النظام الإجتماعي في الإسلام

**ثم إنه في السنة الخامسة للهجرة في غزوة بني المصطلق تزوج من جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ، وحديث زواجه منها كان لتقريب أبيها ولرفع مكانتها ، فإن جويرية هذه كانت من سبايا بني المصطلق ، وقد وقعت في سهم أحد الأنصار ، وكانت بنت سيد بني المصطلق . فأرادت أن تفتدي نفسها من سيدها التي أصبحت أمة له ، فأغلى الفداء عليها علماً منه بأنها ابنة زعيم بني المصطلق . فجاء أبوها إلى النبي بفداء إبنته ، ففداها ، ثم أسلم بعد أن آمن برسالة النبي . ثم أخذ ابنته جويرية إلى النبي فأسلمت كما أسلم أبوها ، فخطبها النبي إلى أبيها فزوجه إياها فكان زواجه لها زواجاً لبنت سيد قبيلة قد أخضعها فأراد جلب ود زعيمها بزواجه بنته .

ثم إنه في السنة السابعة للهجرة بعد الانتصار على خيبر تزوج صفية بنت حيي بن أخطب أحد زعماء اليهود . وحديث زواجها أنها أخذت مع السبايا اللاتي أخذهن المسلمون من حصون خيبر ، فقال بعض المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم: صفية سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك . فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها ، وفي هذا حفظ لها ، وتخليص لها من رق الأسر ، ورفع لمكانتها . وقد وري أن أبا أيوب خالد الأنصاري خشي أن تتحرك في نفسها الضغينة على الرسول الذي قتل أباها وزوجها وقومها ، لذلك بات حول الخيمة التي أعرس فيها الرسول بصفية في طريق عودته من خيبر ، متوشحاً سيفه ، فلما أصبح الرسول رآه وسأله . مالك ؟ قال : خفت عليك من هذه المرأة ، وقد قتلت أباها وزوجها وقومها وقد كانت حديثة عهد بكفر فطمأنه الرسول وظلت صفية عند الرسول على الوفاء له حتى قبضه الله إليه.

ثم إنه في السنة الثامنة للهجرة تزوج من ميمونة أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب ، وكان زواجه بها في آخر عمرة القضاء . وحديث زواجه إياها هو أن ميمونة كانت في السادسة والعشرين من عمرها وكانت موكلة أختها أم الفضل في تزويجها . فلما رأت ميمونة ما رأت من أمر المسلمين في عمرة القضاء هفت إلى الإسلام نفسها ، فخاطب العباس ابن أخيه سيدنا محمداً في أمرها ، وعرض عليه أن يتزوجها ، وقبل الرسول زواجها ، وكانت الأيام الثلاثة التي نص عليها عهد الحديبية قد انقضت ، لكن الرسول أراد أن يتخذ من زواجه ميمونة وسيلة لزيادة في التفاهم بينه وبين قريش ، فلما جاءه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى من قبل قريش ، يقولان لمحمد إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا ، قال لهما ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم ، وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه ، فكان جوابهما لا حاجة بنا إلى طعامك فأخرج عنا ، فلم يتردد الرسول فخرج والمسلمون من وارئه .

وأما زواجه بزينب بنت خزيمة ، وأم سلمة ، فقد كان زواجاً لزوجتي رجلين من أصحابه استشهدوا في معارك القتال . فقد كانت زينب زوجة لعبيدة بن الحارث بن المطلب ، الذي استشهد يوم بدر ، ولم تكن ذات جمال . وإنما عرفت بطيبتها وإحسانها حتى لقبت بأم المساكين ، وكانت قد تخطت الشباب ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية للهجرة ، بعد معركة بدر ، وبعد استشهاد زوجها . ولم تمكث عنده سوى سنتين ثم قبضها الله إليه ، فكانت بعد خديجة الوحيدة التي توفيه قبله . أما أم سلمة فكانت زوجاً لأبي سلمة ، وكان لها منه أبناء عدة ، وقد جرح أبو سلمة في أحد ، ثم برئ جرحه فعقد له النبي لحرب بني أسد ، فشتتهم وعاد إلى المدينة بما غنم ثم نغر عليه جرح أحد ، وما زال به حتى قضى عليه ، وقد حضره النبي وهو على فراش موته ، وظل إلى جانبه يدعو له بخير حتى مات فأسبل عينه . وبعد أربعة أشهر من وفاته خطب الرسول أم سلمة إلى نفسها ، فاعتذرت بكثرة العيال ، وبأنها تخطت الشباب فما زال بها حتى تزوج منها ، وحتى أخذ نفسه بالعناية بتنشئة أبنائها . فهاتان الزوجتان إنما تزوجهما الرسول ، إعالة لأهل صاحبيه بعد وفاتهما .

وأما زواجه صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان فقد كان زواجاً لمؤمنة هاجرت إلى الحبشة فراراً بدينها ثم صبرت في سبيل إسلامها بعد أن ارتد زوجها . ذلك أن أم حبيبة هذه هي رملة بنت أبي سفيان زعيم مكة وقائد المشركين . وقد كانت زوجة لابن عمة رسول الله عبيد الله بن جحش الأسدي . وقد أسلم عبيد الله وأسلمت معه رملة ، وأبوها على الكفر ، وقد خشيت أذى أبيها فهاجرت مع زوجها إلى الحبشة وهي مثقلة بحملها . وهناك في المهجر وضعت رملة بنتها حبيبة بنت عبيد الله التي كنيت بها فصارت تدعى أم حبيبة غير أن عبيد الله بن جحش زوجها ما لبث أن ارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية دين الأحباش وحاول أن يرد زوجته رملة عن الإسلام فصبرت على دينها . ثم أرسل النبي إلى النجاشي يوكله بزواج أم حبيبة من رسول الله فأخبر النجاشي أم حبيبة بذلك فوكلت خالداً بن سعيد بن العاص عنها بالزواج وجرى عقد زواجها من الرسول ، وتولى خالد العقد بوكالته عنها ، وتولى النجاشي العقد عن رسول الله . ثم إنه لما رجع مهاجرو الحبشة إلى المدينة بعد غزوة خيبر رجعت أم حبيبة معهم ، ودخلت بيت رسول الله ، واحتفلت المدينة بعرس الرسول من أم حبيبة وأقامت في بيته .

أما زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش فكان تشريعاً لعدة أمور ، كان تشريعاً لهدم ما يسمى بالكفاءة بين الرجل والمرأة في تزويجه ابنة عمته وهي من ذؤابة قريش لمولى كان عبداً وأعتق ، وكان تشريعاً لهدم ما تركز عندهم من أن تبنى ولداً كان كابنه لا يتزوج امرأته ، فتزوج امرأة مولاه الذي أعتقه بعد طلاقها منه لهدم هذه العادات . وحديث زواج الرسول بزينب بنت جحش هو أن زينب بنت جحش هذه هي ابنة أميمة بنت عبد المطلب ، عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها ربيت بعينه وعنايته ، وأنها كانت لذلك منه بمقام البنت أو الأخت الصغرى . وأنه كان يعرفها ويعرف أهي ذات مفاتن أم ليست كذلك ، قبل أن تتزوج زيداً ن وأنه شهدها في نموها تحبو من الطفولة إلى الصبا ، إلى الشباب ، فلم تكن مجهولة للرسول ، بل كانت بمقام بنته . وقد خطبها عليه الصلاة والسلام لتتزوج من مولاه زيد فأبى أخوها عبد الله بن جحش أن تكون أخته وهي قرشية هاشمية ، وهي فوق ذلك ابنة عمة رسول الله ، تحت عبد رق اشترته خديجة ، ثم أعتقه محمد ، ورأى في ذلك على زينب عاراً كبيراً . وكان ذلك عاراً حقاً عند العرب كبيراً ، فلم تكن بنات الأشراف الشريفات ليتزوجن من موال ، وإن أعتقوا .**

** زواج النبي صلى الله عليه وسلم

نزل قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } في أواخر السنة الثامنة للهجرة ، بعد أن كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بنى بأزواجه جميعاً ، وكان الرسول عليه السلام حين نزلت متزوجاً بأكثر من أربع ، ولكنه لم يترك واحدة منهن ، بل ظل متزوجاً جميع أزواجه . وذلك لأن من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التزوج بأكثر من أربع دون المسلمين . ويتبين أنها من خصوصياته من كونه تزوج أكثر من أربع واحتفظ بهن بعد نزول الآية بتحديد الزوجات بأربع . لأن النبي لا يخالف فعله الذي يقوم به القول الذي يقوله ، فإذا حصلت مخالفة كان الفعل من خصوصياته والقول عام للأمة . لما تقرر في الأصول أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بالأمة ، بل يكون مختصاً به ، لأن أمره صلى الله عليه وسلم للأمة أمراً خاصاً بهم هو أخص من أدلة التأسي القاضية باتباعه في أقواله وأفعاله ، فيبنى العام على الخاص ، ولذلك لا يجوز التأسي به في هذا الفعل الذي ورد أمر الأمة بخلافة . على أن زواجه صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربعة وبالهبة وغير ذلك قد دلت عليه آيات القرآن الكريم ، فقال تعالى : { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ، وما ملكت يمينك مما أفاء الله ، وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك ، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ، إن أراد النبي أن يستنكحها ، خالصة لك من دون المؤمنين . قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج } فهذه الآية تقول { خالصة لك من دون المؤمنين} وخالصة مصدر مؤكد لكل ما سبقها أي خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة ، والدليل على أنه وردت شاملة كل ما قبلها ، مخصوصة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كونها وردت بعد الإحلالات الأربع ، وهي حل الأزواج ، وملك اليمين من الفيء مباشرة ، وبنات أقاربه الذين ذكروا ممن هاجرن معه ، والهبة مباشرة من المرأة ، وكونها وردت على سبيل التوكيد . ويؤيد هذا بكونه جاء بعد تمام هذا المعنى وبعد قوله { من دون المؤمنين } جاء قوله { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم } فمعناه أن هذا غير ما فرضنا عليهم ، ولذلك قال بعد ذلك كله { لكيلا يكون عليك حرج } أي حتى لا يكون ضيق عليك .

