أجوبة أسئلة فقهية

حول التطعيم

**quastion:

Assalamu alaykum, may allah (swt) preserve you the ummah and give victory to the ummah through you. Please i have two questions and prayed may allah make it easy for you.

  1. What is your view according to islam concerning polio vaccination the western worlds and american are claiming to help some third world countries with free-of-charge?

Yusuf adamu, abuja, nigeria.**

ترجمة السؤال:

**السلام عليكم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظكم ويحفظ الأمة ويجعل نصرها على يديك. لدي سؤالان وأدعو الله أن ييسر لك:

1- ما هو رأيك وفقًا للإسلام بخصوص التطعيم ضد شلل الأطفال الذي يدعي العالم الغربي وأمريكا بأنهم يساعدون بعض دول العالم الثالث فيه بدون مقابل؟

جزاك الله خيرًا

يوسف ادامو، أبوجا، نيجيريا.**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أولاً: التطعيم هو دواء، والتداوي هو مندوب وليس فرضاً، ودليل ذلك:

1- روى البخاري من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».

وروى مسلم عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وروى أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً، إِلَّا قَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ».

وهذه الأحاديث فيها إرشاد بأن لكل داء دواءً يشفيه، ليكون ذلك حاثاً على السعي لحصول التداوي الذي يؤدي إلى شفاء الداء بإذن الله سبحانه، وهذا إرشاد وليس إيجاباً.

2- روى أحمد عن أنس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ، خَلَقَ الدَّوَاءَ، فَتَدَاوَوْا»، وروى أبو داود عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» أي “إلا الموت”.

ففي الحديث الأول أمر بالتداوي، وفي هذا الحديث إجابةٌ للأعراب بالتداوي، ومخاطبة للعباد بأن يتداووا، فإن الله ما وضع داءً إلاّ وضع له شفاءً. وقد جاءَت المخاطبة في الحديثين بصيغة الأمر، والأمر يفيد مطلق الطلب، ولا يفيد الوجوب إلاّ إذا كان أمراً جازماً، والجزم يحتاج إلى قرينة تدل عليه، ولا تُوجد في الحديثين أية قرينة تدل على الوجوب، إضافة إلى أنه وردت أحاديث تدل على جواز ترك التداوي، ما ينفي عن هذين الحديثين إفادة الوجوب. فقد روى مسلم عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ»، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، والرقية والكي من التداوي. وروى البخاري عن ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ: … هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ، «فَدَعَا لَهَا…». فهذان الحديثان يدلان على جواز ترك التداوي.

وكل ذلك يدل على أن الأمر الوارد “فتداووا”، “تداووا” ليس للوجوب، وإذن فالأمر هنا إما للإباحة وإما للندب، ولشدة حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التداوي، يكون الأمر بالتداوي الوارد في الأحاديث للندب.

وعليه فإن التطعيم حكمه الندب، لأن التطعيم دواء، والتداوي مندوب، وليس فرضا، ويجوز التداوي عند الطبيب الكافر سواء أكان التداوي بأجر أم كان مساعدة دون أجر… فمن أراد التطعيم فهو جائز.

وهناك أمر أحب التذكير فيه، فإن مساعدة الكفار المستعمرين لبلاد المسلمين، سواء أكان دواء أم غير دواء، وبخاصة تلك التي يقولون عنها مساعدات مجانية، هذه المساعدات تكون عادة لإيجاد مداخل لهيمنة الكفار المستعمرين ونفوذهم في البلاد، ونهب ثرواتها وخيراتها، فالدول الرأسمالية لا تقدم مساعدات مجانية هكذا دون مقابل، فليس عندهم قيم روحية يساعدون من خلالها المحتاجين، بل قيمهم مادية ليجنوا من وراء مساعداتهم مصالح خبيثة… فلينتبه المسلمون لهذا.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

02 من جمادى الآخرة 1435هـ ألموافق2014-04-02م

منقول

** أراضي سواد العراق **

أبو عبد الله الحلبي كتب:
**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

رزقكم الله العفو والعافية…

السؤال : من المعروف أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حبس أرض العراق ورفض توزيعها على المقاتلين، السؤال: هل يعتبر ما قام به سيدنا عمر بن الخطاب اجتهادا يجوز لأي شخص أن يخالفه إلى رأي شرعي آخر، أم هو أن الصحابة أجمعوا عليه فلا تجوز مخالفته؟

أبو عبد الله الحلبي**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

جواب السؤال:

لا يدخل ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين حبس أراضي السواد في العراق وجعل رقبتها ملكاً لبيت المال، ولم يوزعها على المقاتلين، لا يدخل ذلك ضمن إجماع الصحابة، بل هو اجتهاد من عمر رضي الله عنه، وقد أقره عليه كثير من الصحابة وكان دليله قوياً، وقد سار المسلمون بعدها على رأي عمر رضي الله عنه…

أما كيفية التصرف بأراضي البلاد التي تفتح عنوة، فهي بين أمرين: إما أن يقسمها الإمام كما فعل النبي ﷺ في أرض خيبر، وإما أن يحبسها على المسلمين كما فعل عمر فيما بعد في أرض السواد في العراق، يفعل من هذين الأمرين ما يراه مصلحة للمسلمين. جاء في الشخصية الجزء الثاني صفحة 244-245:

(…وهكذا فإنّ الأرض المفتوحة عنوة للإمام أمرها، فإن شاء قسمها كما قسّم رسول الله ﷺ خيبر، وإن شاء تركها حبوساً بأيدي أصحابها، وفرض عليها الخراج فيئاً للمسلمين، كما عمل عمر في أرض السواد والشام ومصر. يفعل في ذلك ما يراه مصلحة للمسلمين).

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

08 من رجب 1436هـ / 27/04/2015م

منقول

القضاء والقدر

ahmad nadhif كتب:
**السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

جاء فى كتاب التيسير في أصول التفسير ص ٤٤: “…أم نقليا أي عن طريق النقل المقطوع به عن الله سبحانه في كتابه الكريم أو عن رسوله ﷺ في حديثه المتواتر عنه ﷺ كالإيمان بالمغيبات والملائكة والكتب المنزلة سابقا والأنبياء السابقين واليوم الآخر والقدر خيره وشره. يقول سبحانه في سورة النساء آية ١٣٦ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ ويقول صلوات الله وسلامه عليه جوابا لسؤال جبريل عليه السلام عن الإيمان في الحديث: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى»” انتهى. عندي سؤال أرجو منكم التوضيح. إن كان الحديث المذكور متواترا حتى بني عليه الإيمان بالقدر، فلماذا لم يرد في كتاب الشخصية الإسلامية ج١ حين بحث عن العقيدة الإسلامية؟ بل صاحب الكتاب رحمه الله تعالى يقول بأن الإيمان بالقضاء والقدر بني على الدليل العقلي.

جزاك الله خير جزاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.**

ألجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

قبل البدء بالجواب، فإني ألفت نظرك إلى أمرين يبدو أن عندك التباساً فيهما، وهذان الأمران هما (القدر) الوارد في الآيات والأحاديث ومصطلح (القضاء والقدر)، فهما موضوعان وليسا موضوعاً واحداً، فموضوع (القضاء والقدر) الذي قرأته في كتاب النظام أو الشخصية هو يختلف عن (القدر) الوارد في الحديث الذي تسأل عنه.

والآن إليك الجواب عن سؤالك:

ما جاء في رواية مسلم من قول النبي ﷺ جواباً على سؤال جبريل عليه السلام عن الإيمان: قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، ليس حديثاً متواتراً بل هو خبر آحاد صحيح ، ومع ذلك فإن الاستدلال به في الموضع الذي ذكرته في سؤالك من كتاب التيسير في أصول التفسير هو استدلال صحيح، لأنه أقيم دليلاً على ما طُلب الإيمان به ولم يُقَم دليلاً على الموضوع الذي طُلب الإيمان به، فطلب الإيمان بالإسلام يكون بالآية وبالحديث من رسول الله ﷺ، وحتى برسالة يرسلها ﷺ، فقد أرسل الرسول ﷺ رسائل مع رسل أرسلهم ﷺ للملوك يدعوهم للإسلام...

2- ولكن عند إقامة الحجة على أن القدر من العقيدة ومنكره كافر، وعند إثبات أنه علم الله، وكل شيء مكتوب منذ الأزل في اللوح المحفوظ، عندها يُعمد إلى الأدلة القطعية، فتُذكر الآيات القاطعة على القدر بمعنى التقدير في الأزل أي أن ما من شيء في الأرض، ولا في السماء إلا والله يعلمه منذ الأزل ومقدر منذ الأزل ومكتوب في اللوح المحفوظ منذ الأزل… ومن هذه الآيات القاطعة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ فقدّر في هذه الآية معناها التقدير في الأزل. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، ومعنى لكل شيء قدراً، أي لكل شيء تقديراً وتوقيتاً والمراد تقديراً في الأزل، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فإن معناها أنه لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا في الأزل وما قدره علينا، ونحن متوكلون على الله، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، معناها إلا أمم أمثالكم مكتوب أرزاقها، وآجالها، وأعمالها، كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم، ما تركنا وما أغفلنا في اللوح المحفوظ من شيء، فأطلق الكتاب على اللوح المحفوظ، أي كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا كناية عن علم الله، أي ما من شيء إلاّ والله يعلمه. وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، أي إلاّ مكتوبة في اللوح المحفوظ، وهو كناية عن علمه سبحانه بدليل الآية نفسها.

3- ومن الجدير ذكره أن القدر بهذا المعنى أي التقدير في الأزل أو الكتابة في اللوح المحفوظ أو علم الله سبحانه بأن الأمر الفلاني سيحصل لا يعني الاتكال على علم الله بحصول العمل، وعدم الأخذ بوسائل القيام به، أو عدم الأخذ بالأسباب والمسببات، وذلك لأن علم الله لم ينكشف لأحد فيعلم أنه سيقع أو لا يقع، ولهذا لا يمكن العلم بالشيء بأنه سيحصل، أو لا يحصل، إلا بعد الأخذ بوسائل القيام به، ومباشرته، وبعد ذلك ينكشف الواقع من حيث وجود العمل، أو عدم وجوده، ومن هنا لا يصح أن يتكل أحد على علم الله، ويترك العمل، وقد استشكل ذلك على الصحابة فنبههم الرسول ﷺ أن لا يتكلوا، وأمرهم أن يعملوا، فقد أخرج البخاري عن علي كرم الله وجهه «فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَلاَ نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لاَ، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى الآيَةَ» وهذا صريح بأن الإيمان بالقدر لا يعني الاتكال، لأن القدر والكتابة، أي علم الله لا ينكشف لأحد من الخلق، فعلى أي شيء يتكل؟

ولهذا قال الرسول ﷺ لمن سأله ألا نتكل؟ قال له: «لا»، أي نهاه عن الاتكال ولم يكتف بذلك بل قال له أيضاً: «اعْمَلُوا» أي أمره بالعمل، ولهذا فإن الإيمان بالقدر لا يعني عدم العمل.

آملاً أن يكون جواب سؤالك حول القدر قد أصبح واضحاً

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

07 من شوال 1436 هـ / 2015-07-23م

منقول

**التعزير؛**تفاصيله وأحكامه
السؤال:‏ السلام عليكم، بورك فيك شيخي وأميري وبورك لنا بك، ورد في الإجابة عبارة ‏‎"‎لأنه شرع التعزير وبين ‏تفاصيل أحكامه وأنواعه‎"‎‏ فما هي تفاصيل أحكامه وأنواعه؟
ألجواب:
سؤالك هو عن نص جاء في جواب سؤال مؤرخ في 02/01/2015م وهو:‏
‏"أما العقوبات التعزيرية وهي عقوبات على المعاصي التي لم يحدد الشرع لها عقوبة ثابتة بل ترك تحديد ‏عقوبتها للإمام أو القاضي… فهي من أحكام الطريقة، وكون الشرع لم يحدد العقوبة لا يعني مطلقاً أنه لم يضع ‏طريقة لتنفيذ الأحكام الشرعية التي عاقب على عدم الالتزام بها تعزيراً، لأنه شرّع التعزير وبين تفاصيل أحكامه ‏وأنواعه… وترك للإمام فقط أن يختار من بين أنواع العقوبات التي بينها الشرع، وبالمقدار الذي يراه مناسباً ‏لواقع المعصية ولواقع العاصي، أي أن الشرع بين كيفية تطبيق هذه الأحكام بطلبه إيقاع عقوبة على غير الملتزم ‏بها، لكنْ مقدار هذه العقوبة ونوعها… فهذا هو الذي تركه الشرع للإمام أو نائبه." انتهى.‏
إننا لم نفصل القول في جواب السؤال المذكور تجنباً للإطالة… وكذلك في جواب سؤالك هذا لا يتأتى ‏التفصيل لأن مبحث التعزير كبير وواسع، والموضوع مذكور بتمامه في كتابنا نظام العقوبات… ولكني سأذكر ‏شيئاً منه:‏
‏1- التعزير يختلف عن الحدود والجنايات، فالحدود والجنايات عقوبات مقدرة معينة من الشارع، وهي ‏لازمة ولا يجوز استبدالها ولا الزيادة والنقصان فيها، أما التعزير فهو عقوبة غير مقدرة بعينها، ولا لازمة ‏بعينها. وأيضاً فإن الحدود والجنايات لا تقبل العفو، ولا الإسقاط من قبل الحاكم إلاّ العفو من صاحب الحق في ‏الجنايات وهذا بخلاف التعزير، فإنّه يقبل العفو والإسقاط.‏
‏2- قد حدد الشرع أنواع العقوبات التعزيرية التي يجوز للقاضي أن يعاقب بها، وذلك بنصوص شرعية ‏واضحة، ولا تجوز العقوبة بغيرها، فإن العقوبة فعل فلا بد من دليل على جوازه. ولا يقال لا بد من دليل على ‏منعه من العقوبة بعقوبات معينة، لا يقال ذلك لأنّ الأصل هو عدم العقوبة، فإيقاع العقوبة بعقوبة معينة هو الذي ‏يحتاج إلى دليل. أما أن الأصل عدم العقوبة فذلك أن الدليل العام قام على كرامة الإنسان، وعدم إيقاع الأذى به، ‏فإيقاع عقوبة معينة عليه تحتاج إلى دليل يجيز إيقاعها، وما لم يقم الدليل على جواز عقوبة بعينها فلا يجوز ‏إيقاعها.‏
ولا يقال إن التعزير قد جعل للحاكم مطلقاً دون قيد، فله أن يعزر بالعقوبة التي يراها، لا يقال ذلك، لأنّ الذي ‏جُعل للحاكم هو تقدير مقدار العقوبة، ولم يُجعل له غير ذلك، وقد تدخل الشارع في العقوبات فعين أنواعها، أي ‏عين أنواع العقوبات التي يعاقب بها، فصار القاضي مقيداً بهذه العقوبات، أي أن تعيين الشارع أنواع العقوبات ‏قد قيد القاضي بها، فلا يحل له أن يعاقب بغيرها، وله أن يختار منها ما يراه زاجراً. وعليه فإنّه يجب على الحاكم ‏حين يوقع عقوبة التعزير أن يتقيد بالأحكام الشرعية، فلا يعاقب إلاّ بالعقوبات التي جاء الشارع بها.‏
‏3- لقد نهى الشرع عن عقوبات معينة وأجاز عقوبات معينة يجب التقيد بها في عقوبات التعزير، فقد نهى ‏عن الحرق بالنار، فالعقوبة بالحرق بالنار لا تجوز، فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة: «وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ ‏بِهَا إِلَّا اللَّهُ»، وروى البخاري عن عكرمة أن النبي ï·؛‏ قال: «لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» يعني الحرق بالنار. وروى ‏أبو داود في سننه عن ابن مسعود عن النبي ‏ï·؛‏ أنه قال: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ». فهذا كله ‏صريح في تحريم العقوبة بالحرق بالنار، ويلحق بها ما هو من جنسها، مما فيه خاصية الإحراق كالكهرباء.‏
‏4- وأجاز الشرع عقوبات في التعزير لا يجوز الحكم بغيرها، وبين ذلك بياناً واضحا أذكر منها:‏
أ- عقوبة القتل: يجوز للخليفة أن يبلغ في التعزير حد القتل في الجرائم الكبيرة التي هي غير داخلة في ‏جرائم الحدود، وذلك مثل جريمة الدعوة إلى انفصال إقليم عن جسم الدولة الإسلامية، كما جاء في الحديث ‏الشريف: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ»، رواه ‏مسلم عن عرفجة. ولذلك يجوز للخليفة أن يأمر بقتله تعزيراً… أي أنه يجوز للخليفة أن يبلغ في التعزير حد ‏القتل.‏
ب- الجلد: وهو الضرب بالسوط وما يشبهه… غير أن التعزير بالضرب والجلد لا يجوز أن يزيد عن عشر ‏ضربات، أو عشر جلدات، وقد جاء ذلك صريحاً في نصوص الحديث، فقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن ‏جابر عمن سمع النبي ‏ï·؛‏ قال: «لاَ عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».‏
فإذا كان الحكم بالجلد فلا يجوز أن يتجاوز عشر جلدات…‏
ج- تقبل الغرامة في التعزير على بعض الذنوب، فقد وردت نصوص في ذلك منها ما أخرجه أبو داود في ‏سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ‏ï·؛‏: «ضَالَّةُ الْإِبِلِ الْمَكْتُومَةُ غَرَامَتُهَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، أي من يكتم أن ‏الإبل الضالة موجودة عنده ويخفيها عن صاحبها فتعاد لصاحبها ويغرم كاتمها مثلها. وكذلك تعزير مانع الزكاة ‏بأخذ شطر من ماله. فهذا كله يدل على أن الرسول ‏ï·؛‏ أمر بعقوبة الغرامة في التعزير.‏
د- يجوز الحبس في التعزير، والحبس الشرعي هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان ‏ذلك في بلد، أم في بيت، أم في مسجد، أم في سجن معد للعقوبة أم غير ذلك، والدليل على أن الحبس عقوبة من ‏عقوبات الشرع ما رواه الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ ‏رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ»‏
وكان الحبس على عهد النبي ï·؛‏ في بيت، أو في مسجد، وكذلك الحال كانت على أيام أبي بكر، فلم يكن ‏هناك حبس معد للخصوم، فلما كانت أيام عمر اشترى داراً لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وجعلها حبساً، ‏وقد حبس عمر الحطيئة على الهجو، وحبس صبيغاً على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن… ‏ويجب أن تكون مدة الحبس محددة فالحكم بالسجن المؤبد لا يجوز شرعاً، بل لا بد من تحديد المدة التي يحكم بها ‏بالسجن على شخص معين.‏
والحبس هو اعتقال، وليس تشغيلاً، فالتشغيل شيء آخر غير الحبس، ولذلك فإنّه إذا حكم الشخص بالحبس ‏لا يجوز أن يشغل، لأنّ كلمة الحبس لا تشمل التشغيل، ولكن هل يجوز الحكم بالحبس والتشغيل، أو يقتصر ‏على الحكم بالحبس؟ والجواب على ذلك أنه لم يرد نص شرعي بجعل العقوبة تشغيلاً، لا أشغالاً شاقة ولا غير ‏شاقة، ولذلك لا يعاقب بها، وإنما يقتصر على الحبس بمعنى الاعتقال.‏
هـ- الوعظ: وذلك أن يعظ القاضي المذنب بتخويفه من عذاب الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ï´؟واللاتي ‏تخافون نشوزهن فعظوهنï´¾.‏

