أجوبة أسئلة فقهية

بسم الله الرحمن الرحيم

الأمراض والتعامل مع الجنّ

السؤال: هناك أمراض تصيب بعض الناس وينسبونها إلى الجن، وهناك من يدعي أنه يرى الجن ويسمعهم ويأمرهم وينجز كثيراً من الأعمال بتسخيرهم أو هم يسخّرون الناس. فهل من علاقة مادية حسية بين الناس والجن؟

الجواب:

1 - إن الجن من المغيبات عنا، فنحن لا نراهم، يقول سبحانه: {يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}، أي إبليس وقومه، وبعبارة أخرى الجن، حيث إن إبليس من الجن. {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ}.

2 - إن الأصل في علاقاتنا معهم هو أنهم قادرون على الوسوسة يقول تعالى:

{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} وقال سبحانه: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ}، والشيطان هنا هو إبليس وهو من الجن.

3 - ليس للشياطين سلطان جبري على الإنسان، إلا أن يتبع الإنسان الشيطان باختياره، قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}. وقال سبحانه: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}، وقال سبحانه: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}.

4- أية علاقة مادية غير هذا الأصل الذي بيَّنه الله سبحانه تحتاج إلى نص خاص بها، فإن وُجد نص بمثل هذه الحالة، فإننا نؤمن بتلك الحالة وفق النص.

فمثلاً سلطان سليمان عليه السلام على الجن وأمره ونهيه لهم…، هذا الأمر ورد نص فيه فنؤمن به، قال تعالى في سورة النمل عن سليمان عليه السلام: {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} ، وقال سبحانه:

{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.

5 - وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج أي واقعة مادية من باب المعاملات البشرية، مادام لم يرد نص خاص “بالوحي” بأن هذه المعاملة للجن علاقة بها، وكل الوقائع على هذا النحو، فإن عُثر مثلاً على رجل مقتول لا ينصرف الذهن إلى أن الجن قتلوه إلا أن يرد نص في ذلك، وهكذا فإنه في حادثة الرجل المقتول في خيبر قد انصبَّ البحث على من قتله من الناس، ولم ينصرف إلى الجن:

أخرج مسلم في صحيحه أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ في قِيرٍ فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ قَالُوا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ… ثم وصلت القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَكَتَبُوا إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ…» والقصة معروفة. ولم يدخل في بحث القضية عمل الجن من قريب أو بعيد.

6 - وعليه فما لم يرد نص يذكر علاقة مادية للجن في حادثة ما، فإن العلاقة تبقى بين الجن والإنس علاقة وسوسة لا تتجاوزها.

وحيث إن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم هي خاتم الرسالات، وانقطع الوحي بعدها، فلا نصوص جديدة، لذلك فلا علاقة مادية بيننا وبين الجن، بل هي فقط الوسوسة، وكما قلنا فلا سلطان لوسوسة الجن على المرء إلا أن يستجيب المرء لهذه الوسوسة باختياره.

وهكذا كانت تعالج الأمور المادية في عهد الخلفاء الراشدين، فلا ينصرف الذهن في أية واقعة مادية، قتل أو سرقة، أو نصب أو احتيال…، لا ينصرف الذهن إلى الجن بل إلى البشر، لأن علاقة الجن هي علاقة وسوسة، إلا إذا ورد نص خاص، وحيث لا نص خاص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكل الوقائع المادية هي من البشر وليست من الجن، فعالمهم غير عالمنا، وعلاقتهم معنا علاقة وسوسة لا غير.

وبناء عليه ، فإن الإنسان إذا مرض فلا علاقة للجن في الموضوع، بل يعالج المرض وفق ما ورد في الإسلام، أي بالتداوي:

سواء أكان الدواء مادياً، كما جاء في الحديث من طريق أسامة بن شريك قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى فَقَالَ «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» أي إلا الموت، أخرجه أبو داود.

أم كان الدواء بالدعاء والرقية، كما ورد في الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَرْقِي بِهَذِهِ الرُّقْيَةِ أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ بِيَدِكَ الشِّفَاءُ لاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ أَنْتَ» أو نحو ذلك من أدعية من القرآن أو السنة أو أي دعاء وفقهما.

أما اللجوء إلى من يزعمون أن لهم علاقة مادية بالجن لشفاء المريض، فإنه نصب واحتيال من أولئك الدجالين الذين يوقعون بالبسطاء من الناس لابتزازهم وأكل أموالهم بالباطل.

18 جمادى الثاني 1430هـ ألموافق 11/06/2009م.

بسم الله الرحمن الرحيم

الدعوة إلى الإسلام بشكل مفتوح عام

**السؤال: نحن نقول : “فكان القائمون على الحركات الإسلامية يدعون إلى الإسلام بشكل مفتوح عام…”

والسؤال هنا:

أ- ما معنى الدعوة إلى الإسلام بشكل مفتوح عام؟ وكيف يكن ذلك مع الأمثلة؟

ب- ما هي الأدلة على عدم جواز دعوة الحركات للإسلام بشكل مفتوح عام؟**

الجواب:

إن الدعوة بشكل مفتوح تعني أن لا تكون مبلورة محددة، فتمنع دخول من ليس منها إليها، بل تكون مشرعة الأبواب تدخلها أفكار أخرى بحجة عدم مخالفتها لها، أو فيها مصلحة أو نحو ذلك.

فمَن كانت الدعوة لديه غير مبلورة الفكرة ولا واضحة المفاهيم، ولا محددة الأهداف…، فإنه لن يدرك كون الديمقراطية نظام كفر، ولن يدرك أن الاشتراكية ليست من الإسلام، ولن يدرك جريمة التشريع من البرلمان… وكذلك لن يدرك ماذا يجوز أخذه من علوم وصناعات عند الآخرين وما لا يجوز أخذة كالحضارة والمفاهيم عن الحياة… وقد يكون يصلي ويصوم..، وذلك لكونه يدعو إلى الإسلام بشكل مفتوح، وهذا ما أصاب الأمة في أواخر الدولة، حيث كان واضحاً عدمُ تمييز العلماء المسلمين حينها بين ما يجوز أخذه من الغرب من علوم وصناعات واختراعات، وبين ما لا يجوز أخذه من حضارة ومفاهيم عن الحياة.

لقد كان أمثلهم طريقة ذلك الفريق الذي كان يحمل فكرة التوفيق بين الإسلام وبين الغرب في الثقافة والعلوم، في الحضارة والمدنية، وهؤلاء قد سُمّوا بعلماء النهضة أو علماء الإصلاح أو العلماء العصريين. ومن هؤلاء العلماء انطلق فهم الإسلام المفتوح، حيث فتح باب فهم الإسلام على مصراعيه، وصار يدخله ما ليس منه، وصارت القواعد الشرعية بدل أن تكون ضوابط في الفهم، ومانعة من الخروج عن الشرع، أصبحت هي المفتاح الذي فتح هذا الباب، وصار الإسلام عندهم يفسر بما لا تحتمله نصوصه ليوافق المجتمع الحاضر والفكر الغالب، واستحدثت من أجل ذلك قواعد كلية لا سند شرعياً لها، تتفق مع هذه النظرة من مثل (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان) و(العادة محكمة) و(ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)… وفسروا كثيراً من النصوص الشرعية تفسيراً يراد منه تعطيلها كالقول إن الجهاد دفاعي، وتعدد الزوجات لا يكون إلا بأسباب…

هذا عن الدعوة بشكل مفتوح

وأما “عام” فهو أن يدعو لعموم الإسلام دون تفاصيل معالجاته، فيقول مثلاً “الإسلام هو الحل” “والإسلام يحقق الفوز في الدارين” " والإسلام هو أحسن نظام"… وأمثال ذلك، فإذا سألته عن معالجات الإسلام لأنظمة الحياة سكت، وإن سألته عن دولة الإسلام التي تطبق أنظمته صمت، وإن سألته كيف تغيير الأنظمة الحالية إلى نظام الإسلام اضطرب وتلعثم ونظر حوله، هذا إن لم يبتعد عنك يسابق الريح طلبا للسلامة…

أما ما الدليل على عدم جواز الدعوة للإسلام بشكل عام مفتوح، فإنه مستفيض في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فكما قال الله سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ} {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}، ذكر كذلك آيات الحكم والاقتصاد والعلاقات الزوجية، وعدم موالاة الكافرين، ورجم الزاني وقطع يد السارق، ثم بين أن أنظمة الإسلام أنظمة مميزة لا يختلط فيها غيرها {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}… وكثير غيرها في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

20 جمادى الأولى 1430 هـ ألموافق 16/5/2009

بسم الله الرحمن الرحيم

التغيير من حيث العمل ومن حيث تحقيقه

السؤال: هل “التغيير” يقع في الدائرة التي يسيطر عليها الإنسان…؟ وإن كان الأمر كذلك فهل يستطيع الإنسان أن يتحكم في زمان ومكان التغيير؟ وبالتالي إذا طال الزمن ولم يحدث التغيير، فهل يعني هذا خطأ العاملين له؟ أو أن "التغيير"هو في الدائرة التي تسيطر على الإنسان؟ وإن كان كذلك فما مدلول الآية الكريمة:{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ؟

الجواب

كلمة “التغيير” الواردة في السؤال، إن كان المقصود منها “العمل للتغيير”، فنعم، هي تقع في الدائرة التي يسيطر الإنسان عليها، والأحكام الشرعية واضحة في ذلك.

وأما إن كان المقصود بالتغيير: “تحقيقه” فهو غير صحيح، لأن تحقيق التغيير هو في الدائرة التي تسيطر على الإنسان، فإنه قد يعمل ويعمل بجد واجتهاد، ولا يحدث التغيير المنشود كما يريد، وقد يحدث ولكن بعد مدة طالت أو قصرت…

وعلى الإنسان أن يحاسب نفسه على عمله قبل أن يحاسب، فيتلافى القصور ويجد ويجتهد، ويأخذ بهذا الأسلوب، ويترك ذاك الأسلوب، ويغير من سلوكه إن لاحظ دخناً فيه، ويقوي صلته بالله سبحانه…

ولكن كل ذلك هو أداء للحكم الشرعي الذي يتطلب وجوب العمل للتغيير من الشر إلى الخير ومن الباطل إلى الحق.

أما تحقيق ذلك يقيناً، في وقت معلوم، اليوم أو غداً، في هذا المكان أو ذاك، فهذا ليس في الدائرة التي يسيطر عليها، بل هو في الدائرة التي تسيطر عليه.

أما الدليل على ذلك فهو من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله، فقد بُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وعمل فيها فوق عشر سنوات، ومع ذلك فلم يحصل فيها التغيير… ولا يمكن أن يرد هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخطأ في مسعاه.

وكذلك طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصه الكريم، النصرة من القبائل بضع عشرة مرة، ومع ذلك فلم تستجب تلك القبائل، ولم يحصل التغيير، بل رده بعضهم رداً سيئا…، ولا يمكن أن يرد هنا كذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخطأ في مسعاه.

ثم جاء ذلك النفر إلى مكة… وحدثت العقبة الأولى، والثانية… وأحدث مصعب رضي الله عنه من التغيير خلال سنة في المدينة فوقَ فوق ما أحدثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، مع أن سعي مصعب لا يقاس بحال بسعي رسول الله صلى الله عليه وسلم… ثم أقيمت الدولة في المدينة ولم تقم في مكة…

وعليه فإن السعي للتغيير بإحسان العمل وإتقانه، وتحسين الأساليب والإمكانات، والعمل في أكثر من مكان … كل ذلك في الدائرة التي يسيطر الإنسان عليها، ويحاسب عليها، ويجب أن يقوم بها جاداً مجداً، طال الطريق أم قصر، لا تفت من عضده وعثاء الطريق، ولا تُلين له المصائب قناة، ولا تُضعف له العوائق عزيمة، بل يبقى طودا شامخاً مستقيماً، ثابتا على الحق كالجبال الراسيات، يحاسب نفسه على إحسان عمله وإتقانه ليل نهار، ويتكل على الله ويدعوه آناء الليل وأطراف النهار، أن يعجل له النصر، ويمُن عليه بالفضل…

وأما تحقيق التغير ففي الدائرة التي تسيطر علينا، فنحن لا نستطيع تحقيقه هذا اليوم أو غدا، ولا في هذا المكان أو ذلك المكان، ولذلك فلا يصح أن نصاب بالإحباط أو اليأس إذا طال الطريق أو تراكمت الصعاب، بل نستمر في العمل ونتحرى الصدق والإخلاص والجد والاجتهاد ونحسن من الأساليب ونراجعها … والله يتولى الصالحين.

