الغرباء — موضوع مستورد

8 حُبُّ الدنيا**

قال تعالى في سورة الواقعة : { وكنتم أزواجاً ثلاثة  فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة  وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة  والسابقون السابقون  أولئك المقربون } . إن الله سبحانه خلق الجنة لتكون مأوى للإنسان إن هو آمن وأطاع ، وخلق النار لتكون عقوبة له إن هو كفر وعصى ، وخلق الدنيا لتكون ساحة اختبار ، فمن فاز دخل الجنة ، ومن فشل عوقب بالنار أما هذا الاختبار فهو أن على الإنسان أن يجتاز عقبتين إحداهما أعظم من الأخرى فإن هو اجتازهما فقد فاز فوزاً عظيماً ودخل الجنة أبداً ، وإن هو لم يجتزهما فقد فشل فشلاً تاماً ودخل النار أبداً ، أما إن هو اجتاز أولاهُما فحسب ولم يجتز الثانية فقد فاز فوزاً متواضعاً ، ودخل النار فترة ثم دخل الجنة أبداً ، أما العقبة الأولى فهي عقبة الكفر ، وأما العقبة الثانية فهي عقبة حب الدنيا ، فمن وقف أمام العقبتين فلم يجتزهما كان كافراً ، وكان من أصحاب المشأمة ، وأما من اجتاز العقبة الأولى وهي العظمى ، ووقف خلفها ولكنه لم يجتز العقبة الثانية كان مؤمناً ، وكان من أصحاب اليمين ، فإن هو اجتاز العقبة الثانية ، كان من المؤمنين المتقين ، وكان من السابقين المقربين .

فالناس أقسام ثلاثة : كفار ، ومؤمنون ، ومؤمنون متقون ، أما العقبة الأولى وهي عقبة الكفر فتُجتاز بشهادة لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، فمن شهد شهادة الحق ، خرج من زمرة الكافرين ودخل في زمرة المؤمنين ، وأما العقبة الثانية وهي عقبة حب الدنيا فتُجتاز بتقديم حب الآخرة ، والسعي لها وإيثارها على حب الدنيا والسعي لها وإيثارها ، فمن فعل انتقل إلى زمرة المؤمنين المتقين .

يتبيّن مما سبق أنَّ المسلمين ، وإن نجاهم الله سبحانه من الخلود في النار ، ووعدهم بدخول الجنة ، فإن عليهم حتى ينجوا من عذاب النار المؤقت أن يجتازوا عقبة حب الدنيا ، فمن اجتازها أمن من دخول النار ، ومن لا أصابته النار قليلاً أو كثيراً ، فحب الدنيا هو الحاجز الوحيد أمام المسلمين الذي إن هم اجتازوه فقد عصموا أنفسهم من العذاب واستحقوا الدرجات العليا في الجنة ، وإن هم تنافسوا في الدنيا وأحبوها وآثروها على الآخرة فإنَّ أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم بما كسبوا ، وإن شاء غفر لهم ، ثم إذا هم دخلوا الجنة فلن يحصِّلوا الدرجات العليا فيها . وإذاً فإن الخشية على المسلمين آتية من العقبة الثانية ، وهي حب الدنيا وتنافسها ، ولا يُخشى عليهم من العقبة الأولى أن يعودوا إليها ثانية بعد أن خلَّفوها وراء ظهورهم ، فعن عقبة بن عامر " صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أُحُد ثم صعد المنبر كالموِّدع للأحياء والأموات فقال … إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم " رواه مسلم والبخاري وأحمد ، وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض ، قيل : وما بركات الأرض ؟ قال زهرة الدنيا … " رواه البخاري ومسلم .

وقد جاء التحذير من حب الدنيا وإيثارها على الآخرة في الكثير من الآيات ، فقال تعالى في سورة الأنفال : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عَرَضَ الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم } ، وقال سبحانه في سورة التوبة : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } ، وقال جلّ جلاله في سورة الأعلى : { بل تؤثرون الحياة الدنيا  والآخرة خير وأبقى } وغير ذلك من الآيات ، وكلها تحذر من إيثار حب الدنيا على حب الآخرة ، وأن عاقبة ذلك النار ، وقد بينت الآيات أن حب الدنيا وإيثارها على الآخرة هو مسلك الكفار أهل النار ، فقال تعالى في سورة هود : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون  أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } وقال سبحانه في سورة إبراهيم : { الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد  الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً أولئك في ضلال بعيد } وقال جلّ جلاله في سورة النازعات : { فأما من طغى  وآثر الحياة الدنيا  فإن الجحيم هي المأوى } لهذا فإن المسلم الفطن ، والمسلم العاقل يجب عليه أن ينجي نفسه من الوقوع في حبائل الدنيا ، ويعمل للآخرة لأنها هي دار القرار ، وهي الحياة الحقيقية ، فعن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله " رواه الترمذي وحسّنه ، ورواه أيضاً أحمد وابن ماجة والحاكم ، والكيّس هو الفطن الذكي ، وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له " رواه أحمد بسند جيد ، ورواه البيهقي ، والغريب هو أن هذه الدنيا التي يتكالب عليها الناس لا قيمة لها ولا وزن ، وأنها إلى جانب الآخرة أشبه بالصفر ، فعن المستورد أخي بني فهر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يضع أحدكم إصبعه في اليمّ فلينظر بماذا ترجع " رواه الترمذي ومسلم وابن ماجة وأحمد ، وعن مسهر بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " رواه الترمذي بسند صحيح ، ورواه ابن ماجة ، وعن المستورد بن شداد قال : " كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السّخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها ، قالوا من هوانها ألقوها يا رسول الله ، قال : الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها " رواه الترمذي ، ورواه مسلم من طريق جابر بن عبد الله بمعناه .

  • الايمان والأعمال /3**
    والخلاصة هي أن الإيمان - وهو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل أي الاعتقاد القلبي - ليس منفصلاً عن الأعمال بحيث لا تؤثر فيه ولا يتأثر هو بها ، وإنما هو متَّصل بالأعمال تؤثر فيه سلباً وإيجاباً ، فأعمال البر والطاعات تزيده قوة ، وأعمال الإثم والمعاصي تزيده ضعفاً ، فالاتصال بين الإيمان والأعمال اتصال وثيق يؤثر كلاهما في الآخر ، ولهذا جاز إطلاق أحدهما على الآخر مع بقاء كل منهما مختلفاً عن الآخر في حقيقته وواقعه .
    وعلى هذا - وحيث أن الإيمان هو الأساس في الدين ، وهو الذي به يتفاضل المؤمنون في الجنة - فإن المسلم عامة وحامل الدعوة خاصة يجب أن يحرص كل الحرص على بقاء الإيمان في أقوى حالاته ، وأن يحذر كل الحذر من طروء ضعفٍ عليه ، ولا يتسنى له المحافظة على الإيمان الكامل القوي ، وبالتالي نوال الدرجات العليا في الجنة ، إلا بأداء الواجبات ، والإكثار من فعل المندوبات والطاعات . وإن من أعظم الواجبات العملَ على إنهاض الأمة الإسلامية بالعمل على استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة ، لأن بإقامتها تُقام الأحكام الشرعية بعد تعطِّلها ، ويعود الإسلام إلى الحياة بعد غيابه ، وإن الحكم بما أنزل الله لهو من أعظم الواجبات وأعظمها ثواباً عند الله ، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حدٌّ يقام في الأرض خيرٌ للناس من أن يُمطروا ثلاثين أو أربعين صباحاً " رواه أحمد بن حنبل والنَّسائي وابن ماجة ، فكيف بالعمل بحدود الله كلها ؟ ولا يتسنى ذلك إلا بقيام الخلافة ، وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من خلع يداً من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " رواه مسلم ، وفقه هذا الحديث هو أن من أدرك الخلافة وأطاع الخليفة فقد نجا من الميتة الجاهلية ، ومثله مَن نهض للعمل لإعادة هذه الخلافة ونَصْبِ خليفة . فالعمل لإقامة الخلافة من أعظم الأعمال وأوجبها ، وهو يؤدي إلى تقوية الإيمان لديه . وفي المقابل فإن على المسلمين عامة ، وعلى حملة الدعوة خاصة ، الحذرُ من ارتكاب المعاصي ، وخاصةً الكبيرة منها ، لأنها تضعف الإيمان . فالأعمال الصالحة ليست فقط حسنات ، ولا يقام بها من أجل زيادة الثواب فقط ، وإنما يقام بها - فضلاً عن ذلك - من أجل تقوية الإيمان ، وإن المعاصي ليست فقط سيئات ، ولا تُجتنب من أجل ترك الإثم فقط ، وإنما تُجتنب - فضلاً عن ذلك - من أجل الحرص على عدم إضعاف الإيمان . فقضية الإيمان يجب أن يُنظر إليها على صعيدين اثنين وليس على صعيد واحد فحسب ، وهذا يدفع المسلم عموماً وحامل الدعوة خصوصاً إلى أداء الواجبات ، والإكثار من فعل المندوبات والسنن ، والحرص الشديد على عدم الوقوع في المعاصي والمنكرات ، وحيث أن الإيمان يقوى بفعل الصالحات من واجبات ومندوبات ، فإن على حامل الدعوة أن يديم فعل الواجبات ، ويكثر من المندوبات والسنن ، بحيث لا تمر عليه فترة إلا ويكون متلبساً بها ، ومن المندوبات قراءة القرآن وحفظه ، وذكر الله كثيراً ، والإكثار من التفكُّر في آيات الكون ، وليتنفَّل ما استطاع ليديم صلته بربه سبحانه ، فيبقى إيمانه في أوج قوته .
    ونقول أخيراً إن الإيمان القوي - فضلاً عن أنه ميزانٌ للفضائل يوم القيامة - فإنه لازم لحامل الدعوة يتغلب به على ما يعترضه من عقبات ومشقات في أثناء حمل الدعوة ، ويتمكن به من النجاة مما يُعرض عليه من إغراءات وامتيازات ، ويتخلص به مما يتنازعه من أهواءٍ وشهوات ، فيبقى شُعلة مُتَّقدة ، وحركة دائبة ، ونشاطاً متواصلاً ، قاهراً كل عقبة ، متغلباً على كل إغواء وغواية ، رافضاً كل هوى وشهوة فيكون بحق المثال الحي للإسلام ، المشمول برعاية الله وعونه وتوفيقه ، المستحق لنزول النصر عليه ، وجريان الخير على يديه .
  • الايمان والأعمال /2**

فعدَّ رسول الله صلى الله عليه وآله سلم الحياء وتغيير المنكر بالقلب ، والصلاة , والزكاة ، وصوم رمضان ، وإعطاء خمس الغنيمة ، والحب لله ، والبغض لله ، والعطاء لله ، والمنع لله ، والوضوء ، عدَّ هذه الأعمال من الإيمان ، وهي كلها ليست من باب التصديق الجازم والاعتقاد ، وما كان ليصحَّ إطلاقُ الإيمان على الأعمال لولا وجود التلازم العضوي بين الإيمان والأعمال . فالإيمان ليس في منأى عن الأعمال ، وإنما هو وثيق الصلة بها يتأثر بها قوة وضعفاً ، وهذا التلازم وهذه العلاقة يظهران في النصوص التي تقرن بين أعمال الإثم والمعاصي وبين نفي الإيمان أو زيادة ضعفه ، وفي النصوص التي تقرن بين الأعمال والمواقف الصالحة وبين زيادة الإيمان ، فمن النصوص التي تقرن بين أعمال الإثم والمعاصي وبين نفي الإيمان أو زيادة ضعفه ما يلي :

أ - قوله تعالى في سورة النساء : { فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } .

ب - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن العبدُ الإيمانَ كلَّه حتى يترك الكذب من المزاحة ويترك المراء وإن كان صادقاً " رواه أحمد بن حنبل .

ج - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظُلّة ، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان " رواه أبو داود والترمذي .

د - عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " رواه مسلم وأبو داود ، ورواه أحمد وزاد " ولا يغلُّ حين يغلُّ وهو مؤمن ، ولا ينتهب حين ينتهب وهو مؤمن " .

هـ - عن أبي شريح , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قيل : ومن يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمنُ جارُه بوائقَه " رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد .

فقد ذكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عدمَ تحكيمِ شرعِ الله ، والكذب ، والمراء ، والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، والغلول ، والانتهاب ، وإلحاق الأذى بالجار ، وهي كلُّها أعمال ، ذكر أنها تنفي الإيمان أو تنفي كماله وتُضعفه .

ومن النصوص التي تقرن بين الأعمال والمواقف الصالحة وبين زيادة الإيمان قوةً ما يلي :

أ - قوله تعالى في سورة آل عمران : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } .

ب - قوله سبحانه في سورة الأنفال : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون } .

ج - قوله جلّ جلاله في سورة الفتح : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيماً } .

الآية الأولى قرنت بين موقف التخويف من قوة العدو وبين زيادة قوة الإيمان ، والآية الثانية قرنت بين تلاوة القرآن وبين زيادة قوة الإيمان ، والآية الثالثة قرنت بين حصول السكينة والطمأنينة من عقد الهدنة مع قريش وبين زيادة قوة الإيمان .

ونكرر القول بأنَّ هذا وذاك لا يعني فعلاً أن هذه الأعمال هي من صُلب الإيمان أو أنها نافية فعلاً لوجوده ، وإنما تعني أن الأعمال هذه - ومثلها سائر الأعمال المشروعة ، والتكاليف الشرعية - لها علاقة مباشرة بالإيمان ، فأعمال الإثم والمعاصي تضعفه ، وأعمال البر تقويه ، ولا تعني غير ذلك ، فالتلازم العضوي الوثيق بين الإيمان والأعمال لا شك فيه ، بحيث يصح معه إطلاق الإيمان على ما يقويه من أعمال ، وإطلاق الأعمال التي تقويه عليه ، وهذا التلازم العضوي الوثيق يظهر جلياً في كتاب الله سبحانه في أكثر من سبعين موضعاً ، جاء فيها ذِكر الإيمان مقروناً بالعمل الصالح ، ومع ذلك نعود ونؤكد على أن الإيمان باب ، والأعمال باب آخر ، وما إطلاق الإيمان على الأعمال ، وإطلاق الأعمال على الإيمان إلا بسبب التلازم ، وهو من باب المجاز ، وليس من باب الحقيقة والواقع .

7- الايمان والأعمال**
عُرِّف الإيمانُ بأنه التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل . وهذا التعريف هو ما تدعمه الأدلة وتدل عليه من القرآن والسنة ، وهو التعريف الذي يقول به علماء الأصول ونقول به نحن . إلا أنَّ الفقهاء يطلقون الإيمان أحياناً على الأعمال فيقولون إنَّ الإيمان قول وعمل . وإذن فقد يُطلق الإيمان ويقصد به التصديق الجازم , أي الاعتقاد ، وقد يطلق ويُراد به - إضافةً إلى التصديق الجازم والاعتقاد - الأعمالُ المشروعة كالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وحسن الخلق وصوم رمضان .. الخ ، وما ذلك إلا لوجود تلازم عضوي بين الإيمان وبين التكاليف الشرعية ، ولولا وجود هذا التلازم العضوي بينهما لما صح إطلاقُهم الإيمانَ على الأعمال . إلا أنه ينبغي أن يُعلم إنَّ هذا الإطلاقَ بسبب التلازم إنما هو إطلاقٌ مجازيٌّ وليس إطلاقاً على الحقيقة .
أما الأدلةُ الدالَّةُ على أصل الإيمان فهي كثيرة نذكر منها قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة : { ليس البرّ أن تولوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين … } وقوله سبحانه في نفس السورة : { آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله … } ، وما رواه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في قصة جبريل عليه السلام وتعليمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان ، ومما جاء فيه " … فأخبرني عن الإيمان ، قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه … " رواه مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد ، ورواه البخاري من طريق أبي هريرة بلفظ " … يا رسول الله ما الإيمان ؟ قال : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر … " فهذه الأدلة تدل على أن الإيمان هو التصديق الجازم والاعتقاد .
ولكننا نجد العديد من الأدلة تطلق لفظة الإيمان على الأعمال والتكاليف الشرعية ، نذكر منها قوله تعالى في سورة البقرة : { … وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم } فقوله ( إيمانكم ) هنا يعني صلاتكم إلى المسجد الأقصى ، والصلاة عمل . وبهذا التفسير قال عبد الله بن عباس والبراء بن عازب من الصحابة . وما رواه أبو هريرة قال : " سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ الأعمال أفضل ؟ قال : إيمانٌ بالله … " رواه مسلم ، ورواه البخاري بلفظ " أي العمل أفضل ؟ قال : إيمانٌ بالله ورسوله … " فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عملاً من الأعمال .
فالأدلة ، وإن هي دلَّت على أنَّ الإيمان هو التصديق الجازم والاعتقاد ، إلا أننا وجدناها تطلق لفظة الإيمان مرات عديدة على الأعمال والتكاليف الشرعية , فكيف تُفهم هذه الإطلاقات ؟ .
إنَّ الحق الذي يجب المصير إليه والقول به هو أن الإيمان في أصله ، أي في حقيقته ، هو تصديق جازم واعتقاد ، والتصديق والاعتقاد من وظيفة القلب وليس من وظيفة الجوارح ، وهذا المعنى واضح ، وهو صريح الأدلة الكثيرة التي ذكرت الإيمان ونوَّهت به ، ولكن هذا الإيمان قد يطلق ويراد به كما قلنا ، إضافةً إلى حقيقته ، الأعمالُ المشروعة كالصلاة والجهاد .. الخ . ولذا فإننا إنْ قلنا إن الصلاة من الإيمان ، وأن الصوم من الإيمان ، وأن الجهاد من الإيمان - وهي كلها أعمال - لما جاوزنا الصواب ، ولما خالفنا ما أتت به الأدلة ، ولكن هذا القول لا يعني أن هذه الأعمال جزء من الإيمان وداخلة في أصله وحقيقته ، وإنما يعني أو يشير إلى وجود الترابط والتلازم بين هذه الأعمال وبين الإيمان ، فالإيمان يَكْمُل بالطاعات ويقوى بها ، وكل عمل يقوم به المسلم فإنه به يقوِّي إيمانه ، وكل معصية يقوم بها المسلم فإنه بها يُضْعِف إيمانه ، لهذا صح أن يُطلق الإيمان على كل الأعمال .
وباستعراض الأحاديث النبوية الشريفة نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أطلق على كثير من الأعمال اسم الإيمان ، وعدَّها من الإيمان ، وهي أحاديث كثيرة نكتفي منها بما يلي :
أ - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الإيمان بضع وسبعون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان " رواه مسلم ، ورواه البخاري بلفظ : " بضع وستون " .
ب - عن أبي سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد .
ج - عن ابن عباس - من حديث طويل متعلق بقدوم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ? قال عليه الصلاة والسلام " أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة وصيامُ رمضان وأن تُعطوا من المغنم الخمس … " رواه البخاري .
د - عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " رواه أبو داود والطبراني ورواه الترمذي بسند حسن من طريق معاذ بن أنس بزيادة " وأنكح لله " .
هـ - عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الطُّهور شطرُ الإيمان … " رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وأحمد .

.القدوة والمثال/3**
هذا هو ما يجب أن يتفطن له حامل الدعوة ، وليعلم أنه هو المثال المحسوس الوحيد للإسلام في غياب المثال المحسوس الكبير وهو الخلافة ، فيجب على حامل الدعوة أن يكون إسلاماً حياً يتحرك تماماً كما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز له أن يتهاون في أيٍّ من هذه المقومات الثلاث لشخصيته الإسلامية كحامل دعوة ، فمن تمثَّل فيه الإسلام تمثُّلاً كاملاً وصحيحاً صلح أن يكون بحقٍ حامل دعوة ، ونجح من ثم في عمله وإقناعِ الناس بالأفكار والأحكام التي يحملها ويدعو إليها ، ومن كان دون ذلك نجح نجاحاً دون ذلك ، ومن فقد المقومات فَقَدَ شخصية حامل الدعوة ، فلم يعد قادراً على عمله والاستمرار فيه والنجاح فيه .
وحتى يكون المسلم حامل دعوة بحق فيقول ما يقوله الإسلام ، ولا يقول ما يخالفه ، فإن الواجب عليه أن يكون عالماً بالأفكار والأحكام الشرعية التي تلزمه في عمله ، لأن الجاهل غير قادر وغير أمين على نقل ما يقوله الإسلام ويأمر به ، ومن ثم يعجز عن حمل الدعوة على وجهها الصحيح ، فالعلم بهذه الأفكار والأحكام واجب على كل مسلم ، وهو على حامل الدعوة أوجب ، والشرع الحنيف قد حث على طلب العلم وعظَّم من مكانة العلماء ، قال تعالى في سورة المجادلة : { … يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير } ، وعن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإن العالِم ليستغفرُ له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ورَّثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر " رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وأحمد وابن حِبَّان . فالأصل في حامل الدعوة أن يكون عالماً ، وليعلم أنه يجب أن يكون قدوة لغيره في أقواله ، يسمعونها منه فيأخذونها على أنها شرع ودين ، ولا يصح أن يتقاعس أو يتهاون في هذا الأمر تحت أي ظرف وفي أية حالة ، فلو مازح أو غضب أو كره أو حصل معه شيء مثل هذا ، فإن عليه أن يبقى ملتزماً قولَ الحق امتثالاً لأمر الله سبحانه ، وإقتداءً بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال " قالوا : يا رسول الله إنك تداعبنا ، قال : نعم غير أني لا أقول إلا حقاً " رواه الترمذي بسند حسن صحيح ، ورواه أحمد والبيهقي ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال " قلت يا رسول الله أكتبُ ما أسمع منك ؟ قال : نعم ، قلت : في الرضا والسخط ؟ قال : نعم ، فإنه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلا حقاً " رواه أحمد والخطيب البغدادي .
كما ويجب على حامل الدعوة أن يسيِّر أعماله ويضبط سلوكه بأحكام الشرع ، فلا يقوم بأي عمل إلا وفق الحكم الشرعي ، لأن القاعدة الشرعية تقول ( الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي ) ، وهذا يقتضي منه إضافةً إلى وجوب تعلم الأحكام الشرعية أن يكون تقياً لله يخشى الله في سره وعلنه ، ساعياً إلى مرضاته ، عاملاً في طاعته ، وليتذكر دوماً أنه يجب أن يكون قدوة لغيره إماماً لهم يقتدون به في أعماله وسلوكه ، فلا يقوم بأي عمل مخالفٍ للشرع ، يراه الناس منه فيحسبونه مشروعاً ، فيقلدونه فيه ويقتدون فيكون عاصياً ربَّه ، غاشاً مَن حوله .
ويجب على حامل الدعوة كذلك أن يتحلى بالصفات الحميدة والأخلاق الحسنة ، فيتصف بالصدق والإخلاص ، والتضحية والإيثار ، والصبر والثبات ، والتواضع وحب الناس ، والخوف من الله ، والحب في الله والبغض في الله ، وحسن الظن بالناس ، ولا يتصف بأية صفة ذميمة أو خلق سيء ، فلا يجوز أن يكون بخيلاً ، ولا متكبراً مغروراً ، ولا حسوداً ولا حقوداً ، ولا ظالماً وقاطع رحم ، ولا سيء الظن بالناس ، فالبخيل والمتكبر والحسود والظالم مثلاً غير مؤهلين لحمل الدعوة ، ولا يوفقهم الله في أعمالهم ، ولا يُجري الخير على أيديهم ، وهؤلاء بدلاً من أن يتخذهم الناس قدوة لهم يقلدونهم في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم تراهم ينفرون منهم ويتهمونهم ، وربما تعدَّى اتهامُهم لهم إلى اتهام حَمَلة الدعوة كلِّهم ، وفي ذلك الفشل وسوء العاقبة .

.القدوة والمثال/2**

وإذا أردنا تلخيص ما سبق في عبارة موجزة قلنا : إن الطبيعة البشرية تؤمن بالمحسوسات بسرعة أكثر من إيمانها بالأفكار المجردة والأحكام النظرية . والإسلام ، وهو في حقيقته أفكار وأحكام ، إن هو طُبق في دولة ، فتمثَّلَ فيها فصار له واقع محسوس ، اندفع الناس إلى الإيمان به والدخول فيه ، أما إن هو بقي أفكاراً وأحكاماً تُنقل وتبلَّغُ فقط على ألسنة حملة الدعوة ، أي ظلَّ لا واقع له محسوساً ، لم يؤمن به إلا القليلون .

بل إننا رأينا عبر تاريخنا أن تمثُّلَ الإسلام في دولة إن كان تمثلاً صحيحاً وكاملاً ، أي عندما تكون الدولةُ خلافةً راشدةً فإنه يؤدي إلى دخولٍ كثيفٍ من الشعوب في الإسلام ، فإن قلَّ التمثُّل ونقص ، نقص الدخول في الإسلام ، فإن صار التمثل في أدنى درجاته كما حصل في الخلافة العثمانية لم يدخل من الشعوب في الإسلام إلا القلة القليلة منها ، ولكنها على أية حال أكثر بكثير مما حصل عقب هدم هذه الخلافة .