هذه بعض أنواع عقوبات التعزير التي ورد من الشرع دليل على جواز أن يعاقِب بها الحاكم، ولا يجوز ‏للحاكم أن يعاقِب بنوع عقوبة إلا إذا ورد نص من الشرع بجواز هذا النوع.‏
آمل أن يكون في هذا الكفاية.‏

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

27 من رجب 1436هـ ألموافق16/05/2015م
منقول

** ما يُفرض على الكافر في الأرض العشرية **

أبو عبد الله الحلبي كتب:
**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

رزقكم الله العفو والعافية…

السؤال : إن الأرض في الدولة الإسلامية لا تخلو من وظيفة خراج أو عشور. والخراج كما ورد في كتاب الأموال في دولة الخلافة هو حق للمسلمين يوضع على الأرض التي غنمت من الكفار حربا أو صلحا، ويكون خراج عنوة، وخراج صلح والعشور هو حق وجب على ناتج أرض المسلم وهو من أموال الزكاة، ويكون على أصناف حددها الشرع، والسؤال: في أرض أسلم أهلها عليها مثل إندونيسيا تأخذ الدولة من المسلمين العشور، وتأخذ من الكافر الذي يملك أرضا، لكن ماذا يطلق على ما تأخذه الدولة منه. علما بأنه لا يدخل ضمن العشور ولم يشمله تعريف الخراج؟ وعذرا إن أثقلت عليكم وشكرا.

أبو عبد الله الحلبي**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

جواب السؤال:

إن ما يُفرض على الكافر في الأرض العشرية لا يمكن أن يكون عشراً لأن العشر زكاة والكافر ليس من أهل الزكاة فلا تفرض عليه ولا تقبل منه، والأرض لا يجوز أن تخلو من وظيفة، عشرية أو خراجية، ولما لم يكن ما يفرض على الكافر عشراً فلم يبق إلا أن يكون خراجاً، وتتصرف الدولة في هذا المال الذي تأخذه منه تماماً كما تتصرف بالخراج.

أما لماذا قلنا إن الأرض لا تخلو من وظيفة، فذلك لأن أدلة أحكام الأراضي الزراعية الواردة في الشرع:

1- أدلة عامة في كل أرض، وهي توجب على المسلم فيها زكاة: العشر أو نصف العشر… «فِيمَا سَقَتْ الأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ» وغيرها.

2- بعد الفتح ظهرت مشكلة جديدة في الأراضي أُخرِجت من النص العام ووضع عليها الخراج. : «قَضَى رَسُولُ اللهِ ï·؛ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ البَحْرَيْنِ أَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ إِلاَّ أَرْضَهَ، فِإِنَّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يُسْلِمُوا وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ». وما قضى به عمر رضي الله عنه في أرض السواد “وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع فيها الخراج…” وغيرها.

3- ولذلك فإن كل أرض في دار الإسلام عليها زكاة، إلا نوع معين عليه الخراج.

4- فالحكم العام يجري على عمومه “كل أرض في دار الإسلام على المسلم فيها زكاة”، ولا يخرج منه إلا ما خصص بنص آخر “الأرض الخراجية”.

5- هذا هو حكم الأراضي الزراعية، ولولا وجود نصوص على الأرض الخراجية لبقي الحكم هو زكاة الأرض على مالكها المسلم وفق النصوص الشرعية الواردة.

6- وهكذا فإن أحكام الأرض في الإسلام تخضع لهذين: إما عشرية وإما خراجية، ولا تخلو من هذين، فيدفع عنها العشر أو نصف العشر إذا استوفت الشروط إن كانت عشرية، ويدفع عنها الخراج إذا استوفت الشروط إن كانت خراجية.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

08 من رجب 1436هـ / 27/04/2015م

منقول

معنى منطق الإحساس والإحساس الفكري

محمد ضحى كتب:
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة العالم شيخنا الأمير عطاء بن خليل أبو الرشتة. عندي سؤال مشكل في كتاب ‘‘التكتل الحزبي’’؛ فقد وردت كلمة ''مخلصا" في قوله: “حتى لو أراد أن لا يكون مخلصا لا يقدر على ذلك”، فماذا تعني؟ وكذلك أرجو توضيح معنى ‘‘منطق الإحساس’’ و ‘‘الإحساس الفكري’’.
شكرا جزيلا وجزاكم الله خيرا بالخلافة في عهدكم وأنتم إمامنا آمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد ضحى من إندونيسيا،

ألجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
يبدو أنك تقصد بسؤالك النص التالي من كتاب التكتل الحزبي “صفحة 25-26”:

(وذلك أن الإحساس الذي يؤدي إلى فكر في الحزب، يشرق هذا الفكر في الأمة بين أفكار متعددة، فيكون واحداً منها، ويكون أول أمره أضعفها، لأنه أحدث ولادة وأجد وجوداً، ولم يتمركز بعد، ولم توجد له أجواء، ولكنه لما كان فكراً نتيجة منطق الإحساس، أي فهماً ناتجاً عن الإدراك الحسي، فإنه يوجد الإحساس الفكري أي يوجد إحساساً واضحاً نتيجة للفكر العميق، فكان - بطبعه - يصفي من ينطبع به، فيجعله مخلصاً، حتى لو أراد أن لا يكون مخلصاً لا يقدر على ذلك.) انتهى.

ويكون سؤالك عن معنى منطق الإحساس، والإحساس الفكري، ولماذا يَجعل هذا الفكر حامله مخلصاً.

إن قسطاً وافراً من سؤالك جوابه في كتاب مفاهيم حزب التحرير حيث بين فيه معنى منطق الإحساس ومعنى الإحساس الفكري، فقد جاء في كتاب المفاهيم صفحة 58-59 ما يلي:

(ولا يجوز مطلقاً أن يفصل العمل عن الفكر أو عن الغاية المعينة أو عن الإيمان، فإن في هذا الفصل ــ مهما قل ــ خطراً على العمل نفسه، وعلى نتائجه، وعلى استمراره، ولذلك كان لا بد أن تكون الغاية المعينة مفهومة وواضحة لكل من يحاول العمل حتى يبدأ به.

وكان لزاماً أن يكون منطق الإحساس هو الأساس، أي أن يكون الفهم والتفكير ناجمين عن إحساس لا عن مجرد فروض لقضايا خيالية، وأن يكون الإحساس بالواقع مؤثراً في الدماغ، موجداً مع المعلومات السابقة الحركة الدماغية التي هي الفكر، وهذا هو الذي يحقق العمق في التفكير والإنتاج في العمل. ومنطق الإحساس يؤدي إلى الإحساس الفكري أي إلى الإحساس الذي يقويه عند الإنسان الفكر. ولهذا يكون إحساس حملة الدعوة مثلاً بعد تفهمها أقوى من إحساسهم قبل ذلك.) انتهى.

إن منطق الإحساس يعني أن يأخذ الإنسان الفكر بعد إحساسه المباشر بالواقع ووقوفه عليه، وليس عن طريق التلقي والتلقين غير المقطوع بصحته، وبطبيعة الحال ليس كذلك عن طريق فروض لقضايا خيالية، فمنطق الإحساس يعني التفكير المعتمد على الإحساس المباشر، ومنطق الإحساس أقوى وأثبت من غيره، لأنه اتصل بالحس مباشرة، فإدراك شخص مثلاً لمدى الانحطاط والتخلف الذي تعيشه إفريقيا عن طريق المعلومات التي تلقّاها، يختلف كثيراً عن إدراكه لمدى هذا الانحطاط عند قيامه بزيارة إلى إفريقيا واطلاعه المباشر على الواقع هناك، ووصوله من خلال هذا الاطلاع إلى الحكم على إفريقيا بالتخلف والانحطاط.

وأما الإحساس الفكري فيقابله الإحساس الصرف، وهو أن يحس بالواقع دون أن يكون عنده فكر متعلق بهذا الواقع، فإذا وجد عنده فكر وأحس بالواقع بعد وجود هذا الفكر عنده فإن إحساسه بالواقع وفهمه له يكون ولا شك أقوى وأثبت من إحساسه الصرف أي إحساسه به قبل وجود الفكر، فحصول الإحساس بعد وجود الفكر المتعلق به يسمى الإحساس الفكري. فإحساس شخص مثلاً بواقع إفريقيا بعد معرفته بمعنى الانحطاط وإدراكه الفرق بينه وبين النهضة، أقوى من إحساسه بواقع إفريقيا قبل أن يعرف فكريا معنى الانحطاط ومعنى النهضة. وإحساسه بفظاعة استغلال الغرب الكافر لإفريقيا ونهبه لثرواتها يكون أقوى بعد معرفته الفكرية بسياسات هذه الدول تجاه إفريقيا، من إحساسه بهذا الاستغلال قبل وجود هذه المعرفة. ولذلك فإن شباب حزب التحرير في إفريقيا يحسون بانحطاط المجتمع هناك وبفظاعة استغلال بلادهم أكثر من غيرهم من الناس لإدراكهم لمعنى الانحطاط ولاطلاعهم على سياسات الدول المستعمرة تجاه بلادهم ومعرفتهم بجشع هذه الدول، أما الآخرون فإحساسهم بذلك ضعيف، بل إن بعضهم لا يلتفت إليه.

والفكر التغييري الذي يصل إليه الحزب المبدئي يكون عن طريق منطق الإحساس الموصل إلى نتائج صادقة صحيحة، ويتولد عنه إحساس فكري يجعل حامله يرى الواقع ويحس به على وجهه الصحيح الصادق، ولذلك فإن هذا الفكر يوجد ولا شك المفاهيم الصادقة عند صاحبه، ولا يقف عند حد المعلومات النظرية، فحامل هذا الفكر يدرك حقائق الأمور، فلا يستطيع إلا أن يكون مخلصاً وصادقاً كالفكر الذي يحمله، فهو لا يستطيع أن يغش نفسه ويوهمها بأن الواقع بخلاف ما يراه، بل هو يرى الواقع على حقيقته، ويعرف العلاج على حقيقته، فلا يملك إلا أن يكون مخلصاً ما دام حاملاً لهذا الفكر.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

15 من صَفَر 1436هـ ألموافق07/12/2014م
منقول

أموال الربا بعد قيام الخلافة

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

سؤال من كتاب أجهزة الحكم والإدارة بالنسبة لأموال الربا بعد قيام دولة الخلافة بإعطاء رؤوس الأموال لأصحابها…

السؤال:** ماذا سنفعل بأموال الربا؟ هل يجوز للدولة حجزها واستثمارها؟ وهل النقد الذي أتى من ربا المال كورقة نقدية حرام بعينها أم يرجع للفعل؟

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

1- جواب سؤالك “ماذا سنفعل بأموال الربا…”، هذا الجواب موجود في كتاب الأموال في دولة الخلافة، فقد وضَّح كيف تتصرف الدولة في المال المكتسب بطريق غير مشروع مثل مال الغلول والربا والقمار… الخ فقد جاء في باب: “مَال الغُلول منَ الحكّام، ومُوظفي الدَولة، ومَال الكسبِ غير المشروع، ومَال الغرامَات” صفحة 111-112 ما يلي:

(كل ما مرّ مما يكتسبه الولاة، والعمال، وموظفو الدولة، بطريق غير مشروع يكون من واردات بيت المال، ويلحق بذلك مما يكون من واردات بيت المال أيضاً، كل مال يكتسبه الأفراد بطريق من الطرق الممنوع شرعاً التملك، أو تنمية الملك بها؛ لأنّه يكون كسباً حراماً، ولا يُملك.

فمن اكتسب شيئاً عن طريق الربا يكون حراماً، وغير مملوك، لأنّ الله حرّم الربا، وحرم تنمية المال عن طريقه. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.

ويجب أن يُردَّ مال الربا إلى أهله الذين أُكِلَ منهم إن كانوا معروفين، فإن لم يكونوا معروفين يُصادر ويُوضـع فـي بيت المال، هذا بالإضافة إلى العقوبة الشرعية المترتبة على المتعاملين بالربا “آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه”، كما في الحديث الشريف. «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ»، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ» أخرجه مسلم عَنْ جَابِرٍ.

