القدس في عهد الخلافة العثمانية
![]()
السلطان سليم خان الأوّل “القاطع”، سلطان الدولة العثمانية من سنة 1512 حتى سنة 1520، وفاتح بلاد الشام ومصر.


.
القدس في عهد الخلافة العثمانية
![]()
السلطان سليم خان الأوّل “القاطع”، سلطان الدولة العثمانية من سنة 1512 حتى سنة 1520، وفاتح بلاد الشام ومصر.


.
**مسرحيات ألتقسيم والتّسليم:
كان من نتائج حرب سنة 1948 بين العرب والإسرائليين أن قُسمت القدس إلى شطرين: الجزء الغربي الخاضع لحكم اليهود، والجزء الشرقي الخاضع للأردن. وفي شهر نوفمبر من نفس السنة، أقيمت منطقة عازلة بين الجزئين، حيث قابل قائد القوّات الإسرائيلية في القدس، موشيه دايان، نظيره الأردني عبد الله التل في إحدى منازل حيّ مصرارة بالقدس، وقاما بتعليم الحدود الفاصلة بين شطريّ المدينة، حيث لوّنت حصة دولة يهود باللون الأحمر وحصة الأردن باللون الأخضر. نجم هذا اللقاء عن رسم خريطة لحدود غير رسميّة بين الطرفين المتحاربين، لكنها أخذت بعين الاعتبار عند توقيع اتفاقية الهدنة بين دولة يهود ولبنان ومصر والأردن وسوريا سنة 1949، والتي اتفقت فيها تلك الدول على وقف إطلاق النار والتزام اليهود بالبقاء ضمن هذه الحدود لحين إيجاد حل سلمي للنزاع. كذلك نصّت هذه الاتفاقية على تقسيم القدس على أن يبقى جبل المشارف في يد إسرائيل على الرغم من أنه يقع في القسم الشرقي، بوصفه جيب داخلي. بناءً على هذا، أقيمت الحواجز الاسمنتيّة والأسلاك الشائكة في وسط المدينة ومرّت بالقرب من باب الخليل في الجانب الغربي من البلدة القديمة، وأُنشأت نقطة عبور شمال الأخيرة عُرفت بمعبر مندلباوم. استمرت بعض المناوشات العسكرية بين الأردن وإسرائيل بين الحين والآخر على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أنها لم تكن ذات أهمية تُذكر غالبًا. كان داود بن گوريون، رئيس وزراء إسرائيل، قد أعلن في 3 ديسمبر 1948 أن القدس الغربية عاصمة للدولة الإسرائيلية الوليدة، وفي سنة 1950 أعلن الأردن رسميًا خضوع القدس الشرقية للسيادة الأردنية، وقد اعترفت المملكة المتحدة وباكستان بهذا الضم، فيما لم تعترف دول أخرى بهذا الأمر بحجة أن القدس الشرقية خضعت للأردن بحكم الأمر الواقع وليس بشكل رسمي، ويشكك البعض إن كانت باكستان قد اعترفت بضم الأردن للقدس الشرقية حتىخضعت أغلبية المواقع المقدسة في القدس للسيادة الأردنية، بما أن أغلبها يقع في القسم الشرقي من المدينة، فأجرت الحكومة الأردنية عدد من الإصلاحات والترميمات لقبة الصخرة والمسجد الأقصى، وسمحت للمسيحيين الأجانب بزيارة المقدسات المسيحية شرط خضوعهم للرقابة، أما اليهود فلم يُسمح لهم بدخول المدينة لاعتبارات سياسية، حيث كانت الحكومة تخشى أن يعمل بعضهم في الجاسوسية لصالح إسرائيل.
![]()
جرّافات إسرائيلية تزيل ركام حارة المغاربة بعد هدمها، في يوليو سنة 1967.

مظليون إسرائيليون بالقرب من حائط البراق بعد سقوط القدس الشرقية بيد إسرائيل في شهر يونيو سنة 1967.
خاض العرب وإسرائيل حربًا أخرى في سنة 1967 انتصرت فيها الأخيرة، وقامت بالسيطرة على القدس الشرقية، وكان من نتيجة ذلك أن عاد اليهود ليدخلوا دون أي قيود إلى أماكنهم المقدسة، كذلك أزيلت القيود المفروضة على المسيحيين الغربيين، أما المسجد الأقصى وقبة الصخرة فاستمرا خاضعين للأوقاف الإسلامية. قام الإسرائيليون بهدم حارة المغاربة بعد دخولهم المدينة، بما أنها كانت تواجه حائط البراق الذي يتعبّد اليهود عنده، ولكي يجعلوا من الموقع ساحة لرفع الصلاة اليهودية.قامت إسرائيل بتوسيع حدود المدينة بعد انتهاء الحرب وذلك عبر بناء عدد من الأحياء السكنية والمستعمرات اليهودية شرق الخط الأخضر، وقد أقدمت إسرائيل منذ سنة 1967 بمحاولات عديدة تهدف إلى تهويد المناطق التي احتلتها بعد الحرب، وذلك عبر وسائل عديدة، منها التركيز الإعلامي على أهمية المواقع الأثرية العبرانية في المدينة.
قوبل ضم إسرائيل للقدس الشرقية بالاستنكار الدولي، وبعد أن أصدرت إسرائيل قانون أساس اعتبرت فيه القدس الموحدة عاصمة أبدية للبلاد، أصدر مجلس أمن الأمم المتحدة القرار رقم 478 الذي نص على أن إسرائيل خرقت قانونًا دوليًا وطالب جميع الدول الأعضاء بسحب ما تبقى من سفاراتها من القدس. ما زالت مسألة القدس تُشكل قضية محورية في الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصًا مع إقرار الحكومة الإسرائيلية بناء وحدات استيطانية جديدة على الدوام في حارات وأحياء في البلدة القديمة يسكنها مسلمون وتحوي مقدسات إسلامية، في سبيل رفع عدد اليهود في القدس الشرقية، إلا أن علماء الدين المسلمون وعدد من المؤرخين العرب يزعمون أن اليهود ليس لهم أي حق في المدينة لأسباب متنوعة،[معلومة 8] منها أن حائط البراق الذي بُني منذ حوالي 2,500 سنة كان جزءًا من مسجد سليمان الذي تسميه اليهود هيكل سليمان. طالب الفلسطينيون وما زالوا بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية، لذا لطالما كانت حدود المدينة موضع نقاش وجدال في المحادثات الثنائية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. أقام بعض الأشخاص من الفلسطينيين والإسرائيليين الراغبين بالسلام نصبًا تذكاريًا مصنوع من الأسلحة القديمة البالية، يواجه سور القدس القديم ونقشوا عليه عبارات بالعربية والعبرية مقتبسة من سفر أشعياء.
![]()
شرطي إسرائيلي يلتقي بجندي أردني قرب معبر مندلباوم على خط الهدنة الذي كان يفصل مدينة القدس بين سنتيّ 1949 و 1967.**
**عهدالاستعمار البريطاني المجرم المسمى :"الانتداب البريطاني"وحرب سنة 1948:
![]()
الفريق أول إدموند ألنبي يدخل بلدة القدس القديمة بتاريخ 11 ديسمبر سنة 1917.
سقطت القدس بيد جيش الإستعمار البريطاني بقيادة الفريق أول إدموند ألنبي في سنة 1917، بعد أن تقهقر الجيش العثماني مهزومًا أمامهم،وفي سنة 1922 منحت عصبة الأمم بريطانيا حق الانتداب على فلسطين وإمارة شرق الأردن والعراق، وأصبحت القدس عاصمة فلسطين تحت الانتداب البريطاني الإستعماري.
دخلت المدينة في عهد جديد كان من أبرز سماته زيادة أعداد المهاجرين اليهود إليها خاصة بعد وعد بلفور الذي أبرمته حكومة المملكة المتحدة مع ممثل الحركة الصهيونية، ثيودور هرتزل، وقد أظهرت بعض إحصائيات تلك الفترة أن عدد سكان المدينة ارتفع من 52,000 نسمة عام 1922 إلى 165,000 نسمة عام 1948 بفعل هجرة اليهود. أدّى ازدياد عدد اليهود في فلسطين عمومًا والقدس خصوصًا، وشرائهم للأراضي ومساعدة البريطانيين لهم، أدّى إلى استياء المقدسيين من مسلمين ومسيحيين، فقامت أعمال شغب في سنتيّ 1920 و 1929، وعُرفت الأخيرة بثورة البراق، قُتل خلالها عدد من اليهود. عمل البريطانيون على إخماد هذه الثورات، وساهموا في جعل اليهود يستقرون في المدينة عن طريق بنائهم لأحياء سكنيّة كاملة في شمال وغرب المدينة،وإنشائهم لعدد من مؤسسات التعليم العالي، مثل الجامعة العبرية.
أحيلت قضية القدس إلى الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فأصدرت الهيئة الدولية قرارها في 29 نوفمبر سنة 1947 بتدويل القدس تحت رعايتها وإشرافها. وجاء في القرار أنه سوف يُطبّق طيلة 10 سنوات، ويشمل مدينة بيت لحم، وأنه بعد هذه الفترة سيتم إجراء استفتاء عام لتحديد نظام الحكم الذي يرغب أغلبية سكان المدينة بتطبيقه عليهم. إلا أن تطبيق هذا القرار لم يُكتب له أن يتم، فبعد أن أعلنت بريطانيا في عام 1948 إنهاء الانتداب في فلسطين وسحب قواتها، استغلت العصابات اليهودية حالة الفراغ السياسي والعسكري وأعلنت قيام الدولة الإسرائيلية، فثار العرب عمومًا والفلسطينيون خصوصًا وأعلنوا الحرب على إسرائيل، فهوجمت المدينة من قبل الجيش العربي والثوّار الفلسطينيين، وقُتل عدد من الإسرائيليين في هذا الهجوم وتم أسر البعض الآخر.كذلك هاجم القنّاصة العرب القسم الغربي من المدينة.
![]()
موسم النبي موسى في القدس في شهر أبريل من سنة 1920، أحد أشهر المناسبات الدينية الإسلامية للسكان المقدسيين منذ فتح صلاح الدين الأيوبي للمدينة.
.**
**عهد الخلافة العثمانية:
دخلت جيوش العثمانيين فلسطين بقيادة السلطان سليم الأول بعد معركة مرج دابق في سنة 1517، وأصبحت القدس مدينة تابعة لدولة الخلافة العثمانية طيلة 400 سنة حتى سقوطها بيد قوّات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى سنة 1917. تمتعت القدس بعهد من الرخاء والازدهار خلال عهد السلطان سليمان الأول “القانوني”، خليفة سليم الأول، حيث أعاد الأخير بناء أسوار المدينة وقبة الصخرة. استمرت القدس خلال معظم العهد العثماني مجرّد مدينة محلّية عادية ولم يعلوا شأنها التجاري أو الثقافي بشكل يُذكر، لكنها بقيت من ضمن المدن العثمانية المهمة نظرًا لمكانتها الدينية. تطوّرت الحياة المقدسيّة بشكل ملحوظ خلال القرن التاسع عشر بعد أن أنشأت السلطات العثمانية عدد من المرافق الحديثة لتسهيل حياة الناس، فافتتح مركز للبريد وأنشأت خطوط سير نظامية مخصصة لمركبات الجياد العمومية، وأُنيرت الشوارع بالمصابيح الزيتيّة، وفي أواسط القرن سالف الذكر أنشأ العثمانيون أوّل طريق معبّدة بين القدس ويافا، وبحلول عام 1892، كانت المدينة موصولة بغيرها من المدن الشاميّة والحجازية بسكة حديدية.