وعلى هذا فلا يتخذ زواج النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في العمل ، ولا محلاً للبحث التشريعي لأنه من خصوصياته صلى الله عليه وسلم . على واقع زواجه صلى الله عليه وسلم يدل على أنه كان زواج نبي ، ولم يكن زواج رجل يتزوج للاجتماع الجنسي ، وإشباع غريزة النوع من ناحية صلة الذكورة والأنوثة . فإنه بالرجوع إلى الواقع التاريخي نجد أنه صلى الله عليه وسلم تزوج خديجة وهو في الثالثة والعشرين من عمره ، وظلت خديجة وحدها زوجاً ثمانيا وعشرين سنة ، فقد ماتت في السنة الحادية عشرة بعد البعثة ، أي قبل الهجرة بسنتين ، بعد نقض الصحيفة ببضعة شهور وقبيل خروجه إلى الطائف وذلك سنة 620 ميلادية ، وكان عمره خمسين سنة . ولم يفكر منذ تزوجه بخديجة حتى وفاتها بالزواج بأكثر من واحدة ، في حين كان تعدد الزوجات أمراً شائعاً بين العرب في ذلك الوقت . وقد أمضى مع خديجة سبعة عشر عاماً قبل أن يبعث بالرسالة في حياة هادئة ناعمة ، ومكث معها ما يقرب من أحد عشر عاماً بعد البعثة في حياة دعوة ، وحياة كفاح لأفكار الكفر ، ومع ذلك لم يفكر بالزواج ، ولم يعرف عنه صلى الله عليه وسلم في حياة خديجة ، ولم يعرف عنه قبل زواجه منها ، أنه كان ممن تغريهم مفاتن النساء ، في وقت كان فيه تبرج الجاهلية مغرياً للناس . فمن غير الطبيعي أن نراه وقد تخطى الخمسين ينقلب فجأة هذا الانقلاب الذي لا يجعله يكتفي بواحدة بل يتزوج ، ويتزوج حتى يأخذ إحدى عشر امرأة فيجمع في خمس سنوات من العقد السادس من عمره أكثر من سبع زوجات ويجمع في سبع سنوات من بقية العقد السادس وأوائل العقد السابع من عمره تسع زوجات . وهل يمكن أن يكون ذلك في هذه السن ناجماً عن الرغبة في النساء ، وعن دوافع الإشباع لغريزة النوع في مظهر الاجتماع الجنسي ؟ أم يكون عن دوافع أخرى كان يقتضيها واقع الحياة التي كان يخوضها عليه السلام ، وهي حياة الرسالة التي أمر أن يبلغها للناس ؟ ولأجل أن تفهم ذلك نستعرض حوادث زواجه عليه السلام .

في السنة الحادية عشرة للبعثة أي في السنة التي توفيت فيها خديجة رضي الله عنها فكر عليه السلام في أن يتزوج ، وكانت سنه في الخمسين . فخطب عائشة بنت أبي بكر ، صديقه وأول من آمن به من الرجال ، ولما كانت لا تزال طفلة في السادسة من عمرها عقد عليها ولم يبن بها إلا بعد ثلاث سنوات وذلك بعد الهجرة حين بلغت سنها التاسعة ، ولكنه في الوقت الذي عقد فيه على عائشة تزوج من سودة بنت زمعة . وكانت سودة هذه أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس أحد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة ، وعادوا إلى مكة ، وماتوا بها . وكانت سودة قد أسلمت مع زوجها وهاجرت معه ، وعانت من المشاق ما عانى ، ولقيت من الأذى ما لقي . وبعد وفاة زوجها تزوجها عليه السلام . ولم يرو أن سودة هذه كانت من الجمال ، أو من الثروة ، أو من المكانة ، مما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثراً في زواجه منها . فإذا تزوجها رسول الله بعد وفاة زوجها ، فإنما يفهم من ذلك أنه تزوجها ليعولها ، وليرتفع بمكانتها إلى أمومة المؤمنين . ثم إنه حين هاجر جعل مسكن سودة في جوار المسجد ، وهو أول مسكن بناه لزوجة من زوجاته .

ثم في السنة الأولى للهجرة بعد أن أتم أمر المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين بنى الرسول عليه الصلاة والسلام بعائشة وأسكنها بمسكنها إلى جانب مسكن سودة في جوار المسجد . وجعل لوزيره وصديقه أبي بكر أن يأتيه إلى بيته عند ابنته .

ثم إنه في السنة الثانية للهجرة بعد غزوة بدر وقبل غزوة أحد تزوج من حفصة بنت عمر بن الخطاب ، وكانت حفصة من قبله زوج حنيش أحد السابقين إلى الإسلام ، وقد مات عنها قبل زواج الرسول بها بسبعة أشهر ، وبزواج حفصة جعل لوزيره الثاني صاحبه عمر بن الخطاب أن يأتيه إلى بيته عند ابنته فكان زواج عائشة وحفصة زواجاً بابنتي وزيريه ومعاونيه ، بناتي صاحبيه الملازمين له في الدعوة والحكم والقتال وغير ذلك . فهو ليس من أجل مجرد الزواج . وإذا كانت عائشة جميلة محببة للرسول عليه الصلاة والسلام ، فإن هذا المعنى غير موجود في حفصة . مما يدل على أن زواجه بهما لغاية غير غاية الإشباع الجنسي .**

**وعلى هذا يكون العدل الواجب على الزوج هو التسوية بين زوجاته فيما يقدر عليه ، من المبيت ليلاً ، ومن الطعام والكسوة ، والسكنى ، وما شاكل ذلك . وأما ما هو داخل في معنى الميل وهو الحب ، والاشتهاء فإنه لا يجب العدل فيه لأنه غير مستطاع ، وهو مستثنى بنص القرآن .

هذا هو موضوع تعدد الزوجات كما وردت به النصوص الشرعية ، وبدراسة هذه النصوص ، والوقوف عند حد معانيها اللغوية والشرعية ، وما تدل عليه ويستنبط منها ، يتبين أن الله تعالى أباح تعدد النساء إباحة عامة ، دون قيد أو شرط ، وورد النص فيها غير معلل بأية علة ، بل عبر الله تعالى بما يدل على نفي التعليل فقال : { ما طاب لكم من النساء } ولهذا يجب أن نقف عند حد النص الشرعي ، وعندما يستنبط من أحكام شرعية ، ولا يجوز تعليل هذا الحكم بآية علية ، لا تعليله بالعدل ، ولا بالحاجة ، ولا بغير ذلك ، لأن النص لم يعلل الحكم ، ولم ترد له علة في أي نص شرعي . وعلة الحكم يجب أن تكون شرعية ، أي يجب أن يكون قد ورد بها النص حتى يصح أن يكون الحكم المستنبط بواسطتها حكماً شرعياً ، وإذا كانت الععلة عقلية ، أو لم يرد بها نص شرعي ، لا يكون الحكم المستنبط بواستطها حكماً شرعياً ، وإنما يكون حكما وضعياً ، يحرم الأخذ به ، ولا يجوز تطبيقه . لأنه يكون حكم كفر . إذ كل حكم غير شرعي هو حكم كفر . على أن تعريف الحكم الشرعي بأنه " خطاب الشارع " يحتم أن يكن الحكم مأخوذاً من خطاب الشارع ، إما نصاً ، أو مفهوماً ، أو دلالة ، وإما بوجود أمارة في هذا النص يدل على الحكم الشرعي ، بحيث يصبح كل حكم وجدت فيه هذه الأمارة حكماً شرعياً . وهذه الأمارة هي العلة الشرعية التي تكون واردة في النص ، إما صراحة ، أو دلالة ، أو استنباطاً ، أو قياساً . وإذا لم ترد هذه الأمارة ، أي هذه العلة في النص فلا قيمة لها . ومن هنا يتبين أنه لا يجوز تعليل تعدد الزوجات بأية علة ، لأنه لم يرد في خطاب الشارع أية علة له ، ولا قيمة لأية علة في جعل الحكم حكماً شرعياً إلا إذا وردت في خطاب الشارع .