ومن اكتسب مالاً عن طريق القمار كان كسبه حراماً، وغير مملوك، ويُردُّ لصاحبه، فإن لم يُعرَف صاحبه يُصادر ويوضع في بيت المال؛ هذا بالإضافة إلى العقوبة الشرعية على من يتعامل بالقمار سواء أكان خاسراً أم رابحاً. لأنّ تنمية الملك عن طريق القمار لا تجوز شرعاً، فالقمار محرّم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.

2- وأما الشق الثاني من السؤال حول تحريم مال الربا بعينه أو بالفعل… فالجواب هو أن المال المكتسب بعمل غير مشروع ليس حراماً بذاته، بل الحرمة هي لكيفية كسبه أو تنميته، أما عين المال فليست بحرام، فمن كسب دنانير ببيع الخمر أو بالربا مثلاً فإن الدنانير لا تصبح حراماً بذاتها، بل الحرمة هي في كيفية كسبها أو تنميتها، ولذلك لا يملكها من كسبها بالحرام، أما عينها فلا تكون حراماً ولذلك توضع في بيت مال المسلمين، وينفق منها في شئونهم، ولا يستثنى من ذلك إلا المال الذي عينه حرام كالخنزير والخمر فهي أموال محرمة بذاتها.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

26 من ذي الحجة 1435 ألموافق2014/10/20م

منقوووول

حول: الصغائر والكبائر
السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل، عندي سؤال حول عبارة وردت في كتاب الشخصية جظ، ص ظ¤ظ¦ “ويدخل النار من شاء الله تعالى من المسلمين الذين رجحت كبائرهم وسيئاتهم على صغائرهم وعلى حسناتهم”. ما المقصود بصغائرهم؟ ولماذا وضعت مع الحسنات إذا كان معناها صغائر الذنوب؟ .

ألجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته…
الصغائر هي الذنوب التي عليها عقوبة مخففة، والكبائر هي الذنوب التي عليها عقوبة مشددة… فمثلاً:

الكذب حرام… ولكن لو قلت لابنك: تعال أعطك شيئا في يدي، فلما جاء الولد لم يكن شيء في يدك لتعطيه إياه، فإنك تكون كذبت، وهذه معصية ولكن أثرها خفيف، فهي من الصغائر، أخرج أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ لِصَبِيٍّ: تَعَالَ هَاكَ، ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ فَهِيَ كَذْبَةٌ». ولكن لو أرسلك قائد الجيش لتستطلع العدو وراء الجبل، فأتيت تقول له ليس وراء الجبل عدو، وكان العدو فعلا وراء الجبل، فإنك تكون كذبت وهي معصية، ولكن أثرها كبير وإثمها عظيم وعقوبتها كبيرة، فهي تعد من الكبائر… وهكذا.

أما لماذا وُضعت صغائر الذنوب مع الحسنات، فهي لم توضع معها بمعنى أنها والحسنات في كفة واحدة، بل هذا أسلوب في العربية وهو أسلوب المقابلة، فتذكر صنفين وتتبعهما بصنفين بحيث يكون الصنف الثالث يقابل الصنف الأول، والصنف الرابع يقابل الصنف الثاني، فمثلاً يقول سبحانه ï´؟وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍï´¾ وتكون هكذا: ï´؟وَإِنَّاï´¾ تقابل ï´؟لَعَلَى هُدًىï´¾، ï´؟إِيَّاكُمْï´¾ تقابل ï´؟فِي ضَلَالٍ مُبِينٍï´¾، ولا تعني أن ï´؟وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْï´¾ متشابهان في كفة واحدة وï´؟هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍï´¾ متشابهان في كفة واحدة، بل كما قلنا الأول يقابل الثالث والثاني يقابل الرابع… وهكذا يكون المعنى بأسلوب المقابلة للجملة “رجحت كبائرهم وسيئاتهم على صغائرهم وعلى حسناتهم…”، هو: رجحت كبائرهم على صغائرهم… ورجحت سيئاتهم على حسناتهم، وليست صغائرهم وحسناتهم في كفة واحدة متشابهتين، وتأكيداً لذلك فقد تكرر حرف الجر “على” قبل الصغائر وقبل الحسنات ليبين أنهما صنفان مختلفان، فلم يكتف بحرف العطف “واو” فيقول: “على صغائرهم وحسناتهم”، بل إزالة للالتباس قال “على صغائرهم وعلى حسناتهم”

وفي الختام، أقرئك السلام وأدعو لك بخير.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

07 من ذي القعدة 1435هـ ألموافق 2014-09-02م
منقوووول

**القواعد_الشرعية للتعامل مع الأنهار

#السؤال:

هل هناك قواعد شرعية بالنسبة للتعامل مع الأنهار، سواء أكانت من منبعها إلى مصبها في #دولة_الخلافة، أم كانت تمر خلالها وخلال دول أخرى؟ وجزاكم الله خيراً.**

#الجواب:

إن في الإسلام حلولاً لكل مشكلة حدثت، أو تحدث، أو ستحدث، فالله سبحانه أكمل هذا الدين (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وأوجب علينا الاحتكام إلى #شرع_الله في كل صغيرة وكبيرة فقال سبحانه (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ)، وكلمة “ما” كما هو معلوم من صيغ العموم، فأوجب الله سبحانه الحكم بالإسلام في كل أمر دون استثناء، أي دون تجزئة (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ)، فالله العزيز الحكيم لم يترك أية مشكلة تعترض الناس في هذه الدنيا إلا وبيَّن حلها في الإسلام نصاً أو استنباطاً وفق #القواعد_الأصولية_الشرعية، فالله سبحانه خلقنا وبين لنا ما يُصلح أمرنا فهو سبحانه اللطيف الخبير (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).

ولذلك، فنعم هناك قواعد شرعية للتعامل مع الأنهار سواء أكانت داخل دولة الخلافة، أم كانت تمر فيها وفي دول أخرى… وسأذكر لك بعض هذه الأمور بشكل مختصر وستكون بتمامها إن شاء الله عند قيام دولة الخلافة التي نضرع إلى الله أن يكون ذلك القيام قريباً، والله عزيز حكيم:

1- إن الأنهار العظيمة هي ملكية عامة وهي مندرجة تحت نوعين من أنواع #الملكية_العامة، فهي من جهة داخلة في مرافق الجماعة التي يدل عليها قوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْكَلَإِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ» رواه أبو داود، وهي كذلك من الأعيان التي تكون طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الأفراد بحيازتها أخذاً من حديث النبي ﷺ «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» رواه الترمذي… وتفصيل ذلك كله موجود في كتاب #الأموال_في_دولة_الخلافة وفي كتاب #النظام_الاقتصادي فليرجع إليهما.

2- لقد كان مدركاً لدى المسلمين من لدن النبي ﷺ وحتى عصرنا هذا بأن الأنهار العظيمة كدجلة والفرات والنيل هي ملكية عامة لا يختص أحد بتملكها أو الانتفاع بها، وقد كانت الدولة تمكن الناس من الانتفاع بالأنهار العظيمة للشرب والانتفاع المنزلي وسقي الدواب (وهو ما يسمى بالشفة) ولسقي الأراضي الزروع (وهو ما يسمى بالشِّرب) وللسفر والتنقل… وكانت تقوم بترتيب ضفاف الأنهار وبتنظيف الأنهار (وهو ما يسمى بكري الأنهار) ليستطيع الناس الاستفادة منها… وكل ذلك واضح عند مراجعة كتب #التاريخ وكتب #الفقه_الإسلامي… وأذكر لك بعض النصوص الفقهية التي تدل على اهتمام المسلمين بموضوع الأنهار العظيمة وتسهيل الاستفادة منها:

  • جاء في كتاب #تحفة_الفقهاء للسمرقندي المتوفى نحو سنة “540 هـ” ما يلي:

(… الْأَنْهَار الْعِظَام كالفرات والدجلة والجيحون وَغَيرهَا فَلَا حق لأحد فِيهَا على الْخُصُوص بل هُوَ حق الْعَامَّة فَكل من يقدر على سقِي أراضيه مِنْهَا فَلهُ ذَلِك وَكَذَا نصب الرَّحَى والدالية وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا إِذْ لم يكن فِيهِ ضرب بالنهر الْعَظِيم أما إِذا كَانَ فِيهِ ضرب فَيمْنَع عَن ذَلِك ثمَّ كري الْأَنْهَار الْعِظَام على السُّلْطَان من مَال بَيت المَال لِأَن مَنْفَعَتهَا ترجع إِلَى عَامَّة النَّاس فَيكون مؤونة ذَلِك فِي مَال الْعَامَّة وَهُوَ مَال بَيت المَال…) انتهى.

  • جاء في #الموسوعة_الفقهية_الكويتية ما يلي:

( #الْكَرْيُ: إِخْرَاجُ الطِّينِ مِنْ أَرْضِ النَّهْرِ وَحَفْرُهُ وَإِصْلاَحُ ضِفَّتَيْهِ، وَمُؤْنَةُ الْكَرْيِ وَجَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الإِصْلاَحِ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، لأَنَّهُ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَال شَيْءٌ، أَجْبَرَ الْحَاكِمُ النَّاسَ عَلَى إِصْلاَحِ النَّهْرِ إِنِ امْتَنَعُوا عَنْهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَتَحْقِيقًا لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ…

كَرْيُ، الأْنْهَارِ الْعَامَّةِ كَالنِّيل وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ يَكُونُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، لأَنَّ مَنْفَعَةَ الْكَرْيِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ… وَلَوْ خِيفَ مِنْ هَذِهِ الأَنْهَارِ الْغَرَقُ فَعَلَى السُّلْطَانِ إِصْلاَحُ مَسَنَاتِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَال.).

  • جاء في كتاب درر الحكام في شرح مجلة الأحكام ما يلي:
  • ([ (الْمَادَّةُ 1238) الْأَنْهَارُ الْعَامَّةُ غَيْرُ الْمَمْلُوكَةِ]

الْمَادَّةُ (1238) - (الْأَنْهَارُ الْعَامَّةُ غَيْرُ الْمَمْلُوكَةِ. وَهِيَ الْأَنْهَارُ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ فِي مُقَاسِمٍ أَيْ فِي مَجَارِي مِلْكِ جَمَاعَةٍ - مُبَاحَةٌ أَيْضًا كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ والطونة والطونجة) الْأَنْهَارُ الْعَامَّةُ غَيْرُ الْمَمْلُوكَةِ وَهِيَ الْأَنْهَارُ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ فِي مُقَاسِمٍ أَيْ فِي مَجَارِي مِلْكِ جَمَاعَةٍ لَيْسَتْ مِلْكَ أَحَدٍ كَالْبِحَارِ وَالْبُحَيْرَاتِ بَلْ هِيَ مُبَاحَةٌ فَلِذَلِكَ لِكُلٍّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُضِرًّا لِلْعَامَّةِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَادَّةِ (1254) وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ فَتْحَ جَدْوَلٍ وَأَنْ يُجْرِيَ مِنْهُ الْمَاءَ إلَى أَرْضِهِ وَأَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ وَأَنْ يُنْشِئَ طَاحُونًا وَأَنْ يَتَّخِذَ سَانِيَةً وَمَشْرَعَةً (الْبَهْجَةُ).

أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِالْعَامَّةِ بِأَنْ تَفِيضَ الْمِيَاهُ وَتُفْسِدَ حُقُوقَ النَّاسِ أَوْ تَمْنَعَ سَيْرَ #السُّفُنِ فَلِكُلِّ النَّاسِ حَقُّ مَنْعِهِ، هَذَا فِي الْأَنْهَارِ وَأَمَّا فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ وَإِنْ ضَرَّ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَسَيُبْحَثُ فِي شَرْحِ الْمَادَّتَيْنِ (1263 و 1264) عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَلِكُلِّ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَنْهَارِ الْعَامَّةِ حَقُّ الشَّفَةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِالْعَامَّةِ أَوْ غَيْرَ مُضِرٍّ وَالْأَنْهَارُ الْعَامَّةُ غَيْرُ الْمَمْلُوكَةِ هِيَ كَ #نَهْرِ_النِّيلِ الْجَارِي فِي الْقُطْرِ الْمِصْرِيِّ وَ #نَهْرِ_الْفُرَاتِ الْجَارِي فِي #الْعِرَاقِ وَ #دِجْلَةَ (وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا) وَ #شَطِّ_الْعَرَبِ (وَهُوَ يَحْصُلُ مِنْ اجْتِمَاعِ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ) وَنَهْرُ الطونة (الدانوب) الَّذِي يَقَعُ قِسْمٌ مِنْهُ فِي بِلَادِ رُومَانْيَا وَنَهْرِ الطونجة الْمُسَمَّى أَيْضًا بِنَهْرِ الْمَرِيجِ الَّذِي يَجْرِي فِي مَدِينَةِ أدرنة فَهَذِهِ الْأَنْهَارُ الْعَظِيمَةُ لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ لِأَنَّ الْمِلْكَ حَسْبَ الْمَادَّةِ (1249) يَحْصُلُ بِالْإِحْرَازِ وَوَضْعِ الْيَدِ وَإِحْرَازُ هَذِهِ الْأَنْهَارِ وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَمَا دَامَ أَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ لَا تُحَرَّزُ فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّاسِ حَسْبَ الْمَادَّةِ (1234) وَيَثْبُتُ لِكُلِّ النَّاسِ حَقُّ الِانْتِفَاعِ فِيهَا حَسْبَ الْمَادَّةِ (1265) (التَّنْوِيرُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ فِي أَوَائِلِ الشُّرْبِ وَالزَّيْلَعِيّ فِي الشُّرْبِ)…

[(الْمَادَّةُ 1265) لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ أَرَاضِيَهُ مِنْ الْأَنْهُرِ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ]

الْمَادَّةُ (1265) - (لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ أَرَاضِيَهُ مِنْ الْأَنْهُرِ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ، وَلَهُ أَنْ يَشُقَّ جَدْوَلًا وَمَجْرًى لِسَقْيِ أَرَاضِيهِ وَلِإِنْشَاءِ طَاحُونٍ لَكِنْ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْمَضَرَّةِ بِالْآخَرِينَ فَلِذَلِكَ إذَا أَفَاضَ الْمَاءُ وَأَضَرَّ بِالْخَلْقِ أَوْ انْقَطَعَتْ مِيَاهُ النَّهْرِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ انْعَدَمَ سَيْرُ الْفُلْكِ فَيُمْنَعُ).

لِكُلِّ أَحَدٍ حَقُّ الشِّرْبِ وَحَقُّ الشَّفَةِ فِي الْأَنْهُرِ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ أَيْ لَهُ سَقْيُ أَرَاضِيهِ، وَذَلِكَ لَوْ أَحْيَا أَحَدٌ مَوَاتًا قُرْبَ النَّهْرِ الْمَذْكُورِ فَلَهُ شِقُّ جَدْوَلٍ وَإِسَالَةُ مَاءِ النَّهْرِ الْمَذْكُورِ إلَى أَرْضِهِ الَّتِي أَحْيَاهَا (شَرْحِ الْمَجْمَعِ فِي الشِّرْبِ) هَذَا إذَا كَانَ الْمَكَانُ الَّذِي فُتِحَ الْجَدْوَلُ مِنْهُ مِلْكًا لَهُ وَلِكُلٍّ أَيْضًا أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ مِنْ النَّهْرِ الْمَذْكُورِ وَأَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَأَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَأَنْ يَشُقَّ جَدْوَلًا وَمَجْرَى فِي مِلْكِهِ أَوْ الْأَرَاضِي الْمَوَاتِ مُجَدِّدًا أَوْ تَزْيِيدًا لِسَقْيِ أَرَاضِيهِ وَإِنْشَاءِ طَاحُونٍ كَأَنْ يَكُونَ لِلْجَدْوَلِ ثَلَاثَةُ مَنَافِذَ فَيُذِيدُهَا وَيَجْعَلُ لَهُ أَرْبَعَةَ أَوْ خَمْسَةَ مَنَافِذَ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الشِّرْبِ).