خلال الفترة الممتدة من عام 1831 حتى عام 1840، أصبحت فلسطين جزءًا من الدولة المصرية التي أقامها محمد علي باشا، وخلال هذا العهد أخذت الإرساليات والقنصليات الأجنبية تضع موطئ قدم لها في المدينة. وفي سنة 1836، سمح إبراهيم باشا بن محمد علي، سمح لليهود أن يعيدوا إنشاء أربعة معابد رئيسيّة، ومن ضمنها كنيس الخراب. ثار الشوام على الحكم المصري بعد أن استقر في البلاد لأسباب مختلفة منها زيادة الضرائب بمقدار لم يعهده الناس أيام العثمانيين والتجنيد الإجباري في الجيش المصري،[معلومة 7] وكان من ضمن هذه الثورات ثورة قامت في سنة 1834 بفلسطين بقيادة “قاسم الأحمد”، الذي قاد جيشًا من الثوّار من مدينة نابلس تعاونه عشائر بلدة أبو غوش، وهاجم القدس ودخلها بتاريخ 31 مايو 1834، لكن الجيش المصري استطاع أن يرد الثوّار على أعقابهم في الشهر التالي.
عادت القدس إلى الحكم العثماني بعد هزيمة المصريين أمام الجيوش الحليفة العثمانية والأوروبية سنة 1840، إلا أن كثيرًا من المصريين بقي واستقر بالمدينة، وفي نفس الفترة قدمت وفود من اليهود والمسلمين المغاربة، من مدينة الجزائر وغيرها من مدن المغرب العربي، واستقرت في القدس. أخذت القوى العظمى في العالم تتدخل في الشؤون الداخلية العثمانية بشكل متزايد خلال عقد الأربعينيات والخمسينيات من القرن التاسع عشر، بحجة حماية الأقليات الدينية في الدولة العثمانية، وقد لعب القناصلة في القدس دورًا كبيرًا في هذه المسألة. أفاد القنصل البروسي بالقدس أن عدد سكان المدينة في سنة 1845 وصل إلى 16,410 نسمة، منهم 7,120 يهودي، 5,000 مسلم، 3,390 مسيحي، 800 جندي تركي، و 100 شخص أوروبي. ارتفعت نسبة الحجاج المسيحيين في المدينة خلال العهد العثماني، الأمر الذي كان يجعل جمهرة المسيحيين بالقدس تتضاعف في حجمها خلال موسم الفصح.
![]()
القيصر الألماني ع¤يلهلم الثاني أثناء زيارته القدس، يرافقه حشد من رجال الدولة العثمانية ورؤساء الطوائف الروحيّة في القدس.
![]()
أنور باشا وأحمد جمال باشا “السفّاح”، في زيارة لقبة الصخرة بالقدس أواخر عهد الدولة العثمانية.
أخذت المنازل تظهر خارج أسوار القدس خلال عقد الستينيات من القرن التاسع عشر، بعد أن ازداد عدد سكان المدينة بفعل المهاجرين، ولإقامة منشآت أكثر صحيّة مخصصة لاستضافة الحجاج المسيحيين، خصوصًا وأن كثيرًا منهم كان يشتكي من الاكتظاظ السكاني داخل المدينة ومن رداءة نظام الصرف الصحي. ومن المنشآت المهمة التي برزت خلال هذه الفترة، المجمّع الروسي سنة 1860، الذي خُصص لاستقبال وإيواء الحجاج الروس الأرثوذكس. قدّرت إحدى إحصائيات إرسالية أمريكية عدد سكان القدس سنة 1867 “بأكثر من” 15,000 نسمة، 6,000 منهم مسلمين، وما بين 4,000 إلى 5,000 منهم يهود، كذلك تبيّن أن عدد الحجاج الروس كان يتراوح بين 5,000 إلى 6,000 حاج كل عام. أنشأت الدولة العثمانية عام 1880 متصرفية القدس، وأزيل الحائط القديم للمدينة عام 1898 لتسهيل دخول القيصر الألماني ع¤يلهلم الثاني وحاشيته أثناء زيارته للقدس. وظلت المدينة تحت الحكم العثماني حتى هزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.**
ألوضع ألسياسي
بعد أن أصدرت هيئة الأمم المتحدة قرارها القاضي بتقسيم فلسطين في سنة 1947، نصّت على وجوب تدويل القدس تحت إشرافها ورقابتها، وقد سارع القادة اليهود إلى قبول هذا الأمر نظرًا لأنه يحقق مطامحهم في إقامة دولة لهم، بينما عارضه الزعماء العرب ورفضوا أي تقسيم يُخطط إجراؤه في فلسطين. إنقسمت المدينة إلى شطرين بعد حرب سنة 1948 بين العرب وإسرائيل، واحتلت الأخيرة القسم الغربي، فيما سيطر الأردن على القسم الشرقي. اعتبرت معظم الدول، وما زالت، أن وضع القدس ينبغي أن يُحدد كما ورد في قرار التقسيم، لذا فإن أغلبها لا يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
بعد أن أعلن داود بن گوريون، أوّل رئيس وزراء لإسرائيل، أن القدس الغربية عاصمة البلاد،اتخذت جميع الهيئات الحكومية الإسرائيلية، من قضائية وتشريعية وتنفيذية، من المدينة مقرًا لها، عدا وزارة الدفاع، التي لا تزال تتخذ من منطقة كرياة بوسط تل أبيب مركزًا لها. سيطرت إسرائيل على المدينة بشطريها مباشرةً بعد حرب سنة 1967، وجعلت منها جزءًا من العاصمة بحكم الأمر الواقع، على الرغم من معارضة المجتمع الدولي لهذا الأمر. لا تزال هويّة القدس كعاصمة “أبديّة” لإسرائيل تُشكّل موضع جدل كبير في المجتمع الدولي، فعلى الرغم من أن بعض الدول فتحت قنصليات لها في المدينة، فإن جميع السفارات موجودة خارجها، ومعظمها في تل أبيب. وبسبب عدم الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، فإن معظم الصحف العالمية والمحلية تصف إعلانات الحكومة الإسرائيلية بأنها “صادرة عن تل أبيب”.
أصدر مجلس أمن الأمم المتحدة القرار رقم 478 بتاريخ 20 أغسطس سنة 1980، الذي نصّ على أن قانون الأساس الذي أصدرته إسرائيل واعتبرت فيه القدس عاصمة أبدية لها، قانونًا “فاسدًا باطلاً وينبغي إلغاؤه فورًا”، واقتُرح أن تقوم الدول الأعضاء في هذا المجلس بسحب كل هيئاتها الدبلوماسية من المدينة حتى تذعن إسرائيل للقرار الدولي، وقد استجابت معظم الدول ذات السفارات المتبقية في القدس لهذا الأمر، وقامت بنقل مراكز سفاراتها إلى تل أبيب، كما فعلت غيرها من الدول قبيل صدور القرار رقم 478، وكنتيجة لهذا الأمر، فرغت القدس من السفارات الأجنبية، لكن بعضًا منها اتخذ من إحدى ضواحيها، وهي “مع¤اسرت صهيون”، مقرًا لها، كذلك استمرت 4 قنصليات موجودة بالمدينة.قرر الكونغرس الأمريكي نقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في سنة 1995، وذلك بعد إصدار “قانون السفارة في القدس” (بالإنگليزية: Jerusalem Embassy Act)، إلا أن بيل كلنتون، رئيس الولايات المتحدة آنذاك، استمر بتأجيل التوقيع على هذا القرار إلى أن انتهت ولايته، وعندها قال الرئيس الذي خلفه، وهو جورج بوش الابن، قال بأن قرارات الكونغرس المتعلقة بوضع القدس ليست إلزامية والهدف منها إبداء النصح والمشورة فقط، فلم يُقدم على توقيع القرار واستمرت السفارة الأمريكية موجودة في تل أبيب. قال أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، في 28 أكتوبر سنة 2009، بأن القدس يجب أن تكون عاصمةً لكل من فلسطين وإسرائيل كي يتحقق السلام العادل والشامل.
![]()
مبنى الكنيست، أو البرلمان الإسرائيلي، في القدس.
![]()
بيت الشرق، المقر السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس.
تقع في القدس أبرز المؤسسات الحكومية الإسرائيلية، بما فيها البرلمان أو الكنيست، والمحكمة العليا، والمقر الرسمي لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وقبيل إعلان قيام دولة إسرائيل، كانت القدس عاصمةً إدارية للأراضي الشاميّة الخاضعة للانتداب البريطاني، أي تلك التي تشمل اليوم أراضي السلطة الفلسطينية وإسرائيل والأردن. كانت القدس الغربية عاصمةً لإسرائيل من سنة 1949 حتى سنة 1967، إلا أن دول العالم لم تعترف بهذا الأمر بما أن قرار الأمم المتحدة رقم 194 كان قد نصّ على تدويل المدينة. بعد أن خضعت المدينة بشطريها لإسرائيل بعد حرب سنة 1967، أعلنت حكومة ليفي أشكول تطبيق القانون الإسرائيلي على القدس الشرقية وامتداد نطاق اختصاص القضاء الإسرائيلي إليها، لكنها وافقت على خضوع منطقة المسجد الأقصى وقبة الصخرة لوزارة الأوقاف الأردنية. أمرت السلطات الإسرائيلية بإقفال بيت الشرق، وهو مقرّ منظمة التحرير الفلسطينية، في سنة 1988 لأسباب أمنيّة، وفي سنة 1992 أعيد افتتاح البيت بصفته مضافة.نصّت اتفاقية أوسلو على أن الوضع النهائي للقدس يجب أن يتحدد عن طريق مفاوضات مع السلطة الفلسطينة، التي تعتبر القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية مستقبلية،وقد قال الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس أن أية مفاوضات لا تتضمن الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين ستكون غير مقبولة. ومن المعلوم للجميع أن تصريحات رئيس ووزراء السلطة لا قيمة لها لأنها للإستهلاك المحلي وللضحك على الذقون.
بلديّة ألقدس
![]()
مبنى بلديّة القدس في ساحة الصفراء.