إلا أن عدم تعليل الحكم الشرعي بعلة لا يعني عدم جواز شرح واقع ما يحصل من أثر لهذا الحكم الشرعي ، وواقع ما يعالج من مشاكل . ولكن هذا يكون شرحاً لواقع ، وليس تعليلاً لحكم . والفرق بين شرح الواقع وتعليل الحكم ، هو أن تعليل الحكم بعلة يجب أن تكون دائمية فيه ، وأن يقاس عليه غيره من كل ما وجدت فيه . أما شرح الواقع فإنه بيان لما عليه هذا الواقع عند شرحه ، وقد لا يستمر ما هو عليه فيه ، ولا يصح أن يقاس عليه غيره . وبناء على ذلك فإنه تبين من أثر تعدد الزوجات أن الجماعة التي يباح فيها تعدد الزوجات لا يحصل فيها تعدد الخليلات ، والجماعة التي يمنع فيها تعدد الزوجات يحصل فيها تعدد الخليلات . وعلاوة على ذلك فإن تعدد الزوجات يعالج الكثير من المشاكل التي تحصل في الجماعة الإنسانية بوصفها جماعة إنسانية ، وتحتاج إلى أن يعالجها تعدد الزوجات . وهاكم أمثلة من هذه المشاكل :

1 - توجد طبائع غير عادية في بعض الرجال ، لا تستطيع أن تكتفي بواحدة ، فهم إما أن يرهقوا هذه الزوجة ويضروها ، وإما أن يتطلعوا إلى أخرى وأخرى ، إذا وجدوا الباب موصداً أمامهم بالزواج بثانية وثالثة ورابعة . وفي ذلك من الضرر ما فيه من شيوع الفاحشة بين الناس ، وإثارة الظنون والشكوك في أعضاء الأسرة . ولذلك كان لزاماً أن يجد مثل صاحب هذه الطبيعة المجال أمامه مفتوحاً لأن يسد جوعة جسمه القوية ، من الحلال الذي شرعه الله .

2 - قد تكون المرأة عاقراً لا تلد ، ولكن لها من الحب في قلب زوجها ، وله من الحب في قلبها ، وما يجعلهما حريصين على بقاء الحياة الزوجية بينهما هنيئة ، وتكون عند الزوج رغبة في النسل ، وحب الأولاد ، فإذا لم يبيح له أن يتزوج أخرى ، ووجد المجال أمامه ضيقاً ، كان عليه إما أن يطلق زوجته الأولى ، وفي ذلك هدم للبيت وهنائه ، وقضاء على حياة زوجية هنيئة ، وإما أن يحرم من أن يتمتع بنسل وأولاد ، وفي هذا كبت لمظهر الأبوة من غريزة النوع . ولهذا كان لزاماً أن يجد مثل هذا الزواج المجال فسيحاً أمامه أن يتزوج زوجة أخرى معها ، حتى يكون له النسل الذي يطلبه .

3 - قد تكون الزوجة مريضة مرضاً يتعذر معه الاجتماع الجنسي ، أو القيام بخدمة البيت والزوج والأولاد . وتكون عزيزة على زوجها محبوبة منه ، ولا يريد طلاقها ولا تستقيم حياته معها وحدها دون زوجة أخرى . فمن اللازم في هذه الحال أن يفتح له باب الزواج بأكثر من واحدة .

4 - قد تحصل حروب أو ثورات تحصد الآلاف بل الملايين من الرجال ويختل التوازن بين عدد الرجال والنساء ، كما حصل في الحرب العالمية الأولى والثانية بالفعل في العالم ، ولا سيما في أوروبا . فإذا كان الرجل لا يستطيع أن يتزوج بأكثر من واحدة ، فماذا تصنع الكثرة الباقية من النساء ، إنها تعيش محرومة من حياة الأسرة ، وهناءة البيت وراحة الزوجية . وهذا فضلاً عما يمكن أن تحدثه غريزة النوع إذا ثارت ، من خطر على الأخلاق.

5 - قد يكون التناسل في أمة أو شعب أو قطر لا يتساوى فيه الذكور والإناث ، وقد يكون عدد الإناث أكثر من عدد الذكور ، فينعدم التوازن بين الرجال والنساء ، ويكاد يكون هذا هو الواقع في كثير من الشعوب والأمم . وفي هذه الحال لا يوجد هنالك حل يعالج هذه المشكلة إلا إباحة تعدد الزوجات .**

تعدد الزوجات
قال الله تعالى في كتابه العزيز : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ، ذلك أدنى ألا تعولوا } . نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثامنة للهجرة . وكان نزولها لتحديد عدد الزوجات بأربع ، وقد كان إلى حين نزولها لا حد له . ومن تلاوتها وتفهمها يتبين أنها نزلت لتحديد عدد الزوجات بأربع . ومعنى الآية تزوجوا ما حل لكم ولذ من النساء ، اثنتين وثلاثاً وأربعاً . ومثنى وثلاث ورباع معدولة عن أعداد مكررة ، أي فانكحوا الطيبات لكم من معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين ، وثلاثاً ثلاثاً ، وأربعاً وأربعاً ، والخطاب للجميع ، ولذلك وجب التكرير ليصب كل ناكح يريد أن يتزوج عدة نساء ما أراده من العدد ، على شرط أن يكون الجمع من الذي يريده ، محصوراً في هذا العدد . أي ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له ، كما نقول للجماعة اقتسموا هذا المال ، وليكن ألف دينار مثلاً . نقول اقتسموا دينارين دينارين ، وثلاثة دنانير ، ثلاثة دنانير ، وأربعة دنانير وأربعة دنانير ، ولو أفردت قولك هذا لم يكن له معنى ، فكان التعبير بمثنى وثلاث ورباع حتمياً حتى يصيب كل واحد ما يريد من العدد المعين في التعبير . فالله تعالى يقول يتزوج كل منكم الطيبات لكم من النساء ، ثنتين وثلاثاً وأربعاً . وهذا يعني تزوجوا كلكم ثنتين ثنتين ، وثلاثاً ثلاثاً ، وأربعاً أربعاً . أي يتزوج كل واحد منكم ثنتين ، وثلاثاً ، وأربعاً ، وأما معنى قوله { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } هو إن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد فاختاروا واحدة ، وذروا الجمع رأساً ، فإن الأمر كله يدور مع العدل . فأينما وجدتم العدل فعليكم به ، وكونكم تختارون واحدة هو أقرب لعدم الجور . فمعنى أدنى ألا تعولوا أي أقرب أن لا تجوروا ، لأن العول هنا الجور ، يقال عال الحاكم إذا جار ، وروت عائشة رضي عنها عن النبي r " أن لا تعولوا : أن لا تجوروا " .

والآية تبيح تعدد الزوجات وتحدده بأربع ، ولكنها تأمر بالعدل بينهن ، وترغب في الاقتصار على الواحدة في حالة الخوف من عدم العدل ، لأن الاقتصار على الواحدة في حالة الخوف من عدم العدل ، أقرب إلى عدم الجور ، وهو ما يجب أن يتصف به السلم .

إلا أنه يجب أن يعلم أن العدل هنا ليس شرطاً في إباحة تعدد الزوجات وإنما هو حكم لوضع الرجل الذي يتزوج عدداً من النساء ، في ما يجب أن يكون عليه في حالة التعدد ، وترغيب في الاقتصار على الواحدة في حالة الخوف من عدم العدل ، وذلك أن معنى الجملة قد تم في الآية في قوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } وهذا معناه جواز حصول التعدد مطلقاً ، وقد انتهى معنى الجملة ثم استأنف جملة أخرى ، وكلاما آخر فقال : { فإن خفتم } ولا يتأتى أن يكون { فإن خفتم } شرطاً لأنها لم تتصل بالجملة الأولى اتصال الشرط . بل هي كلام مستأنف ، ولو أراد أن تكون شرطاً لقال فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع إن عدلتم . وذلك لم يكن فثبت أن العدل ليس شرطاً ، وإنما هو حكم شرعي آخر غير الحكم الأول . فإنه أولاً أباح تعدد الزوجات بأربع ثم جاء بحكم آخر وهو أن الأولى الاقتصار على واحدة إذا رأى أن تزوجه بأكثر من واحدة يجعله لا يعدل بينهن .

ومن ذلك يتبين أن الله تعالى أباح التعدد دون قيد ولا شرط ، ودون أي تعليل ، بل لكل مسلم أن يتزوج اثنتين ، وثلاثاً وأربعاً ، مما يطيب له من النساء ، ولهذا نجد الله يقول : { ما طاب لكم } أي ما وجدتموه من الطيبات لكم ، ويتبين أن الله قد أمرنا بالعدل بين النساء ، ورغبنا في حالة خوف الوقوع في الجور بين النساء أن نقتصر على واحدة ، لأن الاقتصار على واحدة أقرب إلى عدم الجور .

