.القدوة والمثال/4**
وقد حض الإسلام على التحلي بحسن الخلق وحثَّ عليه كثيراً ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً … " رواه أحمد وابن حبان والترمذي والحاكم وصححه ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم " رواه أبو داود وأحمد وابن حبان والحاكم وصححه ، وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما شيءٌ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، فإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، ورواه أحمد وأبو داود وابن حبان ، وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً ، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً ، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه " رواه أبو داود والبيهقي والطبراني .
فليحرص حامل الدعوة على التحلي بالصفات الحميدة والأخلاق الحسنة الفاضلة لينال الفضل من الله سبحانه ، وليكتمل تمثُّلُ الإسلام فيه ، فيكون المثال الحيَّ المحسوس للإسلام الذي يحمل الناس على قبوله والدخول فيه ، والاهتداء بهديه . وهنيئاً لمن وفَّقه الله لحمل الدعوة ، وجعله قدوة للناس وإماماً لهم يأخذون عنه ويترسمون خطاه ، فيكون له من الأجر مثل ما للمقتدين به المهتدين بهديه من الأجور دون أن ينقص من أجورهم شيء ، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً … " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، وهذه المنزلة ينالها كل حامل دعوة عظيم الإخلاص لله ، عالم بالأحكام تقيٌّ لله ، يتحلى بحسن الخلق والصفات الشرعية .
إن حمل الدعوة تكليف ثقيل ، وعمل شاق مُضنٍ ، يكرم الله به كل مستحق لنوال رضوانه سبحانه صالحٍ لإمامة الناس وهدايتهم ، قادرٍ على قيادتهم والأخذ بأيديهم إلى العمل للإسلام وبالإسلام المفضي إلى إيجاد المثال المحسوس الكبير للإسلام ، وهو دولة الخلافة الراشدة . إن حامل الدعوة يجب عليه الالتزام الدقيق بأحكام الشرع ، والتجرد من كل أوزار الإثم والعصيان ، حتى يكون بحقٍّ أهلاً لأن يُجري الله الخير على يديه ، ويكرمه بإنزال النصر على هذه الأمة على يديه ، ويمكِّن له في الأرض ، ويدخله الفردوس .
قصص الأنبياء والمرسلين4**
إلا أن هناك فارقاً بين الآيات الكونية العامة ، أي المخلوقات في هذا الكون ، وبين الآيات الكونية الخاصة بالأنبياء والمرسلين ، هذا الفارق هو أن الآيات الكونية العامة إنما هي علامات دالات على وجود الخالق القدير فحسب ، ولا تدل على أكثر من هذا ، في حين أن الآيات الكونية الخاصة بالأنبياء والمرسلين هي علامات دالات على أمرين اثنين : على وجود الخالق القدير ، وعلى أن ذلك الشخص الذي جاء بها أو جاءت على يديه إنما هو نبي ورسول لهذا الخالق القدير ، وبمعنى آخر فإن الآيات الكونية العامة تصلح للإيمان بالله سبحانه فحسب ، في حين أن الآيات الكونية الخاصة تصلح للإيمان بالشريعة والدين الذي أتى به ذاك النبي إضافة إلى الإيمان بالخالق القدير . ومن استعراض الآيات الكونية الخاصة نجد أنها صنفان : صنف أتى به النبي والرسول مخالفاً للنواميس الكونية ليكون معجزة له عند قومه تدل على نبوته ورسالته ، مثل برودة النار وسلبها خاصية الإحراق كما جاء في قصة إبراهيم ، ومثل تحويل العصا الجامدة إلى حية تسعى كما جاء في قصة موسى ، ومثل إحياء الموتى ورد البصر للعميان كما حصل مع نبي الله عيسى ، وصنف لم يأت به النبي كمعجزة له ، وإنما كان النبي نفسه هو المعجزة . وذلك كولادة عيسى من أمه دون نكاح ، بمعنى أن عيسى نفسه يشكِّل معجزة في حدِّ ذاته ، فولادته من أم دون نكاح معجزة ذاتية له ، ومعجزة ذاتية لأمه ، قال تعالى في سورة المؤمنون : { وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } ، وكموت عُزير في الدنيا وبعثه حياً من جديد ، وعُزير هو نبي من أنبياء بني إسرائيل ، وهو المقصود من قوله تعالى في سورة البقرة : { أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحيي هذه اللهُ بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس … } فعيسى عليه السلام نفسه آية ، وعُزير كذلك آية .
