**ثم إنه في السنة الخامسة للهجرة في غزوة بني المصطلق تزوج من جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ، وحديث زواجه منها كان لتقريب أبيها ولرفع مكانتها ، فإن جويرية هذه كانت من سبايا بني المصطلق ، وقد وقعت في سهم أحد الأنصار ، وكانت بنت سيد بني المصطلق . فأرادت أن تفتدي نفسها من سيدها التي أصبحت أمة له ، فأغلى الفداء عليها علماً منه بأنها ابنة زعيم بني المصطلق . فجاء أبوها إلى النبي بفداء إبنته ، ففداها ، ثم أسلم بعد أن آمن برسالة النبي . ثم أخذ ابنته جويرية إلى النبي فأسلمت كما أسلم أبوها ، فخطبها النبي إلى أبيها فزوجه إياها فكان زواجه لها زواجاً لبنت سيد قبيلة قد أخضعها فأراد جلب ود زعيمها بزواجه بنته .
ثم إنه في السنة السابعة للهجرة بعد الانتصار على خيبر تزوج صفية بنت حيي بن أخطب أحد زعماء اليهود . وحديث زواجها أنها أخذت مع السبايا اللاتي أخذهن المسلمون من حصون خيبر ، فقال بعض المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم: صفية سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك . فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها ، وفي هذا حفظ لها ، وتخليص لها من رق الأسر ، ورفع لمكانتها . وقد وري أن أبا أيوب خالد الأنصاري خشي أن تتحرك في نفسها الضغينة على الرسول الذي قتل أباها وزوجها وقومها ، لذلك بات حول الخيمة التي أعرس فيها الرسول بصفية في طريق عودته من خيبر ، متوشحاً سيفه ، فلما أصبح الرسول رآه وسأله . مالك ؟ قال : خفت عليك من هذه المرأة ، وقد قتلت أباها وزوجها وقومها وقد كانت حديثة عهد بكفر فطمأنه الرسول وظلت صفية عند الرسول على الوفاء له حتى قبضه الله إليه.
ثم إنه في السنة الثامنة للهجرة تزوج من ميمونة أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب ، وكان زواجه بها في آخر عمرة القضاء . وحديث زواجه إياها هو أن ميمونة كانت في السادسة والعشرين من عمرها وكانت موكلة أختها أم الفضل في تزويجها . فلما رأت ميمونة ما رأت من أمر المسلمين في عمرة القضاء هفت إلى الإسلام نفسها ، فخاطب العباس ابن أخيه سيدنا محمداً في أمرها ، وعرض عليه أن يتزوجها ، وقبل الرسول زواجها ، وكانت الأيام الثلاثة التي نص عليها عهد الحديبية قد انقضت ، لكن الرسول أراد أن يتخذ من زواجه ميمونة وسيلة لزيادة في التفاهم بينه وبين قريش ، فلما جاءه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى من قبل قريش ، يقولان لمحمد إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا ، قال لهما ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم ، وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه ، فكان جوابهما لا حاجة بنا إلى طعامك فأخرج عنا ، فلم يتردد الرسول فخرج والمسلمون من وارئه .
وأما زواجه بزينب بنت خزيمة ، وأم سلمة ، فقد كان زواجاً لزوجتي رجلين من أصحابه استشهدوا في معارك القتال . فقد كانت زينب زوجة لعبيدة بن الحارث بن المطلب ، الذي استشهد يوم بدر ، ولم تكن ذات جمال . وإنما عرفت بطيبتها وإحسانها حتى لقبت بأم المساكين ، وكانت قد تخطت الشباب ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية للهجرة ، بعد معركة بدر ، وبعد استشهاد زوجها . ولم تمكث عنده سوى سنتين ثم قبضها الله إليه ، فكانت بعد خديجة الوحيدة التي توفيه قبله . أما أم سلمة فكانت زوجاً لأبي سلمة ، وكان لها منه أبناء عدة ، وقد جرح أبو سلمة في أحد ، ثم برئ جرحه فعقد له النبي لحرب بني أسد ، فشتتهم وعاد إلى المدينة بما غنم ثم نغر عليه جرح أحد ، وما زال به حتى قضى عليه ، وقد حضره النبي وهو على فراش موته ، وظل إلى جانبه يدعو له بخير حتى مات فأسبل عينه . وبعد أربعة أشهر من وفاته خطب الرسول أم سلمة إلى نفسها ، فاعتذرت بكثرة العيال ، وبأنها تخطت الشباب فما زال بها حتى تزوج منها ، وحتى أخذ نفسه بالعناية بتنشئة أبنائها . فهاتان الزوجتان إنما تزوجهما الرسول ، إعالة لأهل صاحبيه بعد وفاتهما .
