتهم بالشباب، فيكون جواب الشباب مختلفا بين مانع ومجيز على النحو ‏الآتي، فالمجيزون، يجيزون البيع محتجين بإدخال الرهن بالموضوع، أي أن يكون العقد عقد رهن، أو يجيزون ‏من باب ?العقود المعلقة?. أما المانعون فيحتجون بأن البيع بالعاجل أو الآجل يجب فيه كامل التخلية، على اعتبار ‏أن الملكية الفردية ?حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعة بالشيء وأخذ ‏العوض عنه?، ولأهمية الموضوع يا شيخنا الكريم في معاملة الناس والسؤال المتكرر لنا نرفع لشخصكم الكريم ‏هذا الإشكال وبارك الله فيكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏**

ألسؤال (2) من:نضال نزال

**السلام عليكم، أرجو بيان حكم الشرع في المسألة التالية:

هل يجوز لي شراء سيارة من شخص على أقساط ‏واشترط البائع عدم تسجيل السيارة باسمي والتنازل عنها إلا بعد تسديد آخر قسط، مع العلم أن السيارة أصبحت ‏بحوزتي وأستعملها. هل يجوز ذلك؟ بارك الله فيكم.‏**

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن سؤال الأخ عز الدين والأخ نضال، هما سؤالان متشابهان في موضوع واحد، ولذلك فالجواب لهما معاً:‏

إن هذه المسألة معروفة في الفقه بمسمى (رهن المبيع على ثمنه)، أي أن يبقى المبيع مرهوناً عند البائع إلى ‏أن يسدد المشتري الثمن. وهذه المسألة لا تظهر إذا كان البائع والمشتري كما قال رسول الله ‏ï·؛‏ في الحديث الذي ‏أخرجه البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا ‏اقْتَضَى» لكنهما أحياناً يختلفان حول استلام السلعة أولاً أو دفع الثمن أولاً، وقد يعمد البائع بعد عقد البيع إلى ‏حبس البضاعة أي رهنها عنده حتى يسدد الثمن، ومن ثم تنشأ هذه المسألة، وهذه مختلف فيها بين الفقهاء، فمنهم ‏من يجيزها بشروط، ومنهم من لا يجيزها، وهناك آخرون يجيزونها في حالة ولا يجيزونها في أخرى? وغير ‏ذلك.‏

والذي أرجحه بعد دراسة هذه المسألة هو على النحو التالي:‏

أولاً: نوع المبيع:‏

‏1- أن يكون المبيع مكيلاً أو موزوناً أو مذروعاً? إلخ، كبيع الأرز أو بيع القطن أو بيع الأقمشة?إلخ

‏2- أن يكون المبيع غير مكيل أو موزون?إلخ، كبيع سيارة أو بيع دار أو بيع حيوان?إلخ

ثانياً: ثمن المبيع:‏

‏1- أن يكون حالاً أي نقداً كأن تشتري السلعة بعشرة آلاف نقداً تدفع حالاً.‏

‏2- أن يكون مؤجلاً لمدة كأن تشتري السلعة بعشرة آلاف تدفعها بعد سنة.‏

‏3- أن يكون جزء منه معجلاً، وجزء منه مؤجلاً، كأن تشتري السلعة فتدفع دفعة أولى خمسة آلاف، وتدفع ‏الخمسة الأخرى بعد سنة مثلاً أو تقسطها على أقساط شهرية?‏

ثالثاً: يختلف الحكم الشرعي باختلاف الأمور المذكورة أعلاه:‏

الحالة الأولى: المبيع غير مكيل وغير موزون? أي مثل بيع دار أو سيارة أو حيوان?:‏

‏1- الثمن نقداً، أي تشتري سيارة بعشرة آلاف نقداً، وأن يكون هذا مثبتاً في العقد.‏

في هذه الحالة يجوز للبائع أن يحبس البضاعة، أي أن تبقى مرهونة لديه حتى يُدفع الثمن العاجل وفق العقد. ‏والدليل على ذلك الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي وقال عنه ?حديث حسن? عن أبي أمامة قَالَ: سَمِعْتُ ‏النَّبِيَّ ‏ï·؛‏ يَقُولُ فِي الخُطْبَةِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: «العَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ» الزعيم: الكفيل، ‏غارم: ضامن، ووجه الاستدلال في الحديث هو في قوله ‏ï·؛‏ «وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ» فإن المشتري إذا استلم السلعة قبل ‏أن يدفع الثمن فيكون قد اشتراها ديناً، و?الدين مقضي?، أي الأولوية لقضاء الدين ما دام الشراء كان نقداً، ‏وبعبارة أخرى أن يدفع الثمن أولاً ما دام الثمن في العقد نقداً حالا? يقول الكاساني في بدائع الصنائع تعليقاً على ‏الحديث (قَوْلُهُ ? عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ? «الدَّيْنُ مَقْضِيٌّ»، وَصَفَ ? عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ? الدَّيْنَ بِكَوْنِهِ مَقْضِيًّا ‏عَامًّا أَوْ مُطْلَقًا فَلَوْ تَأَخَّرَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لَمْ يَكُنْ هَذَا الدَّيْنُ مَقْضِيًّا، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ.).‏

وعليه فيجوز للبائع أن يحبس المبيع عنده إلى أن يدفع المشتري الثمن، وبذلك فلا يكون هناك دين، وهذا ‏يوافق العقد لأن البيع لم يكن بالدين بل كان بثمن نقدي.‏

‏2- أن يكون الثمن مؤجلاً، كأن تشتري سيارة بعشرة آلاف تسددها بعد سنة، ففي هذه الحالة لا يجوز حبس ‏البضاعة إلى أن يتم تسديد الثمن لأن الثمن مؤجل حسب العقد بموافقة البائع، فلا يجوز له أن يحبس البضاعة ‏لضمان ثمنها ما دام هو قد باعها بثمن مؤجل، فأسقط حق نفسه بحبس البضاعة، ولذلك فلا يجوز له حبس ‏البضاعة بل يسلمها للمشتري.‏

‏3- أن يكون الثمن معجلاً ومؤجلاً، كأن تشتري السيارة بدفعة أولى خمسة آلاف تدفعها نقداً حالاً، والخمسة ‏آلاف الأخرى تدفعها بعد سنة مرة واحدة، أو تدفعها أقساطاً في أوقات آجلة.‏

ففي هذه الحالة يجوز للبائع حبس البضاعة إلى أن تسدد الدفعة العاجلة، وبعد ذلك فلا يجوز له حبس ‏البضاعة لاستيفاء الدفعات المؤجلة، وذلك لما ذكرناه في البندين 1-2.‏

والخلاصة أنه يجوز للبائع ارتهان البضاعة على ثمنها العاجل، أي إذا كان عقد البيع بثمن عاجل يدفع ‏حالاً، فإنه يجوز للبائع أن يحبس البضاعة عنده إلى أن يدفع المشتري الثمن العاجل وفق عقد البيع.‏

وكذلك يجوز للبائع أن يحبس البضاعة عنده إلى أن يدفع المشتري الدفعة المعجلة وفق عقد البيع.‏

ولا يقال هنا كيف يرهن المشتري بضاعته قبل قبضها، أي قبل أن يمتلكها؟ وذلك لأن الرهن لا يجوز إلا ‏في ما يجوز بيعه، وحيث إن السلعة المشتراة لا يجوز بيعها إلا بعد قبضها استناداً إلى حديث رسول الله ‏ï·؛‏ الذي ‏رواه البيهقي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ‏ï·؛‏ لعتاب بن أسيد: «إني قد بعثتك إلى أهل الله، وأهل مكة، ‏فانههم عن بيع ما لم يقبضوا». والحديث الذي رواه الطبراني عن حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَبِيعُ ‏بُيُوعًا كَثِيرَةً، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: «لَا تَبِيعَنَّ مَا لَمْ تَقْبِضْ»، فهذه الأحاديث صريحة في النهي ‏عن بيع ما لم يقبضوه، فكيف إذن يرهن المبيع قبل قبضه؟

لا يقال ذلك لأن هذين الحديثين هما بالنسبة للمبيع المكيل والموزون? أما إذا كان المبيع من غير ذلك ‏كالدار والسيارة والحيوان? فيجوز بيعه قبل قبضه استناداً إلى حديث الرسول ‏ï·؛‏ الذي رواه البخاري عَنِ ابْنِ ‏عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ‏ï·؛‏ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي، فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ ‏القَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ï·؛‏ لِعُمَرَ: «بِعْنِيهِ»، قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ ‏اللَّهِ، قَالَ: «بِعْنِيهِ» فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ï·؛، فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ï·؛‏: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ» ‏وهذا تصرف في المبيع بالهبة قبل قبضه مما يدل على تمام ملك المبيع قبل قبضه، ويدل على جواز بيعه لأنه قد ‏تم ملك البائع له.‏

وعليه فإنه يجوز رهن المبيع قبل قبضه ما دام يجوز بيعه قبل قبضه، ولكن هذا فقط في ما إذا كان المبيع ‏من غير المكيل والموزون? كالدار والسيارة والحيوان ونحو ذلك، وفي حالة انعقاد البيع بثمن عاجل، أو في ‏حالة وجود دفعة معجلة في عقد البيع، فيجوز رهن المبيع قبل قبضه إلى أن يُدفع الثمن المعجل أو الدفعة ‏المعجلة.‏

الحالة الثانية: المبيع من المكيل والموزون? كشراء كميات من الأرز، أو من القطن أو كميات من ‏الأقمشة? ففي هذه الحالة لا يجوز حبس المبيع على ثمنه مهما كان واقع الثمن: حالاً عاجلاً، أو آجلاً دفعة واحدة ‏أو تقسيطاً:‏

فإن كان الثمن آجلاً فلا يجوز له حبس البضاعة كما بيناه أعلاه.‏

وإن كان الثمن عاجلاً فلا يجوز له حبس البضاعة، أي رهنها، لأنه لا يجوز رهن المكيل والموزون قبل ‏قبضه وفق حديث الرسول ‏ï·؛‏ الذي ذكرناه أعلاه. والبائع هنا في حالة البيع بالثمن العاجل بين أمرين:‏

إما أن يبيعه البضاعة بثمن عاجل ويسلمها له ويصبر عليه سواء أعطاه الثمن حالاً أو بعد حين دون أن ‏يرتهن البضاعة? وإما أن لا يبيع البضاعة، أي دون ارتهان للبضاعة بحال.‏

وعليه فإذا انعقد البيع بثمن عاجل أو آجل في حالة كون المبيع من المكيل أو الموزون، فلا يجوز للبائع أن ‏يرتهن البضاعة عنده إلى حين تسديد الثمن.‏

وهذا ما أرجحه، والله أعلم وأحكم.‏

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

08 من شـعبان 1436 ألموافق 2015/05/24م

**الميزانية في دولة الخلافة **

**السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم… السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الرجاء تبيان القصد في ما ورد أدناه؛ ورد في النظام الاقتصادي ميزانية الدولة العبارة أدناه: أما الدولة الإسلامية فلا توضع لها ميزانية سنوية، حتى يحتاج الأمر سنوياً إلى سن قانون بها. ولا تعرض على مجلس الأمّة، ولا يؤخذ فيها رأي منه. وذلك لأنّ الميزانية في النظام الديمقراطي قانون في أبوابها وفصولها، والمبالغ التي تتضمنها، وهو قانون لسنة واحدة. والقانون عندهم إنما يسنه البرلمان. ولذلك يحتاج الأمر إلى عرضها على مجلس البرلمان. وهذا كله لا تحتاج إليه الدولة الإسلامية؛ لأنّ واردات بيت المال تحصّل بحسب الأحكام الشرعية المنصوص عليها، وتصرف بحسب أحكام شرعية منصوص عليها. وهي كلها أحكام شرعية دائمية. فلا مجال للرأي في أبواب الواردات، ولا في أبواب النفقات مطلقاً، وإنما هي أبواب دائمية قررتها أحكام شرعية دائمية. هذا من ناحية أبواب الميزانية. أما من ناحية فصول الميزانية، والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل. فإن ذلك كله موكول لرأي الخليفة واجتهاده؛ لأنّه من رعاية الشؤون التي تركها الشرع للخليفة يقرر فيها كل ما يراه، وأمرُهُ واجبُ التنفيذ.

وورد في كتاب الأموال لدولة الخلافة ديوان الموازنة العامة كما هو وارد أدناه: ديوَان الموَازنة العَامة، وَديوان المحاسَبة العَامة، وَديوَان المراقبة. أما ديوان الموازنة العامة، فهو الديوان الذي يقوم بتجهيز الموازنة المستقبليّة للدولة، وفقاً لما يراه الخليفة، من حيث تقدير إيرادات الدولة، ومصارف أموالها، وبمقارنة الإيرادات، والنفقات الإجماليّة الفعليّة مع تلك الموازنة، وتتبُّعِ محصَّلةِ واردات الدولة، ونفقاتها الفعلية. ويكون هذا الديوان تابعاً لدار الخلافة وعليه أرى أنه يوجد تعارض بين الكتابين؛ الأول ينفي وجود موازنة للدولة والثاني يقر بوجود موازنة للدولة. الرجاء توضيح الأمر ولكم جزيل الشكر… ابوحسن**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أولاً: حتى يكون الجواب واضحاً فإننا نذكر ما يلي:

1- أن الموازنة بشكل عام تتكون من واردات ونفقات. وكل منهما له أبواب وفصول…

2- وأبواب الواردات تتعلق بمصادر الدخل، والفصول تتعلق فيما يخصص من الواردات للنفقات على قطاعات الدولة ورعاية شؤون الناس. وأبواب النفقات تتعلق بكيفية الإنفاق من الدخل، والفصول تتعلق بتحديد نوعية القطاعات التي ينفق عليها وضبط النفقات وفق المخصص لها.

3- في الدول الديمقراطية الرأسمالية وأشباهها يجتمع مجلس النواب ويقرر أبواب الميزانية وفصولها في الواردات وفي النفقات أي يقرر مصادر الدخل السنوية كأن يقول من الضرائب كذا، من القروض كذا، من المساعدات كذا، من القطاع العام كذا… وهكذا. ثم يخصص من هذه المصادر مبالغ معينة مثلاً لإنشاء الطرق كذا، ولبعض المصانع كذا… وهكذا. ويقرر كيفية الإنفاق وتحديد النفقات وضبط النفقات وفق المخصص لها… هذا ما يحدث في الدول الحالية…

4- أما في الإسلام فإن أبواب الميزانية في وارداتها ونفقاتها ثابتة وهي أبواب دائمية، فلا يجوز أن يؤخذ المال من غيرها، ولا ينفق بكيفية غير شرعية:

أ- أما أبواب الواردات فهي مصادر محددة من الملكية العامة وملكية الدولة كالخراج والفيء… وكذلك الزكاة… وهذه المصادر دائمية لا يقررها الخليفة ولا مجلس الأمة. وأما فصولها كأن يُقدر ما يدخل منها في السنة فيُحسب دخل النفط المتوقع أو الخراج المتوقع هذه السنة، فهذا يجوز… أو تُقدر المخصصات من الواردات لبعض القطاعات فهذا جائز… ولذلك فإن أبواب الميزانية لا توضع لها ميزانية سنوية لأنها لا تتغير لا بالزيادة ولا بالنقصان، وأما فصولها كأن يُقدر ما ينتج منها أو توزيعها على مصالح الدولة ورعاية شؤون الناس فهذا يجوز.

ب- أما أبواب النفقات فكذلك هي في الإسلام محددة بأحكام شرعية، وهي تتعلق بكيفية إنفاق مصادر الدخل من الملكية العامة وملكية الدولة ومن الزكاة، وهذا لا يمكن تجاوزه من الخليفة ولا من مجلس الأمة، أما فصولها من حيث نوعية القطاعات التي ينفق عليها وضبط النفقات بحيث لا تتجاوز المخصص لها، فهذه يمكن للخليفة أن يحددها برأيه واجتهاده وأن يستشير مجلس الأمة، فتُقرر النفقة على هذا المشروع بكذا، وعلى المشروع الآخر بكذا… وهكذا

أي أن هناك قسماً في الموازنة لا يجوز أن يقرره مجلس الأمة ولا الخليفة وهو أبواب الميزانية… وهناك قسم يجوز للخليفة أن يقرره وأن يستشير مجلس الأمة فيه وهو فصول الميزانية.

ثانياً: ويوضح هذا ما ورد في مقدمة الدستور في المادة (36) بند (و)، وهذا نصها:

(و- هو “الخليفة” الذي يتبنى الأحكام الشرعية التي توضع بموجبها ميزانية الدولة، وهو الذي يقرر فصول الميزانية والمبالغ التي تلزم لكل جهة، سواء أكان ذلك متعلقاً بالواردات أم بالنفقات) انتهى

وهو مفصل في المادة 148 وهذا نصها:

(المادة 148: لميزانية الدولة أبواب دائمية قررتها أحكام شرعية. وأما فصول الميزانية والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل، فإن ذلك موكول لرأي الخليفة واجتهاده.) وقد جاء في شرحها ما يلي:

(أما إعداد هذه الميزانية في أبوابها، وفصولها، والمبالغ التي توضع فيها، فإن الأحكام الشرعية قد قررتها… فتكون أبواب الميزانية على ذلك أبواباً دائمية، لأنه قد قررتها أحكام شرعية، والحكم الشرعي دائم لا يتغير. وأما فصولها وهي الفروع التي تتفرع عنها مثل خراج أراضي البعل، وخراج أراضي السقي أو ما شاكل ذلك فإن الخليفة يضعها، لأنها من رعاية الشؤون، ومما هو متروك لرأيه واجتهاده، وكذلك المبالغ التي توضع لأنها توضع بحسب رأيه واجتهاده، كمقدار الجزية، ومقدار الخراج، وما شاكل ذلك. لأنها مما هو موكول إليه. فتكون أدلةُ الأحكام الشرعية على واردات بيت المال وعلى نفقاته، وجعل التصرف بما في بيت المال مما لم يعينه الشرع موكولاً لرأي الخليفة واجتهاده… وما دام للخليفة أن يضع برأيه واجتهاده فصول الواردات والمبالغ التي توضع في كل فصل، وفصول النفقات والمبالغ التي توضع في كل فصل فإنه لا يوجد ما يمنع من وضع ميزانية سنوية للدولة في فصولها والمبالغ التي لكل فصل، سواء أكان ذلك في الواردات أم في النفقات. والممنوع هو وضع ميزانية سنوية لأبواب الميزانية، لا لوارداتها ولا لنفقاتها لأنها قد قررتها أحكام شرعية فهي دائمية.) انتهى.