كما أن طول الطريق لا يعني بالضرورة أن عمل الإنسان للتغيير فاشل أو خطأ، فالرسول صلى الله عليه وسلم عمل للتغيير في مكة وصدّوه، وطلب النصرة بضعة عشرة مرة ولكنهم ردّوه، بل بعض ردودهم كانت دامية… ثم حدثت النصرة في المدينة وليس في مكة التي بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم فيها … ولا يرد في ذهن أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فاشلاً أو مخطئاً، أو أن مصعب رضي الله عنه كان متقناً عمله أكثر!

أما الآية الكريمة، {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} فهي تتعلق بحكم شرعي، وهو أن من أراد التغيير المنشود فعليه العمل بجد واجتهاد وصدق وإخلاص، فالله سبحانه لا يحقق التغيير للكسالى والنائمين بل للعاملين بجد واجتهاد وصدق وإخلاص…،

والخلاصة:

1- أن العمل للتغيير المنشود هو فرض وهو في الدائرة التي يسيطر الإنسان عليها.

2- إن تحقيق التغيير اليوم أو غداً في هذا المكان أو ذاك، هو في الدائرة التي تسيطر على الإنسان، ولذلك فلا يجوز اليأس أو القعود إذا ما تأخر النصر الموعود.

3- إن طول الطريق لا يعني بالضرورة خطأ العاملين، بل إنه كما قال سبحانه: {إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا}

4- أن الله سبحانه لا يحقق التغيير للكسالى والنائمين، بل للعاملين الصادقين المخلصين.

والله سبحانه ولي التوفيق.

6 ربيع الأول 1430 هـ ألموافق 2/3/2009م

بسم الله الرحمن الرحيم

الطائفة الظاهرة

السؤال

وردت أحاديث صحيحة عدة حول الطائفة الظاهرة فما هو تفسير هذه الأحاديث؟ وهل تنطبق على علماء الأصول أو على علماء الحديث كما ورد في بعض الأقوال؟ ثم إننا أحياناً نسمع هذه الجماعة أو تلك تقول إنها هي الطائفة الظاهرة، فكيف نتبـيَّن ذلك؟ وبارك الله فيكم.

الجواب

جواب سؤالك من شقين:

الأول: تفسير أحاديث الطائفة الظاهرة

والثاني: التعامل مع هذه الأحاديث

أما الأول فقد وردت عدة أحاديث في الطائفة الظاهرة:

  • أخرج البخاري من طريق المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ».

  • أخرج مسلم من طريق ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».

  • أخرج مسلم من طريق جابر بن عبد الله يقول سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ لاَ إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ.

  • وأخرج مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وَلاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

  • وأخرج مسلم من طريق عقبة بن عامر قال: وأما أنا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.

  • وأخرج مسلم من طريق معاوية قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ.

  • أخرج الترمذي من طريق ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ يَخْذُلُهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ».

  • أخرج أبو داود من طريق عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ».

  • أخرج الإمام أحمد من طريق جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

  • وأخرج أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

  • الطبراني (في الكبير): «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ يَغْزُوهُمْ قَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ».

  • ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد أنهم ببيت المقدس، وأضاف بيت إلى المقدس، وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني “يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة”. (من فتح الباري)

  • لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها، لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة. (كنـز العمال - للمتقي الهندي)

وبتدبر هذه الأحاديث والجمع بينها يتبن ما يلي عن هذه الطائفة:

1 - هي جزء من المسلمين وليس كل المسلمين لأن (الطائفة) لغةً القطعة من الشيء، وكل قطعة من شيء هي طائفة منه. جاء في القاموس: (والطائفة من الشيء: القطعة منه).

2 - أنها مستقيمة على الحق أي الإسلام: «قائمة بأمر الله».

3 - أنها تقاتل عليه اي في سبيله: «يقاتلون على الحق»، «يقاتلون على أمر الله».

4 - أنها ذات قوة وشوكة تقاتل جيش العدو فتقهره وتهزمه هزيمةً حاسمةً وتنتصر عليه انتصاراً ظاهراً مشهوداً: «يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم» «يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم».

5 - أنَّ هذه الطائفة (يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله) فهم يقاتلون العدو وينتصرون عليه في مناطق بلاد الشام وما حولها.

وهذه الأوصاف تفيد أنَّ هذه الطائفة هي قائمة على الإسلام، وتقاتل في سبيله، ولها من القوة ما يمكنها من هزيمة العدو هزيمةً حاسمةً ظاهرةً مشهودةً. والأعداء دول وجيوش، والطائفة التي تقهرهم يجب أن تكون جيشاً مسلماً قوياً في دولة إسلامية، يقود هذا الجيش الخليفة أو قائد الجيش، يقاتل العدو ويهزمه هزيمةً منكرةً، ينتصر عليه ويقهره ويظهر عليه. وأنها تنطلق من بلاد الشام وما حولها وتقيم دولةً وجيشاً وتقاتل العدو وتهزمه وتظهر عليه. أي أن هذه الطائفة إما هي صاحبة دولة وجيش تنتصر على العدو وتقهره وتظهر عليه، أو أنها تعمل لإيجاد دولة وجيش ثم تنتصر على العدو وتقهره وتظهر عليه.

وأحسب أن هذا ينطبق على عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته في قتال العدو والظهور عليه.

وأحسبه كذلك ينطبق على صدر الإسلام في قتال العدو والظهور عليه، وعلى كل خليفة وقائد جيش في الدولة الإسلامية قاتل العدو وانتصر عليه وقهره وظهر عليه.

وأحسب أن هذا ينطبق على صلاح الدين وجيشه في هزيمة الصليبيين، وكذلك على قطز وبيبرس وجيشه في هزيمة التتار.

وأحسبه كذلك ينطبق علينا لأننا نعمل لإيجاد دولة إسلامية قوية - خلافة راشدة - تقاتل العدو الكافر وتهزمه وتظهر عليه وتنتصر انتصاراً مشهوداً. فتقضي على كيان يهود وتفتح روما كما بشرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا ما أحسبه وأرجحه.

ولكن هذه الطائفة لا تنطبق على أية جماعة ليست دولةً إسلاميةً ولا جيشاً في دولة إسلامية، لأنها، إذا كانت دون دولة وجيش، لا تستطيع قهر العدو والظهور عليه ظهوراً مشهوداً، فلا تستطيع، دون دولة أو جيش في دولة، أن تقضي على كيان يهود أو تهزم أمريكا أو بريطانيا…

وبالتالي فلا تنطبق على جماعات، دون دولة أو جيش في دولة، تقاتل العدو، لأن وصف الطائفة الظاهرة ليس مجرد القتال بل قتالاً يقهر العدو ويهزمه ويظهر عليه، والعدو دولة وجيش ولا تقهره وتهزمه وتظهر عليه جماعات دون دولة وجيش. وكذلك هي لا تنطبق على أية جماعة لا تعمل لإيجاد دولة إسلامية - خلافة، لأنها إن لَم تكن كذلك فإنها لا تقهر دولاً وجيوشاً. فالقتال والظهور على العدو، سواء أكان قائماً بالفعل أم يُعدّ لإيجاده، هو وصف أساس لهذه الطائفة.

وعليه فلا تنطبق على علماء الحديث أو الأصول إلا ان يكونوا يعملون لإيجاد دولة تقاتل وتظهر على العدو تقهره وتنتصر عليه.

أما ما ورد في صحيح البخاري:

(باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون وهم أهل العلم) فإن (وهم أهل العلم) من كلام المصنف وليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جاء في شرح الباب عند العسقلاني في فتح الباري:

… (قوله وهم أهل العلم هو من كلام المصنف).

ومن الجدير ذكره أن أية مجموعة تقاتل العدو بإخلاص لها أجر حتى وإن كانت غير قادرة على الظهور على العدو وقهره والانتصار عليه، حتى القتال الفردي ضد العدو بإخلاص فيه أجر. وأن أية مجموعة تقوم بأي عمل من سبل الخير لها أجر، حتى وإن كان عملاً فردياً. وأية مجموعة تشتغل في علوم الإسلام، سواء في علم الأصول أو علم الحديث، لها أجر حتى وإن كان عملاً فردياً في هذه الأمور،

لكن المسألة ليست هنا وإنما هي في وصف هذه المجموعة أو تلك بأنها الطائفة الظاهرة.

إن وصفها بالطائفة الظاهرة يجب أن يستوفي ما ذُكر بشأنها في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتفسير هذه الأحاديث بعد جمعها وتدبرها معاً هو ما ذكرته سابقاً. وهو ما أرجحه وأرى أنه الصواب.

أما لفظة (لا يزال) فهي لا تعني عدم الانقطاع بل تعني أن الظهور على العدو يكون متلاحقاً على فترات إلى يوم القيامة، أي أن انتصارها على العدو لا يكون مرّةً ثم يعود العدو فيهزمنا إلى الأبد بل إن نصرنا يتلاحق على فترات إلى يوم القيامة. وهذا ما حدث فقد ظهرنا على الكفار وانتصرنا عليهم في صدر الإسلام ثم تلاحق فيما بعد ننهزم وننتصر {وتلك الأيام نداولها بين الناس} وكان الصليبيون ثم كانت هزيمتهم، وكان التتار ثم كانت هزيمتهم، ثم ضعفنا ثم عدنا ففتحنا القسطنطينية وأصبحت (إسلام بول)، … وقضي على الخلافة ثم هي عائدة بإذن الله وستقضي على كيان يهود الذي احتل فلسطين، وستفتح روما بإذن الله، وستبقى تلك الطائفة الموصوفة تقاتل على الحق حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال. ومن الأمور اللافتة للنظر في الحديث أن عيسى عليه السلام عندما ينـزل قبيل يوم القيامة يجد للمسلمين دولةً وأميراً، ومن ثمَّ النصر على العدو والظهور عليه ظهوراً مشهوداً.

وهكذا فإن (لا يزال) لا تعني عدم الانقطاع، وإنما تعني أن الدنيا لا تخلو من فترات ينتصر فيها المسلمون على العدو نصراً مؤزراً مشهوداً إلى يوم القيامة.

وهذا شبيه قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري:

«لن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة»

فلا يعني هذا أن استقامة الأمة ستبقى مستمرةً، فإن استقامة أمر الأمة قد انقطعت في فترات وبخاصة بعد هدم الخـلافة.

وإنما يعني أن هذه الدنيا لن تخلو من استقامة أمر هذه الأمة إلى يوم القيامة، فأمرها لن (يعوج) ثم لا يعود للاستقامة، ولا تذهب خلافتها ثم أمرها لا يعود بل هو يعود، وكلما اعوج عاد، فالاستقامة للأمة متلاحقة على فترات إلى يوم القيامة.

هذا الشق الأول من الجواب، وهذا ما أرجحه في المسألة، ولكنني لا أقطع بأن لا تفسير غيره ولكني أرجح أنه هو الصواب.

