النظام الإجتماعي في الإسلام

**وأما الحديث الذي فيه الفصل بن عباس فليس فيه دليل على الحجاب بل فيه دليل على عدم الحجاب لأن الخثعمية كانت تسأل الرسول وهي كاشفة الوجه بدليل نظر الفضل إليه وبدليل ما جاء في رواية أخرى لهذا الحديث " فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل فحول وجهه من الشق الآخر " وروى هذه القصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزاد " فقال له العباس . يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال : " رأيت شاباً وشابة فلم آمنة الشيطان عليهما " فيكون حديث الخثعمية دليلاً على عدم وجود الحجاب لا على الحجاب . لأن الرسول كان يراها وهي كاشفة الوجه . فأما تحويله نظر الفضل ، فأنه رأى أنه ينظر إليها بشهوة وتنظر إليه ، بدليل رواية علي " فلم آمن الشيطان عليهما " ولذلك حوله لأنه نظر بشهوة لا لأنه نظر ، والنظر بشهوة ولو إلى الوجه والكفين حرام . وأما حديث نظر الفجاءة فإن الرسول أمر جريراً أن يصرف بصره ن أي يغضه ، وهو من قبيل غض النظر الوارد بقوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } والمراد هنا نظر الفجاءة لغير الوجه والكفين مما هو عورة ، لا نظر الوجه والكفين جائز دون أن يكون نظر فجاءة ، بدليل إباحة النظر إليها في حديث الخثعمية السابقة ، وبدليل أن الرسول كان ينظر إلى وجوه النساء حيين بايعته ، وحين كان يعظهن ، مما يدل على المسئول عنه وهو نظر الفجاءة إلى غير الوجه والكفين . وأما حديث علي " لا تتبع النظرة النظرة " فإنه نهي عن تكرار النظر وليس عن مجرد النظر .

وعلى ذلك فلا يوجد من الأحاديث التي يستدل بها من يدعي أن الله شرع الحجاب دليل على وجوب الحجاب ، وبهذا يتبين أنه لا يوجد دليل يدل على أن الله أوجب الحجاب لمسلمات ، أو يدل على أن الوجه والكفين عورة ، لا في الصلاة ولا خارج الصلاة . والأدلة التي استدلوا بها لا يوجد فيها وجه قوي للاستدلال على ذلك ، فهي ضعيفة الرواية ، ضعيفة الاستدلال .

وأما كون الوجه والكفين ليسا بعورة ، وكون المرأة يجوز لها أن تخرج إلى السوق والطريق في كل مكان كاشفة وجهها وكفيها فذلك ثابت في القرآن والحديث .

أما القرآن فقد قال الله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } فالله تعالى نهى المؤمنات أن يبدين زينتهن ، أي نهاهن أن يظهرن محل زينتهن لأنه هو المراد بالنهي . واستثنى من محل الزينة ما ظهر منها ، وهو استثناء صريح ، وهو يعني أن هناك محل زينة في المرأة يظهر لا يشمله النهي عن إظهار محال الزينة في المرأة ، وهذا لا يحتاج إلى أدنى كلام ، فالله ينهى المؤمنات أن يبدين محل زينتهن إلا ما هو ظاهر منها . أما ما هي الأعضاء التي يعنيها قوله { إلا ما ظهر منها } فذلك يرجع تفسيره إلى أمرين ، أولهما إلى التفسير المنقول ، والثاني إلى ما يفهم من كلمة { ما ظهر منها } . حين تطبيقها على ما كان يظهر من النساء المسلمات أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي عصره ، عصر نزول هذه الآية

أما النقل فقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية إن ما ظهر منها تعنى " الوجه والكفين " وجرى على ذلك المفسرون ، قال الإمام ابن جرير الطبري : " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : " عنى بذلك الوجه والكفين " وقال القرطبي : " لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهروهما عادة وعبادة وذلك في الحج والصلاة فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما " . وقال الإمام الزمخشري : " فإن المرأة لا تجد بداً من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتظطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها ، وخاصة الفقيرات منهن وهذا معنى قوله : { إلا ما ظهر منها } .

وأما ما يفهم من كلمة ما ظهر منها فإنه يتبين أن ما كان يظهر عند نزول هذه الآية هو الوجه والكفان . فقد كانت النساء يكشفن وجوههن وأيديهن بحضرته r وهو لا ينكر ذلك عليهن ،وكن يكشفن وجوههن وأيديهن في السوق والطريق ، والحوادث في ذلك أكثر من أن تحصى ، فمن ذلك :

1 - عن جابر بن عبد الله قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العيد ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ، ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله ، وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ،ثم مضى حتى أتى النساء وذكرهن فقال : : تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم " ، فقالت امرأة من سطة النساء سعفاء الخدين ، فقالت لم يا رسول الله ؟ قال : " لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير " . قال فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن .

2 - عن عطاء بن أبي رباح قال : قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى ، قال هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم قالت ، إني أصرع ، وإني أنكشف ، فادع الله لي . فقال لها : إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك ، فقالت : أصبر . فقالت : إني أنكشف فادع الله لي أن لا أنكشف ، فدعا لها " .

3 - عن فاطمة بنت قيش أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب ، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال : " تلك المرأة يغشاها أصحابي ، اعتدي في بيت أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك " فأقر النبي ابنة قيس على أن يراها الرجال حين أمرها أن تعتد في بيت أم شريك ، ولكنه لم يقرها أن تضع ثيابها في بيت أم شريك وهي يأتيها الرجال ، فيبدو منها ما هو محرم ، فأمرها أن تتحول وتعتد في بيت أم مكتوم .

4 - روى أبو بكر عن ابن جريج قال : قالت عائشة : دخلت على ابنة أخي مزينة فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض فقلت يا رسول الله ابنة أخي ، وجارية . فقال " إذا عركت المرأة لم يجز لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا ، وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى ونحوه " .

5 - ومما يدل على أن اليد ليست بعوة مصافحة الرسول للنساء في البيعة . عن أم عطية قالت : " بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لايشركن بالله شيئاً ونهانا عن النياحة ، فقبضت امرأة منا يدها فقالت : فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها . فلم يقل شيئاً فذهبت ثم رجعت " . وهذا الحديث يدل على أن النساء كن يبايعن باليد ، لأن هذه المرأة قبضت يدها بعد أن كانت مدتها للبيعة . فكون الحديث ينص على أن المرأة قبض يدها حين سمعت لفظ البيعة صريح بأن البيعة كان باليد ، وأن الرسول كان يبايع النساء بيده الشريفة . وأما ما روي عن عائشة من أنها قالت : " وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا امرأة يملكها فإنه رأي لعائشة وتعبير عن مبلغ علمها ، " وإذا قورن قول عائشة بحديث أم عطية هذا ترجح حديث أم عطية ، ودل على عمل للرسول فهو أرجح من رأي محض لعائشة . ولذلك رجح الرواة حديث أم عطية وأخذوا به وأجازوا مصافحة الرجل للمرأة .

فهذه الحوادث الخمسة الثابتة في الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن الذي كان يظهر من المرأة هو الوجه والكفان قبل نزول الآية الصريحة بالحجاب ، والحديث الرابع يدل على إعراض الرسول عن النظر إلى امرأة مزينة لأنها كانت تبدي غير ما يظهر منها ، ثم بين أنه لا يجوز لها أن تبدي إلا الوجه والكفين . وهذا يدل دلالة واضحة أن المستثنى في الآية هو الوجه والكفان . وهذا يدل على أنهما ليسا بعورة ، لا في الصلاة ، ولا خارج الصلاة . لأن الآية عامة : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } .**

**وأما الآية التي بعدها فإن مفهومها يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة ، فالله تعالى يقول : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } والخمر جمع خمار ، وهو ما يغطى به الرأس ، والجيوب جمع الجيب ، وهو موضع القطع من الدرع والقميص ، فأمر تعالى بأن يلوى الخمار على العنق والصدر ، فدل على وجوب سترهما ، ولم يأمر بلبسه على الوجه ، فدل على أنه ليس بعورة . وليس معنى كلمة الجيب هو الصدر كما يتوهم ، بل الجيب من القميص طوقه وهو فتحته التي تكون حول العنق وأعلى الصدر ، وضرب الخمار على الجيب ليًّه على طوق القميص من العنق والصدر . فالأمر بجعل غطاء الرأس يلوى على العنق والصدر استثناء للوجه ، فدل على أنه ليس بعورة . وبذلك يكون الحجاب غير موجود ، ولم يشرعه الله سبحانه وتعالى .

هذا من حيث الأدلة من القرآن ، أما الأدلة من الحديث على أن الحجاب لم يشرعه الله تعالى ، وأن الوجه والكفين ليسا بعورة ، فلما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها : " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه " ، وقد أخرج أبو داود عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلى وجهها ويداها إلا المفصل " ، وأخرج البيهقي عن أسماء بنت عميس أنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة بنت أبي بكر وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر ، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام ، فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فخرج ، قالت عائشة رضي الله عنها تنحي فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً كرهه ، فتنحت ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عائشة رضي الله عنها لم قام ؟ قال : " أو لم تري إلى هيأتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا ، وأخ بكمية فغطى بهما كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه ، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه " .

فهذه الأحاديث صريحة بأن الوجه والكفين ليسا بعورة ، وصريحة بأن الله لم يشرع ستر الوجه والكفين ، ولم يشرع الحجاب . إذ لو شرع شيئاً من ذلك لناقض نص هذه الأحاديث التي لا تحتمل أي تفسير أو تأويل ، بل تدل دلالة واضحة صريحة على أن المرأة المسلمة تخرج إلى السوق كاشفة وجهها وكفيها ، وتتحدث إلى الرجال الأجانب ، وهي كاشفة وجهها وكفيها ، وتعامل الناس جميع المعاملات المشروعة ، من بيع وشراء وإجارة وتأجير وشفعة ووكالة وكفالة وغير ذلك وهي كاشفة وجهها وكفيها . وأن الحجاب لم يشرعه الله تعالى إلا لنساء الرسول . وأنه وإن كان القول بالحجاب رأياً إسلامياً لأن له شبهة الدليل ، وقد قال به أئمة مجتهدون من أصحاب المذاهب إلا أن شبهة الدليل التي يستدلون بها واهية ، لا يكاد يظهر فيها الاستدلال .

بقيت مسألة يقول فيها بعض المجتهدين وهي أن الحجاب يشرع للمرأة خوف الفتنة ، فيقولون تمنع المرأة من كشف وجهها بين الرجال لا لأنه عورة ، بل لخوف الفتنة ، وهذا القول باطل من عدة وجوه .

أحدها : أنه لم يرد بتحريم كشف الوجه لخوف الفتنة نص شرعي ، لا من الكتاب ، ولا من السنة ، ولا من إجماع الصحابة ، ولا من علة شرعية يقاس عليها ، فلا قيمة له شرعاً ولا يعتبر حكماً شرعياً . لأن الحكم الشرعي هو خطاب الشارع ، وتحريم كشف الوجه لخوف الفتنة لم يأت في خطاب الشارع ، وإذا علم أن الأدلة الشرعية جاءت على النقيض منه تماماً ، فأباحت الآيات والأحاديث كشف الوجه واليدين إباحة مطلقة لم تقيد بشيء ، ولم تخصص في حالة من الحالات فيكون القول بتحريم كشف الوجه ، وإيجاب ستره تحريماً لما أحله الله ، وإيجاباً لما يوجبه رب العالمين . فهو فوق عدم اعتباره حكماً شرعياً ، هو مبطل لأحكام شرعية ثابتة بصريح النص .

ثانيها : أن جعل خوف الفتنة علة لتحريم كشف الوجه وإيجاب ستره لم يرد فيه أي نص شرعي لا صراحة ولا دلالة ولا استنباطاً ولا قياساً فلا يكون علة شرعية مطلقاً ، بل هو علة عقلية ، والعلة العقلية لا اعتبار لها في أحكام الشرع ، بل المعتبر إنما هو العلة الشرعية ليس غير . وعليه فلا يقام أي وزن لخوف الفتنة في تشريع تحريم كشف الوجه وإيجاب ستره ، لأنه لم يرد في الشرع .