وعليه فإنه يجوز أن يكون للدولة ميزانية يضعها الخليفة لفصولها وفروعها… وفق رأيه واجتهاده، ويجوز أن تكون سنوية… وهذا هو الأنسب لأن الكثير من الأموال في الإسلام تستوفى مرة في السنة، كالزكاة، والجزية… فحَسُن أن تكون الميزانية سنوية، مع التأكيد على أن المراد بالسنة هنا السنة الهجرية لا الميلادية، أي يحسُن بدولة الخلافة أن تضع ميزانية بالمعنى المذكور أعلاه كل سنة هجرية.

ثالثاً: وبناءً عليه يُفهم نفي الميزانية الوارد في كتاب النظام الاقتصادي؛ فهو نفي للميزانية كما هي في الدول الديمقراطية، حيث يصدر بها قانون سنوي من قبل البرلمان بتحديد أبواب الميزانية وفصولها ومفرداتها والمبالغ التي تحتاجها تلك المفردات أو الفصول… وهذا غير وارد في الإسلام لأن الشرع بيَّن أبواب الميزانية فهي دائمية، فلا يسن لها قانون سنوي، وأما الفصول والمفردات والمبالغ التي تحتاجها تلك المفردات أو الفصول فكما ورد في الكتاب “فإن ذلك كله موكول لرأي الخليفة واجتهاده؛ لأنّه من رعاية الشؤون التي تركها الشرع للخليفة يقرر فيها كل ما يراه، وأمرُهُ واجبُ التنفيذ”… وعليه فالنفي منصب هنا على جعل الميزانية قانوناً في أبوابها وفصولها وفروعها، وأن يكون البرلمان هو الجهة التي تصدر هذا القانون… كما هو الشأن في وضع الميزانية وإعدادها في الدول الديمقراطية.

رابعاً: وكذلك يُفهم إثبات الميزانية في كتاب الأموال في دولة الخلافة فهو إثبات “للموازنة المستقبليّة للدولة، وفقاً لما يراه الخليفة، من حيث تقدير إيرادات الدولة، ومصارف أموالها، وبمقارنة الإيرادات، والنفقات الإجماليّة الفعليّة مع تلك الموازنة، وتتبُّعِ محصَّلةِ واردات الدولة، ونفقاتها الفعلية.” فالمراد بالميزانية هنا فصولها وفروعها والمبالغ التي تحتاجها تلك المفردات أو الفصول وفق رأي الخليفة واجتهاده. ووجود ميزانية بهذا المعنى غير منفي في كتاب النظام الاقتصادي حيث يقول في نهاية مبحث “ميزانية الدولة” ما يلي: “… وجعـل للخليفـة أمر تقرير الفصول ومفرداتها، والمبالغ اللازمة لها، حينما تدعو المصلحة…”

وهذا هو عمل الديوان المذكور في الأموال من حيث وجود “ميزانية” يضعها الخليفة وفق رأيه واجتهاده حينما تدعو المصلحة… ولكن ليس في أبواب الميزانية بل في فصولها) انتهى

والخلاصة: أنه لا يجوز وضع ميزانية سنوية لأبواب الميزانية لأنها في الإسلام دائمية مبينة بأحكام شرعية لا يجوز الزيادة عليها أو النقصان منها، وإنما يجوز وضع ميزانية سنوية في فصولها والمبالغ المتوقعة من فصول الواردات خلال السنة، وكذلك المبالغ المخصصة لفصول النفقات خلال السنة.

آمل أن يكون الجواب واضحاً… وعلى كل، فإن رأينا ما يدعو إلى توضيح أكثر نضعه في كتبنا فسننظر في الأمر إن شاء الله.

28 من رمضان 1436هـ / 2015-07-15م

منقول

هل انتهت الأزمة المالية العالمية؟

طالب عوض الله كتب:
**السؤال:

اختُتمت يوم الجمعة في 6/9/2013 قمة “العشرين” الاقتصادية في سانت بطرسبورغ باعتماد البيان الختامي، وقد جاء في البيان كما نقلته وكالة رويترز في 6/9/2013 “أن الاقتصاد العالمي يتحسن…”، ونقلت الوكالة عن اندريه بوكاريف مدير الإدارة المالية بوزارة المالية الروسية، والذي شارك في صياغة البيان الختامي لقمة العشرين قوله: “أصعب المناقشات وأطولها كان يتعلق بتقييم وضع الاقتصاد العالمي”، وكذلك فقد ظهرت مؤخراً بيانات تشير إلى هذا التحسن، فقد نشر الاتحاد الأوروبي بأن اقتصاده بدأ ينمو وإن كان بنسبة قليلة، والولايات المتحدة قالت إن اقتصادها نما 1% في عام 2013، والصين نشرت أن اقتصادها نما في هذا العام حتى يوليو 2013 أكثر من 7%.

فهل حقاً تحسن الاقتصاد العالمي ومن ثم خفت الأزمة الاقتصادية التي مضى عليها أكثر من ست سنوات منذ بدأت في أمريكا في 2007؟ وإن لم يكن الاقتصاد تحسن، فكيف إذن أُعلنت هذه البيانات والأرقام؟ أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيراً.**

الجواب:

سنستعرض حقيقة الواقع الاقتصادي لأبرز الدول المؤثرة اقتصادياً في العالم، وهي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، حيث إن اقتصاد هذه الدول الثلاث يمثل أكثر من 50% من الاقتصاد العالمي، ولأن الأزمة الاقتصادية ذات ارتباط وثيق بالنظام الرأسمالي الذي تتبناه أمريكا والاتحاد الأوروبي؛ لذلك فإن أثرهما في الأزمة هو الفاعل، أما الصين، فكما سنبينه لاحقاً فإن دورها في إيجاد الأزمة أو التغلب عليها هو دور رد الفعل وليس الفعل… وللعلم فإن الاقتصاد الأمريكي وحده يقترب من اقتصادات الصين واليابان وألمانيا مجتمعة، وهي أكبر ثلاث قوى اقتصادية في العالم تأتي بعد الاقتصاد الأمريكي تباعاً. فقد بلغ حجم الاقتصاد الأمريكي في العام 2012م (15.7) تريليون دولار، وهو يمثل 22% من حجم الاقتصاد العالمي، بينما بلغ الاقتصاد الصيني (8.2) تريليون دولار، وأمّا الاقتصاد الياباني والألماني فقد بلغا (5.9) و (3.4) تريليون دولار على التوالي وفق بيانات البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية. وبسبب هذا الحجم الكبير للاقتصاد الأمريكي فقد انتشرت في العالم أزمة أمريكا الاقتصادية التي نتجت عن انهيار سوق الرهن العقاري في أمريكا. وعليه فسنركز البحث على اقتصاد هذه الدول الثلاث الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، ولأن أبرز العوامل التي تعطي مؤشراً على حقيقة التحسن أو عدمه هي: معدل البطالة، والديون المحلية والإدارات الخدمية كالبلديات والنفقات الاجتماعية… ثم الديون الحكومية… وهذه الثلاثة تدل على تحرك سوق العمل، وتحرك سوق تداول النقد، وكذلك تحرك سوق المشاريع الحكومية والخاصة، لذلك سنركز البحث عليها، ومن ثم نتبين الحقيقة عن تحسن الاقتصاد العالمي أو عدمه:

أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية:

1- معدل البطالة: لقد عمد البنك المركزي منذ أواخر 2008 إلى تخفيض الفائدة على القروض لتقترب من الصفر… وضاعف ميزانيته العمومية ثلاث مرات ليصل إلى حوالي ثلاثة ترليونات دولار منذ ذلك الحين من خلال برنامج شراء السندات، وقد حافظ عليه في اجتماعه الأخير عند معدل شهري يبلغ 85 مليار دولار، وكل ذلك من أجل خفض تكاليف الاقتراض الطويل الأجل، ومن ثم تسهيل أخذ القروض لأصحاب المشاريع والأعمال لتنشيط سوق العمل، ومع ذلك فقد استمر معدل البطالة مرتفعا الشهر الماضي عند نسبة 7,9%"، وهي لا تختلف كثيرا عنها قبل 5 سنوات حيث كانت 8,9%، ومع أن الولايات المتحدة أقرت قانون التحفيز، أي ضخ الأموال في الشركات بشراء أسهمها، وبدأت تطبيقه عام 2009، إلا أن الاقتصاد لم يتعافَ، ولم تنخفض نسبة البطالة كثيرا ما يدل على أن الأزمة عميقة وما زالت مستمرة، وأن الاقتصاد لم يتحسن.

2- ديون القطاعات الخدمية “البلديات…”: ذكرت صفحة سكاي نيوز عربية في 11/8/2013 أن “أعباء الديون في مدن وبلديات الولايات المتحدة والعجز عن سدادها أدت إلى إفلاس 41 مدينة خلال عامين”، ما يعني أن العديد من المدن الأمريكية لم تفلح في تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية حتى اليوم. وقد عاد شبح الإفلاس ليخيم على المدن الأمريكية بعد تقديم ولاية ديترويت طلب إشهار إفلاسها رسميا في تموز / يوليو الماضي لعدم قدرتها على سداد ديونها البالغة 18 مليار دولار تقريبا. والإفلاس يمثل الملاذ الأخير للبلديات والمدن للحماية من الدائنين، بمعنى آخر الهروب من الواقع واللجوء إلى أسهل الحلول. وطبقا لبيانات “معهد الإفلاس الأمريكي” شهدت الفترة بين عامي 2007 و 2011 أكثر من 40 حالة إفلاس لمدن ولبلديات أمريكية بمعدل 8 حالات سنويا". فهذا التقرير الإخباري يظهر أن حالات إفلاس المدن خلال السنتين الأخيرتين ما بين عام 2011 و2013 أكثر مما كانت عليه في أوج الأزمة وما قبلها وما بعدها مباشرة. ما يثير الشكوك تجاه القول بتحسن حالة الاقتصاد الأمريكي.

3- الديون الحكومية: حذر وزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو في رسالته 26\8\2013 التي بعثها إلى الكونغرس من أن “الإجراءات الاستثنائية التي وضعت في مايو/ أيار الماضي لتجنب عجز الحكومة عن سداد ديونها ستنتهي في منتصف تشرين أول / أكتوبر، وحث الكونغرس على تمديد حق الحكومة في الاقتراض” (صفحة القدس 27\8\2013). وأشار وزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو في رسالته إلى الكونغرس أشار إلى أن: “الحكومة الأمريكية ستخسر الموارد المطلوبة لسداد التزاماتها بحلول 15 تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام إذا لم يرفع السقف الإجمالي لديون الدولة الذي أقصى حد مسموح له حالياً هو 16,7 ترليون دولار”. وحذر قائلا: “قد يحدث خلل في عمل الأسواق المالية وينهار الاقتصاد في حال إبقاء سقف ديون الدولة بمستواه الحالي”. وأضاف: “تتلخص مهمة الكونغرس في حماية الثقة بالولايات المتحدة لأنه لا توجد هيئة أخرى من صلاحيتها رفع سقف ديون الدولة” (صفحة روسيا اليوم 28\8\2013). أي أن ديون الولايات المتحدة قد وصلت الحد الأقصى المسموح به وهو 16,7 ترليون دولار، ومع ذلك فهي تطالب برفع سقف الدين للوفاء بالتزاماتها!

هذه صورة عن وضع أمريكا حيث إن المديونية مرتفعة جدا وتلجأ لزيادة سقف الديون لتسديد نفقاتها ولمعالجة العجز والحيلولة دون الانهيار الاقتصادي. وهذه الصورة لا تشير إلى أن حالة الاقتصاد الأمريكي قد تحسنت وأنها قد خرجت من الأزمة.

ثانياً: الاتحاد الأوروبي:

1- معدل البطالة: صرحت مديرة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد بأن “نسبة العاطلين عن العمل 27% في إسبانيا ومثلها في اليونان”، (صفحة إيرو نيوز 26\4\2013 ). وذكرت في 3\5\2013 أنه “من المتوقع أن تصل معدلات البطالة في منطقة اليورو التي تضم 17 دولة خلال 2013 إلى متوسط 12,2% ليزيد عن نسبة 11,4 % حققتها عام 2012”، ونقلت تصريح المفوض الأوروبي أولي رين قوله: “في ضوء الركود المستمر، فعلينا القيام بكل ما بوسعنا للتغلب لمواجهة كارثة البطالة”.

وقال مدير منظمة العمل الدولية ريموند توريس: “في حال عدم اتخاذ سياسات واضحة. هنالك مخاطر من أزمة الركود في سوق العمل في أوروبا مع تعرض مزيد من الأشخاص لبطالة طويلة الأمد قد تؤدي إلى خروجهم من سوق العمل. من المهم أيضا اتباع سياسة محفزة للنمو وخصوصا في منطقة اليورو في حال عدم منح الشركات الصغيرة لقروض ميسرة، فمن غير المتوقع حصول انتعاش في سوق العمل” (إيرو نيوز 3\6\2013). وأضافت إيرو نيوز أن “المنظمة أشارت إلى أنه في السنوات الخمس الماضية سجلت البطالة الطويلة الأمد ارتفاعا بمعدل الثلثين، وقد أوضحت أن هناك حاجة لثلاثين مليون وظيفة جديدة لإعادة معدل التوظيف إلى 56% المعدل الذي كان عليه قبل الأزمة”.

2- النفقات الاجتماعية: نشرت صفحة إيرو نيوز في 30/8/2013 أن “اقتصاد الدول الإسكندنافية الأضعف لم يعد قادرا على تحمل الاستحقاقات التي يطالب المواطنون وفقا لوزير المالية الدنماركي بيارني كوريدون. وقالت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إن فرنسا هي الأكثر إنفاقا اجتماعيا بنسبة 33% ثم الدنمارك وبلجيكا بنسبة 30,8% تليها فنلندا 30,6% ومن ثم السويد 28,6%”. وكلها نسب منخفضة لا تفي باحتياجات أهالي تلك الدول بشكل كامل… ما عدا ألمانيا حيث نفقاتها الاجتماعية مقبولة إلى حد ما… هذا بالنسبة لأقوى البلدان إنفاقاً، فكيف بالدول الأخرى؟!

3- المديونية: نشرت صفحة إيرو نيوز في 22\7\2013 أن “المعطيات الإحصائية كشفت بلوغ عبء ديون منطقة اليورو أعلى مستوياته في نهاية الربع الأول من العام الجاري رغم التدابير التقشفية المتبناة لتصحيح الموازنات الحكومية حيث تصدرت اليونان وإيطاليا والبرتغال قائمة الأسوأ فيما سجلت إستونيا ولوكسمبورغ أدنى معدلات الدين”. وأضافت أن “العديد من دول العملة الأوروبية الموحدة تقبع في ركود ومن شأن انكماش الاقتصادات أن يجعل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل مواتاة. لقد أسهمت التدابير التقشفية في كبح عجلة نمو الاقتصاد الذي يعتمد على الإنفاق الحكومي في حين يمكن للزيادات الضريبية أن تفضي إلى خنق الاستهلاك والاستثمار”.

ومن الجدير ذكره أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي اقترضت المال عندما انضمت إلى الاتحاد، إلى درجة أن الاقتراض تجاوز حجم اقتصاداتها. وعندما وصلت الأزمة إلى أوروبا كان العديد من دول الاتحاد الأوروبي في موقف لا يسمح لها بسداد ديونها السابقة للأزمة. وللعلم فإن الدولة المؤثرة في الاقتصاد الأوروبي بالدرجة الأولى هي ألمانيا، وقد استطاعت أن تفرض سياسة التقشف بتقليل النفقات الحكومية وتخفيض المديونية لدى الدول، وعملت على فرضها على منطقة اليورو في الاتحاد الأوروبي بعكس أمريكا التي اتبعت سياسة ضخ الأموال وزيادة المديونية.

وهكذا فإن هذه التصاريح والتقارير تشير إلى أن الاقتصاد في أوروبا ما زال يعاني من تداعيات الأزمة ولم يتمكن من الخروج منها وما زال في حالة ركود، ومن ثم فإنه لم يتحسن تحسناً ملحوظا.