أما الثاني، التعامل مع هذه الأحاديث:

فيجب أن يكون تعاملاً عملياً كما تعامل الصحابة رضي الله عنهم والتابعون بإحسان مع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تبشر وتخبر بأمور فيها الخير للمسلمين. فهم عندما سمعوا وقرأوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح القسطنطينية وروما حرص كل واحد أن تتم هذه البشرى على يديه إلى أن شاء الله أن ينال محمد الفاتح رحمه الله فضل فتح الأولى التي أصبحت (إسلامبول)، فهم سمعوا الحديث فطفقوا يعملون بجد ليتحقق على أيديهم فينالوا الخير الذي وصفه الله للفاتح «نعم الأمير أميرها ونعم الجيش جيشها» فكثير من الخلفاء أرسلوا جيوشاً لفتح القسطنطينية، وكثير من الصحابة حتى الشيوخ منهم مثل أبي أيوب رضي الله عنه، كانوا يشتركون في تلك الجيوش لينالوا هذا الفضل العظيم.

وهكذا حديث الطائفة الظاهرة، فقد أعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصافها وبين فضلها، وأنها ستقاتل العدو وتنتصر عليه وتقهره وتظهر عليه ظهوراً مشهوداً، وهذا لا يكون إلا بدولة إسلامية وجيش مسلم يهزم الدول الكافرة وجيوشها فلنشمر عن الساعد ونشد المئزر، ونغذ السير لنقيم دولة الإسلام، الخـلافة الراشدة، ونكون في جيشها نقاتل العدو ونقهره وننتصر عليه ونظهر عليه ظهوراً مشهوداً وبذلك نرجو من الله سبحانه أن نكون من تلك الطائفة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة.

ثم هناك أمر في غاية الأهمية وهو أن ليس القضية أن تقول هذه الجماعة إنها الطائفة الظاهرة أو تقول تلك بل نحن، إنما القضية هي في أن من أحب أن يكون هو الطائفة الظاهرة فليحقق ما ورد من أوصافها فليعمل لإيجاد دولة إسلامية وجيش إسلامي يقاتل العدو الكافر أمريكا، بريطانيا، اليهود ..الخ ويقهره وينتصر عليه ويظهر عليه وعندها يشار له بالبنان أنه من الطائفة الظاهرة، فمن أراد أن يكون من الطائفة الظاهرة فليعمل ما يوصله بإذن الله إلى تحقيق أوصافها من قهر العدو والانتصار عليه والظهور عليه.

نسأل الله سبحانه أن نكون منها وأن نشهد قيام الدولة الإسلامية، الخـلافة الراشدة، ونكون من جند الإسلام الذي يهزم العدو ويقهره وينتصر عليه ويظهر عليه.

والله سبحانه ناصر من ينصره، وهو سبحانه قوي عزيز.

السابع من رمضان 1425هـ

21/10/2004م.

بسم الله الرحمن الرحيم

الكالونيا

الأخ الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذا جواب سؤال العطر (الكالونيا…الخ):

إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» أخرجه مسلم. ويقول صلوات الله وسلامه عليه: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» أخرجه ابن ماجه والدارقطني وصححه ابن حجر.

فقد بيَّن صلوات الله وسلامه عليه ما هو السائل الذي يسمى خمراً، فإن كل مسكر، قليله أو كثيره، فهو خمر. وهنا يأتي دور تحقيق المناط لمعرفة هل هذا العطر أو الكالونيا وأمثالها تسكر لو شربت، قليلاً أو كثيراً، فإن كانت تسكر فهي خمر وتطبق عليها أحكام الخمر بتحريمها في عشرة أصناف حسب الحديث «لُعنتِ الخمرُ على عشرة أوجه: بعيتها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها وشاربها وساقيها» أخرجه ابن ماجه.

ولقد علمنا أن العطور كالكالونيا وأمثالها تشرب في بعض المناطق وبخاصة في الخليج وأنها تسكر بسبب وجود نسبة من الكحول فيها.

وعليه فإذا كان السائل، أعطراً كان أم غير عطر، يسكر كثيره فإن قليله حرام، وهو خمر وتطبق عليه أحكام الخمر من تحريم وجوهها العشرة.

أما أن الكحول نوعان اثيلي ومثيلي فهذا صحيح. وقد علمنا من أصحاب الاختصاص ما يلي:

(ان الكحول نوعان: احدهما (الاثيلي) وهو المادة المؤثرة في الخمور بانواعها باختلاف التركيز، والثاني (المثيلي) وهو الكحول المستخرجة من المواد الخشبية او الليفية، وهما مادتان متقاربتان من حيث طريقة التأثير على الجسم وخاصة الجهاز العصبي، ولكنهما تختلفان تماما من حيث التحليل الكيماوي والاكسدة في الجسم وهذا ما يسبب اختلاف النتائج. اما من حيث التأثير فكل منهما يسبب هبوطا في عمل جميع المراكز الحيوية في المخ. الا ان الكحول الاثيلي يسكر ولا يقتل، وتناول الكميات الهائلة منه بالشرب تسبب الغيبوبة ثم نوما عميقا جدا ثم يصحو الشارب بعد ذلك. واما المثيلي فانه يسكر، الا انه يسبب تأثيراً سُمِّيّاً ضاراً قد يصل إلى: تخريب الخلايا الشبكية وقتل العصب البصري وهذا يؤدي الى العمى او الى قتل خلايا المراكز الحيوية في الدماغ وتخريبها وهذا يؤدي الى الموت، حسب النسب المستعملة. والخمور بأجمعها فيها كحول الاثيلي وفيها كميات بسيطة جدا من الكحول المثيلي، اما الكولونيا فمعظمها كحول مثيلي)

وهذا يعني أن الكحول الاثيلي والقليل من المثيلي يسكر، والكثير من المثيلي يقتل. ولذلك فالكالونيا، سواء أكانت مصنوعةً من الاثيلي أم المثيلي بنسبة مناسبة فهي تسكر (كما نُقل عن حالات سكر في الخليج من الكالونيا). فإذا أسكرت وسَمَّمت دون القتل فهي حرام كونها خمراً وكذلك حرام كونها سُمّاً (حتى وإن لَم تقتل). أما إذا استُعمل الكحول المثيلي بنسبة تقتل في السائل أو الكالونيا فالسائل يصبح حراماً لأنه سُمٌّ حسب قاعدة الضرر (الأصل في المضار التحريم).

وهكذا فإن السوائل التي تدخلها الكحول يُحَقَّق مناطها:

فإن كانت نسبة الكحول بها تجعلها تسكر، قليلها أو كثيرها، فهي خمر وهي حرام في الوجوه العشرة.

وإن كانت لا تسكر ولكن تسمِّم فهي حرام لأنها سم وهي في هذه الحالة تحرم فيما ورد النص فيه أي شرب السم أو أكله وكذلك بيعه أو إهداؤه حسب الحديث «وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرَّم عليهم ثمنه» أخرجه أبو داود وأحمد، «قاتل الله اليهود إن الله لما حرَّم عليهم الشحوم جَمَلُوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها» أخرجه أحمد. جملوها أي أذابوها. أما باقي الوجوه العشرة فنصوصها وردت في الخمرة.

هذا عن الشق الأول في السؤال. العطور أو الكالونيا.

أما الشق الثاني لماذا نتبنى في هذا مع العلم أننا لا نتبنى في العبادات. الجواب على هذا من وجهين: الأول أن الخمر ليس عباداتٍ. والثاني أننا هنا لا نتبنى في تحريم الخمر، فهو حرام قولاً واحداً، ولكن المسألة هي تحقيق مناط هذا السائل، أيسكر أم لا يسكر. ومن حقق المناط ووجد أن السائل لا يسكر قليله أو كثيره، فعندها، لا يكون هذا السائل خمراً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في 08/08/2004م.

بسم الله الرحمن الرحيم

نبش القبور والبناء على المقابر

أالأخ الكريم ، بعد التحية ،

أخرج أبو داود من طريق عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كسر عظم الميت ككسره حياً». وجاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود:

قال السيوطي في بيان سبب الحديث، عن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظماً ساقاً أو عضداً فذهب ليكسره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكسرها فإن كسرك إياه ميتاً ككسرك إياه حياً، لكن دسَّه في جانب القبر» أي أن العظم إذا كان موجوداً فيجب المحافظة عليه وإبقاؤه في التراب.

وبذلك فإن نبش قبور المسلمين لا يجوز إلا إذا بليت العظام، وأصبحت كالتراب وعندها يجوز زرعه والبناء عليه، وغير ذلك من الأعمال المباحة.

أما إذا كان العظم موجوداً فلا يجوز نبش القبور والعمران عليها أو غير ذلك من أعمال إلا في حالات خاصة تتعلق بالميت أو نحو ذلك (كما بينت ذلك النصوص).

أما كم من الوقت يلزم لمعرفة أن الميت قد بلي أو لا فهو راجع لأهل الخبرة وتحقيق المناط.

والمقبرة التي تقول إن عمرها (500) عام وأنه لَم يبق منها شيء لأنها جرفت سابقاً وذهبت آثار القبور التي فيها وبني عليها سوق تجاري، فإن الإثم على أولئك الذين جرفوها إذا كان فيها عظام آنذاك. أما وقد زالت تلك المقبرة ولَم يبق من آثارها شيء، كما في السؤال، ثم بني السوق التجاري على الأرض بعد أن لَم يبق من المقبرة شيء، فإن البيع والشراء من هذا السوق ليس حراماً.

والإثم يكون على أول من جرفها وأزال ما فيها إذا كان فيها عظام عندما أزالها.

وتقبل تحياتي.

في 11/07/2004م.

بسم الله الرحمن الرحيم

حول أقسام الكفار

السؤال: ورد في الشخصية ومشروع الدستور حول أقسام الكفار اختلاف في نفصيل هذه الأقسام، وكأنه يشبه التناقض فكيف يفهم ذلك؟

الجواب:

مشروع الدستور قسم الكفار إلى ثلاثة أقسام:

(دول بيننا وبينها معاهدات “ثانيها”، ودول ليس بيننا وبينها معاهدات “ثالثها”، ودول محاربة فعلاً “رابعها”).

وما جاء في الشخصية الجزء الثاني قسم الكفار إلى ثلاثة أقسام:

(دول بيننا وبينها معاهدات “فإن عقدت معاهدة… كونهم كفاراً حربيين فعلاً”، ودول ليس بيننا وبينها معاهدات “لم تكن بيننا وبينهم معاهدة فهم كفار حربيون حقيقة لا حكماً”. وهؤلاء جعلهم نوعين: الحرب غير قائمة بيننا وبينهم، والحرب قائمة بيننا وبينهم “فهم كفار حربيون حقيقة لا حكماً سواء أكانت حالة الحرب قائمة بيننا وبينهم بالفعل أم لم تكن قائمة”).

وأنت تلاحظ هنا أن الكفار ثلاثة أقسام في الدستور والشخصية، والأقسام هي هي، غير أن الصياغة في مشروع الدستور صياغة قانونية، وفي الشخصية صياغة فقهية:

في الدستور:

دول معاهدة، دول محاربة حكماً، دول محاربة فعلاً.

ومع أن الدول المعاهدة هي محاربة حكماً لكننا لم نذكر صفة الحرب لوجود المعاهدة.

وفي الشخصية:

دول معاهدة وهي شرعاً محاربة حكماً.

دول غير معاهدة وهي شرعاً محاربة حقيقةً لعدم وجود معاهدة. وهي نوعان:

دول غير معاهدة والحرب معها غير قائمة

ودول غير معاهدة والحرب معها قائمة فعلاً.

وإذا لاحظت من حيث التعامل الشرعي فإنك تجد لا خلاف بين مشروع الدستور والشخصية:

فالمعاملة مع المعاهدة هي وفق المعاهدة وهذه هي هي في الدستور والشخصية.

والمعاملة مع غير المعاهدة في حالة الحرب غير القائمة بالفعل، لا يدخل رعاياها إلا بأمان خاص لكل سفرة .. وهي هي في الدستور والشخصية.