تأسس المجلس البلدي لمدينة القدس في سنة 1863 أبّان الحكم العثماني، وقد انقسم هذا المجلس إلى مجلسين عند تقسيم المدينة. تولت أمانة القدس الاهتمام بالمناطق الشرقية من القدس بين نكبة فلسطين وبين احتلال القدس في حرب 1967.
يتألّف مجلس بلديّة القدس الإسرائيلي اليوم من 31 عضوًا منتخبًا على رأسهم رئيس البلديّة، الذي يُنتخب لخمس سنوات، ويتمتع بحق تعيين ستة مفوضين بلديين لينوبوا عنه، وهؤلاء إلى جانب رئيس البلدية يتلقون رواتبهم كاملة من الحكومة الإسرائيلية، أما باقي الأعضاء فيُعتبر عملهم تطوعيًا. يعقد مجلس بلدية القدس معظم اجتماعاته بصفة سريّة، عدا جلسة واحدة في كل شهر تكون علنيّة. تُشكل الأحزاب الدينية عصبة قويّة داخل مجلس البلدية، حيث تسيطر غالبًا على معظم المقاعد. يقع دار بلدية القدس ومكتب رئيسها في ساحة الصفراء في شارع يافا. يتكوّن مجمّع البلدية، الذي افتتح في سنة 1993، من مبنيين حديثيّ البناء إلى جانب عشرة مبان قديمة مجددة، تحيط بساحة عامّة واسعة. تتبع المدينة محافظة القدس وتُشكّل عاصمتها. إضافة إلى ذلك، تقوم مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات بصيانة وترميم ورعاية المؤسسات والمباني الإسلامية في القدس.
قامت بلدية القدس الغربية في سنة 1949 بإجراء مسابقة لتصميم علم للشطر الغربي من المدينة، ففاز تصميم تضمن رسمًا لخطين عريضين باللون الأزرق يرمزان إلى شال الصلاة اليهودية، على خلفية بيضاء يقع في وسطهما شعار المدينة. وجعلت إسرائيل التصميم الإسرائيلي شعارًا للمدينة بشطريها بعد حرب سنة 1967 عندما ضمت القدس الشرقية، على الرغم من أن السكان العرب والمجتمع الدولي لم يتعرف بذلك، لكن العلم والشعار بقيا بحكم الأمر الواقع. صُمم شعار القدس ما بين سنتيّ 1950 و1951، وهو يُظهر أسدًا جامحًا يُرمز به إلى أسد يهودا، شعار القبيلة اليهودية القديمة، محاطًا بأغصنة زيتون، وفي الخلفية رُسم حائط البراق. أما السلطة الفلسطينية فلم تنشئ شعار ولا علم للمدينة.
شعار بلدية اورشليم القدس
توالى على رئاسة بلدية القدس عدد من أعيان المدينة، كان أولهم “موسى العلمي”. تولّى اليهود رئاسة البلدية لأوّل مرة في سنة 1937، وذلك عندما فاز “دانيال أستر” برئاسة البلدية بدعم من حكومة الانتداب الاستعماي البريطاني. وعندما انقسمت القدس إلى شطرين، أصبحت هناك بلديتين: بلدية القدس الشرقية ورئيسها عربي، وبلدية القدس الغربية ويرأسها يهودي. أما أوّل رؤساء بلدية القدس الشرقية فهو “أنور الخطيب”، وأوّل رؤساء بلدية القدس الغربية هو الحاكم العسكري “دوع¤ يوسف”. وعندما ضمّت إسرائيل القدس الشرقية بعد حرب حزيران سنة 1967، أسست بلدية “أورشليم القدس” وتولّى رئاستها “ثيودور كولك”. يشغل نير بركات منصب رئيس بلدية أورشليم القدس حاليًا، ويرأس زكي الغول أمانة القدس الشرقية، بما أن حكام العرب وأغلب دول العالم لا تعتبر ضم الأخيرة قانونياً.
موسى كاظم الحسيني، آخر رؤساء بلدية القدس في العهد العثماني.
**مناطق القدس
تمتد أراضي بلدية القدس اليوم لتشمل مناطق شاسعة كانت في السابق قرى أو ضواحي للمدينة، فتشمل حدود البلدية كل من: بيت حنينا، كفر عقب، شعفاط، التل الفرنسي، جبل المشارف، الشيخ جراح، وادي الجوز، جبل الزيتون، البلدة القديمة، سلوان، العيسوية، رأس العمود، أبو الطور، جبل المكبر، صور باهر، أم طوبا، جبل أبو غنيم، بيت صفافا والولجة.
من جهة أخرى، أقامت إسرائيل العديد من المستوطنات، كما قامت بضم مستوطنات قديمة أخرى خارج حدود البلدية بعد احتلالها للقدس الشرقية عام 1967 وبناءها لجدار الفصل عام 2002، والذي عزل العديد من البلدات العربية عن القدس، كالعيزرية، أبو ديس، الرام، حزما، عناتا، السواحرة الشرقية، بيت إكسا، الشيخ سعد وقلنديا - حيث مطار القدس الدولي، والتي من المفترض أن تشكل الامتداد الطبيعي لتوسع الأحياء العربية في المدينة مستقبلاً. وهذه المستوطنات هي: مستوطنة عطروت، مستوطنة نيڤيه يعقوب، مستوطنة بيسغات زئيف، مستوطنة رامات أشكول، مستوطنة غيلو، مستوطنة هماطوس ومستوطنة ناليبوت مزراح.
القدس الغربية
أقدمت إسرائيل بعد قيامها عام 1948، على تدمير معظم القرى الواقعة غرب القدس، من أهمها: المالحة، دير ياسين، عين كارم، لفتة، والقسطل. وأقامت مكانها العديد من المستوطنات التي أصبحت تشكل فيما بعد مناطق القدس الغربية، وهي: گفعات شاؤول، بيت هيكرم، جبل هرتزل، كريات هيوفيل، عميق زيفائيم، يمين موشيه، ربحاميا، نحلاؤوت، محانيه يهودا، مئة سيعاريم، روميما وگفعات رام.
الحياة البرية والغابات
![]()
وادي الغزال.
يقع في محيط القدس عدة غابات ومناطق برية مثل وادي الغزال، تقع هذه المنطقة بوسط القدس بالقرب من حي “گفعات مردخاي” اليهودي، وهي عبارة عن أرض مكشوفة تبلغ مساحتها 260 دونمًا. أُطلق هذا الاسم على الوادي كون ما يُقارب من 17 غزالاً جبليًا تتخذ منه موطنًا ولا تستطيع مغادرته لإحاطة المدينة به من مختلف الجوانب. كان متعهدو العقارات والمقاولين قد خططوا لتحويل المنطقة إلى منطقة سكنية، لكن محبي الطبيعة وجمعية حماية البيئة في إسرائيل استطاعت إيقاف هذا الأمر، وإرغام السلطات المختصة على النظر في مسألة حماية الموقع.
المناخ
يسود المدينة المناخ المتوسطي، مما يجعلها تتميز بصيف حار وجاف، وشتاء معتدل ممطر. تتساقط الثلوج مرّة أو مرّتين عادةً خلال الشتاء، وتختبر المدينة تساقطًا كثيفًا للثلج مرّة كل 3 أو 4 سنوات في العادة. يُعتبر شهر يناير أبرد فصول السنة، حيث يصل معدل درجة الحرارة فيه إلى 9.1 °مئوية (48.4 °فهرنهايت)؛ بينما يُعتبر شهريّ يوليو وأغسطس أكثر شهور السنة حرًا، حيث يصل معدل درجة الحرارة فيهما إلى 24.2 °مئوية (75.6 °فهرنهايت). يصل معدّل المتساقطات السنوي إلى 550 مليمترًا (22 إنشًا)، وذلك في الفترة الممتدة بين شهريّ أكتوبر ومايو، أما الأشهر الأخرى فينعدم فيها تساقط الأمطار غالبًا.
تعاني القدس من تلوّث الهواء لكثرة الانبعاثات الغازية من عوادم السيارات والحافلات. وهناك العديد من الشوارع والحارات في المدينة غير المهيئة لاستيعاب الأعداد الكبيرة والمتزايدة من السيارات، الأمر الذي يؤدي إلى حصول ازدحامات خانقة على الدوام وازدياد معدل انبعاثات أوّل أكسيد الكربون في الجوّ. تُساهم انبعاثات المصانع بنسبة ضئيلة من تلوّث الهواء بالمدينة، إلا أنه يمكن لتلك الصادرة عن المصانع الواقعة على ساحل البحر المتوسط أن تتجه شرقًا ناحية القدس وتُشكل ضبخانًا فوقها.**
**القرى
![]()
مستوطنة راموت الإسرائيلية في ريف القدس، إحدى المناطق حيث كانت تقوم قرية فلسطينية.
![]()
بلدة أبو غوش، أكبر القرى العربية المقدسيّة الباقية.
قرى القدس عديدة وكثيرة فقد اختلف التحاق بعض القرى لمدينة القدس وفقًا للتغيرات التاريخية التي مرت بها المدينة. كان آخر تغيير لحدود مدينة القدس الإدارية في يونيو سنة 1967 بموجب قرار أصدرته الحكومة الإسرائيلية بعد احتلال الضفة الغربية من الأردن. نص هذا القرار على ضم 70,4 كيلومترات مربعة إلى منطقة البلدية المقدسية الإسرائيلية وفرض القانون الإسرائيلي عليها. كانت 6,4 كيلومترات مربعة من المساحة المضمومة تابعة للبلدية المقدسية الأردنية قبل حرب سنة 1967، أما الباقي فكان من أراضي بعض القرى المجاورة للقدس. أقدم الإسرائيليون على هدم عدد من القرى الفلسطينية وبناء قرىً ومستوطنات جديدة على أنقاضها،وقد سمحت الحكومة في وقت لاحق لبعض المهجرين من الفلسطينين بالعودة إلى قراهم، فأقاموا بجانب المستوطنات قرىً جديدة. حاز سكان المنطقة المضمومة على مكانة “مقيم دائم” في إسرائيل، دون أن يحصلوا على المواطنة، أما القرى التي بقيت خارج حدود القدس الإدارية وسكانها، فيخضعون لسيطرة الحكم العسكري أو لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أصدرت قانون أملاك الغائب عام 1950، الذي منح إسرائيل صفة الوصي على على أملاك الفلسطينين الغائبين، وأعطاها الحق في الاستيلاء عليها وإدارتها. من القرى العربية التي كانت بجوار القدس من جانبها الغربي قبل حرب سنة 1948 لم تبق إلا ثلاثًا: أبو غوش (أكبرها)، عين رافه، وعين نقوبا. تعتبر هذه القرى الثلاثة اليوم تجمعات عربية إسرائيلية وسكانها ذوي جنسية إسرائيلية. ومن قرى القدس الأخرى: أشوع، البريج، بيت أم الميس، بيت عطاب، بيت محسير، جرش، خربة العمور، خربة اللوز، دير الشيخ، وغيرها.