ثالثها : أن قاعدة الوسيلة إلى الحرام محرمة لا تنطبق على تحريم كشف الوجه لخوف الفتنة ، وذلك لأن هذه القاعدة تقتضي أن يتوفر فيها أمران : أحدهما أن تكون الوسيلة موصلة إلى الحرام بغلبة الظن وكان سبباً للحرام ، بحيث ينتج المسبب حتماً ولا يتخلف عنه . والثاني أن يكون ما تؤول إليه قد ورد النص بتحريمه ، وليس مما يحرمه العقل . وهذا غير موجود في كشف الوجه لخوف الفتنة . إذ قالوا بستر الوجه لخوف الفتنة ، ولم يقولوا لتحقق الفتنة ، وعليه فلا ينطبق كشف الوجه لخوف الفتنة على قاعدة تحريم ما يكون سبباً لما هو حرام ، على فرض أن الفتنة تحرم شرعاً على من يفتتن به ، لأنه ليس مما يؤول إليه قطعاً . على أن خوف الفتنة لم يرد نص بجعله حراماً ، بل لم يجعل الشرع الفتنة نفسها حراماً على من يفتتن به الناس ، بل حرم على الناظر نظرة افتتان أن ينظر ، ولم يحرم ذلك على المنظور ، فقد روى أبو داود : " كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته الخثعمية تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه عنها " أي صرف وجه العباس عنها ، بدليل ما جاء في رواية أخرى لهذا الحديث " فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل فحول وجهه من الشق الآخر " وروى هذه القصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزاد " فقال له العباس : يا رسول الله ، لم لويت عنق ابن عمك قال : " رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما" . ومن ذلك يتبين أن الرسول صرف وجه الفضل عن الخثعمية ، ولم يأمر الخثعمية بستر وجهها ، وكانت كاشفة له ، فلو كانت الفتنة حراماً على من يفتتن به لأمر الرسول الخثعمية بستر وجهها بعد أن تحقق من نظرة الفضل إليها نظرة افتتان . ولكنه لم يأمرها ، بل لوى عنق الفضل ، مما يدل على أن التحريم على الناظر ، لا على المنظور . وعلى ذلك فإن تحريم افتتان الناس بالمرأة لم يرد به نص يحرمه على المرأة التي يفتتن بها ، بل ورد النص بعدم تحريمه عليها ، فلا يكون ما يؤدي إليه حراماً ، حتى لو كان يؤدي إليه حتماً . على أنه يجوز للدولة عملاً برعاية الشؤون أن تبعد أشخاصاً بعينهم عن أعين من يفتنون بهم ، لتحول بين من يفتتن به الناس ، وبين الناس إذا كانت الفتنة في الشخص عامة ، كما فعل عمر بن الخطاب بنصر بن حجاج حين نفاه إلى البصرة ، لافتتان النساء به لجماله . وهذا عام في الرجال والنساء ، فلا يقال إنه يحرم على النساء كشف الوجه لخوف الفتنة ، حتى ولا لتحقق الفتنة ، ولا يكون ذلك من قبيل الوسيلة إلى الحرام محرمة .

**

**وأمر الإسلام أن يكون لباس المرأة مخالفاً للباس الرجل ، كما أمر أن يكون لباس الرجل مخالفاً للباس المرأة . ومنع أحدهما أن يتشبه بالآخر باللباس ، وبما يخص به ويميزه عن النوع الآخر ، كتزين بعض أعضاء الجسم . عن أبي هريرة رض الله عنه قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة ، والمرأة تلبس لبسة الرجل " وعن ابن أبي مليكة قال : قيل لعائشة رضي الله عنها " إن المرأة تلبس النعل ؟ فقالت : لعن رسول الله r الرجلة من النساء " وعن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليس منا من تشبه بالرجال من النساء " ، وعن ابن عباس قال : " لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء " . وقال : " أخرجوهن من بيوتكن " قال : " فأخرج النبي r فلاناً وأخرج عمر فلاناً " .

وجعل الإسلام الصداق أي المهر على الرجل للمرأة ، وجعله حقاً لها عليه ، مع أن الاستمتاع هو لهما معاً ، وليس للرجل وحده . فقال تعالى : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً } ومعنى نحلة هو عطية إذ الصداق عطية ، وليس هو بدل البضع كما يتوهم بعضهم . وقال عليه الصلاة والسلام للذي زوجه الموهوبة : " هل من شيء تصدقها ؟ فالتمس ولم يجد قال : التمس ولو خاتماً من حديد فلم يجد شيئاً فزوجه إياها بما معه من القرآن " .

وجعل الله تعالى العلم لكسب المال فرضاً على الرجال ، ولم يجعله فرضاً على المرأة بل مباحاً لها ، إن شاءت عملت ، وإن شاءت لم تعمل . قال تعالى : { لينفق ذو سعة من سعته } وذو لا تطلق إلا على المذكر ، وقال : {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} فجعل النفقة على الذكر .

وجعل الإسلام أمر القوامة للرجال على النساء . وجعل لهم القيادة والأمر والنهي ، قال الله تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ، واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً } . وقد بين أن هذه القوامة كانت للرجال بما جعل الله لهم من زيادة في التكاليف كالحكم ، وإمامة الصلاة ، والولاية في النكاح ، وجعل الطلاق بيده ، قال تعالى : { بما فضل الله بعضهم على بعض } وكانت هذه القوامة أيضاً بما ألقي على عاتقهم من تكاليف الإنفاق من المهر والتموين ، فقال تعالى : { وبما أنفقوا من أموالهم } كما جعل للزوج حق تأديب زوجته بالتذكير الجميل وبالهجران في المضاجع ، وبالضرب غير المبرح حسب ما يحتاجه الذنب من تأديب ، هذا إذا نشزت أي عصته وتمردت عليه . وجعل للمرأة حق حضانة الصغير صبياً كان أو بنتاً ، ومنع الرجل منها . وجعل للمرأة مباشرة الإنفاق على الصغار إذا ماطل أبوهم ، أو قتر عليهم ، ومنع الرجل في هذه الحالة من مباشرتها . فقد جاءت هند إلى رسول الله r فقالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح ، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " والقاضي يجبره على أن يسلمها النفقة ويجعل لها أن تباشرها ، ولا يقبل منه مباشرة الإنفاق في هذه الحالة.

وهكذا جاء الإسلام بأحكام متنوعة خص الرجال ببعضها ، وخص النساء ببعضها ، وميز بين الرجال والنساء في قسم منها ، وأمر أن يرضى كل منهما بما خصه الله به من أحكام ، ونهاهم عن التحاسد ، وعن تمني ما فضل الله به بعضهم على بعض ، قال تعالى : { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ، للرجال نصيب مما اكتسبوا ، وللنساء نصيب مما اكتسبن } . وهذا التخصيص في الأحكام ليس معناه عدم مساواة ، وإنما هو علاج لأفعال الأنثى باعتبارها أنثى ، وعلاج لأفعال الذكر باعتباره ذكراً ، وكلها قد عولجت بخطاب يتعلق بأفعال العباد . وإذا درس واقعها جميعها تبين أنه علاج لمشكلة نوع من الإنسان باعتبار نوعه ، وهولا بد أن يختلف عن علاج الإنسان باعتباره إنساناً . ولم تلاحظ فيه ناحية المساواة ، أو عدم المساواة لأنها ليست محل البحث ، وإنما لوحظ فيه كونه علاجاً معيناً لمشكلة معينة ، لإنسان معين . هذا هو وجه التنوع في الأحكام بين الرجل والمرأة فيما ورد من أحكام متنوعة ، وعلى أي حال فهي علاج لمشكلة إنسان ، سواء أكان علاجاً واحداً لكل من الرجل والمرأة كطلب العلم ، أم كان متنوعاً بينهما كتنوع العورة واختلافها بالنسبة للرجل وبالنسبة للمرأة . ولا يعني ذلك تتميز إنسان على إنسان ، أو بحث مساواة أو عدم مساواة . وأما ما ورد في الأثر من أن النساء ناقصات عقل ودين ، فإنما يقصد اعتبار الأثر الصادر بالنسبة للعقل والدين ، وليس معناه نقصان العقل أو نقصان الدين عندهن . لأن العقل واحد باعتبار الفطرة عند كل من الرجل والمرأة ، والدين واحد باعتبار الإيمان والعمل عند كل من الرجل والمرأة . والمراد من هذا الأثر هو نقصان أيام الصلاة عند المرأة ، بعدم صلاتها أيام الحيض في كل شهر وأيام النفاس ، وعدم صيامها أيام الحيض والنفاس في رمضان .

هذا هو موضوع الحقوق والواجبات ، أي التكاليف الشرعية قد شرعها الله للإنسان من حيث هو إنسان ، ولكل نوع من نوعي الإنسان : الذكر والأنثى ، ولكن باعتباره نوعاً من أنواع الإنسان له صفة الإنسانية ، وصفة النوعية عند التشريع ، ولا يراد تمييز أحدهما عن الآخر ، كما لا يلاحظ فيها أي شيء من أمور المساواة وعدم المساواة .

**

**أعمال المرأة

طبيعة نظرة الإسلام التشريعية تجعل الأعمال التي يقوم بها الإنسان بوصفه إنساناً مباحة لكل من الرجل والمرأة على السواء ، دون تفريق بينهما ، أو تنويع أحدهما عن الآخر . أو تجعل هذه الأعمال واجبة أو محرمة أو مكروهة أو مندوبة دون أي تفريق أو تنويع . أما الأعمال التي يقوم بها الذكر بوصفه ذكراً مع وصف الإنسانية ، وتقوم بها الأنثى بوصفها أنثى مع وصف الإنسانية ، فإن الشرع قد فرق بينهما فيها ، ونوعها بالنسبة لكل منهما ، سواء من حيث الوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الندب أو الإباحة . ومن هنا نجد أن الحكم والسلطان قد جعله الشرع للرجال دون النساء ، ونجده قد جعل حضانة الأولاد أبناء كانوا أو بنات للنساء دون الرجال . ولذلك كان لا بد من أن توكل الأعمال التي تتعلق بالأنثى بوصفها أنثى للنساء ، وأن توكل الأعمال التي تتعلق بالذكر بوصفه ذكراً للرجال . ولما كان الله تعالى وهو الذي خلق الذكر والأنثى أعلى بما هو من شأن الرجل أو شأن المرأة ، كان لا بد من الوقوف عند حد الأحكام التي شرعها دون مجاوزتها ، سواء أكانت للرجال وحدهم ، أم للنساء وحدهن ، أم للإنسان بغض النظر عن كونه رجلاً أو امرأة ، لأنه هو أعلم بما يصلح للإنسان . فمحاولة العقل حرمان المرأة من أعمال بحجة أنها ليس من شأنها ، أو إعطائها أعمالاً خص بها الرجل باعتبار أن هذا الإعطاء إنصاف لها . وتحقيق للعدالة بينها وبين الرجل ، كل ذلك تجاوز على الشرع ، وخطأ محض ، وسبب للفساد .

