**وأما الحديث الذي فيه الفصل بن عباس فليس فيه دليل على الحجاب بل فيه دليل على عدم الحجاب لأن الخثعمية كانت تسأل الرسول وهي كاشفة الوجه بدليل نظر الفضل إليه وبدليل ما جاء في رواية أخرى لهذا الحديث " فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل فحول وجهه من الشق الآخر " وروى هذه القصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزاد " فقال له العباس . يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال : " رأيت شاباً وشابة فلم آمنة الشيطان عليهما " فيكون حديث الخثعمية دليلاً على عدم وجود الحجاب لا على الحجاب . لأن الرسول كان يراها وهي كاشفة الوجه . فأما تحويله نظر الفضل ، فأنه رأى أنه ينظر إليها بشهوة وتنظر إليه ، بدليل رواية علي " فلم آمن الشيطان عليهما " ولذلك حوله لأنه نظر بشهوة لا لأنه نظر ، والنظر بشهوة ولو إلى الوجه والكفين حرام . وأما حديث نظر الفجاءة فإن الرسول أمر جريراً أن يصرف بصره ن أي يغضه ، وهو من قبيل غض النظر الوارد بقوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } والمراد هنا نظر الفجاءة لغير الوجه والكفين مما هو عورة ، لا نظر الوجه والكفين جائز دون أن يكون نظر فجاءة ، بدليل إباحة النظر إليها في حديث الخثعمية السابقة ، وبدليل أن الرسول كان ينظر إلى وجوه النساء حيين بايعته ، وحين كان يعظهن ، مما يدل على المسئول عنه وهو نظر الفجاءة إلى غير الوجه والكفين . وأما حديث علي " لا تتبع النظرة النظرة " فإنه نهي عن تكرار النظر وليس عن مجرد النظر .
وعلى ذلك فلا يوجد من الأحاديث التي يستدل بها من يدعي أن الله شرع الحجاب دليل على وجوب الحجاب ، وبهذا يتبين أنه لا يوجد دليل يدل على أن الله أوجب الحجاب لمسلمات ، أو يدل على أن الوجه والكفين عورة ، لا في الصلاة ولا خارج الصلاة . والأدلة التي استدلوا بها لا يوجد فيها وجه قوي للاستدلال على ذلك ، فهي ضعيفة الرواية ، ضعيفة الاستدلال .
وأما كون الوجه والكفين ليسا بعورة ، وكون المرأة يجوز لها أن تخرج إلى السوق والطريق في كل مكان كاشفة وجهها وكفيها فذلك ثابت في القرآن والحديث .
أما القرآن فقد قال الله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } فالله تعالى نهى المؤمنات أن يبدين زينتهن ، أي نهاهن أن يظهرن محل زينتهن لأنه هو المراد بالنهي . واستثنى من محل الزينة ما ظهر منها ، وهو استثناء صريح ، وهو يعني أن هناك محل زينة في المرأة يظهر لا يشمله النهي عن إظهار محال الزينة في المرأة ، وهذا لا يحتاج إلى أدنى كلام ، فالله ينهى المؤمنات أن يبدين محل زينتهن إلا ما هو ظاهر منها . أما ما هي الأعضاء التي يعنيها قوله { إلا ما ظهر منها } فذلك يرجع تفسيره إلى أمرين ، أولهما إلى التفسير المنقول ، والثاني إلى ما يفهم من كلمة { ما ظهر منها } . حين تطبيقها على ما كان يظهر من النساء المسلمات أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي عصره ، عصر نزول هذه الآية
أما النقل فقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية إن ما ظهر منها تعنى " الوجه والكفين " وجرى على ذلك المفسرون ، قال الإمام ابن جرير الطبري : " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : " عنى بذلك الوجه والكفين " وقال القرطبي : " لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهروهما عادة وعبادة وذلك في الحج والصلاة فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما " . وقال الإمام الزمخشري : " فإن المرأة لا تجد بداً من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتظطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها ، وخاصة الفقيرات منهن وهذا معنى قوله : { إلا ما ظهر منها } .
وأما ما يفهم من كلمة ما ظهر منها فإنه يتبين أن ما كان يظهر عند نزول هذه الآية هو الوجه والكفان . فقد كانت النساء يكشفن وجوههن وأيديهن بحضرته r وهو لا ينكر ذلك عليهن ،وكن يكشفن وجوههن وأيديهن في السوق والطريق ، والحوادث في ذلك أكثر من أن تحصى ، فمن ذلك :
1 - عن جابر بن عبد الله قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العيد ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ، ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله ، وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ،ثم مضى حتى أتى النساء وذكرهن فقال : : تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم " ، فقالت امرأة من سطة النساء سعفاء الخدين ، فقالت لم يا رسول الله ؟ قال : " لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير " . قال فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن .
2 - عن عطاء بن أبي رباح قال : قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى ، قال هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم قالت ، إني أصرع ، وإني أنكشف ، فادع الله لي . فقال لها : إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك ، فقالت : أصبر . فقالت : إني أنكشف فادع الله لي أن لا أنكشف ، فدعا لها " .
3 - عن فاطمة بنت قيش أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب ، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال : " تلك المرأة يغشاها أصحابي ، اعتدي في بيت أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك " فأقر النبي ابنة قيس على أن يراها الرجال حين أمرها أن تعتد في بيت أم شريك ، ولكنه لم يقرها أن تضع ثيابها في بيت أم شريك وهي يأتيها الرجال ، فيبدو منها ما هو محرم ، فأمرها أن تتحول وتعتد في بيت أم مكتوم .
4 - روى أبو بكر عن ابن جريج قال : قالت عائشة : دخلت على ابنة أخي مزينة فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض فقلت يا رسول الله ابنة أخي ، وجارية . فقال " إذا عركت المرأة لم يجز لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا ، وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى ونحوه " .
5 - ومما يدل على أن اليد ليست بعوة مصافحة الرسول للنساء في البيعة . عن أم عطية قالت : " بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لايشركن بالله شيئاً ونهانا عن النياحة ، فقبضت امرأة منا يدها فقالت : فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها . فلم يقل شيئاً فذهبت ثم رجعت " . وهذا الحديث يدل على أن النساء كن يبايعن باليد ، لأن هذه المرأة قبضت يدها بعد أن كانت مدتها للبيعة . فكون الحديث ينص على أن المرأة قبض يدها حين سمعت لفظ البيعة صريح بأن البيعة كان باليد ، وأن الرسول كان يبايع النساء بيده الشريفة . وأما ما روي عن عائشة من أنها قالت : " وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا امرأة يملكها فإنه رأي لعائشة وتعبير عن مبلغ علمها ، " وإذا قورن قول عائشة بحديث أم عطية هذا ترجح حديث أم عطية ، ودل على عمل للرسول فهو أرجح من رأي محض لعائشة . ولذلك رجح الرواة حديث أم عطية وأخذوا به وأجازوا مصافحة الرجل للمرأة .
فهذه الحوادث الخمسة الثابتة في الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن الذي كان يظهر من المرأة هو الوجه والكفان قبل نزول الآية الصريحة بالحجاب ، والحديث الرابع يدل على إعراض الرسول عن النظر إلى امرأة مزينة لأنها كانت تبدي غير ما يظهر منها ، ثم بين أنه لا يجوز لها أن تبدي إلا الوجه والكفين . وهذا يدل دلالة واضحة أن المستثنى في الآية هو الوجه والكفان . وهذا يدل على أنهما ليسا بعورة ، لا في الصلاة ، ولا خارج الصلاة . لأن الآية عامة : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } .**

**
**
**
ليست الزوجة شريكة الحياة للزوج ، وإنما هي صاحبته ، فالعشرة بينهما ليست عشرة شركاء ، وليسوا مجبرين عليها طوال الحياة ، وإنما العشرة بينهم عشرة صحبة ، يصحب أحدهما الآخر صحابة تامة من جميع الوجوه ، صحبة يطمئن فيها أحدهما للآخر ، إذ جعل الله هذه الزوجة محل اطمئنان للزوجين . قال تعالى : { هو الذي خلقكم من نفس واحدة ، وجعل منها وزجها ليسكن إليها } . وقال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة } ، والسكن هو الاطمئنان ، أي ليطمئن الزوج إلى زوجته والزوجة إلى زوجها ، ويميل كل منهما للآخر ولا ينفر منه . فالأصل في الزواج الاطمئنان . والأصل في الحياة الزوجية الطمأنينة ، وحتى تكون هذه الصحبة بين الزوجين صحبة هناء وطمأنينة بين الشرع ، ما للزوجة من حقوق على الزوج ، وما للزوج من حقوق على الزوجة . وجاءت الآيات والأحاديث صريحة في هذا الباب . قال الله تعالى : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } أي للنساء من الحقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن . ولهذا قال ابن عباس : " إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي وأحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها علي ، لأن الله تعالى قال : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } أي زينة من غير مأثم " ، وعنه أيضاً : " لهن من حسن الصحبة والعشرة مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن " .
**