وفي حالة الحرب القائمة بالفعل فلا يعطى الأمان لأحد من رعاياها … وكذلك هو هو في الدستور والشخصية.

ولذلك فلا تعارض، وشبهة التعارض آتية من التقسيم.

في 19/03/2007م.

فقدان ألسمع والبصر

**السؤال : ورد في كتاب النظام ما يلي: (العملية العقلية هي نقل الواقع عبر الحواس إلى الدّماغ مع وجود معلوماتٍ سابقة يُفَسَّرُ بواسطتها الواقع).

ولقد بيّن العلامة الشيخ النبهاني رحمه الله أهمية وجود المعلومات السابقة في إنجاز هذه العملية بياناً شافياً.

إلاّ أنّ اكتساب المعلومات لا بُدَّ له من جهاز استقبال عند الإنسان… هذا الجهاز لا بُدَّ أن يكون السّمع أو النّظر، أمّا باقي الحواس من لمسٍ وشمٍّ وذوقٍ، فلا يمكنها تأدية هذه الوظيفة…

إنَّ الطفل الذي يولدُ أعمى وأصم، لا يمكنه أن يكتسبَ أيَّة معلومة، وبالتالي لن تتمّ لديه العملية العقلية ولن يُنتج فكراً بالرُّغم من سلامة باقي الحواس.

والسؤال هنا: هل كُلُّ من حُرِمَ نِعمَتَيّ البصر والسّمع منذ الولادة يكون غير مُكَلَّف؟؟

إذا كان الجواب: “لا”، فماذا عن قول الله عزّ وجلّ: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلونَ}.**

الجواب

1- العملية العقلية تحتاج إلى حواس ودماغ وواقع ومعلومات سابقة… وبقدر سلامة هذه الأربعة يكون اكتمال هذه العملية، ومن يولد أعمى وأصم فهو لديه نقص في الحواس، وفي المعلومات… فيُنتج عملية عقلية بالقدر الذي توفره حواسه الباقية والمعلومات التي يحصل عليها.

وللعلم فإن الحواس الباقية عند مثل هؤلاء كاللمس مثلاً تكون أقوى وأدق منها عند المبصرين.

وقد نقل لي أحدهم أن هناك شخصاً أعمى إذا قابل شخصاً مرة وصافحه أي لمس يده، ثم عاد بعد مدة فسلم عليه فإنه يعرفه من ملمس يده.

**والخلاصة:**أن الشخص يفكر ما دام عنده الأربعة المذكورة، ولكن نتيجة العملية العقلية عنده تكون وفق توفر العوامل الأربعة السابقة كاملة صحيحة سليمة أو غير كاملة أو غير صحيحة…

أما الآية الكريمة {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} فهذه مجازية، أي ليست الآية عن الذين هم صم وعمي وبكم حسياً، بل عن الذين يُهملون هذه الأمور الموجودة عندهم، فلا يستعملونها الاستعمال الصحيح، فهم عمي وإن كانت لهم أبصار، وصم وإن كانت لهم آذان، وبكم لا يتكلمون وإن كانت لهم ألسنة، أي كالآية الكريمة {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}.

3 من ربيع الأول 1432هـ ألموافق6/2/2011م

**حول تنصيص الخمس في آية:

(واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه)**

**السؤال : نحن نقول : إن الغنائم والأنفال موكول أمر توزيعها لولي الأمر، يوزعها بما يراه مصلحة، فما معنى التنصيص على الخمس في قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه…الآية)، فهل يعني أن ولي الأمر إذا أراد أن يوزع الغنيمة ويعطي لبيت المال حصته فإنه مقيد بالخمس (وهذا خلاف ما افهمه من المتبنى) أم أن له مثلاً أن يأخذ نصف الغنيمة لبيت المال ويوزع نصفها الآخر على المحاربين؟

والخلاصة كيف نفهم التنصيص على الخمس في الآية، ما دامت قسمة الغنائم كلها موكولة لأمر الإمام؟ وبارك الله فيكم.**

الجواب

الآية الكريمة (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

للعلماء أقوال في تفسيرها:

منهم من قال إن الخمس محددةٌ قسمته إلى سهام خمسة: سهم الله والرسول، وسهم ذي القربى، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم ابن السبيل، وهذا جعل سهم الله والرسول سهماً واحداً.

ومنهم من قال أن الخمس محددة قسمته ولكن إلى ستة: لله سهم، وللرسول سهم، ولذي القربى سهم، واليتامى سهم والمساكين سهم، وابن السبيل سهم.

ومنهم من قال بل هو كله لله سبحانه وتلك الأصناف بعده هي على سبيل التفضيل وليس الحصر، وللإمام أن يضع هذا الخمس في مصالح المسلمين وفق اجتهاده، والرأي الراجح لدينا هو هذا، أما لماذا، فهو على النحو التالي:

إن الله سبحانه يقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )

فهنا جاء تفصيل بعد تعميم، وإذا كان التفصيل لبيان فضل الأصناف المذكورة، فهو لا يلغي التعميم، بل يبقى العام على عمومه، ويكون الأفضل أن يكون لهذه الأصناف ولا يمنع من غيرها، أي لا يكون هذا التفصيل مفيداً للحصر.

ولذلك هي هكذا (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ…)، أي لجوانب التقرُّب إلى الله سبحانه، ثم ذكر سبحانه وجوهاً مفضلة على غيرها من وجوه التقرب إلى الله سبحانه وليس للحصر.

وجدير بالذكر أن " أَنَّمَا" هي ليست " إنَّمَا" بل هي أَنَّ، مَا، أي الذي، أي الذي غنمتموه.

ويقال مثل هذا في الآية الكريمة (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ)، فذِكْر جبريل وميكال بعد الملائكة لا يعني أن العداوة قد خُصصت لجبريل وميكال ومن يعادي أصنافاً أخرى من الملائكة لا تنطبق عليه، بل هنا تفصيل “جبريل وميكال” بعد تعميم “الملائكة” وذلك لميزة معينة في جبريل وميكال من حيث الفضل، دون إلغاء تعميم الملائكة…

وهكذا فإن (وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) هي تفصيل لوجوه الخير بعد تعميم التقرب إلى الله بكل وجوه الخير (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ)… أي يقع في باب “التفصيل بعد التعميم” لميزة في الأصناف المذكورة من حيث عظمة الأجر. ويؤكد هذا أن الآية لم تقل “فأن خمسه لله وللرسول وَلِذِي الْقُرْبَى…”، وكذلك لم تقل “فأن لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل خمسه…”، فتساوي بين الأطراف في المبتدأ والخبر، فلا يكتمل معنى الجملة إلا بتمامها، بل الآية الكريمة (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ…)، ويمكن اكتمال الجملة هنا.

ولذلك فالراجح لدينا، وهذا الذي وضعناه في الأموال، أن الأصناف المذكورة في الآية ليست تحديداً لوجوه صرف الخمس، بل يوضع الخمس في بيت المال ويصرف برأي الخليفة واجتهاده على مصالح المسلمين، والأفضل أن يوضع في وجوه الخير تلك إن وجدت، أو غيرها… يتوخى الإمام في ذلك مصالح المسلمين ورعاية شئونهم وسد حاجاتهم وحفظ أمنهم…

وللعلم فإن الإمام مالك يقول بمثل هذا من حيث إن قسمة الخمس تعود للإمام في مصالح المسلمين.

الثالث من ربيع الأول 1433هـ / 26/1/2012

بسم الله الرحمن الرحيم

التبرع بالدم والانتفاع به

**السؤال:

أ- يتبرع الناس بالدم مجانا إلى بنوك الدم لأسباب معلومة، يفحص البنك هذا الدم فإذا كان الدم سليماً فإنه يستخدمه في مرضى آخرين، وإذا كان الدم ملوثاً وفيه فيروسات مثل الهيباتيت أو الايدز مثلا فإنه يتلف هذه الكمية المريضة من الدم.

الآن نحن نحتاج هذا الدم الملوث لإجراء الاختبارات في مخبرنا. فهل يجوز أن ناخذ هذا الدم مجانا من بنك الدم ونجري عليه الاختبارات ثم نتلف ما تبقى منها بشكل سليم لا يؤذي أحدا ولا يؤذي البيئة؟

ب- في بعض الأحيان نقوم بتصفية الفيروسات الموجودة داخل الدم من خلال اتباع إجراءات علمية معقدة ومكلفة مادياً حتى نحصل على فيروسات صافية خالصة، نستخدم قسماً منها في مختبرنا من أجل تطوير البحث العلمي في صناعة الكواشف، ونبيع القسم الباقي إلى مختبرات أخرى، وفي حال لم نستطع أن نحصل على الفيروسات الصافية فإننا نشتري الفيروس الصافي من مختبرات أخرى. فهل يجوز بيع وشراء هذه الفيروسات من أجل هذه الغاية؟**

الجواب

  • قبل الجواب نوضح ما يلي:

1- الدم نجس وهو محرم.

أما الدليل على نجاسة دم الإنسان، فحديث البخاري ومسلم عن أسماء رضي الله عنها قالت: «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال: تَحُتُّه ثم تَقْرُصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه». وكونها أُمِرت بغسله قبل أن تصلي دليل نجاسته.

وأما الدليل على تحريمه، أكله وشربه…، فقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ…} وقوله سبحانه: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ…}

2- الانتفاع بالنجس والمحرم حرام، ومن الأدلة على ذلك:

  • أخرج البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ»

  • وفي تهذيب الآثار للطبري عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَنْتَفِعوا مِنَ الميْتَةِ بِشَيْءٍ»

  • وقد استثني جلد الميتة كما جاء في حديث أبي داود عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مُسَدَّدٌ وَوَهْبٌ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ أُهْدِيَ لِمَوْلَاةٍ لَنَا شَاةٌ مِنْ الصَّدَقَةِ فَمَاتَتْ فَمَرَّ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ «أَلَا دَبَغْتُمْ إِهَابَهَا وَاسْتَنْفَعْتُمْ بِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا»

  • وأخرج البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ».

  • وأخرج البخاري كذلك عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي «أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ» قَالَ فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ.

  • وأخرج أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ».

3- يستثنى من التحريم التداوي، فالتداوي في المحرم والنجس ليس حراماً:

  • أما أن التداوي بالمحرم ليس حراماً فلحديث مسلم عن أنس «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ رُخِّصَ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا». ولبس الحرير للرجالِ حرام، ولكنه جاز في التداوي. وكذلك لحديث النسائي وأبي داود والترمذي واللفظ للنسائي: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ طَرَفَةَ عَنْ جَدِّهِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أَنَّهُ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ «فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» والذهب للرجال حرام، ولكنه جاز في التداوي.

  • وأما أن التداوي بالنجس ليس حراماً فلحديث البخاري عن أنس رضي الله عنه «أَنَّ نَاسًا اجْتَوَوْا فِي الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ يَعْنِي الْإِبِلَ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا…». ومعنى اجتووا أَيْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ طَعَامهَا، فمرضوا، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم أجاز لهم في التداوي “البول” وهو نجس، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة أنه قال «قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: دعوه وهَريقوا على بوله سَجْلاً من ماء -أو ذَنُوباً من ماء- فإنما بُعثتم مُيسِّرين ولم تُبعثوا مُعسِّرين»، قوله سَجْلاً وذَنُوباً: أي الدلو المملوءة.

4- الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، ومن أدلتها قوله تعالى:

{أَلَمْ تَرَوا أنَّ اللهَ سخَّرَ لَكُمْ مَا في السَّمواتِ ومَا في الأرْضِ} لقمان/آية20.

{أَلَمْ ترَ أَنَّ اللهَ سخَّرَ لكُمْ مَا في الأرض} الحج/آية65.

{وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} [الجاثية 13]."

