وصية الكافر — موضوع مستورد

وصية الكافر

**السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسلم شاب وبقي أهله على الكفر. وقد كتبت أمه وصية قبل سفرها حيث أوصت له بمبلغ من المال. فهل يجوز له أن يرث هذا المال عنها. وبارك الله فيكم.**

**الجواب:

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

هناك فرق بين الميراث والوصية.

فالميراث هو حق قابل للقسمة يثبت لمستحقه بعد موت مالكه لصلة بينهما أو هو ما ينتقل من الميت إلى ورثته الأحياء. وصورته: أن يموت إنسان ويخلفه حي، وأن يوجد ما يورث كمال وعقّار، وأن يقسّم الموروث فيعطى لكل ذي حقّ حقّه وفق نظام معيّن.

وبالنسبة لنا نحن المسلمين، فإنّ النظام الذي نخضع له في تحديد مسائل الإرث هو نظام الإسلام. أخرج أبو داود عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم له، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام".

وقد جعل الإسلام الكفر أو اختلاف الدين من موانع الإرث. روى الشيخان عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم”. وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يتوارث أهل ملتين شتى”.

وعليه، فلا يجوز للمسلم أن يرث الكافر أو يورثه.

وأما الوصية فهي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، أو هي أن يهب الإنسان غيره شيئا كمال وعقّار على أن يملك الموصى له الهبة بعد موت الموصي. وعرفها ابن عرفة في الحدود بقوله: “عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده”.

والوصية عموما مشروعة بدليل قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة180)، وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (النساء11).

ويجوز للمسلم أن يقبل وصية الكافر، كما يجوز له أن يوصي للكافر. قال الرصاع في شرح حدود ابن عرفة: “فإن قلت: وهل تصح وصية الكافر؟ قلت: إن أوصى بمال للمسلم غير خمر ولا خنزير صحت الوصية”. وقال خليل: “صحّ إيصاء حرّ مميّز مالك وإن سفيها أو صغيرا… وكافرا إلاّ بكخمر لمسلم”. وقال شمس الدين المقدسي في الشرح الكبير: “أما صحة الوصية للمسلم والذمي فلا نعلم فيه خلافا. وبه قال شريح والشعبي والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. قال محمد بن الحنفية في قوله تعالى: {إلاّ أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} هو وصية المسلم لليهودي والنصراني؛ ولأن الهبة تصحّ له فصحّت الوصية كالمسلم. وتصحّ وصية الذمي للمسلم؛ لأنه إذا صحت وصية المسلم للذمي فوصية الذمي للمسلم أولى. وحكم وصية الذمي حكم وصية المسلم فيما ذكرنا”.

والدليل على ذلك عموم أدلة الوصية مع عدم وجود المخصص، ولأنّ لها حكم الهبة. وروى الدارمي في السنن وعبد الرزاق في المصنف عن ابن عمر: “أن صفية [زوج الرسول صلى الله عليه وسلم] أوصت لنسيب لها يهودي”. وقال ابن عبد البر في التمهيد: “لا خلاف علمته بين العلماء في جواز وصية المسلم لقرابته الكفار؛ لأنهم لا يرثونه، وقد أوصت صفية بنت حيي لأخ لها يهودي”.

وعليه، فلا يجوز التوارث بين مسلم وكافر، وتجوز الوصية أي أن يوصي المسلم للكافر وأن يقبل وصية الكافر. والله أعلم.

25 جمادى الثانية 1431هـ**