لهذا السبب ، ولأن الله سبحانه أمر المسلمين بإقامة الخلافة ، فإن على جميع المسلمين واجباً كبيراً هو العمل على إعادة الخلافة وتنصيب خليفة ، والعودة من ثم إلى حمل الدعوة وفتح البلدان وضم شعوبها إلى هذه الدولة ، وتطبيق الإسلام عليها ، لتراه مجسَّداً محسوساً ، فيزداد الإسلام انتشاراً والمسلمون عدداً ، وهذا ما لا بد منه ، وما يجب علينا تحقيقه .

إن تمثُّل الإسلام في واقع محسوس أمرٌ أساسي لا يصح التهاون به ولا التفريط فيه ، فيجب على حملة الدعوة إدراكُ هذه المسألة إدراكاً تاماً ، فيغذُّوا الخطى ويضاعفوا الجهود ويخلصوا العمل لله الإخلاصَ الخالصَ ، إلى أن يكرمهم الله سبحانه بنصره بإعادة الخلافة على أيديهم . ولكن هل تمثُلُ الإسلام في واقعٍ محسوسٍ لا يكون إلا في الدولة , أم أنَّ التَّمثُلَ يمكن أن يكون في حمَلةِ الدعوة ؟

إن حمل الدعوة لا يجوز شرعاً أن يتوقف ، سواء كانت الدولة قائمة أو كانت غير قائمة ، فالرسول صلى الله عليه وسلم قد حمل الدعوة في مكة ثلاثَ عشْرةَ سنة والدولة لم تكن بعد قائمة ، ونحن الآن نحمل الدعوة ، ويجب على جميع المسلمين حمل الدعوة والخلافة لم تقم بعد ، بل إن الخلافة لا تقوم إلا بحمل الدعوة ، وإذا ما قامت الخلافة فإن حمل الدعوة يبقى مستمراً ، ويبقى واجباً على المسلمين إلى أن يرث الله الأرضَ وما عليها ، فحمل الدعوة ، كما هو عملُ الدولة هو كذلك عملُ الأفراد من المسلمين ، ولا يجوز مطلقاً التوقف عن حمل الدعوة ، لأن الإسلام كلَّه مبنيٌّ عليه .

وكما أن الدولة تحمل الدعوة ، فيتوجب عليها أن تمثِّل الإسلامَ في الداخل والخارج ، فإن لم تكن تمثِّل الإسلام فإنها لا تكون دولة إسلامية ولا تكون بالتالي تحمل الدعوة ، فكذلك أفراد المسلمين ، من قام منهم بواجب حمل الدعوة ، فإن عليه أن يمثِّل الإسلامَ في شخصه : في قوله وفعله وصفاته ، فإن لم يكن يمثِّل الإسلام في قوله وفعله وصفاته فإنه لا يكون حامل دعوة ، ويكون مجرد مسلم من المسلمين ، وحيث أن حامل الدعوة هو المثالُ المحسوس الوحيد للإسلام في غياب الدولة الإسلامية ، فإن الواجب عليه إن هو قال أن يقول أفكاراً وأحكاماً شرعية ، أو ما لا يتعارض معهما من العلوم والآداب والمعارف الدنيوية ، وإن هو فعل فعلاً أن يفعله حسب الأحكام الشرعية ، كما أن الواجب عليه أن يتصف بالصفات المشروعة ، والأخلاق الحميدة الفاضلة ، ولا يتصف بأية صفة أو خلق ذميم ، فما حث عليه الإسلام من الصفات أخذها ، وما ذم ونهى عنه تركه وكرهه ولا يكون المسلم حامل دعوة إن نقصت فيه إحدى هذه المقومات الثلاث ، فحامل الدعوة هو المثال الحسِّي للإسلام ، وهو القدوةُ بين الناس ، وهو الإمامُ فيهم ، وبقدر تمثُّلِ الإسلام فيه في القول والفعل والصفات بقدر صلاحه لحمل الدعوة ونجاحه فيه . ولهذا فإنَّ على حامل الدعوة كي يكون مستحقاً هذه المنزلة والرتبة أن يحرص على أن لا يقول إلا حقاً ، وعلى أن لا يفعل إلا فعلاً مشروعاً ، وعلى أن لا يتصف إلا بالصفات المشروعة ، وإلا كان مدَّعياً حملَ الدعوة ، تماماً كادِّعاء الدول القائمة في العالم الإسلامي بأنها دول إسلامية ، وما هي بدول إسلامية قطعاً ، لأن أياً منها لا يتمثَّل الإسلام فيها لا في الداخل ولا في الخارج ، وإنما هي دولٌ فضلاً عن أنها لا تحمل الدعوة الإسلامية ، فإنها تحارب حمل الدعوة وحَمَلة الدعوة .

6.القدوة والمثال**

إن الأصل في حمل الدعوة في الإسلام أن تتولاه الدولة ، أي الخلافة ، فالخلافة عملها تطبيق الإسلام في الداخل وحمله إلى الناس بالجهاد في الخارج ، وهذا العمل هو ما دأبت عليه الخلافة عبر تاريخها كله منذ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية في المدينة إلى آخر خليفة عثماني ، وهو العمل الذي نتج عنه دخول شعوب كثيرة في الإسلام في آسيا وإفريقيا وأوروبا ، ولم يتوقف دخول الشعوب في الإسلام إلا عندما توقف هذا العمل بهدم الخلافة في عام 1924 للميلاد . والسؤال هو : لماذا توقف دخول الشعوب في الإسلام بعد هدم الخلافة ؟

إن الله سبحانه قد فطر الإنسان وجبله على الإيمان بالماديات والمحسوسات أكثر من إيمانه بالمغيبات أو بالأفكار المجردة ، فالإنسان إذا ما رأى شيئاً محسوساً آمن بوجوده وصدَّق بهذا الوجود ، وأحبه ومال إليه إن كان صحيحاً وصالحاً ، ولكن هذا الإنسان إن هو سمع بهذا الشيء المحسوس من طريق إنسان آخر أو مجموعة من الناس فإنه ربما آمن بوجوده وصدق بهذا الوجود ، وأحبه ومال إليه إن سمع أنه صحيح وصالح ، وربما لم يؤمن ولم يصدق ، وحتى إن هو آمن وصدق فإن إيمانه وتصديقه يكون أقل قوة مما هو عليه فيما لو كان ناتجاً عن مشاهدة وحسٍّ بهذا الشيء ، وهذا أمر بادي الوضوح . وحيث أن الله سبحانه ، الذي فطر الإنسان وجبله على هذه الصفة ، هو الذي أنزل الشريعة الإسلامية على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وأمره بتبليغها للناس ليؤمنوا بها ويصدِّقوا ، فإنه سبحانه قد كلَّف رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بتجسيد هذه الشريعة في دولة ، أي أمر بجعل الشريعة - وهي مجموعة أفكار وأحكام - مجسدةً في كيان وواقع محسوس ، هو الدولة الإسلامية ، وقد كان من نتيجة هذا التجسيد دخول الناس في الإسلام أفواجاً . ففي أوائل الدعوة مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثَ عشْرةَ سنة يدعو الناس إلى الإسلام قبل أن يقيم الدولة ، فلم يؤمن به وبرسالته سوى أفرادٍ قليلين في مكة ، ولكنه بعد أن أقام الدولة في المدينة ، أي بعد أن جسَّد الإسلام في كيان محسوس تدفق الناس من أهل المدينة ومن خارجها أفواجاً للدخول في الإسلام ، والسبب كما قلنا هو أن الإنسان مفطور ومجبول على الإيمان بالمحسوسات والماديات أكثر من إيمانه بالنظريات والأفكار المجردة مهما بلغت صحتها وجودتها وصلاحها . هذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، ولذلك رأينا استمرار تدفق الشعوب للدخول في الإسلام طيلة وجود الواقع المادي المحسوس له ، أي طيلة تمثُّلِ الإسلام في دولة ، فدخلت في الإسلام الشعوب العربية والفارسية والتركية والكردية والبربرية والأفغانية ، وغيرها من الشعوب على يد الدولة الإسلامية ، ولولا وجود هذه الدولة لما دخلت هذه الشعوب في الإسلام ، ولما انتشر الإسلام في القارات الثلاث بهذه الوفرة ، بل إننا قد رأينا أن انتشار الإسلام قد توقف وانحسر في عدة مناطق عقب ضعف الخلافة وما استتبعه ذلك من ضعف عملها في حمل الدعوة ، قبل أن تُهدم بيد الإنكليز ودول التحالف الغربي وعميلهم مصطفى كمال .

إن هذه الشعوب عندما ضمتها الخلافة إلى رقعتها ، فرأت الإسلام مطبَّقاً وله واقع محسوس ، وشاهدت صحته وصلاحه لأنه وفَّر الخير والسعادة لرعايا هذه الخلافة ، آمنت بالإسلام جماعاتٍ جماعاتٍ ، ولكن الشعوب التي لم تضمها الخلافة وبقيت خارج حدودها ، والشعوب عقبَ هدمِ الخلافة ، فلم تر الإسلام محسوساً ولا مجسداً بقيت على كفرها ، ولم تؤمن بالإسلام وإن هي سمعت به ووقفت على جملة من مبادئه في الصحف والكتب ووسائل النقل والاتصالات ، ولم يؤمن منها إلا أفراد قليلون متناثرون هنا وهناك ، تماماً كالقلة المؤمنة بالإسلام في بدء الدعوة قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة ، ويقيناً أن هذه الشعوب سوف تندفع للدخول فيه بعد قيام الخلافة واستئناف عملها في الدعوة إلى الإسلام بالجهاد في الخارج ، وتطبيقه في الداخل .

الطائفة المختارة/3**

فقد وصف هذان الحديثان المجتمع أو الناس بالفساد ، ووصفا الإسلام بالغربة والاغتراب ووصفا المتمسكين بالدين بأنهم غرباء وبأنهم صالحون ، ولكن هذه الأوصاف لا تكفي للدلالة على هذه الطائفة في هذا الزمان ، إذ قد يتمسك بأحكام الشرع شخص أو بضعة أشخاص في زمن الفساد ، فيطلق عليه أو عليهم صفة الغربة وصفة الصلاح ، فكيف يصح القول إنَّ الغرباء هم هذه الطائفة ؟ والجواب على ذلك هو فيما رواه الإمامُ الترمذي وقال : حسن صحيح , عن عمرو بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "… إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً ، فطوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناسُ من بعدي من سنتي " فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على نفي الغربة عن مجرد ناسٍ متمسكين بأحكام الشرع في زمن الفساد إلا أن يكونوا عاملين على إصلاح ما أفسد الناس من الأفكار والأحكام الشرعية كما أشرنا إلى ذلك ، والمعلوم بداهة أن شخصاً أو بضعة أشخاص متناثرين هنا وهناك لا يقدرون على إصلاح ما فسد في المجتمع إلا أن يكونوا طائفة تتولى هذه المهمة الصعبة ، فلكي ينطبق على المسلم ما جاء في هذه الأحاديث الأربعة يجب أن يكون ضمن طائفة تعمل على إصلاح فساد الأفكار والأحكام في المجتمع ، وبدون الطائفة فإنه لا يستطاع فعل ذلك قطعاً ، فوجب صرف الثناء الوارد في هذه الأحاديث إلى المسلمين الذين ينتمون إلى الطائفة التي تعمل على إصلاح الفساد في المجتمع .

وحيث أن الأحاديث قد نوهت بالطائفة أو العصابة الظاهرة على الدين القائمة على أمر الله ، وأنها ستكون في دولة تقاتل الكفار ، فإن وصف الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنة محمد صلى الله عليه وسلم - والسنة هنا تعني الشريعة ، أي الدين - يصح أن يُصرَفَ إلى أعضاء هذه الطائفة التي واقِعُ أعضائها أنهم فعلاً غرباء في المجتمع ، وعلى ذلك فإننا نرجح أن الغرباء الذين لهم طوبى هم أعضاء هذه الطائفة التي نوَّهنا بها .