وقد جعل الشرع المرأة أماً وربة بيت ، فجاءها بأحكام تتعلق بالحمل ، وأحكام تتعلق بالولادة ، وأحكام تتعلق بالرضاع ، وأحكام تتعلق بالحضانة ، وأحكام تتعلق بالعدة . ولم يجعل للرجل شيئاً من ذلك ، لان هذه أحكام تتعلق بالأنثى بوصفها أنثى ، فألقى عليها مسئولية الطفل من حمل ، وولادة ، وإرضاع ، وحضانة . فكانت هذه المسئولية أهم أعمالها وأعظم مسئولياتها . ومن هنا يمكن أن يقال إن العمل الأصلي للمرأة هو أنها أم وربة بيت ، لأن في هذا العمل بقاء النوع الإنساني ، ولأنها قد اختصت به دون الرجل . وعليه فإنه يجب أن يكون واضحاً أنه مهما أسند للمرأة من أعمال ، ومهما ألقي عليها من تكاليف ، فيجب أن يظل عملها الأصلي هو الأمومة ، وتربية الأولاد . ولذلك نجد الشرع قد سمح لها أن تفطر في رمضان وهي حامل أو مرضع ، وأسقط عنها الصلاة وهي حائض أو نفساء ، ومنع الرجل أن يسافر بابنه من بلدها ما دامت تحضنه ، كل ذلك من أجل إتمام علمها الأصلي ، وهو كونها أماً وربة وبيت أنها محصورة في هذا العمل ، ممنوعة من مزاولة غيره من الأعمال ، بل معناه هو أن الله خلق المرأة ليسكن إليها الرجل ، وليوجد منها النسل والذرية قال تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } وقال : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها } ولكنه خلقها في نفس الوقت لتعمل في الحياة العامة ، كما تعمل في الحياة الخاصة . فأوجب عليها ، حمل الدعوة ، وطلب العلم فيما يلزمها من أعمال حياتها . وأجاز لها البيع ، والإجارة والوكالة . وحرم عليها الكذب والغدر ، والخيانة ، كما أوجب ذلك على الرجل وأجازه له ، وحرمه عليه . وجعل لها أن تزاول الزراعة والصناعة كما تزاول التجارة ،وأن تتولى العقود ، وأن تملك كل أنواع الملك ، وأن تنمي أموالها . وأن تباشر شؤونها في الحياة بنفسها ، وأن تقوم بسائر المعاملات . وذلك لعموم خطابات الشارع ، وعدم تخصيص المرأة بالمنع . إلا أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى الحكم ، فلا تكون رئيس دولة ، ولا معاوناً له ، ولا واليا ، ولا عاملاً ، ولا أي عمل يعتبر من الحكم ، لما روي عن أبي بكر قال : لما بلغ رسول الله r أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال : " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " . وهذا صريح في النهي عن تولي المرأة الحكم في ذم الذين يولون أمرهم للنساء . وولي الأمر ، هو الحاكم قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } فولاية الحكم لا تجوز للنساء ، أما غير الحكم فيجوز أن تتولاه المرأة . وعلى ذلك يجوز للمرأة أن تعين في وظائف الدولة ، لأنها ليست من الحكم وإنما تدخل في باب الإجارة ، فالموظف أجير خاص عند الحكومة ، وهو كالأجير عند أي شخص أو شركة ، ويجوز لها أن تتولى القضاء لان القاضي ليس حاكماً وإنما هو يفصل الخصومات بين الناس ، ويخبر المتخاصمين بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام . ولذلك عرف القضاء بأنه إخبار بالحكم على سبيل الإلزام . فالقاضي موظف وليس بحاكم ، فهو أجير عند الدولة كسائر الإجراء . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قد ولى الشفاء - امرأة من قومه - السوق أي قاضي الحسبة الذي يحكم على المخالفات جميعها . على أن قضية كون المرأة يجوز أن تكون قاضياً متعلقة بنص الحديث وتطبيقه على واقع وظيفة القاضي ، فإن انطبق حديث النهي على تولية المرأة الأمر على القضاء كانت توليتها القضاء لا تجوز ، وإن لم ينطبق عليها فلا يصلح الحديث دليلاً على منعها من القضاء . وبالنظر للحديث نجد أن الرسول قد ذم القوم الذين ولو أمرهم امرأة ، جواباً على ما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم امرأة ، فهو تعليق على خبر ، وبمقام الجواب على السؤال . فهو خاص في موضوع الخبر لا في غيره ، وموضوع الأخبار هو الملك أي رئاسة الدولة ، والتعليق كان على ذلك ، فهو خاص في موضع رئاسة الدولة ، وما في معناهما وهو الحكم . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن النهي منصب على الولاية العامة ، لأنها هو ولاية الأمر . هذا هو معنى الحديث وما يدل عليه . أما موضوع القضاء فهو عمل يختلف عن عمل الخليفة ، وعن عمل الوالي . فعمل الخليفة وعمل الوالي هو تنفيذ الحكم مباشرة من قبله سواء رفعت القضية إليه ، أو رفع حكم القاضي إليه ، أو لم يرفع إليه أحد قضية ، ولكنه رأى هو مخالفة للشرع ، فإنه يحاكم المخالف دون مدع وينفذ الحكم عليه فهو منفذ . أما القاضي فإنه لا يستطيع أن يحكم إلا إذا وجدت دعوى ، بأن رفع أحد الدعوى إليه ، وكان هنالك متداعيان . فهو يقضي إذا وجد ادعاء ، ولا شأن له إذا لم يوجد من يدعي . وفي حالة نظره في القضية إنما يخبر عن حكم الله في القضية على سبيل الإلزام ، وليست له سلطة التنفيذ مطلقاً ، إلا إذا عين حاكماً وقاضياً ، فحينئذ ينفذ بوصفه حاكماً ويقضي بوصفه قاضياً . وعلى ذلك فواقع القضاء غير واقع الحكم ، فلا ينطبق الحديث على القاضي . وفوق ذلك فإن القضاء ليس من الولاية في شيء ، فلا ولاية للقاضي على أحد من أهل البلد التي عين فيها قاضياً ، حتى لا ولاية له على المتداعيين . ولا تجب طاعته ، وإنما يجب تنفيذ حكمه حين يحكم في القضية لأنه حكم الله ، لا لأنه أمر القاضي ، ولا يعتبر حكمه حكم قاض إلا إذا حكم في مجلس القضاء . ولذلك لا تعتبر مشاهدته للحادثة ، أو سماعه لها في غير مجلس القضاء مجيزاً له أن يحكم بما شاهده أو سمعه ، ما لم يحصل ذلك في مجلس القضاء . بخلاف الحاكم فإنه تجب طاعته في كل حال ، وليس له مجلس معين للحكم ، بل يتولى الحكم في بيته ، وفي الطريق ، وفي مركز الدولة وفي كل مكان ، وطاعته واجبة ، قال عليه الصلاة والسلام : " ومن يطع الأمير فقد أطاعني " وعلى هذا فإن حديث النهي عن تولية المرأة لا ينطبق على عمل القاضي مطلقاً ، فلا يكون القضاء ممنوعاً على المرأة بهذا الحديث .**

**وإذا كانت النساء يناقشن الرسول ويسألنه فإن معنى ذلك أن يناقشن الخليفة وغيره ممن بأيديهم الحكم يسألنهم . فقد روي أن الرسول عليه السلام بعد أن وعظ الرجال يوم العيد " مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت لم يا رسول الله ؟ .. الحديث " وهو يدل على أن المرأة ناقشت الرسول وسألته عن سبب ما قاله في حقهن . وقصة خولة بنت ثعلبة التي جاءت الرسول تسأله عن أمر ظهار زوجها لها فقال لها ما عندي في أمرك شيء ، فجادلته ، قصة مشهورة قد أشار إليها الله في القرآن فقال : { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما } وهذا صريح في مناقشة النساء للرسول ، فلا كلام في جواز أن تعطي المرأة رأيها في كل شيء ، وأن تناقش فيه ، ولا شبهة لأحد في ذلك وقد انعقد الاجتماع على هذا .

أما كون المرأة يجوز لها أن توكل عنها من تشاء في إعطاء هذا الرأي ، وأن تتوكل عمن تشاء في إعطاء الرأي فلا كلام في جوازه أيضاً ، لأن للمرأة أن توكل عنها في النكاح ، والبيع ، والإجارة ، وغير ذلك . ولها أن تتوكل عن غيرها في ذلك . وليس ذلك خاصاً بأشياء دون أشياء ، بل هو عام بكل شيء ومنه الرأي . وعلى ذلك فإنه يجوز للمرأة أن توكل عنها من تشاء في إعطاء الرأي ، وأن تتوكل هي عمن تشاء في إعطاء الرأي .

ولما كان مجلس الأمة هو مجلساً لإعطاء الرأي ، وكان أعضاؤه وكلاء عن غيرهم في إعطاء الرأي ، فإنه يجوز للمرأة أن تنتخب وتنتخب في مجلس الأمة ، أي يجوز لها أن تكون وكيلاً عن غيرها ، وأن توكل غيرها في إعطاء الرأي . على أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه في السنة الثالثة عشرة من بعثته صلى الله عليه وسلم أي في السنة التي هاجر فيها ، ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان ، هما أم عمارة بنت كلب إحدى نساء بني مازن ، وأسماء بنت عمرو بن عدي إحدى نساء بني سلمة . وواعدهم الرسول العقبة . فذهبوا جوف الليل وتسلقوا الشعب جميعاً وتسلقت المرأتان معهم ، وقد قال لهم الرسول " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون به نساءكم وأبناءكم " وقد كانت بيعتهم هذه أن قالوا " بايعنا على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا ، وأن نقول الحق أينما كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم " وهذه بيعة سياسية . فإذا جاز للمرأة أن تبايع بيعة سياسية جاز لها أن تنتخب ، وأن تُنتخب ، لأن البيعة والانتخاب من باب واحد هو اختيار الحاكم وطاعته ، والدليل على أن البيعة والانتخاب من باب واحد هو أن الخليفة إن لم يبايع لا يكون خليفة شرعاً ، فالذي يجعله خليفة هو البيعة ، فهي في حقيقتها اختيار للخليفة ، وعهد بالسمع والطاعة له . ولا يقال إن البيعة هي عهد السمع والطاعة فقط فإنها تكون كذلك للذين لم يبايعوا إلا بعد انعقاد الخلاقة . أما البيعة ابتداء فهي اختيار وعهد على السمع والطاعة . ويشترط فيها الرضا لأنها عقد مراضاة ، ولذلك فهي والانتخاب من باب واحد . واختيار من ينوب عن المرأة في إعطاء الرأي في مجلس الأمة هو من باب أولى ، لأنه إذا جاز لها أن تختار الخليفة ، وهو أعلى منصب في الحكم فجواز اختيار من هو أقل منه من باب أولى . وبذلك يتبين أن انتخاب المرأة لأعضاء مجلس الأمة جائز شرعاً.

هذا من حيث دلالة بيعة العقبة الثانية على أن يجوز للمرأة أن تنتخب غيرها في مجلس الأمة . أما وجه دلالتها على أن لها أن ينتخبها غيرها عضواً في مجلس الأمة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن فرغوا من البيعة قال لهم جميعاً رجالاً ونساء . " أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم كفلاء " وهذا أمر منه للجميع ، بأن ينتخبوا من الجميع . فهو عام ، ولم يخصص فيه الرسول الرجال ، ولم يستثن النساء لا فيمن ينتخب ( بكسر الخاء ) ولا فيمن ينتخب ( بفتح الخاء ) . والعام يجري على عمومه ما لم يرد دليل التخصيص . وبما أنه لم يخصص فصار شاملاً للرجال والنساء جميعاً سواء من ينتخب أو من ينتخب .

وعلى هذا فإن جواز أن تكون المرأة عضواً في الأمة ، وأن تنتخب أعضاءه ، ثابت من ناحية كونهاُ وكيلاً عن غيرها في الرأي وكونها توكل غيرها في الرأي . وثابت من حديث بيعة العقبة الثانية .

ولا توجد آية شبهة عند أحد في أن الشورى حق للرجل والمرأة ، وأن محاسبة الحاكم فرض على الرجل والمرأة ، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الرجل والمرأة ، وأن النصيحة شرعت للرجل والمرأة ، وأن الوكالة بالرأي جائزة للرجل والمرأة ، وأن للمرأة الحق في أن يكون لها رأي ، وأن تعطي هذا الرأي ، لا فرق بين أن يكون هذا الرأي سياسياً ، أو تشريعياً أو غير ذلك من الآراء . ولما كان مجلس الأمة قد حصرت أعماله في الشورى ، ومحاسبة الحاكم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والنصيحة لأئمة المسلمين ،وكل ما هو متعلق بالرأي ، وليس من أعماله الحكم فإنه يقتضي أن لا تكون هنالك أية شبهة في جواز أن تكون المرأة عضواً في مجلس الأمة وجواز أن تنتخب المرأة أعضاء مجلس الأمة . غير أن بعضهم اشتبه عليه جواز أن تنتخب المرأة أعضاء مجلس الأمة بأن البيعة عهد على السمع والطاعة وليست انتخاباً فلم يجد فيها دليلاً على جواز الانتخاب . إلا أنه لما ثبت أن مجلس الأمة للرأي ، وأن للمرأة أن توكل من تشاء بالرأي فينبغي أن لا تكون هنالك أي شبهة في جواز أن تنتخب المرأة أعضاء مجلس الأمة ، علاوة على أن البيعة ابتداء عقد مراضاة وهي اختيار للخليفة بالرضا من المتعاقدين وليست عهد طاعة فحسب ، فتكون هي والانتخاب من باب واحد هو اختيار الخليفة . فيكون للمرأة الحق في انتخاب الحاكم واختياره كما يدل على ذلك حديث بيعة النساء الثابت ، فمن باب أولى أن يجوز اختيارها لأعضاء مجلس الأمة . وأيضاً فإن بعضهم يشتبه في جواز أن تكون المرأة عضواً في مجلس الأمة لاشتباه مجلس الأمة بمجلس النواب إلا أنه لما ثبت أن مجلس الأمة غير مجلس النواب ، إذ أن مجلس الأمة للرأي ، ومجلس النواب للحكم ، فلا يشبه أحدهما الآخر ، فينبغي أن لا تكون هنالك أية شبهة في جواز أن تكون المرأة عضواً في مجلس الأمة لانتفاء اشتباه مجلس الأمة بمجلس النواب . وبذلك لا تبقى شبهة في جواز أن تكون المرأة عضواً في مجلس الأمة ، وأن تختار أعضاء مجلس الأمة إلا عند كل مكابر .