مخيم شعفاط
![]()
تأسس مخيم شعفاط للاجئين في عام 1965، أي بعد أكثر من عقد واحد على تأسيس كافة المخيمات الرسمية الأخرى في الضفة الغربية، وذلك فوق أرض مساحتها 0,2 كيلومتر مربع شمال القدس. وقد تأسس مخيم شعفاط بعد أن تم إغلاق مخيم المعسكر في المدينة القديمة للقدس بسبب سوء الظروف الصحية فيه.
وتعود أصول اللاجئين في مخيم ماسكار والذين تم ترحيلهم إلى شعفاط إلى 55 قرية تابعة لمناطق القدس واللد ويافا والرملة. ومثل باقي مخيمات الضفة الغربية، فقد تأسس المخيم فوق قطعة من الأرض استأجرتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من الحكومة الأردنية.
ويُعد مخيم شعفاط المخيم الوحيد في الضفة الغربية الذي يقع ضمن الحدود البلدية للقدس. ولذلك، فإن اللاجئين فيه يحق لهم الحصول على هويات مدنية تابعة للقدس، الأمر الذي يضمن لهم حقوق الإقامة في القدس ويجعلهم مؤهلين للحصول على بعض الخدمات الاجتماعية الإسرائيلية، بما في ذلك الرعاية الصحية.
وفي الوقت الذي تبين سجلات الأونروا الرسمية أن عدد الاجئين المسجلين في المخيم يصل إلى حوالي 11,000 لاجئ، إلا أنه من المرجح أن يبلغ عدد اللاجئين فيه أكثر من 18,000. ويُقدر أن حوالي 4,000 لاجئ قد انتقلوا إلى المخيم في السنوات الأخيرة لتجنب فقدان حقوق الإقامة في القدس. ويعمل حوالي 70% من سكان المخيم في القطاع الخاص الإسرائيلي.**
**جغرافيا القدس
![]()
منظر للقدس من إحدى الهضاب المحيطة بها.
منظر لبلدة القدس القديمة من جبل المشارف.
تقع مدينة القدس في وسط فلسطين تقريبًا شرق البحر المتوسط، على رعن هضبة من هضاب جبال الخليل، التي تضم عددًا من الجبال بدورها، وهي: جبل الزيتون أو جبل الطور شرق المدينة، جبل المشارف ويقع إلى الشمال الغربي للمدينة، ويُقال له أيضًا “جبل المشهد”، وقد أقيمت فوقه في سنة 1925 الجامعة العبرية، ومستشفى هداسا الجامعي في سنة 1939، جبل صهيون ويقع إلى الجنوب الغربي وتكوّن البلدة القديمة جزءًا كبيرًا منه وتمر أسوارها من فوقه، جبل المكبر الذي سُمي بهذا الاسم عندما دخل عمر بن الخطاب القدس وكبّر على متنه، بالإضافة إلى جبل النبي صمويل، وجبل أبو غنيم. ترتفع القدس عن سطح البحر المتوسط نحو 750 مترًا (2,460 قدمًا)،وعن سطح البحر الميت نحو 1150 مترًا (3,770 قدمًا).بالإضافة إلى جبال القدس فإن هناك ثلاثة أودية تحيط بها وهي: وادي سلوان أو وادي جهنم واسمه القديم “وادي قدرون”،الوادي أو الواد، وادي الجوز، ونبع أم الدرج.
كانت القدس محاطة بغابات من أشجار الجوز الزيتون الصنوبر منذ القدم، إلا أن الحروب والاستغلال البشري كان لها وقعٌ مدمّر عليها، فاختفت معظم هذه الغابات، وقد أثّر ذلك على تماسك التربة، فاضطر المزارعون إلى تشييد المدرّجات الزراعية على عدد من السفوح لمنع تآكلها وانجراف تربتها. شكّل شح المياه مشكلة للمقدسيين منذ العهود الأولى لاستيطان المدينة، فقاموا بتشييد عدد من القناطر والقنوات لجرّ مياه الأنهار، إضافة لعدد من البرك والآبار لجمع ماء الأمطار، وما زال البعض منها موجودًا بالبلدة القديمة. ومن أبرز آبار المدينة بئر أيوب، نسبة إلى النبي أيوب، وهذه البئر هي التي يؤمن المسلمون أنها ذُكرت في القرآن بسورة ص، حيث جاء: ï´؟ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌï´¾، كذلك من أبرز بركها أو عيونها، العين المعروفة بعين سلوان، وهي إحدى العيون الجارية التي يؤمن المسلمون أنها ذُكرت في القرآن أيضًا في سورة الرحمن: ï´؟فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِï´¾.قال مجير الدين الحنبلي عن القدس في نهاية القرن التاسع سنة 900 هـ:
القدس مدينة عظيمة محكمة البناء بين جبال وأودية، وبعض بناء المدينة مرتفع على علو، وبعضه منخفض في واد وأغلب الأبنية التي في الأماكن العالية مشرفة على ما دونها من الأماكن المنخفضة وشوارع المدينة بعضها سهل وبعضها وعر، وفي أغلب الأماكن يوجد أسفلها أبنية قديمة، وقد بني فوقها بناء مستجد على بناء قديم، وهي كثيرة الآبار المعدة لخزن الماء، لأن ماءَها يجمع من الأمطار. القدس تبعد القدس نحو 60 كيلومترًا (37 ميلاً) عن البحر المتوسط، وحوالي 35 كيلومترًا (22 ميلاً) عن البحر الميت، و 250 كيلومتر (155 ميلاً) عن البحر الأحمر، وتبعد عن عمّان 88 كيلومتر (55 ميلاً)، وعن بيروت 388 كيلومتر (241 ميلاً)، وعن دمشق 290 كيلومتر (180 ميلاً).أما المدن والبلدات المجاورة للقدس فتشمل: بيت لحم وبيت جالا جنوبًا، أبو ديس ومستوطنة معاليه أدوميم شرقًا، مع¤اسرت صهيون غربًا، ورام الله ومستوطنة گفعات زئيف شمالاً..
**
**سياسة تهويد ألقدس :
تتّبع دولة يهود سياسية دمج المستوطنات لاستيعاب أكبر عدد ممكن من اليهود داخل القدس،فعلى سبيل المثال دمجت الحكومة الإسرائيلية مستوطنة گفعات زئيف ومعاليه أدوميم ومناطق الخط الأخضر لاحتواء حوالي 30 ألف مستوطن جديد داخل المدينة.كما بنت 142 ألف شقة في القطاع اليهودي لزيادة حجم السكان فيها. تفيد إحدى تقارير البنك الدولي أن عدد مخالفات البناء في الفترة الممتدة بين عاميّ 1996 و2000، كان أكبر بأربع مرّات ونصف في الأحياء اليهودية، وأن عمليات الهدم في القدس الغربية كانت أقل بأربع مرّات من تلك الحاصلة في القدس الشرقية؛ كذلك أفاد التقرير أن السلطات الإسرائيلية كانت تمنح الفلسطينيين أذونًا بالبناء أقل بكثير من الأذون التي تمنحها لليهود، وأن المخالفين الفلسطينيين تُزال مخالفاتهم بنسبة أكبر من مخالفات اليهود. حصلت بعض المؤسسات اليهودية على إذن من الحكومة الإسرائيلية خلال السنوات القليلة الماضية، يسمح لها بتشييد المباني والمعالم على الأراضي المتنازع عليها، من شاكلة “حديقة الملك سليمان” المخطط إنشاؤها في قرية سلوان بمدينة داود، والتي يُشكل العرب حوالي 60% من سكانها، وفي مقبرة “مأمن”. أطلق معارضوا هذه الخطوات المُتخذة من قبل الحكومة الإسرائيلية مصطلح “تهويد القدس” على هذه الإجراءات، كونها تصب في مصلحة اليهود دون الفلسطينيين.**
**معالم المدينة
تعتبر البلدة القديمة بحد ذاتها إحدى المعالم التاريخية المقدسية. تبلغ مساحة القدس القديمة، ضمن الأسوار قرابة كيلومترًا مربعًا ويقع المسجد الأقصى في الناحية الشرقية من المدينة وأسوارها. وتقسم المدينة إلى حارات أو خطط، وفي هذه الأحياء أسواق محلية صغيرة استقلت عن الأسواق الرئيسة، وكانت الأحياء تضم مجموعات سكانية منسجمة في بيئتها الاجتماعية والدينية، وطرق المدينة القديمة متعرجة، غُطي بعضها بعقود، وقد تقوم منشآت أو امتدادات عالية للبيوت. ومن أهم هذه المنشآت المساجد والمآذن والمدارس، وإذا استثنيت قبة الصخرة والمسجد القبلي، فإن أكثر المساجد والمآذن في القدس تعود إلى العصر المملوكي، مثل المئذنة الفخرية عام 1278، ومئذنة باب الغوانمة من عام 1329، ومئذنة باب الأسباط عام 1367. ومن المساجد هناك مسجد القلعة الذي بُني عام 1310، والمسجد القيمري عام 1276 وجامع الخانقاه الصلاحية، وتعود مئذنته إلى عام 1395. ومن المساجد التي بنيت في العهد العثماني مسجد النبي داود الذي أنشأه السلطان سليمان القانوني وهو مجمع معماري، ولقد حوّلته إسرائيل إلى كنيس وأزيلت الكتابات القرآنية منه واستبدلت بكتابة عبرية، وجامع المولولة المُشيّد سنة 1587 والمسجد القيمري.
منظر شامل لبلدة القدس القديمة من على سطح التكية النمساوية تظهر فيه عدّة معالم بارزة مثل قبة الصخرة وجبل الزيتون وعدد من الكنائس.