وإن أردنا تلخيص كلِّ ما سبق قلنا إنَّ أفراد هذه الطائفة بالصفات المذكورة لا بدَّ من أن يكونوا حَمَلَةَ دعوةٍ صادقة صحيحة متمسكين بالإسلام كلِّه عاملين على إصلاح ما فسد في المجتمع , موجودين في بيت المقدس وما حولها من بلاد الشام , وأنهم سيكونون في آخر الزمان , وبناءً على كلِّ ما سبق أقول : إنَّ مَن أراد معرفة هذه الطائفة ومن ثَمَّ الانتساب إليها والعمل معها فإنَّ عليه أن يبحث عنها في بلاد الشام بمواصفاتها الواردة في الأحاديث السابقة , فإنْ هو فعل بتجرُّدٍ وإخلاصٍ فإنَّ الله سبحانه وتعالى سيهديه إلى معرفتها ومن ثّمَّ نوال شرف الانتساب إليها , وإني لأظنُّ أنَّ الحديث الذي رواه البيهقيُّ وأحمد والنَّسائي من طريق ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " عصابتان من أُمتي أحرزهم الله من النار : عصابةٌ تغزو الهند , وعصابةٌ تكون مع عيسى بن مريم عليه السلام " يشملهم .

إن الله سبحانه بيده الفضل يسبغه على من يشاء من عباده ، وإن المسلم الذي يكرمه الله بفضله يجب عليه أن يحمده ويشكره ويكثر من ذكره وعبادته ، ويزيد من نشاطه في الدعوة إلى الحقِّ والخير ، ولا شيء أعظم وأفضل من التأسِّي بالنبي صلى الله عليه وسلم في حمل الدعوة ، وتحمُّل ما يلقاه في سبيلها بصبر واحتساب ، لأن بحمل الدعوة تكون عودةُ الإسلام إلى الحياة بعد غربته ، وبحمل الدعوة تكون نهضة هذه الأمة ، وبحمل الدعوة يكون التخلص من فساد الأفكار والأحكام والتشريعات والقوانين المطبقة على المسلمين بكرهٍ منهم ، وبحمل الدعوة كما حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم تقوم الدولة الإسلامية ، دولة الخلافة الراشدة ، مصداقاً لما جاء في الحديث الحسن الذي رواه أحمد والبزار من طريق حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون مُلكاً عاضاً ، فيكون ما شاء الله أن يكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون مُلكاً جبرية ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة . ثم سكت " .

إن من يعملون لإعادة الخلافة الراشدة ، الخلافة على منهاج النبوة ، ليستحقون من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الثناء العظيم ، ولكنَّ هذا الاستحقاق يحتاج إلى إيمان راسخ ، وإخلاص خالص ، وقوة وعزيمة ، وثبات وصبر ، والله سبحانه غالب على أمره .

الطائفة المختارة/3**

وحيث أن الأحاديث قد نوهت بالطائفة أو العصابة الظاهرة على الدين القائمة على أمر الله ، وأنها ستكون في دولة تقاتل الكفار ، فإن وصف الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنة محمد صلى الله عليه وسلم - والسنة هنا تعني الشريعة ، أي الدين - يصح أن يُصرَفَ إلى أعضاء هذه الطائفة التي واقِعُ أعضائها أنهم فعلاً غرباء في المجتمع ، وعلى ذلك فإننا نرجح أن الغرباء الذين لهم طوبى هم أعضاء هذه الطائفة التي نوَّهنا بها .

وإن أردنا تلخيص كلِّ ما سبق قلنا إنَّ أفراد هذه الطائفة بالصفات المذكورة لا بدَّ من أن يكونوا حَمَلَةَ دعوةٍ صادقة صحيحة متمسكين بالإسلام كلِّه عاملين على إصلاح ما فسد في المجتمع , موجودين في بيت المقدس وما حولها من بلاد الشام , وأنهم سيكونون في آخر الزمان , وبناءً على كلِّ ما سبق أقول : إنَّ مَن أراد معرفة هذه الطائفة ومن ثَمَّ الانتساب إليها والعمل معها فإنَّ عليه أن يبحث عنها في بلاد الشام بمواصفاتها الواردة في الأحاديث السابقة , فإنْ هو فعل بتجرُّدٍ وإخلاصٍ فإنَّ الله سبحانه وتعالى سيهديه إلى معرفتها ومن ثّمَّ نوال شرف الانتساب إليها , وإني لأظنُّ أنَّ الحديث الذي رواه البيهقيُّ وأحمد والنَّسائي من طريق ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " عصابتان من أُمتي أحرزهم الله من النار : عصابةٌ تغزو الهند , وعصابةٌ تكون مع عيسى بن مريم عليه السلام " يشملهم .

إن الله سبحانه بيده الفضل يسبغه على من يشاء من عباده ، وإن المسلم الذي يكرمه الله بفضله يجب عليه أن يحمده ويشكره ويكثر من ذكره وعبادته ، ويزيد من نشاطه في الدعوة إلى الحقِّ والخير ، ولا شيء أعظم وأفضل من التأسِّي بالنبي صلى الله عليه وسلم في حمل الدعوة ، وتحمُّل ما يلقاه في سبيلها بصبر واحتساب ، لأن بحمل الدعوة تكون عودةُ الإسلام إلى الحياة بعد غربته ، وبحمل الدعوة تكون نهضة هذه الأمة ، وبحمل الدعوة يكون التخلص من فساد الأفكار والأحكام والتشريعات والقوانين المطبقة على المسلمين بكرهٍ منهم ، وبحمل الدعوة كما حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم تقوم الدولة الإسلامية ، دولة الخلافة الراشدة ، مصداقاً لما جاء في الحديث الحسن الذي رواه أحمد والبزار من طريق حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون مُلكاً عاضاً ، فيكون ما شاء الله أن يكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون مُلكاً جبرية ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة . ثم سكت " .

إن من يعملون لإعادة الخلافة الراشدة ، الخلافة على منهاج النبوة ، ليستحقون من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الثناء العظيم ، ولكنَّ هذا الاستحقاق يحتاج إلى إيمان راسخ ، وإخلاص خالص ، وقوة وعزيمة ، وثبات وصبر ، والله سبحانه غالب على أمره .

الطائفة المختارة/2**

هذه هي الأوصاف التي وُصفت بها الطائفة الظاهرة في الأحاديث النبوية الشريفة , فدعونا الآن نستعرض الأقوال والآراء السابقة في هذه الطائفة الظاهرة فنقول ما يلي :

يقول الإمام أحمد : إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم . ويقول البخاري : هم أهل العلم . ويقول القاضي عياض : هم أهل السنة والجماعة . ويقول على بن المَديني : هم العرب . ويقول البيضاوي : هم المجتهدون في الأحكام الشرعية , أو المرابطون في الثغور والمجاهدون لإعلاء الدين . ويقول ابن تيمية : هم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام . وهناك أقوالٌ أُخرى لا تخرج عن هذه الأقوال , وإذن فإنَّ الأئمة السابقين لم يتفقوا على تحديد وتعيين هذه الطائفة , فأقوالهم إذن ظنية اجتهادية , وأنا أراها ضعيفة , فأهل الحديث المشتغلون بعلم الحديث وروايته ، وأهل العلم لا يصح لأحد الادِّعاء بأنهم يقطنون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس فحسب ، إضافة إلى عدم انطباق صفات أخرى على هؤلاء . وأهل السنة والجماعة معلوم بداهة أنهم لا يقطنون فحسب في الشام ، إضافة إلى أنهم ليسوا طائفة ، أو عصابة كما ورد في الأحاديث . وأما القول إنهم العرب فباطل لا شك فيه وظاهر ظهور الشمس . وأما القول إنهم المجتهدون في الأحكام الشرعية فقول بعيدٌ عن الصواب , فالمجتهدون متوافرون في كلِّ أصقاع العالم الإسلامي وليسوا في القدس أو بلاد الشام فقط إضافةً إلى عدم انطباق كثير من الأوصاف عليهم . وأما القول إنهم المقاتلون عن دين الإسلام فقول صحيح لولا أنَّ هؤلاء لا ينطبق عليهم أنهم مخذولون ومُخالَفون كما ورد في الأحاديث .

ولم تقف الأحاديث النبوية الشريفة عند ذكر الأوصاف السابقة فقط ، بل تعدتها إلى ذكر أوصاف أُخرى نجدها في الأحاديث التالية :

1 - روى مسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد عن جابر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، قال فينزل عيسى بن مريم عليه السلام ، فيقول أميرهم : تعال صلِّ لنا ، فيقول : لا ، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمةَ الله هذه الأمة " .

2 - وروى مسلم عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم ، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعةُ وهم على ذلك " .

3 - وروى أحمد عن سلمة بن نفيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الآن جاء القتال ، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس ، يرفع الله قلوب أقوام فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله عز وجل وهم على ذلك ، ألا إن عُقر دار المؤمنين الشام ، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " .

فقوله عليه الصلاة والسلام ( يقاتلون على الحق ظاهرين ، يقاتلون على أمر الله ، جاء القتال … فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم ) ، يدل دلالة صريحة على أن هذه الطائفة يكون لها دولة تعلن الجهاد والقتال وتنتصر على الأعداء , وأنها ستكون في آخر الزمان بدلالة القول ( فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقول أميرهم : تعال صلِّ لنا … ) فنضم هاتين الصفتين إلى الصفات السابقة .

وهناك صفة أخرى لا أحسبها تنطبق إلا على هذه الطائفة الظاهرة على الدين القائمة على أمر الله هي صفة الغُربة والاغتراب في مجتمع سيء تكثر فيه المعاصي وينتشر فيه الفساد ، كما هو حال المجتمع في العالم الإسلامي حالياً ، وتقوم هذه الطائفة الغريبة عن المجتمع في حال غربة الإسلام وغروبه بإصلاح الأفكار السائدة فيه المخالفة لدين الله التي تسربت إلى المسلمين ، كأفكار الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة والعلمانية والدولة المدنية وأمثالها مما هو مشاهد محسوس في عصرنا الراهن ، هذه الصفة أيضاً وردت في الحديث النبوي الشريف , فقد روى مسلم وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء " وروى أحمد والبزار وأبو يعلى بسند رجالُه رجالُ الصحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الإيمان بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ , فطوبى يومئذ للغرباء إذا فسد الناس " .

5 -الطائفة المختارة**

الطائفةُ تطلق على مجموعةٍ أو قسمٍ أو حزبٍ من الناس قليلةٍ أو كثيرةٍ , ومن الأشياء تطلق على قطعة منها . وأما الظاهرة فتعني الفائزة أو الغالبة أو المنتصرة على غيرها في الدنيا , ولا تعني الناجية أو الفائزة بالجنة في الآخرة وأنَّ غيرها من الطوائف في النار كما يتبادر إلى أذهان بعض الناس , فهذا المعنى مستبعد ومنفي لأنه لا يدخل تحت مدلول النص .

روى الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً صلاة العصر بنهار ، ثم قام خطيباً فلم يَدَع شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به ، حفظه من حفظه , ونسيه من نسيه … " وعن حذيفة رضي الله عنه قال " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً ، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّثَ به ، حفظَه من حفظَه ، ونسيَه من نسيَه ، قد عَلِمَه أصحابي هؤلاء … " رواه مسلم وأبو داود وابن حبان . فنتساءل : هل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الحريصُ على أمته الناصحُ لها , اسم هذه الطائفة في خطبته تلك ؟

إننا لم نجد فيما اطَّلعنا عليه من الأحاديث النبوية الشريفة تصريحاً باسم هذه الطائفة، ولكننا وجدنا عدداً من الأحاديث تذكر مجموعة أوصاف للطائفة الظاهرة أذكر منها ما يلي :

1 - روى البخاري ومسلم وأحمد عن معاوية قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " لا يزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " قال عمير : فقال مالك بن يُخامِر : قال معاذ : وهم بالشام ، فقال معاوية ، هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول : وهم بالشام .

2 ? روى أحمد والترمذي وقال : حسن صحيح عن معاوية بن قرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا فسد أهلُ الشام فلا خير فيكم , ولن تزال طائفةٌ من أُمتي منصورين لا يضرُّهم مَنْ خذلهم حتى تقومَ الساعةُ " .

3 - روى أحمد والطبراني بسندٍ رجالُه ثقاتٌ عن أبي أُمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين ، لعدوهم قاهرين ، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأْواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك ، قالوا يا رسول الله : وأين هم ؟ قال : ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس " .

4 - روى أحمد وأبو داود والترمذي بسند صحيح عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " … ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل " وفي رواية أخرى لأحمد ومسلم والترمذي عنه بلفظ " لا يضرُّهم من خذلهم " .

5 - روى مسلم والبخاري عن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس " .

6- روى ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تزال طائفة من أمتي قَوّامةً على أمر الله لا يضرها من خالفها " .

7 - روى الحاكم بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم السّاعة " .

8 - روى البزار بسند جيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال هذا الأمر أو على هذا الأمر عصابةٌ من أمتي لا يضرهم خلافُ من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله " .

9 ? روى مسلم والدارمي والبخاري عن المغيرة بن شعبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون " .

فقوله عليه الصلاة والسلام ( طائفة ، وأمة ، وعصابة ، وقوم ) يدلُّ على قسمٍ ومجموعةٍ من الأمة ، ولا تدل هذه الألفاظ على عموم المسلمين .

وقوله عليه الصلاة والسلام ( قائمة ، قوَّامة على أمر الله ) يشير إلى قيام هذه الطائفة بالتمسُّكِ بالإسلام وقوامتها عليه .

وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ) يدلُّ على خذلان الخاذلين لهذه الطائفة، وخلاف المخالفين لها ، وأن الحق معها وليس مع مخالفيها ، وأن الخذلان والخلاف لا تُلحق الضرر بها.

وقوله عليه الصلاة والسلام ( إلا ما أصابهم من لأْواء ) يدل على ما يصيب أعضاء هذه الطائفة من عَنَتٍ بسبب شظف العيش ، والضيق في الرزق .

وأخيراً يدل قوله صلى الله عليه وسلم ( وهم بالشام ، ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ) على مكان نشأة الطائفة هذه .

-النصر لحامل الدعوة/2**
إن المدقق في آيات الله المتعلقة بالنصر يستنبط منها أن النصر كالرزق هو قضاء ، وأن النصر كأمر الرزق بيد الله وحده ، وأن قضاء الله بيد الله وليس بيد الناس حتى ولو كانوا أنبياء ورسلاً ، فكما أن الرزق قضاء ، وكما أن الأعمار قضاء ، وكما أن نزول الغيث قضاء ، فكذلك نزول النصر قضاء ، والقضاء بيد الله وحده وليس بيد أحد من خلقه ، فكما أن الإنسان لا يملك تحديد رزقه وقتاً وكمية ، ولا يملك تقدير عمره طولاً وقصراً ، ولا يملك إنزال الغيث وقتاً وكمية ، فكذلك النصر لا يملك أحد إنزاله توقيتاً ومقداراً ، وإنما كل ذلك قضاء ، وحيث أن النصر قضاء كسائر ما قضى ويقضي الله فإن أحداً لا يملك أسبابه التي تنتجه فلا يتخلف ، ولو كان النصر في مقدور أحد صنعه بالإتيان بأسبابه التي تنتجه فلا يتخلف ، لصنعه الأنبياء والرسل ، ولأنزلوه فور حاجتهم إليه ، وما دام الأنبياء والرسل لا يملكون أسباب النصر فإن من سواهم من المؤمنين لا يملكونه قطعاً ، قال تعالى في سورة القمر : { فدعا ربه أني مغلوب فانتصِر } ، فلو كان النصر في مقدور نبي الله نوح يأتي به متى شاء لما قال ما قال ، وقال سبحانه في سورة البقرة : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } فلو كان النصر في مقدور رسول الله الكريم ïپ² وفي مقدور صحابته لما قالوا ما قالوا ، وقال جل جلاله في سورة يوسف : { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبِوا جاءهم نصرنا فَنُجّيَ من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } فلو كان صنع النصر مقدوراً عليه من قبل الرسل لما يئسوا ولما ظنوا أنهم كذبوا دون أن يتمكنوا من فعل أي شيء ، إذ اليائس المكذَّب لا يصنع نصراً ، ولهذا جاء القول - جاءهم نصرنا - ، فمن ادّعى أنه يملك أسباب النصر فليأتنا بالبينة الشرعية ، أو البينة الكونية على ادعائه . إن قوله تعالى في سورة محمد : { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ليس دليلاً على دعوى تملك الأسباب ، ثم إن الرسول الكريم ïپ² لو كان يملك أسباب إنزال النصر لأنزله في معركة أحد لشدة حاجته إليه ، ولأنزله في معركة الخندق عندما ضُيّق عليه الحصار فزُلزل المؤمنون وظنّوا بالله الظنون ، يقول تعالى في سورة الأحزاب : { إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ïپ? هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً } ، ولولا أن الله سبحانه قد أرسل على الأحزاب الريح وقذف في قلوبهم الرعب ففروا لا يلوون على شيء لما ملك المسلمون من أمرهم شيئاً ، فالحق الذي لا مراء فيه ، والصواب الذي لا ينبغي العدول عنه هو أن النصر قضاء ، وأنه بيد الله وحده تماماً كالرزق والأعمار ونزول الغيث . وقضاء الله بالنصر للمؤمنين لا يقضيه الله كيفما اتفق ، وحاشا لله أن يكون كذلك ، وإنما اشترط رب العزة على المؤمنين كي ينزل نصره عليهم أن ينصروه بمعنى أن يلتزموا أحكام دينه ويطيعوه في كل ما أمر ، فإن حقق المسلمون هذا الشرط الذي شرطه الله عليهم أنزل نصره عليهم ، وإلا خذلهم الله وحجب نصره عنهم ولم يعد في مقدورهم نوال النصر لا بأنفسهم ولا بنصرة آخرين لهم ، قال تعالى في سورة آل عمران : { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } .
وإذن فإن المسلمين حتى ينزل الله نصره عليهم يجب عليهم أن يحققوا الشرط اللازم لنزول هذا النصر ، فإن تحقق الشرط تحقق وعد الله بالنصر ، وإن تخلف الشرط خذلهم الله ولم ينصرهم ، وعلى هذا يجب حمل قوله تعالى في سورة محمد : { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } فإن الله سبحانه حتى ينصرنا قد اشترط علينا أن ننصره ، فإن نصرناه نصرنا ، وإن لم ننصره خذلنا وحجب نصره عنا ، وذلك أن حرف “إن” حرف شرط كما هو معلوم لغة ، فقوله : { إن تنصروا الله } معناه يشترط عليكم أن تنصروا الله ، هذا هو معنى الآية ولا يصح تحميلها معاني لا تحتملها .
وكما قلنا فإن نصرتنا لله سبحانه تعني تقيدنا بأوامره ونواهيه والتزامَنا بطاعته والاجتهاد في الطاعة ، فإن نحن نفذنا أوامره كلها ، ومن الأوامر الإعداد بقدر الاستطاعة ، نصرنا الله ، وإن قصَّرنا في تنفيذ شيء منها لا ينصرنا سبحانه ، وهكذا جميع العوامل التي يجب توفرها قبل النصر كلها شروط للنصر وليست أسباباً له .
فعلى حملة الدعوة إن هم أرادوا نزول النصر عليهم من عند الله أن يحققوا الشروط اللازمة لنزول النصر ، ولا يتهاونون في شيء منها وإلا فلا نصر ، فالنصر له شروط يجب توفرها إن أريد إنزاله ، وبدونها لا يتحقق نزول النصر ، وتتوفر الشروط بالتقيد بالإسلام عقيدة وأحكاماً ، والعمل بما يرضي الله ، أي القيام بنصرة الله ، ثم يأتي بعد ذلك أو يأتي ضمن ذلك الإعداد الصحيح للمعركة ، أو الاجتهاد قدر الوسع من قبل حَمَلَة الدعوة في حملهم للدعوة ، وصحة هذا الاجتهاد ، ولا يكفي الجيش الإسلامي القيامُ بالواجبات الشرعية دون أن يقوم بشكل صحيح وبقدر الطاقة بالواجبات العسكرية في الحروب ، كما لا يكفي حملة الدعوة أن يخلصوا العمل لله ويتقيدوا بالأوامر والنواهي الشرعية دون أن يقوموا بشكل صحيح بحمل الدعوة كما حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالعبادة لا تكفي ، والإخلاص لله لا يكفي ، واجتناب المحرمات لا يكفي ، بل لا بد معها وفوقها من توفر حسن العمل ، واتباع الوسائل والأساليب المؤدية إلى بلوغ الغاية لأن كل ذلك من الشروط الواجب توفُّرها إن نحن رجونا اللهَ سبحانه أن يكرمنا بنصره ، سواء في إقامة الخلافة أو في خوض المعارك ، وليعلمْ حملةُ الدعوة أن اعتبار النصر قضاء وأن له شروطاً لنزوله ، وليس هو مسبباً عن سبب أو أسباب ، يجعلهم أكثر نشاطاً وأعلى همة ، وأشد تمسكاً بالواجبات وتركاً للمحظورات ، لأننا عندما ندرك أن نصر الله ليس بأيدينا ، وإنما هو بيد الله وحده يعطيه لمن يحقق الشروط كل الشروط ، فإن ذلك يجعلنا شديدي الخشية من التقصير المفضي إلى حجب النصر ، سواء كان التقصير في العبادات والطاعات ، أو كان التقصير في اتباع الطرق والوسائل والأساليب الصحيحة المفضية إلى بلوغ الغاية ، فكل ذلك تقصير ، وكل ذلك يحول دون تحقيق الشروط التي يجب توفرها قبل نزول النصر .
وكمثال على الحالة الأولى - أي التقصير في العبادات والطاعات - قوله تعالى في سورة التوبة : { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رَحُبَتْ ثم وليتم مدبرين } فالاغترار بالكثرة المؤدي إلى الظن بأنها تجلب النصر مخالفة شرعية ومعصية تتنافى مع الطاعة والعبادة وأن النصر بيد الله يعطيه لمن ينصره بحق وصدق ، وهذه المخالفة والمعصية تماثل ما عليه بعض حملة الدعوة من الظن بأن ما يملكونه من منهاج سليم وتنظيم محكم وأفكار بالغة الصحة كفيل بنفسه بإيصالهم إلى الحكم ، دون اعتبار النصر هبة من الله سبحانه يهبه لمن يتكل عليه ويرجو النصر منه ، فمن قال من حملة الدعوة إنهم قد ملكوا أسباب النصر ، وإنهم هم الذين يصنعون النصر ، فقد خالف وعصى وحُق للنصر أن يتأخر عنه ، تماماً كما تأخر النصر عن جيش صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم اغترُّوا بكثرتهم وحسبوها كافية لتحقيق النصر .
وكمثال على الحالة الثانية - أي التقصير في اتباع الطرق والوسائل والأساليب الصحيحة المفضية إلى بلوغ الغاية - قوله سبحانه في سورة آل عمران : { ولقد صدقكم الله وعده إذ تَحُسّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين }فمخالفة بعض الرماة في معركة أُحُد أمرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الثبات على رأس الجبل ، وعدم مغادرته مهما كانت الأسباب ونزولهم لجمع الغنائم ، اعتُبر تقصيراً ومعصية في اتباع الوسائل والأساليب المؤدية إلى بلوغ الغاية حجبت عن المسلمين النصر ، وهذا التقصير الذي حجب النصر يماثل تقصير بعض حملة الدعوة في تنفيذ أوامر المسؤولين والقيام بالواجبات المطلوبة منهم من حيث ترتيب الأعمال ووضع الوسائل والأساليب المؤدية إلى قبول الناس لما يحملونه إليهم من أفكار وآراء وأحكام ، فكل تقصير في تنفيذ مثل هذه الأوامر والتعليمات والواجبات التي يتطلبها حمل الدعوة إلى الناس يعتبر مماثلاً لما حصل من قبل بعض الرماة في معركة أحد مما أدى إلى حجب النصر
فحتى يكرمنا الله بنصره ، ويعجِّل لنا نصره ، لا بد من توفير الشروط اللازمة لهذا النصر سواء منها ما يتعلق بالعبادات والطاعات الشرعية ، وما يتعلق بالواجبات والتعليمات والأوامر الصادرة عن المسؤولين ، ولا يقل أثر إحداهما عن أثر الأخرى ، فحتى ينصرنا الله لا بد من أن ننصره ، ولا ننصره إلا بالقيام بالعملين معاً .

4-النصر لحامل الدعوة**

قلنا من قبل إنَّ حامل الدعوة يعمل عمل الأنبياء إلا ما استثنيناه ، وقلنا إن الأنبياء هم القدوة والأسوة في أصل الدين والعقيدة ، وهذا القول ينسحب على موضوع نصر الله سبحانه لأنبيائه ورسله ، فكما أن الله سبحانه ينصر الأنبياء والمرسلين ، فإنه جل جلاله ينصر الدعاةَ كذلك ، أما كيف ينصر الله الأنبياء والرسل ومتى يكون النصر ؟ فهذا ما يحتاج منا إلى استعراض الآيات المتعلقة بهذا الموضوع .

باستعراض قصص الأنبياء والمرسلين في القرآن نجد أن نصر الله لهم له ثلاثة أوجه : إما نصر النبي نفسه على قومه ومعارضيه ومعانديه ، وإما نصر الدعوة أو الفكرة التي حملها النبي والرسول ، وإما نصر النبي ونصر الدعوة معاً .