من هذه النصوص يتبين أن الشارع أباح الأشياء جميعها، بمعنى أنه أحلها، والإباحة في الأشياء معناها الحلال، أي: ضدّ الحرام، وبذلك فإن تحريم بعض الأشياء يحتاج إلى نصّ يستثنيها مما أبيح في الأصل. وهكذا فإن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم.

وهي تختلف عن الأفعال حيث إن الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي التكليفي والوضع “فرض، مندوب…سبب، شرط…” كما هو معروف في الأصول.

  • ويكون الجواب على السؤالين على النحو التالي:

أولاً: إذا كانت الفحوصات على الدم الملوث هي فحوصات دوائية أي لمعرفة المرض وعلاجه بالأدوية المناسبة ونحو ذلك فجائز. وإن كانت الفحوصات على الدم الملوث لا علاقة لها بصنع دواء لعلاج المرض أو نحوه، فلا يجوز.

وذلك لأن الدم نجس ومحرم، والانتفاع بالنجس والمحرم حرام إلا للتداوي.

ثانياً: إن كان فصل “الفيروس” من الدم هو لإجراء تجارب وأبحاث دوائية فجائز، أي إذا كان إخضاع الدم الملوث للأعمال المخبرية لفصل الفيروس عنه هو لإجراء التجارب الدوائية على الفيروس لمعرفة الدواء المناسب، فإنه جائز.

وأما إن كان فصل الفيروس عن الدم لإجراء تجارب غير الدواء فلا يجوز، لأن الدم الملوث نجس ومحرم، والانتفاع به لا يجوز.

ثالثاً: الفيروسات طاهرة لأنها شيء لم يرد دليل على تحريمه، فهي طاهرة وفق القاعدة الشرعية المذكورة، وعليه فإن وُجدت وحدها أي غير ملوثة بالدم، فإنه يجوز شراؤها وبيعها وإجراء أي أبحاث علمية عليها، وبطبيعة الحال فإن الأبحاث العلمية يجب أن تكون لمنفعة الإنسان وليس لإلحاق الضرر به لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».

22 من صفر 1432هـ ألموافق 26/1/2011

بسم الله الرحمن الرحيم

حول مهنة التصوير

**السؤال: إني أعمل في مهنة ذات مساس بالتصوير، وأتعرض خلالها إلى الأعمال التالية:

  • تعديل الصور وتصحيحها (أي إزالة التجاعيد، تغيير لون العين أو بعض ميزات الوجه إلخ..).

  • رسم صور الأشخاص والحيوانات الشبيهة بالواقع…

  • استعمال الصور والرسوم الجاهزة في الطباعة.

  • استخدام الصور أو الرسوم أو الشعارات للمصممين الآخرين بدل رسمها بنفسي.

  • رسم رموز الناس أو الحيوانات (على سبيل المثال معالم في الطريق مثل “عبور المشاة” أو “الباب عند الحريق” أو “ممنوع التنزه مع الكلاب”).

  • رسم أجزاء جسم الإنسان أو الحيوان (على سبيل المثال صورة المصافحة أو إصبع سبابة أو رأس الحصان… كشعار).

  • رسم صور الأشخاص والحيوانات غير الشبيهة بالواقع (كاريكاتورية).

  • رسم أحرف الحكايات الخرافية غير الموجودة في الواقع أصلاً.

أرجو بيان الحكم الشرعي في هذه الأعمال، وبارك الله فيكم؟**

الجواب

قبل الإجابة على أسئلة التصوير نؤكد على أمرين:

الأول: إن الأجوبة أدناه هي عن الحكم الشرعي في التصوير، أي الرسم باليد، فهذا هو المعنى الوارد في الأحاديث، وليس التصوير بالآلة “الكاميرا”، فهذا مباح ولا تنطبق الأحاديث عليه.

الثاني: إن الأجوبة أدناه هي عن الصور المستوية المسطحة التي لا ظل لها، أما التصوير الذي له ظل، أي التماثيل، فإنها حرام في جميع حالاتها للأدلة الشرعية في ذلك باستثناء لعب الأطفال حيث وردت أدلة تجيزها كما هو مبين في آخر الأجوبة.

والآن هذه أجوبة أسئلة التصوير التي أرسلت:

بالنسبة إلى السؤالين:

  • تعديل الصور وتصحيحها (أي إزالة التجاعيد، تغيير لون العين أو بعض ميزات الوجه إلخ..).

  • رسم صور الأشخاص والحيوانات الشبيهة بالواقع…

فإن هذين السؤالين يتعلقان برسم الأشياء ذوات الأرواح، أو إجراء تعديلات بالرسم اليدوي على صور الأشياء ذوات الأرواح كإزالة التجاعيد وبعض ميزات الوجه… وهذه ينطبق عليها التحريم الوارد في الأدلة، سواء أكان الرسم بالقلم اليدوي أو كان باستعمال “الفارة” على الحاسوب “الكمبيوتر”، فما دام الرسم بالجهد البشري محاكاة لذي روح فالتحريم ينطبق عليه، أخرج البخاري من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا». وأخرج من طريق ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ».

وبالنسبة إلى السؤالين:

  • استعمال الصور والرسوم الجاهزة في الطباعة.

  • استخدام الصور أو الرسوم أو الشعارات للمصممين الآخرين بدل رسمها بنفسي.

أي نقلها من الآخرين دون رسمها من قبل السائل، فهذه ينطبق عليها حكم اقتناء الصور، وهي ثلاثة أنواع:

أ- إذا كان نقلك لها لتضعها على ما يستعمل في أماكن العبادة مثل سجادات الصلاة أو ستائر المسجد أو دعاية وإعلان للمساجد، ونحو ذلك… فهذا حرام لا يجوز، ومن الأدلة على ذلك:

حديث ابن عباس أن الرسولصلى الله عليه وآله وسلم أبى أن يدخل الكعبة حتى مُحيت الصور التي فيها، فرفضُ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دخولَ الكعبة إلا بعد أن محيت الصور هو قرينة على الترك الجازم لوضع الصور في أماكن العبادة، فيكون دليلاً على التحريم للصور في المساجد:

أخرج الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ يَعْنِي الْكَعْبَةَ لَمْ يَدْخُلْ وَأَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ»

ب- أما إن كان نقلُ السائل للصور المرسومة من غيره، نقلُها لاستعمالها في غير أماكن العبادة، فإن الأدلة الواردة بيّنت أن هذا جائز:

  • مع الكراهة إن كان نقل الصور لاستعمالها في أماكن للاحترام أو التعظيم كستائر للبيوت أو وسائل إيضاح للمؤسسات الثقافية أو على قمصان تلبس أو ثياب… أو في المدارس والمكاتب والإعلانات التي لا علاقة لها بالعبادة، أو كأن تعلق في صدر الغرفة أو تلبس لتحسين الهيئة ونحو ذلك… فكل هذا مكروه.

  • ومباحة إن كان نقل الصور لاستعمالها في غير أماكن العبادة وفي غير الأماكن المحترمة كأن تكون على بساط أرضي يوطأ أو على “فرشات” يُنام ويستلقى عليها، أو وسائد يتكأ عليها، أو رسومات على الأرض تُداس أو نحوها… فكل هذا مباح.

ومن الأدلة على ذلك:

  • حديث أبي طلحة عند مسلم بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة» وفي رواية من طريقٍ رواها مسلم أنه قال: «إلا رقماً في ثوب» فهذا يدل على استثناء الصورة المرقمة في ثوب، ومفهومه أن الملائكة تدخل البيت الذي فيه رقم في ثوب أي صورة مرسومة رسماً.

وهذا يعني أن الصورة المستوية “رقماً على ثوب” جائزة لأن الملائكة تدخل البيت الذي فيه صور مستوية. ولكن وردت أحاديث أخرى تُبيّن نوع هذا الجواز:

  • حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاري قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ» والقرام نوع من الثياب، وكان موضوعاً كساتر على باب البيت، وتلوُّن وجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونزع الستار هو بمثالة طلب ترك لوضع الستار على الباب إذا كان فيه صور، فإذا ضُّم هذا مع جواز دخول الملائكة البيت الذي فيه صور “رقماً على ثوب”، فإنه يدل على أن طلب الترك غير جازم، أي مكروه، ولأن مكان الصور هذا كان في ستار منصوب على الباب، وهو مكان محترم، فإذن وضع الصور في مكان محترم مكروه.

  • حديث أبي هريرة الذي أخرجه أحمد من قول جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «وَمُرْ بِالسِّتْرِ يُقْطَعْ فَيُجْعَلَ مِنْهُ وِسَادَتَانِ تُوطَآَنِ»، فجبريل قد أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بإزالة الستر عن المكان المحترم، وعمل وسادتين منه توطآن، وهذا يعني أن استعمال الصور المرسومة من آخرين في أماكن غير محترمة مباح.

وبالنسبة للسؤالين:

  • رسم رموز الناس أو الحيوانات (على سبيل المثال معالم في الطريق مثل “عبور المشاة” أو “الباب عند الحريق” أو “ممنوع التنزه مع الكلاب”).

  • رسم أجزاء جسم الإنسان أو الحيوان (على سبيل المثال صورة المصافحة أو إصبع سبابة أو رأس الحصان… كشعار).

إن الجواب على هذين السؤالين هو:

إذا كانت الرموز التي تُرسم تدل على صورة لها روح، فهي حرام، لأن الأحاديث وصفت التحريم المحرم بذي روح، وهذا الوصف ينطبق على الصور الكاملة أو النصفية أو الرأس المتصل به أجزاء واضحة من الجسم كاليدين أو نحو ذلك.

أما إذا كانت الرموز لا تدل على صورة لها روح مثل رسم يد وحدها أو رسم إصبع يشير إلى شيء أو رسم يدين تتصافحان أو نحو ذلك… فلا ينطبق عليها التحريم.

أما رسم رأس وحده دون اتصاله بأجزاء واضحة من الجسم فهذه فيها خلاف فقهي، والذي أرجحه هو عدم تحريم رأس وحده لا يتصل به أي جزء من الجسم، وذلك لأن الأحاديث التي تجيز قطع رأس التمثال ليبقى كالشجرة مثل حديث أبي هريرة الذي يقول فيه جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن التمثال لا يعود حراماً إذا قُطع رأسه… «فمر برأس التمثال الذي في باب البيت فليقطع ليصير كهيئة الشجرة»، «… فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ يُقْطَعْ فَيُصَيَّرَ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ…» أخرجه أحمد. هذا الحديث يعني أن الرأس وحده، وباقي التمثال وحده، كل منهما ليس حراماً، ولا يتأتى القول إن عدم التحريم هو لجسم التمثال المقطوع رأسه، وأما الرأس المقطوع فهو حرام، لأن أمر جبريل للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقطع رأس التمثال يعني أن هذا القطع جائز، وبالتالي فإن ما يترتب عليه جائز.

وللعلم فإن الحنابلة والمالكية يجيزون الرأس وحده، وأما الشافعية، فعندهم خلاف… فأكثر فقهائهم في تحريم الرأس وحده، وآخرون منهم يجيزونه.

أما السؤالان الأخيران:

  • رسم صور الأشخاص والحيوانات غير الشبيهة بالواقع (كاريكاتورية).

  • رسم أحرف الحكايات الخرافية غير الموجودة في الواقع أصلاً.

فإن جوابهما هو أن هذه الصور ما دامت تدل على كائن ذي روح، حتى وإن لم يكن مشابهاً للواقع، فإنه حرام لأن النصوص تنطبق عليه، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم أمر عائشة رضي الله عنها أن تنزع السترة التي كانت على الباب لأن عليها صوراً لخيول ذوات أجنحة، وبطبيعة الحال فليس هناك خيولٌ في الواقع ذوات أجنحة.

أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُه» والدرنوك نوع من الثياب.