كَذَلِكَ لَوْ كَانَ نَهْرٌ كَبِيرٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ فِي قُرْبِ كَرْمِ أَحَدٍ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْكَرْمِ إنْشَاءَ سَانِيَةٍ عَلَى النَّهْرِ لِسَقْيِ كَرْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِالْآخَرِينَ فَلَيْسَ لِأَصْحَابِ الْكُرُومِ وَالسَّوَانِي الْوَاقِعَةِ تَحْتَ كَرْمِهِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ بِدَاعِي عَدَمِ رِضَائِهِمْ.

وأنت لا شك تعلم أن #مجلة_الأحكام كانت هي المطبقة في #الدولة_العثمانية أي أن هذه الأحكام المذكورة في الأعلى كانت الدولة تطبقها وتعتمدها، وهذا كله يدل على كيفية تعامل #الدولة_الإسلامية مع الاستفادة من الأنهار العظيمة…

3- إذا كان النهر العظيم واقعاً كله من منبعه إلى مصبه داخل سلطان الدولة الإسلامية فإنه لا يوجد إشكاليات في الاستفادة من مياهه ومن التنقل فيه وفق الأحكام الشرعية التي ذكرنا بعضها في الأعلى… ولا يضر أن يكون النهر جارياً في ولايات متعددة لأن الولايات كلها ضمن سلطان الدولة وتقسيمها ضمن حدود جغرافية معينة هو ناحية إدارية… وإذا اقتضى الانتفاع بالأنهر العظيمة حصول ترتيبات معينة بين الولايات المختلفة فإن الخليفة يتخذ من التدابير الإدارية التنسيقية ما يكفل حصول الانتفاع من الولايات المختلفة على أحسن وجه متيسر…

4- إذا اقتضى تنظيم استعمال النهر العظيم والاستفادة من مياهه أن تتدخل الدولة بوضع تنظيم تفصيلي لذلك فإن الدولة ستضع أنظمة إدارية تنظم أمور السقي والتنقل وغيرها… وفي ظل التطور المادي التكنولوجي الحالي فإن الراجح أن الدولة هي التي ستقوم بتنظيم مشاريع الري وتوصيل المياه إلى البيوت والمزارع وتنظيم حركة السفر والتنقل في الأنهار… وللدولة أن تضع رسوماً على هذه الاستعمالات وعلى الاستفادة منها على أن تضع الربح الناتج عن ذلك في بيت مال المسلمين في باب واردات الملكيات العامة.

5- إذا كانت أجزاء من النهر العظيم واقعة خارج سلطان الدولة الإسلامية فإن الدولة تقوم إذا اقتضى الأمر بعقد اتفاقيات ثنائية مع الدولة ذات العلاقة وفق أحكام الشرع وذلك لتنظيم استعمال النهر دون إخلال بمصالح الدولة الإسلامية ووفق الأحكام الشرعية المتعلقة بالملكيات العامة… وإذا حصل تعد من الدول الأخرى بمنع ماء النهر العظيم عن الدولة الإسلامية أو باستغلاله على نحو يضر بمصلحة المسلمين فإن الدولة تتخذ من الإجراءات السياسية والاقتصادية والعسكرية ما يمكنها من رفع الضرر الحاصل من قبل الدول الأخرى حتى لو وصل الأمر إلى انتزاع الحق بالقيام بحرب ضد الدولة المعتدية.

6- ألفت النظر إلى أن الدول المتشاطئة على أنهار عظيمة لم تكن في العصور السابقة تمنع بعضها بعضاً من الانتفاع بمياه النهر العظيم (النهر الدولي) بل كانت جميع الدول المتشاطئة تستفيد من النهر دون إشكال… ولم تظهر مشاكل الأنهار الدولية إلا في عصر #الاستعمار الغربي الذي اتخذها وسيلة للاستعمار ولممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على الدول الأخرى.

7- إن الحق في #الملكية العامة هو لرعايا الدولة الإسلامية وليس للدول الأخرى، ولذلك فإن الدولة تفرض رسوماً على استعمال الدول الأخرى للأنهار الواقعة ضمن سلطان الدولة الإسلامية ولها أن تبيعها من مياهها أو من الكهرباء المنتجة منها أو نحو ذلك… وتضع الأرباح المتحققة من ذلك في بيت المال لينفق على الوجه الذي تجيزه الأحكام الشرعية.

8- تراعي الدولة في #التنظيمات التي تضعها للانتفاع بالأنهار العظيمة وتقسيم مياهها والتنقل فيها على عدم جفاف تلك الأنهار وانقطاع مجاريها أو تلوث مياهها أو حصول أي ضرر آخر، وتسعى مباشرة إلى إزالة أي ضرر يحصل بشكل غير مقصود… وتعتمد سياسات مائية تتسم بالعدل في تقسيم الحصص المائية وتتسم في الوقت نفسه بالحفاظ على هذه المصادر المائية على أفضل وجه متيسر… وهذا كله غير منفك عن السياسات الاقتصادية والبيئية العامة التي ترسمها الدولة.

9- ويلحق بما سبق ذكره تنظيم الدولة الانتفاع بالثروة السمكية في الأنهر العظيمة وتمكين الناس من الصيد ونحوه …إلخ

إني أمل أن يكون في هذا الجواب المختصر كفاية… وتمام ذلك يكون في حينه إن شاء الله.

الثاني عشر من صفر الخير 1438هـ

الموافق 12/11/2016م

#حزب_التحرير

#أمير_حزب_التحرير #عطاء_بن_خليل_أبو_الرشتة

**‏حكم استعمال ‏كاميرات_المراقبة

وهل تعتبر الصور الملتقطة منها بيّنة‏شرعية؟**

*** السؤال**

(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كل عام وانتم بالف خير عيد مبارك اميرنا الغالي حفظك الله

سؤالى ما حكم كاميرات المراقبة العامة وفي المحلات هل يجوز تجريم الشخص بدليل الكاميرا ان رآه يسرق بواسطه الكاميرا) انتهى.

ألجواب

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

إن سؤالك مكون من شقين: الأول تسأل فيه عن حكم استعمال كاميرات المراقبة، والثاني تسأل فيه عن الصور التي تلتقطها كاميرات المراقبة هل تعد بينة شرعية أو لا؟

أما جواب الشق الأول من السؤال:

فحكم ‏الكاميرات مندرج تحت القاعدة الشرعية “الأصل في الأشياء #‏الإباحة ما لم يرد دليل التحريم” المأخوذة من مثل قوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله:﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، ولم يرد دليل على تحريم الكاميرات فيبقى حكمها الأصلي الإباحة.

لكن الشيء المباح إذا استعمل في عمل محرم فإن هذا الاستعمال يكون حراماً، وذلك وفق ‏القاعدة_الشرعية الكلية «الوسيلة إلى الحرام حرام»، وكذلك قاعدة الضرر الثانية: «كل فرد من أفراد المباح، إذا كان ضاراً أو مؤدياً إلى ضرر، حرم ذلك الفرد وظل الأمر مباحاً».

وعليه فإن كاميرات المراقبة إن استعملت في أمر #‏جائز كمراقبة المحلات التجارية لمنع ‏السرقة، أو في الشوارع لمراقبة حركة السير… ونحوها، فكل هذه الاستعمالات جائزة. أما إن كان استعمالها للتجسس على الناس ومراقبة حركاتهم وسكناتهم، أو للاطلاع على عوراتهم، أو للتصوير داخل بيوتهم… فكل هذه الاستعمالات محرمة لأن #‏التجسس على الناس ومراقبة حركاتهم وسكناتهم حرام لقوله تعالى:﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾، ولما رواه أبو داود في سننه عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ»، ولأن الاطلاع على عورات الناس وعلى حياتهم الخاصة حرام لما رواه مسلم عن أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ»…

وأما جواب الشق الثاني من السؤال:

فإن الصور التي تلتقط عن طريق كاميرات ‏المراقبة لا تصلح شرعاً لأن تكون بينة على ‏الجريمة لأن البينات الشرعية التي دلت عليها الأدلة الشرعية أربعة أنواع فقط وهي: الإقرار، واليمين، والشهادة، والمستندات الخطية المقطوع بها.

ولا توجد بينة غير هذه البينات الأربع ومن أدلتها ما يلي:

  • #*‏الإقرار: ما رواه البخاري عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».

  • *‏اليمين: ما رواه ابن ماجه في سننه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، ادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». وما رواه الدارقطني عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى , وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ»، وفي رواية أخرى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى , وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ».

  • *‏الشهادة: قوله تعالى: ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ).

  • *‏المستندات الخطية المقطوع بها: قوله تعالى: ( وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ).

فهذه هي البينات التي دلت عليها ‏الأدلة_الشرعية، أما ما سواها كالبصمات وتحليل الدم والصور وكلاب الأثر وغيرها فهي لا تعدو أن تكون قرائن يستأنس بها لأنه ليس لها #‏دليل لا من كتاب ولا من سنة فلا تعتبر من البينات الشرعية.

وهكذا فلا تعتبر البينة بينة شرعاً إلا إذا كان هناك دليل على ذلك أو كانت داخلة تحت دليل من الأدلة…

وعليه فإن صور كاميرات المراقبة ليست من ‏البينات، ولكن ذلك لا يعني أنه لا قيمة لها، بل هي كسائر القرائن يؤتنس بها ولكن الائتناس شيء والبينة شيء آخر، فالصور وغيرها مما يمكن أن يؤتنس به أي يجوز استعمالها للإتناس، وذلك كقول القتيل أن فلاناً هو الذي قتله فإنه يؤتنس به ولكن ذلك كله لا يكون بينة على الدعوى، روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا، أَفُلاَنٌ، أَفُلاَنٌ؟

حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِاليَهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالحِجَارَةِ» فالرسول ﷺ حين سأل الجارية من قتلك وسمي لها فلان وفلان فأشارت إلى اليهودي فإنه لم يأخذ قولها بينة ولكنه ائتنس به فجيء باليهودي فاعترف فقتل، فكانت البينة اعترافه وإقراره وليس قول القتيل…

وكذلك سائر القرائن وأمثالها يؤتنس بها ولا تكون بينة شرعية إلا إذا كان هناك دليل شرعي

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 من ربيع الأول 1437هـ ألموافق22/12/2015 مـ

منقول

‏حكم المشاركة في ‏انتخاب حاكم يحكم بالكفر
***‏السؤال: **
(السلام عليكم شيخنا. لي سؤال هل صحيح ان ‏الصحابة الذين هاجروا الى الحبشة قاتلوا مع النجاشي ضد عدو له وتمنوا انتصار ‏النجاشي وفرحوا بغلبته. لأن هذه الحادثة يستدل بها بعض المشايخ في ‏تونس على جواز الانتخابات_البرلمانية والرئاسية
ويدعون الى انتخاب أقل الأحزاب شرا. مع الشكر ) انتهى.
mouadh seif elmi
ألجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
قبل الشروع في الجواب أشير إلى أن ‏المجتهد حين يبحث عن ‏الحكم_الشرعي في أية مسألة فإن عليه بعد فهم واقعها أن يبحث عن أدلتها في النصوص الشرعية ثم يستنبط الحكم الشرعي للمسألة بعد النظر في الأدلة المتعلقة بها… ولا يصح أن يضع رأياً في المسألة ثم بعد ذلك يبحث عن الأدلة التي يمكن أن يستنبط منها الرأي الذي ذهب إليه، وذلك لأن المطلوب شرعاً هو الاحتكام للشرع أي أخذ الحكم من الأدلة لا إعطاء الرأي من عند “المجتهد” أولاً ثم بعد ذلك البحث عن الأدلة المؤيدة لهذا القول، فهذا الفعل ليس اتباعاً للشرع وليس بحثاً عن الحكم الشرعي بل هو اتباع للهوى…

والناظر في أقوال المجيزين للمشاركة في الأنظمة التي تحكم بأحكام الكفر والمجيزين لانتخاب ‏حكام و نواب برلمانات يحكمون بغير شرع الله ويشرعون للناس أنظمة_وضعية بغير هدى من الله، الناظر في أقوال هؤلاء يجدهم يستقْرُون نصوص الشرع ذهاباً وإيابا حتى يقفوا على ما هو دون شبهة الدليل ليؤيدوا قولهم… والعجيب في الأمر أنهم يتركون الأدلة القاطعة المتواترة والمستفيضة في ‏الكتاب_والسنة ويبحثون عن أمور ليست على سواء من أجل تخريج رأيهم…

والآن نجيب على القضية المذكورة في السؤال:

بمراجعة كتب السيرة يتبين أنه لم يثبت ما يدل على أن الصحابة قاتلوا مع النجاشي ضد عدوه، فقد وردت روايات في كتب ‏السيرة حول موقف الصحابة من قضية النجاشي مع أعدائه، وهي متقاربة إن لم تكن متطابقة، وأسوق للسائل هنا رواية الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بعد أن ذكر قصة المسلمين مع النجاشي وأنه أنصفهم، جاء ما يلي:

(… وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ. قَالَتْ: فَوَاللهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ بِهِ - يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ - قَالَ: فَوَاللهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ. قَالَتْ: وَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا، قَالَتْ: وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا، قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ. قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ) انتهى.

وجاء في ألبداية_والنهاية لابن كثير ما يلي:

(… قَالَتْ: فَأَقَمْنَا مَعَ خَيْرِ جَارٍ فِي خَيْرِ دار، فلم نشب أَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ يُنَازِعُهُ في مِلْكِهِ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا حَزِنَّا قَطُّ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، فَرَقًا مِنْ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الْمَلِكُ عَلَيْهِ فَيَأْتِي مَلِكٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعو اللَّهَ وَنَسْتَنْصِرُهُ لِلنَّجَاشِيِّ فَخَرَجَ إِلَيْهِ سَائِرًا فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعضهم لبعض: من يَخْرُجُ فَيَحْضُرُ الْوَقْعَةَ حَتَّى يَنْظُرَ عَلَى مَنْ تكون؟ وقال الزُّبَيْرُ - وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا - أَنَا، فَنَفَخُوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يَسْبَحُ عَلَيْهَا فِي النِّيلِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ إِلَى حَيْثُ الْتَقَى النَّاسُ، فَحَضَرَ الْوَقْعَةَ فَهَزَمَ اللَّهُ ذَلِكَ الْمَلِكَ وَقَتَلَهُ، وَظَهَرَ النجاشي عليه. فجاءنا الزبير فجعل يليح لَنَا بِرِدَائِهِ وَيَقُولُ أَلَا فَأَبْشِرُوا، فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ النَّجَاشِيَّ. قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا [أَنَّنَا] فرحنا بشيء قَطُّ فَرَحَنَا بِظُهُورِ النَّجَاشِيِّ ثُمَّ أَقَمْنَا عِنْدَهُ حتى خرج من خرج منا إِلَى مَكَّةَ، وَأَقَامَ مَنْ أَقَامَ.) انتهى.