فنبي الله نوح ، ونبي الله هود ، ونبي الله صالح ، ونبي الله شعيب ، ونبي الله لوط قد نصرهم الله على أقوامهم بأن أهلك أقوامهم ودمَّرهم بأصناف شتى من العذاب والتدمير ، وهذا النصر هو الوجه الأول ، أي هو نصر النبي نفسه على قومه . ونبي الله يونس ونبي الله موسى قد نصر الله فكرتهما ودعوتهما فآمن قوم يونس ، وآمن بنو إسرائيل ، وهذا النصر هو الوجه الثاني . ونبي الله محمد صلى الله عليه وسلم قد نصره الله على أعدائه من قرشيين ويهود وسائر العرب في الجزيرة ومن حولهم ، ونصر الله فكرته ودعوته ودينه ، فآمن العرب وغير العرب بدين الإسلام ، وهذا النصر هو الوجه الثالث .

فالله سبحانه إما أن ينصر نبيه ، وإما أن ينصر شريعة نبيه ، وإما أن ينصر النبي وشريعته معاً ، وهذه مسألة واضحة لا تحتاج إلى إيراد الآيات الكثيرة الدالة عليها .

وهذا النصر للأنبياء والمرسلين إما أن ينسب إلى رب العالمين ، وإما أن ينسب إلى فئة من الناس ينصرون هؤلاء الأنبياء والمرسلين ، والأدلة على هذين الأمرين كثيرة نذكر منها للدلالة على الحالة الأولى قوله تعالى في سورة الأنبياء : { ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم  ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوْءٍ فأغرقناهم أجمعين } وقوله سبحانه في سورة العنكبوت على لسان لوط : { قال رب انصرني على القوم المفسدين } وقوله جل جلاله في سورة يوسف : { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا فنجِّيَ من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } ، وللدلالة على الحالة الثانية نذكر منها قوله تعالى في سورة الأنفال : { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وَلايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير } ، وقوله سبحانه في سورة الأعراف : { … فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } وقوله جل جلاله في سورة آل عمران : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومنُنّ به ولتنصُرُنّه … } ، ففي الآيات الأولى جاءت نسبة النصر إلى الله سبحانه ، وفي الآيات الثانية جاءت النسبة إلى الناس .

وكما ينصر الله الأنبياء والرسل فإنه كذلك ينصر المؤمنين بهؤلاء الأنبياء والرسل الذين يطيعون الله سبحانه وينصرونه ، بمعنى أن من آمن بشرائع الأنبياء والتزم أحكامها وأطاع أوامرها واجتنب نواهيها فإن نصر الله ينزل عليه هو الآخر ، وبمعنى ثانٍ فإن حامل الدعوة - وهو موضع البحث هنا - هو الآخر منصور ينزل عليه نصر الله سبحانه ، قال تعالى في سورة غافر : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } وقال سبحانه في سورة محمد : { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، فرتب سبحانه نصره للمؤمنين على نصرتهم إياه ، أي على التزامهم أحكام الدين ، كما يفعل حامل الدعوة ، لأنه في القمة من حيث الالتزام والطاعة .

نخلص مما سبق إلى أن الله سبحانه ينصر أنبياءه ورسله عليهم السلام إما مباشرة كما نصر نوحاً وهوداً وصالحاً وشعيباً ولوطاً ، وإما بتسخير آخرين لنصرتهم كما حصل مع رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام ، إذ سخر الله له أهل المدينة لنصرته فسُموا الأنصار ، وإن الله سبحانه ينصر الأنبياء أنفسهم كما نصر نوحاً وهوداً وصالحاً وشعيباً ولوطاً ، أو ينصر شرائعهم كما نصر شريعة موسى وشريعة عيسى ، أو ينصر النبي وشريعته معاً كما نصر رسولنا صلى الله عليه وسلم وإن الله جلَّت قدرته قد ينصر أنبياءه ورسله في حياتهم كحال معظم الأنبياء والرسل ، وقد ينصرهم بعد وفاتهم كما حصل مع عيسى عليه السلام ، فقد انتصرت شريعته بعد أن رفعه الله إليه ، وكذلك الحال مع حملة الدعوة ، فربما نصرهم الله مباشرة ، وربما نصرهم بتسخير آخرين لنصرتهم ، وربما نصرهم في حياتهم ، وربما نصر دعوتهم بعد موت الرواد منهم ، وهكذا ، ولا يصح القول أو الادعاء باقتصار نزول النصر على حملة الدعوة بواحدة بالذات من هذه الأحوال ونفي ما سواها ، لا يصح هذا القول وهذا الادعاء ولا يجوز ، لأن تخصيص نصر حملة الدعوة بأي منها تخصيص دون مخصِّص ، وهو تشريع عقلي وليس تشريعاً شرعياً ، فليحذر حامل الدعوة من مخالفة هذا الحكم الشرعي ، والأخذ بالهوى في اختيار حالة معينة دون غيرها واستبعاد ما سواها ، ولْيعلم أن النصر من عند الله ينزله على المؤمنين إن هم نصروه بالطاعة والالتزام والتقيد بعيداً عن اتباع الهوى والتشريعات العقلية .

وحيث أن النصر بيد الله وحده ، وأنه من عند الله وحده لقوله تعالى في سورة آل عمران : { وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } ولقوله سبحانه في سورة البقرة : { … حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } ، ولقوله جل جلاله في سورة النصر : { إذا جاء نصر الله والفتح } ، وحيث أن النصر لا يأتي من دون أمر الله لقوله تعالى في سورة الملك : { أمّن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إنِ الكافرون إلا في غرور } ولقوله سبحانه في سورة الكهف : { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً } ولقوله جل جلاله في سورة القصص : { فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين } ، ولقوله عز وجل في سورة البقرة : { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من وليّ ولا نصير } ، نقول حيث أن النصر بيد الله وحده ، وأن النصر لا يأتي من دون أمر الله ، فهل يملك المسلمون أسباب هذا النصر ، أم يملكون شروطه فحسب ؟ وبعبارة أخرى : هل يستطيع المسلمون إنزال النصر متى شاءوا وكيف شاءوا بأن يأتوا بأسباب هذا النصر ، أم أن الأمر غير ذلك ، فلا يملك المسلمون تقدير وقت نزوله ، ولا كيفية هذا النزول مهما فعلوا ومهما حاولوا ، وإنما يملكون فحسب تحقيق الشروط الواجبة واللازمة عليهم حتى يكرمهم بنصره في الوقت والكيفية اللذين يقدرهما هو سبحانه ؟

**8- موقف رِبعي بن عامر

ذكر الطبري في تاريخه قصةَ رِبعي بن عامر لمقابلة رُسْتُم قائد الفرس مبعوثاً مِن قِبَل سعد بن أبي وقَّاص رضي الله تعالى عنه , وذكر وصفاً للباسِه البسيط وسلاحِه , وعندما وصل ربعيٌّ بن عامر إلى حيثُ يجلس رُسْتُم قال الطبري " … فقالوا : ضعْ سلاحَك , فقال : أني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم , أنتم دعوتموني , فإن أبيتم أن آتيكم كما أُريد رجعتُ , فأخبروا رُسْتُم فقال : ائذنوا له هل هو إلا رجلٌ واحد , فأقبل يتوكأُ على رمحه وزُجُّه نصلٌ يقارب الخطوَ , ويزجُّ النمارقَ والبسط , فما ترك لهم نُمْرُقَةً ولا بساطاً إلا أفسده وتركه مُنْتَهكاً مُخَرَّقاً , فلما دنا من رُسْتُم تعلَّق به الحرسُ وجلس على الأرض وركز رُمحَه بالبسط , فقالوا : ما حَمَلَك على هذا ؟ قال : إنا لا نستحبُّ القعود على زينتكم هذه , فكلمه فقال : ما جاء بكم ؟ قال : اللهُ ابتعثنا واللهُ جاء بنا لنُخرجَ من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله , ومن ضيق الدنيا إلى سعتها , ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام , فأَرسَلَنا بدينه إلى خَلْقه لندعُوَهم إليه , فما قَبِل منا ذلك قبلنا ذلك منه , ورجعنا عنه وتركناه وأرضَه يليها دوننا ومَن أبى قاتلناه أبداً حتى نُفضي إلى موعود الله , قال : وما موعود الله ؟ قال : الجنة لمن مات على قتال مِن أبى , والظّفَر لمِن بقي , فقال رُسْتُم : قد سمعتُ مقالتكم فهل لكم أن تُؤَخِّروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال : نعم , كم أحبُّ إليكم أيوماً أم يومين ؟ قال : لا , بل حتى نُكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا , وأراد مُقاربته ومُدافَعته , فقال : إنَّ لمما سَنَّ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعمِل به أئمتُنا ألَّا نُمكِّن الأعداء مِن آذاننا , ولا نُؤَجِّلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث , فنحن متردِّدون عنكم ثلاثاً , فانظر في أمرك وأمرهم , واختر واحدةً من ثلاثٍ بعد الأجل : اختر الإسلام وندَعَك وأرضَك , أو الجزاء فنقبل ونكُفَّ عنك , وإن كنتَ عن نصرنا غنياً تركناك منه , وإن كنتَ إليه محتاجاً منعناك , أو المنابذة في اليوم الرابع , ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أنْ تبدأنا , أنا كفيلٌ لك بذلك على أصحابي وعلى جميع مَن ترى , قال : أسيدُهم أنتَ ؟ قال : لا ولكنَّ المسلمين كالجسد بعضهم من بعض , يجيرُ أدناهم على أعلاهم , فخلص رُستم برؤساء أهل فارس فقال : ما ترون؟ هل رأيتم كلاماً قطُّ أوضحَ ولا أعزَّ من كلام هذا الرجل ؟ … " .

9-موقف أسماء بنت أبي بكر

عن المنذر بن جهم الأسدي قال " رأيتُ ابن الزبير يوم قُتل وقد تفرَّق عنه أصحابه وخذله مَن معه خِذلاناً شديداً , وجعلوا يخرجون إلى الحجَّاج حتى خرج إليه نحو من عشرة آلافٍ , وذكر أنه كان ممن فارقه وخرج إلى الحجَّاج ابناه حمزة وخُبيب , فأخذا منه لأنفسهما أماناً , فدخل على أُمه أسماء حين رأى من الناس ما رأى من خذلانهم , فقال : يا أُمَّه خذلني الناس حتى ولدي وأهلي , فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدَّفع أكثر من صبر ساعة , والقوم يُعطونني ما أردتُ من الدنيا فما رأيُكِ ؟ فقالت : أنتَ والله يا بُنيَّ أعلمُ بنفسك , إنْ كنتَ تعلم أنك على حقٍّ وإليه تدعو فامضِ له , فقد قُتل عليه أصحابُك , ولا تُمَكِّنْ من رقبتك يتلعبُ بها غلمان بني أُميَّة , وإن كنتَ إنما أردتَ الدنيا فبئس العبدُ أنتَ , أهلكتَ نفسك وأهلكتَ مَن قُتل معك , وإن قلتَ : كنتُ على حقٍّ فلما وهن أصحابي ضعفتُ فهذا ليس فعلَ الأحرار ولا أهلَ الدين , وكم خلودُك في الدنيا ؟ القتلُ أحسن . فدنا ابن الزبير فقبَّلَ رأسها وقال : هذا والله رأيي , والذي قمتُ به داعياً إلى يومي هذا ما ركنتُ إلى الدنيا , ولا أحببتُ الحياة فيها , وما دعاني إلى الخروج إلا الغضبُ لله أنْ تُستحلَّ حُرَمُه , ولكني أحببتُ أن أعلم رأيكِ , فزوَّدتِني بصيرةً مع بصيرتي , فانظري يا أُمَّه فإني مقتولٌ من يومي هذا , فلا يشتد حزنُكِ وسلِّمي الأمرَ لله , فإنَّ ابنكِ لم يتعمد إتيانَ منكرٍ ولا عملاً بفاحشةٍ , ولم يَجُر في حكم الله , ولم يغدر في أمانٍ , و ولم يتعمد ظلمَ مسلمٍ ولا معاهدٍ , ولم يبلُغني ظلمٌ من عمَّالي فرضيتُ به بل أنكرتُه , ولم يكن شيءٌ آثرَ عندي من رضا ربي , اللهم إني لا أقول هذا تزكيةً مني لنفسي , أنتَ أعلم بي , ولكن أقولُه تعزيةً لأُمي لتسلوَ عني , فقالت أمه : إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيكَ حسناً إن تقدَّمتَني , وإنْ تقدَّمتُك ففي نفسي , أُخرجْ حتى أنظر إلى ما يصيرُ أمرُك , قال : جزاك اللهُ يا أُمَّه خيراً , فلا تّدَعي الدعاءَ لي قبلُ وبعدُ , فقالت : لا أدَعُه أبداً , فمَن قُتل على باطلٍ فقد قُتلتَ على حقٍّ ثم قالت : اللهم ارحم طُولَ ذلك القيام في الليل الطويل , وذلك النَّحيب والظَّمأ في هواجر المدينة ومكة , وبِرَّه بأبيه وبي , اللهم قد سلَّمتُه لأمرِك فيه , ورضيتُ بما قضيتَ , فأثبني في عبد الله ثوابَ الصابرين الشاكرين " رواه الطبري في تاريخه .

