وَهُدِمَت ألْخِلافَة

**تآمر الدول الأوروبية

على الدولة الإسلامية

ومع اختلاف الكفار على اقتسام بلاد المسلمين لكنهم اتفقوا على القضاء على الإسلام. وقد سلكوا لذلك عدة طرق. فقد أثاروا في البلدان الأوروبية النعرة القومية، والنزعة الاستقلالية، وحركوا أهل البلاد على الدولة الإسلامية، وأخذوا يمدونهم بالسلاح والمال للثورة عليها. كما حصل في بلاد الصرب واليونان. وحاولوا ضرب الدولة الإسلامية من الخلف، فقامت فرنسا بغزو مصر واحتلالها في تموز سنة 1798، ثم زحفت على فلسطين واحتلتها، وأرادت أن تحتل باقي الشام لتضرب الدولة ضربة قاضية. ولكنها هزمت بعد ذلك, وخرجت من مصر وسلمت أراضي الدولة.**

**محاولة تمزيق دولة الخلافة

إلا أن الدول الأوروبية كلها لم تكن تتصور أنه يمكن أن يحكم المسلمون بغير الإسلام، أو أنه يمكنهم بوصفهم كفارا في نظر المسلمين أن يحكموا المسلمين مباشرة، ولذلك كان همهم منصرفا إلى تمزيق الدولة الإسلامية حكومات إسلامية تحت نفوذهم، لإضعاف الخلافة وإزالتها، بدليل أن المفاوضات التي كانت دائرة بين روسيا وإنجلترا وفرنسا في آذار سنة 1915 أثناء الحرب قد أشارت إلى هذا. ففي المذكرة التي قدمتها إنجلترا وفرنسا لروسيا جوابا على مذكرة لها في هذا الشأن بند جاء فيه: «صيانة الأماكن المقدسة في البلاد الإسلامية، والبلاد العربية، تحت حكم دولة إسلامية مستقلة». وفي المذكرة الروسية التي أرسلت ردا على المقترحات الإنجليزية الفرنسية فقرة جاء فيها: «إن اتخاذ قرار حاسم في مستقبل العلاقات بين الدول الإسلامية المقرر تأليفها على أنقاض الدولة العثمانية وفصلها عن دولة الخلافة ليهم حكومة صاحب الجلالة القيصر» ثم جاء فيها «إن حكومة صاحب الجلالة القيصر ترغب من كل قلبها في نزع الخلافة من الترك، إلا أنها في الوقت نفسه ترغب من كل قلبها في تأمين حرية الحج، وعدم التعرض له بأقل ما يسوء المسلمين». وجاء في برقية أرسلها سفير روسية في لندن إلى وزير الخارجية الروسية عن مطالب إيطاليا ما نصه: «إن الحكومة الإيطالية تؤيد رأي الحكومة الروسية بضرورة فصل الحكومة الإسلامية التي ستؤسس في الحجاز على أنقاض السلطنة العثمانية عن الخلافة، وأن تكون تحت مطلق نفوذ بريطانيا. إن الحكومة الإيطالية تؤيد بكل قواها نزع الخلافة من الأتراك، وإلغاءها بتاتا إذا اقتضى الأمر».

وهذا كله يدل على أن الحلفاء كان من أهم أغراضهم إضعاف الخلافة وإزالتها.

إلا أنه لم يكن هناك أحد من المسلمين يريد إزالة الخلافة، أو يقبل بإزالتها، حتى الخونة من المسلمين العرب الذين كانوا يسيرون مع الإنجليز كانوا يطالبون بأن تكون الخلافة مع العرب، أما الترك فكانوا جميعا متمسكين بالخلافة تمسكا شديدا، وكان حبهم لها وتمسكهم بها عميق الجذور في نفوسهم، حتى حزب تركيا الفتاة كان متمسكا بالخلافة، ومتمسكا ببقاء جميع أجزاء الدولة الإسلامية كما هي، ولم يسمع قط أحد يرضى أو يقبل إزالة الخلافة، فضلا عن أن يعمل لإزالتها، فكانت إزالتها أمرا عسيرا حتى لو احتلت بلاد الإسلام كلها. ولهذا كان الحلفاء يكتمون أغراضهم هذه، وكانت سرية لا يعلم بها، وكانوا يعملون لضرب الدولة العثمانية من الداخل، عن طريق بذل محاولات لإخراجها من الحرب وعقد صلح منفرد معها. وقد ركزوا على هذه الفكرة وصاروا يعملون لها.**

نشأة الوهابيين والحكم والسعودي
كانت إنجلترا قد حاولت عن طريق عميلها عبد العزيز بن محمد بن سعود ضرب الدولة الإسلامية من الداخل، وكان قد وجد للوهابيين كيان داخل الدولة الإسلامية بزعامة محمد بن سعود، ثم ابنه عبد العزيز، فأمدتهم إنجلترا بالسلاح والمال، واندفعوا على أساس مذهبي للاستيلاء على البلاد الإسلامية الخاضعة لسلطان الخلافة، أي رفعوا السيف في وجه الخليفة، وقاتلوا الجيش الإسلامي جيش أمير المؤمنين بتحريض من الإنجليز وإمداد منهم. وذلك لأخذ البلاد من الخليفة وحكمها حسب مذهبهم، وإزالة ما أحدثته المذاهب الإسلامية الأخرى غير مذهبهم بالقوة وحد السيف. فأغاروا على الكويت سنة 1788 واحتلوها، ثم واصلوا تقدمهم إلى الشمال حتى حاصروا بغداد، وكانوا يريدون الاستيلاء على كربلاء، وعلى قبر الحسين رضي الله عنه لهدمه ومنع زيارته. ثم في نيسان سنة 1803 شنوا هجوما على مكة واحتلوها، وفي ربيع سنة 1804 سقطت المدينة المنورة في أيديهم، فخربوا القباب الضخمة التي تظلل قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وجردوها من جميع النفائس. وبعد أن انتهوا من الاستيلاء على الحجاز كله ساروا نحو الشام، وقاربوا حمص. وفي سنة 1810 هاجموا دمشق كرة أخرى كما هاجموا النجف. وقد دافعت دمشق عن نفسها دفاعا مجيدا. ولكن الوهابيين مع محاصرتهم لدمشق انطلقوا نحو الشمال وبسطوا سلطانهم على أكثر أراضي سورية حتى حلب. وكان معروفا أن هذه الحملة الوهابية عمل إنجليزي، لأن آل سعود عملاء للإنجليز، وقد استغلوا المذهب الوهابي - وهو من المذاهب الإسلامية، وصاحبه الإمام محمد بن عبد الوهاب مجتهد من المجتهدين - استغلوا هذا المذهب في أعمال سياسية لضرب الدولة الإسلامية، والاصطدام مع المذاهب الأخرى، لإثارة حروب مذهبية داخل الدولة العثمانية، دون أن يدرك ذلك أتباع هذا المذهب، ولكن عن إدراك ووعي من الأمير السعودي ومن السعوديين.

لأن العلاقة لم تكن بين الإنجليز وصاحب المذهب محمد بن عبد الوهاب، وإنما كانت بين الإنجليز وعبد العزيز بن محمد بن سعود ثم بينهم وبين ابنه سعود.
وذلك أن محمد بن عبد الوهاب الذي كان حنبلي المذهب قد اجتهد في بعض المسائل، ورأى أن ما عليه المسلمون من أصحاب المذاهب الأخرى يخالف رأيه في هذه المسائل. فأخذ يدعو لآرائه ويعمل لها، ويهاجم الآراء الإسلامية الأخرى بعنف. فجوبه بالمعارضة والصد من العلماء والأمراء ووجوه الناس، باعتبار آرائه تخالف ما فهموه من الكتاب والسنة. فمثلا هو يقول: إن زيارة قبر الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرام وهي معصية من المعاصي، حتى إن من يذهب لزيارة قبر الرسول لا يجوز له أن يقصر الصلاة في سفره لأنه مسافر في معصية. ويستدل على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». فيرى من هذا الحديث أن الرسول نهى أن تشد الرحال لغير هذه الثلاثة. فإذا شدت لزيارة قبر الرسول فقد شدت لغير المساجد الثلاثة، فكانت حراما، وكانت معصية. ويرى غيره من المذاهب أن زيارة قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنة ومندوب يثاب فاعلها، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها». وقبر الرسول من باب أولى أن تكون زيارته داخلة في هذا الحديث، فضلا عن وجود أحاديث أخرى يروونها. ويقولون عن الحديث الذي يستدل به محمد بن عبد الوهاب: إن الحديث خاص بالمساجد، فموضوعه شد الرحال للمساجد، ولا يتعدى موضوعه. فهو ليس عاما بل هو خاص في موضوع معين: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد»؛ فلا يجوز لمسلم أن يذهب لزيارة مسجد أيا صوفيا، ولا لزيارة المسجد الأموي في دمشق قاصدا المسجد؛ لأن الرسول قد حصر شد الرحال للمساجد بثلاثة مساجد ليس غير.

فلا يجوز شد الرحال لمسجد غيرها. فهو خاص بالمساجد. وإلا فيجوز شد الرحال للتجارة، وللزيارة، وللنزهة، وللسياحة، وغير ذلك. فالحديث لا يمنع السفر مطلقا ويحصره في هذه الثلاثة, وإنما يمنع السفر قصد المساجد إلا لهذه المساجد الثلاثة. وهكذا جميع آرائه يراها غيره من أصحاب المذاهب أنها آراء خطأ تخالف ما يفهمونه من الكتاب والسنة، وقد اشتد الخصام بينه وبينهم حتى نفي من البلاد.
وفي سنة 1740 التجأ إلى محمد بن سعود شيخ قبيلة عنزة، وكان خصما لشيخ عيينة ويقيم في بلدة الدرعية، وكانت تبعد ست ساعات فحسب عن عيينة. وهناك لقي محمد بن عبد الوهاب حفاوة وترحيبا، وصار يبث آراءه وأفكاره بين الناس في الدرعية وما جاورها. وما أن مضت مدة حتى اكتسبت أفكاره وآراؤه هذه أنصارا ومؤيدين، فمال إليها الأمير محمد بن سعود وأخذ يتقرب من الشيخ.
وفي سنة 1747 أعلن الأمير محمد قبوله لآراء محمد بن عبد الوهاب وأفكاره، وأعلن مناصرته له ولهذه الآراء والأفكار. وبهذا التحالف بدأت الحركة الوهابية وظهرت للوجود بشكل دعوة وبشكل حكم. فقد كان محمد بن عبد الوهاب يدعو لها ويعلم الناس أحكامها، وكان محمد بن سعود ينفذ أحكامها على الناس الذين تحت إمرته وسلطانه.

وأخذت تمتد فيما جاور الدرعية من البلدان والقبائل في الدعوة والحكم، وأخذت إمارة محمد بن سعود تتسع حتى وفق في مدى عشر سنوات إلى أن يخضع لسلطته وللمذهب الجديد رقعة من الأرض مساحتها نحو من ثلاثين ميلا مربعا، ولكنه كان اتساعا عن طريق الدعوة وسلطان شيخ عنزة، ولم يعترضه أحد، ولم يخاصمه أحد، حتى إن أمير الإحساء الذي أخرج محمد بن عبد الوهاب من عيينة لم يعارض خصمه في هذا التوسع، ولم يحشد قواته لمحاربته إلا في سنة 1757، ولكنه هزم، فاستولى محمد بن سعود على إمارته، وصارت سلطة عنزة أي سلطة محمد بن سعود وسلطة المذهب الجديد تحكم الدرعية وما جاورها وتحكم الإحساء. وكان ينفذ في هذه البلاد المذهب الوهابي بقوة السلطان.
ولكن هذه الحركة بعد الاصطدام مع أمير الإحساء والاستيلاء على بلاده وقفت عند هذا الحد، ولم يعرف عنها أنها توسعت بعد ذلك أو قامت بأي نشاط، بل ظلت محصورة في ذلك المكان، ووقف محمد بن سعود عند هذا الحد، ووقف المذهب الوهابي عند حدود هذه الرقعة ونامت الحركة وركدت.
ثم في سنة 1765 توفي محمد بن سعود وخلفه على مشيخة عنزة ابنه عبد العزيز. فقام بعد والده بحكم الرقعة التي تحت يده، ولكنه لم يقم بأي نشاط للحركة، ولا بأي توسع فيما جاوره. فظلت الحركة نائمة، وظل الركود مخيما عليها. ولم يعد يسمع عنها شيء، ولم يعد أحد من جيرانها يذكرها أو يتخوف من غزوها.
ولكن بعد إحدى وأربعين سنة من بدء الحركة الوهابية، أي من سنة 1747 إلى سنة 1788، وبعد إحدى وثلاثين سنة من وقوفها وركود حركتها، أي من سنة 1757 إلى سنة 1787 ظهر نشاطها فجأة، واتخذت طريقة جديدة في نشر المذهب، وسمع ذكرها في الخارج بشكل قوي في جميع أنحاء الدولة الإسلامية، ولدى الدول الكبرى، وصارت تشغل جيرانها وتقلقهم، بل تشغل الدولة الإسلامية كلها وتقلقها.

ففي سنة 1787 تحرك عبد العزيز لتأسيس بيت إمارة، وإيجاد نظام وراثة الحكم، أو ما يسمى بولاية العهد: بأن يثبت ابنه سعودا خليفة له. فقد اجتمع حشد عظيم من الناس ترأسه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفي هذا الحشد العظيم جعل عبد العزيز حق الإمارة في بيته، وحق خلافته في الإمارة لأولاده، وأعلن تثبيت ابنه سعود خليفة له. فوافقه ذلك الحشد العظيم وعلى رأسهم محمد بن عبد الوهاب وقرروه، وبذلك أسس بيت إمارة لدولة وليس لقبيلة أو قبائل. ويبدو أنه كذلك جعلت الخلافة في المذهب الوهابي في بيت محمد بن عبد الوهاب. وبعد هذا التثبيت لخلافة الأمير ولخلافة شيخ المذهب نشطت الحركة فجأة في الفتح والتوسع، وصارت تقوم بالحرب لنشر المذهب. فقد قام عبد العزيز في سنة 1788 بتجهيز حملة عسكرية ضخمة وهاجم الكويت وفتحها واستولى عليها. وكان الإنجليز يحاولون أخذ الكويت من الدولة العثمانية ولكنهم لم يستطيعوا ذلك. فقد كانت الدول الأخرى مثل ألمانيا وروسيا وفرنسا تقف في وجههم، وكانت دولة الخلافة تقاومهم. فكان فصل الكويت عن الدولة العثمانية ثم التقدم إلى الشمال لحمايتها لافتا لنظر الدول الكبرى مثل روسيا وألمانيا وفرنسا، ولافتا نظر الدولة العثمانية. ثم كانت الصفة التي تأخذها هذه الحرب وهي الصفة المذهبية تثير المشاعر الدينية.

وهكذا بدأ الوهابيون نشاطهم فجأة بعد ركود دام عشرات السنين، وبدأوا هذا النشاط بطريقة جديدة هي نشر هذا المذهب عن طريق الحرب والفتح لإزالة معالم المذاهب الأخرى من الوجود، وإقامة مذهبهم مكانها. وافتتحوا هذا النشاط بالهجوم على الكويت والاستيلاء عليها، ثم أخذوا يواصلون هذا النشاط بمحاولات التوسع. وصاروا مدعاة قلق وإزعاج لجيرانهم في جزيرة العرب والعراق والشام، وللدولة العثمانية بوصفها دولة الخلافة، وصاروا يحملون السيف لمقاتلة المسلمين لترك ما يعتنقون من آراء غير المذهب الوهابي، ولاعتناق آراء المذهب الوهابي، ويقاتلون الخليفة ويفتتحون البلدان الإسلامية. ثم في سنة 1792 توفي محمد بن عبد الوهاب، فخلفه ابنه في منصبه في الدولة بالنسبة للمذهب الوهابي تماما كما خلف سعود أباه عبد العزيز. وهكذا سار الأمراء السعوديون متخذين المذهب الوهابي أداة سياسية لضرب الدولة العثمانية دولة الخلافة، وإثارة حروب مذهبية بين المسلمين.