إن أكثر المباني الإسلامية في القدس هي المدارس التعليمية. حيث أن عدد المدارس والزوايا في القدس خلال القرن الحادي عشر الهجري كان 630 مدرسة، ومن أقدم المدارس المدرسة المنصورية التي أنشأها الملك المنصور قلاوون. وتمتاز عمارة المدارس بالفناء ذي البركة تشرف عليه الأواوين والغرف، أما الواجهة الجميلة التي تدخل منها إلى المدرسة من خلال دركاه، فهي من ميزات العمارة المملوكية، وإذا كانت المدارس المملوكية في القدس لم ترق إلى مستوى المدارس في القاهرة التي تميزت بالاتساع والفخامة كمدرسة السلطان حسن، فإنها مع ذلك تتمتع بالأناقة والبساطة والوحدة، ومن أهم المدارس المملوكية الباقية حتى اليوم: المدرسة السلامية (1300م)، المدرسة الجاؤلية (1320م)، المدرسة التنكزية (1329م)، المدرسة الأمينية (1330م)، المدرسة الملكية (1340م)، المدرسة الفارسية (1353م)، المدرسة الأرغونية (1356م)، المدرسة القشتمرية (1358م)، المدرسة المحدثية (1360م)، والمدرسة الطشتمرية (1384م). تشمل معالم القدس الحاليّة ما يلي:**
**تسعى المؤسسات الإسرائيلية المختلفة وبدعم من الحكومة من أجل تحقيق سيطرة مطلقة على قطاع التعليم العربي في مدينة القدس،للإشراف المباشر على سياسة التجهيل وغسل الأدمغة ، وذلك بعد أن تمّ التحكم بنحو 66% من قطاع التعليم العربي في مدينة القدس، حيث تم فرض المناهج التعليمية المبرمجة على المدارس الابتدائية العربية هناك منذ عام 1968، وتبعًا لذلك تم استبدال كلمة “فلسطين” بكلمة “إسرائيل” و"القدس" بكلمة “أورشليم القدس”. ويقول الخبراء الفلسطينيون أن الحكومة الإسرائيلية تحاول التضييق على الطلبة العرب في مدينة القدس لإجبارهم على ترك المدينة للاستئثار بخيارات التعليم، الأمر الذي يعرضهم للانتقال من مدينة القدس وفقًا لما تنص عليه القوانين الإسرائيلية. يُعاني معظم الطلاّب العرب في القدس من عوائق ومشاكل عديدة من جراء السياسات الإسرائيلية، فثمة اكتظاظ شديد في الصفوف المدرسية والدوام في غالبية المدارس على فترتين، وهناك نقص حاد وكبير في المختبرات في المدارس العربية في القدس، ناهيك عن ضعف التجهيزات الرياضية وكذلك النقص الواضح للمعلمين والخدمات، والملاحظ أيضًا أن المدارس غير مؤهلة للتدريس الجيد بسبب قدمها وعدم القيام بعملية تحديث ضرورية. ونظرًا لهذه الأسباب وصلت نسبة تسرب الطلبة العرب في القدس قبل الوصول إلى المرحلة الثانوية إلى نحو 50% خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كما تشير إحدى الدراسات، وقد أدّى هذا إلى هجرة لطلاّب وأسر كاملة إلى مدن وقرى الضفة الغربية للبحث عن فرص تعليم مجانية. يلتحق البعض من المقدسيين العرب بالمدارس الإسرائيلية، لكن هؤلاء يتبعون في غالبيتهم إدارات وسياسات إما البلدية أو وزارة المعارف الإسرائيلية، التي تهدف إلى “تعميق المفاهيم الصهيونية، وتهويد مفاهيم ونزعات الطلاب، من خلال حصص تعليمية عن الهوية اليهودية والتراث اليهودي الصهيوني، وربط الهبات والمكافآت للمدارس بنسبة التجنيد للجيش أو الخدمة المدنية والعسكرية، إلى جانب معايير أخرى”.
![]()
المدرسة العمرية الرسمية للبنين في القدس الشرقية.
أطلقت ملكة الأردن رانيا العبد الله مبادرة “مدرستي فلسطين” وذلك لدعم التعليم وتحسين البيئة التعليمية في مدارس القدس العربية، “لا لأن للأردن علاقة بالقدس ودورًا تاريخيًا فقط ولكن لأن القدس مسؤولية كل عربي أولاً واخيرًا” على حد تعبيرها. من أبرز المؤسسات التعليمية في القدس الشرقية، المركز المعروف باسم “المركز التربوي لتطوير العاملين في حقل التعليم في القدس”، الذي يُعتبر المركز الوحيد التي يقدم الخدمات لمعلمي شرقي القدس. يرى المركز نفسه كمحور تربوي يُقدم الخدمات لجهاز التعليم بكل ما لديه من موارد وإمكانات.**
**التعليم
حرم الجامعة العبرية على جبل المشارف.
تتخذ عدّة جامعات مرموقة من القدس مقرًا لها، وتؤمّن برامج تعليمية للطلاّب باللغات العربية، العبرية، والإنگليزية، ومن هذه الجامعات الجامعة العبرية التي تأسست في سنة 1925، وقد أوجدت حملة الدعاية اليهودية لها شهرة عالمية . كان بعض أبرز العقول المفكرة في العالم أعضاءً في مجلس أمناء هذه الجامعة، ومنهم ألبرت أينشتاين وسيگموند فرويد،وقد تخرّج منها بعض الفائزين بجوائز نوبل مثل: أع¤رام هيرشكو.داود گروس، ودانييل كاهنمان. تشتهر الجامعة العبرية بمكتبتها المعروفة بالمكتبة اليهودية، التي يُحتفظ فيها بأكثر من 5 ملايين كتاب. افتتحت هذه المكتبة في سنة 1892، أي قبل افتتاح الجامعة ذاتها بحوالي ثلاثة عقود، وهي اليوم المكتبة المركزية للجامعة ومكتبة إسرائيل الوطنية. للجامعة العبرية 3 أحرام جامعيّة في القدس: على جبل المشارف، تلة الشيخ بدر، وحرم طبيّ في مستشفى حداثة بعين كارم.
تأسست جامعة القدس المفتوحة في سنة 1984 لتكون جامعة رائدة لسكّان القدس العرب، وتصف الجامعة نفسها على أنها “الجامعة العربية الوحيدة في القدس”.تعاونت جامعة القدس المفتوحة وكليّة بارد من نيويورك على افتتاح كليّة مشتركة في ذات المبنى الذي كان يُشكل مقر المجلس التشريعي الفلسطيني حيث كان يقع مكتب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وذلك في خريف سنة 2010. ومن المقرر إنشاء برنامج دراسي لمنح درجة ماجستير تدريس الآداب. يقع الحرم الرئيسي لهذه الجامعة جنوب شرقي القدس في بلدة أبو ديس، وتبلغ مساحته 190,000 متر مربّع (47 فدّان). ومن مؤسسات التعليم العالي الأخرى في القسم الغربي من المدينة : أكاديمية القدس لتعليم الموسيقى والرقص. وأكاديمية بيتسالئيل للفنون والتصميم، وكلا المبنيين يقعان في حرم الجامعة العبرية.
![]()
مدرسة عبرية-عربية مشتركة في القدس.
تأسست كليّة القدس للعلوم التقنية في سنة 1969، وهي تؤمن برامج تدريب هندسية وتقنية للطلاّب، وهذه الكليّة هي إحدى المدارس التي تجمع بين البرامج العلمانية والدينيّة في القدس الغربية، وفي الشطر الأخير من المدينة عدد من المدارس الدينية اليهودية مثل “مدرسة صموئيل” و"مدرسة مير يشيع¤ا"، التي يُزعم أنها أكبرها. وصل عدد التلاميذ في السنة الدراسية الأخيرة في المدارس اليهودية خلال العام الدراسي 2003?2004 إلى 8,000 تلميذ، إلا أن 55% من هؤلاء فقط يتقدمون لامتحان شهادة الثانوية العامة، أما الباقون فيلتحقون بالمعاهد المهنية الحريدية. تُقدّم بلديّة القدس حوافزًا مالية في سبيل استقطاب المزيد من التلاميذ اليهود إلى الجامعات الإسرائيلية في القدس، بالإضافة إلى إعانات لأولئك الذين يستأجرون شققًا سكنية للإقامة فيها طيلة مدة دراستهم.
وللبحث بقية**
**المواصلات
جسر القدس الصاري المعلّق، من تصميم المعماري العالمي سنتياگو كالاتراع¤ا.
![]()
محطة الحافلات المركزية في القدس.
يُعتبر مطار القدس الدولي أقرب المطارات إلى القدس، وقد كان يُستخدم للطيران المدني حتى أغلقته سلطات ألإحتلال الإسرائيلية في سنة 2001، وسيطر عليه الجيش الإسرائيلي لقمع الانتفاضة التي قامت في وجه إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة. تحوّلت جميع الرحلات الجويّة بعد إغلاق المطار إلى مطار اللد الدولي، وهو أكبر المطارات الموجودة في فلسطين وأكثرها ازدحامًا، حيث يصل عدد المسافرين فيه سنويًا إلى 9 ملايين مسافر.
تتولى شركة “إيجد” التعاونية، وهي من أكبر شركة نقل بالحفلات في العالم، تقديم خدمة النقل للسكّان من وإلى القدس، وبداخلها، وهي تتمركز في محطة حافلات المدينة الواقعة في شارع يافا بالقرب من مدخل الطريق السريع الغربي للقدس. كانت الحافلات وسيارات الأجرة والسيارات الخصوصية هي وسائل النقل الأكثر استعمالاً في القدس حتى سنة 2008، عندما أُطلق مشروع سكة الحديد الخفيفة، وابتُدئ العمل فيه على قدم وساق. يقول المهندسون العاملين على المشروع، أن هذه القاطرات ستقدم خدمة النقل لحوالي 200,000 شخص يوميًا، وسيكون لها 24 محطة.انتهى العمل على هذه السكّة في 15 يونيو سنة 2010، وتمت تجربة القاطرة الأولى في 23 أغسطس من نفس العام.
طريق القدس السريعة.
![]()
تجربة القاطرة الكهربائية الخفيفة للمرة الأولى.
من المشاريع الأخرى التي تنوي حكومة الإحتلال تنفيذها بالقدس، مشروع سكة حديدية سريعة تمتد من تل أبيب إلى القدس، يُخطط الانتهاء من العمل عليها في سنة 2011، وستكون محطتها الأخيرة محطةً تحتأرضيّة على عمق 80 مترًا (262.47 قدمًا)، تقع بالقرب من مركز المؤتمرات الدولية ومحطة الحافلات، ويهدف المسؤولون إلى وصل هذه السكة في نهاية المطاف بمحطة المالحة، وهي محطة القطارات المملوكة من قبل الدولة، والتي تقدم خدمة النقل من القدس إلى تل أبيب مرورًا بمدينة بيت شيمش.
تُعتبر الطريق السريعة إحدى أبرز طرق القدس التي تصل شمالها بجنوبها؛ فهي تمتد على طول القسم الغربي من القدس وتتصل بطريق “معاليه بيت حورون” في الشمال لتكمل اتجاهها نحو تل أبيب. يمتد الطريق السريع رقم 60 عبر وسط المدينة بالقرب من الخط الأخضر الفاصل بين القدس الشرقية والغربية. يجري العمل حاليًا على تشييد طريق تحيط بالمدينة يبلغ طولها 35 كيلومترًا (22 ميلاً) لتصل الضواحي ببعضها البعض، لكن ردود الفعل حول هذا المشروع جاءت متناقضة حيث عارضه البعض وقبله البعض الآخر.**
**لعبت الحكومة الإسرائيلية دورًا كبيرًا في تنمية اقتصاد القدس منذ تأسيس دولة إسرائيل، فهناك عدد كبير من الوظائف الحكومية الشاغرة بالمدينة، كونها مقر للحكومة، والأخيرة تقدم دعمًا وحوافز متعددة للشركات والمؤسسات الوليدة، كي تستمر متمركزة بالقدس. أفادت مجلة “السياحة والترفيه” (بالإنگليزية: Travel + Leisure) الأمريكية أن القدس هي أفضل مدن أفريقيا والشرق الأوسط للسياحة الترفيهية في سنة 2010.