إنَّ كلَ موقفٍ من هذه المواقف العظيمة ? وكثيرٌ كثيرٌ غيرها - فيه دروسٌ وعبرٌ وعظاتٌ , فقد كان صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدرون عن عقيدة الإسلام وأفكاره وأحكامه , يتَّخذونها نبراساً لهم في أقوالهم وأفعالهم وصفاتهم , ويتفانوْن في طاعة ربهم , وطاعة رسوله الكريم , ولا يبخلون على أُمتهم بالغالي والنَّفيس من أجل غيرهم , وقد آثرتُ أن أبسط هذه المواقف دون أن أُعلِّق عليها , تاركاً القراء وحَمَلَةَ الدعوة منهم استنباطَ ما فيها من الدروس والعبر والعظات , فإنَّ ذلك أبلغُ في التأثير وأدعى إلى الإفادةِ الكاملة .

إنَّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم حَمَلَةُ دعوة , وأنتم حَمَلَةُ دعوة اليومَ ,وكما استحقَّ الصحابةُ وصْفَ الله سبحانه لهم بأنهم السابقون فإنكم بالعمل كما عملوا , وبالإخلاص لدين الله كما أخلصوا , تدخلون معهم في الوصف نفسه , قال سبحانه وتعالى في سورة الواقعةفَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ () وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ () وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ () أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ () فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ () ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ () وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ()

أما السَّابقون المُقرَّبون الأوَّلون فهم صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم , والتَّابعون لهم بإحسانٍ , وأما السَّابقون المقرَّبون الآخِرون من هذه الأمة فهم من عملوا أعمالهم وأخلصوا لله إخلاصهم وحملوا الدعوة كحملهم , ودعائي الى الله السميع المُجيب أن نكون منهم آمين .

تم الفراغ منه بحمد الله سبحانه يوم الاثنين التاسع عشر من ربيع الثاني عام 1433 للهجرة . الموافق للثاني عشر من آذار ( مارس ) عام 2012 للميلاد . **

6- موقف خالد بن الوليد**

عن أبي المجالد وأبي عثمان والربيع وأبي حارثة قالوا " لما قفل خالد وبلغ الناسَ ما أصابت تلك الصائفةُ انتجعه رجال , فانتجع خالداً رجالٌ من أهل الآفاق , فكان الأشعث بن قبس ممن انتجع خالداً بقنَّسرين , فأجازه بعشرة آلافٍ وكان عمر لا يخفى عليه شيءٌ في عمله , كُتِب إليه من العراق بخروج مَن خرج , ومن الشام بجائزة مَن أُجيز فيها , فدعا البريد وكتب معه إلى أبي عبيدة أن يُقيم خالداً ويَعقِله بعمامته , وينزع عنه قلَنْسُوته حتى يُعلمهم من أين إجازةُ الأشعث , أَمِن ماله أم من إصابةٍ أصابها ؟ فإنْ زعم أنها من إصابةٍ أصابها فقد أقرَّ بخيانةٍ , وإنْ زعم أنها من ماله فقد أسرف , واعْزِله على كلِّ حالٍ , واضْمُمْ إليك عمله . فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقَدِم عليه , ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر, فقام البريدُ فقال : يا خالد أَمِنْ مالك أجزتَ بعشرة آلافٍ أم مِن إصابةٍ ؟ فلم يُجبْه حتى أكثر عليه , وأبو عبيدةُ ساكتٌ لا يقول شيئاً , فقام بلالٌ إليه فقال : إنَّ أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا , ثم تناول قَلَنْسُوَته فعقله بعمامته وقال : ما تقول , أمِن مالك أم من إصابةٍ ؟ قال : لا بل من مالي , فأطلقه وأعاد قَلَنْسُوَته ثمَّ عممه بيده , ثم قال : نسمعُ ونُطيعُ لوُلاتِنا , ونُفخِّم ونخدم موالينا , قالوا : وأقام خالد متحيِّراً لا يدري أمعزولٌ أم غير معزولٍ , وجعل أبو عبيدة لا يُخبره , حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظنَّ الذي قد كان , فكتب إليه بالإقبال , فأتى خالد أبا عبيدة فقال : رحمك الله ما أردتَ إلى ما صنعتَ ؟ كتمتَني أمراً كنتُ أُحبُّ أنْ أَعلمه قبل اليوم , فقال أبو عبيدة : إني واللهِ ما كنتُ لِأَروعَكَ ما وجدتُ لذلك بُدَّاً , وقد علمتُ أنَّ ذلك يروعُك , قال : فرجع خالد إلى قِنَّسْرين , فخطب أهلَ عملِه وودَّعهم وتحمَّل, ثم أقبل إلى حمص فخطبهم وودَّعهم , ثم خرج نحوَ المدينة حتى قدم على عمر , فشكاه وقال : لقد شكوْتُك إلى المسلمين , وبالله إنك في أمري غيرَ مجمِلٍ يا عمر , فقال عمر : مِن أين هذا الثراء ؟ قال : مِن الأنفال والسَّهمان ما زاد على الستين ألفاً فلكَ , فقوَّم عمر عروضَه فخرجت إليه عشرون ألفاً فأدخلها بيتَ المال , ثم قال : يا خالد والله إنك عليَّ لكريم وإنك إليَّ لَحبيب , ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء " ذكره الطبري في تاريخه .

7- موقف سعيد بن عامر

عن خالد بن معدان قال " استعمل علينا عمر بن الخطاب ? رضي الله تعالى عنه - بحمص سعيد بن عامر بن جذيم الجُمَحي , فلما قدِم عمر بن الخطاب حمص قال : يا أهل حمص كيف وجدتم عاملكم ؟ فشكَوْه إليه ? وكان يُقال لأهل حمص الكُوَيْفة الصغرى لشكايتهم العمال ? قالوا : نشكو أربعاً : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهارُ , قال : أعظِمْ بها , قال : وماذا ؟ قالوا : لا يجيبُ أحداً بليلٍ قال : وعظيمة , قال : وماذا ؟ قالوا : وله يومٌ في الشهر لا يخرج فيه إلينا , قال : عظيمة , قال : وماذا ؟ قالوا : يغْنظُ الغَنْظةَ بين الأيام ? يعني تأخذه موتة ? قال : فجمع عمر بينهم وبينه وقال : اللهم لا تفيلُ رأيي فيه اليوم , ما تشكون منه ؟ قالوا : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار , قال : ما تقول ؟ قال : والله إنْ كنتُ لأكره ذِكره , ليس لأهلي خادم فأعجن عجيني ثم أجلس حتى يختمر , ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم , فقال : ما تشكون منه ؟ قالوا : لا يجيبُ أحداً بليلٍ , قال : ما تقول ؟ قال : إنْ كنتُ لأكره ذِكره , إني جعلتُ النهار لهم وجعلتُ الليل لله عزَّ وجلَّ . قال : وما تشكون ؟ قالوا : إنَّ له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه , قال : ما تقول ؟ قال : ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أُبدِّلها , فأجلس حتى تجف ثم أدلكها ثم أخرجُ إليهم مِن آخر النهار . قال : ما تشكون منه ؟ قالوا : يغنط الغنطةَ بين الأيام , قال : ما تقول ؟ قال : شهدتُ مصرع خُبَيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريشٌ لحمَه ثم حملوه على جذعةٍ فقالوا : أتحبُّ أنَّ محمداً مكانك ؟ فقال : والله ما أُحبُّ أني في أهلي وولدي وأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم شِيكَ بشوكةٍ , ثم نادى يا محمد , فما ذكرتُ ذلك اليوم وترْكي نُصرَته في تلك الحال وأنا مشركٌ لا أؤمن بالله العظيم إلا ظننتُ أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يغفرُ لي بذلك الذنب أبداً , قال : فتصيبني تلك الغَنْظةُ , فقال عمر : الحمد لله الذي لم يفيل فِراستي , فبعت إليه بألف دينار وقال : استعِنْ بها على أمرك , فقالت امرأتُه : الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك , فقال لها : فهل لي في خيرٍ من ذلك ؟ ندفعها إلى مَن يأتينا بها أحوج ما نكون إليها , قالت : نعم , فدعا رجلاً مِن أهل بيته يثق به , فصرَّرها صُرَراً ثم قال : انطلقْ بهذه إلى أرملة آل فلان , وإلى يتيم آل فلان , وإلى مسكين آل فلان , وإلى مبتلى آل فلان , فبقيت منها ذُهَيبةٌ فقال : انفقي هذه , ثم عاد إلى عمله , فقالت : ألا تشتري لنا خادماً ؟ ما فعل ذلك المال؟ قال : سيأتيكِ أحوجَ ما تكونين " رواه أبو نعيم في حِلية الأولياء .

4 - موقف سعد بن معاذ**

روى البيهقي في دلائل النبوة من طريق موسى بن عُقبة - وذكر قصة عِيرِ قريش وذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم لملاقاتهم , إلى أن قال - " … فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشيروا عليَّ , فقال المقدادُ بن عمرو عديدُ بني زُهرة : إنا لا نقول لك كما قال أصحابُ موسى : اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنَّا ها هنا قاعدون , ولكن اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتلا إنَّ معكما متَّبِعون , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشيروا عليَّ , فلما رأى سعد بن معاذ كثرةَ استشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابَه فيشيرون فيرجع إلى المشورة , ظنَّ سعدٌ أنه يستنطق الأنصارَ شفقاً ألَّا يستحوذوا معه , أو قال : ألَّا يستجلبوا معه على ما يُريد من أمره فقال سعد بن معاذ : لعلَّك يا رسول الله تخشى أنْ لا تكون الأنصارُ يريدون مواساتِك ولا يرونها حقَّاً عليهم إلَّا بأنْ يرَوا عدواً في بيوتهم وأولادهم ونسائهم ؟ وإني أقول عن الأنصار وأُجيبُ عنهم يا رسول الله , فاظعنْ حيث شِئتَ , وصِلْ حبلَ مَن شِئتَ , واقطع حبلَ مَن شِئتَ , وخذ مِن أموالنا ما شِئتَ , وأعطِنا مما شِئتَ , وما أخذتَه منَّا أحبُّ إلينا ِمما تركتَ علينا , وما ائتمرتَ مِن أمرٍ فأمْرُنا لأمرِكَ فيه تبعٌ , فوالله لو سِرتَ حتى تبلُغَ البَرْكَ مِن غِمْدِ ذي يَمَنٍ لسرْنا معك . فلما قال ذلك سعدٌ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سِيروا على اسم الله عزَّ وجلَّ , فإني قد أُرِيتُ مصارعَ القوم , فعمد لبدرٍ … " .

5 - موقف عبد الله بن حُذافة

عن أبي رافعٍ قال " وجَّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشاً إلى الروم وفيهم رجلٌ يٌقالُ له عبد الله بن حُذافةَ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فأسره الرومُ , فذهبوا به إلى ملِكِهم فقالوا له : إنَّ هذا مِن أصحاب محمد ? صلى الله عليه وسلم ? فقال له الطاغيةُ: هل لك أنْ تَنَصَّرَ وأُِْشرِكُك في مُلكي وسُلطاني ؟ فقال له عبد الله : لو أعطيتَني مما تملك وجميعَ ما ملكته العربُ على أنْ أرجعَ عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طَرْفَةَ عينٍ ما فعلتً , قال : إذن أَقْتُلكَ , قال : أنتَ وذاكَ , فأمر به فصُلبَ , وقال للرُّماةِ : ارموه قريباً من يديه , قريباً من رِجليه, وهو يعرضُ عليه وهو يأبى , ثم أمر به فأُنزلْ , ثم دعا بقِدْرٍ فصُبَّ فيها ماءٌ حتى احترقت , ثم دعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدِهما فأُلقي فيها وهو يعرضُ عليه النَّصرانيةَ وهو يأبى , ثم أمر به أنْ يُلقى فيها , فلما ذُهِبَ به بكى , فقيل له : إنه قد بكى , فظنَّ أنه جَزِعَ فقال : رُدُّوه , فعرضَ عليه النَّصرانيةَ فأبى , فقال : ما أبكاك إذنْ ؟ قال : أبكاني أني قلتُ في نفسي : تُلقى السَّاعةَ في هذه القِدْر فتذهب , فكنتُ أشتهي أن يكون بعدد كلِّ شعرةٍ في جسدي نفسٌ تُلقى في الله , قال له الطاغيةُ : هل لك أن تُقبِّل رأسي وأُخلي عنك ؟ قال له عبد الله : وعن جميع أسارى المسلمين ؟ قال : وعن جميع أسارى المسلمين . قال عبد الله : فقلتُ في نفسي : عدوٌّ من أعداء الله أُقبِّل رأسه يخلِّي عني وعن أسارى المسلمين لا أُبالي , فدنا منه فقبَّل رأسه , فدُفع إليه الأسارى , فقدم بهم على عمر رضي الله عنه , فأُخبِر عمرُ بخبره , فقال عمر : حقٌّ على كل مسلم أنْ يُقبِّل رأس عبد الله بن حُذافة , وأنا أبدأ , فقام عمر فقبَّل رأسه " . رواه البيهقي وابنُ عساكر .