فمن أين أخذ هؤلاء أنه يجوز المشاركة في انتخاب حاكم يحكم بالكفر وانتخاب أحزاب لتدخل البرلمانات وتشرع من دون الله، من أين أخذوا جواز ذلك مع أنه ليس في ‏الروايات أن الصحابة شاركوا في القتال، ولا أنه كان لهم القرار في أي أمر، بل كانوا مستضعفين، ولم يزيدوا عن أن أرسلوا أصغرهم سناً ليتتبع الأخبار وينظر لمن تكون الغلبة:

  • فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟

  • “فَقَالَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعضهم لبعض: من يَخْرُجُ فَيَحْضُرُ الْوَقْعَةَ حَتَّى يَنْظُرَ عَلَى مَنْ تكون؟”

فكل ما في الأمر أن الصحابة رضوان الله عليهم أحبوا أن ينتصر النجاشي على عدوه لأنه ملك عادل لا يظلم عنده أحد كما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وكما شاهدوا هم بأنفسهم… وخشية من أن ينتصر عدوه فلا ينصفهم مثلما أنصفهم النجاشي:

“… فَوَاللهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ.”، “…فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا حَزِنَّا قَطُّ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، فَرَقًا مِنْ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الْمَلِكُ عَلَيْهِ فَيَأْتِي مَلِكٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعو اللَّهَ وَنَسْتَنْصِرُهُ لِلنَّجَاشِيِّ…”

فأين في ذلك انتخاب حاكم ليحكم بالكفر أو انتخاب أحزاب للبرلمان لتشرع للناس من دون الله؟ إن الصحابة تمنوا وأحبوا ودعوا الله أن ينصر الملك الذي أنصفهم على عدوه الذي قد لا ينصفهم، ولم يشاركوا بأي شيء يدل على انتخابهم لشخص ليحكم بالكفر أو ليشرع قوانين كفر…
ولذلك فإن بطلان الاستدلال بهذه الحادثة على جواز المشاركة في انتخاب حاكم يحكم بالكفر وانتخاب أحزاب لتشرع للناس من دون الله، هو بطلان ظاهر لا يحتاج إلى كثير علم وتدبر… وبخاصة وأن الأدلة على #‏الحكم_بما_أنزل_الله قطعية الثبوت قطعية الدلالة ومن هذه الأدلة:

قوله تعالى: ï´؟وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَï´¾، ï´؟إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِï´¾، ï´؟فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًاï´¾، ï´؟أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَï´¾… وآيات أخرى.

ثم إن كفار قريش قد عرضوا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يملِّكوه عليهم بشريعتهم دون الإسلام فأبى صلى الله عليه وسلم:

جاء في سيرة ابن اسحاق “السير والمغازي”: (عن عكرمة عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث أخا بني عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، وآخرين… اجتمعوا، أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر ‏الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه… فقالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك… فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا… فقال لهم رسول صلى الله عليه وسلم: ما أدري ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) وجاء نحوه في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (1 / 233… وفي السيرة النبوية لابن كثير (1 / 479 وفي غيرها من السير..

وكذلك فقد عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشتركوا معاً في أمرهم كله، بعضه منهم وبعضه منه صلى الله عليه وسلم، فيعبدوا إلهه سنة ويعبد إلههم سنة فأبى صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون الإسلام وحده:

جاء في تفسير القرطبي لسورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ):

(ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَالْعَاصَ ابن وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُدُ، وَتَعْبُدُ مَا نَعْبُدُ، وَنَشْتَرِكُ نَحْنُ وَأَنْتَ فِي أَمْرِنَا كُلِّهِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمَّا بِأَيْدِينَا، كُنَّا قَدْ شَارَكْنَاكَ فِيهِ، وَأَخَذْنَا بِحَظِّنَا مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي بِأَيْدِينَا خَيْرًا مِمَّا بِيَدِكَ، كُنْتَ قَدْ شَرِكْتَنَا فِي أَمْرِنَا، وَأَخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ…) انتهى

وجاء في تفسير الطبري “جامع البيان” لسورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ):

(حدثني محمد بن موسى الحَرشي، قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم… فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: “ما هي؟” قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: “حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي”، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ) انتهى

وجاء في فتح القدير للشوكاني في تفسير (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ):

(أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ قُرَيْشًا دَعَتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ … فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خَصْلَةً وَاحِدَةً وَلَكَ فِيهَا صَلَاحٌ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالُوا: تَعْبُدُ آلِهَتَنَا سَنَةً وَنَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً، قَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَأْتِينِي مِنْ رَبِّي، فَجَاءَ الْوَحْيُ مِنْ عند الله قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ إِلَى قَوْلِهِ: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ…) انتهى

وكل هذه أدلة صريحة في النهي الجازم الشديد عن الحكم بغير ما أنزل الله، وعن كل اشتراك في ذلك الحكم، ولا يقف في وجه هذه ‏الأدلة الصريحة إلا من عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عصياناً صراحاً، وأية حجة له غير ذلك هي حجة داحضة تورثه الخزي في ‏الدنيا، ولعذاب الله أكبر.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

24 من ربيع الثاني 1437هـ ألموافق03/02/2016م
منقول

قاعدة الضرورات تبيح المحذورات
السؤال: (شيخي الحبيب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وددت ان اسألك عن ‏القاعدة_الشرعية التي تقول : "‏الضرورات تبيح ‏المحظورات .. "فما المقصود الشرعي من كلمة الضرورات؟ وسأذكر حالتين لأبين مقصدي :
الاولى هي فتوى للشيخ يوسف القرضاوي في اباحة "خلع ‏الحجاب في المدارس_الأجنبية بقصد ‏التعليم "وعد ذلك من الضرورات .
الحالة الثانية : توليد ‏النساء من قِبل اطباء ذكور .
وإن قلنا ان الضرورات فقط تعني حصول موت وهلكة .. فلماذا اذاً يكشف الاطباء الذكور على النساء الحوامل ويولدوهن في بعض الاحيان وهذا من مقتضيات الضرورة لعدم وجود انثى مثلاً…
ونجد ان الضرورة اذا قلنا عنها الموت لم تتحقق في الحالتين .. في التعليم والولادة
وبارك الله فيك وجزيت الجنة) انتهى.

الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:
لقد أخذ بعض العلماء بقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” وقد استدل القائلون بهذه القاعدة بأدلة من مثل قوله تعالى: الآية 173 من سورة البقرة: ï´؟إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌï´¾، وقوله تعالى: الآية 3 من سورة المائدة: ï´؟فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌï´¾، وقوله تعالى: الآية 115 من سورة النحل: ï´؟إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌï´¾.

والناظر في هذه القاعدة يتبين له أنها غير صحيحة:
إن الأدلة التي ساقها القائلون بهذه القاعدة لا تدل على ما ذهبوا إليه، بل غاية ما تدل عليه أنه يجوز عند الاضطرار الأكل من الميتة وأمثالها بسبب #‏الجوع: ï´؟فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍï´¾ والمخمصة هي الجوع والمجاعة القريبة من الهلاك…
فعندها يجوز له أن يأكل من الحرام… و #‏الاضطرار كما هو واضح في الآية مقيد بالمجاعة ولا يتعداها فاللفظ ليس عاماً أو مطلقاً حتى يتعدى مدلوله بل هو مقيد بالمجاعة.

وفي بعض شروح هذه المادة عند القائلين بها يجعلونها كالرخص، ولكن حتى #‏الرخصة فهي تحتاج إلى نص لا أن يحددها #‏العقل دون نص… فمثلاً الفطر في #‏رمضان خلال السفر أو عند المرض رخصة، وذلك لورود النص كقوله تعالى: ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرï´¾. وهكذا كل الرخص لورود النص.

وعليه فإن هذه القاعدة غير صحيحة بإجرائها على العموم كما هو نصها عند القائلين بها. والصحيح الذي تدل عليه الأدلة التي استند إليها القائلون بهذه القاعدة هو أنه يرخص للمسلم أن يأكل أو يشرب ما حرم الله من المطعومات المحرمة في حالة الاضطرار، ولا تدل على غير ذلك.

والرخصة عند الضرورة في حالات أخرى تحتاج إلى أدلة أخرى.

ومن الجدير بالذكر أن هذه القاعدة أصبحت في عصرنا هذا تُكَأَة لإباحة كل محرم بجعل كلمة الضرورات كلمة فضفاضة يدخل تحتها كثير من الأمور وفق تفسيرهم للضرورة التي يرونها حتى كثر الوقوع في الحرام باسم الضرورة!.

وأما الأمثلة المذكورة في السؤال التي يجيزونها بحجة ‏قاعدة_الضرورات_تبيح_المحظورات، فإنها لا تجوز، فالمرأة المسلمة البالغة مكلفة شرعاً بلبس ‏الخمار، ولا يجوز لها أن تخلع خمارها بحجة الدراسة في المدارس الأجنبية، بل عليها إذا أرادت الدراسة ولم يتيسر لها في المدارس الأجنبية أن تبحث عن مدارس أخرى تسمح لها بلبس الخمار والجلباب، أو تعتمد وسيلة أخرى للدراسة، أو تهاجر مع محرمها إلى بلد يتيسر لها فيه الدراسة… دون أن تخلع خمارها، لأنه لا توجد أدلة تجيز للمرأة البالغة أن تخلع خمارها من أجل الدراسة، والتعلم.

وأما اطلاع الطبيب على ‏عورة_المرأة لعلاجها فإنه أيضاً ليس مندرجاً تحت قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، بل تدل عليه أدلة جواز ‏التداوي كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ قَالَ: دَوَاءً إِلَّا دَاءً وَاحِدًا » قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «الهَرَمُ»

ولا شك أن كشف العورة من مستلزمات التداوي في كثير من الحالات، وتنطبق عليها أدلة جواز التداوي، وفي هذه الحالات فإن الكشف يكون للمواضع التي تلزم للعلاج والتداوي ولا يجوز أن يكون الكشف عن غيرها من مواضع العورة، أي فقط عن مكان التداوي اللازم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

16 من ربيع الثاني 1437هـ ألموافق26/01/2016م
منقول
.

حكم من أتى عرافا

**

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وفقك الله وسائر حاملي هذه الكلمة الباقية بإذنه لما يحب ويرضى.

هناك من يقول بأن استدلال الحزب وبعض الفقهاء على أن تأخير دفن نبي الهدى عليه الصلاة والسلام هو الدليل على وجوب البيعة غير صحيح، وإنما كان لأسباب أخرى كإمهال المسلمين لحضور الجنازة و… بل إن الدليل هو أنه بمجرد موته صلى الله عليه وسلم قاموا لتنصيب إمام وهذا دليل على وجوب البيعة وليس التأخير في الدفن. فلا علاقة للتأخير بالبيعة!! فهلا أوضحت لنا ذلك بشكل تفصيلي؟؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

يا أخي قبل جوابك عن تأخير الدفن… أذكر لك بعض الأمور الأصولية عن الأحكام الشرعية:

الأصل في الأمر الشرعي، سواء أكان قولاً أم فعلاً، أنه يفيد الطلب ويحتاج إلى قرينة تبين نوع الطلب، فإن كانت القرينة تفيد الجزم كان الطلب جازماً أي فرضاً، وإن كانت القرينة لا تفيد الجزم ولكن تفيد ترجيح الخير فيه فيكون الطلب غير جازم، أي ندباً، وإذا كانت القرينة تفيد التخيير فيكون الطلب على الإباحة.

وهذا ينطبق على كل نص شرعي سواء أكان نصاً ?قولاً? في كتاب الله سبحانه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أم كان فعلاً للرسول صلى الله عليه وسلم، أم كان فعلاً أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم، أم كان إقراراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم…:

1- مثلاً: قول الله سبحانه ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فهنا أمر ﴿فَانْتَشِرُوا﴾، أي طلب بالخروج من المسجد بعد صلاة الجمعة، ونبحث عن القرينة لنرى إن كان الانتشار أي الخروج من المسجد بعد انتهاء الصلاة فرضاً أم ندباً أم مباحاً… فنجد أن المسلمين كانوا بعد انتهاء صلاة الجمعة، منهم من يخرج فوراً ومنهم من يجلس قليلاً أو كثيرا… وكان ذلك بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم… أي أن من يخرج أو يجلس سواء، وهذا يدل على أن ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ أمر يفيد الطلب على الإباحة.

2- ومثلاً: الوقوف للجنازة:

أخرج النسائي في سننه قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَامَ» وَقَالَ عَمْرٌو: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ». فهنا قام الرسول صلى الله عليه وسلم لجنازة مرت عليه، وهذا الفعل يفيد الطلب بالقيام، ثم نبحث عن قرينة لمعرفة إن كان هذا الطلب للجزم فيكون فرضاً أو غير الجزم مع الترجيح فيكون ندباً، أو للتخيير فيكون للإباحة، فنجد في سنن النسائي عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ: «أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ؟» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَعَمْ، ثُمَّ جَلَسَ صلى الله عليه وسلم». وهذا يدل على أن القعود والجلوس على التخيير، أي على الإباحة.

وهكذا البيعة في السقيفة، فهي فعل أجمع الصحابة عليه، فيدل على الطلب ببيعة الخليفة إذا شغر مركز الخلافة، ولتقرير أن هذا الطلب فرض أو مندوب أو مباح، فإننا نبحث عن القرينة، فنجدها تفيد الجزم لأن الصحابة قدَّموا البيعة على دفن الميت وهو فرض، وهذا يعني أن البيعة هي فرض وأهم من فرض دفن الميت.

ولهذا فإن الدليل على أن بيعة الخليفة إذا شغر مركز الخلافة هو فرض، الدليل على ذلك هو تأخير دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تمت البيعة، ولأن دفن الميت فرض فإذن الذي جُعل أولى منه هو فرض.

وهكذا فإن تأخير الدفن إلى أن تمت البيعة، هو الذي بيَّن أن بيعة الخليفة واجبة وفرض وأي فرض.

هذا من الناحية الفقهية.

أما القول إن تأخير الدفن لا علاقة له بالبيعة، بل إمهال المسلمين لحضور الجنازة، فهذا أمر بعيد عن الواقع الذي حدث، فخبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان حدثاً صارخاً سمع به المسلمون في المدينة وحولها، والمسلمون تقاطروا للمدينة وللمسجد ولكنهم انشغلوا بالبيعة لأبي بكر انعقاداً وطاعة… وإليك تسلسل الأحداث كما وردت في السير:

فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين، وبقي دون دفن ليلة الثلاثاء ونهار الثلاثاء حيث بويع أبو بكر رضي الله عنه، ثم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وسط الليل، ليلة الأربعاء، وبويع أبو بكر قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك إجماعاً على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الميت، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت.

ولذلك فتأخير الدفن لم يكن ليجتمع المسلمون للجنازة، بل هم كانوا مجتمعين وبخاصة الصحابة، ولكنهم انشغلوا بالبيعة، فلما فرغوا منها انعقاداً وطاعة اشتغلوا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى؟ في وسط الليل بعد الفراغ من البيعة، ولو كان التأخير لأجل تجمع الناس للجنازة، لكان في نهار الاثنين أو ليلة الثلاثاء أو نهار الثلاثاء… ولكنهم انتظروا اكتمال البيعة لأبي بكر انعقاداً وطاعة، وبعد أن انتهت بادروا فوراً إلى الاشتغال بدفن الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء.

ولذلك فإنه بالتفكر والتدبر لتأخير الدفن يتبين أنه لم يكن لأي سبب سوى سبب الفراغ من بيعة أبي بكر انعقاداً وطاعة، فهو إذن من صميم العلاقة بالبيعة.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

22 من ربيع الثاني 1435 الموافق 23/02/2014م

بسم الله الرحمن الرحيم

المرأة و تولي القضــاء

هاني عقده كتب:
**السؤال :

(اخي الكريم حفظه الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

هذا الموضوع يتناوله كثير من الشباب .

موضوع ان تكون المرأة قاضيا ، المقصود هنا ان تتولى منصب القضاء ، هذا الامر لابد من اعادة النظر فيه ، ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده والتزام الامة بذلك من بعدهم وعلى مدى تاريخها الطويل لم تعرف هذا الامر ، ومنذ قيام الدولة الاسلامية الاولى الى نهاية الدولة العثمانية لم يكن فيها ان امرأة تقلدت منصب القضاء… ويؤخذ بعين الاعتبار عند استنباط حكم تولى المرأة منصب القضاء واقع القضاء والتصدر له، وواقع الحياة العامة ووجود المرأة فيها… فاذا كانت لاتخرج من البيت الا باذن زوجها… واذا كان لايحل لها الخلوة بالخصوم فمن باب اولى ان لاتكون قاضيا بينهم…) انتهى.**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- إن السنة هي قول الرسول صلى الله عليه و سلم وفعله وتقريره صلى الله عليه و سلم لقول أو فعل… وهذه كلها في الدلالة سواء إذا صحت وانطبقت على المسألة.