يقول الخبراء أن اقتصاد القدس الشرقية لا يزال يُعاني من مشاكل وعوائق مختلفة لأسباب عديدة، منها جدار الفصل العازل الذي شيدته إسرائيل في عمق الضفة الغربية وفي محيط مدينة القدس، الأمر الذي يؤدي إلى إخراج مدينة القدس من ارتباطها ببقية الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، والذي يجعلها مفتوحة فقط نحو إسرائيل،بالإضافة لإقامة الحواجز العسكرية وإعاقة دخول سكان القرى المجاورة للقدس، وباقي سكان المدن الفلسطينية مع ارتفاع تكلفة نقل البضائع نتيجة الحواجز والإغلاق.وحسب تقديرات الغرفة التجارية في آخر دراسة أعدتها في شهر يوليو من سنة 2006 فإنّ مدينة القدس كانت بحاجة إلى استثمارات فورية تقارب المئة وخمسون مليون دولار كنقطة بداية كاستثمارات فورية خلال الأعوام الثلاثة القادمة، وتشمل هذه الاستثمارات مجالات الإسكان السياحة وترميم البلدة القديمة، وتطوير الصناعات الحرفية في المدينة.
![]()
حافلة سياحية ذات طابقين في القدس.
سوق “محاني يهودا”.
ومن الصعوبات التي تواجه هذا الشطر من المدينة وتعيق نموّه بشكل مطّرد التشدد في فرض الضرائب وجبايتها وتطبيق باقي القوانين الاقتصادية والاجتماعية على العرب الفلسطينيين في القدس. كذلك يقول الخبراء الفلسطينيون أن هنالك تشدّد في منع دخول المنتجات الفلسطينية إلى أسواق القدس، خصوصاً المنتجات الغذائية كالألبان البيض وهي منتجات أقلّ سعراً من المنتجات الإسرائيلية المماثلة
وقد أدّت القيود والإجراءات الإسرائيلية إلى تراجع الأداء الاقتصادي للقدس الشرقية في مختلف القطاعات، فقد اضطر عدد من المصانع إلى تقليص إنتاجها أو إغلاق مصانعها بسبب انخفاض الطلب على المنتجات المحلية غير الغذائية منها إلى الثلث وضعف إمكانية المنتج المحلي على المنافسة نتيجة لارتفاع تكاليف التوزيع بسبب الإغلاق، كذلك ظهر أنه في شهر أكتوبر من سنة 2000 انقطع التدفّق السياحي إلى الشطر الشرقي، وألغيت جميع الحجوزات حتى نهاية سنة 2001، فكان من نتيجة ذلك أن أغلقت بضعة فنادق أبوابها وسرّحت موظفيها.
![]()
شارع الأنبياء، أحد أبرز الشوارع المستقطبة للسيّاح في المدينة.
يقول مدير الغرفة التجارية في القدس الشرقية، عزّام أبو السعود، أنّ موضوع الاستثمار، وبوجه الخصوص الاستثمار طويل المدى، أو الذي يستغرق إقامة منشآته عدة سنوات، والبحث عن مستثمرين، هو العنصر الذي يجب التركيز عليه في سبيل النهوض باقتصاد القدس الشرقية، ودعا إلى إنشاء صندوق ضمان الاستثمار، الذي يضمن للمستثمر الخائف عائدًا مناسبًا لأمواله، وضمانات أن لا يؤثّر الوضع الأمني السياسي على مشروعه، وضمان عائد مجدي لاستثماره، كذلك دعا إلى عدم إغفال موضوع التدريب واقتباس النموذج الألماني في التدريب الحرفي، كونه النموذج الذي قاد الألمان لإعادة بناء اقتصادهم الذي دمرته الحرب العالمية الثانية. وقال أنه يجب أن يتم إحياء مشروع سوق القطّانين بالبلدة القديمة، وكذلك الحمامات المملوكية أو التركية بعد ترميمها. هذا بالإضافة إلى تحويل جزء من الاستثمار إلى قطاع الإسكان والإنشاءات لتوفير المنازل الكافية لبقاء أكبر عدد من سكان القدس. والاهتمام الأكبر بترميم منازل البلدة القديمة، وأنْ يشمل المنازل القديمة خارج السور وذلك لتوفير نوعية حياة أفضل للسكان. وفي سنة 2010، أعلن المهندس مازن سنقرط رئيس مجموعة سنقرط الاستثمارية عن تأسيس شركة قابضة في القدس تحمل اسم"القدس القابضة" برأسمال 20 مليون دولار بهدف الاستثمار في عدد من القطاعات الاقتصادية والتعليمية في القدس الشرقية.**
**الإقتصاد والمعيشة
البنك العربي في القدس.
كان الحج إلى القدس يُشكل أبرز مواردها المالية عبر التاريخ، بما أنها مدينة داخلية تقع بعيدًا عن المرافئ الهامّة مثل يافا وغزة. لا تزال المعالم الدينية في القدس هي ما يستقطب الزوّار الأجانب بشكل رئيسي، حيث أن معظمهم يأتي ليزور حائط البراق وكنيسة القيامة والمسجد الأقصى، وغيرها من الأماكن في البلدة القديمة، إلا أنه أصبح من الجليّ خلال نصف القرن الفائت أن المدينة لا يمكنها أن تعتمد على هذه الزيارات وحدها لتؤمن مدخولاً كافيًا يفي بجميع الحاجات الحياتية للسكان.
تُظهر عدّة إحصائيات أن اقتصاد المدينة في نمو مطّرد، إلا أنه من الملاحظ بأن القدس الشرقية لا تزال أقل نموًا من الغربية،لكن على الرغم من ذلك فإن نسبة الأسر العربية التي يعمل عدد من أفرادها أعلى من تلك الخاصة بالأسر اليهودية، حيث تصل الأولى إلى 76.1% والثانية إلى 66.8%. يصل معدّل البطالة في القدس إلى 8.3%، وهو بهذا أقل من المعدّل الوطني الإسرائيلي الذي يصل إلى 9.0%، على الرغم من أن نسبة القوّة العاملة بالمدينة أقل من تلك الخاصة بمدن أخرى مثل تل أبيب (58.0%) وحيفا (52.4%). أظهرت دراسات أخرى أن نسبة الفقر بالقدس ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الفترة الممتدة من سنة 2001 حتى سنة 2007، حيث ازدادت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بحوالي 40%. وصل معدّل المدخول الشهري للعامل في القدس خلال سنة 2006 إلى 5,940 شيكل جديد (1,410 دولار أمريكي)، أي أقل بحوالي 1,350 شيكل من العامل في تل أبيب.
سوق القطّانين بالقدس الشرقية.
![]()
مركز تسوّق “حضر” في تلبيوت.
أصدرت السلطات البريطانية قانونًا أيام الانتداب ينص على عدم جواز تشييد المباني إلا باستخدام الحجر المقدسي، وذلك في سبيل الحفاظ على الهويّة التاريخية وجماليّة هذه المدينة الفريدة،وما زال هذا القانون ساري المفعول حتى الوقت الحالي، وهناك جهود لتكملته عن طريق عدم التشجيع على بناء المصانع داخل القدس؛ وقد خصصت السلطات الإسرائيلية 2.2% فقط من مساحة المدينة لتشييد المصانع، وبالمقابل يُلاحظ أن نسبة الأراضي المخصصة للبنى التحتية في تل أبيب تفوق تلك الخاصة بالقدس بحوالي الضعف، بينما تفوق نسبة تلك الأراضي في حيفا نسبة أراضي القدس بحوالي سبعة مرّات. يعمل ما نسبته 8.5% من إجمالي القوة العاملة الخاصة بمحافظة القدس في قطاع الصناعة، وهذا يُشكل نصف المعدل الوطني في إسرائيل (15.8%)، بالمقابل تفوق نسبة المقدسيين العاملين في قطاعات أخرى باقي المعدلات الوطنية. قامت بضعة شركات التقنية العالية بفتح فروع لها أو نقل مراكزها حتى من تل أبيب إلى القدس، وقد أدّى مثل هذا الأمر إلى توفير 12,000 فرصة عمل جديدة في سنة 2006.من المراكز الاقتصادية المهمة في القدس ما يُعرف باسم “مجمّع الصناعات العلمية الغنيّة”، وهو مجمّع يقع في شمال المدينة ويُشكل مقرًا لبعض أهم الشركات مثل: إنتل، شركة تيع¤ا لصناعة الأدوية، أتوترونكس عوفير، وشركة ECI للاتصالات. يُخطط بعض المسؤولين لتوسعة هذا المجمّع حتى يُغطي مساحة 530,000 متر مربّع (130 فدّان)، ويتسع لمزيد من الشركات بالإضافة لمحطة إطفاء ومدرسة.
وللبحث بقية**
**وفي أواخر عام 1985م انشات وزارة المواصلات موقفا للسيارات على قسم كبير منها ، ففي كتاب من مساعد مدير الأملاك الوقفية الى مدير الأوقاف جاء فيه :? لقد توجهت بسيارة الأوقاف صباح يوم الاثنين 2/12/1985م لزيارة مقبرة ? مأمن الله ? في القدس المحتلة ما قبل عام 67 وشاهدت ما يجري في المقبرة ، وبعد التجول في المقبرة سابقا والحديقة العامة حاليا تبين لنا ما يلي :-
أولاً: هناك تغيير واضح وسافر في معالم المقبرة ، حيث أن حوالي 95% من القبور قد نبشت وأقيم عليها بناء .
ثانية : أن القبور المتبقية في المقبرة تستعمل للأعمال اللاأخلاقية ومكان للقمامة .
ثالثاً: أثناء تجوالنا في المقبرة وفي الناحية الشرقية الشمالية شاهدنا جرافات إسرائيلية تعمل هناك وقد نبشت جزءا من الجزء المتبقي من المقبرة ، ولدى سؤالي بعض العمال العرب ? الذين يعملون هناك ? أفادوا بأن الجرافة قد نبشت المقبرة وأخرجت منها بعض عظام الموتى ، وأن الحكومة الإسرائيلية تعتزم إقامة موقف للسيارات في منطقة الحفريات .
وفي أعوام 1987،1946،1985 نفذ عمليات جديدة من الحفر لتمديد شبكات مجاري ، وتوسيع موقف السيارات فدمرت عشرات القبور وبعثرت عظام الموتى في كل مكان ورغم احتجاجات المؤسسات الإسلامية ، فان البلدية نفذت مخططها وأجرت الحفريات .
وفي تاريخ 15/1/2000 قامت شركة الكهرباء الإسرائيلية بأعمال حفريات في المقبرة ، في الجهة المقابلة بجانب الشارع الرئيسي ، وهو ما تسبب في تناثر عظام الموتى على سطح الأرض ، وذلك بحجة تمديد أسلاك كهرباء في باطن الأرض .
ويستخدم جزء من المقبرة أيضا كمقر رئيس لوزارة التجارة والصناعة الإسرائيلية.