**إثارة الفتن بين أهالي بلاد الشام

وحين انسحب إبراهيم باشا سنة 1840 م من بلاد الشام انتشر القلق والفوضى والاضطراب فيها، واغتنم الموفدون الأجانب لا سيما رجال البعثات التبشيرية ضعف نفوذ الدولة العثمانية فأخذوا يشعلون نار الفتنة بين الأهلين، حتى وقعت مذابح سنة 1860 وعلى أثر هذه المذابح تدخلت الدول الغربية، فأرسلت بوارجها الحربية إلى سواحل بلاد الشام، وأنزلت فرنسا حملة برية في بيروت. وبذلك قوي نفوذ المبشرين، واشتد ساعدهم، فنشطوا في فتح المدارس والكليات. ففتح اليسوعيون مدارس لهم وكليات، ففتحت الكلية اليسوعية المعروفة بجامعة القديس يوسف اليسوعية، وفتح الأمريكان الكلية البروتستانتية سنة 1866 المعروفة اليوم بالجامعة الأمريكية في بيروت، والتي تعتبر أفظع مؤسسة كفر في بلاد الإسلام. فقد قامت بأشد الحملات ضد أفكار الإسلام، وضد المسلمين. وحولت الآلاف من أبناء المسلمين إلى جانب أفكار الكفر.

ولم يقتصر أمر الاهتمام بالغزو التبشيري والغزو الثقافي على أمريكا وفرنسا وإنجلترا بل شمل أكثر الدول الكافرة ومنها روسيا القيصرية. فقد أرسلت بعثات تبشيرية، كما أمت البلاد بعثة بروسية (ألمانية) مؤلفة من راهبات كارودت، ساهمت مع البعثات التبشيرية الأخرى في القيام بدورها في محاربة الإسلام. وبالرغم من تباين وجهات النظر السياسية بين البعثات التبشيرية، وتباينها كذلك بين الموفدين الغربيين بالنسبة لمنهجهم السياسي باعتبار مصالحهم الدولية، فقد كانت متفقة في الغاية، وهي بعث الثقافة الغربية في الشرق، وجعل عقيدة فصل الدين عن الدولة عقيدة للمسلمين، وتشكيك المسلمين في دينهم، وحملهم على الامتعاض منه، وعلى احتقار تاريخهم. وتمجيد الغرب وحضارته. كل ذلك مع بغض شديد للإسلام والمسلمين، واحتقار لهم.

وقد أوجدوا إلى جانب المدارس والكليات حركة في البلاد توجه الناس إلى اللغة العربية، ليوجهوهم عن طريقها عن الإسلام إلى ما يسمونه العروبة وقد حمل لواءها النصارى، مع بعدهم عن إدراك اللغة العربية، لعدم تذوقهم بلاغة القرآن. فكان الموارنة ومعظمهم من العاملين في خدمة البعثات التبشيرية يتناقشون في إحياء الأدب القديم، والعودة باللغة الفصحى إلى صفاتها الأولى، وكان منهم ناصيف اليازجي، والأب لويس شيخو. وهكذا تصدر النصارى لحمل القومية العربية، وحمل الناس على اعتناقها، وتصدروا لحمل اللغة العربية، وحمل الناس على حصر عنايتهم بها. وأخذت تصدر إلى جانب ذلك الكتب والمؤلفات عن الأفكار الغربية، واكتسحت البلاد موجة قوية نحو العرب والعروبة، ونحو العربية، وإعراض متزايد عن الإسلام، وعن أفكار الإسلام. وهكذا قام مركز بيروت بضرب العقائد الإسلامية وأفكار الإسلام، وبتحويل الناس إلى الغرب، وإلى أفكار الغرب. ووصل إلى نتائج في منتهى الفظاعة، كان لها أثر كبير في إزالة الإسلام من العلاقات والمعاملات وطرق العيش، وفي هدم الدولة الإسلامية.**

**تآمر الإنجليز ضد الدولة الإسلامية

وكانت عمولة آل سعود للإنجليز وولاؤهم لهم أمرا معروفا لدى دولة الخلافة ولدى الدول الأخرى كألمانيا وفرنسا وروسيا، وكان معروفا أنهم يسيرون من قبل الإنجليز، وكان الإنجليز أنفسهم لا يخفون وقوفهم إلى جانب السعوديين دوليا، أضف إلى ذلك الأسلحة الكثيرة والعتاد الكبير الذي وصل إليهم عن طريق الهند، والأموال التي تحتاج إليها الحرب ويحتاج إليها تجهيز الجيوش لم تكن إلا أسلحة الإنجليز وأموالهم، ولهذا فإن الدول الأوروبية ولا سيما فرنسا كانت ضد حملة الوهابيين هذه باعتبارها حملة إنجليزية. وقد حاولت دولة الخلافة ضرب الوهابيين فلم تستطع صدهم، وعجز ولاتها في المدينة وبغداد ودمشق أن يقفوا في وجههم، فطلبت إلى واليها في مصر محمد علي أن يجرد جيشا عليهم، فتلكأ في أول الأمر. ولكنه وقد كان عميلا لفرنسا، لأنها هي التي ساعدته في قيامه بالانقلاب في مصر واستيلائه على الحكم، ثم حملت الخلافة على الاعتراف به، فإنه بناء على موافقة فرنسا وتحريضها لبى أمر السلطان سنة 1811، فأرسل ابنه طوسون لمحاربتهم، ودارت معارك عديدة بينهم وبين جيش مصر، وتمكن جيش مصر سنة 1812 من فتح المدينة. ثم في آب سنة 1816 أرسل ابنه إبراهيم من القاهرة فسحق الوهابيين سحقا حتى تراجعوا إلى عاصمتهم الدرعية وتحصنوا فيها، فحاصرهم إبراهيم في نيسان سنة 1818 طوال الصيف. وفي 9 أيلول سنة 1818 استسلم الوهابيون، ودكت جيوش إبراهيم الدرعية دكا، حتى يقال: إنه حرثها بالمحراث حتى لا يبقى لها أثر. وبذلك انتهت محاولة الإنجليز.**

**دور مركز استانبول في العمل لضرب الخلافة

هذا بالنسبة إلى مركز بيروت، أما في مركز استانبول - وهو المركز الذي اتخذه الكفار الغربيون لضرب الدولة الإسلامية في عاصمتها وفي رجال الحكم فيها - فقد قاموا بأعمال كثيرة كان أهمها وأفظعها نتيجة هو إنشاء جمعية (تركيا الفتاة)، أو (الاتحاد والترقي). فقد تأسست هذه الجمعية بادئ الأمر في باريس، وقد قام بتأسيسها الشبان الأتراك الذين تشبعوا بالأفكار الفرنسية، وأمعنوا في دراسة الثورة الفرنسية. وقد تأسست كجمعية سرية ثورية. وكان زعيم هذه الجماعة الثائرة «أحمد رضا بك». وكان من الشخصيات عند الناس، وكانت فكرته نقل الحضارة الغربية إلى بلاده تركيا. وقد أسست لها فروعا أخرى في برلين، وسلانيك، واستانبول.

وكان مركز باريس منظما تنظيما دقيقا، وكان برنامجه متطرفا، ووسائل الدعاية التي يعتمد عليها قوية متينة. وكانت لهم جريدة باسم (الأنباء)، تهرب إلى استانبول مع البريد الأوروبي، فيتلقفها جماعة من الأتراك يتعهدون توزيعها سرا. وكانوا يصدرون نشرات سياسية تهرب بنفس الأسلوب. أما فرع برلين فكان مؤلفا من المعتدلين، ومن وزراء الدولة السابقين، أو كبار موظفيها، أو ذوي المواهب السياسية. وكانوا يطلبون الإصلاح، وأن تنظم شؤون الدولة على نحو الحكم الألماني، ويقترحون توحيد الشعوب المتعددة التي تتكون منها الإمبراطورية العثمانية، وأن تؤلف ما بينها ما يشبه الحلف الألماني.

أما فرع سلانيك فكانت الأغلبية الساحقة من أعضائه من الضباط المتعلمين أصحاب النفوذ القوي في الجيش. وكانوا يعدون العدة للثورة، وانضم إليهم بعض الشيوخ فازدادوا قوة على قوة، كما انضم إليهم صغار الموظفين أمثال طلعت الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزارة. إلا أنهم مع ذلك كانوا خاضعين للمركز في باريس ولا يخرجون عن رأيه. وكان مركز باريس يوجههم بالنظريات والآراء الغربية، ويبعث فيهم الميل إلى النضال والتفاني.

وكانت المحافل الماسونية وعلى الأخص المحفل الإيطالي الأكبر في سلانيك ترحب بأعمال هذه الجمعية، وتنتصر لها انتصارا أدبيا، وكانت الجلسات تعقد في غرف المحافل الماسونية التي يستحيل على الجواسيس أن يصلوا إليها مهما بذلوا من جهد. وكان كثير من أعضاء هذه المحافل مندمجين في جمعية الاتحاد والترقي. وبهذه الوسيلة استطاعت الجمعية أن تضاعف عددها، وتقوي نفوذها، بفضل المعونة التي كانت تتلقاها. كما أن أعضاء الاتحاد والترقي كانوا ينتفعون بالأساليب الماسونية في الاتصال باستانبول، بل في التقرب من القصر ذاته.

وقد أخذت هذه الجمعية (جمعية تركيا الفتاة) أو الاتحاد والترقي تعقد الجلسات السرية، وتهئ للثورة. وظلت كذلك حتى سنة 1908 حيث قامت بالانقلاب واستولت على الحكم، وظهرت قوتها، وأظهرت أوروبا رضاها عنها. وفي خريف 1908 قبل افتتاح البرلمان بزمن قصير عقد مؤتمر من أعضاء الحزب في سلانيك، وكان هذا أول مظهر من مظاهر المباهاة بالقوة. وكان رئيس الحزب في ذلك الحين هو مؤسسه الباريسي «أحمد رضا بك»، فأخذ يخطب في أعضاء المؤتمر متباهيا فأظهر سروره بنجاح الحزب وتوفيقه التام، وأكد أن الممالك الأوروبية ذاتها قد أظهرت حسن نيتها نحو الحركة الوطنية، وأعلنت رضاها عن حالة البلاد.

وفي هذا الوقت أي خريف سنة 1908 عينت إنجلترا سفيرا جديدا لها في استانبول هو «جيرالد لوثر». ولما وصل إلى استانبول استقبله جماعة الاتحاد والترقي استقبالا حماسيا حتى أخرجوا الخيول من عريش مركبته وسيروها بأنفسهم فقاموا مقام الخيول في جر عربته، مبالغة بإكرامه. وكل ذلك كان بإيعاز جمعية (الاتحاد والترقي) ومن عملها. ثم إن رجال الجمعية قد بلغت فتنتهم بالأفكار الغربية المزوقة حدا لم يعوا معه مخالفتها لواقع الدولة التي يحكمونها، فضلا عن عدم إدراكهم لمناقضتها للإسلام. وقد بلغ تهورهم وقلة تبصرهم حدا لفت نظر الأوروبيين لجهلهم، حتى إن أحد الرجال الدبلوماسيين في ذلك الحين في استانبول قال عنهم: «كثيرا ما يخطون الخطوة الثانية قبل الأولى». ولقد سارع رجال الاتحاد والترقي إلى تسليم زمام الأمور إلى المتضلعين في القوانين الغربية والأفكار الغربية، حتى صارت لهم اليد العليا في حزب (تركيا الفتاة).

ثم إنهم لما أيقنوا أن من يملك الجيش ملك القوة كلها سعوا حتى أصبحت السلطات ترجع في التعيينات الجديدة إلى سياسة حزبية، فكل الضباط حزبيون أكثر منهم فنيين أو حربيين. وقد جعلوا أن كل فرد من رعايا الدولة العثمانية يخوله القانون مثل الحقوق التي يتمتع بها الأتراك، وعليه ما عليهم من الواجبات.

وصارت هذه الجمعية تتحكم في الدولة كلها في حاضرها ومستقبلها؛ وبذلك وصلت الفكرة التي اتخذها الغرب أداة لضرب الدولة وهدم الخلافة، إلى الحكم متمثلة في جماعة الحزب الحاكم وأنصاره الذي لا يرى أن الإسلام وحده صالح لهذا العصر، بل يرى أن الصلاح كله في الأفكار الغربية والحضارة الغربية، ويرى المحافظة على القومية التركية من أهم أعماله، حتى جعل الولاء لها فوق كل ولاء. وصار يفتخر بالوطنية ويعنيها؛ فقد كان يرى تفضيل تركيا على باقي البلاد الإسلامية، وتفضيل التركي على سائر المسلمين.**

**أخذ القوانين الغربية

وهكذا تركت أحكام الشرع وترك الفقه الإسلامي، وأخذت قوانين الغرب وأخذ الفقه الغربي. وقد كان أخذهم للقوانين مختلفا بعضها عن بعض. فبعض القوانين الغربية أخذت كما هي أحكاما ونصوصا من غير أية مراعاة لوجودها في الفقه الإسلامي وعدم وجودها، ومن غير تفكير بأنها مطابقة لأحكام الشرع أو غير مطابقة، وذلك كقانون الجزاء الذي ألغى الحدود. وبعض القوانين أخذت أحكاما فقط مع مراعاة أنها موجودة في الفقه الإسلامي ولو لمجتهد مغمور. أو فقيه غير مجتهد، أي إذا كان الحكم موجودا في كتب الفقه أو آراء العلماء أخذ وإلا فلا يؤخذ وذلك كأصول المحاكمات. وبعض القوانين قلدت تقليدا في التقنين والتبويب والمسائل مع جعل الأحكام الشرعية وحدها مواد القانون كالمجلة فإنها أحكام شرعية وضعت تقليدا للقانون المدني الفرنسي. وبذلك صار الشرع الذي يحكم به القضاة قوانين غربية وليس الشريعة الإسلامية وإن كان بعض هذه القوانين أحكاما شرعية.**

**الغزو التبشيري والغزو الثقافي

وهكذا أثمرت أساليب إثارة النعرة القومية، والنزعة الوطنية، في عاصمة الخلافة. ونجحت الدول الأوروبية، ولا سيما إنكلترا وفرنسا أعظم نجاح في ضرب الدولة الإسلامية هذه الضربة الفظيعة المدمرة. غير أن الدول الأوروبية لا سيما الإنجليز لم يكونوا مقتصرين على هذا الأسلوب على شدة خبثه وفظاعة نتائجه، بل كانوا يقومون منذ أواخر القرن السادس عشر كذلك بأسلوب آخر ضد الإسلام، لأن العداء الذي يغلي في نفوسهم والحقد الذي يأكل صدورهم إنما هو للإسلام، وضد أفكار الإسلام وأحكامه. ولذلك كانوا يسيرون إلى جانب هذا الأسلوب بأسلوب آخر لضرب العقائد الإسلامية، والتشريع الإسلامي. وكانت استانبول وبيروت أيضا المركزين الرئيسيين اللذين اتخذوهما قاعدة لهم، وحاولوا جعل القاهرة مركزا من هذه المراكز.

أما مركز بيروت فقد كانت الخطة التي وضعت له هي أن يكون تأثيرها على المدى الطويل في تخريج الشباب المعادين للإسلام، وفي التأثير على أفكار عامة المسلمين. وقد ساروا فيها بالغزو التبشيري والغزو الثقافي باسم العلم، ورصدوا لذلك الميزانيات الضخمة، فأقاموا الجمعيات التبشيرية، وكان معظمها جمعيات إنجليزية وفرنسية وأمريكية. وجعلوا الغزو الثقافي يأتي عن طريق التبشير والمبشرين، ليكسبوا النصارى من أهل البلاد إلى جانبهم، وليثيروا شكوك المسلمين في دينهم، ويزعزعوا عقيدتهم.