نعم إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم دليل شرعي، وهو يصلح لبيان ما أجمل في النصوص الشرعية، ولكن هناك أصولا متبعة في كيفية الاستدلال بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فعدم قيامه صلى الله عليه وسلم بالفعل لا يصلح دليلاً على الحرمة بل لا بد من قيام دليل آخر أو قرينة تدل على أن عدم قيامه صلى الله عليه وسلم بالفعل يفيد حرمة هذا الفعل. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرشح الخليفة من بعده، فلم يفهم الصحابة رضوان الله عليهم حرمة ذلك بل طلبوا من أبي بكر أن يرشح من بعده، فرشح عمر رضي الله عنهم أجمعين… لأن عدم فعل الرسول صلى الله عليه و سلم لذلك الأمر لم يصحبه دليل أو قرينة على أن فعله حرام، أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ أَلاَ تَسْتَخْلِفُ؟ قَالَ: «إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». وهكذا كل أمر لم يفعله الرسول صلى الله عليه و سلم فلا يعني أن فعله حرام إلا إذا كان هناك دليل أو قرينة تفيد التحريم.

ومثل ذلك عدم تولية النبي صلى الله عليه وسلم النساء في القضاء، فإن هذا بمجرده لا يدل على الحرمة، بل لا بد من أن ينضم إليه دليل أو تقترن به قرينة تدل على الحرمة، فلا الدليل موجود ولا القرينة قائمة، وهكذا.

وعليه فلا يفهم من عدم فعل الرسول صلى الله عليه و سلم لأمر أنه حرام إلا بوجود دليل أو قرينة.

2- أما القيود التي ذكرتها على المرأة في أنها (أم وربة بيت وعرض يجب أن يصان، وما يعتريها من الأعذار الطبيعية ما تمتنع معه عن كثير من التكاليف الشرعية… فإذا كانت لا تخرج من البيت إلا بإذن زوجها… وإذا كان لا يحل لها الخلوة بالخصوم فمن باب أولى أن لا تكون قاضيا بينهم…).

فهذه لا تؤثر في جواز القضاء لها، فالحكم الشرعي لا ينص على أن تولي القضاء فرض عليها، بل هو جائز لها، وهي أدرى بظروف بيتها وقدراتها… ثم إن جميع هذه الأمور ليست شرط انعقاد ولا شرط صحة في القاضي ولا في موضوع القضاء، حتى إن الخلوة مع الخصوم التي ذكرتها وكأنك تشير إلى أنها من تمام التحقيق في القضية، فهي ليست كذلك، وإلا لكان القاضي الرجل لا يجوز له القضاء، لأن الخصوم ليسوا كلهم رجالاً، بل فيهم نساء كذلك، فكما لا يجوز للمرأة القاضية أن تختلي بالرجل المتقاضي، فكذلك لا يجوز للقاضي الرجل أن يختلي بالمرأة المتقاضية، هذا فضلاً عن أن الخلوة ليست ضرورية لجلاء القضية، بل عادة يكون في المجلس آخرون مثل كاتب القضاء والشهود والمحارم… ونحو ذلك.

3- إن النصوص الشرعية واضحة في جواز تولية المرأة القضاء لفصل الخصومات بين الناس وكذلك قضاء الحسبة، وحتى تتضح الأدلة وانطباقها على مسألة تولية المرأة القضاء كما ذكرنا آنفاً، أعيد عليك بعض الأمور التي سبق أن وضَّحتها على هذه الصفحة، وذلك ليسهل فهم النصوص الشرعية واستنباط الحكم منها:

أ- هناك أسلوب في اللغة العربية اسمه أسلوب “التغليب”، وهو معروف في أصول الفقه لمن كان عنده علم فيه، وهو يعني أن الخطاب إذا كان بصيغة المذكر أو بصيغة الرجل فإنه ينطبق كذلك على صيغة المؤنث بالتغليب، ولا تخرج منه المرأة إلا بنص يخرجها منه:

فمثلاً قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فتدخل فيه المؤمنات حتى وإن كانت الآية بصيغة المذكر، لأنه لم يرد نص يخرج المرأة من هذا الحكم.

ومثلا ما أخرجه البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ». فهو ينطبق على المرأة كذلك بأسلوب التغليب، أي (أَيُّمَا امرأة أَعْتَقَت امْرَأً مُسْلِمًا…).

لأنه لم يرد نص يخرج المرأة من هذا الحكم.

ومثلا حديث النسائي في زكاة الإبل… عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَجْدَتُهَا وَرِسْلُهَا؟ قَالَ: «فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنِهِ وَآشَرِهِ، يُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، إِذَا جَاءَتْ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ…»

فهو ينطبق على المرأة بأسلوب التغليب إذا لم تزكِّ ما تملكه من الإبل. لأنه لم يرد نص يخرج المرأة من هذا الحكم.

  • ومثلاً: قوله تعالى: (َأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، فالصلاة والزكاة وطاعة الرسول صلى الله عليه و سلم فرض على الرجل والمرأة. لأنه لم يرد نص يخرج المرأة من هذا الحكم.

  • ومثلاً قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

فالعمل السياسي في كتلة تدعو للإسلام وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر يشمل الرجل والمرأة. لأنه لم يرد نص يخرج المرأة من هذا الحكم.

  • ومثلا: أخرج البخاري في صحيحه عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».

فهذا يشمل الرجل والمرأة لأنه لم يرد نص يخرج المرأة من هذا الحكم.

ب- لكن أسلوب “التغليب” هذا لا يُعمل به إذا عُطِّل بنص أي إذا خُصص بنص يخرج المرأة من عمومه:

فمثلاً قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾، فالخطاب هنا بصيغة المذكر، ويفيد فرض الجهاد، ولكن لا يستعمل التغليب هنا، فلا يقال إن هذا يشمل النساء بأسلوب التغليب بلفظ “كتب عليكن القتال”، لأن هذا معطل بنصوص أخرى تجعل الجهاد فرضاً على الرجال، فقد أخرج ابن ماجه عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أم المؤمنين رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ». أي أن الجهاد بمعناه القتالي ليس فرضاً على المرأة.

ومثلاً: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، وهذا النص يفيد فرض صلاة الجمعة ووجوب السعي لها إذا كان النداء، وهنا لا يعمل أسلوب التغليب أي لا يطبق فرض الجمعة على النساء، لأن نصا ورد يخصص فرض الجمعة بالرجال ويخرج النساء من هذا الفرض لقوله صلى الله عليه و سلم فيما أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةٌ: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ»، وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ووافقه الذهبي.

ومثلاً: قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، فإنه خطاب عام يشمل الرجل والمرأة، حتى وإن كان بصيغة المذكر، وذلك وفق أسلوب التغليب. ولكن هذا العموم خُصص بغير النساء في الحكم، فقد أخرج البخاري عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً». أخرجه البخاري عن أبي بكرة، وبناء عليه فلا يجوز للمرأة تولي الحكم لأن “ولاية الأمر” تعني الحكم. وإذن فأن تكون المرأة حاكماً لا يجوز، أي أنها تخرج من النص العام بالنسبة للحكم، وهذا لا يعني أنها أقل إدراكاً أو تفكيراً من الرجل، بل هو لحكمة يعلمها الله فيها خير للرجل والمرأة على السواء.

ج- وهناك أحاديث تخاطب الرجل والمرأة بأمور، ثم يخصص بعضُها بالرجل دون المرأة، وتبقى الأمور الأخرى شاملة للرجل والمرأة:

أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».

إن هذا الحديث ينطبق بأسلوب التغليب على المرأة بالنسبة لخمسة من السبعة التي لم تعطَّل بنصوص أخرى، فينطبق على شابة نشأت في عبادة ربها… وعلى امرأتين تحابتا في الله… وامرأة طلبها رجل… وامرأة تصدقت… وامرأة ذكرت الله خالية ففاضت عيناها…

ولكن هذا الأسلوب لا ينطبق على الإمام العادل، ورجل معلق قلبه في المساجد لأنهما معطلان بنص، أي خرجت المرأة في حالتين من هذا الحكم كما يلي:

أما “الإِمَامُ العَادِلُ” فهنا أسلوب “التغليب” لا يعمل لأن المرأة لا تتولى الحكم كما قال صلى الله عليه و سلم في حديث البخاري عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ، قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى، قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»، فولاية الأمر، أي الحكم لا يجوز من المرأة، وأما غير الحكم كالقضاء وانتخاب الخليفة وأن تنتخب وتنتخب في مجلس الأمة، وغيرها من الوظائف المشروعة التي ليست من الحكم فجائزة لها… وهذا يعني أن كلمة “الإمام العادل” لا تشملها، لأنها لا تتولى الحكم لحكمة يعلمها الله سبحانه.

ومع ذلك فهناك بعض المفسرين من تأول “الإمام العادل” بمعنى الراعي العادل، فطبَّقها على المرأة وفق نص الحديث الذي أخرجه البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا…». ولكن الأرجح أن التغليب هنا لا يعمل حيث إن كلمة “الإمام العادل” راجحة في الحاكم، فلا تطبق على المرأة.

وأما “وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ” فمعطلة بالنص الذي يفيد أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أخرجه أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي».

ولكمال الفائدة، فإني أذكر لك ما جاء في تفسير فتح الباري لابن حجر لحديث البخاري المذكور، وبخاصة خاتمة تفسير الحديث، وهذا نصها:

(…ذِكْرُ الرِّجَالِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ يَشْتَرِكُ النِّسَاءُ مَعَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ إِلَّا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْعَادِلِ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى وَإِلَّا فَيُمْكِنُ دُخُولُ الْمَرْأَةِ حَيْثُ تَكُونُ ذَاتَ عِيَالٍ فَتَعْدِلُ فِيهِمْ، وَتَخْرُجُ خَصْلَةُ مُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْمُشَارَكَةُ حَاصِلَةٌ…) انتهى

وعليه فحديث السبعة ينطبق كذلك على المرأة إلا بالنسبة للإمام العادل، والمعلق قلبه في المساجد، فلا ينطبق على المرأة، لأن أسلوب التغليب في هاتين الحالتين معطل بنص.

4- والآن نذكر النصوص المتعلقة بالقضاء لنرى إن كانت تشمل الرجل والمرأة، أو هي مخصصة بالرجل دون المرأة:

  • أخرج البخاري عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ، وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ»

  • أخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ. قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ مُتَعَمِّدًا فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» “هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ”

  • وأخرج الطبراني في المعجم الكبير عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، قَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ يَعْلَمُ، فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ، فَذَلِكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ، فَذَاكَ فِي الْجَنَّةِ».

  • وأخرج الترمذي في سننه عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالحَقِّ فَذَلِكَ فِي الجَنَّةِ.”

  • وأخرج ابن ماجه في سننه عن ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ، اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ».

  • وأخرج البزار في مسنده عَن ابْنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم قَالَ: « الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ قَاضٍ قَضَى بِجُورٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ بِالْحَقِّ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ».

  • وأخرج معمر بن راشد في جامعه عن عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضٍ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ رَأَى الْحَقَّ فَقَضَى بِغَيْرِهِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فِي الْجَنَّةِ»

وبالنظر في هذه الأحاديث نجدها بصيغة المذكر أو بلفظ رجل، فتشمل الرجل والمرأة إلا أن تخرج المرأة منها بنص صحيح، وليس هناك تخصيص لهذه الأحاديث بالرجال، كما خصصت ولاية الأمر “الحكم” بالرجال، ولذلك فيشمل الحكم الرجال والنساء، فيجوز للمرأة أن تكون قاضياً لفصل الخصومات بين الناس أو في قضاء الحسبة.

أما قضاء المظالم الذي ينظر في عزل الحاكم، فهو تابع لعدم تولية المرأة الحكم، ولذلك، فلا يجوز للمرأة تولي قضاء المظالم، أي القضاء الذي له صلاحية النظر في عزل الحاكم إذا كان هناك ما يستوجب عزله.

وكل هذا يدل بوضوح على أن تولي المرأة القضاء “القضاء العادي، وقضاء الحسبة”، هو أمر يجوز للرجل ويجوز للمرأة كذلك.

5- وفي الختام، فإن إلقاء نظرة سريعة على واقع النساء زمن النبي صلى الله عليه وسلم تري صورة مختلفة كلياً عما يوحي به السؤال، فإن النساء كن يخضن غمار الحياة كالرجال، فيقمن بالصراع الفكري والكفاح السياسي، وأول شهيدة في الإسلام هي المرأة سمية التي حملت الدعوة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأم عمارة وأم منيع كانتا ممن بايع الرسول صلى الله عليه و سلم بيعة النصرة في العقبة الثانية إلى جانب الرجال، ويداوين جرحى المعارك، ويقمن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحاسبن الخليفة… لقد كن بحق شقائق الرجال، ولكن ذلك كله كان ضمن الأحكام الشرعية التي نظمت علاقة الرجال بالنساء، ولم تكن النساء جهداً معطلاً ولا ملازمات البيوت لا يخرجن منها أبداً.

وخاتمة الختام، فإن أجمل تصوير لواقع النساء في الحياة الإسلامية قوله تعالى:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

وقوله تعالى:

(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

12 من شعبان 1435هـ الموافق 18\06\2014م

منقول

بيع الذهب

**السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كما تعلمون أخي الكريم أن بيع الذهب لا يصح فيه الأجل فهو يد بيد وهاك وهاك، كما ورد في الحديث? هل ينطبق هذا على الحُلي؟

مرد هذا السؤال للواقع التالي:

إن الذهب الذي يُباع كحُلي هو من العيار 18 وليس العيار24…

فالعيار 24 هو ذهب خالص بنسبة تصل إلى 99.9 مما يصعب معه صياغته، أما العيار 18 فهو عبارة عن 75%من الذهب والباقي معدن كالنحاس أو الحديد مما يجعله قابلا للصياغة، بل صار يمكن تلوبن الذهب بحسب نوع المعدن المضاف، ثم عند بيع هذه الحُلي يضيف عليها الصائغ فوق سعر الذهب فيها بناء على الوزن، يضيف ثمن الصياغة؟

فهل تعتبر الحُلي في هذه الحالة سلعة مثلها كمثل أي سلعة فيها ذهب، يصح فيها البيع بالدَّين أو الأجل؟ أم ما زال ينطبق عليها كونها ذهباً بغلبة الذهب فيها بمقدار الثلاثة أرباع أو 75% ؟

ومسألة أخرى عندما يبيع الصائغ حُلياً لنقل مثلاً إسورة، يكون فيها قطعة صغيرة كالقفل مثلا وهو ليس من الذهب، فقد يكون من البلاتين أو الزركون أو ما شابهها ، توزن مع المصاغ، وتحسب في الوزن، وتضرب بسعر الذهب، أي تباع على أنها من الذهب،

فهل يصح هذا إذ هي قطعة صغيرة جداً؟ أم يجب فصل سعرها؟ أو اعتبارها من أجر الصياغة؟ أم ماذا ترون؟

بارك الله بكم وجزاكم عنا كل الخير، وسامحونا على إشغالكم…**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

قبل الجواب فإني ألفت نظرك إلى أن #‏أحكام الصرف للأصناف الربوية لا تراعى فيها جودة الصنف ورداءة الصنف الآخر… والأصناف الربوية هي الواردة في الحديث الذي أخرجه النسائي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال:

«الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهُ وَعَيْنُهُ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهُ وَعَيْنُهُ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى»

فإذا بعت الصنف الربوي من هذه الأصناف بجنسه فيجب أن يكون مثلاً بمثل مهما كانت الجودة، فرطل من التمر الجيد لا يجوز أن يُستبدل برطلين من التمر الرديء، وصاع من القمح الجيد النقي لا يجوز أن يُستبدل بصاعين من القمح الرديء غير النقي، وهكذا الشعير والملح، وكذلك الذهب فسبيكة من الذهب النقي لا يجوز أن تستبدل بسبيكة ونصف من الذهب غير #‏النقي بل مثلاً بمثل، أي بالوزن نفسه.