وأما زواجه صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان فقد كان زواجاً لمؤمنة هاجرت إلى الحبشة فراراً بدينها ثم صبرت في سبيل إسلامها بعد أن ارتد زوجها . ذلك أن أم حبيبة هذه هي رملة بنت أبي سفيان زعيم مكة وقائد المشركين . وقد كانت زوجة لابن عمة رسول الله عبيد الله بن جحش الأسدي . وقد أسلم عبيد الله وأسلمت معه رملة ، وأبوها على الكفر ، وقد خشيت أذى أبيها فهاجرت مع زوجها إلى الحبشة وهي مثقلة بحملها . وهناك في المهجر وضعت رملة بنتها حبيبة بنت عبيد الله التي كنيت بها فصارت تدعى أم حبيبة غير أن عبيد الله بن جحش زوجها ما لبث أن ارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية دين الأحباش وحاول أن يرد زوجته رملة عن الإسلام فصبرت على دينها . ثم أرسل النبي إلى النجاشي يوكله بزواج أم حبيبة من رسول الله فأخبر النجاشي أم حبيبة بذلك فوكلت خالداً بن سعيد بن العاص عنها بالزواج وجرى عقد زواجها من الرسول ، وتولى خالد العقد بوكالته عنها ، وتولى النجاشي العقد عن رسول الله . ثم إنه لما رجع مهاجرو الحبشة إلى المدينة بعد غزوة خيبر رجعت أم حبيبة معهم ، ودخلت بيت رسول الله ، واحتفلت المدينة بعرس الرسول من أم حبيبة وأقامت في بيته .
أما زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش فكان تشريعاً لعدة أمور ، كان تشريعاً لهدم ما يسمى بالكفاءة بين الرجل والمرأة في تزويجه ابنة عمته وهي من ذؤابة قريش لمولى كان عبداً وأعتق ، وكان تشريعاً لهدم ما تركز عندهم من أن تبنى ولداً كان كابنه لا يتزوج امرأته ، فتزوج امرأة مولاه الذي أعتقه بعد طلاقها منه لهدم هذه العادات . وحديث زواج الرسول بزينب بنت جحش هو أن زينب بنت جحش هذه هي ابنة أميمة بنت عبد المطلب ، عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها ربيت بعينه وعنايته ، وأنها كانت لذلك منه بمقام البنت أو الأخت الصغرى . وأنه كان يعرفها ويعرف أهي ذات مفاتن أم ليست كذلك ، قبل أن تتزوج زيداً ن وأنه شهدها في نموها تحبو من الطفولة إلى الصبا ، إلى الشباب ، فلم تكن مجهولة للرسول ، بل كانت بمقام بنته . وقد خطبها عليه الصلاة والسلام لتتزوج من مولاه زيد فأبى أخوها عبد الله بن جحش أن تكون أخته وهي قرشية هاشمية ، وهي فوق ذلك ابنة عمة رسول الله ، تحت عبد رق اشترته خديجة ، ثم أعتقه محمد ، ورأى في ذلك على زينب عاراً كبيراً . وكان ذلك عاراً حقاً عند العرب كبيراً ، فلم تكن بنات الأشراف الشريفات ليتزوجن من موال ، وإن أعتقوا .**