وما هو جدير بالذكر أن من بين الذين كانوا على رأس تغيير معالم مقبرة ? مأمن الله ? وساهموا في تحويلها الى موقف للسيارات وحديقة عامة وغيرها وما نتج عن ذلك من نبش للقبور وإزالة لها ? رئيس بلدية القدس ? تيدي كوليك ? .
ويستمر الاعتداء والتطهير العرقي للموتى ?
وإمعانا من المؤسسة الإسرائيلية في اعتداءاتها المتواصلة على مقبرة ? مأمن الله ? فقد أعلنت في 9/2002م نيتها إقامة مبنى للمحاكم الإسرائيلية في منطقة مقبرة ? مأمن الله ? وأكد حينها سماحة الشيخ عكرمة صبري ? المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية ? أن هذه الخطوة تعتبر حلقة جديدة في سلسلة الاعتداءات على المقدسات الإسلامية واعتبر فضيلته الأمر انتهاكا لحرمة المقبرة وأن المشروع المعلن عنه يمثل امتدادات للاعتداءات التي شملت أجزاء كبيرة من هذه المقبرة ، وأن السلطات الإسرائيلية تسعى لمسح المقبرة نهائيا .
والأسبوع الأخير أعلنت الصحف الإسرائيلية نية الحكومة الإسرائيلية افتتاح مقر ما يسمى ? مركز الكرامة الإنساني ? متحف التسامح في مدينة القدس ? على ما تبقى من أرض مقبرة ? مأمن الله ? الأمر الذي يؤكد تصميم المؤسسة الإسرائيلية إنهاء وجود مقبرة ? مأمن الله ? .
ولعلنا في نهاية هذا التقرير نشير إلى أهمية الدراسة التي ألفها الباحث الفلسطيني سعيد يقين من جامعة بير زيت بعنوان ? الحكومة الصهيونية وخطر التضييق والتزوير الحضاري والتاريخي في منطقة القدس ? ، والتي بيُن فيها أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تمس الأحياء وحدهم بل طالت الأموات في قبورهم ، عارضا أمثلة حية لطمس مقابر المسلمين وإزالة عظامهم ، ونقل سعيد يقين في دراسته تعليق الكتاب الإسرائيلي ميرون بنفنسي على هذه السياسة في صحيفة هآرتس الإسرائيلية بقوله :? إن هدم المقابر الإسلامية لم ينبع من ضغوط إحتياجات التنمية والمصلحة العامة ، وإنما بهدف مقصده عملية تطهير عرقي للموتى لأن وجود المقابر تلك دليل على ملكية الأقصى ? .
منقوووووووووووووووول :
**
**اعتداءات مبكرة على المقبرة :
في زمن الانتداب البريطاني خاصة بداية سنوات الثلاثين تعرضت مقبرة ? مأمن الله ? لانتهاكات متكررة ، وفي ظل مخطط وضع سنة 1933 م لمقبرة ? مأمن الله ? وهو في جوهره يقتطع جزءا للبناء السكني وآخر للبناء التجاري ، وثالث يكون حديقة عامة ورابعا يبقى مقبرة ، إلا أن الجزء الأكبر من هذا المخطط نفذ في أواخر سنوات الستين وما بعدها .
بتاريخ 6/7/1935 كتب مدير الأوقاف العام إلى مأمور أوقاف القدس يقول :? أخبرنا أناس ، أن اليهود يلقون بأنقاض أبنية لهم في تربة ?مأمن الله ? ، فأرجو أن ترسلوا من يتحقق من الأمر وأن تمنعوا المعتدين إذا كان الخبر صحيحا ، وان تعلمونا بالنتيجة ? .
بتاريخ 15/7/1937 كتب مأمور أوقاف القدس إلى مفتش صحة بلدية القدس ? وكانت تحت الانتداب البريطاني آنذاك ، الذي كان يعين أعضائها ويشرف عليها ، ?علمنا من أن مواسير مياه قذرة ممدودة في الطريق العام وتصب في مقبرة ?مأمن الله ? بصورة مخفية ، وبعد البحث ، علمنا من ناطور المقبرة أن المواسير المذكورة مربوطة من دار عائلة لأحد اليهود غربي المقبرة ، فنرجو التفضل بالكشف عليها لرفع الضرر وتغيير مجرى المياه عن المقبرة ، حرمة لها ? .
بتاريخ 9/12/1937م أصدر وكيل أوقاف القدس إخطاراً لاثنين من عمال بلدية القدس لقيامهم بهدم قسم من سور المقبرة ، جاء فيه ? ثبت لدي إنكم هدمتم قسما من سور مقبرة ? مأمن الله ? وإنكم ألقيتم في المقبرة المذكورة كثيرا من الأنقاض والأوساخ ، وبما أن هذا العمل أضر الأوقاف ، ضررا عظيما ، وبما أنكم بعملكم هذا تعديتم على مصالح الأوقاف ، لذلك فإنني أخطركم برفع الأنقاض والأوساخ التي ألقيتموها داخل المقبرة ، وإذا تأخرتم او امتنعتم عن ذلك ، فإنني اضطر لمراجعة الطرق القانونية لتغريمكم بكل عطل وضرر أصاب الأوقاف من جراء عملكم هذا .. ?.
بتاريخ 13/12/1937 كتب وكيل مأمور أوقاف القدس ،إلى رئيس بلدية القدس ، يقول :? علمت أن احد مهندسي البلدية ? أمر عماله بهدم قسم من سور مقبرة ? مأمن الله ? من الجهة الشمالية وإلقاء أتربة الشارع المجاور في المقبرة ، وبما أن للمقابر حرمة لا يجوز انتهاكها فإنني استغرب جدا ، كيف أباح حضرة المهندس لنفسه إنتهاك تلك الحركة ، بدون استئذان دائرة الأوقاف وإعلامها بالأمر ، ولقد جرأ حضرة المهندس بعمله هذا جميع المجاورين ، فأصبحوا يتخذون المقبرة محلا لرمي الأقذار ، وطريقا يمرون منه ويتعدون على قبور الأموات ، لذلك فإني ? أوجه نظر سعادتك لهذا الأمر ، راجيا أن تأمروا برفع الأتربة التي ألقيت في المقبرة وبناء السور كما كان ، وتحولوا دون الإقدام على مثل هذا العمل في المستقبل .
في شهر 4/1947 استولى الجيش البريطاني على مقبرة ? مأمن الله ? وأقام فيها ، كما قام بهدم أجزاء من سور المقبرة ، حيث أرسل حارس المقبرة ، كتابا الى مأمور أوقاف القدس بتاريخ 4/6/1947 يعلمه فيها بذلك .
نكبة ..احتلال وطمس للمعالم :
وفي عام 1948 احتلت القوات الإسرائيلية ، الجزء الغربي من القدس ، فسقطت من ضمنها مقبرة الشهداء والعلماء والصالحين و ? مأمن الله ? .
وفي نفس العام أقرت إسرائيل قانونا بموجبه ? يعتبر جميع الأراضي الوقفية الإسلامي وما فيها من مقابر وأضرحة ومقامات ومساجد ? بعد الحرب ? بأراضي تدعى أملاك الغائبين ، وأن المسؤول عنها يسمى ? حارس أملاك الغائبين ? وله الحق التصرف بها ، فيما استثنى القانون أملاك الطوائف الأخرى من هذا القانون ، أي حارس أملاك الغائبين يستطيع التصرف فقط بأوقاف المسلمين ، رغم ان هذا التسجيل الخاطئ لا يزيل صفتها الوقفية المقررة بموجب الشريعة الإسلامية ، وبذلك دخلت مقبرة ?مأمن الله ? ضمن أملاك حارس أملاك الغائبين لدى ? دائرة أراضي إسرائيل ? .
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت إسرائيل تقوم بتغيير معالم المقبرة وطمس كل اثر فيها ، حتى لم يتبقَ فيها أقل من خمسة بالمئة من القبور التي كانت موجودة فيها ،وقدرت المساحة المتبقية منها بحوالي ثمن المساحة الأصلية أي حوالي 19 دونما .
ففي عام 1967 حولت المؤسسة الإسرائيلية جزءا كبيرا من المقبرة الى حديقة عامة ، دعيت بحديقة الاستقلال ، بعد أن جرفت القبور ونبشت العظام البشرية وقامت بزرع الأشجار والحشائش فيها ، وشقت الطرقات في بعض أقسامها ، كما بني على قسم آخر واشتهرت الحديقة باستعمالها وكرا لممارسة أعمال الرذيلة خاصة من الشاذين اليهود .
وللبحث بقية**
**وعندما حرر السلطان صلاح الدين الأيوبي ? رحمه الله ? القدس من يد الصليبيين أمر بدفن من استشهدوا في المعارك مع الصليبيين في نفس المقبرة ، وتوالى الدفن فيها بعدئذ فضمت قبور مئات العلماء والفقهاء والأدباء والأعيان والحكام من المدينة ، والمعروف في التاريخ أن كثيرين من العلماء كانوا يحملون في القاهرة كي يدفنوا فيها ، وعلى العموم فإن مقبرة ? مأمن الله ? تأوي رفات أكثر من سبعين ألفا بين صحابي وشهيد وعالم وزاهد منهم :
1- الأمير عيسى بن محمد العكاري الشافعي : هو أحد كبار مستشاري السلطان صلاح الدين الأيوبي وقد توفي ? رحمه الله ? عام 585هـ بمنـزله في الخروبة ? قرب عكا ? وحمل الى القدس الشريف ودفن في مقبرة ? مأمن الله ? .
2- الشيخ شهاب الدين ? ابو العباس ? 684هـ 728هـ ? هو أحمد بن الشيخ محمد بن عبد الولي بن جبارة المقدسي الشافعي ، الفقيه والنحوي .
3- أحمد بن محمد حامد بن أحمد الأنصاري المقدسي الشافعي ، حفظ القرآن الكريم واشتغل بالتحصيل والسماع ، عرض عليه قضاء القدس فأبى وكان صالحا زاهدا ناسكا ،قانعا بالقليل ، توفي في عام 854هـ .
4- قاضي القضاة شيخ الإسلام محمد بن جمال الدين بن سعد بن أبي بكر بن الديري العبسي الحنفي ? ولد في حردا بالقرب من ? مدينة نابلس ? في حدود عام 750هـ وسكن بيت المقدس وصار من أعيان العلماء، كان فقيها ومدرسا، ولاه الملك المؤيد قضاء الديار المصرية ، ثم صرف عن القضاء باختياره ، واعتذر بعلو سنه ، وكان يتأسف على فراق بيت المقدس لكونه في مصر حيث كان يقول :? سكنته أكثر من خمسين سنة ثم أموت في غيره ? ولكن في عام 827هـ قدم الى القدس لتمضية شهر رمضان فيها وزيارة أهله ، وبينما هو يهم في الرجوع الى مصر وبعد أن أخذ يودع القدس وأهلها ، فإذا بالموت يدركه فيتوفى ? رحمه الله ? في القدس كما أحب ، ودفن في ? مقبرة مأمن الله ? .