دور مركز مالطة في الغزو التبشيري

وقد أسسوا في أواخر القرن السادي عشر الميلادي مركزا كبيرا للتبشير في مالطة، وجعلوها قاعدة هجومهم التبشيري والثقافي على بلاد الإسلام. إذ منها كانت ترسل قوات التبشير. وبعد أن مكثوا فيها مدة واستقر بهم المقام شعروا بضرورة مد نشاطهم فانتقلوا إلى بلاد الشام سنة 1625 م وحاولوا إيجاد الحركات التبشيرية. غير أن نشاطهم كان محدودا، ولم يتعد تأسيس بعض المدارس الصغيرة، ونشر بعض الكتب الدينية. وعانوا مشقات كبيرة من اضطهاد، وإعراض، ومحاربة من الجميع: المسلمين والنصارى. إلا أنهم ثبتوا حتى سنة 1773 م حيث ألغيت الجمعيات التبشيرية لليسوعيين وأغلقت مؤسساتهم ما عدا بعض الجمعيات التبشيرية الضعيفة كجمعية المبشرين العازاريين.

انتشار البعثات التبشيرية في بلاد الشام

وبالرغم من وجودها انقطع أثر المبشرين، ولم يعد لهم وجود إلا في مالطة. إلا أنهم في سنة 1820 م تجدد نشاطهم، وأسس أول مركز للتبشير في بيروت. وكانت عنايتهم الأولى منصرفة إلى التبشير الديني والثقافة الدينية، وكانت عنايتهم بالتعليم ضعيفة. وفي سنة 1834 انتشرت البعثات التبشيرية في جميع بلاد الشام، وكان ذلك من جراء تشجيع إبراهيم باشا لها، وفتحه البلاد على مصراعيها أمام المبشرين، وحدبه عليهم، وتشجيعه لهم، بتأثير من فرنسا وإيعاز منها. إذ كان في هذا الوقت قد احتل بلاد الشام: فلسطين ولبنان وسورية. فوجد المبشرون من فرنسيين وإنجليز وأمريكان الترحيب الكلي من حكومة إبراهيم باشا، ولهذا اشتد نشاطهم. ففتحت كلية في قرية عينطورة في لبنان، ونقلت الإرسالية الأمريكية مطبعتها من مالطة إلى بيروت، لتقوم بطبع الكتب ونشرها. ونشط المبشر الأمريكي المشهور (إيلي سميث) نشاطا ظاهرا. وقد كان هذا المبشر في مالطة يشتغل في التبشير متطوعا، ويتولى أمر مطبعة الإرسالية. وفي سنة 1827 حضر إلى بيروت. ولكنه ما لبث سنة حتى تولاه الذعر من المسلمين وأصابه الملل من عدم الإنتاج، ولم يطق صبرا، فرجع إلى مالطة، ثم عاد إلى بيروت سنة 1834 حين أصبحت تحت نفوذ فرنسا بواسطة محمد علي وابنه إبراهيم. وقد فتح هذا المبشر هو وزوجته مدرسة للإناث، واتسع المجال أمامه، ووقف حياته للعمل في بيروت بوجه خاص وفي بلاد الشام بوجه عام. وبذلك تعاونت هذه الجهود جميعها في بعث حركة التبشير.

وكان قيام إبراهيم باشا بتطبيق برنامج للتعليم في سورية بما فيها لبنان - مستوحى من برنامج التعليم الموجود في مصر، المأخوذ عن برامج التعليم في فرنسا - فرصة لهؤلاء المبشرين، فاغتنموها وساهموا في الحركة التعليمية من وجهة النظر التبشيرية، أي حسب ما خططه الكفار، ثم شملت حركة الطباعة. وبذلك نشطت الحركة التبشيرية، وشاركت في الحركة التعليمية مشاركة ظاهرة.**

**إثارة النعرات القومية

والنزعات الاستقلالية

وهكذا استمرت محاولات الدول الأوروبية ولا سيما إنجلترا وفرنسا وروسيا إزالة الخلافة الإسلامية من الوجود. إلا أن محاولاتها ضرب الدولة من الخلف بحروب منظمة وجيوش ومعارك قد أخفقت، لا بالنسبة لقوة الدفاع الموجودة لدى الخليفة فحسب، بل بالدرجة الأولى بالنسبة للموقف الدولي، ولاختلاف الدول على اقتسام الغنائم.

أما المحاولات التي قامت بها هذه الدول الأوروبية في أوروبا في الصرب والمجر وبلغاريا واليونان وغيرها فقد نجحت، لأنها سارت فيها عن طريق إثارة النعرات القومية، والنزعات الانفصالية التي يسمونها الاستقلال. ولذلك تبنت الدول الأوروبية هذا الأسلوب: أسلوب إثارة النعرات القومية، والنزعات الاستقلالية، أي الانفصالية، في جميع البلاد التي تظللها الراية الإسلامية، وتحكم من قبل خليفة المسلمين. وركزت على العرب وعلى الترك بشكل خاص. وبدأت السفارات الإنجليزية والفرنسية في استانبول، وفي أهم البلدان الإسلامية، تثير النعرات القومية، والنزعات الاستقلالية. وكانت أعمالها بارزة بشكل ظاهر في بغداد، ودمشق، وبيروت، والقاهرة، وجدة. واتخذت لها مركزين رئيسيين للقيام بهذه المهمة هما: استانبول لضرب الدولة في مركزها الرئيسي، وبيروت لضربها في الملحقات، وخاصة في البلاد التي يسكنها المسلمون الناطقون باللسان العربي.

دور مركز بيروت في العمل ضد الخلافة

أما بالنسبة لمركز بيروت باعتباره مركز كفر لضرب الإسلام وضرب الدولة الإسلامية فقد وضع له المخطط على أن يعمل للمدى الطويل، وللنتائج البعيدة المدى. وأما بالنسبة لمركز استانبول فقد وضع له المخطط للمدى القصير، على أن تكون نتائجه معجلة، وأن يكون أثرها بعيد المدى. ولذلك كان مركز بيروت سما ناقعا قتالا، حول الآلاف من أبناء المسلمين إلى كفار، وحول العلاقات الإسلامية إجمالا إلى علاقات تسير حسب أحكام الكفر، وكان أثره فظيعا في ضرب الدولة أثناء اشتباكها مع الكفار في الحرب العالمية الأولى.

وقد بدأ الكفار الغربيون العمل السياسي في بيروت بعد انسحاب إبراهيم باشا من بلاد الشام مباشرة: ففي سنة 1842 تشكلت لجنة لتأسيس جمعية علمية تحت رعاية الإرسالية الأمريكية وفق برنامجها. وقد سارت في طريقها مدة خمس سنوات حتى تمكنت في سنة 1847 من تأسيس جمعية سمتها «جمعية الفنون والعلوم». وقد تولى رعايتها والسير فيها عميلان نصرانيان من أخطر عملاء الإنجليز هما: «بطرس البستاني، وناصيف اليازجي» إلى جانب «الكولونيل تشرتشل» من الإنجليز و«إيلي سميث وكورنيلوس فان ديك من الأمريكان». وكانت أهداف هذه الجمعية في أول الأمر غامضة، ولكنها تظهر بمظهر نشر العلوم بين الكبار كما تنشر العلوم في المدارس بين الصغار، وحمل الكبار كما يحمل الصغار على تثقيفهم بالثقافة الغربية، وإعطائهم الأفكار الغربية، موجهين بتوجيه خاص. إلا أنه بالرغم من نشاط رجال هذه الجمعية وبذل جهودهم الجبارة فيها، فإنه لم ينتسب إليها خلال عامين سوى خمسين عضوا عاملا من جميع بلاد الشام، كلهم من النصارى، وأكثرهم من سكان بيروت. ولم يدخل في الجمعية من المسلمين، ولا من الدروز، أي عضو مطلقا.

فتأسست جمعية أخرى سنة 1850 باسم «الجمعية الشرقية»، أسسها اليسوعيون تحت رعاية الأب اليسوعي الفرنسي «هنري دوبرونير». وكان أعضاؤها كلهم من النصارى.

ثم في سنة 1857 تشكلت جمعية على أسلوب جديد روعي فيها أن لا يدخلها أحد من الأجانب مطلقا، وجعل مؤسسوها كلهم من العرب، وبذلك أتيح لها أن تضم بين أعضائها بعض المسلمين، وبعض الدروز، أخذتهم بوصفهم عربا، فانتسب إليها عدد كبير بلغ مئة وخمسين عضوا. وكان بين أعضاء إدارتها شخصيات بارزة من العرب، منهم «محمد أرسلان» من الدروز، و«حسين بيهم» من المسلمين و«إبراهيم اليازجي، وابن بطرس البستاني» من النصارى، وهذان هما اللذان كانا يتوليان رعاية الفكرة، والدأب على العمل من أجلها. وقد شجع نجاح هذه الجمعية الكفار على الخطوة المباشرة لإثارة النعرة القومية، والنزعة الاستقلالية، مباشرة وليس عن طريق العلم، وبصورة علنية وليس عن طريق الدس والمداورة.

فتأسست سنة 1875 في بيروت الجمعية السرية. وقد قام بتأسيسها خمسة شبان من الذين تلقوا العلم في الكلية البروتستانتية في بيروت، وكانوا كلهم من النصارى، وضموا إليهم عددا قليلا. وأخذت هذه الجمعية تركز نفسها على فكرة سياسية، وتأسست كحزب سياسي، وقامت على أساس فكرة القومية العربية. وتعتبر أول حزب سياسي قام في البلاد الإسلامية على أساس فكرة القومية العربية. وكانت تدعو للعرب والعروبة وللقومية، وتثير العداء للدولة العثمانية، وتسميها «التركية» وتعمل على فصل الدين عن الدولة، وجعل القومية العربية هي الأساس، وتحويل الولاء عن العقيدة الإسلامية بين المسلمين وجعله للقومية العربية وحدها. وكانت تصدر نشرات توزعها سرا، وكانت بعض نشراتهم تتضمن اتهام تركيا - حسب تعبيرهم - بأنها اغتصبت الخلافة من العرب، وأنها تجاوزت على الشريعة الإسلامية الغراء، وأنها فرطت في الدين، مع أن القائمين بهذه الجمعية السرية والمتولين أمرها نصارى يحقدون على الإسلام. ثم بعد ذلك أخذت الحركات القومية تنتشر، والنعرة القومية تبث. إلا أن المستوى الذي أنتجته أعمال الدول الأوروبية من مركز بيروت هو إيجاد جواسيس، والقيام بأعمال تخريبية للأفكار والنفوس، فكان منحط المستوى سياسيا وإن كان فظيع الأثر فكريا.**

**عمل الإنجليز على إيجاد الفراغ السياسي

ثم إن الإنجليز أرادوا أن يوجدوا في البلاد فراغا سياسيا ليقوموا هم بملئه كما يشاؤون. ومن أجل الوصول إلى ذلك تركوا أمر سياسة البلاد ظاهريا لأهلها ودفعوا عملاءهم للقيام بالأعمال السياسية، ووقفوا وراء الستار يوجدون في البلاد القلق وعدم الاستقرار السياسي، ليظهر العجز عن القيام بسياسة البلاد حتى يحصل الفراغ السياسي. وذلك أن الفراغ يعني عدم القدرة على العمل وعدم القدرة على الثبات، أي أن هناك قوة، ولكن هذه القوة لا تظهر بالمظهر اللائق بها وبالقدرة المناسبة لها.

والفراغ إما أن يكون فراغا سياسيا، أو فراغا عسكريا، أو فراغا استراتيجيا.

أما الفراغ السياسي فهو أن تكون الدولة غير مستقرة، وغير متناسقة، وفيها قلق وعدم استقرار سياسي، فتصبح الحاجة ماسة لسد هذا الفراغ بإعطاء الدولة القوة والمقدرة على العمل وعلى الثبات. والإنجليز قد جعلوا الدولة العثمانية بعد احتلالهم لها محصورة في الإقليم التركي، وتركوها قائمة بسياسة البلاد ورعاية شؤونها.

وبهذا وجدت في البلاد قوة سياسية. ولكنهم أخذوا يقومون بالأعمال التي تجعل هذه القوة لا تظهر بالمظهر اللائق بالدولة ولا بالقدرة المناسبة لها، وتجعلها غير قادرة على القيام بأعباء الحكم وغير قادرة على الثبات، ومن أجل ذلك قاموا بلعبتهم لحل البرلمان، لإيجاد القلق وعدم الاستقرار.

ثم دفعوا الناس للقيام بالأعمال السياسية التي توجد عدم التناسق، وتوجد البلبلة. وبالفعل أوجد حل البرلمان ضجة وقلقا، وصار الناس يلمسون عجز الدولة عن القيام بأعباء الحكم، فحاولت جماعة من رجالات البلاد إنقاذ الموقف.

ففي 29 تشرين الثاني( نوفمبر) سنة 1918 دعا الدكتور أسعد وهو طبيب يمني ومن المشتغلين بالأمور السياسة، دعا إلى عقد مؤتمر وطني في العاصمة ضم ثمانية أحزاب وعددا كبيرا من الكتل الصغيرة، للبحث في حالة البلاد. فعقد عدة جلسات، ثم انفض دون أن يثمر شيئا.

وتألفت جماعة من ثلاثين شخصا من الوزراء السابقين، وأصحاب المقامات العالية، ككتلة باسم الوحدة الوطنية، والتفوا حول رئيس مجلس النواب السابق، أحمد رضا الذي أسس جمعية تركيا الفتاة، ولكنها لم تحظ بأي نصيب من النجاح.

ونشط الاتحاديون نشاطا ملحوظا، ولكن ذلك لم يجد شيئا أيضا، وهكذا صار الناس يشعرون بوجود دولة، ويشعرون بعدم قدرتها على قيامها بأعباء الحكم والسياسة، وصار المشتغلون بالسياسة جماعات متعددة، وأفراد متعددين، ولكنه لا يوجد أي تناسق بينهم أو انسجام، ووجدت محاولات متعددة للقيام بالعمل السياسي المنتج ولكنها كلها كانت تخفق وتقف.

وصار الفراغ السياسي في البلد واضحا يشعر به كل إنسان. فلا مجلس يمثل الأمة يرجع إليه السلطان للاستشارة وإعطاء الرأي، فيحصل التناسق ويقوم السلطان بأمور البلاد وينهض بالأعباء السياسية. ولا وزارة تتصل بالأمة، وتقوم بأعمال متناسقة مع أعمال السياسيين ومع الناس، وتنهض بأعباء السياسة وأمور البلاد. ولا خليفة يشارك الناس الرأي، وينسق الجهود، ويوجد الأعمال السياسية. فالبرلمان قد حل، والوزارة مشلولة، والخليفة شبه سجين. ولذلك برز الفراغ السياسي، أي برز في الدولة عدم القدرة على العمل وعدم القدرة على الثبات. مع إحساس الناس بوجود الدولة ووجود الحكام.

كما برز عدم التناسق والقلق وعدم الاستقرار السياسي. ولم يستطع رجالات البلاد على كثرتهم أن يملأوا الفراغ السياسي، لعدم التناسق بينهم بسبب اختلاف آرائهم واختلاف مصالحهم. ولأن المناقشات والخطب وحدها لا تحدث وجودا سياسيا ولا تملأ الفراغ السياسي إلا إذا أثمرت شيئا. وإثمارها إما بحمل الدولة على النهوض بالأعباء الملقاة عليها وجعلها قادرة على العمل، قادرة على الثبات، وإما بالوصول إلى الحكم والاضطلاع بالمسؤولية كاملة، أو إظهار القدرة على العمل والثبات. أما الاقتصار على الخطب والمذكرات السياسية دون أن تنتج شيئا، وترك الدولة في هذه الحال من العجز، وترك البلاد في هذا الوضع من القلق وعدم الاستقرار، فإن هذه الخطب والمذكرات السياسية تكون جهدا ضائعا وحركة لولبية كدوران حمار الرحى ولا يلبث أن يظهر إخفاقه.