قصص الأنبياء والمرسلين/3**
6 - عندما يقرأ حامل الدعوة قوله تعالى في سورة هود : { وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في مَعْزِل يا بُنيَّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رَحِمَ وحال بينهما الموج فكان من المغرَقين } ويتفكر في هذا الجانب من قصة الطوفان يجد أن نجاة الخلق والعصمةَ لهم إنما تكون بالالتجاء إلى أمر الله وتنفيذ أحكامه ، وأن الهلاك يكون بترك الهَدْي الإلهي والركون والاقتصار على تدبير العقل المحدود ، فلو أخذ ابن نوح بالهدي الإلهي وأطاع أمر ربه واعتصم به لنجا ، ولكنه لما أعرض عنه ولجأ إلى ذاته وإلى تدبير عقله هلك ، فيُستدل بهذا الجانب من قصة الطوفان على أن المسلمين إن هم أرادوا النجاة من مكر الدول الكافرة ، والخلاص منهم والانتصار عليهم وجب عليهم تحكيم شرع الله في التشريع وفي الإعداد للمعارك وعدم الركون إلى عقولهم في سن القوانين وما تؤدي إليه من استعدادات للحروب استعداداتٍ تغفل الناحية الروحية والهَدْي الإلهي ، ويستدل بهذه القصة على أن انتصارات المسلمين عبر التاريخ إنما كانت لأخذِهم بالهَدْي الإلهي ، وأن هزائمهم في المائتي سنة الأخيرة إنما كانت لتركهم الهَدْي الإلهي ، والأخذ بالقوانين والتشريعات والاستعدادات التي أوحت لهم بها عقولهم فحسب .
7 - إن حامل الدعوة يجب أن يحمل الدعوة بقوة وبصلابة وبتحدٍ دون أن يبالي بالعواقب والمخاطر ، ويجعل الدعوة ومصلحتها فحسب هي الهدف وهي الغاية ، وليعلم أن الخوف من الناس والركون إلى الدعة والتماس السلامة تفقده مقومات النجاح ، وتبعده عن رضا ربه واهب النصر ، قال تعالى في سورة مريم : { يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً } وقال سبحانه في سورة هود : { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون } ، فانظر إلى أمر الله ليحيى أن يأخذ الكتاب بقوة ، وانظر إلى صلابة نبي الله هود كيف يخاطب قومه وهو فرد أعزل بقوله : { فكيدوني جميعاً ثم لا تُنْظِرون } أي نفذوا فيّ كيدكم وتآمركم الذي تجمعون عليه كلكم ، ولا تتأخروا في ذلك ، فأية قوة هذه القوة ، وأية صلابة وأي تحدٍّ هذه الصلابة وهذا التحدي !
هذه نماذج من العبر والدروس التي تُستخلصُ من قصص الأنبياء والمرسلين ، وهي كلها مادة صالحة للاستنباط لأنها كما قلنا كلها نماذج لكيفية حمل الدعوة ، وليس من مقطع فيها إلا وفيه درس وعبرة وفائدة تلزم حامل الدعوة .