محطات من التاريخ المعاصر :
أحيطت المقبرة في أواخر العهد العثماني بسور عام 1318هـ وأستمر المسلمون في دفن موتاهم حتى عام 1927م حيث أصدر المجلس الإسلامي الأعلى حظرا على دفن الموتى فيها بسبب إكتظاظها واقتراب العمران إليها ، وقام المجلس الإسلامي الأعلى أيام الانتداب البريطاني على فلسطين بترميمات متكررة لسور المقبرة وغرفة الحارس وتسوية منخفضات وخصوصا تعبئة حفر المحجر بالتراب ، ثم رغبة الأوقاف في تمهيد مساحة 150 متر في أرض مقبرة ?مأمن الله ? الجهة الغربية الشمالية وإزالة الضرر الناتج عن المياه المتسربة من البركة ، وقلع الأعشاب وزرع الأشجار على جانبي الطرق داخل المقبرة ، ومنع الإعتداءات على إختلاف أنواعها مما فيه رفع الضرر عنها والمحافظة على حرمتها.
ويبدو أن كل المشاريع التي صممت في عهد الانتداب البريطاني كانت تحمل في ظاهرها صيغة الاعتناء والمحافظة العينية الجمالية لمقبرة ? مأمن الله ? لكنها في باطنها ? علم ذلك أم لم يعلم ? كانت تحمل هدفا أساسيا ، تقوم عليه تلك التصاميم والمشاريع وهو إزالة مقبرة ? مأمن الله ? عن الوجود ، كمنطقة دخلت طريق الإزدهار العمراني والصناعي والسكني ، فمقبرة ? مأمن الله ? كأثر إسلامي له حرمته ، تشكل بمساحتها التي تزيد عن 150 دونماً تقوم حائلة دون ? الاستفادة? من هذه المساحة الشاسعة وسط محيط يقع بالحياة .
ولعل المجلس الإسلامي الأعلى لم يتنبه إلى هذه القضية عندما قرر توقيف دفن موتى المسلمين في المقبرة عام 1927م وكذلك قرار دائرة الأوقاف بإقامة عمارة أو نزل على أرض الوقف التابعة لمقبرة ? مأمن الله ? .
وقد نشأت فكرة إنشاء عمارة على أرض الوقف في ? مأمن الله ? في بداية السنوات الأولى من العشرينات، وقد راودت هذه الفكرة المسؤولين وقتئذ لأجل الاستفادة من ريعها وتزييد واردات الأوقاف حتى لا تبقى هذه الأرض الثمينة بدون ?استفادة? منها .
وقد ظهرت وجهات نظر متباينة بين القبول والرفض لهذه الفكرة ، وفي تاريخ 14/7/1926 وافق قوميون الأبنية على إعطاء الرخصة الى دائرة الأوقاف للبناء على أرض الجبالية ، وبدأ العمل بهذا النـزل وانتهى العمل منه عام 1929م ، وجعلت العمارة فندقا من الدرجة الأولى وأطلق عليه اسم فندق ? بالاس ? بإدارة ثابت درويش أحد رجال القدس في تلك الآونة ، ونجح الفندق وصار أشهر فندق في بيت المقدس للسائحين والزوار وخاصة الأمريكان ولكن قيام شركة فندق الملك داوود بعد افتتاحه بقليل ، وبناء ها الفندق الكبير مواجها لبرج أو محراب داوود الذي يحمل اسمه كان يقي على ? بالاس? وفي سنة 1933م أعلنت دائرة الأوقاف عرضا لتأجير العمارة ، وعلى أية حال ، فإن عمارة الأوقاف مرت بظروف وملابسات كبيرة كلها دارت حول مصلحة زيادة واردات الأوقاف ، البناية ما زالت قائمة ولم تنل منها أيدي البلى ، وما زالت تحتفظ بجمالها ورونقها ، ويظنّ إنها تستعمل لبعض الدوائر الحكومية الإسرائيلية .
وللبحث بقية**
**مقبرة مأمن الله في القدس
تاريخ عريق واعتداء إسرائيلي متواصل

بلال محمود
إن الكتابة عن تاريخ القدس أو جزء منها ، إنما هو حديث عن مسيرة البشرية وحضارتها ، فالقدس مدينة عظيمة لا لموقعها الجغرافي أو لطيب هوائها أو لعذوبة مياهها ، وإنما لعظمة قدسية هذه المدينة في نفوس بني البشر ، وهذه المدينة وإن قسي عليها الزمن سابقاً وحاضراً ، فإنه لا يدوم فيها ظالم ولا يعمّر فيها جائر ، فهي مدينة السلام ، يشع نور قدسيتها في أرجاء الكون معيداً ذكرى أنبياء طليبوا ثراها وشهداء سالت دماؤهم فوق روابيها ، وعلماء نشروا العلم في جميع الأركان من بين أزقتها ومساجدها .
ونحن المسلمون ومنذ وطأت البراق أرض بيت المقدس وأسرى في تلك الليلة بمعلم البشرية وهاديها رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام مشيراً بذلك منذ تلك اللحظة بأن هذه المدينة المقدسة التي باركها الله وما حولها هي مدينة إسلامية سيكون لها شأن عظيم في تاريخ هذا الدين ومسيرة هذه الأمة ، وهكذا كان ، فمنذ فتحها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ? رضي الله عنه ? عاشت في كثير من عصورها أيام مجد وعز في ظل دولة المسلمين ، فما من والٍ أو حاكم إلاّ وكانت القدس كالقلب للجسد بالنسبة له ، كرموا وأعزوا أهلها ، وشادوا بيوت العلم في جميع أركانها .
وتدور عجلة الزمان ويتكالب الباطل على المدينة المقدسة من كل حدب وصوب ، وتعود أيام الصليبيين بوحشية هولاكو وجنكزخان ، فمنذ وقعت القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي تعيش حالة عصيبة ، فالاحتلال يعمل جاهدا على طمس كل أثر إسلامي في هذه المدينة المقدسة بشتى الوسائل والطرق ، وكانت وحشية الاحتلال أن امتدت يده الغاشمة إلى قبور المسلمين حقد وصلافة ، تكاد تفوق كل التصورات ، فكانت الاعتداءات المتكررة على المقبرة الشهيرة في بيت المقدس ألا وهي مقبرة ? مأمن الله ? هذه المقبرة والأرض الوقفية التي تقع في ظاهر بيت المقدس من جهة الغرب ، حباها الله بالتكريم بأن ضمت بين أحضانها المباركة رفات بعض صحابة رسول الله وشهداء هذه الأمة الذين طيبّوا ثراها بدمائهم دفاعا عن قدسيتها وإسلاميتها ، وعلماء أضاءوا بعلمهم مشارق الدنيا ومغاربها ، فهذه المقبرة وما تحويه من علماء هذه الأمة هي جزء من تاريخ أمتنا عبر العصور من زمن الفاروق عمر ? رضي الله عنه ? مرورا بشهداء الفتح الصلاحي وحتى آخر شهيد دفن فيها دفاعاً عن قدسيتها وإسلاميتها .
إعلان بعض الصحف العبرية الأسبوع الماضي نية الحكومة الإسرائيلية افتتاح مقر ما يسمى بمركز الكرامة الإنساني ?متحف التسامح في مدينة القدس ? على أرض مقبرة ? مأمن الله ? بمشاركة حاكم ولاية كاليفورنيا الأمريكية ، وردود الفعل والاستنكارات لهذا الاعتداء وتواصل تدنيس هذه المقبرة يوجب إلقاء الضوء والحديث مجددا عن هذه المقبرة ذات التاريخ العريق .
الموقع والمساحة:
تقع مقبرة ? مأمن الله ? والتي يسميها البعض ? ماملا ? ? بمعنى ماء من الله أو بركة من الله ? غربي مدينة القدس القديمة وعلى بعد كيلومترين من باب الخليل ، وهي من أكبر المقابر الإسلامية في بيت المقدس وتقدر مساحتها ? بمائتي دونم ? بينما قدرها المهندسون بتاريخ 16/4/1929 بـِ ( 137.450.29م2) أي بنحو 137 دونما ونصف ، علما أنه استثنى منها بناية الأوقاف التي كانت مبنية على جزء من ارض وقفها ، ومقبرة الجبالية التي كانت على القندرية ، والتي يفصلها عن المقبرة الشارع ،وعندما سجلت المقبرة في سجلات دائرة الأراضي ? الطابو- بتاريخ 22/3/1938 سجلت مساحتها (134.560) من الدونمات واستصدر بها وثيقة تسجيل أراضي ? كوشان طابو ? ضمن أراضي الوقف الإسلامي .
في عمق التاريخ ?
ذكر صاحب المفصل في تاريخ القدس ? عارف عارف ? أن مقبرة ? مأمن الله ? أو ? ماملا ? وإن اختلف في مصدر اسمها فإنها بلا مراء أقدم مقابر القدس عهدا وأوسعها حجما ، وأكبرها شهرة ولقد ساير تاريخها تاريخ المدينة ، وذكر معه مرارا، ففي هذا المكان مسح سليمان ملكا ( 1015ق.م ) وفيه عسكر ? سنحارليب ? ملك الآشوريين عندما هبط القدس ( 710 ق.م ) ، وفيه ألقي ألقى الفرس بجثث القتلى من سكان المدينة عندما احتلوّها ( 614ب.م) ، وفيه دفن عدد كبير من الصحابة والمجاهدين أثناء الفتح الإسلامي (636ب.م) وفيه عسكر صلاح الدين يوم جاء ليسترد القدس من الصليبيين ( 1187ب.م) .
وقد تكلم أكثر من واحد أن مقبرة ? مأمن الله ? تحتضن في ثرى جنباتها رفات الصحابة أمثال ? عبادة بن صامت ? ، وقد ذكر المقبرة النابلسي في رحلته فقال : ? إنها بظاهر القدس من جهة الغرب ، أكبر مقابر البلد ، وفيها خلق كثير من الأكابر والأعيان والشهداء والصالحين وفيها عدد كبير من الصحابة والتابعين ? .
ورجّح بعضهم أن تاريخ الدفن الإسلامي فيها يعود إلى ما قبل الصليبيين ، وعندما احتل الصليبيون القدس وارتكبوا فيها مجزرة بشعة حيث قدر عدد الشهداء في هذه المجزرة من الرجال والنساء والأطفال بـِ(70.000) شهيد ، أمر الصليبيون من بقي من المسلمين بدفن الشهداء في مقبرة ? مأمن الله ? وقد وجدوا بها مقابر وأنفاق ، فوضعوا جماجم الشهداء فيها ، وقيل أن نفقا لا يزال تحت الأرض في الوسط الغربي من المقبرة كله مليء بالجماجم وأن قطره نحو خمسة أمتار وله امتداد أكثر من مائة متر ? والله اعلم ? .
… وللبحث بقية**