وأكرر ما قلته في بداية الأسئلة أن الرسوم المحرمة هي التي ليست للأطفال، أما إذا كانت للأطفال، كالرسوم الكاريكاتيرية للأطفال أو الرسوم الخيالية للأطفال، أو في إلهائهم وتسليتهم، أو في تعليمهم… فكل هذا جائز للأدلة الواردة في ذلك ومنها:

أخرج أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ قَالَتْ بَنَاتِي…»

وحديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاري قَالَتْ: «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ…». أي بلعب على شكل بنات.

وحديث الربيع بنت معوذ الأنصارية رضي الله عنها الذي أخرجه البخاري «…وَنَجْعَلُ - وفي رواية مسلم ونصنع - لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ»، أي تلهيهم باللعبة حتى موعد الإفطار.

وكل هذه الأحاديث تجيز لُعب الأطفال حتى وهي على شكل تمثال لذي روح، وبذلك فإنها جائزة من باب أولى وهي على شكل صور مستوية مهما كانت.

12 من شوال 1431 الموافق 2010/09/21م

ميراث سالم مولى أبي حذيفة

**السؤال: ورد في كتاب " أجهزة دولة الخلافة " صفحة 136 السطر 4 من الأسفل " فلما أصيب، أي سالم مولى أبي حذيفة، باليمامة، أتي عمر بن الخطاب بميراثه…".

ومن المعروف أن معركة اليمامة حصلت في عهد الخليفة أبي بكر، وورد في الشاهد عمر بن الخطاب، فكيف نوفق في ذلك؟**

الجواب

1- نعم ورد في أجهزة الخلافة في تلك الصفحة ما يلي:

(وروى الشافعي في الأم، وصححه ابن حجر عن عبد الله بن وديعة قال: «كان سالم مولى أبي حذيفة مولى لامرأة منا يقال لها سلمى بنت يعار، أعتقته سائبة في الجاهلية، فلما أصيب باليمامة، أتي عمر بن الخطاب بميراثه، فدعا وديعة بن خذام فقال: هذا ميراث مولاكم وأنتم أحق به، فقال: يا أمير المؤمنين قد أغنانا الله عنه، قد أعتقته صاحبتنا سائبة، فلا نريد أن نندى من أمره شيئاً، أو قال نرزأ، فجعله عمر في بيت المال»).

2- وواضح من النص أن ميراثه جاء إلى عمر في خلافته، مع أن استشهاد سالم مولى أبي حذيفة كان في معركة اليمامة التي حدثت في خلافة أبي بكر رضي الله عنه.

3- وتفسير ذلك هو أن معركة اليمامة حدثت في أواخر حروب المرتدين، وهناك خلاف في تاريخ حدوثها، يقول ابن الأثير في الكامل:

“قد اختلف في تاريخ حرب المسلمين هؤلاء المرتدين، فقال ابن إسحاق: كان فتح اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشام سنة اثنتي عشرة، وقال أبو معشر ويزيد بن عياض بن جعدبة وأبو عبيدة بن محمد بن عمار ابن ياسر: إن فتوح الردة كلها كانت لخالد وغيره سنة إحدى عشرة، إلا أمر ربيعة بن بجير فإنه كان سنة ثلاث عشرة”

ويبدو أن الراجح هو قبيل بعث الجنود إلى الشام الذي كان سنة ثلاث عشرة، فيمكن أن تكون معركة اليمامة في أواخر السنة الثانية عشرة أو أوائل السنة الثالثة عشرة، فإذا علمنا أن خلافة عمر بدأت في أواخر جمادى الثانية من السنة الثالثة عشرة، فهذا يعني أن حصر ميراث سالم مولى أبي حذيفة قد فُرغ منه بعد أن توفي أبو بكر رضي الله عنه وبويع عمر بالخلافة، ولهذا فقد عُرضت القضية على عمر رضي الله عنه.

الثامن من جمادى الأولى 1431 هـ ألموافق22/4/2010 م

ألمشاعر والشعائر
ألسؤال: في كتاب المفاهيم صفحة 50 ورد: " على أن كثيراً من مشاعر الحج كالطواف حول الكعبة ولمس الحجر الأسود وتقبيله والسعي بين الصفا والمروة… "، وقد وردت كلمة “مشاعر” في مواضع أخرى نحو ذلك.
أليس الصحيح أن يقال (على أن كثيراً من شعائر الحج) وليس (من مشاعر الحج)؟ وإن كان هذا صحيحاً، فهل يتم تصحيح “مشاعر” إلى “شعائر” حيث وردت؟

الجواب
1- إن كلمة شعيرة مفرد شعائر، ومشعر مفرد مشاعر، يأتيان بمعنى واحد، غير أن الشائع استعمال “مشاعر” لعلامات الحج كالصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة والجمرات…
واستعمال “شعائر” لأعمال الحج ومناسكه كالسعي والطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمرات…
2- ولكن الصحيح أنهما يتبادلان المعنى:
يقول سبحانه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ… }فوردت شعائر هنا عن علامات الحج وليس عن السعي بين الصفا والمروة.
ويقول سبحانه: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ…} وهنا أطلق “المشعر” على مزدلفة أي على علامات الحج.
وورد في كتب اللغة:
في القاموس المحيط ج 1 / ص- 434:
“وشعار الحج مناسكه وعلاماته. والشعيرة والشعارة والمشعر: معظمها”.
وفي المحيط في اللغة ج / 1 ص- 43:
“وشعائر الحج أعماله وعلاماته، والواحدة شعيرة”
وفي لسان العرب ج 4/ ص- 410:
“وشعار الحج مناسكه وعلاماته وآثاره وأعماله جمع شعيرة… والشعيرة والشَعارة والمشعَر كالشعار…
وقال اللحياني: شعائر الحج مناسكه واحدتها شعيرة… والمشاعر المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها ومنه سمي المشعر الحرام.
وقال الزجاج في شعائر الله يعني بها جميع متعبدات الله التي أشعرها الله أي جعلها أعلاماً لنا… وإنما قيل شعائر لكل علم مما تعبد به… فلهذا سميت الأعلام التي هي متعبدات الله تعالى شعائر…
وقال الأزهري ولا أدري مشاعر الحج إلا من كون الإشعار هو الإعلام والشعار العلامة، فمشاعر الحج هي علامات له…”.
3- ويتبيَّن منه أن شعائر ومشاعر يتبادلان المعنى، غير أنه كما ذكرنا في البداية اشتهر استعمال “مشاعر” لعلامات الحج كالصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة والجمرات… واستعمال “شعائر” لأعمال الحج ومناسكه كالسعي والطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمرات…
4- أما عن التصحيح، فإذا تبيّن لنا أن هذا الاستعمال يحدث التباساً، ومن المناسب التعديل، فعندها سنفعل إن شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم

واقع البدعة

طالب عوض الله كتب:
السؤال: تناقشنا في إحدى جلساتنا عن البدعة اصطلاحاً، فبعضنا قال هي تطلق على كل مخالفة لأمر الشارع، وبعضنا قال إنها فقط تطلق على مخالفة أمر الشارع في العبادات… نرجو توضيح هذا الأمر، وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب

1- أوامر الشارع نوعان:

نوع وردت فيه صيغة الأمر مع بيان كيفية أداء هذا الأمر، أي الإجراءات العملية للتنفيذ، مثلاً يقول الله سبحانه {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، فهذه صيغة أمر، ولكنه لم يُترك للإنسان أن يصلي كما يريد، بل جاءت نصوص أخرى فبينت كيفية الأداء من إحرام وقيام وقراءة وركوع وسجود…، وكذلك قال سبحانه {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وهذه صيغة أمر بالحج “خبر في معنى الطلب”، ثم وردت نصوص تبين كيفية أداء هذا الأمر بالحج…

ونوع ثانٍ وردت فيه صيغة الأمر عامة أو مطلقة دون بيان كيفية الأداء، أي دون بيان الإجراءات العملية للتنفيذ،

فمثلا قوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» [أخرجه البخاري]، فهنا أمر بالسلم “السلف” بصيغة الجملة الشرطية، فقد أمر أن يكون السلم في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم، ولكن لم يبين الشارع كيفية إجراءات الأداء، كأن يقف العاقدان أمام بعضهما، ويقرءا شيئاً من القرآن، ثم يتقدمان خطوة إلى الأمام، ويتعانقان ثم يتخاطبان في موضوع السلم… وبعد ذلك يتم الإيجاب والقبول…

ومثلاً قوله صلى الله عليه وسلم « الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ » [البخاري ومسلم] ، «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلًا بِمِثْلٍ»[البخاري ومسم]. فهو أمر"خبر في معنى الطلب"، ولكنه لم يبين إجراءات عملية لهذا التبادل على نحو ما ذكرناه سابقاً

ومثلاً صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بالقيام عندما تمر الجنازة كما في حديث مسلم « إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها… »، وفعل الرسول هو في مقام الطلب، أي الأمر، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يبين كيفية الإجراءات العملية للقيام على النحو الذي بيناه في الأمثلة الأولى.

وهكذا فهناك أوامر للشارع وردت معها إجراءات عملية للأداء، وهناك أوامر للشارع وردت مطلقة أو عامة دون إجراءات عملية تفصيلية لكيفية الأداء.

2- مخالفة أمر الشارع الذي وردت له كيفية أداء تسمى اصطلاحاً بدعة لأنها ليست على الكيفية التي بينها الشارع، فالبدعة لغة كما في لسان العرب: المبتدع الّذي يأتي أمراً على شبهٍ لم يكن…، وأبدعت الشّيء: اخترعته لا على مثالٍ،

وهي في الاصطلاح كذلك، أي مخالفة كيفية شرعية بيَّنها الشرع لأداء أمر شرعي، وهذا المعنى هو مدلول الحديث. « وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ » [البخاري ومسلم]. وهكذا فإن من سجد ثلاثاً في صلاته بدل اثنتين فقد جاء ببدعة، ومن رمى ثماني حصيات بدلاً من سبع على جمرات منى فقد جاء ببدعة… وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أي أنه يأثم بفعلته تلك.

3- مخالفة أمر الشارع الذي لم ترد له كيفية أداء، فهي تقع في الأحكام الشرعية، فيقال عنها حرام، أو مكروه، أو مباح إن كان خطاب تكليف، أو يقال باطل أو فاسد… إن كان خطاب وضع، وذلك حسب القرينة المصاحبة للأمر من حيث الجزم أو الترجيح أو التخيير.

ففي مثالنا الأول من أسلف “أي عقد عقد السلم”، بخلاف أمر الشارع أي دون كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم، فلا يقال إنه جاء ببدعة، وإنما يقال إن هذا العقد المخالف لأمر الشارع هو باطل أو فاسد وفق نوع المخالفة.

وفي المثال الثاني فإن مخالفة الأمر “الذهب بالذهب هاء بهاء مثلا بمثل”، أي لو بادل رجل الذهب بالذهب مخالفاً أمر الشارع أي ليس مثلاً بمثل ولا هاء بها، فلا يقال إنه جاء ببدعة بمخالفته الأمر، وإنما يقال ارتكب حراماً بقيامه بمعاملة ربوية.

وأيضاً فإن مخالفة القيام للجنازة والبقاء جالساً، لا يقال إنه بدعة، بل يقال إنه مباح لأن النصوص الشرعية وردت في الحالتين، فقد أخرج مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَعَدَ» .

وهكذا بالنسبة لمخالفة أمر الشارع « فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» ، لا يقال عنه بدعة، بل يدرس الحكم الشرعي المتعلق بزواج غير ذات الدين، وذلك لأنه لم يبين إجراءات عملية في الاختيار مثلاً أن يقف الخاطب أمامها ويقرأ أية الكرسى، ثم يتقدم خطوة ويقرأ المعوذتين، ثم يتقدم خطوة أخرى ويسمي الله، ثم يمد يده اليمنى ويتقدم بالخطبة…

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» [أبو داود وأحمد] للتجار نتيجة إكثارهم من الحلف، فالشارع لم يبين إجراءات تفصيلية لأداء الأمر “فشوبوه”، ولهذا فلا يقال إن الذي يبيع ويستعمل الحلف إذا لم يتصدق فقد جاء ببدعة، وإنما يدرس الحكم الشرعي المتعلق بعدم تصدق التاجر الذي يحلف عند البيع.