أما ما هو العدل المطلوب بين الزوجات فإنه ليس العدل المطلق ، وإنما هو العدل في الزوجية بين النساء الذي يدخل في طوق البشر أن يقوموا به ، لأن الله لا يكلف الإنسان إلا ما يطيق ، قال تعالى : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } ثم إن كلمة تعدلوا وردت في الآية عامة فقال : { فإن خفتم ألا تعدلوا } فهو يعم كل عدل ، ولكن هذا التعميم خصص فيما يستطيعه الإنسان بآية أخرى فقال تعالى : { ولن تستطيوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ، فلا تميلوا كل الميل ، فتذروها كالمعلقة } فإن الله بين في الآية أنه محال أن تستطيع العدل بين النساء والتسوية ، حتى لا يقع ميل البتة ، ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن ، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته ، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون ، شرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم ، لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حدود الظلم { ولا يظلم ربك أحداً } وقوله تعالى : { فلا تميلوا كل الميل } تعليقاً على قوله : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا } وتعقيباً عليه ، دليل على أن معناه لن تستطيعوا أن تعدلوا في المحبة ، ومفهومه استطاعة العدل في غير المحبة ، وهو ما يجب في الآية السابقة فيكون خصص العدل المطلوب في غير المحبة واستثنيت من العدل المحبة والجماع ، إنه لا يجب فيهما العدل . لأن الإنسان لا يستطيع أن يعدل في محبته ، ويؤيد هذا المعنى ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول : اللهم إن هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ، يعني قلبه . وروي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى : ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال في الحب والجماع . وقد أمر الله تعالى اجتناب كل الميل ، ومعنى ذلك أنه أباح الميل ، لأن مفهوم النهي عن كل الميل إباحة الميل . كالنهي عن كل البسط في قوله تعالى : { ولا تبسطها كل البسط } معناه إباحة البسط . وعلى ذلك يكون الله قد أباح للزوج الميل لبعض نسائه دون البعض ، ولكنه نهاه أن يكون هذا الميل شاملاً كل شيء ، بل يكون ميلاً فيما هو منطبق عليه الميل ، وهو المحبة والاشتهاء . فيكون معنى الآية اجتنبوا كل الميل ، لأن الميل كل الميل إذا حصل منكم يجعل المرأة كالمعلقة ، التي هي ليست ذات بعل ولا مطلقة . وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r أنه قال : " من كانت له امرأتان يميل لأحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطاً أو مائلاً " .

المحرمات من النساء
والمحرمات نكاحهن من النساء قد ذكر تحريمهن صراحة في الكتاب والسنة . والأصل في ذلك الكتاب والسنة ، فأما الكتاب فقول الله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً } وقال : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً ، والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلك }. وأما السنة فروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها ، ولا بينها وبين خالتها " وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها . قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة " .

فيحرم نكاح الأمهات مطلقاً ، وهن كل من انتسبت إليها بولادة ، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي ولدتك ، أو مجازاً وهي التي ولدت من ولدك وإن علت . من ذلك جدتاك أم أمك وأم أبيك ، وجدتا أمك وجدتا أبيك ، وجدات جدتك وجدات أجدادك وإن علوا ، وارثات كن أو غير وارثات كلهن أمهات محرمات .

ويحرم نكاح البنات مطلقاً وهي كل أنثى انتسبت إليك بولادتك ، كابنة الصلب ، وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن ، وارثات أو غير وارثات كلهن بنات محرمات .

ويحرم نكاح الأخوات مطلقاً من الجهات الثلاث من الأبوين ، أو من الأب ، أو من الأم .

ويحرم نكاح العمات أخوات لأب من الجهات الثلاث ، وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم ، قريباً كان الجد أو بعيداً ، وارثاً أو غير وارث .

ويحرم نكاح الخالات أخوات الأم من الجهات الثلاث ، وأخوات الجدات وإن علون ، لأن كل جدة أم فكذلك كل أخت لجدة خالة محرمة .

ويحرم نكاح بنات الأخ ، وكل امرأة انتسبت إلى أخ بولادة فهي بنت أخ محرمة ، من آية جهة كان الأخ ، وبنات الأخت كذلك أيضاً محرمات .

ويحرم نكاح الأمهات المرضعات ، وهن اللاتي أرضعنك ، وأمهاتهن وجداتهن وإن علت درجتهن ، على حسب ما ذكر في النسب . وكل امرأة أرضعتك أمها ، أو أرضعتها أمك ، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة ، أو ارتضعت أنت وإياها من لبن رجل واحد ، ولو تعددت المرضعة ، فهي أختك محرمة عليك .

ويحرم نكاح أمهات النساء ، فمن تزوج امرأة حرم عليه كل أم لها من نسب أو رضاع ، قريبة أو بعيدة ، بمجرد العقد ، سواء دخل بها ، أو لم يدخل لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من تزوج امرأة فطلقها قبل أن دخل بها لا بأس أن يتزوج ربيبته ولا يحل له أن يتزوج أمها " .

ويحرم نكاح بنات النساء اللاتي دخل بهن ، وهن الربائب فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن ، وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع ، أو قريبة أو بعيدة ، وارثة أو غير وارثة على حسب ما ذكر في البنات ، إذا دخل بالأم حرمت عليه سواء أكانت في حجره أم لم تكن . لأن ذكر { اللاتي في حجوركم } وصف لها بغالب حالها ، ولم تخرج مخرج الشرط ، أما ذكر { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } فإنها تخرج مخرج الشرط لصريح ما جاء بعدها { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } ، ولذلك إن لم يدخل بالمرأة فلا يحرم نكاح بنتها .

ويحرم نكاح أزواج الأبناء مطلقاً ، أي يحرم على الرجل أزواج أبنائه ، وأبناء بناته من نسب أو رضاع ، قريباً كان أو بعيداً بمجرد العقد سواء دخل بها أم لم يدخل .

ويحرم نكاح زوجات الأب ، فتحرم على الرجل زوجة أبيه قريباً كان أو بعيداً ، وارثاً أو غير وارث من نسب أو رضاع . فقد روى النسائي أن البراء بن عازب قال : " لقيت خالي ومعه الراية فقلت أين تريد قال : " أرسلني رسول الله r إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن اضرب عنقه أو أقتله " .

ويحرم الجمع بين الأختين ، سواء أكانتا من نسب أو رضاع ، من أبوين كانتا أو من أب أو أم ، سواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده ، فإن تزوجهما في عقد واحد فسد العقد .

ويحرم الجمع بين المرأة وبين عمتها ، وبين المرأة وبين خالتها ، لما روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها " . وفي رواية أبي داود : " لا تنكح المرأة على عمتها ، ولا العمة على بنت أخيها ، ولا المرة على خالتها ، ولا الخالة على بنت أختها ، لا تنكح الكبرى على الصغرى ، ولا الصغرى على الكبرى " .

ويحرم نكاح ذوات الأزواج ، وسماهن الله المحصنات لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج .

ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، فكل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاع ، وهن الأمهات والبنات ، والأخوات والعمات والخالات ، وبنات الأخت على الوجه المبني في تحريم النسب ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وفي رواية مسلم " الرضاع يحرم ما تحرم الولادة " ، وروت عائشة رضي الله عنها : " إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعد ما نزل الحجاب ، فقلت والله لا أذن له حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني ، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ، ولكن أرضعتني امرأته قال : آذني له فإنه عمك تربت يمينك " والمحرم في الرضاع إنما هو اللبن ، فصاحب اللبن الذي رضعه الشخص يصبح حراماً هو ومن رضع منه ، سواء أكان صاحب اللبن رجلاً أو امرأة وسواء أكان من رضع منه إبناً لم أرضعه ، أو لم يكن إبناً له ، ومن هنا يحل للشخص أخت أخيه من الرضاع ، ولا يحل له أخوه من الرضاع ، ولا أخته من الرضاع ، فلو كان رضع من امرأة شخص فإن هذه المرأة أصبحت أمه من الرضاع ، وزوجها أبوه من الرضاع ، وأولادهما أخوته من الرضاع ، ولكن أخوات الشخص الذي وضع ليس أخوة لأخواته من الرضاع ، فيجوز لهم أن يتزوجوا أخوات أخيهم من الرضاع . فالمحرم هو اللبن ليس غير .
هذه هي النساء التي يحرم نكاحهن ، وما عدا ذلك فلا يحرم نكاحهن لقوله تعالى : { وأحل لكم ما رواء ذلكم } إلا ما سبق بيان تحريمه من المشركات والمتزوجات .