ولذلك لم تثمر محاولات رجالات البلاد ولا حركات الأحزاب، واستمر الحال في هذا الفراغ السياسي الفظيع مدة ستة أشهر، ودام ذلك من تشريع الثاني 1918 حتى نهاية نيسان 1919.

وأثناء ذلك كان الإنجليز يثيرون في البلاد فكرة الاستقلال، وأنه حق من حقوق الشعب، ويجب أن تكون تركيا للأتراك كما أن أمريكا للأمريكيين، ويجب خلق دولة حديثة على أسس ودعائم عصرية. تركيا الحديثة القائمة على إرادة الشعب، ولأجل الشعب، تركيا التي تتمتع بالسلطان المطلق، والسيادة التامة، تركيا الحديثة التي لا تترك مجالا لمهازل السلطان.

كانت هذه الأفكار تبث بين الناس خاصة في استانبول، وبين الشباب وضباط الجيش. ولكي يدرك المرء قدرة الإنجليز على بث هذه الأفكار وإيجاد أنصار لها، ينبغي أن يستعرض ما قام به الإنجليز حين كانت الدولة العثمانية قائمة، من بث النعرة القومية، والنزعة الانفصالية، باسم الاستقلال، وأثروا بها على البلقان حتى أوجدوا فيه القلاقل والاضطرابات، مما أدى إلى سلخ كثير من أجزائه عن الدولة العثمانية، وما قاموا به كذلك من بث النعرة القومية، والنزعة الاستقلالية أي الانفصالية في العرب والترك، حتى جعلوا رعايا الدولة فريقين. ولم يكن لهم من وسائل سوى شعاراتهم وعملائهم، فكيف وهم الآن يحتلون البلاد، ويستولون على جميع أمورهم. والسلطان ورئيس وزرائه دمى بين أيديهم، يحركونها كما يشاؤون. بهذا نجحوا في إيصال هذه الفكرة إلى كثير من الناس.

ثم تحرك مصطفى كمال للعمل ولكن بشكل سري جدا من غير أن يشعر به أحد، وكان الكثيرون في ذلك الحين يعدونه صديقا للسلطان وكان لا يبدو عليه مطلقا أنه يدس على الحكومة، أو نه غير راض عنها. وبذلك أخفى حركاته وسار على مهل يؤلف جماعة على أساس مقاومة الاحتلال وإنقاذ البلاد. ولكنه كان أصرح مع المقربين إليه. وذكر أنه مرة أخذ بشرح خطته لجماعة من أقرب المقربين إليه في استانبول فيقول لهم: «إن الحكومة ليست حرة في الوصول إلى أي قرار، وإن السلطان لا يفرق كثيرا عن السجين في أيدي الظافرين، وإن مركز الحكومة القومية ينبغي أن ينتقل إلى داخل البلاد إلى الأناضول. ففي الأناضول يمكن أن يغرى أهل البلاد بالاندماج في الحركة القومية والاشتراك فيها، وإن الحركة القومية قد ينجم عنها نجاة عرش السلطان المهدد، وخلاصه من أيدي المحتلين. وينبغي أن تبذل كل المساعي لتجنب الاصطدام بالشعوب الأوروبية، فإن الحركة التي ننوي القيام بها سلمية… وإن أول شيء ينبغي أن نفعله هو أن نخلص السلطان… وإني لا أجد كلمة طيبة أقولها عن حكومة الداماد فريد باشا. ولهذا أرى أن قلب هذه الحكومة يعد ولا شك من الأعمال الوطنية».

وقد ضم إلى نشاطه السري هذا سعيه إلى تولي قيادة الجيش ولكنه لم يوفق ويئس من ذلك فيما بعد، إذ قد قيل له بصراحة إنه لا أمل له على الإطلاق في قيادة الجيش، ولا في تعيينه في وظائف الدولة، فسكت ولم يظهر أي امتعاض. وظل يتظاهر بحفاظه على ولائه للخليفة وللوزارة، ولم يقم بأي عمل سوى جمع الأنصار، وبث فكرة الاستقلال، وأنه يكتسب ولا يوهب. وما شاكل ذلك من الأفكار التي كان يبثها الغرب ولا سيما الإنجليز.**

**وبذلك كان تأليف (جمعية تركيا الفتاة) أو (حزب الاتحاد والترقي) أفظع عمل قام الغرب لضرب الدولة الإسلامية وضرب الإسلام، وكانت نتائجه معجلة، فما إن وصل إلى الحكم واستلم زمام الأمور حتى بدأ معول الهدم يعمل في جسم الدولة ويحفر بين رعاياها خندقا لا يتأتى أن يعقد فوقه جسر. إذ القومية أخطر شيء يفصل بين الناس ويوجد بينهم العداوة والبغضاء والحروب. وإنه بالرغم من قبولهم في الجمعية جميع رعايا الدولة فإن سياسة الاتحاديين القومية في الدولة هي التي نبهت الفكرة القومية في العناصر العثمانية. ولذلك قام الألبان في الآستانة، وألفوا جمعية لهم، وعقبهم الشركس والكرد. وكان من قبل للروم والأرمن جمعيات منظمة سرية فجعلوها قانونية.

وقام العرب فألفوا جمعية «الإخاء العربي العثماني» في الآستانة، وافتتحوا ناديها بهذا الاسم. ولكن جمعية الاتحاد والترقي قد تعصبت ضد العرب بشكل خاص. فقد سمحت لجميع القوميات بالتكتلات العنصرية ولكنها أخذت تناهض الجمعيات العربية. فحلوا جمعية العرب هذه وأقفلوا ناديها باسم الدولة. واتبعوا التمييز العنصري في الجيش، فاستدعوا الضباط العرب من بلادهم إلى استانبول، ومنعوهم من الالتحاق ببعثة الضباط العلمية إلى ألمانيا، وقرروا عدم إدخال العرب المنتسبين إلى جمعية الاتحاد والترقي في اللجنة المركزية لهذه الجمعية. وكانت هذه الجمعية لجميع رعايا الدولة العثمانية لا فرق بين تركي وعربي وألباني وشركسي. ولكن لما استلم هذا الحزب الحكم وكان الأتراك فيه أصحاب النفوذ استبدوا هذا الاستبداد، وحرموا العرب في هذه الجمعية من المراكز الحساسة فيها، وصاروا يحولونها إلى جمعية تركية. وقد تبع ذلك إجراءات كثيرة في الحكم، منها انتزاع وزارة الأوقاف من الوزير العربي وتسليمها لوزير تركي، ومنها أنه صار يتعمد أن يكون وزير الخارجية ووزير الداخلية تركيا ولا يكون عربيا. ومنها أنه صار يرسل إلى البلاد العربية ولاة أتراك عن تعمد، وكان اختيارهم ممن لا يعرفون اللغة العربية.

ثم كملوا ذلك بجعل اللغة التركية هي اللغة الرسمية. حتى صاروا يعلمون النحو والصرف للغة العربية باللغة التركية. وبلغ تنكرهم للغة العربية حدا أن سفير الدولة العثمانية في واشنطن سنة 1909 نشر إعلانا حظر فيه على العثمانيين المقيمين في أمريكا مخاطبة السفارة بغير اللغة التركية، مع علمه بأن رعايا الدولة هناك كان لا يقل عددهم عن نصف مليون، وأنه ليس بينهم رجل واحد يعرف اللغة التركية.

وقد تفشت هذه العنصرية بين العرب والترك في الجيش بشكل بارز، وكان الضباط الأتراك المنتسبين إلى جمعية الاتحاد والترقي يبرزونها في معاملاتهم، وفي الترقيات، وفي تولي مناصب الجيش العليا. وقد تذمر الضباط العرب، ولكنهم لم يخطر ببالهم أدنى شك في وجوب الولاء للدولة. إذ لم تكن المسألة مسألة اتحاد بين العرب والترك، بل كانت مسألة أمة إسلامية واحدة، وخليفة في استانبول أوجب الله طاعته وحرم معصيته، وجعلها كمعصية الله، والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه. ولهذا تأثر بعض زعماء الضباط العرب بهذا الوضع فدعوا في أواخر سنة 1909 أصحاب الرأي من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي إلى اجتماع، فلبوا الدعوة واجتمعوا معا اجتماعا طويلا في استانبول، وبحثوا في التدابير التي يجب اتخاذها لحسم هذا الخلاف بين العرب والترك حسما نهائيا. وكاد هذا الاجتماع يسفر عن رجوع الوحدة، وترك العنصرية، والانضواء تحت العقيدة الإسلامية وحدها. ولكن بعض الشباب الأتراك الذين كانت القومية التركية قد غلبت على العقيدة الإسلامية عندهم مثل «أحمد آغابيك» و«يوسف أقشورة بك» وغيرهما عز عليهم ترك قوميتهم وإفراد الإسلام وحده بالولاء، فتدخلوا في الأمر، وتفوهوا بكلمات قاسية ضد العرب، وتمجيد الترك، مما جعل الاجتماع ينفض على أسوأ مما كان عليه قبل الاجتماع.

واستمرت الجمعية ماضية في عنصريتها. ولما استتب فيها الأمر كليا للأتراك قاموا بتعديل برنامج الجمعية تعديلا جعلها تركية بحتة. فكان من جراء هذا التعديل أن انفصل عنها جميع العرب، وجميع الألبانيين، وجميع الأرمن، كما انفصل عنها بعض الترك الذين كانت العقيدة الإسلامية وحدها هي الأساس عندهم لا قوميتهم.**

دور السفارات الأوروبية في تأسيس

الجمعيات والأحزاب العربية:

على أثر ذلك نشطت سفارات الدول الأوروبية في الاتصال بالعرب وتأسيس الجمعيات والأحزاب. فأسسوا (حزب اللامركزية)، وجعلوا مركزه القاهرة، وجعل رئيسه رفيق العظم. وأسست (جمعية الإصلاح)، وكان مركزها بيروت. وأسس (المنتدى الأدبي)، وغير ذلك من الجمعيات. وتغلغل الإنجليز والفرنسيون في صفوف العرب الذين أخذوا يحملون النعرة القومية، وفتحوا لهم خزائن بلادهم، فعقد الشباب العرب بتاريخ 18 حزيران (يونيو) سنة 1913 مؤتمرا في باريس تحت رعاية فرنسا. فكان ذلك أول إعلان عن انحياز القوميين العرب إلى إنجلترا وفرنسا ضد دولتهم الدولة العثمانية.

ولما أحس رجال حزب الاتحاد والترقي بذلك ألفوا جمعية سموها (جمعية ترك أوجاغي) أي العائلة التركية، وجعلوا غايتها محو الإسلام، وتتريك العناصر العثمانية، ثم صاروا يشجعون إصدار الكتب والجرائد الإلحادية، ومن ذلك الكتاب الذي ألفه جلال نوري بك الكاتب التركي الشهير واسمه (تاريخ المستقبل). ومما جاء فيه قوله: «إن المصلحة تقضي على حكومة الآستانة بإكراه السوريين على ترك أوطانهم، وإن بلاد العرب لا سيما العراق واليمن يجب تحويلها إلى مستعمرات تركية، لنشر اللغة التركية التي يجب أن تكون لغة الدين. ومما لا مندوحة لنا عنه للدفاع عن كياننا أن نحول جميع الأقطار العربية إلى أقطار تركية، لأن النشء العربي الحديث صار يشعر بعصبية جنسية، وهو يهددنا بنكبة عظيمة يجب أن نحتاط لها من الآن». وهكذا فعلت النعرة القومية، والنزعة الوطنية، فعلها في النفوس؛ فتحول الولاء عن الإسلام إلى القومية وإلى الوطن؛ فجر ذلك إلى محاربة كل ما يحويه الإسلام مما يمس القومية والوطن، وجعل المقياس عند الذين يباشرون السلطان في الدولة هو القومية والوطنية وليس الإسلام. حتى في الدعوة إلى توحيد صفوف الرعية من عرب وأتراك.

حتى إن جمال باشا حين كان في سورية ورأى الشباب العرب يرتكبون الخيانة ضد الدولة، ويعملون بإرشاد فرنسا، وبأوامر إنجلترا، وتيقن من ذلك بشكل قطعي، بالوثائق التي ضبطت في القنصلية الفرنسية في دمشق، حين أحس بذلك وتيقن منه أراد أن يستميل العرب للمحافظة على الوحدة بين رعايا الدولة. فدعا الزعماء العرب إلى حفلة أقيمت في دمشق، وألقى فيهم خطبة يحثهم فيها على الوحدة. وكان مما قاله لهؤلاء الزعماء العرب في تلك الخطبة ما نصه: «ثم إنه يجب أن تثقوا أن حركة الجامعة التركية التي شهدتموها في الآستانة، وفي الجهات الأخرى الآهلة بالعناصر التركية، لا تتضارب بشكل ما والمطامع العربية. إنكم لتعلمون علما ليس بالظن أن الإمبراطورية العثمانية وجدت فيها حركات بلغارية، ويونانية، وأرمنية، والآن توجد فيها حركة عربية. ولقد نسي الأتراك وجودهم بالمرة إلى حد أنهم كانوا يخشون ذكر شعبهم مطلقا، فالروح الوطني قد رقد رقودا تاما حتى لقد خيف على الشعب التركي أن يتلاشى نهائيا، فدرءا لذلك الخطر المقبل نهض رجال (تركيا الفتاة) بغيرة تستحق الإعجاب، فلجأوا إلى السلاح ولتعليم الأتراك الروح الوطني». ثم قال: «واليوم أراني قادرا على أن أؤكد لكم أن الأماني التركية، والأماني العربية، لا تتعارضان مطلقا؛ فالأتراك والعرب ليسوا إلا إخوانا في غاياتهم الوطنية». ثم مضى يقول: «وبالاختصار إن أقصى أماني ذلك الحزب حزب تركيا الفتاة (أي الاتحاد والترقي) هو جعل الشعب التركي موضع احترام شعوب الأرض كافة، ويثبت حقه في أن يعيش مع شعوب القرن العشرين جنبا إلى جنب».

بهذا الكلام نطق جمال باشا لتوحيد كلمة المسلمين تحت ظل الخلافة الإسلامية، وليحول دون الأعمال التي كان يقوم بها العرب للانفصال عن الترك، أي للانفصال عن الخلافة، ويستعينون بالكفار الإنجليز والفرنسيين.

صحيح أن جمال باشا كان على حق في شنقه الخونة ممن كانوا يعملون مع فرنسا وإنجلترا ضد الخلافة، إذ كانوا كفارا أو مسلمين مرتدين باعتقادهم عدم صلاحية الإسلام، وكان على حق في ضربه كل خائن، وكل من يعمل ضد الخلافة ولو كان هو نفسه يعمل للقومية، فكيف إذا كان هذا الذي يعمل ضد الخلافة إنما يعمل مع الكفار وتحت أوامرهم. ولكن جمال باشا هذا كان هو و(حزب تركيا الفتاة) أي الاتحاد والترقي كانوا يستحقون العقوبة والسجن لحملهم فكرة القومية. وكلامه هذا الذي يقوله للتهدئة يتجاوز وصفه حد القول: إنه خطأ، ولا يعالج الانفصال القومي بمثل هذا الكلام، بل يتعداه إلى القول بأنه إنما ينم عن عقائد فاسدة، وعن عدم اعتبار للإسلام بأنه هو وحده الجامع لرعايا الدولة، والذي به وحده تقوم الخلافة ولا تقوم بسواه.