ثالثاً: الصين:

إن الاقتصاد الصيني أمره مختلف، فإن محللي الاقتصاد الصينيين يذكرون أن “الزيادة في نموه تعتمد إلى حد كبير على قطاعي التصدير والاستثمار ولا يعتمد على الاستهلاك الداخلي. وبذلك لا يشعر عامة الشعب بشكل عميق بمدى ارتفاع مستوى حياتهم المعيشية”. فما زالت سوقه الداخلية ضعيفة جدا. فهو ليس مقياسا ولا يؤثر في اقتصاديات الدول الأخرى. وهو معتمد بالدرجة الأولى على التصدير للأسواق الأمريكية بجانب الاستثمارات المتبادلة مع أمريكا سواء بشراء الصين أسهمًا من الشركات الأمريكية بمئات المليارات أو بشرائها لسندات الخزينة الأمريكية بما يتجاوز ترليون دولار، وكذلك قيام الشركات الأمريكية بالاستثمار في داخل الصين، وكذلك جعل الاحتياطي النقدي لها بالدولار بما يزيد عن 3 ترليون دولار. فالصين ليست قائدة العالم الرأسمالي، بل هي تابعة له باتباعها النهج الرأسمالي وارتباطها الاقتصادي بأمريكا، فهي تابعة لسياساته الاقتصادية، وسرعان ما تعمل على تنفيذ القرارات الاقتصادية التي تقودها المؤسسات الرأسمالية العالمية الواقعة تحت التأثير الأمريكي. ولا تستطيع أن تعلن عن نفسها أنها دولة رأسمالية فتقوم وتعمل على قيادة الاقتصاد الرأسمالي، لأنها تعلن عن نفسها بصورة رسمية وتقليدية بأنها دولة شيوعية اشتراكية، وتعمل على المحافظة على هذه الصورة الرسمية خوفا من أن تفقد كيانها المستقل، وخوفا من أن القائمين على الدولة، وهم الذين يتبنون الفكر الشيوعي من أن يفقدوا امتيازاتهم. فيعمل الشيوعيون وحزبهم باستحياء على تطبيق النظم الرأسمالية والمحافظة على الارتباط باقتصاد أمريكا قائدة الرأسمالية. ولهذا ليس من المنتظر على المدى القريب أن تتخلى الصين عن هذه السياسة وتتولى قيادة العالم الرأسمالي فتصبح هي المؤثرة في اقتصاد العالم. ومن هنا عندما نتناول الأزمة المالية الرأسمالية التي أثرت على العالم نركز على أمريكا بالدرجة الأولى ومن ثم على أوروبا بالدرجة الثانية، فالعالم الذي يسيطر عليه النظام الرأسمالي حاليا يتأثر اقتصاديا بهاتين: أولا بأمريكا وثانيا بأوروبا.

رابعاً: اقتصاديات الدول الأخرى:

إن اقتصاديات باقي الدول ذات أثر قليل في التحكم في الاقتصاد الدولي:

  • فاليابان قد وصل دينها إلى 245% من إجمالي الناتج المحلي بحسب أرقام صندوق النقد الدولي الذي طالبها مجددا بوضع خطة ميزانية متوسطة ذات صدقية من أجل الحد من هذا الدين الهائل، ولا يقلل من أثره أن أكثر من 90% منه مستحق لدائنين يابانيين…". وقد أعلنت الحكومة اليابانية في 8\8\2013 عن عزمها على اقتطاع حوالي 85 مليار دولار من النفقات العامة خلال سنتين، أي عكس ما تتطلبه سياسة التحفيز اليابانية…

  • وروسيا فهي تطبق النظم الرأسمالية في داخلها وتعمل على تقليد الغرب في تطبيقها وفي تأسيس المنظمات الاقتصادية مع الدول الأخرى من دون قدرة على الإبداع، ولذلك عملت على تأسيس منظمات اقتصادية مع الدول التابعة لها كالاتحاد الجمركي الذي أسسته مع روسيا البيضاء وكازاخستان عام 2010 محاكاة للاتحاد الجمركي الأوروبي… على كلٍّ، فإن الاقتصاد الروسي تابع للمنظومة الرأسمالية بقيادة الغرب ويعمل على السير فيها وتطبيق قراراتها وتقليد الدول الرأسمالية في إيجاد المنظمات الاقتصادية؛ ولذلك فروسيا من هذه الناحية غير محركة للاقتصاد العالمي، بل هي تتأثر بالاقتصاد الرأسمالي الغربي أكثر مما تؤثر فيه هي بشكل فاعل.

  • وأما باقي مجموعة البريكس “البرازيل والهند وجنوب أفريقيا” وباقي الدول الناشئة المكسيك وتركيا… فليس لها تأثير يذكر في الاقتصاد العالمي، بل هي تابعة للاقتصاد الغربي بصورة مباشرة ومرتبطة بالأسواق المالية الأمريكية والأوروبية. وقسم منها يعتمد على الديون بشكل رئيس لزيادة النمو كتركيا وليس هو اقتصادًا حقيقيًّا، وبذلك يزيد الاستهلاك فيها باعتماد الناس على الاستدانة وكذلك مؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة والشركات. وقسم منها مُستشرٍ فيها الفساد بشكل كبير كالهند وتهريب أكثر الأموال إلى الخارج، فاقتصاد هذه الدول ليس مستقرا ولا يعتمد على موارد حقيقية للاقتصاد، والبرازيل وجنوب أفريقيا تأثيرهما الاقتصادي في محيطهما، أي في أمريكا الجنوبية وفي أفريقيا وليس في الحركة الاقتصادية العالمية.

وهذه الاقتصاديات بشكل إجمالي لا يُركَّز عليها كثيراً في نشوء الأزمات أو إزالة هذه الأزمات.

خامساً: أما عن الأرقام والبيانات التي تُعلن فهي توضع كما تريدها المؤسسة الاقتصادية في الدولة المصدرة للبيانات…:

1- فالنمو في 2013 الذي ذكرته الولايات المتحدة رسميا كان في الواقع بسبب تغيير الحكومة الأمريكية للطريقة التي تقيس فيه الاقتصاد، فقد غيرت الطريقة التي يقاس فيه النمو وذلك بإدخال الملكية الفكرية في الاقتصاد مثل إنتاج الموسيقي وحقوق ملكية إنتاج الأدوية والعقاقير… وقد تسبب هذا التغيير بإضافة 370 بليون دولار في الاقتصاد مما يمثل تغييراً (زيادة) تمثل 2.5%. ومع ذلك فلا يزال اقتصاد الولايات المتحدة يكافح من أجل النمو في وقت خفض فيه مواطنوها إنفاقهم؛ لذلك فالتقارير التي تفيد بأن الركود قد انتهى يرجع إلى الطريقة التي يتم بها نشر الإحصاءات، وهي مصطنعة وليست حقيقية.

2- وأما البيانات الصادرة عن المسؤولين الأوروبيين فلم تكن أيضا عن نمو مستدام. كانت البيانات التي تم الإعلان عنها مجرد تقدير أولي، ولم تشمل كل أوروبا. فلم تدرج البلدان التي تعاني اقتصادياً مثل إيرلندا واليونان. وكانت البيانات الصادرة مجرد تقديرات جمعتها وكالة البيانات الأوروبية - يوروستات التي تعتمد على البيانات المقدمة من المكاتب الإحصائية الوطنية، التي تقوم بجمع البيانات بشكل مختلف، وتعتمد بشكل كبير على الدراسات الاستقصائية في تقديراتها الأولية للنمو. ويتم عادة مراجعة هذه التقديرات مرات عديدة. ويشير مكتب الإحصاء الألماني أن المراجعات يمكن إجراؤها حتى بعد أربع سنوات من التقديرات الأولية لأن البيانات الإضافية تؤخذ في الحسبان. لذلك، وبالنظر للعيوب الإحصائية، فلا يمكن بالفعل القول بأن الأوضاع في أوروبا قد تحسنت.

3- أما بخصوص الصين فقد كان هناك دائما العديد من الأسئلة والشكوك حول البيانات التي تصدرها حول اقتصادها. فالصين دولة كبيرة فهي الأكبر أرضاً وسكاناً في العالم. وجمع المعلومات حول كيفية أداء اقتصادها عملية كبيرة جدا…

والذي يثير الشكوك عند المراقبين أن الصين تصدر أرقام الناتج المحلي الإجمالي السنوي (gdp) في الأسبوع الثالث من شهر يناير عن العام السابق، ومن الصعوبة بمكان أن تستطيع الحكومة الصينية ضبط أمر نتائج العام بكامله خلال أسابيع ثلاثة! ما جعل وجها للقول بأن بيانات الصين هي في الواقع ما تريد أن يعرفه العالم بشأن اقتصادها!

سادساً: الخلاصة:

إن الأزمة المالية العالمية لم تنته بعد، وإن تداعياتها ما زالت موجودة وما زالت تعالجها بضخ الأموال كما تفعل أمريكا، أو بالتقشف كما تفعل ألمانيا في أوروبا، فأمريكا تضخ في السوق مبلغ 85 مليار دولار، أي تعطي هذه الأموال للشركات حتى تبقيها على قيد الحياة، وأوروبا تتبع سياسة التقشف. فهذا دليل على أن الأزمة ما زالت موجودة وأن الاقتصاد لا يسير طبيعيا من دون تدخل الدولة ومساعدتها، فكأنه يتنفس تنفسا اصطناعيا. مع العلم أن تدخل الدولة يخالف النظام الرأسمالي؛ حيث إن هذا النظام ينص على تخليص السوق من براثن السلطة، فلا يجيز للدولة التدخل في السوق لإنقاذ الشركات وباقي المؤسسات المالية أو أن يحد من حركة السوق، فيوجب أن تكون هناك حرية تامة، وأن السوق هو الذي يعالج نفسه بنفسه، فالتدخل حسب المبدأ الرأسمالي يعيق التقدم، حيث إن البقاء يكون للأصلح، فالشركات غير القادرة على العمل يجب أن تسقط فتقوم غيرها بالعمل، فلا يبقى في السوق إلا الشركات القادرة على المنافسة، وهكذا يتقدم الاقتصاد ويعمل بشكل حر حسب النظرية الرأسمالية التي يكذبها الواقع وتفندها ممارسات الدول الرأسمالية. فأسباب الأزمة ومصدر المشاكل لم تعالج وهي كامنة في النظام الرأسمالي، وفي كل لحظة ربما تحدث انتكاسة كالمريض الذي يعاني من أمراض مزمنة تعطى عنه تقارير تشير إلى تحسن في صحته بنسبة كذا وكذا وسرعان ما تصدر تقارير أخرى تقول العكس، فتعطى له مسكنات وحقن لإبقائه على قيد الحياة ولكنه يعاني من آلام وأوجاع لا تنتهي…

وهكذا فإن الاقتصاد العالمي لم يتحسن والأزمة باقية، والمشاكل قائمة، وستبقى قائمة ما دام النظام الرأسمالي قائما، فينتج عنها فقر وحرمان لمليارات من البشر وضياع أموال كثيرة من دون أن تصل إلى الناس فينتفعون بها عند توزيعها عليهم، فتعم التعاسة والشقاء كثيرا من الناس، ويستأثر قلة من أصحاب رؤوس الأموال بأكثرية الثروات. ولهذا السبب فإن الأزمة باقية كالبركان فتنفجر أحيانا وتهدأ أحيانا، ولكن البركان في الداخل يغلي. ومن هنا نستطيع أن نقول إنه لا يوجد علاج حقيقي إلا في الإسلام الذي يرى أن المشكلة الاقتصادية هي في توزيع الثروات بشكل صحيح، وتمكين كل فرد بعينه من الاستفادة منها والحصول على نصيبه منها والحيلولة دون تكديس الأموال في جيوب معينة. ولا ينظر إلى المجتمع نظرة إجمالية بأن هناك أموالاً وثروات بقيمة كذا فيكون نصيب الفرد كذا وفي الحقيقة ليست من نصيب الفرد بل من نصيب فئة قليلة جدا!

نسأل الله سبحانه أن يعود حكم الإسلام، الخلافة الراشدة، فيحل الرخاء والهناء، والحياة الاقتصادية السليمة، ليس فقط على الأمة الإسلامية، بل يعم الخير كذلك ربوع العالم، والله سبحانه عزيز حكيم.

الثالث من ذي القعدة 1434 هـ

2013-09-09

منقول

**1. أصناف الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة

  1. أحكام متعلقة بالركاز**

**السؤال:

*/ما هي الأصناف التي تجب فيها الزكاة فيما يتعلق بالزروع والثمار، فمثلا هناك من يخرج زكاة للزيت، فما هو الضابط في ذلك؟

*من المعلوم أن الركاز فيه الخمس، سؤالي: هناك من وجد من الناس أملاكا عثمانية (صناديق أرزاق الجند)، فهل يملكها من وجدها بعد إخراج الخمس أم أنها أملاك للدولة الإسلامية يجب حفظها كأمانة وإرجاعها لدولة الخلافة حين قيامها قريبا بإذنه تعالى؟

وبارك الله فيكم.

(أبو حسام الدين / ترقوميا / الخليل / فلسطين)**

ألجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  1. بالنسبة لأصناف الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة فهي القمح والشعير والتمر والزبيب، وهذا ورد في الأحاديث حصراً فلا تدخل فيه زروع أخرى، والأدلة على ذلك:

‌أ- روى موسى بن طلحة عن عمر أنه قال: «إنّما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب» رواه الطبراني. وعن موسى بن طلحة أيضاً قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل - حين بعثه إلى اليمن - أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير، والنخل، والعنب» رواه أبو عبيد. فهذه الأحاديث تبيّن أن الزكاة في الزروع والثمار، إنّما تُؤخذ من هذه الأنواع الأربعة، الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، ولا تؤخذ من غيرها من أنواع الزروع والثمار، ذلك لأنّ الحديث الأول صُدّر بلفظ إنما الدالّة على الحصر.

‌ب- أخرج الحاكم، والبيهقي، والطبراني، من حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، يعلمان النّاس أمر دينهم، فقال: «لا تأخذا الصدقة إلاّ من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر» قال البيهقي عن الحديث: رواته ثقات، وهو متصل. وهذا الحديث واضح فيه حصر أخذ الزكاة في الزروع والثمار، من هذه الأنواع الأربعة؛ لأنّ لفظ «إلاّ» إذا سُبِقَت بأداة نفي، أو نهي، أفادت قَصْر ما قبلها على ما بعدها، أي قصر أخذ الصدقة على الأنواع الأربعة المذكورة بعدها، وهي الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر.

‌ج- ولأن ألفاظ الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، التي وردت في الأحاديث، هي أسماء جامدة، فلا يتناول لفظها غيرها، لا منطوقاً، ولا مفهوماً؛ لأنّها ليست أسماء صفات، ولا أسماء معان، بل هي مقصورة على الأعيان التي سميت بها، وأُطلقت عليها، ولهذا لا يؤخذ من لفظها معنى الأقتيات، أو اليبس، أو الادخار؛ لأنّ ألفاظها لا تدل على هذه المعاني والصفات. وتكون هذه الأحاديث، التي حصرت وجوب الزكاة في هذه الأنواع الأربعة من الزروع والثمار، مخصصّة لألفاظ العموم الواردة في أحاديث «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بغرب، أو دالية، نصف العشر» وبذلك يكون معناها أن في ما سقت السماء من حنطة، وشعير، وتمر، وزبيب العشر، وفيما سُقي بغرب أو دالية نصف العشر.

‌د- ولا تجب الزكاة في غير هذه الأنواع الأربعة من الزروع والثمار. لذلك لا تُؤخذ الزكاة من الذرة، والأرز، ولا من الفول، والحمص، والعدس، وغيرها من الحبوب، والقطانيات، كما لا تُؤخذ من التفاح، والإجاص، والدراق، والمشمش، والرمان، والبرتقال، والموز، وغيرها من أنواع الفواكه؛ لأنّ هذه الحبوب، والفواكه، لا يشملها لفظ القمح، والشعير، والتمر، والزبيب، كما لم يرد بها نص صحيح يُعتَدُّ به، ولا إجماع، ولا يدخلها القياس؛ لأنّ الزكاة من العبادات، والعبادات لا يدخلها القياس، ويُقتصر فيها على موضع النص، كما لا تُؤخذ الزكاة من الخضروات، كالقثّاء، والخيار، واليقطين، والباذنجان، واللفت، والجزر، وغيرها، فقد رُوي عن عمر، وعليّ، ومجاهد، وغيرهم، أنّه ليس في الخضروات صدقة، روى ذلك أبو عبيد، والبيهقي، وغيرهما.

  1. أما القسم الثاني من السؤال عن الركاز، فمن وجد ركازاً ففيه الخمس يسلمه للدولة الإسلامية لتضعه في مصالح المسلمين والأربعة أخماس الأخرى لمن وجد الركاز على أن لا يكون وجد الركاز في أرض غيره.

وأما إن لم تكن الدولة الإسلامية قائمة كما هو اليوم، فالذي يجد الركاز هو يخرج الخمس للفقراء والمساكين ومصالح المسلمين… ويتحرى الحق في ذلك، والباقي هو له.

أما الدليل على ذلك:

‌أ. الركاز هو المال المدفون في الأرض، فضة كان، أو ذهباً، أو جواهر، أو لآلئ، أو غيرها، من حليّ، وسلاح، سواء أكان كنوزاً مدفونة لأقوامٍ سابقين، كالمصريين، والبابليين، والآشوريين، والساسانيين، والرومان، والإغريق، وغيرهم، كالنقود، والحليّ، والجواهر التي تُوجد في قبور ملوكهم وعظمائهم، أو في تلال مدنهم القديمة المتهدّمة، أم كان نقوداً ذهبيّة، أو فضية، موضوعة في جرار، أو غيرها، مخبأة في الأرض من أيام الجاهلية، أو الأيام الإسلامية الماضية. فكل ذلك يعتبر رِكازاً.

والرِكاز مشتق من ركز، يركز، مثل غرز يغرز إذا خفي، يقال: ركز الرمح إذا غرزه في الأرض، ومنه الرِّكز وهو الصوت الخفي. قال تعالى:((أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا)) [مريم 98]. أمّا المعدن فهو ما خلقه الله في الأرض، يوم خلق السماوات والأرض، من ذهب، وفضة، ونحاس، ورصاص، وغيرها. والمعدن مشتقّ من عَدَنَ في المكان يعدن، إذا أقام به، ومنه سمِّيت جنة عدن؛ لأنّها دار إقامة وخلود. فالمعدن مِنْ خلق الله، وليس من دفن البشر، وبذلك يُخالف الركاز؛ لأنّ الركاز من دفن البشر.

‌ب. والأصل في الركاز والمعدن، ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العجماءُ جرحها جُبار، وفي الركاز الخمس» رواه أبو عبيد. وما رُوي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئُل عن المال الذي يُوجَد في الخرب العاديّ، فقال: «فيه وفي الركاز الخمس». وما رُوي عن علي بن أبي طالب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وفي السيوب الخمس. قال: والسيوب عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض» ذكره ابن قدامة في المغني.