**

**والثالث : هو اشتباه الناس بعمل مباح أنه عمل ممنوع ، فيبتعد المرء عن العمل المباح خشية أن يظن به الناس الظنون ، وذلك كمن يمر من مكان مشبوه بالفساد ، فيظن الناس به أنه فاسد ، فخشية أن يقول الناس عنه ذلك يبتعد عن المباح ، وكمن يتشدد في أن تستر زوجته أو محارمه وجوههن ، وهو يرى أن الوجه ليس بعورة ، ولكنه يتشدد خشية أن يقول الناس إن زوجة فلان أو أخته سافرة ، وهذا المعنى فيه ناحيتان: أحدهما : أن يكون الشيء الذي يشتبه الناس به أنه حرام أو مكروه هو بالفعل حراماً أو مكروهاً شرعاً . ومن قيام الشخص بالعمل المباح يفهم الناس أنه قام بالعمل الممنوع . ففي هذه الحالة يتقي الشخص العمل المباح خشية أن يظن الناس به ، أو يفسره لهم . " عن علي بن الحسين أن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها جاءت رسول الله تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة من العشاء ثم قامت تنقلب فقام معها النبي يقلبها ، حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مر بهما رجلان من الأنصار ، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نفذا ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي " . قالا . سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما ما قال . قال : إن الشيطان يجري من ابن مبلغ الدم . وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما " ومعنى يقلبها يرجعها . ويفهم من هذا الحديث أن الرسول دفع الشبهة التي قد توجد عند صاحبه مع أنه عليه السلام فوق الشبهات .

ثانيتهما : أن يكون الشيء الذي يشتبه الناس به أنه ممنوع هو في الحقيقة غير ممنوع ، ولكنه خشية أن يقول الناس عنه إنه فعل الممنوع ، يبتعد عنه لقول الناس لا لأنه ممنوع . ومثل هذا النوع من الشبهة لا يجوز الابتعاد عنه ، بل يقوم به على الوجه الذي أمر به الشرع ، ولا يحسب حساباً للناس . وقد عاتب الله الرسول على ذلك فقال تعالى : {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} مما يدل على أن المسلم إذا رأى أن الشرع لا يمنع الشيء فليفعله ولو قال الناس جميعاً إنه ممنوع .

فهذه الشبهات التي نهى الشرع عنها إذا اتقاها الرجل والمرأة صانتهما من المعصية وجعلتهما يتصفان بالفضيلة .

4 - حث على التبكير في الزواج حتى يبدأ حصر الصلة الجنسية للرجل والمرأة بالزواج في سن مبكرة . فينشأ على ذلك وحتى يحتاط في حصر هذه النظرة الجنسية بالزواج ، منذ بدء فوران هذه الغريزة الجنسية . قال عليه الصلاة والسلام : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج " وقد سهل في أمر الزواج تسهيلاً كلياً بان حض على تقليل المهور ، قال عليه الصلاة والسلام : "أقلكن صداقاً أكثركن بركة " .

5 - أمر أولئك الذين لم تمكنهم ظروف خاصة من الزواج أن يتصفوا بالعفة وضبط النفس قال تعالى : {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله} وأمرهم أن يصوموا علاجاً لغريزة الجنس حتى يستعان بعبادة الصوم على التغلب عليها ، وإشغال النفس فيما هو أسمى وأرفع ، وهو تقوية صلة الإنسان بالله بالطاعات ، قال عليه الصلاة وسلام : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض البصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء " وليس الصوم لكبت الغريزة الجنسية ، وإنما هو لإيجاد مفاهيم تتعلق بغريزة التدين يشغل بها الإنسان عن مفاهيم غريزة النوع ، فلا تفور حتى لا تزعجه وتؤلمه . وليس المراد من الصوم إضعاف الجسم لأن الأكل في الليل وأخذ الكمية المغذية تغني عن الأكل في النهار ، فالأضعاف في الصوم غير محقق ، ولكن المحقق هو وجود المفاهيم الروحية من صوم التطوع .

6 - أمر النساء بالحشمة وبارتداء اللباس الكامل في الحياة العامة ، وجعل الحياة الخاصة مقصورة على النساء وعلى المحارم . ولا شك أن ظهور المرأة محتشمة جدية يحول بينها وبين النظرات المريبة ، ممن لا يتقون الله . وقد وصف القرآن هذا اللباس وصفاً دقيقاً كاملاً شاملاً . والمرأة حين تلبس هذا اللبس الكامل وتضرب بخمارها على جيبها فتلوي غطاء رأسها على عنقها وصدرها ، وحين تدني عليها جلبابها فترخي ملاءتها أو ملحفتها إلى أسفل كي تستر جميع جسمها حتى قدميها ، تكون قد لبست اللباس الكامل ، واحتاطت في لبسها ، وظهرت حشمتها ، وبهذا اللباس الكامل يمكنها أن تنزل إلى الحياة العامة لتباشر أعمالها فيها ، وهي في منتهى الحشمة والوقار ، مما يحول بينها وبين النظرات المريبة ممن لا يتقون الله .

هذه هي الأحكام الشرعية التي تشتمل على القيام بأعمال إيجابية ، أما الأحكام الشرعية التي تشتمل على أعمال سلبية منها ما يلي :

1 - منع كلاً من الرجل والمرأة من الخلوة بالآخر ، والخلوة هي أن يجتمع الرجل والمرأة في مكان لا يمكن أحداّ من الدخول عليهما إلا بإذنهما ، كاجتماعهما في بيت ، أو في خلاء بعيد عن الطريق والناس .

قال في القاموس المحيط " واستخلى الملك فأخلاه وبه واستخلى به وخلا به وإليه ومعه خلواً وخلاء وخلوة سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل " فالخلوة هي الاجتماع بين اثنين على انفراد ، يأمنان فيه وجود غيرهما معهما . وهذه الخلوة هي الفساد بعينه ولذلك منع الإسلام منعاً باتاً كل خلوة بين رجل وامرأة غير محرمين ، مهما كان هذا الشخصان ، ومهما كانت هذه الخلوة . قال عليه الصلاة والسلام : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم ، فإن ثالثهما الشيطان " . ويمنع الخلوة اتخذ الشرع الوقاية بين الرجل والمرأة . وواقع الخلوة أنها هي التي تجعل الرجل لا يعرف في المرأة غير الأنثى ، وهي التي تجعل المرأة لا تعرف في الرجل غير الذكر ، وبمنع هذه الخلوة الفردية تحسم أساب الفساد ، لأن الخلوة من الوسائل المباشرة للفساد .

2 - منع المرأة من التبرج حين نهى عنه ، قال تعالى : { والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة } فنهى القواعد من النساء عن التبرج حين شرط عليهن في وضع الثياب التي سمح بوضعها ، أي بخلعها عنهن ، أن يكون ذلك على غير تبرج ، ومفهومه نهي عن التبرج . وإذا كانت القواعد قد نهيت عن التبرج فإن غيرهن من النساء من باب أولى . وقال تعالى : { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } فإن مثل هذا يعتبر تبرجاً . والتبرج هو إظهار الزينة والمحاسن للأجانب يقال تبرجت المرأة : أظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب .

**

**هذه مشاكل واقعية في الجماعة الإنسانية في الشعوب والأمم . فإذا منع تعدد الزوجات بقيت هذه المشاكل دون علاج ، إذ لا علاج لها إلا بتعدد الزوجات . ومن هنا وجب أن يكون تعدد الزوجات مباحاً حتى تعالج المشاكل التي تحصل للإنسان . وقد جاء الإسلام يبيح تعدد الزوجات ، ولم يأت بوجوبه . وإباحة التعدد أمر لا بد منه . إلا أنه يجب أن يعلم أن هذه الحالات وأمثالها مما قد يحصل للإنسان وللجماعة الإنسانية هي مشاكل واقعية تحصل ، وليست هي علة لتعدد الزوجات ، ولا شرطاً في جواز التعدد . بل يجوز للرجل أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة مطلقاً ، سواء حصلت مشاكل تحتاج إلى التعدد أو لم تحصل ، لأن الله يقول : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } فقال : { ما طاب } وعمم ذلك دون أي قيد أو شرط . أما الاقتصار على واحدة فقد رغب الشرع فيه في حالة واحدة فقط ، وهي حالة الخوف من عدم العدل ، وما عداها فإنه لم يرد أي ترغيب في الواحدة ، ولا في نص من النصوص . ومع أن تعدد الزوجات حكم شرعي ورد في نص القرآن الصريح ، فإن الثقافة الرأسمالية والدعاية الغربية ضد الإسلام بالذات دون سائر الأديان ، قد صورت حكم تعدد الزوجات تصويراً بشعاً ، وجعلته منقصة وطعناً في الدين ، وكان الدافع إلى ذلك ليس لعيب أو لوحظ في أحكام الله وإما هو للطعن في الإسلام ، ولا دافع لهم غير ذلك . وقد أثرت هذه الدعاية على المسلمين ، ولا سيما الفئة الحاكمة ، والشباب المتعلم ، مما حمل الكثيرين من الذين لا زالت مشاعر الإسلام تتحرك عندهم ، على الدفاع عن الإسلام . وجعلهم يحاولون التأويل الباطل لمنع التعدد . جرياً منهم وراء ما تأثروا به من الدعاية الباطلة التي روجها أعداء الإسلام . ولهذا لا بد من تنبيه المسلمين إلى أن الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه الشرع . وأن ما أباحه الشرع فهو من الحسن ، وما حرمه الشرع هو من القبيح . وأن تعدد الزوجات سواء أكان له أثر ملموس حسنه ، أم لم يكن ، وسواء أعالج مشاكل وقعت ، أم لم يعالج ، فإن الشرع قد أباحه ، والقرآن قد نص على ذلك فهو فعل حسن ، ومنع التعدد هو القبيح ، لأنه من حكم الكفر . ولا بد أن يكون واضحاً أن الإسلام لم يجعل تعدد الزوجات فرضاً على المسلمين ولا مندوباً لهم ، بل جعله من المباحات ، التي يجوز لهم أن يفعلوها إذا رأوا ذلك . وكونه جعله مباحاً يعني أنه وضع في أيدي الناس علاجاً يستعملونه كلما لزم أن يستعملوه . وأباح لهم أن لا يحرموا أنفسهم مما طاب لهم من النساء إذا ما لوا لذلك في نظرتهم . فإباحة تعدد الزوجات وعدم وجوبه هو الذي يجعل تعدد الزوجات علاجاً من أنجح العلاجات للجماعة والمجتمع لدى بني الإنسان .

**

**وِلايَةُ الأبْ لما كان الأب هو رئيس الأسرة ، وهو قائدها والقوام عليها كان لا بد أن تكون له الولاية عليها ، فكان هو الولي على الأولاد . وله الولاية على أولاده الصغار والكبار غير المكلفين ، ذكوراً وإناثاً ، في النفس والمال ، ولو كان الصغار في حضانة الأم أو أقاربها .

والشخص إما أن يكون صغيراً ، وإما أن يكون كبيراً . والكبير إما أن يكون عاقلاً ، أو غير عاقل . فإن كان كبيراً عاقلاً فلا ولاية لأحد عليه من حيث النفس والمال ، بل هو الذي يتولى أمور نفسه . ولكن يبقى حق الولاية للأب . وإن كان صغيراً أو كبيراً غير عاقل ، بأن كان مجنوناً أو معتوهاً ، فإن ولايته لا تكون لنفسه ، لأنه عاجز عن ذلك ، وإنما تكون الولاية عليه لأبيه . وتستمر هذه الولاية ما دام الوصف الموجب لها موجوداً وهو الصغر ، وعدم العقل . فإن بلغ الولد الصغير ، أو شفي الولد الكبير من الجنون والعته ، انقطعت الولاية عنه . وصار هو ولي أمر نفسه ، وتبقى للأب عليهما ولاية ندب واستحباب . لأن له حق الولاية دائماً .**

النظام الإجتماعي في الإسلام


الشيخ تقي الدين النبهاني

ألْلِعانْ اللعان مشتق من اللعن ، لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذباً . والأصل فيه قوله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ويدراً عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } . وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلاً فرأى بعينه وسمع بأذنيه فلم يهجه حتى أصبح ، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا رسول الله إني جئت أهلي فوجدت عندهم رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به ، واشتدت عليه فنزلت { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم } الآيتان كلاهما . فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أبشر يا هلال قد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً . قال هلال : قد كنت أرجو ذلك من ربي تبارك وتعالى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلوا إليها . فأرسلوا إليها . فتلاها عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرهما وأخرهما أن عذاب الآخر أشد من عذاب الدنيا . فقال هلال والله لقد صدقت عليها . فقالت كذب . فقال رسول صلى الله عليه وسلم : " لاعنوا بينهما " فقيل لهلال : أشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين . فلما كانت الخامسة قيل يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب . فقال : والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها . فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ثم قيل لها اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فلما كانت الخامسة قيل لها اتقى الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة . وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب . فتلكأت ساعة ثم قالت : والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة . أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين . ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت .

فإذا قذف رجل زوجته فقال لها زنيت ، أو يا زانية أو رأيتك تزنين ولم يأت ببينة لزمه الحد إن لم يلتعن . فإن التعن هو ولم تلتعن هي عليها الحد لقول الله تعالى : { ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات } ، والعذاب الذي يدرأ عنها هو الحد المذكور في قوله تعالى : { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ، لأن هلالاً بن أمية لما قذف امرأته وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أرسل إليها فلاعن بينهما . وهذه حالة خاصة من الحالات التي ثبت فيها الزنا وهي حالة ما إذا رمى الزوج زوجته بالزنا فإنه يثبت بلعانه وعدم لعانها ، فإن لاعنت لا يثبت ، فنكولها عن اللعان يثبت الزنا عليها ، ويوجب عليها الحد بلعانه .

فإذا تلاعنا وفرق الحاكم بينهما لم يجتمعا أبداً ، وحرمت عليه على التأبيد . لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين . روى مالك عن نافع عن ابن عمر " أن رجلاً لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق الرسول بينهما فألحق الولد بالمرأة " وروى سهل بن سعد قال : " مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً " وهذه الفرقة باللعان فسخ لأنها توجب تحريماً على التأبيد ، فلا تحل له حتى لو أكذب نفسه . إلا أنها إذا عاد وأكذب نفسه فلها عليه الحد ، ويلحقه نسب الولد سواء أكذب نفسه قبل لعانها أو بعده .

واللعان الذي يبرأ به الزوج من الحد ويوجب الحد على الزوجة إن نكلت عن اللعان هو أن يقول الزوج بمحضر من الحاكم أشهد بالله لقد زنت ويشير إليها ، وإن لم تكن حاضرة سماها ونسبها حتى يكمل ذلك أربع مرات ثم يوقف عند الخامسة ويقال له اتق الله فإنها الموجبة ، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، فإن أبى إلا أن يتم فليقل : ولعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا . وتقول هي : أشهد بالله لقد كذب أربع مرات ثم توقف عند الخامسة ، وتخوف كما خوف الرجل ، فإن أبت إلا أن يتم فلتقل : وغضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا . فإن كان بينما ولد ذكر الولد في اللعان ، فإذا قال أشهد بالله لقد زنت ، يقول : وما هذا الولد ولدي . وتقول هي : أشهد بالله لقد كذب ، وهذا الولد ولده .

هذه هي كيفية الملاعنة وهذه هي ألفاظها وجملها ، ولذلك لو أن المرأة ولدت فقال زوجها ليس هذا الولد مني ، أو قال ليس هذا ولدي ، فلا حد عليه لأن هذا ليس بقذف ولكنه يسأل فإن قال زنت فولدت هذا من الزنا ، فهذا قذف يثبت به اللعان . وإن قال أردت أنه لا يشبهني خلقاً ، أو قال وطئت بشبهة والولد من الواطئ ، أو ما شاكل ذلك فلا حد عليه ، ويلحقه نسب الولد ، لأنه لم يقذفها . ولا لعان في هذه المواضع ، لأن من شرط اللعان القذف .

النَّسَبْ اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون المرأة هي محل الحمل والولادة ، ولذلك وجب أن تقصر المرأة في التزوج على رجل واحد ، ومنعت من التزوج بأكثر من زوج . وحرم ذلك عليها حتى يمكن كل شخص أن يعرف من انتسب إليه . وقد عني الشرع بثبوت النسب وبين حكمه أتم بيان .

وأقل مدة الحمل ستة أشهر ، وغالبه تسعة أشهر ، وطوله سنتان ، والزوج إذا ولدت امرأته ولداً يمكن أن يكون منه بأن ولدته لستة أشهر فأكثر من تاريخ زواجه بها فهو ولده ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش " . والحاصل : أنه ما دامت المرأة في زوجية الزوج وولدت ولداً بأكثر من ستة أشهر من الزواج فهو ولد الزوج مطلقاً .

إلا أن الزوج إذا ولدت امرأته ولداً لستة أشهر فأكثر وتحقق أن هذا الولد ليس منه فإنه يجوز له أن ينفيه بشروط لا بد من تحقيقها ، فإذا لم تحقق هذه الشروط لا قيمة لنفيه بل يبقى ولده شاء أو أبى . وهذه الشروط هي :

أولاً : أن يكون الذي ينفيه منه قد ولد حياً فلا ينفي نسب الولد إذا نزل ميتاً لأنه لا يلحق نفيه حكم شرعي .

ثانياً : أن لا يكون قد أقر صراحة أو دلالة بأنه ابنه ، فإذا أقر صراحة أو دلالة بأنه ابنه ، فلا يصح أن ينفي نسبه بعد ذلك .

ثالثاً : أن يكون نفي الولد في أوقت مخصوصة وأحوال مخصوصة ، وهي وقت الولادة ، أو وقت شراء لوازمها ، أو وقت علمه بأن زوجته ولدت أن كان غائباً ، ولا ينتفي نسب الولد إذا نفاه في غير هذه الأوقات والأحوال . فإذا ولدت امرأته ولداً فسكت عن نفيه مع إمكانه ، لزمه نسبه ولم يكن له نفيه بعد ذلك . ويتقدر الخيار بمجلس علمه وبإمكان النفي ، فإن علم بالولد وأمكنه نفيه ولم ينفه ثبت نسبه ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الولد للفراش " فإن ادعى أنه لا يعلم بالولادة وأمكن صدقه بأن يكون في موضع يخفى عليه ذلك ، مثل أن يكون في محلة أخرى ، أو في بلد آخر ، فالقول قوله مع يمينه ، لأن الأصل عدم العلم . وإن لم يمكن صدقه كأن يكون معها في الدار لم يقبل لأن ذلك لا يكاد يخفى عليه ، وإن قال علمت ولادته ولم أعلم أن لي نفيه ، أو قال علمت ذلك ولم أعلم أن عليَّ أن أنفيه فوراً ، وكان مما يخفى عليه ذلك كعامة الناس ، قبل منه ، لأن هذا الحكم مما يخفى على العامة فأشبه ما لو كان حديث عهد بالإسلام . وكل حكم كان مما يخفى مثله على مثله يعذر الجهل فيه ، كمن هو حديث عهد بالإسلام . وإن كان مما لا يخفى مثل هذه الحكم على مثل ذلك الرجل لا يعذر الجهل فيه .

رابعاً : أن يعقب نفي الولد اللعان أو أن يفيه باللعان ولا ينتفي الولد عنه إلا أن ينفيه باللعان التام .

فإذا تحققت هذه الشروط الأربعة نفي الولد ، والحق بالمرأة ، فقد روى ابن عمر أن رجلاً لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وانتفى من ولدها ففرق رسول الله بينهما ، والحق الولد بالمرأة . وإذا لم تتحقق شروط نفي الولد فلا ينفى ، ويثبت نسبه من الزوج ، وتجري عليه جميع أحكام البنوة . هذا إذا كان الخلاف على حصول الولادة من الزوج ، إما إذا حصل الخلاف بين الزوجين على حصول الولادة من الزوجة ، بأن ادعت الزوجة أثناء قيام الزوجية بينهما أنها ولدت منه ولداً وجحد الزوج ذلك . بأن قال لم يحصل منك ولادة ، فلها أن تثبت دعواها بشهادة امرأة مسلمة ، وتكفي في هذه الحالة شهادة امرأة واحدة ، لأن النسب ثابت بوجود الفراش . والولادة يصح أن تثبت بشهادة امرأة واحدة مستوفيه شروط الشهادة .

**إلا أن هذا الطلاق قد تركت فيه كذلك الفرصة للزوجين ولم يكن فراقاً حاسماً بينهما ، بل جعل لهما حق المراجعة للمرة الأولى ، والثانية . إذ قد يثير بينهما الطلاق الأول أو الثاني في نفس الزوجين رغبة جديدة لمعاودة الحياة الزوجية بينهما مرة ثانية بعد الطلقة الأولى ، ومرة ثالثة بعد الطلقة الثانية ، ومن هنا نجد أن الشرع جعل الطلاق ثلاث مرات ، فقال تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } حتى يترك للزوجين أن يراجع كل منهما نفسه ، وأن يرجع إلى تقوى الله المتركز في صدره ، فلعلهما يحاولان إعادة تجربة الحياة الزوجية مرة أخرى ، فينالان الهناءة الزوجية أو الراحة والطمأنينة التي لم يكونا ينالانها من قبل . ومن هنا نجد أن الإسلام أباح للزوج أن يراجع زوجته بعد الطلقة الأولى والثانية . كما أنه جعل ما يساعد الزوجين على مراجعة نفسهما ، وإعادة التفكير في الأمر ، والنظر إليه نظرة جدية أكثر مما كانا ينظران إليه . إذ جعل فترة العدة بعد الطلاق ثلاث حيضات ، وهي تقرب من ثلاثة أشهر ، أو وضع الحمل ، وجعل على الزوج واجب الإنفاق على هذه المطلقة وإسكانها طوال مدة العدة ، ومنع الزوج من إخراج معتدته حتى تستوفي عدتها ، وذلك تأليفاً للقلوب ، وتصفية للنفوس . وإفساحاً للطريق التي بها يرجعان إلى بعضهما ، ويستأنفان الحياة الصافية الجديدة ، ووصى من هذه الناحية توصيات صريحة في القرآن قال تعالى : { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ، ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ، ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } فإن لم تؤثر هذه المعاملات ، أو أثرت بعد الطلقة الأولى والثانية ثم حصلت الثالثة رغم كل ذلك فإن المسألة حينئذ تكون أعمق جذوراً ، وأكثر تعقيداً وأشد شقاقاً ، ولا فائدة حينئذ من المراجعة ، فضلاً عن بقاء الزواج . فكان لا بد من الفراق التام واستئناف عشرة أخرى حتماً . دون إعادة التجربة الفاشلة لنفس العشرة ، قبل تجربة عشرة أخرى . ولذلك جعل الطلاق الثالث حاسماً ، فقال تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره } ومنع مراجعة الزوج لزوجته مطلقاً بعد الطلقة الثالثة حتى تعاشر زوجاً آخر غيره ، ويدخل بها . " حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها " لتختبر العشرة الزوجية كاملة . فإن جربت عشرة زوجية أخرى مع غيره تجربة طبيعية ، ولم تجد في هذه العشرة الثانية راحتها وطمأنينتها ، وحصل الفراق بينهما وبين زوجها الثاني ، فحينئذ صار بإمكانها أن ترجع إلى العشرة الزوجية مع الزوج الأول ، لأنها تكون قد مرت في تجربة ثانية للعشرة الزوجية مع الزوج الثاني ، ووازنت بينهما . فحين تختار الرجوع تختار عن معرفة . ومن هنا نجد الشارع قد أباح لها الرجوع إلى الزوج الأول الذي طلقها ثلاثاً بعد زواجها من زوج آخر . قال تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره } ثم قال بعد ذلك مباشرة في نفس الآية { فإن طلقها } أي الزوج الثاني الذي هو غير الأول { فلا جناح عليهما } أي الزوج الأول ومطلقة الثاني { أن يتراجعا } أي يرجع كل واحدة منهما إلى صاحبة بالزواج .

هذا هو ما ترشد إليه كيفية تشريع الطلاق ، وبها يظهر ما في تشريع الطلاق وطريقة تشريعه ، وكيفية إيقاعه من الحكمة البالغة ، والنظر الدقيق للحياة الاجتماعية ، ليضمن لها العيش الهنيء . فإن فقدت هذه الهناءة ، ولم يبق أمل في إرجاعها كان لا بد من انفصال الزوجين . ولذلك شرع الله الطلاق على الوجه الذي بيناه .

**

**4 - إذا جن الزوج بعد عقد النكاح ، فللزوجة أن تراجع القاضي وأن تطلب تفريقها منه . والقاضي يؤجل التفريق مدة سنة . فإذا لم تزل الجنة في هذه المدة ، وأصرت الزوجة ، يحكم القاضي بالتفريق وذلك لحديث الموطأ السابق .

5 - إذا سافر الزوج إلى مكان ، بعد أو قرب ، ثم غاب وانقطعت أخباره وتعذر عليها تحصيل النفقة ، فإن لها أن تطلب التفريق منه بعد بذل الجهد في البحث والتحري عليه وذلك لقول الرسول r عن الزوجة تقول لزوجها " أطعمني وإلا فارقني " فجعل عدم الإطعام علة للفراق .

6 - إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته وهو موسر ، وتعذر عليها الوصول إلى ماله للإنفاق بأي وجه من الوجوه فإن لها أن تطلب التطليق وعلى القاضي أن يطلق عليه في الحال دون إمهال ، لأن الرسول يقول : " امرأتك ممن تعول تقول أطعمني وإلا فارقني " ولأن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا ، وقد عرف الصحابة ذلك ولم ينكروا عليه فكان إجماعاً .