وكانت الكلمة التي يجب أن يقولها ولا يجوز أن يقول سواها والتي تعتبر الكلمة الحاسمة، والقول الفصل، هي أنه يجب أن تكون العقيدة الإسلامية وحدها هي محل ولائنا كلنا، ولا يجوز أن يكون هناك ولاء إلا لها، وأن تكون هي وحدها مقياس أعمالنا. ولكنه بدل أن يقول ذلك يهدىء المسلمين الناطقين باللسان العربي بقوله: «إن الأماني العربية والأماني التركية لا تتعارضان»، وبقوله: «فالأتراك والعرب ليسوا إلا إخوانا في غاياتهم الوطنية»، وبقوله: «إن أقصى أماني ذلك الحزب: حزب تركيا الفتاة هو جعل الشعب التركي موضع احترام شعوب الأرض كافة ويثبت حقه في أن يعيش مع شعوب القرن العشرين جنبا إلى جنب» أي مع الإنجليز والفرنسيين والطليان واليونان، أي مع الكفار.

**تركيز الإنجليز على عاصمة الخلافة لإلغائها

وأما تركيز جهودهم على مركز الخلافة لاتخاذ الأساليب التي تكفل إلغاءها فإنهم مع مناوراتهم لحلفائهم وبذلك جهودهم في البلاد التي احتلوها كان اهتمامهم كله موجها إلى تركيا بالذات، أو بتعبير أدق إلى مركز الخلافة. ولذلك سارع الإنجليز حال إعلان الهدنة فاستولت بوارجهم على البسفور، واحتلت جيوشهم العاصمة، وكل قلاع الدردنيل، والمواقع الحربية الهامة في أنحاء تركيا. بينما احتلت الجيوش الفرنسية غلطة، واحتلت الجيوش الإيطالية بيرا وخطوط السكك الحديدية، وجعل القائد الإنجليزي هارنجتون القائد العام للحلفاء في تركيا.

وبذلك تكون الجيوش الإنجليزية هي التي احتلت تركيا حقيقة احتلالا كاملا، وهي التي تولت السيطرة عليها. وتكون فرنسا وإيطاليا قد احتلتاها احتلالا رمزيا يثبت وجودهما. وبذلك صار معنى اتصال الدولة المغلوبة بالحلفاء الغالبين في شؤون تركيا الداخلية هو اتصال بالإنجليز. وبذلك تمكن الإنجليز من لعب دورهم في تركيا منفردين، ولم يكن لحفائهم في الأمور الداخلية في تركيا أي دور ولا أي تأثير.

وقد بدأوا بالمناورات السياسية للتحكم في دولة الخلافة، أو على حد تعبيرهم بالإمبراطورية العثمانية منذ أن أعلنت الهدنة، وركزوا لعبتهم السياسية على تركيا بالذات لقلب الحكومة وهدم الخلافة.

ولذلك بدأوا بإيقاع الدولة في الأزمات السياسية منذ اللحظة الأولى لإعلان الهدنة. فقد قبلوا من الدولة العثمانية الهدنة وعقدوا معاهدتها مع طلعت وأنور، ولما طلب منهم إجراء المفاوضات للاتفاق على شروط أعلنوا أنهم لا يفاوضون طلعت وأنور لأنهما المسؤولان الرئيسيان عن دخول الدولة العثمانية الحرب، وطلبوا تأليف وزارة جديدة.

وكانت برقية مصطفى كمال التي أرسلها من حلب وأوعز فيها بأن يتولى المرشال عزت رئاسة الوزارة قد وصلت أثناء هذه الفترة. فألف الوزارة عزت باشا، وأرسل برقيته المعروفة بصفة خاصة إلى مصطفى كمال في حلب، وقال له فيها: «آمل أن نلتقي كرفيقين بعد عقد شروط الهدنة» وهنا يلاحظ أن حصول هذا من الحلفاء، ومن مصطفى كمال، في نفس الوقت، وفي نفس الموضوع، قد يظن أنه كان من قبيل الصدفة، ولكن الأحداث التي جاءت فيما بعد تستبعد أن يكون من قبيل الصدفة.

ومهما يكن من أمر فقد بدأ عزت باشا يجري المفاوضات لعقد شروط الصلح. وكان الاعتقاد السائد أنه إذا عقد صلح انفرادي سريع فمن الممكن أن تنجو البلاد من الورطة التي وقعت فيها دون أن تتحمل خسائر فادحة. وكان هناك أشخاص يحسنون الظن بالإنجليز، ويظنون أنهم سيقفون بجانبهم فيقبلون بالاكتفاء بخروج الدولة العثمانية من الحرب وبقائها دولة مسالمة. ولذلك حاولوا أن يوقفوا زحف الحلفاء، وأن يحولوا دون احتلال الدردنيل، فوسطوا الجنرال الإنجليزي طاونساند الذي كان سجينا في كوت العمارة لدى كالثورب قائد الأسطول الإنجليزي الذي كان قد دخل مرفأ جزيرة مودرس في مدخل الدردنيل ليوقف سيره إلى أن يجروا مفاوضات مع الحلفاء، ولكن رفض طلبهم وأجبروا على الاستسلام بعد أن قطعوا الأمل من الإنجليز.

وجرت المفاوضات على ظهر الباخرة سوبر التي كانت تقل قائد الأسطول الأميرال كالثورب في وقت قصير لم يسمح حتى باستشارة القوات الفرنسية الحليفة. وهكذا انفرد الإنجليز بعقد الهدنة عن الحلفاء مع الدولة العثمانية، وتم الاتفاق في 30 تشرين الأول سنة 1918، وبعد ذلك أخبر الإنجليز حلفاءهم الفرنسيين، ولكن بعد أن احتلوا أهم بلاد تركيا فعلا، وتركوا لفرنسا وإيطاليا الاحتلال الشكلي للمشاركة .

وبعد ذلك مباشرة أي قبل مضي شهر على عقد الهدنة طلبوا من الخليفة إقصاء عزت باشا عن الوزارة، وتأليف وزارة جديدة لأنها مسؤولة عن قرار طلعت وأنور، وكان يجب القبض عليهما وتسليمهما للحلفاء لأن هناك مادة من مواد شروط الهدنة تقول بتسليم الذين يعدون مسؤولين قبل غيرهم عن الحرب الكبرى. وهكذا بدأ الإنجليز بإيجاد الأزمات السياسية للخليفة.**

**محاولة الإنجليز هدم الخلافة

بالأعمال السياسية والقانونية

ويبدو أن الإنجليز كانوا يأملون في إحداث التغيير الجذري في نظام الحكم بهدم الخلافة وإقامة الجمهورية بالطرق الشرعية القانونية، من غير حاجة إلى انقلاب عسكري أو ثورة مسلحة. ولذلك أخذوا يعملون بالأساليب السياسية البحتة. فإن الخليفة، بعد أن اعتزل عزت باشا الوزارة، عهد في تأليف الوزارة إلى توفيق باشا، وهو معروف أنه من رجال الإنجليز. إذ كان موظفا في أيام حكم عبد الحميد، ثم أصبح فيما بعد سفيرا للدولة العثمانية في لندن، حيث استطاع أن يكسب عطف الإنجليز ورضاهم. ولكنه حين ألف هذه الوزارة كان شيخا في الثمانين من عمره، فلم يكن أهلا للقيام بالدور الذي يجب أن يقوم به. فلم يرتاحوا لتأليفه الوزارة.

ولكنهم قبل أن يحاولوا تغييره والإتيان بوزارة أخرى أرادوا حل مجلس النواب المعروف بمجلس المبعوثان، وذلك أن هذا المجلس قد انتخب من جميع أجزاء الدولة العثمانية، أي من دولة الخلافة. فهو إذن ليس مجلس نواب تركيا بحتا انتخب لتركيا وحدها. ثم إن هذا المجلس أكثره من حزب تركيا الفتاة وحزب الاتحاد والترقي، حزب طلعت وأنور وجمال. وهو يرى الاحتفاظ بالخلافة وبجميع أجزاء الدولة العثمانية، أي: الاحتفاظ بالإمبراطورية العثمانية جميعها. فليس من المحتمل أن يوافق على إلغاء الخلافة، ولا على سلخ باقي أجزاء الإمبراطورية عن تركيا. ثم إنهم أرادوا أن يوجدوا في البلاد فراغا سياسيا، وحل البرلمان يساعدهم على إيجاد هذا الفراغ السياسي، ولذلك صمموا على حله. وأرادوا في أول الأمر أن يأتي حله بشكل دستوري، دون حاجة إلى حل تحكمي من السلطان بطلب منهم. وهنا حاول مصطفى كمال أن يقوم بالحل الدستوري فلم ينجح، فحله السلطان حلا تحكميا بشكل فجائي، وهو لا يكون إلا بناء على طلب قنع به، أو لم يستطع عدم إجابته.

وتفصيل ذلك أنه كان لا بد لتوفيق باشا بعد أن ألف الوزارة من الحصول على الثقة البرلمانية طبقا للإجراءات الدستورية، وكانت جلسة الثقة على وشك الانعقاد، فسارع مصطفى كمال وكان قد عاد إلى استانبول من حلب وأضنة إلى العمل لإقناع النواب بحجب الثقة عن الوزارة، فقد كان له بعض الأصدقاء من الاتحاديين الذين يؤلفون أغلبية المجلس ومن بينهم فتحي بك الذي كان ذا نفوذ وسلطان، ولذلك سارع إلى حضور جلسة الثقة. فجمع له فتحي بك عددا من النواب وأخذ يتشاور معهم في غرفة مجاورة. وعرض مصطفى كمال اقتراحه عليهم وهو التصويت بعدم الثقة بالوزارة، ولكنهم اعترضوا بأن التصويت بعدم الثقة يؤدي حتما إلى حل المجلس، وهنا لم يستطع إخفاء غايته التي يسعى إليها، فرد فورا: وهذا خير وأبقى، فإنا نكسب الوقت عن هذا الطريق، ونعد أمورنا لتكوين الوزارة التي نريدها.

دق جرس الجلسة ودخل النواب قاعة البرلمان، ثم جاء وقت التصويت، وأعلن الرئيس النتيجة، فكانت الأغلبية الساحقة في جانب الثقة بوزارة توفيق.

فلما علم مصطفى كمال بذلك ترك أبنية البرلمان ولم يكد يصل إلى داره حتى اتصل تلفونيا بالقصر، والتمس مقابلة السلطان في أقرب وقت ممكن. وكان السلطان وحيد الدين يعرف أفكار مصطفى كمال، ويعرف طمعه في استلام الحكم، ولكنه كان يلمس منه قوة ويظن أن له أنصارا أقوياء في الجيش، وأنه يؤثر على الجيش. وكان هم وحيد الدين الاحتفاظ بعرشه، ويرى في مصطفى كمال خطرا عليه. ولهذا حين جاء طلبه وافق وحيد الدين فورا. إلا أنه حدد وقت الاجتماع في أقرب يوم جمعة. وأراد وحيد الدين اختيار هذا اليوم لأنه يوم الاجتماع بالسلاملك، يعني يوم استقبال الخليفة الناس للسلام عليه، فكان قصده أن يعلن مصطفى كمال صلاته بالسلطان، وأن يؤكد أمام الحاضرين الولاء للخليفة، وأن يؤدي صلاة الجمعة معه. ثم بعد ذلك يتخذ الخليفة التدابير لسماع حديثه - الذي يعرفه - على انفراد.

وبعد انتهاء الصلاة طلب السلطان وحيد الدين من مصطفى كمال أن يذهب معه إلى الصالون، وتعمد السلطان إطالة المقابلة، فاستغرق الحديث ساعة كاملة. وقد سأل السلطان مصطفى كمال قائلا: إني مقتنع تمام الاقتناع أن القواد وضباط الجيش يثقون بك أعظم الثقة، فهل تضمن لي أن لا يتخذ الجيش إجراءات ضدي؟. فأجاب مصطفى كمال قائلا: لا أعلم يا صاحب الجلالة عن المستقبل شيئا، ولكن الذي أراه في الوقت الحاضر أن القواد لا يجدون أي مبرر لتمردهم على عرشكم، بل إني أستطيع أن أؤكد لجلالتكم تأكيدا قاطعا أنه لا يوجد ما يبرر تخوفكم. فقال السلطان: إني لا أتكلم عن الوقت الحاضر ولكني أود أن أعلم ماذا ينتظر أن يحدث في المستقبل. ولم يعلم ماذا أجابه مصطفى كمال، ولكن يبدو أنه حدثه حديثا أدخل الاطمئنان إلى قلبه، بدليل أن السلطان قال له بعد ذلك: «إنك قائد حكيم ولا بد أنك تستطيع التأثير على رفاقك، لتدفعهم إلى الهدوء، وتحضهم على التروي».

وقد لفتت هذه المقابلة الخاصة التي لم يحضرها أحد اهتمام الناس الذين كانوا في القصر، وحاولوا استطلاع خفاياها. غير أن الخليفة أصدر في نفس اليوم الذي جرت فيه هذه المقابلة، مع أنه يوم جمعة والمقابلة حصلت بعد الصلاة، أصدر إدارة سلطانية بحل البرلمان دون أن تعين هذه الإرادة السلطانية موعد إجراء الانتخابات الجديدة. وكان هذا مفاجأة للناس جميعا، فوق كونه تدبيرا تحكميا ليس له ما يبرره. ولم تذكر أية مبررات أو أسباب دستورية لحله. فظن الناس أن مصطفى كمال نصحه بالحل وأثر عليه فحل البرلمان، ولا سيما أن طلب المقابلة جاء بعد محاولة مصطفى كمال إقناع النواب بعدم الثقة لأنه يؤدي حتما إلى حل البرلمان، ولكن الوقائع التي حصلت في الحل لا تدل مطلقا على أن الحل كان بتأثير من مصطفى كمال، وذلك لأنه حصل في يوم المقابلة، وهذا بعيد أن يكون من جراء ما حصل فيها من حديث، لأن الحل يحتاج إلى ترتيبات مسبقة، ولا سيما واليوم يوم عطلة. ومصطفى كمال يقابل السلطان أول مرة بعد توقيع الهدنة وانتهاء الحرب، فمهما كان تأثيره عليه لا يمكن أن تكون تلبية طلبه بهذه السرعة الخاطفة.

ولذلك فإن الوقائع تدل على أن موضوع حل البرلمان كان مهيأ من قبل المقابلة، وأن صدوره بهذا الشكل التحكمي لا شك أنه بناء على أمر خارج عن إرادة السلطان، ويستنتج أنه بناء على أمر الإنجليز. إذ هم الذين كانوا مسيطرين على الخليفة وعلى البلاد سيطرة مباشرة بالاحتلال.

وعلى أي حال فإن حل البرلمان أحدث الضجة الكبرى وأحدث البلبلة في البلاد، وراجت الإشاعات أن الاتحاديين قد سلحوا أنصارهم لكي يتمكنوا من إعلان الثورة في آسيا الصغرى، إذ كانت الضربة ضربة مميتة للاتحاديين. وأثناء هذه الضجة اختفى توفيق باشا وحل مكانه الداماد فريد باشا، وكان يطلق عليه الجنتلمان الإنجليزي، وهو زوج ابنة السلطان.

وأما مصطفى كمال فقد استأجر دارا في شيلي إحدى ضواحي بيرا، وصار يعيش في تلك الدار كفرد عادي، واعتزل السياسة ولزم جانب الصمت. وكان يشاهد في بعض الأندية يختلط بالأوساط الراقية، ولكنه كان شديد التحفظ. ولم يكن حديثه يدل على شيء، ولم يكن أحد يعرف هل هو مع السلطان أو ضده.