وهكذا بالنسبة لمخالفة جميع الأوامر التي لم يأت الشارع لها بكيفية تفصيلية للأداء.

4- باستقراء النصوص الشرعية وجد أنه فقط في غالب العبادات وردت كيفيات لأداء أمر الشارع، أي إجراءات عملية لتنفيذ أمر الشارع، ولذلك فلا تقع البدعة في غير العبادات، لأنها هي التي وردت فيها إجراءات عملية لتنفيذ أمر الشارع.

ونقول غالب العبادات، لأن بعضها لم يرد فيها إجراءات عملية للتنفيذ، فمثلاً الجهاد وإن كان عبادة إلا أن أوامره وردت مطلقة أو عامة {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ}، {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}، فهذه الأوامر لم ترد نصوص لبيان كيفية أدائها، فلم يرد مثلاً كيف تقاتل كأن تقرأ آية، وتطلق طلقة، وتتقدم خطوة وتطلق أخرى ثم تتحرك إلى اليمين… وهكذا، ولذلك فمن لم يجاهد في الوقت الذي يترتب الجهاد عليه، لا يقال عنه إنه جاء ببدعة، وإنما يقال ارتكب حراماً لتخلفه عن الجهاد.

5- والخلاصة أن مخالفة أمر الشارع الذي بين الشارع له كيفية الأداء، تكون هذه المخالفة بدعة، ومخالفة أمر الشارع المطلق أو العام الذي لم يبين الشارع له كيفية أداء، تكون هذه المخالفة واقعة في الأحكام الشرعية “التكليف- حرام، مكروه، مباح” أو “الوضع، بطلان، ساد”.

وحيث إنه بالاستقراء وُجد أن غالب العبادات وردت فيها كيفية الأداء، ولهذا تقع مخالفتها في باب البدعة.

وأما أدلة المعاملات أو الجهاد… فوردت مطلقة أو عامة، ولهذا تقع مخالفتها في باب الأحكام الشرعية “التكليف: حرام، مكروه، مباح” أو “الوضع: بطلان، فساد”.

29 رمضان 1430 هـ ألموافق 18/9/2009م

ألمدارس وأهل ألذمّة

**السؤال: في صحيح البخاري (كتاب الجزية- باب إخراج اليهود من جزيرة العرب) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد، خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “انطلقوا إلى يهود”، فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس فقال: " أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله".

لقد أشكل علينا هذا الحديث، حيث إنه بفهم منه أن هؤلاء اليهود كانت لهم مدارس خاصة، فبعضنا فهم من الحديث أنه يتعلق بكيانات لليهود منفصلة كيهود بني قريظة أو خيبر… فلا مشكلة إذن أن تكون لهم مدارسهم الخاصة، وبعضنا ترجح لديه أنهم كانوا أهل ذمة ممن بقي من اليهود بعد أحداث بني قريظة وخيبر، وهذا يعني أنه يجوز أن تكون مدارس خاصة لأهل الذمة، وهنا المشكلة! فنرجوا توضيح هذا الأمر.**

الجواب

موضوع المدراس:

لقد استطردتم في المسألة في كونها تتعلق بأهل الذمة أو بكيانات اليهود…، فأشكل عليكم الحكم فيما إذا كانوا من أهل الذمة، حيث رتبتم على ذلك جواز المدارس الخاصة لأهل الذمة!

والمسألة أيسر من ذلك، فهي لا تتعلق بالمدارس وإنما تتعلق بدراسة أهل الذمة لأديانهم، و"المدراس" هو ملحق بمكان عبادتهم فيدرسون فيه توراتهم وطقوسهم، ويجوز لأهل الذمة أن يتدارسوا أديانهم فيما بينهم. وهذا يختلف عن المدارس بمعناها المعروف.

ولتوضيح المسالة فقد جاء في معنى مدراس في القاموس المحيط معنيان:

الأول: الموضع الذي يقرأ اليهود فيه التوراة.

الثاني: مكان يجتمعون فيه في أعيادهم يأكلون ويشربون.

وجاء في لسان العرب معنيان:

الأول: المكان الذي يجتمعون إليه في عيدهم يُصلون فيه.

والثاني: يوم يأكلون فيه ويشربون.

وكما ترى فهو لا يعدو كونه ملحقاً بأماكن عبادتهم يتدارسون فيه دينهم فيما بينهم، أو هو يوم يأكلون فيه ويشربون أي كديوان لهم أو نحو ذلك. وهو في الحالتين لا علاقة له بالمدارس بالمعنى المعروف.

12 رمضان 1430 هـ ألموافق1/9/2009م

المرأة في حديث «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..»

**السؤال:

السلام عليكم: في حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» متفق عليه.

لماذا لم تذكر المرأة في هذه المواضع - خص الذكور فيهـا - أي ذكر الرجال خاصـة في جميع الأحوال ولم تذكر المرأة؟

أرجو الإفادة الشاملة وبارك الله فيكم وأيدكم بنصره**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

قبل إجابتك عن الحديث الشريف، ولماذا لم تذكر المرأة، فإني أذكر لك ما يلي:

1- هناك أسلوب عند العرب اسمه أسلوب “التغليب”، أي أن يكون الخطاب بصيغة المذكر وتدخل فيه صيغة المؤنث بالتغليب، كقوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فتدخل فيه المؤمنات.

ومثل ما أخرجه البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ». فهو ينطبق على المرأة كذلك بأسلوب التغليب، أي (أَيُّمَا امرأة أَعْتَقَت امْرَأً مُسْلِمًا…).

ومثل حديث النسائي في زكاة الإبل… عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَجْدَتُهَا وَرِسْلُهَا؟ قَالَ: «فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنِهِ وَآشَرِهِ، يُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، إِذَا جَاءَتْ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ…» فهو ينطبق على المرأة بأسلوب التغليب إذا لم تزكِّ ما تملكه من الإبل.

? وكما ترى فإن لفظ المذكر أو الرجل ينطبق بأسلوب التغليب على لفظ المؤنث أو المرأة في الحالة العامة.

2- لكن أسلوب “التغليب” هذا لا يُعمل به إذا عُطِّل بنص:

فمثلاً قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ فالخطاب هنا بصيغة المذكر، ولكن لا يستعمل التغليب هنا فلا يقال إن هذا يشمل النساء بأسلوب التغليب بلفظ “كتب عليكن القتال”، لأن هذا معطل بنصوص أخرى تجعل الجهاد فرضاً على الرجال، فقد أخرج ابن ماجه عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أم المؤمنين رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ». أي أن الجهاد بمعناه القتالي ليس فرضاً على المرأة.

ومثلاً: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي أنه يحرم على الرجل الاستمرار في البيع وقت الأذان إلى الجمعة، وهنا لا يعمل أسلوب التغليب أي لا يحرم على المرأة البيع وقت الأذان، لأن الجمعة ليست فرضاً على النساء لقوله صلى الله عليه وسلمفيما أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةٌ: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ»، وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ووافقه الذهبي.

3- وبناء عليه، نفهم الحديث على النحو التالي:

نص الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».

إن هذا الحديث ينطبق بأسلوب التغليب على المرأة بالنسبة لخمسة من السبعة التي لم تعطَّل بنصوص أخرى، فينطبق على شابة نشأت في عبادة ربها… وعلى امرأتين تحابتا في الله… وامرأة طلبها رجل… وامرأة تصدقت… وامرأة ذكرت الله خالية ففاضت عيناها…

ولكن هذا الأسلوب لا ينطبق على الإمام العادل، ورجل معلق قلبه في المساجد لأنهما معطلان بنص:

أما «الإِمَامُ العَادِلُ» فهنا أسلوب “التغليب” لا يعمل لأن المرأة لا تتولى الحكم كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ، قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى، قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»، فولاية الأمر، أي الحكم لا يجوز من المرأة، وأما غير الحكم كالقضاء وانتخاب الخليفة وأن تنتخب وتنتخب في مجلس الأمة، وغيرها من الوظائف المشروعة التي ليست من الحكم فجائزة لها… وهذا يعني أن كلمة “الإمام العادل” لا تشملها، ومع ذلك فهناك بعض المفسرين من تأول “الإمام العادل” بمعنى الراعي العادل، فطبَّقها على المرأة وفق نص الحديث الذي أخرجه البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا…». ولكن الأرجح أن التغليب هنا لا يعمل حيث إن كلمة “الإمام العادل” راجحة في الحاكم، فلا تطبق على المرأة.

وأما «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ» فمعطلة بالنص الذي يفيد أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد وذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي».

وهكذا فخمسة من السبعة في الحديث تنطبق على المرأة بأسلوب التغليب، وأما الإمام العادل والتعلق بالمساجد، فلا تنطبق لأنهما معطلان بنص ومن ثم لا يعمل هنا أسلوب “التغليب”.

ولكمال الفائدة، فإني أذكر لك ما جاء في تفسير فتح الباري لابن حجر لحديث البخاري المذكور، وبخاصة خاتمة تفسير الحديث، وهذا نصها:

(…ذِكْرُ الرِّجَالِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ يَشْتَرِكُ النِّسَاءُ مَعَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ إِلَّا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْعَادِلِ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى وَإِلَّا فَيُمْكِنُ دُخُولُ الْمَرْأَةِ حَيْثُ تَكُونُ ذَاتَ عِيَالٍ فَتَعْدِلُ فِيهِمْ، وَتَخْرُجُ خَصْلَةُ مُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْمُشَارَكَةُ حَاصِلَةٌ…) انتهى

وعليه فحديث السبعة ينطبق كذلك على المرأة إلا بالنسبة للإمام العادل، والمعلق قلبه في المساجد، فلا ينطبق على المرأة، لأن أسلوب التغليب في هاتين الحالتين معطل بنص.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

8 من جمادى الأولى 1435هـ ألموافق2014-03-09م

منقول

استعمال الصور المرسومة

**الأسئلة:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

هناك ثلاثة أسئلة أرجو التكرم بالرد عليها:

1- حكم الرسم اليدوي ورسم الأشكال التي فيها حياة؛ كالإنسان والحيوان ووضعها في البيوت وتعليقها.

وبارك الله بكم وسدد خطاكم وفتح على أيديكم.**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- بالنسبة للرسم اليدوي ورسم الأشكال التي فيها حياة…

? رسم صور الأشخاص والحيوانات الشبيهة بالواقع…

إن هذه ينطبق عليها التحريم الوارد في الأدلة، سواء أكان الرسم بالقلم اليدوي أم كان باستعمال “الفارة” على الحاسوب “الكمبيوتر”، فما دام الرسم بالجهد البشري محاكاة لذي روح فالتحريم ينطبق عليه، أخرج البخاري من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا». وأخرج من طريق ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ».

? أما حكم اقتنائها ووضعها في البيوت وتعليقها، فهو كما يلي:

أ- إذا كان وضعها في أماكن العبادة مثل سجادات الصلاة أو ستائر المسجد أو دعاية وإعلان للمساجد، ونحو ذلك… فهذا حرام لا يجوز، ومن الأدلة على ذلك:

حديث ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم أبى أن يدخل الكعبة حتى مُحيت الصور التي فيها، فرفضُ الرسول صلى الله عليه وسلم دخولَ الكعبة إلا بعد أن محيت الصور هو قرينة على الترك الجازم لوضع الصور في أماكن العبادة، فيكون دليلاً على التحريم للصور في المساجد:

أخرج الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ يَعْنِي الْكَعْبَةَ لَمْ يَدْخُلْ وَأَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ».