2 - موقف عبد الله بن مسعود

عن محمد بن إسحق قال : وحدثني يحيى بن عُروة بن الزبير عن أبيه قال " كان أولَ مَن جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه , قال : اجتمع يوماً أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : والله ما سمعت قريشٌ هذا القرآن يُجهرُ لها به قط فمَن رجلٌ يُسْمِعُهُموه ؟ فقال عبد الله بن مسعود : أنا , قالوا إنَّا نخشاهم عليك , إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه , قال : دعوني فإنَّ الله سيمنعني , قال : فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريشٌ في أنديتها , حتى قام عند المقام ثم قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) رافعاً بها صوتَه ( الرحمنُ علَّم القرآنَ ) قال : ثم استقبلها يقرؤها , قال : فتأملوه فجعلوا يقولون : ماذا قال ابن أُمِّ عبد ؟ قال : ثم قالوا : إنه لَيتلو بعضَ ما جاء به محمد , فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه , وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أنْ يبلُغ , ثمَّ انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه , فقالوا له : هذا الذي خشينا عليك , فقال : ما كان أعداءُ الله أهونَ عليَّ منهم الآن , ولئن شئتم لَأُغادِينَّهم بمثلها غداً , قالوا : لا , حسبُك , قد أسمعتَهم ما يكرهون " من سيرة ابن هشام . **

3 - موقف سعد بن الربيع

عن محمد بن اسحق قال - يصف ما حصل في معركة أُحُد - " وفرغ الناس لقتلاهم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدَّثني محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة المازني أخو بني النجار : مَن رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع , أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجلٌ من الأنصار : أنا أنظرُ لك يا رسول الله ما فعل سعدٌ , فنظر فوجده جريحاً في القتلى وبه رَمَقٌ , قال : فقلتُ له : إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أنْ أنظر أفي الأحياء أنتَ أم في الأموات , قال : أنا في الأموات , فأبلِغْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني السلام وقل له : إنَّ سعد بن الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خيرَ ما جزى نبياً عن أُمته , وأبْلِغْ قومك عني السلام وقل لهم : إنَّ سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إنْ خُلِص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم ومنكمْ عينٌ تَطرِف , قال : ثم لم أبرح حتى مات , قال : فجئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه خبره " من سيرة ابن هشام , ورواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة . ورواه ابن عبد البَر بلفظ " … أقرِئ على قومي السلامَ وقل لهم : يقول لكم سعد بن الربيع : الله الله وما عاهدتم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ العقبة , فوالله ما لكم عند الله عذرٌ إن خُلِص إلى نبيكم وفيكم عينٌ تَطرِف , قال أُبيٌّ : فلم أبرحْ حتى مات رحمه الله , فرجعتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه فقال : رحمه الله نصح لله ولرسوله حيَّاً وميتاً " .

14 -مواقفُ لصحابةِ رسول الله**
إنَّ مما لا شك فيه أنَّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أفضلُ المسلمين , وهم أعلمُ المسلمين وأفقهُهم , ذلك لأنهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذين عنه دينهم , ومُقتدين به في مختلف أعماله وأحواله الكريمة , فلم تَشب أفكارَهم ولا أحكامَهم الشرعيةَ أيةُ شائبةٍ , ويذلك صلحوا فعلاً لأنْ يكونوا إسلاماً يتحرك في أقوالهم وأفعالهم وصفاتهم , وكانوا بحقٍّ النموذجَ العمليَّ والمثالَ الجَليَّ لدين الله سبحانه . وقد رضي الله سبحانه ورسولُه الكريمُ عنهم , ونحن مِنْ ثّمَّ راضون عنهم نأخذُ عنهم ونتعلمُ منهم , لا يضِلُّ مَن اهتدى بهم , ولا يَزيغُ مِن اقتدى بهم .
وقد آثرنا أنْ نأتي بجُملةٍ من الأمثلة الحية العملية لما يأمُرُنا به دينُنا من سيرة الصحابة , ونسوقُ الوقائعَ المختلفةَ والمواقفَ الجليلةَ لهم حِيالَ عددٍ من الأمور , لأنَّ الأمثلةَ الحية العمليةَ , والوقائعَ والمواقفَ هي أبلغ في التأثير , وأدعى إلى حَفْزِ النفوس وشحذِ الهمم لحمل الدعوة كما حملوها , والتَّفاني في ذلك , والإخلاص الخالص فيه , والصبر والثَّبات عليه , حتى نكون مثلهم , وننال درجتهم في الجنة بإذنه تعالى وفضله .

1 - موقف أبي ذر
عن ابن عباس رضي الله عنه قال " لما بلغ أبا ذرًّ مبعثُ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قال لأخيه : اركبْ إلى هذا الوادي فاعلمْ لي عِلمَ هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء , فاسمعْ مِن قوله ثم ائتني , فانطلق الآخر حتى قدِم مكة وسمع مِن قوله , ثم رجع إلى أبي ذرٍّ فقال : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق , وكلاماً ما هو بالشِّعر , فقال : ما شَفيتني فيما أردتُ , فتزوَّد وحمل شَنَّةً له فيها ماء حتى قدِمَ مكة فأتى المسجد فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه , وكره أن يسأل عنه حتى أدركه - يعني الليل - فاضطجع , فرآه علي فعرف أنه غريب , فلما رآه تبعه , فلم يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح , ثم احتمل قِربتَه وزاده إلى المسجد , فظلَّ ذلك اليوم ولا يرى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى , فعاد إلى مضجعه , فمرَّ به علي فقال : أما آن للرجل أن يعلم منزله , فأقامه فذهب به معه , ولا يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء , حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك , فأقامه علي معه , ثم قال له : ألا تُحدِّثُني ما الذي أقدَمَك هذا البلد ؟ قال : إنْ أعطيتني عهداً وميثاقاً لتُرشِدَني فعلتُ , ففعل , فأخبره فقال : فإنه حقٌّ وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإذا أصبحتَ فاتَّبعني , فإني إن رأيتُ شيئاً أخاف عليك قمتُ كأني أُريقُ الماءَ فأن مضيتُ فاتَّبعني حتى تدخل مدخلي , ففعل , فانطلق يَقْفُوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه , فسمع مِن قوله وأسلم مكانه , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري , فقال : والذي نفسي بيده لأصرُخنَّ بها بين ظَهرانَيْهم , فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته : أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله , وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه , فأتى العباسُ فأكبَّ عليه فقال : ويلكم , ألستم تعلمون أنه مِن غِفار وأنَّ طريق تجارتكم إلى الشام عليهم ؟ فأنقذه منهم , ثم عاد في الغدِ بمثلها , وثاروا عليه فضربوه , فأكبَّ عليه العباسُ فأنقذه " رواه مسلم والبخاري .

  • الثباتُ على حمل الدعوة/2**

إن الله سبحانه قد حذَّرنا من عدم الثبات على الدعوة وعلى الإسلام تحذيراً بالغ الشدة ، فقال في سورة الإسراء : { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً  ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً  إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً } فهذا تحذيرٌ بالغ الشدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان سيعذب ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة لو هو فُتن وصُرف عن شيء ولو قليلٍ من أفكار الرسالة وأحكامها ، أي عن شيء قليل من الدعوة ، راكناً إلى كفار مكة , ملبِّياً لهم شيئاً مما يطلبون منه ، وقال سبحانه وتعالى في سورة الحاقة: { ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل  لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  فما منكم من أحد عنه حاجزين } وهذا أيضاً تحذير شديد من التلاعب بالدعوة بالتقوُّلِ على الله ما لم يقل ، وإدخال فكر أو حكم في دين الله ليس منه ، فمن فعل أذلَّه الله وقتله دون أن يملك أحدٌ نصره وعونه ، وهذان التحذيران بالغا الشدة موجَّهان إلى حَمَلة الدعوة فمن ركن منهم إلى أعداء الدعوة وأعداء الإسلام , بأن أجابهم إلى ما طلبوا , كأن وافق على مهادنتهم وتخلَّى عن واجب ذم أفكارهم وأحكامهم ورموزهم ببيان زيفها ومخالفتها لشرع الله ومعاندتهم لدين الله ، وتوقَّف عن كشف خططهم وكيدهم للإسلام والمسلمين ، وأظهر رضاه وقبوله بفعالهم ، وأقرَّ ظلمَهم وبرَّره لهم ، ورضي بأن يتهم أفكاره هو وأحكامه هو بالبطلان وعدم الصلاح للعصر مثلاً ، وأن الفكر الفلاني أو الحكم الفلاني غير صحيح أو غير مشروع استجابةً لمطالبهم وخضوعاً لإرادتهم فقد فتن ، لا فرق بين الافتتان عن فكر شرعي أو حكم شرعي واحد أو الافتتان عن أفكار وأحكام شرعية عديدة ، فكل ذلك فتنة وافتتان يوجب لصاحبه العذاب في الدنيا والآخرة ضعفَ ما يعذَّب به المعذَّبون والعياذ بالله .

إن حامل الدعوة معرَّضٌ لهذه الفتنة لدى اعتقاله ، فسامعٌ من الأعداء أمرين : اتهام أفكاره وأحكامه وتشويهها بصنوف الأباطيل والأكاذيب ليزعزعوا ثقته بها ويشكِّكوه فيها ، والثناء على أفكارهم هم وأحكامهم هم رغم بيان عوارها وفسادها ، وإلباسها لبوس الإسلام والحق والصلاح ، كل ذلك من أجل أن يلبسوا على حامل الدعوة دينه ودعوته ، ويصرفوه عن حمل الدعوة ، فليحذر حامل الدعوة من التعرُّض لهذه الفتنة ، ولْيتخذ لها أهبتَه واستعدادَه ، فإن ما لدى الأعداء من صنوف العذاب الجسدي والنفسي ، وألوان القهر والإذلال لهو أخف كثيراً من عذاب الضعف في الدنيا والآخرة إن هو فُتن وافتُتن فلم يثبت على الدعوة ولم يتمسك بالمبدأ ، ولم يحافظ على نقاء الأفكار والأحكام الشرعية , وقَبِلَ أن يتخلى عن شيء ولو قليل منها ، وأن يزيد فيها ما ليس منها .

وكما حاول أهل مكة أن يفتنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعوة أو عن شيء منها ، فقد حاولوا أيضاً أن يصرفوه عن حمل الدعوة والثباتِ عليه كذلك ، وبذلوا في ذلك جهدهم ، وفاوضوه كثيراً وعرضوا عليه المُلك والمال والشرف والجاه ، وهي أسلحة أعداء الله في كل زمان ومكان ، علَّه يترك حمل الدعوة , وما يصاحبه من شتم آلهتهم وتحقير دينهم وتسفيه أحلامهم وعقولهم ، ولكنه عليه الصلاة والسلام أبى أشد الإباء , واستمر على موقفه المبدئي في حمل الدعوة والتبليغ عن ربه عز وجل ، فقد جاء في سيرة ابن هشام عن محمد بن كعب القرظي "… فقام إليه عُتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن أخي إنك منَّا حيث قد علمتَ من السِّطةِ في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم ، وسفَّهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفَّرت به من مضى من آبائهم ، فاسمعْ مني أعرضْ عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ، قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل يا أبا الوليد أسمع ، قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به مُلكاً ملَّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِياً تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك طلبنا لك الطبَّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرِّئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه ، أو كما قال له ،