‌ج. وعلى ذلك، فإن كل مال مدفون من ذهب، أو فضة، أو حُليّ، أو جواهر، أو غيرها، وجد في قبور، أو في تلال، أو في مدن الأمم السابقة، أو وُجد في أرض ميتة، أو في الخرب العاديّ، أي القديمة نسبة إلى عاد، من دفن الجاهلية، أو من دفن المسلمين، في عصور الإسلام الماضية، يكون ملكاً لواجده، يؤدي عنه الخمس لبيت المال.

وكذلك فإن كل معدن قليل، غير عِدّ، أي محدود المقدار وليس عِدِّاً، من ذهب أو فضة، سواء كان عروقاً، أم تبراً، وجد في أرض ميتة غير مملوكة لأحدٍ، فهو ملك لواجده، يؤدّي عنه الخمس لبيت المال. أما إذا كان عِدِّاً أي منجماً ليس كمية محدودة مدفونة، فهذا يأخذ حكم الملكية العامة ولها تفصيل آخر.

والخمس الذي يؤخذ من واجد الركاز، ومن واجد المعدن يكون بمنـزلة الفيء، ويأخذ حكمه، ويوضع في بيت المال، في ديوان الفيء والخراج، ويُصرف مصرف الفيء والخراج، ويكون أمره موكولاً إلى الخليفة، يُنفقه على رعاية شؤون الأمّة، وقضاء مصالحها، حسب رأيه واجتهاده، بما فيه الخير والصلاح.

‌د. ومن وجد ركازاً أو معدناً في ملكه، من أرض، أو بناء، فإنه يملكه، سواء أَوَرِثَ الأرض أو البناء، أم اشتراه من غيره. ومن وجد ركازاً، أو معدناً، في أرض غيره، أو بنائه، كان الركاز، أو المعدن الذي وُجِد لصاحب الأرض، أو لصاحب البناء، وليس لمن وجد الركاز، أو المعدن.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

5 من محرم 1435 موافق2013-11-08

منقول

حول أحكام متعلقة بالبيع والشراء

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعرف أنه لا يجوز شراء الذهب بالفضة أو أي من المختلفات إلا يدا بيد ولا يجوز الدين فيها ولكننا نشتري أحيانا ملحاً دينا أو خبزاً دينا فهل هذا الأمر حرام أم ماذا؟ أرجو التوضيح وبارك الله فيكم

أخوكم أبو علي فلسطين؟**

ألجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء يداً بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ “الأصناف” ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البُر بالشعير أو البُر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة…الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية) أي استعمالها ثمناً وأجوراً.

2- ورد استثناء من (وجوب التقابض عند بيع الأصناف الربوية) في حالة الرهن عند شراء الأصناف الأربعة “البر والشعير والملح والتمر” بالنقد، وذلك لحديث مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ»، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً بالدَّين ولكن مع الرهن. وطعامهم حينذاك كان من الأصناف الربوية. كما في الحديث «الطعام بالطعام مثلاً بمثل وكان طعامنا يومئذٍ الشعير» أخرجه أحمد ومسلم من طريق معمر بن عبد الله. وعليه يجوز أن تشترى الأصناف الربوية الأربعة بالدَّين إذا تم رهن شيء لدى البائع إلى حين إحضار الثمن.

3- فإذا أمن الدائن والمدين، بعضهما بعضا، فيُستغنى عن الرهن. أما دليل ذلك فهو قوله تعالى: ((وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ))، وهذه الآية الكريمة تفيد أن الرهن في الدين خلال السفر يُستغنى عنه إذا أمن الدائن والمدين بعضهما بعضا، وتُطبق على الرهن عند الشراء بالدَّين للأصناف الربوية الأربعة “البر والشعير والملح والتمر”، أي كما قال سبحانه ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ))، وواضح دلالتها على أن الرهن في هذه الحالة يمكن الاستغناء عنه.

4- وعليه فإنه يجوز شراء الأصناف الربوية الأربعة “البر والشعير والتمر والملح” بالنقد ديناً مع الرهن لسداد الدين، أو دون رهن إذا أمن بعضهم بعضا، ولأن هذه تحتاج إلى تثبت واستيثاق، وأن يكون الدائن والمدين يعرفان بعضهما جيداً ويأمن بعضهما بعضا، وهذا ليس دائما متحققاً، وحتى لا يقترب المسلم من الحرام فالأفضل أن لا يشتري بالدين هذه الأصناف الربوية إلا أن يكون واثقاً متيقناً من أن بعضهما يأمن بعضا، فإن كان كل من البائع والمشتري مطمئنا بذلك، فإن شراء هذه الأصناف بالدين يكون جائزا، أي أن الملح الذي سألت عن شرائه بالدين هو جائز إذا تحققت الآية الكريمة ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)).

5- وللعلم فقد ورد في شرح صحيح البخاري لابن بطال في باب شراء الطعام إلى أجل “لا خلاف بين أهل العلم أنه يجوز شراء الطعام بثمن معلوم إلى أجل معلوم”.

وورد في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري عن شراء الأصناف الربوية: “أما إذا كان أحد البدلين نقداً والآخر طعاماً فإنه يصح فيه التأخير”.

وورد في المغني لابن القيم وهو يتكلم عن تحريم بيع الأصناف الأربعة ببعضها بالدين… فقال: “بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء فإن الحاجة داعية إلى ذلك”.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

22 من شوال 1434 ألموافق2013-09-29

منقول

أجوبة أسئلة اقتصادية متعلقة بالذهب

**الأسئلة:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

العالم الجليل عطاء بن خليل، حفظك الله ورعاك

أسئلة اقتصادية متعلقة بالذهب:

ما هي العوامل المؤثرة بسعر الذهب؟

لماذا هبط سعر الذهب منذ نهاية العام الماضي؟

وإلى ماذا يعزى هبوطه المفاجئ قبل شهر تقريبا؟

وهل يجوز شرعا ادخار الذهب بدل العملة الورقية مع الحرص على إخراج الزكاة (هل يعتبر هذا كنزا)، وإن كان جائزا

فهل ينصح به من الناحية الاقتصادية؟

وبارك الله فيك**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:

1- كما تعلم فإن النقد كان سابقاً هو الذهب والفضة، وحتى عندما أصدرت بعض الدول في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين أوراقا نقدية فقد كانت نائبة عن الذهب والفضة وقابلة للاستبدال في أي وقت أي يأخذ صاحبها الورقة النقدية ويذهب إلى مصرف الدولة التي أصدرتها ويأخذ بدلها ذهباً بالقيمة التي عليها.

2- اضطرب هذا الوضع خلال الحربين العالميتين الأولى 1914 والثانية 1939 وبخاصة مع حدوث الكساد الكبير في أمريكا 1929 والذي امتد إلى غيرها أيضاً، فأصبح استبدال الأوراق النقدية بالذهب عليه عدة قيود…

3- عندما انتهت الحرب العالمية الثانية في 1945 وخرجت منها أمريكا بأقل الخسائر في حين أن أوروبا وألمانيا واليابان قد أصابتهم خسارة كبرى وتدمير في المصانع والبنيان… ومن ثم كان معظم الذهب عند أمريكا بعد الحرب، ولقوتها العسكرية والاقتصادية فقد استطاعت في مؤتمر بريتون وودز “Bretton Woods” أن تجعل نقدها الدولار الورقي غطاء لنقود الدول كالغطاء الذهبي، أي أن الدول لا تستطيع طباعة نقد ورقي إلا إذا كان له غطاء من الذهب أو من الدولارات، وحددت أمريكا سعراً للدولار وهو “35” دولاراً لأونصة الذهب وتعهدت بأن تدفع للدول التي لديها دولارات ورقية إن شاءت القيمة الذهبية وفق السعر المذكور أعلاه.

4- لقد ساعد أمريكا في ذلك أن مخزونها من الذهب كان كافياً أو يزيد عن الدولارات الورقية المطبوعة في الداخل أو في الخارج، وكان المهم هو أن يكون المخزون الذهبي عندها قادراً على تغطية الدولارات الخارجية عند الدول أو الأفراد، أما الدولارات الورقية في الداخل فالتعامل معه أيسر من الخارج.

وحتى تكون الصورة واضحة فقد كان رصيد أمريكا من الذهب سنة 1946 بعد اتفاقية بريتون وودز Bretton Woods ما قيمته حسب السعر الذي حدد في الاتفاقية = 20.6 مليار دولار في حين كانت الدولارات الورقية في الخارج عند الدول والأفراد = 6.1 مليار دولار، وبقي الحال هكذا أي أن أمريكا قادرة على ضمان سعر الدولار المذكور حتى 1960 حيث كانت الأرصدة الذهبية في أمريكا 18.8 مليار، وحجم الدولار الورقي في الخارج 18.7 مليار أي أنها تكاد أن تضمن سعر الدولار، وبعد ذلك بدأت أرصدة الدولار في الخارج تزيد عن الأرصدة الذهبية في أمريكا.

5- نتيجة تدهور غطاء الدولار الذهبي طلبت أمريكا معونة من البلدان الرئيسية في العالم من أجل مساعدتها، فتم الاتفاق على إنشاء مجمع الذهب وكان عمله أنه إذا ارتفع سعر الذهب لسبب من الأسباب في السوق تسارع المصارف إلى التدخل فورا بطرح كمية إضافية من الذهب للبيع لإعادة السعر إلى مستوى التوازن، وفي المقابل إذا انخفض السعر فإنها تسارع أيضا إلى شراء كمية الذهب الفائضة فيرتفع السعر إلى مستواه الأول.

استمر المجمع بضع سنوات لكنه بالتدريج أصبح يتدخل في السوق عارضا وخاصة ما بين ١٩٦٥ وحتى وفاته في ١٧ آذار ١٩٦٨، الأمر الذي هدد الأرصدة الذهبية للبلدان الأعضاء إلى الذوبان فانسحبت فرنسا في شهر حزيران ١٩٦٧ ثم تسارعت الأزمات (الإسترليني في خريف ١٩٦٧، ثم أزمة الذهب ١٩٦٨) فتسببت الأزمتان في خسارة بلدان المجمع الذهبي خلال ستة شهور مبلغ 2.5 مليار من الدولارات الذهبية، فعقد اجتماع في واشنطن ١٧ آذار ١٩٦٨ قرر فيه إلغاء مجمع الذهب وترك سعر الذهب حرا يتحدد بقوى العرض والطلب.

6- وقد تسببت أزمة الذهب المذكورة في إنقاص الأرصدة الذهبية في أمريكا من ١٤ ملياراً سنة ١٩٦٥ إلى 10.48 مليارا في شهر آذار ١٩٦٨ عندما أُلغي مجمع الذهب. وكان هذا الرصيد الذهبي لأمريكا في حينه هو الحد الأدنى للكمية اللازمة التي نص عليها القانون من أجل الغطاء الذهبي الداخلي للدولار (٢٥٪) ومن ثم ألغت أمريكا تحويل الدولارات المملوكة للقطاع الخاص في الخارج إلى ذهب وأبقت فقط الاستبدال بالذهب للأرصدة الخارجية الرسمية وكانت كمية الذهب المتبقية في أمريكا وهي الحد الأدنى المذكور يكفي للأرصدة الرسمية الخارجية فقط، أي أن غطاء الدولار الذهبي في الداخل (٢٥٪) قد حذف، لكن أمريكا لم تستطع الوفاء باستبدال الأرصدة الرسمية الخارجية نتيجة الاستيراد والتصدير من القطاع الخاص، وكذلك معاملات القطاع العام في علاقاته الدولية مع الآخرين.

7- وعليه فقد قررت أمريكا في عهد الرئيس نكسون إلغاء نظام الصرف بالذهب بالكامل عام ١٩٧١، وبعد ذلك لم يعد للنقد الورقي أي غطاء قابل للاستبدال لا عاجلاً ولا آجلاً، بل أصبحت قيمة النقد الورقي يحددها اقتصاد الدول أي ميزان مدفوعاتها، ووضع الدول الأمني، والأزمات الطارئة… هذا بالإضافة إلى مضاربات أسواق المال، ثم وهو عنصر مهم النفط وأسعاره، وتعرض مصادره إلى حالات الأمن أو الاضطراب.

8- ولتوضيح ذلك نقول:

أ- إن الذهب كأية سلعة بعد ذلك التاريخ أصبحت تتأثر بالعرض والطلب، فإذا زاد العرض كأن باعت بعض الدول جزءاً من مخزونها الذهبي لتقوية اقتصادها، أي زاد عرض الذهب في الأسواق فإن سعر الذهب ينخفض… وإذا أقبلت بعض الدول أو بعض الأفراد على شراء الذهب لمضاربات معينة فزاد الطلب فإن سعره يرتفع.

ب- وكذلك إذا رُفعت القيود على استيراد الذهب أو قلّت، فإن الاستيراد والتصدير ينشط ومن ثم تزداد حركة عرض الذهب في الأسواق، ويؤدي هذا إلى الانخفاض في سعر الذهب كما حدث في دول الخليج أوائل عام 2011 بعد إعفاء الذهب من أسعار الضريبة الجمركية التي تفرض على المشغولات والمصنوعات الذهبية، وتوحيد الدمغة بين هذه الدول والذي أدى إلى انخفاض أسعار الذهب نظرا لزيادة حركة استيراد وتصدير الذهب بينها.

ج- وكذلك إذا انخفض الدولار لأسباب اقتصادية أو حربية أو نحوها فإن الناس يتجهون إلى ادخار الذهب بدل الدولار، والدول كذلك تحاول ادخار الذهب في أرصدتها بدل الدولار، فيزيد الطلب على الذهب ويرتفع سعره، وإذا ما ارتفع الدولار لتحسن الاقتصاد الأمريكي أو نحو ذلك فتعود ثقة الناس في الدولار، ومن ثم يبيعون بعض مدخراتهم الذهبية فيزداد العرض ويدخرون بدلها الدولار فينخفض سعر الذهب.

د- ثم هناك موضوع النفط، فإن ارتفاع أسعار الذهب اليوم أو انخفاضها هو متناسب طرديا مع ارتفاع سعر النفط أو انخفاضه، فكلما ارتفع سعر برميل النفط ارتفعت معه أسعار الذهب، وكلما انخفض سعر الدولار الأمريكي كلما زادت أسعار الذهب.

9- وبناء عليه يمكن فهم الجواب على أسئلتك:

أ- انخفاض أسعار الذهب سنة 2012:

حدث أمران لافتان للنظر خلال تلك السنة:

الأول: تحسن نسبي في أسعار الدولار بعد المعاناة الشديدة التي أصابته خلال السنوات السابقة التي تلت أزمة أمريكا الاقتصادية التي نتجت عن انهيار سوق العقارات… وهذا التحسن في أسعار الدولار أدى إلى انخفاض سعر الذهب وفق ما ذكرناه أعلاه حيث يتناسب عكسيا سعر الذهب مع سعر الدولار…

الثاني: باعت روسيا نحو “4” أطنان من احتياطياتها الذهبية وذلك للمرة الأولى منذ خمس سنوات، ومن ثم فقد ساهم هذا البيع أي زيادة العرض إلى انخفاض سعر الذهب.

وهناك أسباب أخرى ثانوية، لكن ما ذكرناه أعلاه كان له الأثر الأكبر.

ب- أما انخفاض سعر الذهب المفاجئ خلال شهر 7/2013، فقد حدث في 19/6/2013 أن رئيس الفدرالي الأمريكي أي “البنك المركزي الأمريكي” قد أعلن عن جدول محتمل للتخفيف التدريجي من برنامج التيسير الكمي، وقد أدى هذا إلى دعم الدولار بقوة ومن ثم انخفاض أسعار الذهب إلى درجة غير متوقعة حيث وصل سعر الأونصة إلى قرابة 1180 دولار! وهو أعلى بقليل من كلفة استخراج الذهب من المناجم حيث تتراوح بين 1135 و1150 دولار للأونصة ما دفع بانكاج جوبتا مدير شركة إس إم سي كوميكس إلى القول: “لا أتوقع هبوط الأسعار دون هذه المستويات لسبب رئيس هو تكلفة استخراج الذهب على المناجم بحدود ألف ومئة وخمسة وثلاثين دولاراً للأونصة، وألف ومئة وخمسين، ما يعني أن هبوط الأسعار دون هذه المستويات سيدفع المناجم إلى وقف الاستخراج والحد من المعروض في السوق، ما سيرفع الأسعار مجدداً”..