إلا أن السلطان كان يدرك مرامي مصطفى كمال، لأنه يعرف أفكاره وأغراضه. ولذلك كان يقاومه مقاومة شديدة، ويهاجمه ويقول لمن حوله عنه: إنه يريد تنفير الأتراك من أسرته، وإيجاد العداء بينه وبين الشعب لخلعه، ولكن اعتزال مصطفى كمال للأعمال السياسية لم يجعل له أي سبيل عليه. ولذلك كان الكثيرون يلومون السلطان على عداء مصطفى كمال.

وبعد تأليف الداماد فريد الوزارة، وإظهار الإنجليز الرضا عنها والقبول بها، وازدياد مخاوف السلطان على عرشه، صار يعتقد بأنه لا يستطيع الاحتفاظ بعرشه إلا بمعونة إنكلترا، ويرى أن الداماد فريد باشا أكبر أنصاره ومؤيديه. وقد عمل السلطان والداماد كل الوسائل لإرضاء الإنجليز. وتألفت جمعية سموها «أصدقاء الإنجليز» وكانت الحكومة تؤيد هذه الجمعية بكل أنواع التأييد. والإنجليز من جانبهم يغدقون عليها الذهب المغري، ولكن عامة الناس، وأكثر شباب البلاد وضباط الجيش، كانوا يبغضون الإنجليز، وينقمون على المحتلين.

وهكذا ارتمى السلطان ورئيس وزرائه ارتماء تاما في أحضان الإنجليز، واعتمدوا عليهم اعتمادا كليا. وكان الإنجليز قد عينوا مندوبا ساميا في استانبول ليتولى الأمور السياسية في البلاد، إلى جانب الجنرال هارنجتون الإنجليزي القائد العام لجيوش الحلفاء. فصاروا يملون أراءهم على السلطان ويتحكمون به كما يشاؤون. ففقد سلطانه السياسي الفعلي، وصار كالسجين، وأضحى السلطان الفعلي للحلفاء، أو على الأصح للإنجليز وحدهم ممثلين بالمندوب السامي البريطاني وبالجنرال هارنجتون.**

**جعل القومية والوطنية أساسا لعملية التمزيق

أما بالنسبة لعملية التمزيق فإن ما كانوا قد ركزوه من قبل من إثارة النعرة القومية، والنزعة الوطنية، قد آن أوانه عندهم لجعله أساسا لعملية التمزيق. وبالفعل اتخذوه أساسا. فجعلوا البلاد الناطقة باللسان التركي قطعة واحدة، وأخذوا بما لهم من سلطان مباشر ونفوذ كاسح يذكون نعرة القومية التركية، ويثيرون فكرة استقلال تركيا، ويعنون انفصالها عن باقي أجزاء الدولة الإسلامية، أو على حد تعبيرهم الإمبراطورية العثمانية، ويضفون على كلمة الاستقلال معنى التحرر من احتلال الحلفاء. ولكن الواقع العملي الذي كانت تدفع الناس إليه هو الاستقلال عن سائر أجزاء الدولة، أي الانفصال. وجعلوا البلاد الناطقة باللسان العربي قطعا متعددة. ومع أن الإنجليز كانوا قد احتلوا أكثرها فإنهم لم يجعلوها قطعة واحدة كما وجدوها حين احتلوها، بل جعلوها قطعا حسب الخرائط التي رسموها لها أثناء الحرب.

وبذلك نفذوا تمزيق الدولة المغلوبة عمليا، وجعلوها دولا متعددة قبل أن يعقدوا معها معاهدة الصلح، بل قبل أن يتفقوا معها على شروط الصلح، بل بمجرد احتلالها قسموها إلى أقطار مختلفة، وباشروا حكمها باعتبارها دولا متعددة احتلت من قبلهم. وهذا يخالف القانون الدولي، ويخالف ما عليه العلاقات الدولية، فإن احتلال الدولة الغالبة في الحرب لأراضي الدولة المغلوبة لا يكفي وحده ليقرر مصير الدولة المحتلة، أو الأراضي المحتلة، بل الذي يقرر ذلك إنما هو معاهدة الصلح أو شروط الصلح، حتى ولو أمليت هذه الشروط إملاء. وأقرب دليل على ذلك أن برلين بالرغم من مضي أكثر من أربعين سنة على احتلالها فإن مصيرها لم يقرره الاحتلال، وإنما تقرره شروط الصلح أو معاهدة الصلح، واتفاق الحلفاء عليها.

ولهذا فإن ما فعلته إنجلترا من مباشرة تقسيم الدولة العثمانية فور احتلال أراضيها، وفور استسلامها مغلوبة في الحرب، باطل وغير مشروع دوليا. إذ حصل بتصرفها منفردة قبل الاتفاق مع حلفائها على ذلك، وقبل عقد معاهدة الصلح أو الاتفاق على شروط الصلح، أو على أسوأ تقدير قبل إملائها إملاءا من قبل الحلفاء، على فرض صحة هذا الإملاء.

وفوق هذا فإن هذه البلدان كلها كانت أجزاء في الدولة. فلبنان وسورية والعراق وفلسطين وشرقي الأردن والحجاز واليمن كانت تحت راية الدولة العثمانية، وجزءا منها، وولايات من ولاياتها، وليس لها أي كيان، لا ذاتي ولا دولي. ولم تكن أي واحدة منها تملك بمفردها سيادة، لا داخلية ولا خارجية. ولذلك لا يملك أحد من أهلها المفاوضات الدولية، ولا بوجه من الوجوه. وكل تصرف دولي يصدر من أي شخص من هذه الولايات مع أية دولة من الدول تصرف باطل، ولا يعترف به ولا يكون له أي اعتبار. حتى مصر التي كان الإنجليز يسيطرون عليها، ويضعونها تحت حمايتهم. كانت جزءا من الدولة العثمانية، وأهلها حين كانوا يطالبون بخروج الإنجليز كانوا يطالبون بأن يعودوا - يعني أهل مصر - تحت راية الدولة الإسلامية، أي الدولة العثمانية، ليكونوا تحت راية خليفة المسلمين. فقد كان مصطفى كامل يطالب بجلاء الإنجليز وإرجاع مصر تابعة للخلافة في استانبول.

وعلى هذا فإن المفاوضات بين الحلفاء الغالبين في أي شأن من شؤون هذه البلاد إنما يكون مع الخليفة ليس غير، أي مع مركز الدولة في استانبول. وأما الشريف حسين بن علي فإنه تابع للخلافة، وقد تمرد، وتمرده هذا لا يعطيه الصفة الدولية. فهو لا يزيد على رجل خان دولته وأمته، وبهذه الخيانة لا يكتسب أي حق دولي. وأما الذين اعتبرتهم إنجلترا وفرنسا زعماء للعرب في دمشق وبيروت وبغداد فإنهم مثل الحسين خونة، وليست لهم أية صفة تعطيهم حق المفاوضة مع الحلفاء الغالبين، بل هم أقل شأنا من الحسين، لا من حيث التأثير فحسب، بل من حيث اعتبار الدولة الذين هم من رعاياها. إذ كان الشريف حسين معتبرا شريفا على الحجاز من قبل الدولة المغلوبة، أما هؤلاء فكانوا أفرادا عاديين خانوا أمتهم ودولتهم، واشتغلوا جواسيس لأعدائهم. فلا يحتمل أن يظن أحد بإمكانية إعطائهم صفة المفاوضين.

ولكن إنجلترا بالذات مع معرفتها بذلك أخذت تفاوض سكان البلاد التي احتلتها بشأن مستقبل بلادهم ومصيرها، مع معرفتها أن هذه المفاوضات لا قيمة لها دوليا، ولا يعترف بها، ولا يكون لها أي اعتبار. ولكنها فاوضت بالفعل وأعطتهم حق التكلم باسم بلادهم مع الدولة المحتلة، واتخذت ذلك وسيلة لتركيز نفسها في البلاد التي احتلتها، على حسب المخطط الذي وضعته لها، ووفق الخرائط التي قسمت بحسبها هذه البلاد، وتركت مسألة المفاوضات الدولية الرسمية مع الخليفة تأخذ الدور الثانوي بحيث تكون شكلية تستكملها حين تعقد معاهدة الصلح، وتملي شروطها على الخليفة، إن لم تستطع إلغاءها، أو مع من تضعه مكانه إذا أتيح لها إلغاء الخلافة. وعلى هذا الأساس سارت إنجلترا وبحسب هذا التصرف الباطل جرى تمزيق الدولة الإسلامية من قبل الإنجليز.

هذا من ناحية تقسيم الإنجليز للبلاد المحتلة قطعا قطعا. وأما مداورتهم لحلفائهم وإن كانت لا تهم المسلمين، ولكن هذا المداورة قد اتخذها الإنجليز أسلوبا استعانوا به للقيام بأعمال متعددة مكنتهم من إزالة الخلافة وهدمها، ولذلك لا بد من لفت النظر إليها لتدرك الألاعيب السياسية للإنجليز.

وبهذا دخل الحلفاء الحرب لغايات مختلفة، وهم وإن كانوا يحاربون في صف واحد فإنهم متنابذون متنافسون متباغضون، وكل دولة تكيد للأخرى في الخفاء. وكانت إنجلترا حينئذ الدولة الأولى في الموقف الدولي، وكانت تزاحمها فرنسا وروسيا وألمانيا وإيطاليا. فلما دخلت الحرب ضد ألمانيا وضد الدولة العثمانية كانت تحاول إغراء الدول حتى تشترك معها في الحرب، أو حتى تثبت معها في الحرب إلى نهايتها. ولذلك كانت تقوم بعقد الاتفاقات السرية مع الدول الكبيرة تطمعها فيها بالأسلاب الوفيرة التي سيتقاسمونها بعد النصر. فقد وعدت إيطاليا في الاتفاقية السرية التي أمضيت في لندن في 26 نيسان سنة 1915 بأن تعطى مكافأة لدخولها الحرب الإقليم التركي (أضاليا)، والأقاليم المتاخمة له الواقعة على البحر الأبيض المتوسط.

وبعد ذلك بسنة أي في سنة 1916 اتفقت إنكلترا وفرنسا وروسيا في معاهدة (سايكس بيكو) السرية اتفاقا تاما على تجزئة الإمبراطورية العثمانية، وعلى أساس هذه المعاهدة السرية وضعت شروط الصلح مع مصطفى كمال فيما بعد. إلا أن هذه المعاهدة السرية كانت مكتومة عن إيطاليا، وبقيت مكتومة عنها مدة، إلى أن اشتمت رائحتها فغضبت وبدأت تطالب بإنهاء توزيع الأسلاب، وتجزئة الإمبراطورية العثمانية.

وبتاريخ 27 نيسان سنة 1917 اشتركت إنكلترا وفرنسا وروسيا في عقد معاهدة وضعوا نصوصها. ووعدت إيطاليا في هذه المعاهدة بأن تعطى إقليم أزمير، وكل الجانب الغربي من الأناضول حتى قونية، على أن تعد هذه الأملاك تحت الانتداب الإيطالي. وغير ذلك من النصوص. فلما انتهت الحرب سارعت إنجلترا إلى احتلال استانبول، وجميع البلاد الناطقة باللسان العربي، فسارعت فرنسا لاحتلال ما اتفقوا عليه، فاحتلت لبنان، وحاولت إنجلترا صدها عن احتلال سورية ولكنها احتلتها سنة 1920.

وفي نيسان سنة 1919 احتلت إيطاليا مدينة أضاليا والأملاك التي تجاورها، فسكتت إنجلترا، ولكنها عارضتها في احتلال أزمير، ووقفت هي وفرنسا في وجهها ولم يسمحا لها باحتلالها واحتلال الساحل الغربي من الأناضول، باعتبار أن هذه المعاهدة التي أعطتها ذلك لم توقع من روسيا. فعدت فرنسا وإنجلترا هذه المعاهدة باطلة، ومن أجل مقاومة إيطاليا أوعزت لليونان باحتلال أزمير نيابة عن الحلفاء. وأخذت تقوم بمناورات متعددة مدة أربع سنوات حتى توصلت إلى جميع ما تريده من أخذ حصة الأسد وإلغاء الخلافة وضرب الإسلام من المعترك الدولي الضربة المميتة، فعقدت مؤتمر لوزان الثاني وبه أنهت ما تريد بشكل دولي.**