هذه الأحكام الخاصة بالصرف تختلف عن أحكام التعاملات الأخرى بالذهب في مواضيع أخرى. فمثلاً الزكاة يعتبر فيها الذهب الخالص والفضة الخالصة، فزكاة سبيكة من ذهب 24 تختلف عن زكاة سبيكة بالوزن نفسه من ذهب 18 بل يقدر الذهب #‏الصافي عند حساب النصاب فيكون نصاب الذهب 24 هو 85 غم، ولكن نصاب الذهب 18 أكثر من ذلك لأنه مخلوط بمواد غير ذهبية بنسبة الربع، أي أن الذهب عيار 18 فيه ذهب صافٍ يعادل ثلاثة أرباع الذهب عيار 24، وعليه فالنصاب من ذهب 18 هو مرة وثلث من نصاب الذهب الصافي أي 113.33 غم، وعليه فإن الذي يملك 85 غم من الذهب الصافي 24 يكون قد ملك النصاب، فإذا مضى عليه الحول يدفع زكاته 2.5% من وزنه، ولكن الذي يملك 85 غم من الذهب 18 لا يملك النصاب إلى أن يصبح ما يملكه 113.33 غم، فإذا مضى عليه الحول يدفع زكاته 2.5% من وزنه، وواضح هنا أن العبرة في الزكاة هي بالذهب الصافي.

أما بالنسبة للصرف فأحكامه خاصة به… فمهما كان الصنف الربوي، نقياً أو غير نقي، جيداً أو رديئاً، خالصاً أو مغشوشاً مخلوطاً به غيره… فيجب أن يكون مثلاً بمثل ما دام #‏البيع للصنف الربوي هو بجنسه، ولكن على شرط أن يكون النقي وغير النقي مخلوطين ببعضهما، أي غير مفصولين عن بعضهما، ويكون الأغلب في الخليط هو الذهب، فيطلق عليه مسمّى الذهب.

والدليل على ذلك ما رواه أبو سعيد قال: جَاءَ بِلَالٌ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟» فَقَالَ بِلَالٌ: "تَمْرٌ كَانَ عِنْدَنَا رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عِنْدَ ذَلِكَ: «أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ» أخرجه مسلم. وروى أيضاً أبو سعيد وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» ، قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» متفق عليه. وهذا ينطبق على جميع الأصناف الربوية.

جاء في النظام الاقتصادي صفحة 264 ما يلي:

(وإذا اشترى رجل من رجل ديناراً صحيحاً بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى ديناراً صحيحاً بدراهم فضة، ثمّ اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز…

لما روى أبو سعيد قال: «جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني، فقال رسول الله ﷺ: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثمّ اشتر به» رواه مسلم. وروى أيضاً أبو سعيد وأبو هريرة: «أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جَـنِيبٍ، فقال رسول الله ﷺ: أكلّ تمر خَـيْبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله ﷺ: لا تفعل، بع الجـَمْعَ بالدراهم، ثمّ ابتع بالدراهم جَنِيباً» متفق عليه.) انتهى

وواضح من كل ذلك أن الأصناف الربوية في موضوع الصرف تكون مثلاً بمثل مهما كانت جودتها ما دام يطلق عليها الاسم الوارد في الحديث، سواء أكانت ذهباً بذهب أم فضة بفضة، أم براً ببرٍ أم شعيراً بشعير أم تمراً بتمر أم كانت ملحاً بملح.

وبناء عليه فيكون جواب سؤالك كما يلي:

1- الحلي المصنوعة من الفضة أو من الذهب مهما كان عيارها فعند استبدالها بجنسها يجب أن يكون مثلاً بمثل، فمثلاً استبدال ذهب رشادي بأسورة أو …إلخ سواء أكان العيار 21 أم 18، فيجب أن يكون مثلاً بمثل، ولا تصح الزيادة، سواء أكانت مصنعية أم ربحاً… فلا يجوز.

والحل في مثل هذه الحالة - إن لم يرد البائع أو المشتري مثلاً بمثل - هو أن تباع قطعة الذهب بالنقد ثم يُشترى بالنقد أسورة أو #‏عقد أو أي نوع آخر.

2- عند شراء أسورة ذهبية ويكون فيها قطعة “قفل” من غير الذهب غير مخلوط بها، بل يمكن فصله عنها، فإذن يُفصل ويوزن الذهب وحده، ويباع وحده بجنسه مثلاً بمثل، وتلك #‏القطعة تباع وحدها بالسعر الذي يُتفق عليه.

هذا إذا كان شراء الأسورة الذهبية بذهب.

أما إذا أردت أن تشتري أسورة من الذهب وفيها قطعة أخرى من غير الذهب، وتريد أن تشتريها بالنقد فلك أن تتفق معه بأي #‏سعر تتراضيا عليه، فإن وزنها لك كلها بسعر اتفق معك عليه فلا بأس، لأن البيع هنا لجنسين مختلفين، أي تريد أن تشتري أسورة بنقد ورقي، فهنا له أن يزن كل الأسورة بما هو مخلوط فيها ويبيعك إياها بالسعر الذي تتفق أنت وهو عليه ما دمت تشتري #‏الأسورة بنقد غير الذهب

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

15 من شوّال 1436 هـ ألموافق2015/07/31م

منقول

**الأسئلة: السلام عليكم،،، عندي سؤالان:

الاول:هل مصطلح الخلافة للدولة الاسلامية هو مصطلح فقهي فرضه الله على هذه الدولة أم هو مصطلح سياسي؟

الثاني: من المعروف في الاسلام ان العبد اذا عصى فاقام عليه الخليفة الحد او القصاص او التعزير سقط عنه عذاب المعصية يوم القيامة السؤال هنا:

اليوم ونحن نخضع لحكم جبري علماني ونعيش في دار كفر اذا اذنب العبد فعوقب بعقوبة صادرة عن القانون الوضعي كأن (يقتل فيقتل) أو (يسرق فيسجن) مع العلم ان جزاء السرقة قطع اليد هل يسقط عنه وزر هذه المعصية يوم القيامة؟؟

وجزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير**

الأجوبة:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

بالنسبة للسؤال الأول، فإن نظام الحكم الذي فرضه الله على الأمة هو الخلافة، ومن ثم فهي مصطلح فقهي، أي حقيقة شرعية، وكذلك فإن الخلافة هي نظام حكم، أي فيها أعمال سياسية يقوم بها الخليفة، وتفصيل ذلك:

1- إن الخلافة هي مصطلح فقهي “حقيقة شرعية” لأن النصوص الشرعية دلت على ذلك، ومن هذه النصوص:

  • يقول سبحانه وتعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

  • وأخرج أحمد وأبو داود الطيالسي عن حذيفة بن اليمان قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ فِي النُّبُوَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، ثُمَّ سَكَتَ.

  • وأخرج الشيخان مسلم عن أبي حازم قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».

  • وأخرج مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا».

فالنصوص الشرعية بينت أن النظام “خلافة” والحكام في هذا النظام “خلفاء”، هكذا سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهكذا سمي الخلفاء الراشدون… والخليفة هو أمير المؤمنين وإمام المسلمين الذي يحكمهم بشرع الله سبحانه، أي أن “الخلافة” و"الخليفة" هي مصطلحات فقهية “حقيقة شرعية” نصّ الشرع عليها، ومنها النصوص المذكورة أعلاه.

2- وأما أن نظام الخلافة فرض، فللأدلة الواردة في ذلك من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ومنها:

أما الكتاب فقد قـال تعالى مخاطباً الرسـول عليه الصـلاة والسـلام: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ)، وقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك)، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم بينهم بما أنزل الله هو خطاب لأمته صلوات الله وسلامه عليه، ومفهومه أن يوجِدوا حاكماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بينهم بما أنزل الله، والأمر في الخطاب يفيد الجزم؛ لأن موضوع الخطاب فرض، وهذا قرينة على الجزم كما في الأصول، والحاكم الذي يحكم بين المسلمين بما أنزل الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الخليفة. ونظام الحكم على هذا الوجه هو نظام الخـلافة. هذا فضلاً عن أن إقامة الحدود وسائر الأحكام واجبة، وهذه لا تقام إلا بالحاكم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي أن إيجاد الحاكم الذي يقيم الشرع هو واجب. والحاكم على هذا الوجه هو الخليفة، ونظام الحكم هو نظام الخلافة.

وأما السنة فقد رُوي عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا للخليفة ليس غير. فالحديث يوجب وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده، وإلا مات المقصر ميتة جاهلية للدلالة على عظم الإثم الناتج عن عدم العمل لإيجاد الخليفة الذي يحكم بالإسلام.

وأما إجماع الصحابة فإنهم، رضوان الله عليهم، أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب وفاته، واشتغالهم بنصب خليفة له، مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض. والصحابة الذين يجب عليهم الاشتغال في تجهيز الرسول ودفنه اشتغل قسم منهم بنصب الخليفة عن الاشتغال بدفن الرسول، وسكت قسم منهم عن هذا الاشتغال، وشاركوا في تأخير الدفن ليلتين مع قدرتهم على الإنكار، وقدرتهم على الدفن، فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين، وبقي دون دفن ليلة الثلاثاء ونهار الثلاثاء حيث بويع أبو بكر رضي الله عنه ثم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وسط الليل، ليلة الأربعاء، أي تأخر الدفن ليلتين، وبويع أبو بكر قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك إجماعاً على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الميت، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت.

? وبناء عليه فإن إقامة الخلافة فرض، ومن ثم إيجاد الخليفة فرض، وأي فرض.

3- وأما أن الخلافة، نظام الحكم في الإسلام، فيها أعمال سياسية يقوم بها الخليفة، فذلك لأن السياسة تعني رعاية الشؤون، والعمل الأصلي للخلافة والخليفة هو رعاية شئون الأمة، ورعاية الشئون من الحاكم هي سياسة.

إن كلمة السياسة في اللغة هي من ساس يسوس أي يرعى الحاكم الشئون، جاء في القاموس المحيط: “وسُسْتُ الرَّعِيَّةَ سِياسَةً: أمرْتُها ونَهَيْتُها”

وجاء في مختار الصحاح في مادة “س وس”: (سَاسَ الرَّعِيَّةَ يَسُوسُهَا سِيَاسَةً بِالْكَسْرِ)

وقد وردت أحاديث تربط رعاية شئون الأمة بالخليفة، ومنها:

أخرج البخاري عَنِ ابْنِ شِهَابٍ… أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…». فالخليفة عمله رعاية الشئون، ورعاية الشئون من الحاكم هي سياسة وفق معناها اللغوي.

4- أما السؤال الآخر: هل العقوبة تكفر الذنب يوم القيامة؟ فهذا صحيح إذا كانت عقوبة شرعية من دولة إسلامية، أي من دولة تحكم بشرع الله، وليست تحكم بالقوانين الوضعية، وتفصيل ذلك:

  • أخرج مسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ»، فالحديث يبين أن من عوقب في الدنيا فعقوبته كفارة له يوم القيامة، فلا يعذب على ذلك الذنب في الآخرة. وواضح من الحديث كذلك أن العقوبة المكفرة هي عقوبة الدولة الإسلامية التي يبايع فيها خليفة للحكم بالإسلام، فإن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ بالقول: «تُبَايِعُونِي… فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ»، فالعقوبة المكفرة متوقفة على البيعة، والبيعة هي للحاكم الذي يحكم بالإسلام، وعليه فعقوبة الدنيا المكفرة للذنب في الآخرة هي عقوبة الدولة التي تحكم بالإسلام، والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

21 من ربيع الاول 1435 هـ الموافق 22/01/2014 م

منقول

دخول ألعريس صالة ألنساء

حاتم الشرباتي كتب:
**الأسئلة :

سؤال سامح ريحان أبو ميسرة :

السلام عليكم ورحمة الله هل هناك حرمة في ان يعلم العريس النساء انه سيدخل الى العروس في العرس فتجلس وتحتشم كل النساء ولا يبقى حول العريس الى محارمه من النساء فيباركن له بما ان النساء الاجنبيات قد احتشمن وجلسن في مقاعدهن ولم يحدث خلطة بينهن وبين العريس عند دخوله الى مكان الحفل ؟ … وبارك الله فيكم

سؤال الخلافه وعد الله :

هل يجوز ان يجلس العريس بجنب عروسه ليبسها الحلى مع العلم ان كل النساء مستوره والاغلب هم من المحارم ثم يخرج ؟

سؤال sofyan qasrawi :

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته شيخنا الفاضل لدي سؤال وهو انو لو تم تحديد وقت بالفرح للمحارم ووقت اخر لغير المحارم فهل يجوز ان يدخل العريس على الصاله حين وقت المحارم فقط ؟.**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن أسئلتكم الثلاثة هي في الموضوع نفسه ولذلك نجيب عليها مجتمعة بإذن الله:

لقد سبق أن أجبنا في 6 من جُمادى الثانية 1424هـ، الموافق 08/08/2003م على موضوع الاختلاط في صالات الأفراح جواباً مفصلاً وكان مما جاء فيه ما يلي:

  • إن #‏اختلاط الرجال والنساء #‏حرام، وأدلته مستفيضة، وحياة المسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة من بعده، تنطق بذلك. ولا يجوز الاختلاط إلا لحاجة يقرها الشرع ورد نص فيها في كتاب الله أو سنة رسوله مثل البيع والشراء، صلة الرحم…الخ.

ولم يرد نص في جواز اختلاط الرجال والنساء في صالات #‏الأفراح (الأعراس)، بل إن الوارد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته أن النساء كانت تكون مع العروس هنّ وهي، وحدهن، والرجال وحدهم. وبذلك فالاختلاط في الصالات حرام، وغير مستثنىً، والذي ورد في الأعراس هو في #‏زفاف المرأة إلى بيت زوجها فيجوز أن يأخذها الرجال والنساء إلى بيت زوجها، ثم ينفصل الرجال عن النساء…

وعليه فوجود الرجال والنساء في #‏صالات_الأفراح دون انفصال، أي في صالة واحدة وليس في صالتين، هو حرام. وإن كانت العورات مكشوفة، كما هو الغالب في هذه الحالات، فالحرمة أشد. وكذلك جلوس العريس بجانب عروسه تحيط به النساء محارم وغير محارم، هو حرام، وبخاصة وهن كاشفات العورة، وهو الغالب في النساء حول العروس، هذه الأيام…

أما القول بأن هذا مما عمَّت به البلوى فهو لا يجعل الحرام حلالاً، وهو قول مردود على صاحبه لمناقضته للشرع، بل إن هناك أحاديث تمدح أولئك القابضين على دينهم كالقابض على الجمر لشدة البلوى التي يكون فيها المسلم عند تمسكه بإسلامه.

قال رسول الله ﷺ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ»…" انتهى.

وعليه فإن جلوس العريس مع عروسه في صالة مختلطة من الرجال والنساء حرام، وكذلك جلوس العريس في صالة النساء مع عروسه والنساء حولهما، المحارم وغير المحارم، فهو حرام، فإذا انضم إلى ذلك كله انكشاف عورات النساء وتبرجهن فهو حرام فوق حرام…

أما إذا كان في #‏القاعة محارمه فقط فإنه يجوز أن يدخل إلى القاعة ويجلس مع عروسه ومعهن ويلبسها الحلي ثم يخرج، وبعد ذلك تدخل سائر النساء.