إن المسلم كما هو مأمور بالتفكُّر في الآيات الكونية مأمور كذلك بالتفكُّر في قصص الأنبياء والمرسلين ، لأن هذه القصص فيها أيضاً آيات كونية ، وهي المعجزات ، فالأنبياء والرسل أتوا بآيات كونية ظهر فيها الإعجاز ليتوصلوا بها إلى هداية أقوامهم ، فنجاة نوح بالطوفان آية كونية ، وناقة صالح آية كونية ، والخسف بقوم لوط آية كونية ، ونجاة إبراهيم من النار آية كونية ، وفلق البحر لموسى آية كونية وهكذا سائر المعجزات التي أتوا بها ، قال تعالى في سورة الأنعام : { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا … } ، وقال سبحانه في سورة الأعراف : { يا بني آدم إما يأتينكم رسلٌ منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فالأدلة التي جاء بها الأنبياء والمرسلون كلها آيات كونية ، ولم يأت أحد منهم بآيات تنزيلية معجزة سوى محمد عليه الصلاة والسلام ، فزبور داود ، وصحف إبراهيم ، وصحف موسى ، والإنجيل وإن كانت تنزيلية ، إلا أنها لم تكن آيات معجزات ، أي لم تكن هي المعجزات التي تحدوْا بها أقوامهم للاستدلال بها على صدق نبوَّاتهم ، وهي لم تكن سوى تشريعات تُدرس لتؤخذ منها الأحكام والعقائد فحسب ، أما آيات القرآن فهي للأمرين : لتكون معجزات دالات على وجود الخالق وعلى صدق نبوة محمد ، ولتُدرس لتؤخذ منها الأحكام والعقائد ، وإذن فإن الآيات المعجزات التي أُعطيت لجميع الأنبياء والمرسلين هي آيات كونية ، في حين أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحده الذي أُنزلت عليه آيات تنزيلية معجزة .
أما الحكمة من هذا ، فهي أن كل نبي ورسول قد أُرسل إلى قومه خاصة مدةً زمنية تنتهي بقدوم نبي ورسول يخلفه ، فإذا انتهت مدة النبوة وجاءت عقبها نبوة جديدة لم يكن هناك حاجة لبقاء آيـةٍ معجزةٍ للنبي والرسول السابق ، لأن العمل بشريعته انتهى ، وبالتالي لم تبق حاجة لبقاء المعجزة لنبي تلك الشريعة وهكذا كانت آيات الأنبياء ، أي معجزاتهم ، آنيَّةً تبدأ بالنبوة وتنتهي بانتهائها ، وهذه قاعدة مطردة في كل الأنبياء والرسل ، إلا ما كان مع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، فهو النبي الأوحد الذي لا تنتهي مدة نبوته حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، ولهذا جاءت آيته ، أي معجزتُه , تنزيليةً خالدةً بخلود نبوته خلافاً للآيات والمعجزات لدى جميع الأنبياء والرسل السابقين الذين انتهت معجزاتهم بانتهاء نبواتهم وشرائعهم ، ولم يبق منها إلا ورودها في الآيات القرآنية التنزيلية ، ولولا ذلك لانتفى الأمر بالتفكُّر فيها ، فالنظر في قصص الأنبياء والمرسلين يضم فيما يضم معجزاتهم التي كانت آيات كونية ، ولكنها خرجت على قوانين الكون وسننه ، فالتفكُّر فيها مشروع كالتفكُّر في سائر الآيات الكونية ، وما يؤدي إليه هذا التفكُّر من الإيمان واليقين . قال تعالى في سورة البقرة قال تعالى في سورة البقرة : { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } وقال سبحانه في سورة آل عمران : { ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وأبريء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } .
القرآن والكون/3**
أما ما جاء في خطاب الله سبحانه للبشر من كلمات أخرى غير كلمة التفكّر عند الطلب منهم التعامل مع آيات الكون كما ورد في قوله تعالى في سورة النحل مثلاً : { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذَّكَّرون } وكما في قوله تعالى في نفس السورة مثلاً : { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جوّ السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } وكما في قوله تعالى في سورة الأعراف مثلاً : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نَكِداً كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } وكما في قوله تعالى في سورة الرعد مثلاً : { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخّر الشمس والقمر كلٌّ يجري لأجل مسمّى يدبّر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } وكما في قوله تعالى في نفس السورة مثلاً : { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأُكُل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ، فاستعمل يذّكّرون ويؤمنون ويشكرون ويوقنون ويعقلون ، فإن هذه الكلمات ليست بديلة وليست حالّة محل كلمة التفكر مطلقاً ، وإنما هي ثمار للتفكّر ونتاج له ليس غير ، فمن تفكر في الآيات الكونية حصلت لديه الذكرى والإيمان والشكر واليقين والعقل أي الإدراك ، فالتفكر هو الأداة ، وما سواه ناتج عنه حاصل بسببه .
وهنا قد يقول قائل إن الإيمان والشكر واليقين والعقل بمعنى الإدراك أمورٌ مدركة بأنها نتاج التفكّر ، ولكن الذكرى ما تفسيرها في هذا المقام وما معنى قوله تعالى في سورة النحل : { … إن في ذلك لآية لقوم يذّكّرون } ، وقوله سبحانه في سورة غافر : { هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقاً وما يتذكر إلاّ مَن ينيب } وغيرهما من الآيات في هذا الموضوع ؟ والجواب على ذلك أن التذكر لا يكون إلا عند وجود أمرٍ سابق للفعل وإلا فلا تذكّر ، وهنا يوجد أمر سابق وهو الإيمان بوجود الله لدى كل إنسان عند بدء خلق الإنسان ، فعندما ينظر الإنسان في الآيات الكونية ويتفكر فيها يتذكّر إيمانه بالله سبحانه الذي كان لديه عند بدء خلقه ، ولولا أن كل إنسان كان عند بدء خلقه مؤمناً بوجود الله لما تصوّرنا معنى التّذكّر عند التفكر في الآيات الكونية ، والدليل على هذا قوله تعالى في سورة الأعراف : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين ïپ? أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } ، فهذه الآية تدل على ما نقول ، ولقد روى أحمد والنسائي وابن جرير الطبري والحاكم وصحّحه عن ابن عباس عن النبي ïپ² قال : " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفه ، فأخرج من صُلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون " ، هذا هو معنى التذكر إذاً ، وهو كما قلنا نتاج للتفكّر وليس بديلاً عنه .
فعلى حامل الدعوة خاصة وعموم المسلمين عامة أن يعوا على الآيات التنزيلية كلها ، ويعوا على ما يتمكنون من الآيات الكونية ، وكما أن قراءة القرآن وتدبُّر آياته مشروعة ولازمة لحامل الدعوة ولسائر المسلمين ، فإن التفكر في الآيات الكونية مشروع ولازم هو الآخر ، وكما أن قراءة الآيات القرآنية التنزيلية وتدبُّرها عبادة ، فإن التفكر في الآيات الكونية عبادة هو الآخر ، فعن عامر بن عبد قيس قال " سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكُّر " ذكره ابن كثير في تفسيره ، وذكر القرطبي وابن كثير في تفسيريهما عن الحسن قوله " تفكُّرُ ساعة خيٌر من قيام ليلة " ، ونقل مثل هذا القول عن ابن عباس وأبي الدرداء ، فالصحابة والتابعون يعتبرون التفكر عبادة ومن الإيمان ، ولا يُتصوَّر أن يقولوا هذا القول من عند أنفُسهم .
وكما أن الآيات التنزيلية وصفت بأنها في مستوى واحد من حيث الإعجاز في التعبير ، قال تعالى في سورة النساء : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } ، فكذلك الآيات الكونية قد وصفت هي الأخرى بأنها في مستوى واحد من حيث الإعجاز في الخلق ، قال تعالى في سورة تبارك : { الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور } .
وكما أن العلم بآيات القرآن مشروع ومأمور به فكذلك العلم بالآيات الكونية مشروع ومأمور به ، فإن اجتمع العلمان في شخص واحد استحق أن يطلق عليه اسم العالم بشكل مطلق ، وإلا كان علمه مقيداً ، أو كان مختصاً بشيء دون شيء ، قال تعالى في سورة الروم : { ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين } وقال سبحانه في سورة فاطر : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جُدَدٌ بيض وحمر مختلفٌ ألوانها وغرابيب سود ïپ? ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماءُ إن الله عزيز غفور } إن المدقق في هاتين الآيتين يتبين له أن إطلاق اسم العلماء والعالمين قد جاء في معرض استعراض الآيات الكونية ، بمعنى أن الشخص حتى يكون من العلماء والعالمين بشكل مطلق يجب أن ينظر في الآيات الكونية ويتفكر فيها إضافة طبعاً إلى علمه بعلوم الشريعة ، فتدبّر الآيات التنزيلية والتفكر في الآيات الكونية أمران واجبان ، ولا يجوز لحامل الدعوة فضلاً عن سائر المسلمين أن يجهل هذه الآيات الكونية ، أو لا يجهد نفسه في التفكير فيها ، ليصل منه إلى الإيمان القوي الراسخ .
إن الآيات القرآنية كلام معجز ، وإن الآيات الكونية مخلوقات معجزة ، والإعجاز فيها يدل على أن لها رباً ، ولذا سميت آيات أي علامات على وجود الخالق القدير سبحانه ، والمفرد علامَة وعالَم ، فكل ما في الكون علامَة وعالَم على وجود الخالق القدير ، وما أروع قول الشاعر :
وفِي كُلِّ شَيءٍْ لَهُ آيَـةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ الواحِدُ
فالكون كله مخلوق لخالق ، خلقه الله لأمرين اثنين : أولهما ليدل هذا الكون عليه سبحانه ، وثانيهما لعبادته ، فوجب على الناس الاستدلال بمخلوقات الله على وجوده ، ثم الاستدلال بالآيات التي جاء بها أنبياؤه ورسله على صدقهم ومن ثم طاعتهم فيما أمروا به من عبادة الله ، كما وجب عليهم حمده ، وهذا هو أصل الرسالات الذي جاء به أنبياء الله ورسله من آدم حتى محمد خاتم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وهذا الأصل هو ما جاء في قوله سبحانه وتعالى في سورة الشورى { شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه … } وما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة عند مسلم وأحمد " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة ، قالوا كيف يا رسول الله ؟ قال الأنبياء إخوة من عَلاَّت وأمهاتُهم شتى ودينُهم واحد ، فليس بيننا نبي " فقد أطلق على هذا الأصل اسم الدين في الآية وفي الحديث . فأصل الديانات كلها هو : الإيمان بوجود الله وأنه رب هذا الكون ، وأن الواجب على الناس عبادته وحمده ، هذا الأصل العظيم جاء ذكره كاملاً في أعظم سورة في القرآن في مبتدأ هذه السورة قال تعالى:{ الحمد لله رب العالمين } فرب العالمين يعني أن للمخلوقات - أي العلامات أو العوالم أو العالَمين وهي كلها بمعنى واحد - رباً أي خالقاً ومالكاً ، وهذا الرب أي الخالق المالك هو الله ومعناه المعبود ، وأن لهذا الرب الإله واجب الحمد ، ففي هؤلاء الكلمات الأربع جاء ذكر الدين ، أي أصل الديانات كلها ، فتبارك الله أحسن القائلين القائل في سورة الزمر : { الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعرّ منه جلود الذين يخشَون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله … } فليس غريباً أن تكون الفاتحة أعظم السور ، وليس غريباً أن تفتتح هذه السورة بهؤلاء الكلمات الأربع ، وليس غريباً أن تفرض على كل مسلم قراءة هذه السورة في كل ركعة من صلاته .
فعلى كل مسلم ، وعلى حامل الدعوة بشكل خاص ، أن ينظر في آيات الله التنزيلية ، وأن ينظر في آيات الله الكونية ليصل من هذا وذاك إلى الإيمان واليقين القويين التامين .