تركز حكومة أنقرة واتصال الدول بها مباشرة
على هذا الوجه انتهت الجولة الثانية، بتركيز الحكومة الثانية للبلاد في أنقرة وجعلها صاحبة القوة وصاحبة السلطان الفعلي، وأضحت حكومة استانبول لا حول لها ولا طول، وما إن استقر أمر هذه الحكومة الثانية وصارت لها السيطرة على البلاد حتى دعت إنجلترا بعد هذه الحوادث مباشرة إلى عقد مؤتمر لندن، يحضره بعض نواب من اليونان وتركيا، وقالت: إن الغرض من هذا المؤتمر البحث في حل المعضلة الشرقية. وهذا لا يعني إلا إعادة النظر في شروط الصلح التي عقدت في باريس، أي إعادة النظر في معاهدة سيفر، لأن عقد مؤتمر للبحث في المسألة الشرقية، وكانت قد سويت في مؤتمر صلح رسمي، إنما يعني أن معاهدة سيفر التي أقرت في مؤتمر باريس ستكون موضع نقاش وبحث قبل أن يكون لها أي تأثير بل قبل أن يعمل بها على الإطلاق، إذ لم يعمل بهذه المعاهدة مطلقا ولم يطبق بند واحد منها، وهذا ما يؤكد أن إنجلترا إنما عقدتها لتهديد تركيا واستعمالها وسيلة لتنفيذ أغراضها. ولم تعقدها للتنفيذ بدليل أنه مضى عليها أكثر من سنة ولم ينفذ شيء منها، مضى عليها أكثر من سنة وهي مكتومة، ولم تنشر إلا حين حوصر مصطفى كمال، وكاد يقضى عليه وتسحق ثورته. فكان مجرد دعوة الإنجليز لمؤتمر لندن لإعادة النظر في معاهدة سيفر موضع غرابة. لأن المعاهدة في صالح الإنجليز، إذ أن فرنسا لم تنظر مطلقا بعين الارتياح لمعاهدة سيفر، وكانت قد وافقت على هذه المعاهدة كارهة، لأنها قد وجدت أن الميراث العثماني أصبح من حظ حليفتها إنجلترا التي فازت منه بحصة الأسد، واضطرت أن تقنع على الرغم منها بسورية وكيليكيا. بيد أن سورية وكيليكيا كانت بالنسبة لفرنسا هبة فيها نظر. وإيطاليا كانت غاضبة من المعاهدة. فهي لا توافق على السيادة اليونانية في البحر المتوسط.
وخصوصا لأن توسع اليونان في آسيا الصغرى لم يكن في الواقع إلا على حساب منطقة النفوذ الإيطالي التي رسمتها المعاهدات التي عقدت بين الحلفاء أثناء الحرب. ولذلك فإنه بسبب مطامع هاتين الدولتين - أي فرنسا وإيطاليا - في مزيد من الغنائم فإنهما لم توقعا على المعاهدة إلا كارهتين.
وإذن فإنجلترا حين لم تنفذ من المعاهدة شيئا مع أن المعاهدة تحقق لها أعظم المغانم على حساب حليفاتها، يكون ذلك لافتا للنظر، وأمرا غير طبيعي، وحين تأتي الآن وتطلب إعادة النظر في تلك المعاهدة، يكون ذلك أدعى إلى العجب والاستغراب، غير أن الأغرب من ذلك هو أن يحضر وفد يمثل حكومة أنقرة الجديدة إلى جانب الوفد الذي سيمثل الحكومة العثمانية التي كان يتحتم أن لا تشترك في المؤتمر أية هيئة تركية أو عثمانية غيرها مطلقا. لأن الحكومة العثمانية كانت هي الحكومة الشرعية، وكانت هي التي دخلت الحرب وغلبت فيها، وكانت هي التي وقعت على معاهدة سيفر التي انعقد هذا المؤتمر لإعادة النظر فيها. فما هو محل حكومة أنقرة الجديدة والتي لم يتعرف بها أحد بعد، لأن تحضر هذا المؤتمر الدولي لإعادة النظر في شروط الصلح؟، أليس هذا وحده دليلا كافيا على أن إقامة هذه الحكومة في أنقرة إنما كان من الإنجليز لأجل أن تشركها أولا في مفاوضات الصلح، ثم تنفرد نهائيا في الشروط النهائية.
وكان يجب أن ترفض الحكومة العثمانية: حكومة الخلافة اشتراط حكومة أنقرة معها في المفاوضات، لأن قبولها بها يعني اعترفا رسميا بها أمام الدول، ولأن وجود حكومتين في بلد واحد أمام العدو، وفي مفاوضات في شروط الصلح هو منتهى الضعف والانهيار. ولذلك كان من الطبيعي أن ترفض حكومة الخلافة ذهاب ممثلين عن حكومة أنقرة، ولكن الواقع أنها قبلت، بل بلغ بها الضعف أن أرادت أن تتخذ دعوة مصطفى كمال إلى لندن وسيلة لمحاولة استرضائه ومسالمته، ولذلك تقدم توفيق باشا رئيس الوزراء من مصطفى كمال يحمل إليه دعوة الدول الأوروبية له لحضور مؤتمر لندن، وقال: باسم الدولة التركية، ولمصلحة الإمبراطورية العثمانية، يطلب أن تتقدم الوفود التركية إلى هذا المؤتمر جبهة واحدة قوية متحدة، وأن يكون البرنامج الذي يعرضه الأتراك برنامجا واحدا، يدل على تكاتف الأمة كلها واتحادها، لا على تنابذها وانشقاقها. ولكن مصطفى كمال رفض ذلك وقال: إن المجلس القومي وحده في أنقره هو الذي يتمتع بالسيادة الدستورية، وهو وحده صاحب النفوذ والحكم في البلاد، وكان ينبغي أن ترسل الدول الأوروبية الدعوة عن طريق هذا المجلس.
وكان المجلس القومي خلال هذه الفترة قد جعل نفسه مجلسا دائميا. ووضع دستورا جديدا استغرق وضعه تسعة أشهر كاملة، وكانت أكبر عقدة واجهت وضع الدستور، ودارت حولها المناقشات والمداولات كثيرا هي قضية «السلطنة والخلافة». وكان مصطفى كمال قد اضطر تحت تأثير الإجماع الكاسح والتيار الجارف في المجلس القومي - الذي كان يعتبر مجلس أتاتورك، فأعضاؤه كانوا كلهم من أنصاره - اضطر لأن ينص في الدستور صراحة على بقاء السلطنة والخلافة. ولذلك قال مصطفى كمال درا على رئيس الوزراء توفيق باشا حين وجه إليه الدعوة ودعاه لأن تظهر الوفود التركية بمظهر الوحدة والتآلف قال: إن المجلس القومي قد وضع في أول مادة من مواده عدم المساس بالسلطنة وقدسية الخلافة، وإن على السلطان أن يعترف بالمجلس القومي حتى يمكن اشتراك حكومة أنقرة في وفدها مع وفد حكومة السلطان.
ولكن السلطان رفض الاعتراف بالمجلس القومي وبالدستور الذي وضعه، لأن الاعتراف به يعني إزالة الخلافة ولو نص على بقائها شكليا، لأن هذا الدستور ينص أن السلطة كلها دون قيد أو شرط قد انحدرت إلى الأمة بأسرها، والأمة مصدر السلطات، وأن المجلس القومي هو وحده صاحب الحق المطلق في تمثيل سيادة الشعب، وهو الذي يقرر الحرب والسلم. وهذا يعني هدم الإسلام من أساسه، لأن التشريع ليس مصدره الأمة بل الشرع الإسلامي، ولأن الخليفة هو الذي يقرر الحرب والسلم. ولذلك كان من المستحيل أن يقبل السلطان ذلك، فانقطعت المفاوضات بين حكومة الخليفة وحكومة أنقرة حول تأليف الوفد.
ولكن الدول الأوروبية حين رأت أن مصطفى كمال قد رفض الدعوة إذ جاءته بواسطة حكومة السلطان، ورفض الذهاب بناء على دعوته عن طريق السلطان، أرسلت إليه إنجلترا دعوة مباشرة إلى أنقرة باسم دول الحلفاء، وكان إرسالها لهذه الدعوة بمنزلة اعتراف صريح منها بحكومة أنقرة. فذهب الوفدان منفصلين، وكان توفيق باشا رئيس وفد الخليفة، وكان بكير سامي بك رئيس وفد أنقرة، وعقد مؤتمر لندن في شباط سنة 1921.

**إذاعة شروط الصلح بدل الموقف لصالح مصطفى كمال بعد هزيمته

وفي هذه اللحظات بالذات أذيعت شروط الصلح التي كانت قد أمضيت في باريس، والمعروفة بمعاهدة سيفر، والتي كان السلطان قد وافق عليها، ووقعها رئيس الوزراء الداماد فريد باشا. أذيعت هذه الشروط في هذه اللحظات، بعد الهدنة بسنة ونصف السنة، أذيعت في هذه اللحظات وكانت مكتوبة ولا يعرف عنها الشعب في تركيا شيئا، أذيعت في اللحظات التي كانت قد عقدت المعاهدة نفسها للتلويح بها في مثلها، وأذيعت بأسلوب النشر الواسع في جميع أنحاء تركيا، فاهتاج الرأي العام في جميع أنحاء البلاد ضد الخليفة، وضد رئيس الوزراء فريد باشا، وبلغ الهياج أشده، وفي أوج هذا الهياج صرح لويد جورج رئيس وزراء إنجلترا في مجلس العموم قائلا: «إن غرض الحلفاء هو تحرير الأمم غير التركية من النير التركي»، ونشر هذا التصريح كذلك بين الناس، فازداد الهياج وصبت النقمة على الإنجليز، وعلى صنيعتهم الخليفة، ورئيس وزرائه فريد باشا.

وبذلك تبدل الموقف رأسا على عقب، وأخذ الناس ينصرفون عن الخليفة، ويلتحقون بمصطفى كمال، وطهرت جميع المناطق الثائرة ضد مصطفى كمال من جيش الخليفة، ومن مناوئي مصطفى كمال، وهزم جيش الخليفة شر هزيمة، وسقطت أسهم السلطان في كل مكان، وصار الناس يتعاهدون على الانتقام من فريد باشا الذي وقع المعاهدة وسلم البلاد. وبذلك عادت أنقرة إلى سيطرتها على الموقف، وصار الناس جميعا مع مصطفى كمال، ويرونه أنه هو المنقذ من الاحتلال. وعاد القائد الأول للبلاد، لأن هذه المعاهدة أطارت صواب الأتراك. لأنها تعني نهاية الإمبراطورية العثمانية وتقسيمها على الأوروبيين، أو تجزئتها إلى عدة ولايات مستقلة، فتصبح تركيا دولة صغيرة في داخل آسيا الصغرى، وتصبح استانبول عاصمة تركيا ومنفذها الوحيد إلى أوروبا تحت الحكم الدولي، وجعلت سيادة السلطان مجرد مظاهر لا معنى لها. وتصبح تركيا مناطق نفوذ لإنكلترا وفرنسا وإيطاليا.

فالمعاهدة تتضمن مواد في منتهى الفظاعة. وعلى سبيل المثال نذكر بعض المواد ليلمس مدى فظاعتها:

1- بلاد العرب: جردت تركيا من جميع البلاد العربية التي كانت تابعة لإمبراطوريتها، أما مملكة الحجاز فقد حصلت على الاعتراف بها دولة مستقلة، وقد تركت تركيا سيطرتها على فلسطين وسورية وبلاد ما بين النهرين، وترك مستقبل هذه البلاد يقرره الحلفاء.

2- تركيا الأوروبية: منحت غربي دماس إلى اليونان حتى خط تشاتالجا، وفي نفس الوقت تسلمت اليونان من الحفاء تراث الغربية، وهكذا وسعت حدودها حتى حوالي 20 ميلا من العاصمة التركية.

3- سميرنا والجزر الإيجية وضعت ومدينة سميرنا تحت الإدارة اليونانية لمدة خمس سنوات يسمح بعدها للسكان أن يطلبوا الانضمام إلى مملكة اليونان بالتصويت، وأما جزر جمبروس، تينيدس فقد منحت لليونان، واعترف بسلطة اليونان على جزر إيجية أخرى. وأما جزر دوديكانيز محتوية على رودس الاستراتيجية فقد منحت لإيطاليا.

4- أرمينيا: اعترفت تركيا بأرمينيا دولة مستقلة، وقبلت تركيا كذلك تحكيم الرئيس ولسن بخصوص الحدود بين الدولتين.

5- كردستان: وافقت تركيا أن تمنح الأراضي الكردية التي تقع شرقي نهر الفرات حكما ذاتيا محليا، وان تقبل أي خطة لذلك مقدمة من هيئة دولية مؤلفة من ممثلين إنكليز وفرنسيين وطليان. ووافقت تركيا أيضا على قبول تعديلات في حدودها مع إيران في المنطقة الكردية، وعلاوة على ذلك وفي خلال سنة من تنفيذ هذه المعاهدة إذا طلب الأكراد من عصبة الأمم الاستقلال عن تركيا، وإذا رأى مجلس عصبة الأمم أن الأكراد أهل لهذا الاستقلال وأوصى بمنحهم الاستقلال، فإن تركيا تقبل تنفيذ ذلك، وتترك كل سلطة لها على هذه الأراضي، وإن نصوص هذا الترك ستؤلف اتفاقية جديدة بين الحلفاء وتركيا.

6- المضائق والقسطنطينية: وافقت تركيا على أن تكون المضايق تحت إشراف دولي، وتجريد المناطق المجاورة من السلاح. وأما القسطنطينية (استانبول) فتبقى تحت السيادة التركية. وهذا عدا عن تحديد الجيش التركي بخمسين ألفا، وإخضاع الجيش لتوجيه وإرشادات الحلفاء، وعدا قبول تركيا سيطرة ذات أثر بعيد على ماليتها من إنكلترا وفرنسا وإيطاليا، وعدا إبقاء الامتيازات القديمة، وزيادة نصوص أخرى مهينة، وعدا عن قبول تركيا إعطاء الأقليات حقوقا وامتيازات، وبوجه خاص الأرمن واليونان والأكراد وبوجه عام النصارى عموما.

ولذلك كان نشر هذه المعاهدة الفظيعة والمهينة كافيا لإشعال الثورة في تركيا على السلطان الذي قبلها ووقعها، ولهذا أخذ التيار الجارف يتجه بسرعة في مصلحة أنقرة، وصارت البلاد كلها بجانب حكومة أنقرة الجديدة، واصطنعت لهذه الحكومة قوة عسكرية وقوة شعبية، حتى إن حكومة أنقرة هددت العاصمة استانبول ذاتها، هددت العاصمة التي كان يحتلها الحلفاء، والتي كانت تحت خفارة الأسطول الإنجليزي. وبهذا يكون مصطفى كمال قد ربح الجولة الثانية، ونجح في تأسيس حكومة ثانية في البلاد مركزها أنقرة، لها السيطرة الأولى على البلاد وعلى الجيش.

هذه هي الجولة الثانية لثورة مصطفى كمال وهذه هي وقائعها. وأي إنسان يرى هذه الوقائع يلمس لمس اليد أن الإنجليز هم الذي هيأوا لهذه الجولة، وهم الذين دفعوا للقيام بها، وهم الذين حموها ومنعوا تدميرها والقضاء عليها، فالحلفاء هم الذين بلغوا الحكومة التركية في مذكرة رسمية بأن استانبول والمضايق ينبغي أن تبقى تحت تصرف السلطان، ولم تطلب الحكومة ذلك، ولم يفهم حينئذ أسباب هذا الكرم مع بقاء الحلفاء هم المحتلين، وقد ظهر سببه بعد ذلك، إذ إنه مكن إنجلترا فيما بعد أن ترجع هي وحدها لاحتلال المضايق واستانبول، ولم تترك مجالا لإيطاليا وفرنسا أن ترجعا. فكان ذلك مناورة من الإنجليز لأن ينفردوا هم باحتلال العاصمة والمضايق.

ثم إن المال والسلاح الذي كان يذهب من استانبول لمصطفى كمال بعد أن جدد الثورة كان يذهب على علم من الإنجليز، وتحت سمع وبصر المندوب السامي الإنجليزي والمفوض الفرنسي، فلماذا هذا السكوت منهما؟ بل لماذا هذا التشجيع حتى تشحن العربات الكاملة من شبه جزيرة غاليبولي؟ ثم هذه الغضبة المصطنعة التي جعل فيها مصطفى كمال يصطدم بالحلفاء كان يجب أن تكون على مصطفى كمال لا على استانبول، فكان من الطبيعي أن يهاجم الحلفاء مركز الثورة أنقرة والجيش الثائر، لا أن يعود الإنجليز وحدهم بأساطيلهم إلى استانبول، ويأخذوا بالقيام بأعمال استفزازية في العاصمة، ولا يمسون الثائرين بسوء.

ثم إن الثائرين لم يصطدموا مع الإنجليز، وإنما اصطدموا مع الفرنسيين في سيسيليا، (كيليكيا) ومع الطليان في قونية، ولم يحصل أي اصطدام مع الجيش الإنجليزي، فكان الطبيعي إذا كان هناك غضب من ثورة مصطفى كمال أن يكون من فرنسا وإيطاليا لا من إنجلترا. ولكن الذي حصل أن الإنجليز رجعوا وحدهم لاحتلال البلاد، وحالوا دون رجوع الفرنسيين والطليان.

ثم بعد هذا كله لماذا تنشر إنجلترا معاهدة سيفر في اللحظة التي حوصر فيها مصطفى كمال في أنقرة، ولم يبق بينه وبين السقوط شيء، ولماذا كانت هذه المعاهدة مكتومة قبل ذلك؟ وكان قد مضى عليها أكثر من سنة. أليس هذا تحريضا للناس على الخليفة والحكومة، لأن رئيس الوزراء هو الذي وقعها؟ أليس هو إبرازا لثورة مصطفى كمال بأنها ضد الحلفاء؟ لا شك أن هذا العمل هو من مكائد الإنجليز بالذات. فهم الذين نشروا نصوص المعاهدة في هذا الوقت بالذات لإنقاذ مصطفى كمال وضرب الخليفة حتى تنشأ الحكومة الثانية في البلاد، وينتقلوا إلى الجولة الأخيرة، جولة المؤتمرات الدولية. والمعاهدات النهائية.**

**بروز مصطفى كمال

وكان مصطفى كمال ضابطا صغيرا مغمورا عند بدء الحرب، وإن كان معروفا بأفكاره الغربية وبثورته على أفكار الإسلام، ومعروفا بميله للإنجليز وكرهه للألمان. ولم يظهر اسمه ويلمع إلا بعد اشتراكه في معركة (أنا فورطه). فإنه منذ ذلك الحين اكتسب دعاية واسعة، ونبه ذكره، وصار مشهورا.

ففي ربيع سنة 1915 أي في ابتداء السنة الثانية للحرب العالمية توقفت ألمانيا عن محاولتها الاستيلاء على الأراضي الفرنسية لأن كلا من ألمانيا وفرنسا لم تستطع قهر جارتها والانتصار عليها انتصارا حاسما. وكان الروس قد تعرضوا لانكسار شنيع ولا يستطيعون النهوض من كبوتهم والنضال من جديد قبل أن تعمل الدول الغربية على وجه السرعة وبأسلوب منتظم على مد روسيا بالذخائر الحربية التي كانت في أشد الحاجة إليها. وقامت الدول بشحن السفن ولكنها حوصرت في البحر الأبيض المتوسط ولم تستطع الوصول إلى روسيا. فكان لا بد من الهجوم على استانبول، وفتح المضايق، لدخول هذه السفن وإمداد روسيا بشكل منظم. وكانت قيادة الجيش العثماني في ذلك الحين في يد الجنرال الألماني (لمان فون ساندروز) وقد أوكل هذا القائد قيادة إحدى الفرق للقائمقام مصطفى كمال بك، وفي هذا الوقت حصل الهجوم من الحلفاء على استانبول.