وهذا القول صحيح إلى حد ما حيث عادت الأسعار في شهر 8/2013 إلى الارتفاع قليلاً فأصبحت 1310 دولار للأونصة على الرغم من شروع الاحتياطي الاتحادي الأمريكي في تقليص برنامج شراء السندات الذي تبلغ قيمته 85 مليار دولار شهريا، وهو يعني تقليل عرض الدولار في السوق ومن ثم ارتفاع سعره ما يترتب عليه انخفاض سعر الذهب، ومع ذلك فلم ينخفض عن شهر 7/2013 وإن كان سعر الذهب لازال منخفضاً قرابة سعر التكلفة لكن كما قال جوبتا فإن سعر الذهب كلما اقترب من التكلفة فإن بعض المناجم سيقل إنتاجها ومن ثم يقل المعروض من الذهب فيرتفع سعره حتى وإن كان قليلاً…

ج- أما سؤالك عن ادخار الذهب والفضة بدل العملة الورقية، فإن الأحكام الشرعية بالنسبة للذهب لا تختلف بين كونه مسكوكاً سكاً نقدياً أو كونه غير ذلك كأن يكون سبائك… إلخ، فإن كنزه لغير حاجة حرام حتى لو أخرج زكاته، وهذا هو الراجح في المسألة وفق الأدلة الشرعية المتعلقة بذلك، إلا أنَّ الكنز أو الادخار إنْ كان لحاجة كأن تريد أن تبني بيتاً أو تزوج ابنك… فإنه يجوز مع إخراج زكاته.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

17 شوال 1434هـ ألموافق2013-08-24

منقول

ما هو الدليل على أن الأرض لا تخلو من وظيفة؟

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ورد في أجوبة الأسئلة أنَّ الأرض العشرية في يد الكافر تدفع الخراج لأن الأرض لا تخلو من وظيفة ولأن العشر هو زكاه والكافر ليس من أهلها فبالتالي يجب على الكافر إذا ملك الأرض العشرية أن يدفع الخراج لأن الأرض لا تخلو من وظيفة

ما هو الدليل على أن الأرض لا تخلو من وظيفة بمعنى أن تدفع زكاة (عشر) أو خراج مع أنّ الزكاة لا تجب إلا في أصناف معينة وإذا بلغت النصاب فعلى هذا جميع الأراضي العشرية التي تزرع بغير الأصناف المحددة فإنها لا تدفع عشراً ولا خراجاً، وكذلك فإن الخراج استحق على الأرض الخراجية بالفتح أيّ أنّ المسلمون ملكوا رقبتها لما حبسوا.**

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

? سؤالك عن الدليل على أن الأرض لا تخلو من وظيفة، أي إما أن يُدفع عليها عشر أو نصف عشر كزكاة وفق الأحكام الشرعية، وإما أن يدفع عليها خراج…

والجواب على ذلك هو أن الأدلة التي وردت عن أحكام الأرض جعلتها هكذا: إما عشرية وإما خراجية، ومن هذه الأدلة:

1- أدلة عامة في كل أرض، وهي توجب على المسلم فيها زكاة العشر أو نصف العشر… «فِيمَا سَقَتْ الأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ» وفق الأحكام الشرعية المتعلقة بنوع الزرع ومقداره.

2- بعد الفتح ظهرت مشكلة جديدة في الأراضي أُخرِجت من النص العام ووضع عليها الخراج: «قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ البَحْرَيْنِ أَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ إِلاَّ أَرْضَهَ، فِإِنَّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يُسْلِمُوا وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ». وما قضى به عمر رضي الله عنه في أرض السواد “وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع فيها الخراج…”.

3- ولذلك فإن كل أرض في دار الإسلام عليها زكاة، إلا نوع معين عليه الخراج.

4- فالحكم العام يجري على عمومه “كل أرض في دار الإسلام على المسلم فيها زكاة”، ولا يخرج منه إلا ما خصص بنص آخر “الأرض الخراجية”.

5- هذا هو حكم الأراضي الزراعية، ولولا وجود نصوص على الأرض الخراجية لبقي الحكم العام وهو زكاة الأرض على مالكها المسلم وفق النصوص الشرعية الواردة، ولا توجد أحكام أخرى تبين نوع الأرض من حيث ما يدفع عنها فهو إما أن يدفع زكاة وإما أن يدفع خراجاً، وهي نصوص عامة تدخل تحتها كل أرض.

6- ومن هذه الأدلة استنبطنا أن الأرض لا تخلو من وظيفة.

? أما سؤالك إن كان قد فرض الرسول صلى الله عليه وسلم الخراج على كفار كانوا يملكون أرضا عشرية، فلم يثبت لدي شيء من ذلك كما أعلم، وإنما تكفي الأدلة السابقة لمعرفة الحكم الشرعي الذي استنبطناه، وهو أن الراجح لدينا أن أهل الذمة إذا تملكوا أرضاً عشرية فعليهم دفع الخراج عليها، لأن الزكاة تجب على المسلم وفق الأحكام الشرعية.

ومع ذلك فإن كنت تعلم شيئاً عن هذا الأمر فيمكنك أن ترسله إلي للنظر فيه وأكون لك من الشاكرين.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

05 شعبان 1434هـ ألموافق 2013-06-14

منقول

عن المزارعة

**السؤال:

السلام عليكم، ما حكم من كان له قطعة أرض زراعية لم يزرعها، وإن نظام الزراعة عندنا في استئجار الأراضي من الدولة الحاكمة أو تكون ملكه. السؤال إذا وفر الماء والبذور واتخذ من يرعى الأرض من حرث وزرع وحصاد وله نسبة من المحصول الكلي قد يكون ربعاً أو ثلثاً أو نصفاً، أرجو الإجابة ولكم جزاء ذلك الجنة وتقر أعينكم بإقامة دولة الخلافة**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

سؤالك عن المزارعة…

يا أخي إن المزارعة “تأجير الأرض للزراعة”، أي أن تؤجر أرضك الخالية من الشجر إلى آخر ليزرعها ويقوم بشأنها مقابل مبلغ معين أو جزء من الزرع… هذه المسألة يختلف الفقهاء في حكمها، فمنهم من يجيزها بشروط، ومنهم من لا يجيزها، والرأي الراجح عندنا وفق الأدلة أنها لا تصح بحال، سواء أكانت الأرض خراجية أم عشرية.

ومن هذه الأدلة:

  • فقد روى رافع بن خديج قال: «كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعاً، وَطَوَاعِيَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْفَعُ لَنَا وَأَنْفَعُ. قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلا يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ وَلا بِرُبُعٍ وَلا بِطَعَامٍ مُسَمًّى» أخرجه أبو داود.

  • وعن ابن عمر قال: «مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ بَأْساً حَتَّى سَمِعْنَا رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا» أخرجه ابن قدامة في المغني ورواه مسلم والشافعي مع اختلاف يسير.

  • وقال جابر: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُخَابَرَةِ» رواه مسلم من طريق جابر، والمخابرة: المزارعة،

  • وروى البخاري عن جابر قال: كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ».

  • وروى أبو داود عن زيد بن ثابت قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُخَابَرَةِ، قُلْتُ: وَمَا الْمُخَابَرَةُ؟ قَالَ: أَنْ تَأْخُذَ الأَرْضَ بِنِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ».

  • وروى أبو سعيد الخدري قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُحَاقَلَةِ» أخرجه النسائي ومسلم، والمحاقلة: استكراء الأرض بالحنطة،

  • وفي سنن النسائي عن أسيد بن ظهير: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا نُكْرِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْحَبِّ، قَالَ: لا، قَالَ: وَكُنَّا نُكْرِيهَا بِالتِّبْنِ، فَقَالَ: لا، وَكُنَّا نُكْرِيهَا عَلَى الرَّبِيعِ، قَالَ: لا، ازْرَعْهَا أَوْ امْنَحْهَا أَخَاكَ»، والربيع: النهر الصغير، أي الوادي، أي كنا نكريها على زراعة القسم الذي على الربيع أي على جانب الماء.

هذا ما نرجحه ونتبناه، ونقول ما نرجحه لأن هناك من الفقهاء من يرى إجازتها بشروط معينة وفق استدلالات يستدل بها…

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

06شعبان 1434هـ

منقول

** حول تدخل الدولة في الاقتصاد وعن الضرائب **

**السؤال:

هل يكون عقد البيع شرعيا في حال تم تحديد ثمن المبيع بالتأجيل بأقساط شهرية مع التنصيص على شرط جزائي تزيد فيه قيمة القسط في حال عجز المشتري أو تأخر عن تسديد القسط في أوانه؟**

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

سؤالك عن تدخل الدولة في الاقتصاد وعن الضرائب…

1- بالنسبة لتدخل الدولة في الاقتصاد، فإن النظام الاقتصادي في الإسلام محددة فيه واجبات الدولة وحقوقها وواجبات الناس وحقوقهم بأحكام شرعية تنظم صلاحية كل من الراعي والرعية، ولأن النظام الاقتصادي تؤثر فيه الملكيات تأثيرا بالغاً من حيث وسائل التملك والإنفاق.. فقد حدد الإسلام هذه الملكيات، وصانها وحفظها من كل عدوان، فهناك الملكية الفردية وملكية الدولة والملكية العامة ولا تعتدي الواحدة على الأخرى… لذلك فإن تدخل الدولة على النمط المعروف اليوم، فتصادر ملكية خاصة وتجعلها ملكية عامة أو ملكية دولة، أو تجعل الملكية العامة ملكية خاصة كإعطاء امتياز البترول والمعادن للقطاع الخاص داخلياً أو خارجيا… كل هذا لا يجوز في الإسلام، بل كلٌ في حدود ملكيته: الأفراد في ملكيتهم الخاصة، والدولة في ملكيتها كالغنائم والخراج… والأمة في ملكيتها كالبترول والمعادن ومصادر الطاقة… وعليه فلا وجود في الدولة الإسلامية لواقع التدخلات المعروفة اليوم في النظم الاقتصادية.

2- أما الضرائب فلا يوجد في الإسلام ضرائب تؤخذ من الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدير شؤون الرعية، ولم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه فرض ضريبة على الناس ولم يُرو عنه ذلك مطلقاً، وحين علم أن من على حدود الدولة يأخذون ضرائب على البضائع التي تدخل البلاد نهى عن ذلك. فقد رُوي عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ» أخرجه أحمد وصححه الحاكم. وصاحب المكس هو الذي يأخذ الضرائب على التجارة… وهذا يدل على النهي عن أخذ الضرائب بالمعنى الذي اصطلح عليه الغرب. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتفق عليه من طريق أبي بكرة: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا…» وهو عام يشمل كل إنسان ومنها الدولة، وأخذ الضرائب أخذ لمال المسلم من غير طيب نفسه مما يدل على عدم جواز أخذها.

ولكن هناك حالة واحدة يقرها الشرع ويجيز فيها أخذ مال بقدرها دون زيادة، ويؤخذ فقط من الأغنياء من فائض أموالهم، وهذه الحالة هي إذا كانت هناك نفقة مفروضة على بيت المال وعلى المسلمين، ولم يكف ما في بيت المال فيؤخذ بقدر تلك النفقة من فائض أموال الأغنياء لسدِّها. أما إذا كانت النفقة مفروضة فقط على بيت المال وليس كذلك على المسلمين، فلا يؤخذ مال لها من المسلمين إن لم يكف ما في بيت المال، بل ينفق عليها من بيت المال.

فمثلاً سد الحاجات الأساسية للفقراء من مأكل ومسكن وملبس، فهذا واجب على الدولة من بيت المال، وكذلك واجب على المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: «وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى» أخـرجه أحمد عن ابن عمر، فإذا لم يكف ما في بيت المال لسد حاجة الفقراء الأساسية فيؤخذ من أغنياء المسلمين لسد هذه الحاجة بقدرها دون زيادة…

ومثلاً الجهاد فهو فرض على بيت المال وعلى المسلمين كذلك، لقوله تعـالى: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وقال سبحانه: (وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ولهذا فإن سد حاجة الجهاد تعامل المعاملة نفسها.

وهكذا فإن الضرائب غير موجودة في الإسلام إلا في هذه الحالة التي يجب أن يتحقق فيها شرطان:

الأول: أنها مفروضة على بيت المال وعلى المسلمين بأدلة شرعية صريحة.

والثاني: أنه لا يوجد في بيت المال ما يكفي لسد حاجتها.

ففي هذه الحالة فقط يؤخذ بقدر سد الحاجة دون زيادة من فائض أموال الأغنياء، ونقول من الفائض أي ما زاد على مأكل الغني وملبسه ومسكنه وخادمه وزواجه وما يركبه لقضاء حاجاته وما شاكل ذلك حسب أمثاله لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)، أي ما ليس في إنفاقه جهد، بمعنى الزائد عن كفايته حسب المعروف لمثله. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول «أفضلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» متفق عليه من طريق حكيم بن حزام وأبي هريرة، ومعنى ظهر غنى أي الزائد عن كفايته بالمعروف.

والخلاصة أن لا ضرائب في الإسلام إلا في هذه الحالة وبقدرها دون زيادة ولا تؤخذ إلا عن ظهر غنى، وهي حالة كانت في التاريخ الإسلامي نادرة الحدوث لأن موارد الدولة الدائمية التي بينها الإسلام تكفي لذلك، ولكن إن كانت، فيجوز أخذ لضرائب لها وفق المبين أعلاه.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

01 شعبان 1434هـ ألموافق 2013-06-10

منقول

بسم الله الرحمن الرحيم

حواب سؤال: البيع والإجارة

**جاء في الشخصية الجزء الثاني صفحة 318: (… فإنه لا يجوز أن يبيع دابة بسكنى دار سنة مثلاً، ولكن يصح أن يستأجر بستاناً بسكنى دار. لأن البيع هو مبادلة مال، فمبادلة المال بالمنفعة لا تعتبر بيعاً، بخلاف الإجارة فهي عقد على المنفعة بعوض، وهذا العوض لا ضرورة لأن يكون مالاً، بل قد يكون منفعة…).

وجاء في النظام الاقتصادي صفحة 270: (… والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئاً معيناً تجري المبادلة على أساسه فرضاً، وإنما أطلق للإنسان أن يُجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجوداً في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوماً، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوماً بمقدار معين من التمر…).

ولي هنا سؤالان:

الأول: أن ما جاء في الشخصية الجزء الثاني لا يُجيزُ بيعَ دابة بسكنى دار، على اعتبار أن البيع مبادلة مال بمال، وهذه الحالة مبادلة مال بمنفعة دار. وإنما يُجيز إجارة المنفعة كاستئجار بستان بسكنى دار. وفي الاقتصادي يُجيزُ هذا البيع، فيقول: (يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوماً)، أي يبيع سلعة بمنفعة جهد، فالمشتري يشتري السلعة بمنفعة عمله عند صاحبها. وكما يظهر فبين الشخصية والاقتصادي تعارض، فأيهما الصحيح؟ هل يجوز بيع المال بالمنفعة أو لا يجوز؟

الثاني: إن كان لا يجوز، فكيف يتم بيع الأراضي الخراجية، علماً بأنه بيع لمنفعتها، لأن رقبتها ملك للمسلمين وصاحبها لا يملك سوى منفعتها؟ فهل يُسَمَّى تبادلُ منفعةِ الأرضِ الخراجيةِ بالمالِ بيعاً وتنطبقُ عليه أحكامُ البيع؟**

جواب السؤال الأول:

1- هناك ما يسمى (المبادلة)، وهناك ما يسمى (البيع)، وهناك ما يسمى (الإجارة).

2- المبادلة أطلقها الإسلام بين السلع والجهود والمنافع ما دامت هذه الأمور ليست محرمة، فيجوز أن تبادل السيارة أو السيارتين ببيت، ويجوز أن تبادل السيارة بسكنى بيت شهوراً معينة.

ويجوز أن تبادل عملك اليومي أو الشهري بمبلغ نقدي، ويجوز أن تبادل عملك اليومي أو الشهري أو السنوي ببيت أو بسيارة…

أي أنه يجوز أن تبادل جهداً بمال أو بسلعة أو بمنفعة ما دامت هذه الأمور ?كما قلنا- ليست سلعاً محرمة أو منافع محرمة أو جهوداً في عمل حرام، وما دام التراضي موجوداً.

3- البيع هو نوع من المبادلة، فهو مبادلة مال بمال، ولذلك فإن ما كان من مبادلةٍ بين مالٍ ومال، كأن يكون بين نقد ونقد أو نقد وسلعة، فهو بيع وتجري عليه أحكام البيع.

4- الإجارة نوع آخر من أنواع المبادلة، وهي عقد على المنفعة بعوض، والعوض قد يكون مالاً، وقد يكون منفعة، فيجوز أن تعمل يوماً أو شهراً بمبلغ نقدي، أو بسلعة كقمح أو تمر…، وكذلك يجوز أن تعمل يوماً أو شهراً بسكنى دار شهراً مثلاً، وهكذا.

فما كان من تبادلٍ بين المنافع والسلع أو المال فهو إجارة، وتنطبق عليه أحكام الإجارة.

5- فإذا علمنا ذلك سَهُلَ علينا فهم ما ورد في الاقتصادي وفي الشخصية الجزء الثاني على النحو التالي:

أ‌- الوارد في الاقتصادي هو في باب النقد، فَذَكَرَ التبادلَ بشكل عام وجوازَهُ بين السلع والجهود والمنافع… ثم وصل إلى أن وحدة التبادل النقدية في الإسلام هي الذهب والفضة.

فالبحث في باب النقد كان عن التبادل، وهو صحيح، أي يكون التبادل في الأموال والسلع والجهود.

ب- الوارد في الشخصية الجزء الثاني هو في باب الإجارة للتفريق بينها وبين البيع، فهو يتكلم عن نوع من التبادل العام، طرفاه (مال) و (مال) وهو المسمى بيعاً، وله أحكامه، وعن نوعٍ آخر من التبادل العام طرفاه (منافع أو جهود) و (مال)، أو (منافع وجهود) و (منافع وجهود)، وهو المسمى إجارة.

فالبحث كان عن أنواع من التبادل، بعضها يسمى بيعاً وبعضها يسمى إجارة، وكل هذا كان في باب الإجارة.

ج- وعليه فإن ما ورد في الاقتصادي وما ورد في الشخصية، كلٌّ منهما صحيح في بابه.

د- لكن الالتباس هو في المثال الذي ضُرِبَ في الاقتصادي أثناء بحث التبادل بلفظ (الشراء) وهي العبارة (… ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوماً…) والمقصود منها (أن يبادل سلعة بالعمل عند صاحبها يوماً) لأن البحث هو عن التبادل، ولو نُصَّ عليها هكذا لزال الالتباس، لأن هذا النوع من التبادل هو عندنا يقع في باب الإجارة، وتنطبق عليه أحكام الإجارة وليس أحكام البيع، فأجرة هذا الرجل الذي يعمل يوماً هي تلك السلعة، ولا تنطبق على هذه الحالة أحكام البيع.

ومع أن البيع لغةً يطلق عليه التبادل كما جاء في الشخصية الجزء الثاني صفحة 284 في أول بحث البيع (البيع لغةً مطلق المبادلة وهو ضد الشراء…)، ولكنه شرعاً هو نوع من أنواع التبادل وهو تبادل مال بمال، كما جاء في الشخصية بعد العبارة السابقة (وأما البيع شرعاً فهو مبادلة مال بمال تمليكاً وتملّكاً على سبيل التراضي..).

