8 حُبُّ الدنيا**
قال تعالى في سورة الواقعة : { وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون } . إن الله سبحانه خلق الجنة لتكون مأوى للإنسان إن هو آمن وأطاع ، وخلق النار لتكون عقوبة له إن هو كفر وعصى ، وخلق الدنيا لتكون ساحة اختبار ، فمن فاز دخل الجنة ، ومن فشل عوقب بالنار أما هذا الاختبار فهو أن على الإنسان أن يجتاز عقبتين إحداهما أعظم من الأخرى فإن هو اجتازهما فقد فاز فوزاً عظيماً ودخل الجنة أبداً ، وإن هو لم يجتزهما فقد فشل فشلاً تاماً ودخل النار أبداً ، أما إن هو اجتاز أولاهُما فحسب ولم يجتز الثانية فقد فاز فوزاً متواضعاً ، ودخل النار فترة ثم دخل الجنة أبداً ، أما العقبة الأولى فهي عقبة الكفر ، وأما العقبة الثانية فهي عقبة حب الدنيا ، فمن وقف أمام العقبتين فلم يجتزهما كان كافراً ، وكان من أصحاب المشأمة ، وأما من اجتاز العقبة الأولى وهي العظمى ، ووقف خلفها ولكنه لم يجتز العقبة الثانية كان مؤمناً ، وكان من أصحاب اليمين ، فإن هو اجتاز العقبة الثانية ، كان من المؤمنين المتقين ، وكان من السابقين المقربين .
فالناس أقسام ثلاثة : كفار ، ومؤمنون ، ومؤمنون متقون ، أما العقبة الأولى وهي عقبة الكفر فتُجتاز بشهادة لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، فمن شهد شهادة الحق ، خرج من زمرة الكافرين ودخل في زمرة المؤمنين ، وأما العقبة الثانية وهي عقبة حب الدنيا فتُجتاز بتقديم حب الآخرة ، والسعي لها وإيثارها على حب الدنيا والسعي لها وإيثارها ، فمن فعل انتقل إلى زمرة المؤمنين المتقين .
يتبيّن مما سبق أنَّ المسلمين ، وإن نجاهم الله سبحانه من الخلود في النار ، ووعدهم بدخول الجنة ، فإن عليهم حتى ينجوا من عذاب النار المؤقت أن يجتازوا عقبة حب الدنيا ، فمن اجتازها أمن من دخول النار ، ومن لا أصابته النار قليلاً أو كثيراً ، فحب الدنيا هو الحاجز الوحيد أمام المسلمين الذي إن هم اجتازوه فقد عصموا أنفسهم من العذاب واستحقوا الدرجات العليا في الجنة ، وإن هم تنافسوا في الدنيا وأحبوها وآثروها على الآخرة فإنَّ أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم بما كسبوا ، وإن شاء غفر لهم ، ثم إذا هم دخلوا الجنة فلن يحصِّلوا الدرجات العليا فيها . وإذاً فإن الخشية على المسلمين آتية من العقبة الثانية ، وهي حب الدنيا وتنافسها ، ولا يُخشى عليهم من العقبة الأولى أن يعودوا إليها ثانية بعد أن خلَّفوها وراء ظهورهم ، فعن عقبة بن عامر " صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أُحُد ثم صعد المنبر كالموِّدع للأحياء والأموات فقال … إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم " رواه مسلم والبخاري وأحمد ، وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض ، قيل : وما بركات الأرض ؟ قال زهرة الدنيا … " رواه البخاري ومسلم .
وقد جاء التحذير من حب الدنيا وإيثارها على الآخرة في الكثير من الآيات ، فقال تعالى في سورة الأنفال : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عَرَضَ الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم } ، وقال سبحانه في سورة التوبة : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } ، وقال جلّ جلاله في سورة الأعلى : { بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى } وغير ذلك من الآيات ، وكلها تحذر من إيثار حب الدنيا على حب الآخرة ، وأن عاقبة ذلك النار ، وقد بينت الآيات أن حب الدنيا وإيثارها على الآخرة هو مسلك الكفار أهل النار ، فقال تعالى في سورة هود : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } وقال سبحانه في سورة إبراهيم : { الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً أولئك في ضلال بعيد } وقال جلّ جلاله في سورة النازعات : { فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى } لهذا فإن المسلم الفطن ، والمسلم العاقل يجب عليه أن ينجي نفسه من الوقوع في حبائل الدنيا ، ويعمل للآخرة لأنها هي دار القرار ، وهي الحياة الحقيقية ، فعن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله " رواه الترمذي وحسّنه ، ورواه أيضاً أحمد وابن ماجة والحاكم ، والكيّس هو الفطن الذكي ، وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له " رواه أحمد بسند جيد ، ورواه البيهقي ، والغريب هو أن هذه الدنيا التي يتكالب عليها الناس لا قيمة لها ولا وزن ، وأنها إلى جانب الآخرة أشبه بالصفر ، فعن المستورد أخي بني فهر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يضع أحدكم إصبعه في اليمّ فلينظر بماذا ترجع " رواه الترمذي ومسلم وابن ماجة وأحمد ، وعن مسهر بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " رواه الترمذي بسند صحيح ، ورواه ابن ماجة ، وعن المستورد بن شداد قال : " كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السّخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها ، قالوا من هوانها ألقوها يا رسول الله ، قال : الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها " رواه الترمذي ، ورواه مسلم من طريق جابر بن عبد الله بمعناه .