**وينعقد الزواج بإيجاب وقبول شرعيين . فالإيجاب هو ما صدر أولاً من كلام أحد العاقدين ، والقبول ما صدر ثانياً من كلام العاقد الآخر . كأن تقول المخطوبة للخاطب زوجتك نفسي . فيقول الخاطب : قبلت . أو كأن يقول العكس . وكما يكون الإيجاب والقبول بين الخاطبين مباشرة يصح أن يكون بين وكيليهما ، أو بين أحدهما ووكيل الآخر . ويشترط في الإيجاب أن يكون بلفظ التزويج والانكاح ، ولا يشترط ذلك في القبول ، بل الشرط رضا الآخر بهذا الإيجاب ، بأي لفظ يشعر بالرضا والقبول بالزواج ، ولا بد أن يكون الإيجاب والقبول بلفظ الماضي ، كزوجت وقبلت ، أو أحدهما بلفظ الماضي والآخر بلفظ المستقبل ، لأن الزواج عقد ، فلا بد أن يستعمل فيه لفظ ينبئ عن الثبوت وهو الماضي . ويشترط لانعقاد أربعة شروط :

الأول - اتحاد مجلس الإيجاب والقبول ، بأن يكون المجلس الذي صدر فيه الإيجاب هو بعينه المجلس الذي صدر فيه القبول . هذا إذا كان العاقدان حاضرين ، فإن كان أحدهما في بلد والآخر في بلد آخر ، وكتب أحدهما كتاباً للآخر موجباً الزواج ، فقبل المكتوب إليه ، انعقد الزواج . ولكن يشترط في هذه الحالة أن تقرأ أو تقرئ الكتاب على الشاهدين ، وتسمعهما عبارته ، أو تقول لهما فلان بعث إلى يخطبني ، وتشهدهما في المجلس أنها زوجت نفسها منه .

والشرط الثاني من شروط الانعقاد أن يسمع كل من العاقدين كلام الآخر ، وأن يفهمه ، بأن يعلم أنه يريد عقد الزواج بهذه العبارة . فإن لم يعلم ذلك بأن لم يسمع أو لم يفهم ، كما إذا لقن رجل امرأة معنى زوجتك نفسي بالفرنسية مثلاً ، وهي لا تفهمها ، وقالت اللفظ الذي لقنته لها دون أن تفهمه وقبل هو ، دون أن تعلم أن الغرض مما تقول عقد الزواج ، فإنه لا ينعقد الزواج . وإن كانت تعلم أن الغرض مما تقول عقد الزواج فقد صح .

الشرط الثالث - عدم مخالفة القبول للإيجاب سواء أكانت المخالفة في كل الإيجاب أو بعضه .

الشرط الرابع - أن يكون الشرع قد أباح تزوج أحد العاقدين بالآخر ، بأن كانت المرأة مسلمة أو كتابية ، وكان الرجل مسلماً ليس غير .

فإذا استكمل العقد هذه الشروط الأربعة انعقد الزواج ، وإذا لم يستكمل واحداً منها لم ينعقد الزواج ، وكان باطلاً من أساسه . وإذا انعقد الزواج فلا بد لصحة الزواج أن يستكمل شروط صحته . وهي ثلاثة شروط :

الأول : أن تكون المرأة محلاً لعقد الزواج .

والثاني : أن النكاح لا يصح إلا بولي ، فلا تملك المرأة أن تزوج نفسها ، ولا أن تزوج غيرها ، كما أنها لا تملك توكيل غير وليها في تزويجها ، فإن فعلت لم يصح نكاحها .

والثالث : حضور شاهدين مسلمين بالغين عاقلين سامعين لكلام العاقدين فاهمين أن الغرض من الكلام الذي حصل به الإيجاب والقبول هو عقد الزواج . فإذا استكمل العقد هذه الشروط كان صحيحاً ، وإن نقص واحداً منها كان نكاحاً فاسداً . إلا أنه لا يشترط في عقد الزواج أن يكون مكتوباً ، أو أن تسجل به وثيقة ، بل مجرد حصول الإيجاب والقبول من الرجل والمرأة شفاهاً أو كتابة مستوفياً جميع الشروط يجعل عقد الزواج صحيحاً سواء كتب أو لم يكتب . أما كون الزواج لا يتم إلا بإيجاب وقبول فلأنه عقد بين اثنين .

وواقع العقد أنه لا يتم ولا يكون عقداً إلا بالإيجاب والقبول ، وأما كونه يشترط في الإيجاب لفظ الزواج والانكاح فلأن النص ورد في ذلك ، قال تعالى : { زوجناكها } وقال : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } ولأن إجماع الصحابة انعقد على ذلك . أما اشتراط اتحاد مجلس الإيجاب والقبول فلأن حكم المجلس حكم حالة العقد ، فإن تفرقا قبل القبول بطل الإيجاب ، إذ أنه لا يوجد معنى القبول ، فإن الأعراض قد وجد من جهته بالتفرق ، فلا يكون قبولاً . وكذلك إن تشاغلا عنه بما يقطعه ، لأنه معرض عن العقد أيضاً بالاشتغال عن قبوله . وأما شرط سماع أحد العاقدين كلام الآخر ، وفهمه له أي علمه بأنه يريد عقد الزواج بهذه العبارة ، فلأن ذلك هو الذي يجعل القبول جواباً للإيجاب ، ولأن الإيجاب خطاب من أحد العاقدين لقبول الآخر ، فإذا لم يعلمه لم يحصل خطاب له ، ولم يحصل قبول على الخطاب ، فيكون واقعه ليس إيجاباً ولا قبولاً . وأما عدم مخالفة الإيجاب للقبول فإنه لا يكون قبولاً إلا إذا كان دالاً على التسليم بجميع الإيجاب ، فإذا اختلف كان غير مسلم بما ورد في الإيجاب ، فلا يكون قبولاً . وأما كون الشرع لا بد من أن يكون قد أباح تزوج أحد العاقدين بالآخر ، فلأنه إذا ورد نهي من الشرع عن عقد لم تجز مباشرة ذلك العقد .

هذا بالنسبة لانعقاد العقد ، أما بالنسبة لصحته فإن الشرع إذا لم يرد به نهي عن العقد تم العقد ، ولكن إذا ورد نهي عن إجراء العقد على معين فسد العقد عليه ، ولم يبطل . وأما اشتراط كون المرأة محلاً لعقد الزواج فلأن الشرع قد حرم زواج بعض النساء وحرم الجمع بين بعض النساء ، فإذا ورد العقد على من حرم من إجراء العقد عليها ، لم يصح العقد ، وأما كون النكاح لا يصح إلا بولي فلما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : " لا نكاح إلا بولي " وأما كون المرأة لا تملك تزويج نفسها ، ولا غيرها ، ولا تملك توكيل غير وليها في تزويجها فلما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل " ولما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزوج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها " وأما اشتراط وجود شاهدين مسلمين فلأن القرآن قد شرط الشاهدين المسلمين في إرجاع المطلقة طلاقاً رجعياً إلى زوجية زوجها ، قال تعالى : { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم } قال الحسن : أي مسلمين . فإذا كانت الرجعة وهي استدامة عقد النكاح يشترط فيها شاهدان مسلمان ، فإن إنشاء الزوجية أي إنشاء عقد النكاح أولى أن يشترط فيه شاهدان ، فوق كون عقد النكاح واستدامة عقد النكاح هما من باب واحد فهما كالحكم الواحد .

)

-**

صِلَةُ الرَّحْمْ

إن الله سبحانه وتعالى حين نهى عن العصبية الجاهلية إنما نهى عن جعل العصبية القبلية هي الرابطة بين أبناء الأمة الإسلامية ، ونهى عن تحكيمها في علاقات المسلمين . ولكنه أمر بصلة الأقارب وبرهم . روي أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم :من أبر ، قال : " أمك وأباك وأختك وأخاك " وفي لفظ " ومولاك الذي هو أدناك ، حقاً وواجباً ، ورحماً موصولاً " وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت : " أتتني أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذا عاهدوا النبي مع ابنها فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إن أمي قدمت وهي راغبة . قال نعم صلي أمك " .