ولهذا، وإزالة للالتباس فسنصحح هذه الجملة على نحو ما ذكرتُهُ آنفاً، أي بدلاً من (ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوماً) سنضع ما يلي: (ويجوز أن يبادل سلعة بالعمل عند صاحبها يوماً).

وذلك لأن الصواب عندنا أن البيع شرعاً هو (تبادل مالٍ بمال) كما جاء في تعريف البيع في الشخصية الجزء الثاني صفحة 284، الذي ذكرناه آنفاً.

وللعلم فإن هناك من الفقهاء من يُدخل في البيع تبادلَ المنافع والجهود والسلع بشروطٍ معينة، ولا يقتصر على تبادل مال بمال، ولكن الراجح عندنا هو الذي ذكرناه.

جواب السؤال الثاني:

إن تعريف الإجارة هو عقد على المنفعة بعوض، والمنفعة هنا مقصود بها المنفعة المؤقتة، أي استيفاء المنفعة بشروط وكيفيات معينة تجعل المنفعة موقوتة بحدٍّ معين، فمثلاً إجارة دار للسكنى لسنة تعني أن يستوفي المستأجر منفعة مؤقتة وهي خلال المدة المحددة.

أما منفعة الأرض الخراجية، فعلى الرغم من أن رقبتها مملوكة للمسلمين، لكن هذه المنفعة مملوكة لصاحبها بشكل دائم، ولذلك يصح البيع فيها، وتنطبق أحكام البيع. ودليل ذلك إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على الحكم المستفاد من فعل عمر في الأرض الخراجية.

جاء في الشخصية الجزء الثاني صفحة 244 سطر 9 ما يلي: (… غير أن الذي يُورَث في الأرض الخراجية إنما هو منفعتها الدائمة ولا تُورَث رقبتها لأنها ملك لجميع المسلمين. أما منفعتها فقد أقرّ عمر بن الخطاب أصحابها على ملكية منفعتها الدائمة إلى آخر الدهر… والمنفعة تُملَك وتُورث، ولمالك المنفعة أن يتصرف بها جميع التصرفات من بيع ورهن وهبة ووصية وغير ذلك من التصرفات). وجاء في الكتاب نفسه صفحة 245 سطر 15 وما بعده ما يلي: (ومن يملك منفعة الأرض له أن يبيع هذه المنفعة ويتقاضى ثمنها لأن المنافع تباع وتستحق أثمانها) وكل ذلك عن المنفعة الدائمة حيثُ البحثُ عن منفعةِ الأرض الخراجية.

والخلاصة:

? إن التبادل جائز في المال والسلع والجهود والمنافع ما دامت مباحة والتراضي موجوداً.

? التبادل أشمل من البيع ومن الإجارة، فإن كان التبادل مالاً بمال فهو بيع، وإن كان التبادل مالاً ومنافع وجهوداً فهو إجارة.

? تبادل المنفعة الدائمة تنطبق عليه أحكام البيع، كما في الأرض الخراجية.

2 محرم الحرام 1432هـ ألموافق 8-12-2010 م

الوصية والنقد

[b**]السؤال الأول:**

هل يجوز لمحامٍ مسلم أن يكتب وصية لزبون غير مسلم وفق القانون الإنجليزي حيث قد يوصي ببعض أو كل ثروته لجهات قد يكون بعضها غريباً أو ربما حراماً كمؤسسة للعناية بالكلاب أو للملاهي…

السؤال الثاني:

ذكرنا في معظم نشراتنا وكتبنا بخصوص النقد أنه سيكون الذهب والفضة سواء كان ذلك عيناً أو ورقاً مدعوماً. وورد في كتاب الأموال للشيخ عبد القديم زلوم رحمه الله حول نفس الموضوع أن الدولة يمكن أن تستعمل الذهب والفضة وأي معدن آخر مناسب ما دام الذهب يبقى النقد الرئيس. فهل تستطيع الدولة استخدام نقد مدعوم بمعادن ثمينة أخرى بجانب الذهب والفضة كالبلاتينيوم أو الجواهر الثمينة كالماس وسواه؟

جواب السؤال الأول:

1- إذا كانت المعاملة بين صاحب الوصية الكافر، والمحامي المسلم هي معاملة استئجار لكتابة وصية للكافر كما يُمليها هو على الكاتب المسلم الأجير، فهذا عقد إجارة على كتابة وصية، فالمحامي يكتب ما يمليه الكافر من وصية، ثم يأخذ أجره ولا علاقة له بعد ذلك في موضوع الوصية…

إن كان الأمر كذلك، فهو جائز بشرط أن لا يُذكر في الوصية أي شيء ضد العقيدة الإسلامية، لأن كتابة شيء ضد العقيدة الإسلامية يأخذ حكم النطق بهذا الشيء، وهذا لا يجوز.

ومع ذلك فإن الأَوْلى عدم كتابة الوصية ما دام فيها أحكام مخالفة لأحكام الإسلام، وذلك ابتعاداً عن شبهة الرضا بهذه الأحكام الواردة في وصية الكافر.

2- أما إذا كانت المعاملة بين صاحب الوصية والمحامي هي معاملة وكالة، أي أن المحامي وكيل لصاحب الوصية يقوم بتنفيذ الوصية… فيتصل بأصحاب العلاقة ويطلعهم عليها، ويقوم بإجراءات تنفيذها كوكيل لصاحب الوصية… فلا يجوز لأنه في هذه الحالة يقوم بتنفيذ وصية مخالفة لأحكام الشرع الإسلامي الذي يؤمن به المسلم…

جواب السؤال الثاني:

النقد في الإسلام هو الذهب والفضة مباشرة، أو استعمال وسائل أخرى مثل الورق على أن يكون في بيت المال مقابل لها من الذهب والفضة.

ويمكن استعمال معادن رخيصة لمحقرات الأشياء مثلاً من النحاس كما ذُكر في كتاب الأموال، وذلك لأن سكّ وحدات من الذهب أو الفضة لمحقرات الأشياء سيكون وزنها ضئيلاً جداً لا يقوى على الاستعمال ولا يناسبه خلال التداول، ولهذا يسك من معادن أرخص كالنحاس مثلاً أو يُخلط الذهب والفضة ذات الوزن الضئيل مع نسبة كبيرة من معدن رخيص ليصبح الخليط ذا وزن مناسب للتداول في شراء الأشياء الرخيصة جداً.

جاء في كتاب الأموال:

(… كما تقوم الدولة بسكِّ وحداتٍ أصغر من ذلك، من الفضة، لتسهيل الحصول على مُحقـَّرات الأشياء. ونظراً لكونِ محتوى هذه الوحدات من الفضة يكون قليلاً، ويصعب التعامل به باعتباره مسكوكات صافية، يُضاف إليه أجزاء معينةٌ من المعادن غير الثمينة، على أن تبيّن نسبة وزن الفضة في الوحدات المسكوكة، بشكل يمنعُ أيّ لَبس فيها.

وبذلك يكون المسلمون قد ساروا على قاعدة الذهب والفضة، أي على قاعدة المعدنين. وفي أواخر أيام العباسيين، وفي أيام الأتابكة في مصر، سكّ المسلمون، بجانب الذهب والفضة، نقوداً من النحاس، لشراء محقّرات الأشياء بها، باعتبار أن قيمة النحاس الذاتية قليلة، ولم يكن نائباً عن الذهب والفضة، وإنّما كان قائماً بذاته معتمداً على قيمته كنحاس، لذلك كان لشراء محقّرات الأشياء…)

وهكذا فإن المعادن المستعملة من غير الذهب والفضة تكون عادة من النوع الرخيص، ولكن لا يستعمل في التداول معادن ثمينة أغلى من الذهب والفضة لأن الموضوع هو لمحقرات الأشياء التي تتطلب وزنا مناسباً للتداول، فإن كان من الذهب والفضة فإنه يكون ضئيلاً جداً، فإذن يستعمل معدن رخيص ليكون الوزن مناسباً للاستعمال، وهذا لا يكون باستعمال معدن أغلى في التداول.

أما عن جواز اتخاذ النقد الشرعي من معادن أغلى من الذهب والفضة مثل البلاتينيوم أو الجواهر الثمينة كالماس… فلا يجوز لأن الأدلة الشرعية على أن النقد هو الذهب والفضة معلومة، ولا يجوز أن يكون المقابل في بيت المال أي معدن آخر حتى لو كان أغلى من الذهب والفضة لأن المقابل النقدي هو الذهب والفضة وفق الأحكام الشرعية، وغيره من المعادن لا يعدو كونه سلعة من السلع.

19 من شوال 1431 الموافق 2010/09/28م

بسم الله الرحمن الرحيم

شركات التأمين التعاوني ( الإسلامي)

السؤال :ما هو الحكم الشرعي في الشركات التي ظهرت وتنامت بشكل ملحوظ وتسمى تارة شركات التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي؟ علماً بأن أصحابها والمسوقين لها يقولون إنها تختلف عن شركات التأمين التجاري المحرمة لأنها تعاونٌ بين المسلمين في مساعدة بعضهم بعضا عند حصول حادث لأحدهم مقابل أقساط يدفعونها؟ ويذكرون في هذا السبيل حديث مدح رسول الله r للأشعريين على تعاونهم كما هو مبين في بحث مرفق حول الموضوع. نرجو الجواب بشكل مفصل وجزاكم الله خيرا.

الجواب

لقد اطلعت على ما أرسلته عن الموضوع، وكذلك اطلعت على مصادر أخرى، وقد تبيّن لي ما يلي:

أولاً: واقع هذا التأمين:

1- إن التأمين التعاوني، والتكافلي، والإسلامي، لا يختلف هذا التأمين من حيث طريقة تكوينه، وعمله… والحكم فيه واحد.

2- إن القائمين عليه يسوقونه على أنه تبرع من أشخاص بمبالغ معينة لمساعدة بعضهم بعضا إن حدث حادث خطر مثل حريق أو حادث سيارة أو… ومع ذلك فإن عقداً يوقع مع “المتبرع” من شركة التأمين!

3- إن القائمين عليه يقولون إن هذا التأمين غير قائم بقصد الربح بل هو تعاون على البر والتقوى.

4- إن القائمين عليه يقولون إنه يختلف عن التأمين التجاري المحرّم القائم بقصد الربح واستثمار الأموال المدفوعة من المؤمنين من أجل الربح… والذي يدخله الغرر من حيث إن المؤَمن يدفع اشتراكه ولا يدرى متى يحدث له حادث!

5- إن القائمين عليه يستدلون على مشروعيته بحديث الأشعريين أنهم كانوا عندما تصيبهم مجاعة يضعون الطعام الذي مع كل واحد منهم في مكان واحد ويأكلون منه معاً، - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ.» متفق عليه.

6- وهذه الشركات التعاونية… تقوم بعملية “إعادة التأمين”، أي تُعطي شركةُ التأمين التعاوني المحلية أو الصغيرة، تعطي ما لديها من اشتراكات المؤمنين إلى شركة تأمين كبرى للقيام بأمر المال واستثماره…

وهذا ما ورد في كتبهم ونشراتهم حول إعادة التأمين:

(بما أن شركات التأمين الصغيرة لا تستطيع تغطية تعويضات الأضرار الكبيرة، ولا تستطيع تحمل أخطار التأمين على البواخر والطائرات، لذلك تجد نفسها مضطرة لكي تؤمن على التأمين لدى شركات تأمين عملاقة موجودة في عواصم العالم الكبرى مثل أوروبا وأميركا، ويسمى هذا إعادة التأمين…)

7- إن القائمين على هذا التأمين التعاوني… لا ينكرون تحريم التامين التجاري، لأن الفتاوى صدرت بتحريمه من جهات عدة هم يقرون شرعيتها مثل:

(- هيئة كبار العلماء في السعودية.

  • مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ومقره في جدة.

  • المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ومقره في مكة.

  • مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر.

…)انتهى.

ولكنهم يقولون إن التأمين التعاوني يختلف عنه فهو حلال، ويعدّونه تبرعاً، وأنه ليس استثماراً تجارياً، وأنه لا يقوم بأعمال إعادة التأمين مع شركات التأمين التجاري…، وحاولوا استغلال قرار هيئة كبار علماء السعودية في 4/4/1397هـ في الترويج لهذا التأمين.

ويحسن بنا، من باب التوضيح أن نذكر كيف تم ذلك القرار، وكيف استدركت الهيئة قرارها، على الرغم من أن الهيئة ترتبط بالحكومة… وفي هذا ما فيه، ولكننا للإنصاف نذكر ما تم:

لقد عرض القائمون على هذا التأمين الأمر على هيئة كبار علماء السعودية، على أنه تبرع للبر والتقوى وليس بغرض الاستثمار أو الربح كما بينا أعلاه، فاتخذت الهيئة قراراً في 4/4/1397هـ تحت رقم 51، أجازت فيه التأمين التعاوني على ضوء المعلومات التي أعطيت لها، وقالت في أول قرارها:

(إن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر…)انتهى

وختمت القرار بطلبها (أن يتولى وضع المواد التفصيلية لهذه الشركة التعاونية جماعة من الخبراء المختصين في هذا الشأن تختارهم الدولة وبعد انتهائهم من ذلك يعاد ما كتبوه إلى مجلس هيئة كبار العلماء لدراسته وتطبيقه على قواعد الشريعة، والله الموفق.)

وواضح من قرار الهيئة أنها عدّته تبرعاً لا محلّ فيه للربح أو الاسترباح لأنه وصف العمل بعقد تبرع وليس معاوضة من قبل طرفين، وذلك حسب المعلومات التي قُدمت للهيئة من القائمين على هذا التأمين.

ولما كان التأمين المذكور ليس تبرعاً، والشركات تدرك ذلك، فإنها حاولت تسويق أعمالها مستغلة قرار الهيئة، ما دفع اللجنة الدائمة للبحوث العلمية في الهيئة لإصدار بيان جاء فيه: (أما بعد: فإنه سبق أن صدر من هيئة كبار العلماء قرار بتحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه لما فيه من الضرر والمخاطرات العظيمة وأكل أموال الناس بالباطل … كما صدر قرار من هيئة كبار العلماء بجواز التأمين التعاوني وهو الذي يتكون من تبرعات المحسنين ويُقصد به مساعدة المحتاج والمنكوب، ولا يعود منه شيء للمشتركين - لا رؤوس اموال ولا أرباح ولا أي عائد استثماري - لأن قصد المشترك ثواب الله سبحانه وتعالى بمساعدة المحتاج، ولم يقصد عائداً دنيوياً، وذلك داخل في قوله تعالى:]وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[. وفي قول النبي r “والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه” . وهذا واضح لا إشكال فيه، ولكن ظهر في الآونة الأخيرة من بعض المؤسسات والشركات تلبيس على الناس وقلب للحقائق، حيث سموا التأمين التجاري المحرم تأميناً تعاونياً، ونسبوا القول في إباحته إلى هيئة كبار العلماء من أجل التغرير بالناس والدعاية لشركاتهم، وهيئة كبار العلماء بريئة من هذا العمل كل البراءة، لأن قرارها واضح في التفريق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني، وتغيير الاسم لا يغير الحقيقة. ولأجل البيان للناس وكشف التلبيس ودحض الكذب والافتراء صدر هذا البيان.)انتهى “المصدر: بيانات وفتاوى مهمة، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، دار ابن الجوزي، الدمام، السعودية، 1421هـ/ 1999م.”

ثانياً: إن هذا التأمين لا يختلف عن التأمين التجاري إلا بالتلاعب بالألفاظ:

1- فهو ليس تعاوناً من أجل البر والتقوى، بل هو استثمار للأموال المدفوعة، وتوزيع أرباح على المشتركين، ولكنه لا يسميها أرباحاً أو فوائد، كما تسميها شركات التأمين التجاري، أو البنوك، بل يسميها “فائض”!

2- وهو ليس تبرعاً، بل هو اشتراك بأسهم كما في التأمين التجاري بدليل أن المشترك في هذا التأمين لو لم يعط ربحاً على اشتراكه بما يسمى “فائض”، فإنه يشتكي ويقيم دعوى، ولو كان تبرعاً لما كان له هذا الحق، وكذلك فإن التبرع هو تصرف من طرف واحد، لا يحتاج إلى توقيع عقود وشروط تكون مجالاً للتفاوض… لأن المتبرع ينتهي دوره بالتبرع.

3- وهو استثمار لأموال المشتركين وليس وضع التبرعات في صندوق دون استثمار، فهو مثل استثمار أموال التأمين التجاري…

4- وهو يقول بإعادة التامين، أي إعطاء الأموال لشركة كبرى أقدر على الاستثمار كما يفعل التأمين التجاري…

5- وتقوم على إدارة شئونه إدارة تمثل المشتركين وفق اشتراكاتهم “أسهمهم”، والذي يكون اشتراكه أكثر يكون هو المتحكم في مجلس الإدارة، كالتأمين التجاري.

6- والغرر واقع فيه مثل التأمين التجاري فلا يدري المشترك متى يحدث له حادث…

7- إن برامج هذا التأمين لا تختلف عن برامج التأمين التجاري فهو: تأمين من الحريق، حوادث السيارات، البضائع براً جواً بحراً، أجسام السفن، النفط والغاز… إلخ. وكل الفرق أن التأمين التجاري يذكر التأمين صراحة، وأما التأمين التكافلي فهو يكتب في البرنامج: برنامج تكافل للتأمين من الحريق، برنامج تكافل للتأمين على حوادث السيارات، برنامج تكافل للتأمين على البضائع براً وجواً وبحراً… إلخ.