ب- إذا كان وضعها في غير أماكن العبادة، فإن الأدلة الواردة بيّنت أن هذا جائز:

  • مع الكراهة، أي أنه مكروه إن كان وضعها في أماكن للاحترام أو التعظيم كستائر للبيوت أو وسائل إيضاح للمؤسسات الثقافية أو على قمصان تلبس أو ثياب… أو في المدارس والمكاتب والإعلانات التي لا علاقة لها بالعبادة، أو كأن تعلق في صدر الغرفة أو تلبس لتحسين الهيئة ونحو ذلك… فكل هذا مكروه.

  • ومباحة إن كان وضعها في غير أماكن العبادة وفي غير الأماكن المحترمة كأن تكون على بساط أرضي يوطأ أو على “فرشات” يُنام ويستلقى عليها، أو وسائد يتكأ عليها، أو رسومات على الأرض تُداس أو نحوها… فكل هذا مباح.

ومن الأدلة على ذلك:

  • حديث أبي طلحة عند مسلم بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة» وفي رواية من طريقٍ رواها مسلم أنه قال: «إلا رقماً في ثوب» فهذا يدل على استثناء الصورة المرقمة في ثوب، ومفهومه أن الملائكة تدخل البيت الذي فيه رقم في ثوب أي صورة مرسومة رسماً.

وهذا يعني أن الصورة المستوية “رقماً على ثوب” جائزة لأن الملائكة تدخل البيت الذي فيه صور مستوية. ولكن وردت أحاديث أخرى تُبيّن نوع هذا الجواز:

  • حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاري قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَفِي الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ» والقرام نوع من الثياب، وكان موضوعاً كساتر على باب البيت، وتلوُّن وجه الرسول صلى الله عليه وسلم ونزع الستار هو بمثابة طلب ترك لوضع الستار على الباب إذا كان فيه صور، فإذا ضُّم هذا مع جواز دخول الملائكة البيت الذي فيه صور “رقماً على ثوب”، فإنه يدل على أن طلب الترك غير جازم، أي مكروه، ولأن مكان الصور هذا كان في ستار منصوب على الباب، وهو مكان محترم، فإذن وضع الصور في مكان محترم مكروه.

  • حديث أبي هريرة الذي أخرجه أحمد من قول جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم: «وَمُرْ بِالسِّتْرِ يُقْطَعْ فَيُجْعَلَ مِنْهُ وِسَادَتَانِ تُوطَآَنِ»، فجبريل قد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإزالة الستر عن المكان المحترم، وعمل وسادتين منه توطآن.

وهذا يعني أن استعمال الصور المرسومة من آخرين في أماكن غير محترمة مباح.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

18 من جمادى الأولى 1435 ألموافق 2014-03-19م

منقول

حكم الجارية المتزوجة إذا زنت

**السؤال: السلام عليكم: لدي السؤال التالي: :

إذا زنت الجارية المتزوجة فهل حدها الرجم؟)**

? وهذا الجواب بالعربية:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أما حكم الجارية المتزوجة إذا زنت فهو خمسون جلدة، والدليل قوله سبحانه (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، ومعنى “نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ” أي نصف حد الحرة التي تزني إذا كانت غير متزوجة، فالمحصنة هنا أي الحرة غير المتزوجة إذا زنت فحدها مئة ونصف الحد خمسون، وليس المحصنة هنا الحرة المتزوجة إذا زنت لأن حدها في هذه الحالة الرجم وهو لا يُنصَّف، فورود “نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ” قرينة على أن النصف هو حد الحرة غير المتزوجة إذا زنت أي نصف المئة “خمسون جلدة”، أي أن دولة الخلافة تقيم عليهن الحد خمسين جلدة، والحدود تقيمها الدولة وليس الأفراد، وهذا أمر مهم يجب إدراكه.

ولكن لفت نظري سؤالك عن الجارية المتزوجة إذا زنت،

فالآن لا يوجد جوارٍ، فلماذا تسأل؟

وأخشى أن تكون تقصد بالجارية الخادمة الحرة، وهذه لا تعتبر من ملك اليمين أي من الجواري اللاتي يطبق عليهن نصف ما على الحرائر، بل الخادمة الحرة تأخذ أحكام الحرائر، فيجب أن تدرك هذا جيداً، أي أن الحكم الذي ذكرته الآية هو للجواري اللاتي هن ملك يمين، وهن الآن غير موجودات، وأما الخادمات، فهن حرائر.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

24 من شـعبان 1434 2013/07/03م

منقول

حول نجاسة بول وروث الحيوان

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شيخنا الفاضل، جاء في حديث أنس بن مالك: "قدم على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قومٌ من عُكْلٍ أو عُرَينةَ. فاجتَوُا المدينةَ. فأمر لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بلقاحٍ. وأمرهم أن يشربوا من أبوالِها وألبانِها. صحيح مسلم

والمتبنى عندنا نجاسة البول والانتفاع بالنجاسة مطلقا سواء أبوالاً أم روث الحيوانات التي يؤكل لحمها أم لا.

وأما الدليل على حرمة الانتفاع بها جاء من حديث الرسول في قصة الاستنجاء (إنها ركس) وعند ابن خزيمه زيادة (إنها ركس إنها روثة حمار (ولقد قرأت في نيل الأوطار للشوكاني نقلاً عن التميمي أن الروث هو المختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير. ومن خلال الجمع بين الحديثين نجد أن روث الحيوانات التي يؤكل لحمها جائز أن ننتفع به مثلا في تسميد المحاصيل الزراعية. أفيدونا بارك الله فيكم.**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- بالنسبة إلى نجاسة بول وروث الحيوان:

إنه لا خلاف في نجاستهما إن كانا من الحيوان غير مأكول اللحم، وأما مأكول اللحم ففيه خلاف.

والراجح لدي أنه نجس لا يجوز الانتفاع به إلا للدواء، فيجوز مع الكراهة، كما هو مبين فيما بعد، وما دام نجساً فلا يجوز الانتفاع به، فقد أخرج مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا» فالانتفاع بالنجس حرام.

2- ومن الأدلة على نجاسة البول:

  • أخرج البخاري في صحيحه عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، «فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ».

  • أخرج البخاري في صحيحه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ».

  • أخرج الدارقطني عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ».

والبول سواء أكان من آدمي أو من حيوان فواقعه واحد، ودلالة نجاسة البول تنطبق عليه، فأي بول نجس، سواء أكان من الإنسان أم من الحيوان مأكول اللحم أم من الحيوان غير مأكول اللحم، فواقع البول واحد.

  • وأما حديث البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ «فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا»، فهو في موضوع الدواء، وبجمعه مع حديث ابن ماجه في التداوي بالخمر وهذا نصه: أخرج ابن ماجه عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بِأَرْضِنَا أَعْنَابًا نَعْتَصِرُهَا، فَنَشْرَبُ مِنْهَا؟ قَالَ: «لَا» فَرَاجَعْتُهُ، قُلْتُ: إِنَّا نَسْتَشْفِي بِهِ لِلْمَرِيضِ، قَالَ: «إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ»، يتبين أن النهي عن التداوي بالنجس هو غير جازم، وإذن هو مكروه. فيكون التداوي بشرب البول جائز مع الكراهة، ولا يعني أنه غير نجس، بل هو جائز مع الكراهة في التداوي.

3- ومن الأدلة على نجاسة الروث:

  • أخرج البخاري في صحيحه عن عَبْدَ اللَّهِ قال: «أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ» وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ». والركس أي النجس.

أما قولك إن الروث لا يُطلق إلا على ما يخرج من غير مأكولة اللحم وتضيف أنك وجدت عند ابن خزيمة زيادة “إنها ركس، إنها روثة حمار”، فمع أن البخاري وجمع من أصحاب السنن كأحمد والنسائي والترمذي والطبراني والدارقطني والبيهقي والبزار وأبو يعلى كلهم لم يذكروا هذه الزيادة “إنها روثة حمار”، ووجدت عند ابن خزيمة الرواية التالية: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، فَلَا يَسْتَقْبِلْ أَحَدُكُمُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا - يَعْنِي فِي الْغَائِطِ - وَلَا يَسْتَنْجِ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَوْثٌ وَلَا رِمَّةٌ» وإسناده حسن. ومع ذلك فكما قلنا بالنسبة للبول فإن واقع الروث واحد، سواء أكان من مأكول اللحم، أم من غير مأكول اللحم، ولذلك فيطبق الحكم عليه، وكما يكون روث الحمار نجساً يكون روث البقر نجساً أيضاً أي أن الروث نجس كله من مأكول اللحم ومن غير مأكوله.

هذا ما أرجحه، وأقول أرجحه لأن هناك أقوالا معتبرة إلى حد ما بإخراج بول ما يؤكل لحمه وروثه من النجاسة.

منقول

22 شعبان 1434هـ ألموافق 2013/07/01م

الانتفاع بالنجس

**الأسئلة:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

هناك ثلاثة أسئلة أرجو التكرم بالرد عليها:

2- هل يجوز أخذ جين من خنزير مثلا جين النمو ووضعه في طعام حلال مثل الخيار للنمو..؟

وبارك الله بكم وسدد خطاكم وفتح على أيديكم.**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

2- أخذ جين من خنزير، وتغذية النباتات به لزيادة نموها، كاستعماله في تنمية الخيار وغيره، فهو لا يجوز، وذلك للأدلة التالية:

? الخنزير حرام، وهو نجس للأدلة التالية:

  • ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

  • ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ… ﴾.

  • أخرج الطبراني في الكبير عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: وَأَنَا فِي أَرْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ يَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا الْخَمْرَ فَآكُلُ فِيهَا وَأَشْرَبُ…؟ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «…وَإِنْ وَجَدْتَ عَنْ آنِيَةِ الْكُفَّارِ غِنًى فَلَا تَأْكُلْ فِيهَا، وَإِنْ لَم تَجِدْ غِنًى فَارْحَضْهَا بِالْمَاءِ رَحْضًا شَدِيدًا ثُمَّ كُلْ فِيهَا» أي إن احتجت لها ولم تجد غيرها، فاغسلها غسلاً جيداً، وهذا يدل على نجاسة الخمر والخنزير ما دامت تحتاج إلى غسل لتطهيرها. وفي رواية للدارقطني يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن غسلها بالماء هو تطهير لها، وهو دلالة صريحة على نجاسة الخنزير والخمر، وهذه رواية الدراقطني:حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنِ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُخَالِطُ الْمُشْرِكِينَ وَلَيْسَ لَنَا قُدُورٌ وَلَا آنِيَةٌ غَيْرُ آنِيَتِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ: «اسْتَغْنُوا عَنْهَا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورُهَا ثُمَّ اطْبُخُوا فِيهَا» وهو نص صريح بأن الخمر والخنزير من النجاسات، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول «فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورُهَا».

? والانتفاع بالنجس هو حرام كذلك، ومن الأدلة:

  • أخرج البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ».

  • وأخرج مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا».

  • وأخرج أبو داود عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ».

وهذه الأدلة تبين حرمة الانتفاع بالنجس، ولذلك فلا يجوز أخذ جين من خنزير وتغذية النباتات به لزيادة نموها، كاستعمالها في تنمية الخيار وغيره، فهو لا يجوز لحرمة الانتفاع بالنجس.

ولا يقال إن هذا كالدواء الذي يجوز بالنجس مع الكراهة لما رواه البخاري من طريق أنس رضي الله عنه: «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا…»، لا يقال ذلك لأن تنمية المزروعات لا تقع تحت مدلول كلمة الدواء. عليه فلا يصح استعمال جين من خنزير لتنمية النباتات.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

18 من جمادى الأولى 1435 ألموافق 2014-03-19م

منقول