7 - إذا ظهر بين الزوجين نزاع وشقاق ، فإن لها أن تطلب التفريق ، وعلى القاضي أن يعين حكماً من أهل الزوجة ، وحكماً من أهل الزوج ، والمجلس العائلي هذا يصغي إلى شكاوي الطرفين ، ويبذل جهده للإصلاح ، وإن لم يمكن التوفيق بينهما يفرق هذا المجلس بينهما على الوجه الذي يراه ، مما يظهر له من التحقيق . قال تعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما } .

ففي هذه الحالات أعطى الشرع للمرأة حق تطليق نفسها في الحالة الأولى ، وحق طلب التفريق بينهما وبين زوجها في الحالات الباقية . وواقع هذه الحالات يري أن الشارع نظر إلى أن المرأة صاحبة الزوج في هذه الحياة الزوجية ، وكل كدر ومقت يحصل في البيت يصيبها كما يصيب الزوج ، فكان لا بد من أن يضمن لها أن تتلخص من الشقاء إذا أصابها في البيت ، بحل عقدة الزواج من قبلها ، ولذلك لم يتركها الشارع مجبرة على البقاء مع الزوج إذا تعذرت الهناءة الزوجية . فأباح لها الشرع أن تفسخ عقد النكاح في الأحوال التي يتحقق معها عدم إمكانية العشرة ،أو عدم توفر الهناءة الزوجية .

وبهذا يبين أن الله قد جعل الطلاق بيد الرجل ، لأنه هو القوام على المرأة ، والمسئول عن البيت وجعل للمرأة حق الفسخ للنكاح ، حتى لا تشقى في زوجها ، ولا يصبح البيت الذي هو محل هناء واستقرار موطن شقاء وقلق لها .

أما ما هي العلة في مشروعية الطلاق فقد قلنا إن النصوص الشرعية لم تعلل الطلاق فلا علة له ولكنه يمكن بيان واقع تشريع الطلاق ، والكيفية التي وردت فيها مشروعيته بالنسبة للزواج ، ولما يترتب عليها . فإن واقع الزواج يدل على أنه وجد من أجل تكوين الأسرة ، وتوفير الهناء لهذه الأسرة . فإذا حدث في هذه الحياة الزوجية ما يهدد هذا الهناء ، ووصل الحال إلى حد تتعذر فيه الحياة الزوجية فلا بد أن تكون هنالك طريقة يستعملها الزوجان للانفكاك من بعضهما . ولا يجوز أن يرغما على بقاء هذه الرابطة على كره منهما ، أو من أحدهما . وقد شرع الله الطلاق . قال تعالى : {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} حتى لا يظل الشقاء في البيت ، وحتى تظل الهناءة الزوجية قائمة بين الناس . فإن تعذر قيامها بين اثنين لعدم توافق طباعهما ، أو لأنه طرأ ما أفسد عليهما حياتهما كان لهما أن يعطيا فرصة ليعمل كل منهما على إيجاد الهناءة الزوجية مع آخر . إلا أن الإسلام لم يجعل مجرد التذمر والكراهة سبباً للطلاق . بل أمر الزوجين بالعشرة بالمعروف ، وحث على تحمل الكراهة فلعل فيها خيراً . قال تعالى : { وعاشروهن بالمعروف ، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } . وأمر الرجال باستعمال الوسائل التي بها يخففون من حدة النساء من نشوزهن . فقال تعالى : { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ، واهجروهن في المضاجع ، واضربوهن } وهكذا أمر باتخاذ كافة الأسباب اللينة ، وغير اللينة ، لمعالجة المشاكل التي تحصل بين الزوجين ، معالجة تحول بينهما وبين الطلاق . حتى إذا لم تنفع العشرة بالمعروف ، ولم ينفع غيرها من الوسائل الشديدة ، وتجاوز الأمر الكراهة والتذمر والنشوز ، إلى النزاع والشقاق ، فإن الإسلام لم يجعل الخطوة الثانية هي الطلاق ، بالرغم من شدة الأزمة بينهما . بل أمر أن يحال الأمر إلى غير الزوجين من أهليهما ،ليقوما بمحاولة الإصلاح مرة أخرى ، فقال تعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً } ، فإن لم يستطع هذان الحكمان أن يوفقا بين الزوجين فحينئذ لا مجال لإبقاء الحياة الزوجية بينهما بعد كل هذه المحاولات . إذ تكون العقدة النفسية عندهما غير قابلة للحل إلا بالتفريق بينهما . فكان لابد من الطلاق لعلهما يجدان الهناءة الزوجية ، أو لعل هذه العقدة تحل بهذا الطلاق ، قال تعالى : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعاً حكيماً } .**

** ألْطَّلاق

كما شرع الله الزواج شرع أيضاً الطلاق . والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة وإجماع الصحابة . أما الكتاب فقد قال الله تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } وقال : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } . وأما السنة فقد روي عن عمر بن الخطاب : " أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها " وروي عن عبد الله بن عمر قال : " كانت تحتي امرأة أحبها وكان أبي يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يا عبد الله طلق امرأتك " . وقد أجمع الصحابة على مشروعية الطلاق .

والطلاق حل قيد النكاح ، أي حل عقدة التزويج ، وليس لجواز الطلاق أية علة شرعية ، فإن النصوص التي وردت في حله لم تتضمن أية علة ، لا نصوص القرآن ولا نصوص الحديث . فهو حلال لأن الشرع أحله وليس لأي سبب آخر . والتطليق الشرعي ثلاث تطليقات ، تطليقه بعد تطليقة فإن طلق واحدة فقد أوقع تطليقة واحدة ، وجاز له أن يرجعها أثناء العدة دون عقد جديد ، وإن طلقها طلقة ثانية فقد أوقع تطليقتين اثنتين ، وجاز له أن يراجعها أثناء العدة دون عقد جديد . فإن انقضت العدة في هاتين الحالتين ولم يراجعها فإنها أصبحت بائنة منه بينونة صغرى ، ولا يحل له أن يرجعها إلا بعقد ومهر جديدين . فإن طلقها ثالثة فقد أوقع ثلاث تطليقات ، وبانت منه بينونة كبرى ، لا يجوز له أن يراجعها إلا بعد أن تتزوج شخصاً آخر ويدخل بها وتنقضي عدتها منه قال الله تعالى : { الطلاق مرتان ، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما اقتدت به ، تلك حدود الله فلا تعتدوها ، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون . فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ، وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } ، فالله تعالى علم المسلمين في الآية كيف يطلقون ، فقال : { الطلاق مرتان} ثم خيرهم بعد أن علمهم بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بواجبهن ، وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذي عليهم . ثم قال : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ، أي فإن طلقها ثالثة بعد المرتين السابقتين فلا تحل له من ذلك التطليق حتى تتزوج غيره ، ثم قال : { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا } ، أي فإن طلقها الزوج الثاني فيجوز حينئذ للزوج الأول أن يراجعها له بعقد ومهر جديدين . وفاعل كلمة طلقها الثاني يعود على أقرب مذكور وهو كلمة { زوجاً غيره } أي الزوج الثاني ، وفاعل يتراجعا يعود على الزوج الأول . أي لا مانع من أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج . وعلى ذلك فإن الرجل يملك على المرأة ثلاث تطليقات ، منها اثنتان يجوز له أن يراجعها فيهما ، والثالثة لا يجوز أن يراجعها حتى تنكح زوجاً غيره .

والطلاق بيد الرجل وليس بيد المرأة وهو الذي يملكه وليست هي . أما لماذا يكون بيد الرجل فلأن الله تعالى قد جعله بيده ، ولم يرد من الشرع تعليل لذلك ، فلا يعلل . نعم إن التبصر في واقع الزواج والطلاق يري أنه لما كان الزواج ابتداء حياة زوجية جديدة كان الرجل والمرأة متعاونين في اختيار كل منهما زوجه الذي يريده ، وكان لكل منهما التزوج بمن يشاء ، ورفض الزواج بمن يشاء ، ولكن لما حصل الزواج بالفعل ، وأعطيت قيادة الأسرة للزوج ، وجعلت له القوامة عليها ، كان من المحتم أن يكون الطلاق بيد الرجل ، وأن يكون من حقه ، لأنه رئيس العائلة ورب الأسرة . فعليه وحده ألقيت مسئولية البيت وتكاليفه . فيجب أن تكون له وحده صلاحية حل عقدة التزويج . فالصلاحية بقدر المسئولية ، والتفريق بين الزوجين بيد القوام منهما على الآخر ، ولكن هذا وصف لواقع موجود ، وليس تعليلاً لحكم شرعي ، لأن علة الحكم الشرعي لا يجوز أن تكون إلا علة شرعية قد وردت في نص شرعي .

غير أنه ليس معنى كون الطلاق بيد الرجل ، وله وحده ، أنه لا يجوز لها أن تطلق نفسها وتحدث فرقة بينها وبينه ، بل إن الصلاحية له وحده أصلاً ، وإطلاقاً ، دون أي تقييد بحالة من الحالات ، بل له أن يطلق حتى ولو كان ذلك لغير سبب . ولكن الزوجة لها أن تطلق نفسها ، وتوقع الفرقة بينها وبين الرجل في حالات معينة ، نص عليها الشرع . فقد أباح لها الشرع أن تفسخ عقد النكاح في الأحوال الآتية :

1 - إذا جعل الزوج أمر طلاقها بيدها . فإن لها أن تطلق نفسها حسب ما ملكها إياه . فتقول طلقت نفسي من زوجي فلان ، أو تخاطبه قائلة طلقت نفسي منك . ولا تقول طلقتك ، أو أنت طالق ، لأن الطلاق يقع على المرأة لا على الرجل ، حتى لو صدر الطلاق منها . وإنما جاز أن يجعل الزوج أمر الطلاق بيد الزوجة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم خير نساءه ولإجماع الصحابة على ذلك .

2 - إذا علمت أن في الزوج علة تحول دون الدخول ، كالعنة ، والخصاء إذا كانت سالمة من مثلها . فإن لها في مثل هذه الحالة أن تطلب فسخ نكاحها منه ، فإذا تحقق الحاكم وجود العيب أجله سنة فإنه لم يصبها أجيب طلبها وفسخ النكاح . فقد روي أن ابن منذر تزوج امرأة وهو خصي فقال له عمر أعلمتها قال لا . قال أعلمها ثم خيرها . وروي أن عمر أجل العنين سنة . وإذا وجدت المرأة زوجها مجبوباً أو مشلول الذكر ثبت لها الخيار في الحال ، ولا يضرب لها أجل ، لأن الوطء ميئوس منه ولا معنى لانتظاره .

3 - إذا ظهر للزوجة قبل الدخول أو بعده أن الزوج مصاب بمرض من الأمراض التي لا يمكن الإقامة بها معه بلا ضرر ، كالجذام والبرص ، والزهري والسل ، أو طرأ عليه مثل هذه الأمراض ، فإن لها أن تراجع القاضي وتطلب التفريق بينها وبي نزوجها ، ويجاب طلبها إذا ثبت وجود هذا المرض ، وعدم إمكان البرء منه في مدة معينة . وخيارها دائم وليس بمؤقت ، وذلك لما ورد في الموطأ عن مالك أنه بلغه عن سعيد بن المسيب أنه قال : " أيما رجل تزوج امرأة وبه جنون أو ضرر فإنها تخير فإن شاءت قرت ، ون شاءت فارقت " .**

**وحكم العزل هذا ينطبق على استعمال الدواء ، واستعمال الكيس أو استعمال اللولب لمنع الحمل ، فإنها كلها من باب واحد ، لأن أدلة جواز العزل منطبقة عليها تمام الانطباق ، وهي مسألة من مسائلها ، إذ الحكم هو جواز أن يقوم الرجل بعمل يمنع الحمل ، سواء أكان عزلاً أم غيره ، وما جاز للرجل جاز للمرأة ، لأن الحكم هو جواز منع الحمل بأي وسيلة من الوسائل .

وهذا الجواز لمنع الحمل هو خاص بمنع الحمل المؤقت . أما منع الحمل الدائم وإيجاد العقم فإنه حرام ، فاستعمال الأدوية التي تمنع الحمل نهائياً وتقطع النسل ، وإجراء العمليات الجراحية التي تمنع الحمل نهائياً وتقطع النسل حرام ، لا يجوز القيام به ، لأن ذلك نوع من الخصاء ، وداخل تحته ، ويأخذ حكمه ، لأن هذه الاستعمالات تقطع النسل ، كما يقطعه الخصاء ، وقد ورد النهي الصريح عن الخصاء . عن سعد بن أبي وقاص قال : " رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ، ولو أذن له لاختصينا " وكان عثمان بن مظعون قد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يا رسول الله إن رجل يشق علي العزوبة فأذن لي بالاختصاء ، قال : لا ولكن عليك بالصيام " وفي لفظ آخر قال : " يا رسول الله أتأذن لي في الاختصاء ؟ قال : إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة " وعن أنس قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة ، وينهى عن التبتل نهياً شديداً ، ويقول : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " .

كما أن قطع النسل الدائم يتناقض مع حمل الشارع النسل والإنجاب هو الأصل من الزواج لذلك قال تعالى في معرض المنة على الناس { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } وقد جعل الشارع تكثير الأولاد مندوباً ، وحض عليه ، ومدح فاعله . فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة " وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " انكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم يوم القيامة " وعن معقل بن يسار قال : " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " إني أحببت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها ؟ فقال لا ، ثم أتاه الثانية فنهاه ، ثم أتاه الثالثة فقال : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم " .

إن جواز منع الحمل المؤقت بالعزل وغيره من وسائل منع الحمل ، لا يعني جواز إسقاط الجنين ، فإسقاط الجنين إذا نفخت فيه الروح يكون حراماً ، سواء كان الإسقاط بشرب دواء أو بحركات عنيفة ، أو بعملية طبية ، وسواء حصل من الأم أو من الأب ، أو من الطبيب ، لأنه تعدٍ على نفس إنسانية معصومة الدم . وهو جناية توجب الدية ، ومقدارها غرة عبد أو أمة ، وقيمتها عشر دية الإنسان الكامل . قال تعالى : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة عبد أو أمة " وأقل ما يكون به السقط جنيناً فيه غرة أن يتبين من خلفه شيء من خلق الآدمي ، من أصبع أو يد أو رجل أو رأس أو عين أو ظفر .

أما إن كان إسقاط الجنين قبل أن تنفخ فيه الروح ، فإن حصل الإسقاط بعد مرور أربعين يوماً من ابتداء الحمل ، وعند بدء التخلق للجنين فإنه يكون حراماً كذلك ، ويأخذ حكم إسقاط الجنين بعد نفخ الروح فيه من الحرمة ، ووجوب الدية فيه التي هي غرة عبد أو أمة . وذلك أنه إذا بدأ تخلق الجنين ، وظهرت بعض الأعضاء فيه فإنه يتأكد عندها أنه جنين حي في طريقه إلى أن يصبح إنساناً سوياً . وبذلك يكون الاعتداء عليه اعتداء على حياة إنسانية معصومة الدم ، ويكون وأداً لها ، وقد حرم الله ذلك . قال تعالى : { وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت } .

وبذلك يحرم على الأم وعلى الأب وعلى الطبيب إسقاط الجنين بعد مرور أربعين يوماً من ابتداء الحمل ، ومن يقوم به يكون مرتكباً جناية وإثماً ، وتلزمه دية الجنين المسقط ، وهي غرة عبد أو أمة كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم .

ولا يباح إسقاط الجنين سواء كان في دور التخلق أو بعد نفخ الروح فيه إلا إذا قرر الأطباء العدول أن بقاء الجنين في بطن أمه سيؤدي إلى موت الأم ، وموت الجنين معها . ففي هذه الحالة يجوز إسقاط الجنين لحفظ حياة الأم .

**

**ألْعَزْلْ العزل هو أن ينزع الرجل إذا قرب من الإنزال لينزل خارجاً من الفرج . والعزل جائز شرعاً ، فيجوز للرجل إذا جامع امرأته ، وقرب من الإنزال ، أن ينزل ماءه خارج الفرج ، فقد روى البخاري عن عطاء عن جابر قال : " كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل " وروي أيضاً عن عطاء أن سمع جابراً رضي الله عنه يقول : " كنا نعزل والقرآن ينزل " ولمسلم " كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه ذلك فلم ينهنا " وهذا تقرير من رسول الله على العزل ، فيدل على جوازه ، لأنه لو كان العزل حراماً لم يسكت عنه . على أن حكم العزل هذا أضيف من الصحابي إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحابي إذا أضاف الحكم إلى زمن النبي عليه السلام كان له حكم الرفع ، لأن الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلع على ذلك وأقره ، لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام . وقد وردت في جواز العزل عدة أحاديث صحيحة . فقد روى أحمد ومسلم وأبو داود عن جابر " أن رجلاً آتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال : اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها " وروى مسلم عن أبي سعيد قال : " خرجنا مع رسول الله في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبباً من العرب فاشتهينا النساء ، واشتدت علينا العزبة ، وأحببنا العزل فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله عز وجل قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة " وروى أبو داود عن جابر قال : " جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لي جارية وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال : " أعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها " والعزل جائز مطلقاً مهما كان قصد العازل ، سواء قصد من ذلك عدم النسل ، أو تقليل الأولاد ، أو قصد الشفقة على الزوجة لضعفها من الحمل والولادة ، أو قصد عدم إرهاقها حتى تظل شابة يتمتع بها ، أو أي قصد آخر فإن للزوج أن يعزل مهما كان قصده ، وذلك لأن الأدلة التي وردت في ذلك مطلقة ، ولم تقيد بحال من الأحوال ، وعامة لم يرد لها أي تخصيص ، فتبقى على إطلاقها وعمومها . ولا يقال إن العزل قتل للولد قبل خلقه ، فقد وردت أحاديث صريحة ترد على ذلك . فقد روى أبو داود عن أبي سعيد " أن رجلاً قال : " يا رسول الله إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى قال : " كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه " وقد ورد النص بجواز العزل بقصد عدم الأولاد . فقد روى أحمد ومسلم عن أسامة بن زيد " أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أعزل عن امرأتي فقال له لم تفعل ذلك ؟ فقال له الرجل أشفق على ولدها ، أو على أولادها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كان ضاراً ضر فارس والروم " فهنا قال له الرسول : " لم تفعل " ولم يقل له لا تفعل . ويفهم من الحديث أنه أقره ولكنه أخبره أن مجيء الأولاد بعد الأولاد لا يضر بدليل ما وقع عند مسلم في حديث أسامة بن زيد ، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إني أعزل عن امرأتي شفقة على ولدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان كذلك فلا ، ما ضر ذلك فارس ولا الروم " . وعند مسلم في طريق عبد الرحمن بن بشر عن أبي سعيد " خشية أن يضر الحمل بالولد الرضيع " ، وإذا كان الرسول أقر العزل لأجل عدم الحمل حتى لا يتضرر الولد الرضيع فهو يصدق على العزل لأجل عدم الحمل فراراً من كثرة العيال ، أو فراراً من حصولهم من الأصل ، أو غير ذلك . لأن الله إذا علم أن الولد سيأتي فلا بد أن يأتي سواء عزل أو لم يعزل . ولذلك روى ابن حبان من حديث أنس أن رجلاً سأل عن العزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج منها ولداً " ولا يقال إن تقليل النسل يخالف ما حث به صلى الله عليه وسلم من كثرة النسل حين قال: " تناكحوا تناسلوا تكثروا " وقال : " سوداء ولود خير من حسناء عقيم " ، لا يقال ذلك لأن إباحة العزل لا تخالف الحث على تكثير النسل ، فذاك ترغيب في تكثير النسل ، وهذا إباحة للعزل . وأما ما رواه أحمد عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت : " حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس وهو يقول : " لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم شيئاً ، ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوأد الخفي وهي : وإذا الموءودة سئلت " فإن هذا الحديث يعارض الأحاديث الصحيحة الصريحة في جواز العزل ، وإذا تعارض حديث مع أحاديث أخرى أكثر منه طرقاً رجحت الأحاديث التي أكثر طرقاً ورد الحديث . وبناء على ذلك يرد هذا الحديث لمعارضته ما هو أقوى منه وأكثر طرقاً في الرواية .

ولا يقال أن الجمع بين هذا الحديث وأحاديث جواز العزل هو أن يحمل هذا الحديث على كراهة العزل ، لأن ذلك ممكن لو لم يكن هنالك تصادم في نفي الرسول في حديث آخر لنفس المعنى الذي جاء به هذا الحديث . فالحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن أبي سعيد " وإن اليهود تحدث أن العزل المؤودة الصغرى قال : " كذبت يهود " . وحديث جذيمة يقول : " ذلك الوأد الخفي وهي : " وإذا الموءودة سئلت " فلا يمكن الجمع بين هذين الحديثين ، فإما أن يكون أحدهما منسوخاً ، أو أن يكون أحدهما أقوى من الآخر فيرد الأضعف ، وبما أن تاريخ الحديثين غير معروف ، وحديث أبي سعيد مؤيد بأحاديث عديدة ، ومن طرق عديدة . وحديث جذيمة جاء منفرداً ، ولم يؤيد بشيء ، فيرد ويرجح ما هو أقوى منه . وعلى ذلك يكون العزل جائزاً مطلقاً دون أي كراهة ، مهما كان قصد العازل من العزل لعموم الأدلة . ولا يحتاج الرجل حتى يعزل إلى إذن زوجته لأن الأمر متعلق به وليس بها ، ولا يقال إن الجماع حقها فصار الماء حقها فلا يريقه خارج فرجها إلى بإذنها ، لأن هذا تعليل عقلي ، وليس بشرعي ولا قيمة له ، فضلاً عن أنه منقوض بأن حقها هو الجماع ، وليس إنزال الماء ، بدليل أن العنين إذا وصل إلى المرأة ولم ينزل فيعتبر قد انتهى حقها بهذا الوصول ، فلا يكون حينئذ لها حق الفسخ . وأما ما رواه ابن ماجة عن عمر بن الخطاب قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها " فإنه حديث ضعيف وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال . وبذلك تبقى الأحاديث مطلقة في جواز العزل .**

**وإذا تمردت المرأة على زوجها فقد جعل الله له حق تأديبها قال تعالى : { واللاتي تخافوهن نشوزهن فعظوهن ، واهجروهن في المضاجع ، واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً } والضرب هنا يجب أن يكون ضرباً خفيفاً ، أي ضرباً غير مبرح . كما فسر ذلك الرسول في خطبته في حجة الوداع حيث قال : " فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح " . وإنما أعطي الزوج صلاحية معاقبة الزوجة إذا أذنبت لأنه القوام على إدارة ورعاية شؤون البيت ، وما عدا مخالفتها لما أمرها الشرع بالقيام به فإنه لا يجوز للزوج أن يزعجها بشيء مطلقاً . قال تعالى : { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} بل يجب أن يكون رفيقاً معها ، لطيفاً في طلب أي شيء منها حتى لو أرادها ينبغى عليه أن يحسن اختيار الأوضاع والحالات المناسبة لها . قال عليه السلام " لا تطرقوا النساء ليلاً حتى تمتشط المشعثة ، وتستحد المغيبة " . وليس معنى قوامة الزوج على المرأة ، وقيادته للبيت أن المتسلط فيه ، الحاكم له بحيث لا يرد له أمر ، بل معنى قيادة الزوج للبيت هي رعاية شؤونه وإدارته ، وليس السلطة أو الحكم فيه ، ولذلك فإن للمرأة أن ترد على زوجها كلامه ، وأن تناقشه فيه ، وأن تراجعه فيما يقول ، لأنهما صاحبان وليسا أميراً ومأموراً ، أو حاكماً ومحكوماً ، بل هما صاحبان جعلت القيادة لأحدهما من حيث إدارة بيتهما ، ورعاية شؤون هذا البيت . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته كذلك صاحباً لزوجاته ، وليس أميراً متسلطاً عليهن رغم كونه رئيس دولة ، ورغم كونه نبياً ، قال عمر بن الخطاب في حديث له " والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل ، وقسم لهن ما قسم فبينما أنا في أمر أأتمره إذ قالت لي امرأتي لو صنعت كذا وكذا . فقلت لها وما لك أنت ولما ها هنا ، وما تكلفك في أمر أريده ، فقالت لي عجباً لك يا ابن الخطاب ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان . قال عمر فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة فقلت لها يا بنية إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان . فقالت حفصة والله إنا لنراجعه فقلت تعلمين أني أحذرك عقوبة الله ، وغضب رسوله يا بنية لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها ، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها . ثم خرجت حتى أدخل على أم سلمة لقرابتي منها ، فكلمتها . فقالت لي أم سلمة عجباً لك يا ابن الخطاب ، قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه . قال عمر فأخذتني أخذاً كسرتني به عن بعض ما كنت أجد ، فخرجت من عندها " . وروى مسلم في صحيحه أن أبا بكر استأذن على النبي ، ودخل بعد أن أذن له ثم استأذن عمر ودخل بعد الإذن ، فوجد النبي جالساً وحوله نساؤه واجماً ساكناً فقال عمر : لأقولن شيئاً أضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : يا رسول الله . لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هن حولي يسألنني النفقة " . ومن ذلك يتبين أن معنى قوامة الرجل على المرأة هو أن يكون الأمر له ، ولكن أمر صحبة لا أمر تسلط وسيطرة ، فتراجعه وتناقشه .