ثالثاً: إن القول بأنه يختلف عن التأمين التجاري من حيث إن التأمين التعاوني أو التكافلي، أو الإسلامي له دليل من الشرع، وهو حديث الأشعريين، هذا الاستدلال غير صحيح، لأن حديث الأشعريين هو بعد حدوث الحادثة، فإنهم يتعاونون في مواجهتها، فعند القحط أو الجوع أو النازلة يتعاونون تجاهها بان يدفع كل منهم ما يستطيع للوقوف في وجه هذه النازلة، لا أن يشتركوا في الدفع قبل وقوعها.

فنص الحديث واضح: « إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ.»، فهم إذا أرملوا أَيْ فَنِيَ زَادهمْ… فعندها يجمعون ما عندهم في ثوب واحد ويقتسمونه…

رابعاً: إن الحكم الشرعي في هذا التأمين هو التحريم، وذلك:

1- هو ليس تبرعاً، فإذن لا يُبحث هذا التأمين على هذا الأساس.

2- هو ضمان من شركة التأمين المكونة من اشتراكات الأشخاص تجاه المشترك الذي تحدث له حادثة، ولذلك فإن شروط الضمان في الإسلام يجب أن تطبق عليه:

أ- أي يجب أن يكون هناك حق مستوفى في الذمة، أي أن الحادثة تقع ثم تقوم الشركة بضمان الشخص الذي وقعت عليه الحادثة، أي بدفع ما يترتب عليه.

ب- وأن لا يكون عقد معاوضة، أي لا يأخذ الضامن تعويضاً سواء أسمي ربحاً أو فائضاً، أو اشتراكاً…

ج- وأن يكون عقد شركة التامين عقداً شرعياً بأن يستوفي شروط الشركات في الإسلام، أي مال وبدن وليس شركة أموال، فالتامين المعروض للبحث هو شركة أموال، وكلهم يدفعون مالاً، وحتى مجلس الإدارة الذي يتصرف في أمر الشركة هو ممثل لأموالهم، وليس لأبدانهم فلا يوجد أي منهم مشتركاً ببدنه، بل بماله، فواقعه من حيث الشركة هو مثل واقع الشركة المساهمة، أي شركة أموال.

د- وأن لا يكون استثمار المال بطرق غير مشروعة، عن طريق شركات أخرى، مهما كانت التسمية، سواء أسميت استثماراً أم إعادة تأمين…

وأدلة ذلك هي أدلة شركات الأموال، وأدلة الضمان، وكلها مستوفاة في النظام الاقتصادي.

والخلاصة هي أن التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي لا يلبي شروط الضمان في الإسلام ولا شروط الشركات في الإسلام، فهو لا يجوز شرعاً.

24 من جمادي الثاني 1431هـ الموافق 7/6/2010م

بسم الله الرحمن الرحيم

بيع الرهن عند عجز المدين عن السداد

السؤال:(لقد تعارف شعبنا أن يأخذوا ضمانا على الدين، فإن لم يدفع المَدينُ دينه فى أوانه، يمتلك الدائن الضمان، أى الشئ الذى وضع ضمانا فى مقابل الدين و فى أكثر الحالات يكون الضمان أغلى بكثير وحتى أضعافا من الدين المأخوذ فما حكم الشرع فى ذلك؟ فهل يجوز شرعا أخذ أو إعطاء الدين بالضمان؟)

الجواب:

يجوز للدائن أن يأخذ (رهناً) من المدين لضمان سداد دينه، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه «اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاماً بنسيئة فأعطاه درعاً له رهناً» أخرجه مسلم من طريق عائشة رضي الله عنها.

ولكن الدائن (المرتهن) لا يملك الرهن إذا عجز الراهن عن سداد الدَّين، فالرهن يبقى لصاحبه وفق الحديث «لا يُغلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه» رواه الشافعي من طريق سعيد بن المسيِّب. ومعنى (لا يُغلَق الرهن من صاحبه) أي لا يصبح ملكاً للدائن إذا عجز المدين عن السداد، بل يباع ويسدد الدين منه ويعاد الباقي لصاحبه.

وتفصيل ذلك كما يلي:

إذا حل الدَّين فإن المرتهن (الدائن) يطالب الراهن (المدين) بسداد الدَّين، فإن كان للمدين مال غير المرهون وسدد منه الدينَ انفك المرهون وعاد لصاحبه. وإن لم يكف ماله لسداد الدين، كله أو بعضه، فقد وجب على الراهن بيع المرهون بإذن المرتهن ويسدد دَيْن المرتهن أولاً قبل غيره من الثمن، ويعاد باقي الثمن لصاحبه.

مما سبق يتضح أنه لا يجوز للمرتهن أن يستولي على المرهون إذا عجز المدين عن سداد الدين، وكذلك لا يجوز له أن يبيع بنفسه الرهن، بل عن طريق القضاء فهو الذي يجبر الراهن على بيع الرهن، لأن الرهن يبقى ملكاً لصاحبه وفق الحديث «لا يغلق الرهن من صاحبه»، فهو الذي يبيعه ويسدد من ثمنه الدين، فإن امتنع أجبره الحاكم على البيع والسداد، وما زاد عن سداد الدين يعاد لصاحبه.

5 من شوال 1428هـ.ألموافق 16/10/2007م.

جوائز على المبيعات

**السؤال: اعتاد التجار في أيامنا هذه أن يضعوا في سلعهم هدايا على شكل رقم يُسحب عليه، والرقم الفائز له جائزة (محترمة). أو على شكل ورقة مسجل عليها اسم هدية لتستلم من التاجر. أو تكون الهدية بعينها موجودةً داخل السلعة. أو يعلن التاجر أن من يشتري بمبلغ كذا فله واحدة زيادة مثلاً. أو نحو ذلك.

فهل هذا يدخل في بيع الغرر أو هو جائز؟**

الجواب

إن بيع الغرر باطل، فالسلعة المشتراة يجب أن تكون معلومةً. فإذا كانت السلعة معلومةً صح البيع، وإلا فجهالة السلعة تبطل البيع.

أما الحالات التي ذكرتها فهي مختلفة في واقعها وبالتالي في أحكامها:

1 - فإعطاء من يشتري كميةً معينةً، إعطاؤه زيادةً، هديةً أو نحوها فهذا جائز، فالبيع صحيح، والزيادة واقعة تحت الهبة وهي صحيحة.

2 - ووضع هديةً معلومة في سلعة معلومة؛ ملعقة، ساعة أطفال، … أو يضع فيها ورقةً مكتوباً عليها اسم الجائزة ليذهب المشتري الذي يجدها في السلعة إلى التاجر لاستلام الهدية أو الجائزة المعلومة والمكتوبة على الورقة، فهذا جائز، فالبيع صحيح ما دامت السلعة المشتراة معلومةً مثلاً (صندوق كلينكس وفي داخل بعض عِلَبه هدية)، فالبيع صحيح لأنه دفع ثمن علبة كلينكس فوجد داخلها ساعةً فهي هدية وإن لم يجد فجائز كذلك، لأنه اشترى علبة كلينكس ودفع ثمنها، فالبائع غير ملزم أن يعطيه هديةً عليها فإن وجد فيها فجائز وإن لم يجد فجائز.

3 - أما بيع صندوق مقفل غير معروف ما في داخله، فقد يكون فارغاً، أو به مادة ذات قيمة فوق ما يدفعه، أو به مادة تساوي ما دفعه، أو أقل مما دفعه .. فهذا بيع غرر وهو غير جائز.

4 - ووضع رقم في سلعة معلومة يخَوَّل صاحبه الاشتراك في السحب على جائزة، فهذا يُرجَّح دخوله في باب الميسر، وذلك لأن الميسر (القمار) أن يأخذ الغالب من المغلوب أو يأخذ الخاسر من الفائز، وكل أمر يشترك فيه أطراف بحيث إن الفائز فيه يأخذ من الخاسر فهو داخل في الميسر.

فلو لعب أشخاص بالورق فأخذ الفائز من المغلوبين فهذا قمار وهو حرام. وإذا تسابق اثنان على الخيل أو الدراجات أو السيارات .. وأخذ الفائز في السباق من الخاسر فهو قمار.

وإذا وضع عشرة أشخاص أسماءهم على ورقة أو أرقام، ثم وضعوها في صندوق وسحبوا ورقةً فأخذ صاحبها من الذين لم تخرج أوراقهم فهو قمار، وهو حرام وهكذا ..

والآن نأتي للأرقام الموضوعة في السلعة المشتراة ثم يُسحب عليها. الراجح أن البائع يكون قد أدخل في حسبانه ثمن الجائزة. مثلاً الجائزة التي يُسحب عليها مقدارها ألف دينار، ورقمها (50) فهو يضع رقمها مع كل عشرة آلاف علبة، أي يضع في هذه 1، وتلك 2، .. إلى 10000 يكون فيها رقم 50، وهو يُدخل قيمة الجائزة (ألف دينار) في سعر العشرة آلاف علبة، فبدل بيع سعر العلبة بدينار هو يبيعها بزيادة عشرة قروش وعند السحب بعد بيع عشرة آلاف علبة يكون قد زاد 10000 × عشرة قروش أي ألف دينار قيمة الجائزة التي يدفعها للفائز، فيكون الفائز قد أخذ الجائزة من أموال خاسري الأرقام وإن كان الأمر غير معلن.

وهنا قد يقول قائل إن التاجر يبيع السلعة بيعاً عادياً كما لو لم يضع أرقاماً يسحب عليها بجائزة، لتشجيع الزبائن وإغرائهم لشراء سلعته، وإنه لا يُدخل في الحسبان تحصيل ثمن الجائزة من فرق الأسعار.

إن هذا وإن كان محتملاً أي أن الجائزة توضع دون زيادة في الأسعار إغراءً للزبائن ولكنه احتمال ضعيف وبخاصة عندما تكون الجائزة كبيرةً كالسحب على سيارة أو نحوها ..

وعلى كلٍّ، فهي إن لم تكن على حساب الأرقام الخاسرة فهي واقعة تحت الأمور المشتبهات.

ولذلك فإني أنصح بأن لا يشترك الإخوة الذين يشترون سلعاً تحوي أرقاماً، أن لا يشتركوا في السحب وأن يمزقوا الرقم الموجود في السلعة حتى لا يغرَّهم الشيطان فيهتموا بالسحب.

27 من ربيع الآخر 1428هـ.

الموافق 14/05/2007م.

بسم الله الرحمن الرحيم

عمولة المشتري

**السؤال: شركة تجارية للمنتجات الصحية تتعامل مع زبائنها على النحو التالي:

إذا اشترى منها زيون منتجاً صحياً يكون له الحق أن يأخذ (عمولةً) على اثنين من المشترين يحضرهما للشركة. وكل من الاثنين اللذين يحضرهما، بمجرد شرائهما منتجاً صحياً من الشركة، يكون لكل واحد منهما الحق في أن يحضر اثنين ويأخذ (عمولةً عنهما)، بالإضافة إلى حق المشتري الأول أن يأخذ (عمولةً مخفضةً) عن الأربعة الذين أحضرهما المشتريان اللذان أحضرهما الأول.

وهكذا دواليك، فهل هذا جائز؟**

ألجواب

إن العقود في الإسلام واضحة ميسَّرة لا تعقيد فيها، وجامعها أن تكون المعاملة معلومةً من حيث واقعها وجهة التعاقد، ثم معرفة النصوص المتعلقة بها ودراستها واستنباط الحكم باجتهاد صحيح.

وبدراسة واقع المسألة المفروضة والنصوص المتعلقة بها يتبيَّن:

أ - شراؤك للمنتج الصحي (Health product) من الشركة لا شيء فيه فهو واقع تحت البيع {وأحل الله البيع} فهو صحيح. وكذلك أن تأخذ من الشركة مبلغاً من المال عن اثنين من المشترين الذين تحضرهم للشركة ليشتروا منها. فهذا كذلك واقع تحت السمسرة وهي جائزة لإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم للسمسرة المعروفة وهي عقد بين طرفين: الشركة (هنا) طرف والذي يُحضر لها المشترين طرف آخر. وهو هنا المشتري الأول، مقابل أجرة تدفع للمشتري الأول (السمسار).

كل هذا جائز أي الشراء من الشركة وإحضار زبونين للشركة يشترون منها ويأخذ المشتري الأول (الذي أحضرهما) مبلغاً من المال عمولةً له بدل إحضارهما أي سمسرة.

ولكن هذا كله بشرطين:

الأول: أن يكون سعر الشراء من الشركة دون غبن فاحش أي دون زيادة فاحشة عن سعر السوق، مثلاً لا يكون السعر ألفاً أو ألفين وهي في السوق بخمسمائة مثلاً. والراجح أن الغبن الفاحش موجود، فالمشتري يقدم على شراء السلعة بأي سعر لأنه سيأخذ مبلغاً من المال عن المشتريين الاثنين اللذين سيحضرهما للشركة، وكذلك عن السلسلة اللاحقة. وعلى كلٍّ فالغبن الفاحش حرام إلا إذا علم المشتري سعر السوق ومع ذلك وافق على شرائها بالسعر الغالي من الشركة. وهذه قد تتوفر هنا أي أن المشتري قد يعلم سعر السوق ومع ذلك يوافق على شرائها بالسعر المرتفع من الشركة لأنه سيكسب مالاً بعد ذلك.

الثاني: أن لا يكون الشراء مشروطاً بالسمسرة أي لا يكون العقدان مشروطين ببعضهما، فيكون عقد الشراء وعقد إحضار الزبونين مقابل عمولة، مشروطين ببعضهما كعقد واحد ففي هذه الحالة لا يصح لأنهما صفقتين في صفقة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة. أي كأن أقول لك: إذا بعتني أستأجر منك أو أسمسر لك، أو أشتري منك…الخ. ويبدو أن هذا موجود هنا (حسب السؤال) فالبيع والسمسرة في عقد واحد أي تشتري من الشركة وتحضر لها.

فإذا خلا الشراء من الشركة من هذين أي: إذا كان الشراء دون غبن فاحش أو يكون هذا الغبن بمعرفة المشتري لسعر السوق والرضا به، وإذا كانت السمسرة غير مشروطة مع الشراء أي أن يكون الشراء منفصلاً عن السمسرة، فإذا أحضر المشتري زبائن ووافقت الشركة أن تعطيه أعطته، وإذا لَم يحضر أو لَم توافق الشركة أن تعطيه لا تعطيه، بمعنىً آخر أن يكون هناك فصل تام بين الشراء والسمسرة.

إن كان كذلك فيجوز هذان الأمران: الشراء الأول، وأخذ المبلغ سمسرةً عن الزبونين الذين يحضرهما المشتري الأول.

ب - بعد ذلك حسب السؤال فإن الاثنين اللذين أحضرهما المشتري الأول يحضران أربعةً، أي كل واحد يحضر اثنين، ثم يأخذ المشتري الأول كذلك مبلغاً عن الزبائن الذين يحضرهم الاثنان اللذان أحضرهما المشتري الأول.

هذا لا يصح لأن السمسرة هي بين البائع ومن يحضر له الزبائن وهذا يعني أنَّ أجرة السمسرة هي عن الذين يحضرهما الشخص للشركة وليس عن الذين يحضرهم غيره.

لكن يجوز للشركة أن تعطي هبةً للمشتري الأول عن الزبائن الذين يحضرهم غيره، ولكن ليس على سبيل الإلزام.

والخلاصة:

1 - إن شراء المنتج الصحي من الشركة صحيح إذا كان غير مشروطٍ بصفقة أخرى، وإذا كان دون غبن فاحش أو إذا رضي المشتري بهذا الغبن أي أن يكون المشتري قد عرف سعر السوق، ثم وافق ورضي.

2 - يجوز للمشتري الأول أن يأخذ عمولةً من الشركة عن كل زبون يحضره لها، (عن الاثنين اللذين يحضرهما أولاً). ولكن لا يجب له أن يأخذ عن الزبائن الذين يحضرهم غيره إلا من باب الهبة أي ليست عقداً ملزماً. وهذا ينطبق على كل مشترٍ من الشركة، سواء المشتري الأول أو المشترين الآخرين اللذين يحضرهم.

الثاني من شوال 1428هـ. ألموافق 13/10/2007م.

بسم الله الرحمن الرحيم

بيع النقد بالنقد

ألسؤ ال : ما هو حكم بيع النقد بالنقد؟

ما دام موضوع البيع هو النقد بالنقد فهو يدخل تحت أحكام الصرف والصرف حتى يصح، يكون:

أ) حاضراً بحاضر، فإنه في هذه الحالة: في الجنس الواحد يداً بيد وبالمثل، وفي الجنسين يداً بيد أنى شئتم. والأدلة على ذلك معروفة منها: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ”. أخرجه مسلم من طريق عبادة بن الصامت.

ب) عيناً وذمةً: يجوز استيفاء ثمن البيع بالنقد نفسه “موضوع الثمن” أو بسعر يومه من نقد آخر يداً بيد، ودليله حديث ابن عمر (… فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لَم تفترقا وبينكما شيء» وهذا يدل على جواز الاستبدال عن الثمن الثابت في الذمّة. فهذا صرف بعين وذمة. ولكن القبض يداً بيد ولابد.

جـ) صرفاً في الذمة: أن يكون لرجل في ذمة آخر ذهب، وللآخر في ذمة الرجل الأول فضة، فيصطرفا بما في ذمتهما، بأن يقضيه ما في ذمته من ذهب بما له عنده ديناً من الفضة، فإن هذا جائز لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة على أن يحسم الموضوع في المجلس، وهذه المسألة تسمى في الفقه (الصرف في الذمة).

25 من ذي الحجة 1424هـ ألموافق : 16/02/2004م.