ففي نيسان (إبريل) سنة 1915 حاول الإنجليز القيام بهجوم كاسح وتأهبوا واستعدوا استعدادا كافيا للقتال. فدخلوا المعركة واستطاع الجيش الإنجليزي الوصول إلى غاليبولي، وتمكن الإنجليز من تشتيت الفرق العثمانية، فاضطر الجنرال ساندروز أن يعزل القائد الذي تولى قيادة المعركة، وعين مكانة القائمقام مصطفى كمال، وكان لا يزال في رتبة قائمقام (كولونيل)، وظهر مصطفى كمال يقود الجيوش العثمانية بالقرب من (أنا فورطه) في موقعة من أشد المواقع خطورة بالقرب من الدردنيل، وكانت المعركة تدور على تل يحتل الأتراك أعلاه ويحتل الإنجليز سفحه ويحاولون الاستيلاء عليه، وظلت المعركة عدة أيام ولم تكمل الغلبة لواحد من الطرفين المتقاتلين، وظلت الأوضاع كما هي يحتفظ العثمانيون بمراكزهم ويحتفظ الإنجليز بمراكزهم والحرب دائرة بينهم.

واستمروا على ذلك عدة أشهر، وفجأة في ذات ليلة من ليالي كانون الأول في 15 منه، في جو محفوف بالكتمان الشديد قام الإنجليز بإخلاء المكان الذي احتلوه من ساحل غاليبولي، وأقلعت السفن الحربية بعد أن عبئت في سرعة تدعو إلى الدهشة، فكان ذلك الانسحاب هو الذي أنهى المعركة.

ولما انتهى القتال قدم القائد مصطفى كمال تقريره عن المعركة للقائد الألماني العام، وقدم مع التقرير ساعته التي تهشمت تهشيما تاما، فقد أصابتها رصاصة ولم تصب مصطفى كمال، فلما أخذها ليمان ساندروز أخرج فورا ساعته الذهبية وقدمها لمصطفى كمال وأخذ منه ساعته المهشمة ليحتفظ بها تذكارا.

وبهذه المعركة لمع نجم مصطفى كمال، وصارت له شهرة عظيمة في الجيش العثماني. إذ قد أحيطت هذه المعركة بدعاية واسعة، واعتبرت انتصارا باهرا لمصطفى كمال على الإنجليز، ولكن مصطفى كمال كان يحمل فكرة عدم الاشتراك في الحرب. وبالرغم من شهرته التي اكتسبها في موقعه أنا فورطه فإنه ظل على فكرته في انسحاب الدولة من الحرب. ولم يكتف بحمل هذا الرأي بل صار بعد أن وجدت له هذه الشهرة في الجيش وعند الناس، يحاول التأثير على الشخصيات القوية ليؤمنوا بها، ولكنه كان يقابل منهم بالفتور والتبرم، ولذلك صار محل ريبة. وبالرغم من ثقتهم بمقدرته الحربية بعد هذه المعركة إلا أنه لم يكن هناك من يريد تشجيعه على التغلغل في شؤون البلاد السياسية، بل كانوا يقفون في وجهه عندما يحاول أن يشترك في سياسة البلاد اشتراكا فعليا. فقد كان يحمل إكبارا للإنجليز، وثقة بهم، واعتقادا بمقدرتهم، ويرى أنهم هم المنتصرون لا محالة، وأن ألمانيا ستهزم، ومن هنا كان محل ريبة. حتى كان الرجل الذي تزداد صلاته به يصبح عرضه لريبة السلطات ومراقبتها.**

**وقوف عبد الحميد في وجه دستور مدحت

ولما كان هذا الدستور نظاما ديمقراطيا، أي أحكام كفر، وهو كنظام ديمقراطي يناقض الإسلام، وهذه الأحكام نفسها تناقض الإسلام، وإذا طبقت فإن تطبيقها يعني إلغاء نظام الخلافة، وإقامة دولة كأي دولة أوروبية، كبلجيكا مثلا التي استوحي الدستور من دستورها. لذلك لم ينفذه الباب العالي، ووقف في وجهه عبد الحميد والعلماء وكبار المسلمين، وصار الباب العالي يتهرب من تنفيذ الدستور، ومن تنفيذ مطالب الدول الكبرى.

وقد لمس عبد الحميد ألاعيب إنجلترا وخصومتها. ويبدو أنه لاحظ محاولاتها الاتصال برجال الدولة، فأقال مدحت باشا كصدر أعظم في 5 شباط سنة 1877، ونفاه باعتباره مرتكبا للخيانة العظمي. وكان مدحت باشا على صلة مع الإنجليز، وهو الذي أوحى بإتباع سياسة الاعتماد على الدول الغربية، ولكن الدول الكبرى ولا سيما الإنجليز لم يغفلوا عن الدولة العثمانية، وظلوا يلاحقون وضع الدستور الذي وضعه مدحت باشا موضع التنفيذ، وسعت إنجلترا إلى عقد مؤتمر للبحث في البلقان، والدولة العثمانية، وفي الإصلاحات الداخلية لها.

فعقد بتاريخ 13 حزيران سنة 1878 مؤتمر برلين من الدول الكبرى: إنجلترا وفرنسا وروسيا وألمانيا، وكان دزرائيلي اليهودي رئيسا لوزراء إنجلترا وكان هو الممثل للإنجليز في المؤتمر، وكان بسمارك هو الممثل للألمان، وقد وقف بسمارك بجانب الدولة العثمانية حين وقف ضد الإنجليز في المؤتمر، واستغرقت اجتماعات المؤتمر أربعة أسابيع، واتخذ في النهاية مقررات، منها: الطلب إلى الدولة العثمانية بإدخال الإصلاحات العصرية إلى نظامها، فلم يأبه بهم عبد الحميد، وصرف همته إلى تدريب جيشه، وأخذ يبطش بكل من يدعو للاعتماد على الدول الغربية، أو يطالب بترك الإسلام وأخذ النظام الغربي، فاضطر هؤلاء إلى مغادرة البلاد لينشئوا مراكز لهم في باريس وجنيف.

وأخذ عبد الحميد يحاول القيام بتدعيم مركز الخلافة لدى المسلمين عن طريق الإسلام، وجعله يقف في وجه الأفكار الأوروبية. ولكنه لم ينجح في ذلك، ولكن ظلت الدول الأوروبية عاجزة عن إدخال النظام الديمقراطي للدولة، وإن نجحت في إدخال القوانين الغربية إليها. إلا أنها ظلت تلاحق ذلك، إلى أن ثار حزب تركيا الفتاة على السلطان سنة 1908، فأعلنوا الدستور في 21 تموز (يوليو) سنة 1908 في سالونيك، وفي الشهر نفسه زحفوا على استانبول واحتلوها، وأكرهوا السلطان عبد الحميد على إقرار الدستور، وتعيين وزراء يرضون عنهم.

وفي 17 كانون الأول صار من الميسور افتتاح البرلمان العثماني، وخضع عبد الحميد مؤقتا لحزب تركيا الفتاة، ولكنه كان مصمما على إلغاء الدستور والرجوع إلى الشريعة الإسلامية.

وبتاريخ 13 نيسان اندلعت الثورة ضد الحكام الجدد، وثار الجنود وحاصروا ضباطهم، وأخذوا يهتفون: فلتسقط تركيا الفتاة، فلتسقط تركيا الفتاة. وأعلنت الحرب الدينية على البدع العصرية، وسار السواد الأعظم في حماس ضد الدستور.

وفي 15 نيسان عين السلطان توفيق باشا صدرا أعظم، وعهد إليه بإعادة الشريعة الإسلامية والأحكام الشرعية إلى حيز التنفيذ، وإلغاء الدستور. ولكن الجيش في سالونيك عاد وثار مرة أخرى على السلطان، واستولى على الحكم، وعزل الوزارة.

وفي 26 نيسان عقدت في سان ستيفانو جمعية وطنية، فاتخذت بناء على فتوى من شيخ الإسلام قرارا بخلع السلطان عبد الحميد. ورفع إلى العرش أخوه محمد رشاد، وأعيد وضع الدستور موضع التنفيذ. وبذلك تغير نظام الحكم في الدولة العثمانية وصار دستوريا برلمانيا ولم يعد نظام خلافة. ولم يبق فيه إلا أن رئيس الدولة اسمه الخليفة وبيده السلطنة، فوجد برلمان ووجدت وزارة وصارت القوانين يضعها البرلمان وانتهى دور الأحكام الشرعية في الحكم والتشريع.

هذا من ناحية الأحكام الدستورية، أما من ناحية الأحكام الشرعية التي يحكم فيها القضاة فإن تغييرها إلى قوانين بدأ قبل ذلك. فإنه منذ سنة 1856 بدأت الحركة لأخذ القوانين الغربية. فإنه بناء على إلحاح الدول الغربية ولا سيما الإنجليز والفرنسيين وإلحاح عملائهم والمضبوعين بهم من أبناء المسلمين أخذت الدولة القوانين الغربية منذ أيام السلطان عبد الحميد وأدخلتها إلى الدولة، ووضعتها موضع التنفيذ يحكم القضاة بحسبها. ففي سنة 1275 هـ الموافق سنة 1857 م سنت الدولة قانون الجزاء العثماني، وفي سنة 1276 هـ الموافق سنة 1858 م سنت قانون الحقوق والتجارة، وفي سنة 1288 هـ الموافق سنة 1870 م جعلت المحاكم قسمين: محاكم شرعية، ومحاكم نظامية، ووضع لها نظام. ثم في سنة 1295 هـ الموافق سنة 1877 م وضعت لائحة تشكيل المحاكم النظامية. وفي سنة 1296 هـ الموافق سنة 1878م وضع قانون أصول المحاكمات الحقوقية والجزائية. وصدرت فيها الفتوى من شيخ الإسلام وفتاوى العلماء بجواز أخذها لأنها لا تخالف الإسلام. ولما لم يجد العلماء ما يبرر إدخال القانون المدني إلى الدولة وضعت المجلة قانونا للمعاملات، واستبعد القانون المدني، وذلك سنة 1286 هـ الموافق 1868 م وقد روعي فيها تقليد القانون المدني الفرنسي القديم, وأخذت من كتب الفقه مع مراعاة ما يحويه القانون المدني من أفعال، وما يمكن أخذه منه أحكام، إذا وجد قول فقهي يوافقها، حتى الأساس الذي عليه القانون المدني الفرنسي وهو النزعة النفسية أو ما يسمى عندهم روح النص لا نفس النص قد أخذ ووضعت له مادة وهي «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني».**

الإنجليز يغيرون الأسلوب السياسي والقانوني
وقد بقي مصطفى كمال لا يقوم بأي عمل سوى بث الأفكار وجمع الأنصار حتى شهر أيار سنة 1919 حيث جاء دوره، وحيث بدأ الحلفاء يعملون بأسلوب آخر للوصول إلى غايتهم: فصل تركيا عن باقي أجزاء الدولة العثمانية، وهدم الخلافة، وإقامة جمهورية تركية، بعد أن أخفقت مساعيهم في الأزمات السياسية، وفي إيصال رجالهم إلى الحكم عن طريق الشرعية، وبشكل قانوني. وكانت الأعمال التي يقومون بها أعمالا سياسية، وأعمالا دولية، وأعمالا ثورية. وحملهم على ذلك تحرك إيطاليا لاحتلال أزمير، وإصرار فرنسا على أخذ (كيليكيا) غنيمة لها، فرأت إنكلترا أنه ما لم تقم بأعمال من تركيا نفسها ضد الحلفاء لا يمكن أن تنفذ خططها في تركيا، وتبعد منافستيها فرنسا وإيطاليا عن مراكزها الاستراتيجية. فإن إيطاليا بعد أن احتلت مدينة أضاليا والأملاك التي تجاورها في نيسان سنة 1919، واحتلت «فيوم» وهي جزء من يوغسلافيا، حاولت الاستيلاء على أزمير باسم الحلفاء، فعارضتها إنجلترا وفرنسا معا، وصممتا على الوقوف في وجهها، وعدم السماح لها باحتلال أزمير أو الساحل الغربي من الأناضول، حتى بدأتا تعارضان احتلالها لأضاليا بحجة أن ذلك يجعلها سيدة على الجانب الشرقي من البحر المتوسط. وعدت المعاهدة المعقودة بينهم وبين إيطاليا وروسيا والتي تنص على احتلال إيطاليا لأزمير والساحل الغربي باطلة، لأن روسيا انسحبت من الحرب ولم توقعها. ووضعوا خطتهم لجعل اليونان تحتل أزمير.
وساروا بتنفيذ هذه الخطة من جهة، ومن جهة أخرى، وفي نفس الوقت، ادعت إنجلترا أن في الأناضول داخل آسيا الصغرى اضطرابات، وأن أعمال قطاع الطرق والسلب والنهب قد اتسع نطاقها وازداد هولها، وأن فرق الجنود المطلقة تمرح في البلاد طولا وعرضا، وأنه لا بد من حفظ النظام، واستتباب الأمن، ووجود يد قوية تضرب العابثين بالأمن. فطلبت إنجلترا من الحكومة في استانبول أن ترسل شخصا قويا يركن إليه إلى الأقاليم الشرقية ليعيد الأمن إلى نصابه، ويعيد هيبة الحكومة.
وأوعزت بشكل غير رسمي أن يكون هذا الشخص مصطفى كمال. فاستشيرت وزارة الحربية في هذا الموضوع، فأجاب مستشار الحربية الأول جواد باشا بالموافقة، وكان لا يعرف شيئا عن خطط مصطفى كمال، ولكن وزير الحربية يرتاب في نيات مصطفى، إذ كان يعرف خططه. ومع هذا فقد قبل فورا وبلغ الخبر إلى مصطفى كمال. فأجاب بأن إجراء التحقيق السريع والأحوال المضطربة في الأقاليم الشرقية، واتخاذ التدابير الضرورية يتطلب حتما أن تعطى له سلطة واسعة، وان تكون كلمته نافذة. فأجابته الوزارة إلى كل ما طلب.
وكان حتى ذلك الحين لا يزال ساكتا هادئا ولا يعرف عنه أي عداء للسلطان ولا للوزارة، إذ كان يجمع الأنصار في منتهى الكتمان. وبلغ من حرصه على أخذ صلاحيات واسعة أنه حين جاءته التعليمات لم يقبلها كما هي، بل نقحها ووضعها على الوجه الذي يحقق الهدف الذي يرمي إليه، ثم عرضها بصيغتها التي وضعها هو بعد التنقيح على رئيس الوزراء الداماد فريد باشا فوقعها من غير تدقيق، ثم قدمها لوزير الحربية فتردد بعض التردد، ثم ذيلها بختمه. وأرسلت نسخ منها إلى المندوب السامي البريطاني، وإلى القائد العام لجيوش الحلفاء هارنتجتون، وإلى ضباط الحلفاء.
ومما ينبغي لفت النظر إليه أن إنجلترا وحدها التي كانت مهتمة كثيرا بمسالة القضاء على القلاقل، أما فرنسا فكانت لا تنتظر قيام قلاقل خطيرة في هذه المملكة المقهورة، ولذلك لم تعرها أية عناية.
وعلى أي حال فبعد أن أخذ مصطفى كمال التعليمات، وحصل على الصلاحيات التي يريدها، سافر إلى الأناضول وترك استانبول في الخامس عشر من أيار على الباخرة الصغيرة أنوبلي على أمل الوصول إلى سمسون عن طريق البحر الأسود.