وقد جعل الإسلام الأقارب قسمين أحدهما الأقارب الذين يمكن أن يرثوا الشخص إذا مات والثاني أولو الأرحام . أما الذين لهم حق الإرث فهم أصحاب الفروض والعصبات ، أما ذوو الأرحام فهم غير هؤلاء ، وهم من لا سهم له في الميراث وليس بعصبة . وهم عشرة أصناف : الخال والخالة ، والجد لأم ، وولد البنت وولد الأخت ، وبنت الأخ ، وبنت العم ، والعمة ، والعم لأم ، وابن الأخ لأم ومن أدلى بأحد منهم . وهؤلاء لم يجعل الله لهم نصيباً في ميراث الشخص مطلقاً ولا تجب نفقة أي منهم على الشخص . ولكن الله أمر بالصلة والبر بالأقارب جميعاً . فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه فإن كان له فضل فعلى عياله فإن كان له فضل فعلى قرابته " . وعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً قال : " يا رسول الله . أخبرني بعمل يدخلني الجنة . فقال القوم ما له ، ما له ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرب ما ، له . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم " . فأمر بصلة الرحم ، ولم يبين هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي وردت بصلة الرحم هل المقصود هم ذوو الأرحام فحسب ، أم هم كل من انتسب إلى رحم الشخص . والظاهر من الأحاديث العموم ، فهو يشمل صلة كل واحد من الأرحام ، سواء أكان رحماً محرما أم رحماً غير محرم من العصبة أو ذوي الأرحام ، فإنهم كلهم يصدق عليهم أنهم ذوو أرحام ، وقد وردت عدة أحاديث في صلة الرحم فقد قال عليه الصلاة والسلام : " لا يدخل الجنة قاطع رحم " . وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " ، وينسأ له في أثره أي يؤخر أجله . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ؟ قال : نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى ، قال : فذلك لك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاقرؤوا إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} ، وقال عليه السلام : " ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها " . وهذا كله يدل على الحث على صلة الرحم . وصلة الرحم تدل على مبلغ ما شرعه الله من الصلة والود بين الجماعة الإسلامية ، في صلة الأقارب بعضهم مع بعض ، والتعاون بينهم ، وعلى مبلغ عناية الشرع في تنظيم اجتماع المرأة بالرجل ، وتنظيم ما ينشأ عن هذا الاجتماع من علاقات ، وما يتفرع عنه ، فكان الشرع الإسلامي بالأحكام التي شرعت للناحية الاجتماعية في المجتمع خير نظام اجتماعي للإنسان .

كَفالَةُ الْطِفْلْ كفالة الطفل فرض لأنه يهلك بتركه ، فهي من قبيل حفظ النفس الذي أوجبه الله ، فيجب حفظه من الهلاك ، وانجاءه من المهالك . إلا أنه مع كون كفالة الطفل فرضاً فإنه يتعلق بها حق قرابته ، لأن فيها استحقاقا للطفل ، فيتعلق بها الحق كما يتعلق بها الواجب . والكفالة حق لكل طفل ، ولكل من أوجب الله عليهم كفالته . وتكون فرضاً على الحاضن إذا تعين هو بعينه . أما حق من أوجب الله عليه الكفالة في أخذ هذه الكفالة فإنه خاص بمن هو أهل لها ، وليس عاماً فلا تثبت الكفالة لمن يضيع الطفل عنده ، فيتعرض تعرضاً حتمياً للهلاك . وعليه فلا تثبت الحضانة لطفل ، ولا معتوه ،لأن كلاً منهما لا يقدر عليها ، وهو نفسه محتاج لمن يكفله ، فكيف يكفل غيره . وكذلك لا تثبت الكفالة لمن يتحقق فيه أن الولد يضيع عنده ، لإهماله له ، أو لانشغاله عنه بأعمال لا تمكنه من حضانته ، أو لاتصافه بصفات كالفسق مثلاً من شأنها أن تنشئ الطفل نشأة فاسدة ، لأن الفساد يعتبر من الهلاك . أما الكافر فلا يتصور أن يكون أباً لولد أمه مسلمه ، لعدم جواز أن تتزوج المسلمة من كافر ، فيتعين إذن أن تكون المستحقة لكفالة الطفل امرأة أماً أو غيرها . وفي هذه الحال ينظر ، فإن كان الطفل كبيراً في سن يعقل فيها الأشياء ، ويدرك الفرق بين معاملة أمه ومعاملة أبيه ، كأن كان فوق سن الفطام فإنه في هذه الحال يخير بين أبويه فأيهما اختاره ضم إليه . لما روى أبو داود عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان : " أنه أسلم ، وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ابنتي وهي فطيم أو شبهه . وقال رافع ابنتي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أقعد ناحية . وقال اقعدي ناحية . وقال أدعواها ، فمالت الصبية إلى أمها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم أهدها . فمالت إلى أبيها فأخذها " . وقد روى هذا الحديث أحمد والنسائي بألفاظ أخرى ولكن نفس المعنى الموجود في هذه الرواية .
وإن كان الطفل صغيراً في سن لا يعقل فيها الأشياء ، ولا يدرك الفرق بين معاملة أمه ، ومعاملة أبيه ، بأن كان في سن الفطام وما دونها أو فوقها . ولكن قريباً منها فإنها لا يخير ، بل يضم إلى أمه . وذلك لمفهوم حديث رافع بن سنان المار . ولأن الثابت أن الأم أحق بحضانة الطفل ، ولم يرد نص يمنعها من حضانته . ولا يقال هنا أن الكفالة ولاية فلا تثبت لكافر على مسلم لأن واقعها أنها حضانة وخدمة ، وليست ولاية فلا تنطبق عليها أحكام الولاية .

والأم أحق بكفالة الطفل ، والمعتوه إذا طلقت . لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص : " أن النبي قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء ، وثديي له سقاء وحجري له حواء ، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به ما لم تنكحي " . وروى ابن أبي شيبة عن عمر أنه طلق أم عاصم ثم أتى عليها ، وفي حجرها عاصم ، فأراد أن يأخذه منها ، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام ، فانطلقا إلى أبي الصديق فقال " مسحها وحجرها وريحها خير له منك حتى يشب الغلام فيختار لنفسه " . فإن لم تكن الأم من أهل الحضانة لفقدان الشروط التي ذكرت فيها ، أو بعضها كأن كانت متزوجة أو معتوهة ، أو ما شاكل ذلك فهي كالمعدومة ، وتنتقل إلى من يليها في الاستحقاق . ولو كان الأبوان من غير أهل الحضانة انتقلت إلى من يليهما ، لأنهما كالمعدومين . وأولى الكل بالحضانة الأم ، ثم أمهاتها وإن علون يقدم منهن الأقرب فالأقرب ، لأنهن نساء ولادتهن متحققة ، فهي في معنى الأم ، ثم الأب ، ثم أمهاته ثم الجد ، ثم أمهاته ، ثم جد الأب ، ثم أمهاته ، وإن كن غير وارثات ، لأنهن يدلين بعصبة من أهل الحضانة . فإذا انقرض الآباء والأمهات انتقلت الحضانة إلى الأخوات ، وتقدم الأخت لأبوين ، ثم الأخت من الأب ، ثم الأخت من الأم ، وتقدم الأخت على الأخ لأنها امرأة من أهل الحضانة ، فقدمت على من هو في درجتها من الرجال . وإذا لم تكن أخت فالأخ للأبوين أولى ، ثم الأخ للأب ، ثم أبناؤهما ، ولا حضانة للأخ للأم . فإذا عدموا صارت الحضانة للخالات ، فإذا عدمن صارت العمات ، فإذا عدمن صارت الحضانة للعم لأبوين ، ثم للعم للأب ، ولا حضانة للعم من الأم ، فإذا عدموا صارت الحضانة إلى خالات الأم ، ثم إلى خالات الأب ، ثم إلى عمات الأب ، ولا حضانة لعمات الأم لأنهن يدلين باب الأم ولا حضانة له .

ولا تنتقل الحضانة ممن يستحقها إلى من دونه إلا في حالة عدمه ، أو في حالة عدم أهليته . أما إن ترك من له حق الحضانة حضانة الطفل ، فإنه لا تنتقل الحضانة إلى من يليه إلا إذا كانت كفالة الطفل تتحقق فيه ، لأن الحضانة وإن كانت حقاً للحاضن فهي في نفس الوقت واجب عليه ، وحق للمحضون فلا يتأتى له تركها إلا إذا قام بالواجب من هو أهل للقيام به ، وحينئذ تنتقل الحضانة إلى من يلي الحاضن الذي ترك حضانته على الترتيب السابق . وإذا أراد من أسقط حقه في الحضانة الرجوع إلى استيفاء حقه ، وكانت أهليته للحضانة لا زالت قائمة فإن له ذلك ، ويعود الطفل إليه . وكذلك إذا تزوجت الأم ، وسقط حقها في الحضانة ، ثم طلقت رجعت على حقها من كفالة الطفل ، وكذلك كل قرابة تستحق بها الحضانة ومنع منها مانع إذا زال المانع عاد حقهم من الحضانة لأن سببها قائم .

وإذا اختصم جماعة في طفل أيهما أحق بحضانته يرجح من يكون من فرع من هو أحق بالحضانة . فعن البراء بن عازب أن ابنة حمزة اختصم فيها على وجعفر وزيد ، فقال علي أنا أحق بها هي ابنة عمي ، وقال جعفر بنت عمي وخالتها تحتي ، وقال زيد ابن آخى . فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها ، وقال : " الخالة بمنزلة الأم " .