كـراء السّـانية وحكم المزارعة

**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سؤال بخصوص كراء السانية (أرض ومعها تجهيزات ري وغيرها)

أنا أخوكم وسام الأندلسي من تونس…

جاء في كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام في الصفحة 139 ما يلي: “لا يجوز لمالك الأرض أن يؤجر أرضه للزراعة مطلقاً، سواء أكان مالكاً لرقبتها ومنفعتها معاً، أم مالكاً لمنفعتها فقط…”، وجاء في صفحة 140 “وأما تأجير الرسول لأرض خيبر على النصف، فليس من هذا الباب، لأنّ أرض خيبر كانت شجراً، وليست أرضاً ملساء…”. فمسألة كراء الأرض للزراعة حكمها واضح، فمناط الحكم هو “الأرض المخصصة للزراعة”، وقد تغير مناط الحكم فيما يتعلق بأرض خيبر حيث إن الأرض مشجرة والشجر يرجع ملكه لصاحبه والشجر غير الأرض وإن كانت هناك أرض فهي تابعة له…

أما السانية عندنا )فهي أرض فيها تجهيزات ري أو سقاية كالبئر أو الجابية (حوض يجمع فيه الماء) أو قنوات ري توصلها الدولة للمزارعين بمقابل وقنوات لإيصال الماء إلى الزرع (كقنوات الري قطرة قطرة) ويمكن أن يكون فيها منزل وإسطبل وبيوت مكيفة وأجهزة مداواة وغيرها من التجهيزات الزراعية التي يحتاجها الفلاح والتي تلحق بالأرض.

السؤال:**

1- هل يمكن القول أن مناط الحكم (الأرض) يتغير في حال السانية حيث صارت أرضا وفيها تجهيزات تابعة لها وليست أرضا ملساء؟

2- إذا كانت الأرض غير مخصصة للإنتاج الفلاحي كإنتاج نباتات الزينة أو المشاتل أو تربية الحيوانات فهل يتغير كذلك مناط الحكم؟

3- هل يجوز في هذه الحالات كراء الأرض؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ألجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- إن معنى ملساء هو أن الأرض زراعية أي مخصصة للزراعة ولكنها غير مزروعة، وتأجير هذه الأرض للزراعة حرام، ومن الأدلة على ذلك:

روى رافع بن خديج قال: «كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعاً، وَطَوَاعِيَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْفَعُ لَنَا وَأَنْفَعُ. قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلا يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ وَلا بِرُبُعٍ وَلا بِطَعَامٍ مُسَمًّى» أخرجه أبو داود. والمخابرة هي المزارعة.

2- وأما إن لم تكن ملساء، أي كانت مزروعة بشجر يحتاج إلى عناية، فتأجيرها في هذه الحالة يسمى مساقاة، وهو جائز، حتى لو كان بين الشجر مساحات بسيطة تزرع، لأنها في هذه الحالة تكون تابعة للشجر، فالعناية بالشجر هي الأساس، ومن الأدلة على جواز المساقاة:

أخرج البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ…».

فكانت أرض خيبر مشجرة وبين الشجر مساحات تزرع، وهذا واضح من الحديث «ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ…» فالشجر هو الغالب، فعاملها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأجرة معينة، أي أجاز تأجيرها لأنها مزروعة شجراً وهو ما يسمى المساقاة أي العناية بالشجر…

3- وأما إذا كانت الأرض المخصصة للزراعة يوجد فيها ما يسمى عندكم السانية بالتفصيل الذي ذكرته أي (أرض فيها تجهيزات ري أو سقاية كالبئر أو قنوات ري وبعض المباني كمنزل واصطبل … وباقي الأرض غير مزروعة)، فتأجيرها للزراعة لا يجوز، ولا يؤثر في ذلك القنوات الموجودة فيها أو المباني. لأنها تعد ملساء ما دامت غير مزروعة.

ويبدو أن الأمر الذي التبس عليك هو معنى ملساء فظننت أن الأرض الملساء هي التي لا يوجد فيها تجهيزات… مع أن الأرض الملساء هنا تعني غير المزروعة. وهكذا فإن الأرض غير المزروعة تعد ملساء حتى وإن كان فيها بيت ما دام التأجير هو لزراعتها.

4- وأما استئجار الأرض لغير الإنتاج الفلاحي أي لغير الزراعة فجائز، ولا شيء فيه لأن المحرم هو المزارعة، فإذا كانت الإجارة لبناء ورشة عمل صناعي، أو لاتخاذ الأرض مصفاً للسيارات، أو معرضاً للمبيعات، أو لتربية المواشي، فكل ذلك جائز لا حرمة فيه لأنه ليس مزارعة، ويمكن أن يدخل في ذلك إجارة الأرض لإنتاج نباتات الزينة أو المشاتل إذا كانت هذه النباتات غير مزروعة في الأرض المستأجرة، بل تزرع في قوارير وأحواض خاصة، وهذا هو المعروف عن المشاتل ومزارع نباتات الزينة كالورود حيث تتخذ الأرض فقط مكاناً توضع فيه أحواض الزراعة وتزرع النباتات في الأحواض لا في الأرض، ففي هذه الحالة لا يكون استئجار الأرض حراماً لأن ذلك ليس مزارعة فلا تنطبق عليه أدلة حرمة المزارعة، بل يندرج تحت أدلة جواز الإجارة.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ذو الحجة 1435هـ ألموافق2014-09-28م

منقوووووووووووووول

استخراج الذهب والفضة

**السؤال:

1- في ضوء ما جاء في كتيب “الأزمات الاقتصادية” يرجى التعليق على سياسة إصدار العملة من قبل الدولة. فإذا تم كشف كميات ضخمة من الفضة أو الذهب من المناجم الخاضعة لسيطرة الدولة، فهل تكون الدولة المسؤولة عن استخراج الذهب والفضة وإصدارها كعملة؟ وهل تستطيع الدولة اختيار عدم استخراج الذهب والفضة لأنها لا ترغب في زعزعة استقرار سعر الصرف؟

2-كيف ستتمكن الخلافة عمليا من التحكم بمعيار الذهب والفضة؟ فمثلا في بلد الذهب والفضة فيه قليلة، كيف للخلافة إدارة هذه المسألة؟ فهل سيتم إصدار عملة جديدة مدعومة بالذهب والفضة إلى جانب العملة الورقية الحالية؟ أم أنه سيتم دعم العملة الورقية بأصول أخرى لغاية اكتشاف ذهب وفضة كافية لتغطية العملة بالذهب والفضة بشكل كامل؟**

الجواب

1- استخراج الذهب والفضة يجب أن تتولاه الدولة، ليس فقط لأن النقد الشرعي قائم عليه، بل لأنه من المعادن تحت الأرض التي هي ملكية عامة.

والدولة تستخرج الذهب وفق حاجتها النقدية والاستهلاكية، والأحكام الشرعية هي توجد التوازن بفعل العوامل التالية:

النقد هو الذهب والفضة… التسعير ممنوع… إذا غلا السعر في ولاية ما من ولايات الدولة، فعلى الدولة أن تعيده في وضعه العادي بجلب السلعة من الولايات الأخرى وتكثيرها بالأسواق من باب رعاية الشئون… الاحتكار ممنوع… حاجة الدولة للتصنيع على وجه الضرورة… إلخ.

كل هذه العوامل تنظم عملية استخراج الذهب والفضة تلقائياً، فلا يكون هناك تضخم في الأسعار، لأن النظام النقدي “الذهب والفضة” يجعل هامش الزيادة في الأسعار يكاد يكون معدوماً لقلته، وقد جاء في كتيب الأزمات: “ولقد حقق هذا النظام الاستقرار وتثبيت قيمة الوحدة النقدية على الصعيد الداخلي والخارجي على السواء والدليل على ذلك أن الأرقام القياسية للأسعار بالذهب عام 1910 كانت تقريباً في المستوى نفسه التي كانت عليه في 1890.” انتهى

2- أما افتراض أن الدولة ستقوم في بلد يكون الذهب والفضة فيه قليل، فهو فرض غير واقعي، فبلاد المسلمين التي هي مظنة قيام الدولة فيها تحتوي على كثير من مناجم الذهب والفضة، وتحتوي على سلع تحتاجها الدول الأخرى، كالنفط والغاز، ولا تبيعها الدولة للعالم إلا بالذهب والفضة أو بسلع مقايضة، ولدينا أرصدة ورقية في بنوك تلك الدول، فنستردها بسلع… ثم إن بلادنا فيها اكتفاء ذاتي بالنسبة للسلع الأساسية، فلا تؤثر فينا مقاطعاتهم إن فعلوا بل أثرها فيهم أشد وأقوى… وكذلك فإن في بنوكنا عملات صعبة “يورو، دولار، استرليني”، وهذه نستعملها بالمقايضة بسلع أو نحوها.

ولعلك تعلم أن الحزب قد طلب من المناطق دراسة إحصائية بمخزون البلاد من الذهب والفضة والمعادن الأخرى، وكذلك الذهب والفضة الموجود في البنوك المركزية والعملات الصعبة… وتبين لنا أن في بعض بلاد المسلمين ثروة حباها الله بها بكميات وافرة…

فلا تقلق واطمئن، وادع الله سبحانه أن يعجل بالنصر، وهو جلّ وعلا قوي عزيز.

2 ربيع أول 1434هـ / 2013-01-14

** حول الأوراق النقدية **

حافظ غرس الله كتب:
**السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخي الكريم جزاك الله عما تفضلت به من شرح،

اسمح لي يا أخي أن أطرح عليك هذه الأسئلة:

تخيل نفسك أجيرا أو موظفا وحرمت من أجرتك أو من مرتّبك لسنوات خلت، فهل ترى من العدل أن يحكم لك بأجرك الذي حرمت منه بنفس القيمة التي كانت قبل 10 سنوات مثلا؟ فمثلا إذا أخذت منك 84 غراما من الذهب يفترض مني أن أرجع إليك 84 غراما من الذهب ولو بعد عشر سنوات وهذا شرع الله. يا سيدي 84 غراما من الذهب = 7230 دينارا الآن، أما قبل 10 سنوات فإن 84 غراما من الذهب = 1200 دينار، فإذا اقترضت منك 1200 دينار وأرجعتها لك بعد 10 سنوات 1200 دينار أكون قد أرجعت لك سدس القيمة أي 14 غراما من الذهب وهذا فيه بخس لمالك، وقد نهانا الله جل وعلا وقال في قرآنه الكريم ((ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)) وهو حسب فهمي المقصد من تحريم الربا. ألا ترى يا أخي بأن يرجع الشيء (الدينار الذي لا يستمد قيمته من ذاته، إنما هي قيمة متفق عليها) إلى أصله (الذهب)؟**

الجواب

الأخ الكريم حافظ غرس الله Hafedh Gharsallah

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

بالنسبة للنقود الورقية الحالية، فتنطبق عليها أحكام النقد بجامع العلة “النقدية” أي استعمال هذه الأوراق أثماناً وأجوراً، وكل ما يُتعامل به أثماناً وأجوراً يُعد نقداً وتنطبق عليه أحكام النقد ما دام متداولاً بين الناس وغير كاسد، أي غير ملغى قانوناً.

أما دليل اعتبار هذا الورق نقداً تطبق عليه أحكام النقد، فهو:

حيث إن هذه الأوراق الإلزامية، قد اصطلح على جعلها نقداً وأثماناً للأشياء، وأجرة للمنافع والخدمات، وبها يشترى الذهب والفضة، كما يشترى بها سائر العروض والأعيان، فإنها تكون قد تحققت فيها علة النقدية، أي “استعمالها أثماناً وأجورا” المتحققتان في الذهب والفضة، المضروبتين دنانير ودراهم. ولذلك تطبق أحكام النقد في الذهب والفضة على النقد الورقي الإلزامي، فتؤخذ منه الزكاة ويمنع فيه ربا الفضل والنسيئة، ولذلك فلا يجوز أن يُسدَّد الدين بأكثر منه وإلا كان ربا النسيئة، وكذلك لا يجوز الصرف من الجنس الواحد إلا مثلاً بمثل وهاء بهاء… وفق الأحكام الشرعية المتعلقة بالنقد، ذهباً وفضة.

وعليه فإن دَيْنك على الآخرين يُسدَّد لك كما هو دون زيادة حتى وإن انخفضت العملة أو زادت… ما دامت العملة سارية المفعول قانوناً.

إني أقدر ما ذكرته من مشاكل نتيجة انخفاض النقد، فكما ذكرت فإن كان لك على فلان “1000” دينار مثلاً قبل عشر سنوات ويريد أن يسددها لك اليوم، فواضح من ذلك الوقع الثقيل عليك نتيجة انخفاض هذا الورق خلال العشر سنوات. ولكن الحق أحق أن يتبع، وما دام هذا الورق ينطبق عليه واقع النقد فتطبق عليه أحكامه من حيث الربا، فإذن لا يجوز أن يُسدَّد الدين بأكثر منه ما دام هذا الورق النقدي صالحاً قانوناً للتداول.

أسأل الله سبحانه أن يبارك لك في مالك وأهلك وولدك.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتةرابط الجواب من صفحة الأمير على الفيسبوك

06 من رجب 1434 / 2013-05-16

** التعجيل بأداء الدين المؤجل مقابل خصم جزء منه**

**السؤال: إذا اشترى رجل سلعة بعشرة آلاف يدفع شيئا منها حالاً والباقي منجماً على سنة مثلاً، فهل إذا جاءه البائع بعد الشهر الثالث مثلاً وقال له إذا أعطيتني ما تبقى وهو خمسة آلاف مثلاً، خصمت لك ألفاً، فآخذ منك أربعة فقط، فهل يعتبر هذا بيعاً للدين بأقل من قيمته لأجل التعجيل في الدفع أم هو مسامحة مشروطة وليست بيعاً للدين.

وإذا كان هذا جائزاً، فكيف يختلف عن جعل ثمنين للسلعة في عقد واحد؟**

الجواب

إن التعجيل بأداء الدين المؤجل مقابل خصم جزء منه ليس بيعاً للدين بالدين، وإنما هو في الفقه تحت باب “ضعْ وتعجَّل”، أي ضع من الدين المؤجل شيئاً مقابل سداده معجلاً.

أما الدَّيْن بالدَّيْن، فكأن يكون لك على رجل ألف دينار فتشتري منه بها مئة كيلو من العدس يعطيها لك بعد شهر، فهنا بعت الدين “1000” دينار بالعدس المؤجل أي بالدين، وهذا حرام لأنه بيع الدين بالدين، علاوة على أنه سَلَمٌ برأس مال دين، وهو حرام، لأن رأس مال السلم يجب أن يكون مقبوضاً منذ البداية.

وصورة أخرى للدين بالدين كأن يكون لك دين على عمرو “1000” دينار، ولي على زيد دين “مئة ثوب”، فأقول لك أبيعك الأثواب المئة على زيد بالألف التي لك على عمرو… فهذا بيع دين بدين…

وهناك صور أخرى، ولكنها كلها بيع دين بدين. ويسمى هذا كذلك بيع الكالئ بالكالئ، وبيع النسيئة بالنسيئة…

وهذا البيع لغير المدين حرام قولاً واحداً لحديث الحاكم في مستدركه على الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ». وأضيف في رواية أخرى «هُوَ النَّسِيئَةُ بِالنَّسِيئَةِ».

وأما بيع الدين بالدين للمدين فمختلف فيه فمنهم من يجيزه ومنهم من يحرمه…

وأما سؤالك فهو عند الفقهاء كما قلنا تحت باب “ضعْ وتعجَّل”، أي ضع من الدين المؤجل شيئاً مقابل دفع الدين أو بعضه معجلاً… وهذه المسألة مختلف فيها:

  • فمنهم من لا يجيزها ويستند إلى أدلة منها:

1- ما أخرجه البيهقي في سننه الكبرى عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: أَسْلَفْتُ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ خَرَجَ سَهْمِي فِي بَعَثٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: عَجِّلْ لِي تِسْعِينَ دِينَارًا وَأَحُطُّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَكَلْتَ رِبًا يَا مِقْدَادُ، وَأَطْعَمْتَهُ».

(وللعلم فقد قال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان: “في سند حديث البيهقي ضعف”).

2- قالوا إنّه معلوم أنّ ربا الجاهليّة إنّما كان قرضاً مؤجّلاً بزيادة مشروطة، فكانت الزّيادة بدلاً من زيادة الأجل، فأبطله اللّه تعالى، وحرّمه، وقال) وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم(، وأضافوا أن خصم جزء من الدين بدلاً من تقريب الأجل هو كذلك حرام بسبب العوض المترتب على الأجل، زيادةً أو نقصانا.

وقال بتحريم هذا الأمر “ضع وتعجَّل” جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وكرهه زيد بن ثابت وابن عمر وعدد من التابعين.

  • ومنهم من يجيزها ويستند إلى أدلة منها:

1- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْرِجَ بَنِي النَّضِيرِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ بِإِخْرَاجِنَا وَلَنَا عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ، قَالَ: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» رواه الحاكم في مستدركه على الصحيحين وقال هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

( وللعلم فقد قال الذهبي في تلخيصه الزنجي ضعيف وعبد العزيز ليس بثقة. وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة “وإسناده حسن ليس فيه إلا مسلم بن خالد الزنجي وحديثه لا ينحط عن رتبة الحسن”.)

2- قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “إنما الربا أَخِّرْ لي وأنا أزيدك” وليس “عَجِّلْ لي وأنا أضع عنك”.

وقد رُوي جواز ذلك عن ابن عباس والنخعي والحسن وابن سيرين وهو رواية عن الإمام أحمد ووجه عند الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وأجازها ابن عابدين من فقهاء الحنفية كما في حاشيته على “الدر المختار”

ونحن لا نحب أن نتبنى في المسألة رأياً، فليقلد صاحب المسألة من يطمئن برأيه من الفقهاء…

وكما ترى فإن هذه المسألة تختلف عن مسألة البيع نقداً أو بالتقسيط، فلو قال البائع سعر هذه السلعة بألف نقداً أو بألف وثلاث مئة على أقساط، وتُركت هكذا عائمة فلا يجوز، لأن الثمن مجهول. أما لو تحدد السعر فقال المشتري: أشتريها بكذا نقداً، أو قال أشتريها بكذا تقسيطاً، فهو جائز حيث حدد الثمن، وأصبح للسلعة ثمن واحد.

14 من صـفر 1434 ألموافق 2012-12-27