هذا من ناحية العشرة وأما من ناحية القيام بأعمال البيت ، فإنه يجب على المرأة خدمة زوجها من العجن ، والخبز والطبخ ، ومسح الدار وتنظيفها ، ويجب عليها أن تسقيه إذا طلب أن يشرب ، وأن تضع له الطعام ليأكل ، وأن تقوم بخدمته في كل ما يلزمه في البيت . وكذلك ما يلزم لخدمة البيت مما تستدعيه أمور المعيشة في المنزل من كل شيء دون تحديد . ويجب عليه أن يحضر لها ما تحتاجه مما هو خارج البيت من إحضار الماء ، وكل ما يلزمها لإزالة الوسخ ، وتقليم الأظافر ، وللتزين له مما تتزين به أمثالها ، وغير ذلك .

والخلاصة أن كل عمل يلزم القيام به داخل البيت فيجب على المرأة أن تقوم به ، أيا كان نوع العمل . وكل عمل يلزم القيام به خارج البيت فيجب على الرجل أن يقوم به . لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة علي وفاطمة رضي الله عنهما " قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت ، وعلى علي ما كان خارجاً عن البيت من عمل " وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر نساءه بخدمته فقال : " يا عائشة اسقينا يا عائشة أطعمينا يا عائشة هلمي الشفرة ، واشحذيها بحجر " وقد روي " أن فاطمة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى من الرحى ، وسألته خادماً يكفيها ذلك " وهذا كله يدل على أن القيام بخدمة الرجل في البيت ، وبخدمة البيت واجب من واجبات الزوجة يجب أن تقوم به . إلا أن قيامها به إنما يكون بقدر طاقتها فإذا كانت الأعمال كثيرة بحيث تجلب لها المشقة كان على الزوج أن يأتي لها بخادم يكفيها القيام بالأعمال ، وكان لها أن تطالبه بذلك ، وإن كانت الأعمال غير كثيرة ، وهي قادرة على القيام بها فلا يجب عليه خادم لها بل يجب عليها أن تقوم هي بالخدمة بدليل ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته فاطمة بخدمة البيت . وهكذا يجب على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف . ويجب على الزوجة مثل ما يجب لها بالمعروف ، حتى تكون الحياة الزوجية حياة طمأنينة ، يتحقق فيها قوله تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } .

**

** الحَياةُ الزّوْجِيَّة

ليست الزوجة شريكة الحياة للزوج ، وإنما هي صاحبته ، فالعشرة بينهما ليست عشرة شركاء ، وليسوا مجبرين عليها طوال الحياة ، وإنما العشرة بينهم عشرة صحبة ، يصحب أحدهما الآخر صحابة تامة من جميع الوجوه ، صحبة يطمئن فيها أحدهما للآخر ، إذ جعل الله هذه الزوجة محل اطمئنان للزوجين . قال تعالى : { هو الذي خلقكم من نفس واحدة ، وجعل منها وزجها ليسكن إليها } . وقال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة } ، والسكن هو الاطمئنان ، أي ليطمئن الزوج إلى زوجته والزوجة إلى زوجها ، ويميل كل منهما للآخر ولا ينفر منه . فالأصل في الزواج الاطمئنان . والأصل في الحياة الزوجية الطمأنينة ، وحتى تكون هذه الصحبة بين الزوجين صحبة هناء وطمأنينة بين الشرع ، ما للزوجة من حقوق على الزوج ، وما للزوج من حقوق على الزوجة . وجاءت الآيات والأحاديث صريحة في هذا الباب . قال الله تعالى : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } أي للنساء من الحقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن . ولهذا قال ابن عباس : " إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي وأحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها علي ، لأن الله تعالى قال : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } أي زينة من غير مأثم " ، وعنه أيضاً : " لهن من حسن الصحبة والعشرة مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن " .

وقد أوصى الله تعالى بحسن العشرة بين الزوجين قال تعالى : { وعاشروهن بالمعروف } وقال : { فإمساك بمعروف } . والعشرة المخالطة والممازجة وعاشره معاشرة وتعاشر القوم واعتشروا . فأمر الله سبحانه وتعالى بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون الخلطة ما بينهم وصحبتهم مع بعضهم على الكمال ، فإنه أهدأ للنفس ، وأهنأ للعيش ، ومعاشرة الرجال للنساء تكون زيادة على وجوب إبقائها حقها من المهر والنفقة أن لا يعبس في وجهها بغير ذنب ، وأن يكون منطلقاً في القول ، لا فظاً ولا غليظاً ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها .

وقد وصى الرسول الرجال بالنساء فروى مسلم في صحيحه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع " فاتقوا الله في النساء فأنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يطأن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن في ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف " . وروي عن النبي عليه السلام أنه قال : " خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي " . وروي عنه عليه السلام أنه جميل العشرة يداعب أهله . ويتلطف بهم ، ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها يتودد إليها بذلك . قالت سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم ، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني فقال : " هذه بتلك " . وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى العشاء يدخل منزله ، ويسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام يؤانسهم بذلك . وروى ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خياركم خياركم لنسائهم " .

وهذا كله يدل على أن على الأزواج أن يحسنوا عشرة أزواجهم . ولما كانت الحياة الزوجية قد يحصل فيها ما يعكر صفوها ، فقد جعل الله قيادة البيت للزوج على الزوجة ، فجعله قواماً عليها . قال تعالى : { الرجال قوامون على النساء } وقال : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ، وللرجال عليهن درجة } ووصى المرأة بطاعة زوجها . قال صلى الله عليه وسلم : " إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع " وقال عليه السلام لامرأة : " أذات زوج أنت ؟ قالت : نعم ، قال " فإنه جنتك ونارك " . وروى البخاري أن النبي عليه السلام قال : " لا يحل لامرأة أن تصوم وزجها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه ، وما أنفقت من نفقة من غير إذنه فإنه يرد ليه شطرة " .

وروى ابن بطة في أحكام النساء عن أنس أن رجلاً سافر ومنع زوجته من الخروج . فمرض أبوها ، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادة أبيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إتقي الله ولا تخالفي زوجك " فمات أبوها فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حضور جنازته فقال لها : " اتقي الله ، ولا تخالفي زوجك " فأوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم : " إني قد غفرت لها بطاعة زوجها " . فجعل الشرع للزوج الحق في منع زوجته من الخروج من منزله سواء أرادت عيادة والديها أو زيارتهما ، أو أرادت الخروج إلى ما لا بد منه أو للنزهة ، ولا يجوز لها أن تخرج من المنزل إلا بإذنه ، لكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما لأن في ذلك قطيعة لهما ، وحملاً لزوجته على مخالفته ، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف ، وليس منعها من عيادة والديها وزيارتهما من المعاشرة بالمعروف وليس للزوج أن يمنع زوجته من الخروج إلى المساجد . لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله "**

**لكن محمداً يريد أن تزول مثل هذه الاعتبارات القائمة في النفوس على العصبية وحدها وأن يدرك الناس جميعاً أن لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ، وأن يفهموا قوله تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وهو لا يرى أن يستكره بذلك امرأة من غير أهله ، فلتكن زينت بنت جحش بنت عمته هي التي تحتمل هذا الخروج على تقاليد العرب ، وهذا الهدم لعاداتها ، معرضة في ذلك عما يقول الناس عنها مما تخشى سماعه وليكن زيد مولاه الذي تبنى ، والذي أصبح بكم عادات العرب وتقاليدها صاحب حق في أن يرثه كسائر أبنائه سواء ، هو الذي يتزوجها . فيكون مستعداً للتضحية التي أعدها الشارع الحكيم للأدعياء الذين اتخذوا أبناء . وقد أصر الرسول على أن تقبل زينب ويقبل أخوها ، عبد الله ، زيداً مولاه زوجاً لها ولكن زينب أصرت على الرفض وأصر أخوها عبد الله كذلك على الرفض . فأنزل الله تعالى قوله { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } فلم يبق حينئذ أمام عبد الله وأمام زينب إلا الإذعان ، فقالا : " رضينا يا رسول الله ، وبنى زيد بزينب بعد أن ساق النبي إليها عنه مهرها . إلا أن الحياة الزوجية بين زيد وزينب لم تسر على ما يرام ، بل بدأت مضطربة منغصة ، وظلت مضطربة منغصة . فلم تأخذ زينب نفسها بالرضا من هذا الزواج بعد أن وقع بالرغم من أنه أمر من الله ورسوله . فلم يسلس قيادها لزوجها ، ولا لأن له إباؤها ، بل كانت تفخر على زيد بأنها لم يجر عليها رق ، وتنغص عليه عيشه ، وقد شكاها زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات ، وشرح له سوء معاملتها له . واستأذنه عدة مرات أن يطلقها ، فكان النبي يجيبه أمسك عليك زوجك . وقد أوحى الله للرسول صلى الله عليه وسلم أن زينب هذه ستكون بعد من أزواجه ، فعظم ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم خشية أن يقول الناس إن محمداً تزوج امرأة ابنه ، وأن يعيبوا عليه ذلك ، وكان عليه السلام قد تبنى زيداً . ومن أجل ذلك كان لا يريد من زيد أن يطلقها ، ولكن زيداً ألح على الرسول بطلاقها ، وبالرغم من معرفة الرسول أنها ستكون من أزواجه كما أعلمه الله تعالى بذلك عن طريق الوحي ، فإنه قال لزيد : { أمسك عليك زوجك واتق الله } . فعاتبه الله على ذلك ، إذ قال له إني أخبرتك أني مزوجكها ، وتخفي في نفسك ما الله يبديه ، ، وهذا معنى قوله : { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } والذي كان يخفيه هو معرفته أنها ستكون زوجته بالرغم من أنها امرأة من تبناه ، وهذا هو الذي أبداه الله فيما بعد ، وهو زواجه بمطلقة من تبناه . وسبب إخفاء الرسول هذا الزواج الذي أبداه الله فيما بعد ، هو أن العرب كان ما عاداتها التصاق الأدعياء بالبيوت ، واتصالهم بأنسابها ، وكانوا يعطون الدعي أي الشخص المتبنى جميع حقوق الابن ، ويجرون عليه أحكام الابن ، حتى في الميراث وحرمة النسب ، فحينما أعلم الله الرسول بأن زينب زوجة مولاه الذي تبناه ، ستكون زوجته فيما بعد ، كان يخفي هذه المعرفة ويشدد على زيد أن يمسك عليه زوجه ، وأن لا يطلقها ، بالرغم من إلحاح زيد ، وشكواه منها ، وعدم ائتلافهما ، وعدم انسجام الحياة الزوجية بينهما منذ أن تزوجها . ولكن زيداً أصر على أن يطلقها فأذن له الرسول بطلاقها فطلقها دون أن يعلم زيد أن الرسول سيتزوجها ، ودون أن تعلم زينب أن الرسول سيتزوجها . بدليل ما رواه أحمد ومسلم والنسائي من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال : " لما انقضت عدة زينب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد اذكرها علي ، قال فانطلقت فقلت يا زينب أبشري ، أرسل رسول الله يذكرك . فقالت ما أنا بصانعة شيئاً حتى أو أمر ربي ، فقامت إلى مسجدها ، ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليها بغير إذن ، حين أنزل الله تعالى قوله : { فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم } ولو كانت تعلم أو كان زيد يعلم لما قال لها أبشري ، ولما قالت أو أمر ربي ، استخيره في هذا الزواج . وعلة زواجه هو أن لا يكون على المؤمنين حرج في أن يتزوجوا زوجة من تبنوه .

هذه قصة زاج الرسول بنسائه . وكل واحدة منهن يتبين من حديث زواجها أنه كان لغاية غير غاية مجرد الزواج . وبذلك يظهر معنى زواجه صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع ، ومعنى خصوصيته صلى الله عليه وسلم بهذا العدد دون أمته . وأن هذا المعنى ليس فوران غريزة النوع لدى رجل قد جاوز الخمسين من عمره ، ورجل مشغول بالدعوة ، وبالدولة ، مشغول برسالة ربه يبلغها للعالم ، ينهض بها شعباً ليجعله أمة ، غايتها من الحياة حمل رسالة الله إلى العالم ، ويبني مجتمعاً بناءً جديداً ، بعد أن ينقض بناؤه السابق ، ويقيم دولة تدفع الدنيا أمامها لتحمل الناس دعوة الإسلام ، وكل من يشغل ذهنه إنهاض أمة وإقامة دولة ، وبناء مجتمع ، وحمل رسالة للعالم ، لا يمكنه أن تشغله النساء ، فينصرف لهن ، يتزوج كل سنة واحدة وإنما يحمل هم دعوته ، ويتمتع بالحياة الزوجية عادياً كما يتمتع أي إنسان .

**