وهذا كله في الطفل الذي يحتاج إلى كفالة من أجل حفظه من الهلاك . أما الطفل الذي بإمكانه أن يستغني عن الكفالة ، فإنه باستغنائه تذهب علة كفالته ، وبذهابها يذهب الحكم ، وهو وجوب كفالته وحق قريبه بالكفالة ، وحينئذ ينظر فإن كان الذي له حق الكفالة كالأم كافراً فإنه يؤخذ منه ويعطى لمن له الولاية عليه ، لأن واقعه صار ولاية لا كفالة . والولاية لا تجوز لكافر لقوله تعالى : { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " وهو عام ولم يأت ما يخصصه ، لأن حديث الحضانة المخصص لا ينطبق عليه حينئذ لاستغنائه عن الحضانة . وأما إن كان من له الكفالة ، ومن له الولاية مسلمين ، بأن كان الأب والأم مسلمين فإن الغلام أو الجارية ، أي الصبي أو البنت ، يخير بين أبيه وأمه ، فأيهما اختار ضم إليه . لما روى أحد وابن ماجة والترمذي : " عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاماً بين أبيه وأمه " . وفي رواية أبي داود : " أن امرأة جاءت فقالت : يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد سقاني من بئر أبي عنبة ، وقد نفعني ، فقال رسول الله r : استهما عليه فقال زوجها من يحاقني في ولدي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا أبوك ، وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به " . وقد أخرج البيهقي عن عمر أنه خير غلاماً بين أبيه وأمه . وأخرج أيضاً عن علي أنه خير عمارة الجذمي بين أمه وعمته وكان ابن سبع أو ثماني سنين . فهذه الأحاديث صريحة وفيها دليل على أنه إذا تنازع الأب والأم في ابن لهما كان الواجب هو تخييره فمن اختاره ذهب به . أما الاستهام الوارد في رواية أبي داود ، فإنه لم يرد في رواية النسائي ، ولا في باقي الروايات فيحمل على حالة عدم اختيار الولد أحداً منهما . ولا يقيد التخيير بسن معينة ، بل يرجع ذلك إلى الحاكم فيما يراه حسب تقدير الخبراء . فإن قالوا إنه قد استغنى عن الكفالة أي عن الحضانة ، وقنع الحاكم بذلك خيَّره ، وإلا تركه عند من لها حق حضانته . ويختلف ذلك في الأولاد باختلاف حالهم ، فقد يستغني ولد عن الكفالة وسنه خمس سنين ، وقد لا يستغني ولد آخر عنها وسنه تسع سنين . فالعبرة بواقع الولد من حيث استغناؤه عن الكفالة أو عدم استغنائه.

**هذا هو حكم الشرع في الحياة العامة كما جاءت به النصوص . أما الحياة الخاصة فقد أباح الشارع للمرأة أن تبدي فيها ما يزيد عن الوجه والكفين مما يظهر عند المهنة ، قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء } فالله تعالى أمر الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم والعبيد بعدم الدخول على المرأة في هذه المرات الثلاث ، ثم أباح لهم أن يدخلوا في غير هذه المرات الثلاث ، إذ عقب على ذلك بقوله : { ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم } وهذا صريح بأنه في غير هذه الحالات الثلاث يدخل الصبيان وعبيد النساء على النساء بغير استئذان أي وهن متبذلات في ثياب المهنة ، فيفهم منه أن للمرأة في بيتها أن تعيش في ثياب المهنة ، وأن تظهر في هذه الثياب على الصبيان وعلى عبيدها . وعلى ذلك يجوز للمرأة أن تعيش في بيتها في ثياب المهنة ما في ذلك شك . ولا تكون آثمة في ذلك في ذلك مطلقاً ، ويجوز أن يراها على هذه الحال الصبيان وعبيدها ولا شيء عليها في ذلك ، ولا تتستر منهم ولا يحتاجون إلى إذن بالدخول ، ومثل العبيد الخدم الذين يخدمون في البيت ولو كانوا رجالاً أجانب ، لأن الآية عللت دخول العبد بغير استئذان لأنهم طوافون عليهم فقال : { طوافون عليكم بعضكم على بعض } أي لأنهم طوافون عليكم ، أي يطوفون عليهم وهذه العلة الموجودة في العبد موجودة في الخادم ، وكل من هو مثلهم ، وعلى هذا فإن المرأة في الحياة الخاصة لا يجب عليها ستر ما يزيد عن الوجه والكفين مما يظهر عادة عند المهنة إلا إذا كانت عريانة أو شبه عارية أي إلا في الحالات الثلاث أو الساعات الثلاث .

أم غير من استثناهم الله في ذلك أي غير الصبيان والعبيد والخدم فإن الله قد بين حكمهم في الحياة الخاصة ، إذ طلب منهم الاستئذان قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } فطلب من المسلم الاستئذان وأطلق عليه كلمة استئناس إذا أراد الدخول إلى غير بيته ومفهومه أنه إذا أراد الدخول إلى بيته فلا يستأذن . وسبب نزول هذه الآية أن امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد لا والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل علي . وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا علي تلك الحال فكيف أصنع ، فنزلت آية الاستئذان . فإذا قرن سبب النزول هذا بمنطوق الآية ومفهومها فإنه يدل على أن المسألة في الحياة الخاصة ليست مسألة ستر عورة وعدم ستر عورة . وإنما هي مسألة حالة التبذل التي عليها المرأة . في هذه الحالة ، حالة التبذل لم يأمر المرأة بعدم التبذل ولم يأمرها بالستر ، وإنما أمر الرجال بالاستئذان ، في هذه الحالة الخاصة لا فرق بين أن يكون من المحارم أو من غير المحارم ، ولا فرق بين النساء والرجال ، فالأب والأجنبي سواء ، والرجل والمرأة سواء ، ولم يستثن من ذلك إلا الصبيان والعبيد والخدم ، وعليه فإن عيش الرجل وامرأته في بيت فيه رجل آخر ، أو نساء ، حكمه واحد مع الأخ والأب ، مع الأجنبي والمحرم سواء ، فالمرأة لا شيء عليها في أن تظهر في الحياة الخاصة ، والرجل عليه الاستئذان إن أراد الدخول لغير بيته .

أما نظر الرجل إلى المرأة في هذه الحالة فهو شيء آخر يتعلق بالنظر سواء أكان في الحياة الخاصة أم في غيرها والله تعالى حرم على غير المحارم النظر إلى غير الوجه والكفين وأجاز ذلك للمحارم وأمر بغض البصر عما يزيد عن الوجه والكفين وعفا عن النظر الذي لا يملأ العين ، أما تحريم النظر بما يزيد عن الوجه والكفين فظاهر ، وأما غض البصر عما يزيد فواضح في قوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } . والمراد هنا الغض عما يزيد عن الوجه والكفين بدليل إباحة النظر إليهما . وفي البخاري " قال سعيد ابن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال : ( اصرف بصرك ) وفي حديث النهي عن الجلوس في الطرقات قال : " غض البصر " أي أن النساء في الطريق قد يكن كاشفات لما يزيد عن الوجه والكفين فعليكم غض البصر وليس عدم النظر ، فالله تعالى حين حرم النظر إنما حرمه لما يزيد عن الوجه والكفين ، وعينه بأنه النظر المقصود ، وأما النظر غير المقصود فلم يحرمه ، ولم يأمر بتركه وإنما أمر بغض البصر فقال : { يغضوا من أبصارهم } وكلمة ( من ) للتبعيض ، أي يغضوا بعض أبصارهم أي بعض النظر ، ومفهومه جواز النظر المغضوض وهو النظرة العادية غير المقصودة .

وعلى هذا فإنه يجوز أن يسكن الرجل مع أقاربه ، ويستوي في ذلك المحارم وغير المحارم أي الأب والأخ وابن العم ، وليس على المرأة بأس في أن تظهر في ثياب المهنة على من يعيش في دار واحدة مع زوجها أو أخيها ، وعلى الرجل الذي يعيش في الدار أن يغض بصره ، أي لاشيء عليه من النظر العادي إلى المرأة وهي في ثياب المهنة إلا الحالات الثلاث ، أي إلا الوضع الذي تكون عليه في الحالات الثلاث .

هذا بالنسبة لمن يعيشون في بيت واحد ، وأما من يدخلون البيت من الخارج سواء أكانوا أقارب أم غير أقارب وسواء أكانوا محارم أم غير محارم فإنه عليه جميعاً الاستئذان من غير استثناء . أما المحارم فلا تستتر المرأة منهم لأنه يجوز لهم أن ينظروا إلى الزينة. وأما غير المحارم فإن على المرأة أن تستر عنهم الزينة أي أن لا يظهر منها أمامهم إلا الوجه والكفان . فإن لم تفعل ذلك وظلت في ثياب المهنة أثمت هي ، أما الرجل فليس عليه إلا غض البصر ليس غير . والفرق بين الزائر من خارج البيت والساكن فيه أن الساكن في البيت ليس عليه استئذان لأنه بيته ، وليس عليها ستر لأنها في حياتها الخاصة . وأما الزائر فإن طلب الله منه الاستئذان يشعر بأن لا تكون في ثياب المهنة إلا أن يكون محرماً لها ، أي يشعر بطلب الستر بدليل سبب نزول الآية ، فإن دخل عليها أحد لا بد من أن يستأذن سواء أكان محرماً أم غير محرم ، وطلب الاستئذان يشعر بأن تتستر من غير المحارم .**