والخلاصة:

1 - لا يجوز اختلاط الرجال والنساء في صالات الأفراح سواء أكانت العورات مكشوفة أم لا، فإذا كانت العورات المحرمة مكشوفة فالحرمة أشد.

2? لا يجوز دخول العريس إلى صالة النساء ليجلس مع عروسه ما دامت النساء الأجنبيات عنه موجودات في الصالة حتى لو أخبر النساء قبل دخوله ليسترن أنفسهن، ولم يقتربن من العريس، بل اقتربت منه محارمه… فما دامت سائر النساء الأجنبيات في صالة الأفراح في مقاعدهن يشاهدنه، أي في الصالة، فلا يجوز.

3? يجوز أن يدخل العريس ويجلس مع عروسه في صالة الأفراح إذا خُصِّص وقت للمحارم فقط، بحيث لا يكون في الصالة عند دخوله وأثناء جلوسه مع عروسه سوى المحارم، ثم يخرج العريس بعد ذلك وتدخل سائر النساء بعد خروجه.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

07 من محرم 1437هـ ألموافق20/10/2015م

منقول

بيان مفهوم ألفتنة

نبيهه عصام كتب:
**السؤال:

سيدي، أمام قولكم “أليس منكم رجل رشيد يقضي على أولئك الرويبضات، ويعيد سيرة الأنصار، فينصرنا لإقامة حكم الإسلام، خلافة راشدة على منهاج النبوة…؟” أريد أن اشير إلى الحديث النبوي الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أمانتهم، وكانوا هكذا» وشبك بين أصابعه، قال: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله تبارك وتعالى فداك؟ قال: «الزم بيتك، وابك على نفسك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة»

كأن هناك تناقضاً بين ما أمر به الرسول وما تدعوننا إليه، وبارك الله لك.**

الجواب:

(إن الحديث الذي ذكرته ورد بتمامه عند أبي داود في سننه على النحو التالي:

“حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ أَبِي الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ، فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ»” انتهى.

هذا الحديث وغيره من أحاديث الفتنة المختلفة وردت في حالات اختلاط الحق بالباطل فلا يعرف الحق… فمن يختلط عليه الأمر فالحكم الشرعي بالنسبة له أن يلزم بيته إلى أن يتبين الحق من الباطل وعندها عليه السير مع الحق.

والمتدبر لما ورد في الحديث معنى ومبنى يتبين له هذا الأمر بجلاء… انظر كلمة (وكانوا هكذا) وبيان الراوي ما وقعت عليه الإشارة بقوله (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أي خلط بين أصابع يديه إشارة إلى تموج بعضهم في بعض وتلبيس الأمر عليهم… وكل هذا يدل على التباس الحق بالباطل وعدم تمايزهما عن بعضهما البعض، ففي هذه الحالة كما قلنا آنفاً يكون الحكم الشرعي بالنسبة له هو القعود… إلى أن يتبين الحق من الباطل وعندها عليه السير مع الحق.

إن الوقوف مع الحق، سواء أكان ذلك من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو نصرة للمظلوم أو العمل الجاد المجد في طلب النصرة من أهل القوة لإقامة الدولة الإسلامية في حالة عدم وجودها… هو أمر توجبه الأدلة الشرعية، ومنها:

1- في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها:

  • قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾.

  • أخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتم أُمتي تَهَابُ الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تُوُدِّعَ منهم». وأخرج أبو داود قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ: وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ». وأخرج الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُوْنَهُ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ». وأخرج الترمذي وأبو داود كذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «كَلاَّ، وَاللهِ لَتَأمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَتَأخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأطِرُنَّهُ عَلَى الحَقِّ أطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّه عَلَى الحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ ليَلْعَننكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ». وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ». وللنسائي عن أَبي عبدِ الله طارِقِ بن شِهاب البَجَليِّ الأَحْمَسِيّ رضي الله عنه: أنَّ رجلًا سأل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد وضع رِجله في الغَرْزِ: أيُّ الجِهادِ أَفضلُ؟ قَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ».

2- في نصرة المظلوم ومنها:

  • قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.

  • أخرج البخاري في صحيحه عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ… وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ». وأخرج كذلك عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ». وأخرج أيضاً عن البراء بن عازب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ، … وَنَصْرَ المَظْلُومِ».

3- ثم في طلب نصرة أهل القوة لإقامة الدولة الإسلامية في حال عدم وجودها، ومنها:

  • أخرج ابن هشام في السيرة قال: “قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: … فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِض نفسَه فِي الْمَوَاسِمِ، إذَا كَانَتْ، عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَل، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتَّى يبينَ لهم ما بعثه به الله.” انتهى

  • وأخرج أبو الفتح، فتح الدين في عيون الأثر قال: "وَذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ… عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي خُرُوجِهِمَا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم… فَقَالَ أبو بكر: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: مِنْ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، هَؤُلاءِ غُرَرٌ فِي قَوْمِهِمْ، وَفِيهِمْ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ… فقال أبو بكر:

أو قد بَلَغَكُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَهَا هُوَ ذَا، فَقَالَ مَفْرُوقٌ: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ، فَإِلامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَدْعُو إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ تُؤْوُنِي وَتَنْصُرُونِي… فقال هانئ… وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى به حَارِثَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا، فَقَالَ الْمُثَنَّى: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ… وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صري الْيَمَامَةِ وَالسَّمَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «ما هذان الصريين» فَقَالَ: أَنْهَارُ كِسْرَى وَمِيَاهُ الْعَرَبِ… وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى أَنْ لا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلا نُؤْوِي مُحْدِثًا… فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نُؤْوِيَكَ وَنَنْصُرَكَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَعَلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَسَأْتُمْ فِيَّ الرَّدَّ إِذْ فَصُحْتُمْ فِي الصِّدْقِ، وَإِنَّ دِينَ الله لن ينصره إلا من حاط مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ…" انتهى

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب نصرة أهل القوة من القبائل ليسلموا وينصروه صلى الله عليه وسلم ليقيم حكم الله بين ظهرانيهم، فلم يستجيبوا إلى أن شاء الله… فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم مصعباً إلى المدينة فاستجاب الأنصار وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية ثم هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأقام الدولة هناك…

ذكر ابن هشام في السيرة قال: (قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَوْسِمِ مَعَ حَجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعَقَبَةَ، مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَالنَّصْرِ لِنَبِيِّهِ، وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ… قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم… قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا الْعَبَّاسُ جَالِسٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ مَعَهُ، فَسَلَّمْنَا ثُمَّ جَلَسْنَا إلَيْهِ… قَالَ كَعْبٌ: ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْعَقَبَةِ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجِّ، وَكَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا… قَالَ: فَنِمْنَا تَلِكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ، أُمُّ عُمَارَةَ، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ، وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ…

قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ (نَبِيًّا)، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا (عَنْ كَابِرٍ)… ثُمَّ قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: … أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ…

قَالُوا: … فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا (بِذَلِكَ)؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. قَالُوا: اُبْسُطْ يَدَكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ.

قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ارْفَضُّوا إلَى رِحَالِكُمْ. قَالَ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَاَللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ: إنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ارْجِعُوا إلَى رِحَالِكُمْ…)

وأخرج البيهقي في دلائل النبوة قالَ: (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ… عن ابن الزُّبَيْرِ: مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ… فَوَاعَدَنَا شِعْبَ الْعَقَبَةِ فَاجْتَمَعْنَا فِيهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنٍ، حَتَّى تَوَافَيْنَا عِنْدَهُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى مَا نُبَايِعُكَ فَقَالَ بَايعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ لَا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ يَثْرِبَ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ… فَقُمْنَا إِلَيْهِ نُبَايعُهُ رَجُلًا رَجُلًا، يَأْخُذُ عَلَيْنَا شَرْطَهُ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ…) انتهى

وكل هذه الأدلة، وأدلة أخرى نحوها، توجب عدم القعود، بل هو فقط في حالة الفتن عندما لا يعرف المرء الحق من الباطل، فإذا عرفه فالواجب عليه أن يقول الحق فيأمر بالممعروف وينهى عن المنكر، وينصر المظلوم، ويطلب نصرة أهل القوة لإقامة الدولة الإسلامية “الخلافة الراشدة” بالطريقة الشرعية، إن لم تكن الخلافة موجودة، فهذا أمر واجب، وفي القعود عنه إثم عظيم. ولو قعد المسلمون، ولا سيما الصالحين، عن نصرة الحق الظاهر المعلوم ولزموا بيوتهم لظهر الفساد، واستطال أهل البغي والمبطلون وتحكموا في رقاب العباد، علاوة على مخالفة القعود في هذه الحالة للنصوص الشرعية الموجبة لنصرة الحق كما بيّنا أعلاه…

هذا هو معنى الحديث الشريف الذي سألت عنه، أي هو في الفتنة عندما لا يتبين الحق من الباطل… فأين هذا أيها السائل الكريم من قولنا: (إننا نتوجه إلى جيوش المسلمين: أفليس منكم رجل رشيد ينكر على الحكام خيانتهم لله ولرسوله والمؤمنين…؟ أليس منكم رجل رشيد يغار على دينه وعرضه فيقف في وجه أعداء الله قاطعاً حبالهم وعصيهم…؟ أليس منكم رجل رشيد يقضي على أولئك الرويبضات، ويعيد سيرة الأنصار، فينصرنا لإقامة حكم الإسلام، خلافة راشدة على منهاج النبوة…؟) انتهى، حيث الحق فيها واضح وبيّن وهي دعوة لنصرة دين الله وإقامة حكم الله، وقطع لدابر الكافرين، وإنكار على الخونة لله ولرسوله وللمؤمنين… فليست هي دعوة إلى فتنة، ولا مشاركة في فتنة، بل هي دعوة حق مبين، لا يختلف في أمرها اثنان ولا ينتطح فيها عنزان، فأين مناقضتها لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم…! وهل دعوة المسلمين إلى الأخذ بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والأخذ على يد الظالمين والكافرين، والاستجابة إلى نصرة الدين يمكن أن تكون مناقضة لما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟!

فتدبر هذا الأمر يرحمك الله… وفقنا الله أجمعين إلى عز الإسلام والمسلمين.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 من ربيع الاول 1436 الموافق 2014/12/26م

منقول

خلاف ألأولى

نعمان أبو علي كتب:
***السؤال:

السلام عليكم، هل يعتبر مخالفة الرسول للأولى من الاجتهاد ام هو امر اخر، ارجو التوضيح وبارك الله بكم وسدد خطاكم وايدكم بنصره

انتهى.**

***الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

لعلك في سؤالك تشير إلى ما جاء في الشخصية الجزء الأول من أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقه الاجتهاد وإنما يجوز أن يفعل خلاف الأولى، ومن ثم سألت عن الفرق بين الاجتهاد وخلاف الأولى.

للإجابة على هذا السؤال لا بد من معرفة واقع “#‏الاجتهاد” وواقع “المخالفة للأولى”…

أولاً: الاجتهاد في اللغة هو استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة. وأما في اصطلاح #‏الأصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يُحس من النفس العجز عن المزيد فيه.

وهذا يعني أن #‏الحكم_الشرعي في المسألة لا يكون معروفاً للمجتهد ومن ثم يجتهد ليعرف الحكم الشرعي فيها، فيبذل الجهد في فهم واقع المسألة ويستقصي الأدلة الشرعية المتعلقة بها، ويستفرغ الوسع في دراستها ويستنبط منها رأياً يغلب على ظنه أنه الحكم الشرعي في المسألة.

والاجتهاد بهذا المعنى لا يصح في حق النبي صلى الله عليه وسلم وذلك للآيات الصريحة التي تدل على حصر جميع ما يبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه عن الوحي:

﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾، ﴿إنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وهذا يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ الأحكام الشرعية عن الوحي وليس اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم.

وكذلك فإن المجتهد معرض للخطأ، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد.

كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ» أخرجه البخاري ومسلم. والرسول صلى الله عليه وسلم معصوم عن الخطأ في الشرع، وعليه فلا يجوز في حقه ﷺ الاجتهاد مطلقاً. لأن الاجتهاد فيه #‏الخطأ و #‏الصواب، في حين أن كل ما يبلغه الرسول ﷺ من الأحكام بقوله أو فعله أو سكوته هو وحي من الله تعالى ليس غير.

ثم إن الرسول ﷺ كان ينتظر الوحي في كثير من الأحكام مع الحاجة الماسة لبيان حكم الله فلو جاز له الاجتهاد لمَا أخر الحكم بل يجتهد، وبما أنه كان يؤخر الحكم حتى ينـزل #‏الوحي فدل على أنه لم يجتهد، ودل على أنه لا يجوز له الاجتهاد، إذ لو جاز لما أخر الحكم مع الحاجة إليه.

وعليه فكل ما جاء من رسول الله ﷺ هو بالوحي وليس باجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: أما خلاف الأَوْلى فمعناه أن يكون الحكم الشرعي معروفاً وإنما ورد “مباحاً”، ولكن بعض أعماله أولى من بعضها. أو أن يكون الحكم الشرعي “#‏مندوباً” ولكن بعض أعماله أولى من بعضها.

فمباح للمرء أن يسكن المدن أو أن يسكن القرى، ولكن سكنى المدن أولى من سكنى #‏القرى لمن يعاني أمور الحكم ومحاسبة الحكام، فإذا سكن القرى فعل خلاف الأولى.

وإعطاء الصدقة سراً وجهراً أمر مندوب ولكن إعطاءها سراً أولى من إعطائها جهراً، فإذا أعطاها علناً فعل خلاف الأولى.

وبهذا المعنى لخلاف الأولى فإن الرسول ﷺ يجوز عليه أن يقوم بما هو خلاف الأولى. وقد قام بما هو خلاف الأولى فعلاً فعاتبه الله على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإنها لا تدل على اجتهاد، لأنّ الحكم بأنه يجوز للرسول ﷺ أن يأذن لمن يشاء، قد جاء قبل نزول هذه الآية، فقد جاء في سورة #‏النور قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾ وقد نزلت هذه السورة بعد سورة الحشر في #‏معركة_الخندق، وآية: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ جاءت في سورة التوبة، ونزلت في شأن غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، فالحكم كان معروفاً وآية النور صريحة تدل على أنه يجوز للرسول ﷺ أن يأذن لهم.

ولكن في تلك الحادثة التي نزلت فيها آية التوبة وهي غزوة تبوك وتجهيز جيش العسرة كان الأولى أن لا يأذن الرسول ﷺ للمنافقين في التخلف. فلما أذن لهم في تلك الحادثة بالذات عاتبه الله على ذلك الفعل، أي عاتبه على القيام بما هو خلاف الأولى.

وليست الآية تصحيحاً لاجتهاد، ولا تشريعاً لحكم يخالف حكماً كان الرسول ﷺقد اجتهد فيه في الحادثة نفسها، وإنما هو عتاب على ما هو خلاف الأولى.

ثالثاً: وبناء عليه فإنه لا يجوز في حق #‏الرسـول ﷺ أن يكون مجتهداً، وإنما هو وحي يوحى له من الله تعالى، وهذا الوحي إما باللفظ والمعنى وهو القرآن الكريم، وإما بالمعنى فقط ويعبر عنه الرسول ﷺ إما بلفظ من عنده، أو بسكوته إشارة للحكم، أو بفعله الفعل وذلك كله هو #‏السنة.

وهكذا يتبين الفرق بين الاجتهاد وبين خلاف الأولى، وأنه لا يجوز في حق الرسول ﷺ الاجتهاد لأنه ﷺ معصوم عن الخطأ، ولكن يجوز منه صلى الله عليه وسلم فعل خلاف الأولى لأن فعل خلاف الأولى ليس خطأ.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

26 من ذي الحجة 1436هـ ألموافق 10/10/2015م

منقول