**ولا يقال هنا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وإن سبب نزول الآيات هو نساء الرسول وهي عامة فيهن وفي غيرهن ، لا يقال ذلك لأن سبب النزول هو حادثة وقعت ، فكانت سبب النزول . أما هنا فليست نساء الرسول حادثة وقعت ، وإنما هو نص معين جاء بحق أشخاص معينين ، فقد نص على شخصهن ، فقال : { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء } وقال : { وإذا سألتموهن } والضمير لنساء الرسول ، ومعين بهن ليس غير ، وعقب ذلك بقوله : {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} مما يشعر علة حجابهن ، وكل ذلك يعين أن الآيتين نص جاء بحق نساء الرسول ، لا تنطبق عليهما قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

وكذلك لا يقال إن خطاب نساء الرسول خطاب للنساء المسلمات ،لأن كون الخطاب المعين لشخص معين خطاباً للمؤمنين إنما هو خاص بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام ، ولا يشمل خطاب نسائه ، فخطاب الرسول خطاب للمؤمنين ، أما خطاب نسائه فهو خاص بهن ، لأن الرسول هو محل القدوة في كل خطاب أو فعل أو سكوت ، ما لم يكن من خصوصياته عليه السلام . أما نساء الرسول فلسن محل القدوة ، لأن الله يقول { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ولا يصح أن تكون نساء الرسول قدوة ، بمعنى أن يفعل الفعل لأنهن يفعلنه أو يتصف بالصفة لأنهن يتصفن بها ، بل هو خاص بالرسول لأنه لا يتبع إلا الوحي .

وكذلك لا يقال إنه إذا كانت نساء الرسول وهن الطاهرات اللواتي يتلى الوحي في بيوتهن يطلب منهن الحجاب ، فإن غيرهن من النساء المسلمات أولى أن يطلب منهن ، لا يقال ذلك لسببين :

أحدهما أن هذا ليس من قبيل الأولى ، لأن الأولى هو أن ينهى الله عن الصغير ، فيكون نهياً عن الكبير من باب أولى ، كقوله تعالى : { ولا تقل لهما أف } فمن باب أولى أن لا يضربهما . والأولى يفهم من سياق الكلام كقوله تعالى : { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } فأداء ما دون القنطار من باب أولى ، وعدم أداء ما فوق الدينار من باب أولى . وآية الحجاب ليست من هذا القبيل ، لأن سياق الآية لا يدل إلا على نساء النبي ، ولا يدل على مفهوم آخر . ولفظ نساء النبي ليس وصفاً مفهماً حتى يقال غير نساء النبي من باب أولى . بل هو اسم جامد فلا يتأتى أن يكون له مفهوم ، فيكون الكلام خاصاً بالشيء الذي جاء النص عليه ، ولا يتعداه إلى غيره ولا مفهوم له . ولا يتأتى في الآية موضوع من باب أولى مطلقاً ، لا من ألفاظ الآية ، ولا من سياقها .

والثاني أن هاتين الآيتين أمر لأشخاص مخصوصين قد نص عليهم بعينهم للاتصاف بصفات معينة ، فلا يكون أمراً لغيرهم مطلقا ، لا لمن هو أعلى منهن ، ولا لمن هو أدنى منهن ، لأنه وصف معين ، وهو مختص بأشخاص معينين . فهو أمر لنساء الرسول بوصفهن نساء الرسول لأنهن لسن كأحد من النساء ولأن هذا العمل يؤذي الرسول . وإذا انتفى انطباق قاعدة " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " وانتفى الإقتداء بنساء الرسول ، وانتفى كون غيرهن من باب أولى ، وثبت أن النص قطعي في كونه لنساء الرسول ، فقد ثبت أن هاتين الآيتين خاصتان بنساء الرسول عليه السلام ، ولا تشمل النساء المسلمات مطلقاً ، ولا بوجه من الوجوه . فيثبت بذلك أن الحجاب خاص بنساء الرسول ، والمكث بالبيوت خاص بنساء الرسول . وانتفى الاستدلال بهما على كون الحجاب قد شرع للنساء المسلمات .

وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى : { يدنين عليهن من جلابيبهن } فإنها لا تدل على تغطية الوجه بحال من الأحوال ، لا منطوقاً ولا مفهوماً ، ولا يوجد فيها أي لفظ يدل على ذلك ، لا مفرداً ، ولا من وجوده في الجملة ، على فرض صحة سبب النزول . فالآية تقول { يدنين عليهن من جلابيبهن } ومعناها يرخين عليهن من جلابيبهن ، و " من" هنا ليست للتبعيض وإنما هي للبيان أي يرخين عليهن جلابيبهن . ومعنى أدنى الستر : أرخاه ، وأدنى الثوب أرخاه ، ومعنى يدنين يرخين . والجلباب هو الملحقة ، وكل ما يستر به من كساء وغيره . أو هو الثوب الذي يغطي جميع الجسم . قال في القاموس المحيط " والجلباب كسر دأب وكسنمار : القميص وثوب واسع للمرأة دون الملحفة أو ما تغطي به ثيابها كالملحفة " وقال الجوهري في الصحاح " الجلباب والملحفة وقيل الملاءة " ، وقد ورد في الحديث الجلباب بمعنى الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها . فعن أم عطية رضي الله عنها قالت : " أمرنا رسول الله r أن نخرجهن في الفطر والأضحى ، العواتق والحيض وذوات الخدور . فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ، ودعوة المسلمين . قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب ، قال : " لتلبسها أختها من جلبابها " ومعناه ليس لها ثوب تلبسه فوق ثيابها لتخرج فيها ، فأمر بأن تعيرها أختها من ثيابها التي تلبس فوق الثياب ، فيكون معنى الآية هو : إن الله طلب من الرسول أن يقول لأزواجه وبناته ونساء المؤمنين يرخين عليهن ثيابهن التي تلبس فوق الثياب إلى أسفل ، بدليل ما روي عن ابن عباس أنه قال : الجلباب الرداء يستر من فوق إلى أسفل ، ولا تدل على إرخاء الجلباب - وهو الثوب الواسع - إلى أسفل ، ولا تدل على غير ذلك . فمن أين يمكن أن يفهم أن معنى يدنين عليهن من جلابيبهن أن يجعلن ثوبهن على وجههن ؟ مهما فسرت كلمة يدنين ومهما فسرت كلمة جلباب ، في حدود المعنى اللغوي والمعنى الشرعي ؟ بل الآية نص في إرخاء الثياب ، وإرخاؤها إنما هو إلى أسفل ، وليس رفعها إلى أعلى . وعلى ذلك فليس في هذه الآية أي دليل على حجاب ، بل ولا شبهة الدليل لا من قريب ولا من بعيد . والقرآن تفسر ألفاظه وجمله بمعناها اللغوي والشرعي ، ولا يجوز أن تفسر في غيرهما ، والمعنى اللغوي واضح بأنه أمر للنساء بأن يرخين عليهن جلابيبهن ، أي ينزلن ويسدلن ثيابهن التي يلبسنها فوق الثياب إلى أسفل حتى تغطي القدمين . وقد ورد هذا المعنى في إرخاء الثوب إلى أسفل في الحديث الشريف ، فعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ، فقالت أم سلمة : فكيف يصنع النساء بذيولهن ، قال : يرخين شبراً قالت : إذن ينكشف أقدامهن ، قال : فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه " .

هذا بالنسبة للآيات التي يستدل بها من يدعون أن الحجاب للنساء المسلمات قد شرعه الله ، أما بالنسبة للأحاديث التي استدل بها على الحجاب فلا تدل عليه ، فإن حديث المكاتب إذا ملك ما يؤدي إلى عتقه يحتجب عنه خاص بنساء الرسول ، ويؤيد ذلك حديث آخر ، فعن أبي قلابة قال : " كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار" فلا دلالة في الحديث على أن المرأة المسلمة تحتجب . وأما حديث أم سلمة وطلب الرسول منها ومن حفصة أن تحتجب فإن الحديث ضعيف لا يحتج به ، وفوق ذلك فإنه خاص بنساء الرسول ، والحديث نص في أم سلمة وحفصة . وأما ما روي عن عائشة قالت : " كان الركبان بمرون بنا ونحن مع رسول الله محرمات فإذا حاذي بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزنا كشفناه " فإنه يتناقض مع ما رواه البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين " قال في الفتح : والنقاب الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجز . فحديث عائشة ينص على أن النساء المحرمات قد غطين وجوههن عندما كانت تمر بهن الركبان . وحديث بان عمر يدل على النهي عن لبس النقاب وهو لا يغطي إلا القسم الأسفل من الوجه فكيف يتفق ذلك مع ستر الوجه كله بالثوب بإسداله على الوجه . وبالرجوع للحديثين تبين أن حديث عائشة هذا قد أعل بأنه من رواية مجاهد عن عائشة . وقد ذكر يحيى بن سعيد القطان أنه لم يسمع منها . وأما حديث ابن عمر فهو حديث صحيح قد رواه البخاري ولذلك يرد حديث عائشة لضعفه ومعارضته للحديث الصحيح ولا يحتج له .**