ب - جرير

جرير (33 - 133 هـ/ 653 - 750 م) شاعر من بني كليب بن يربوع من قبيلة بني تميم وهي قبيلة في نجد، ولد في أثيثية[بحاجة لمصدر] (بلدة تقع شمال غرب الرياض بالعربية السعودية بـ 180 كم تقريباً)، من أشهر شعراء العرب في فن الهجاء وكان بارعًا في المدح أيضًا.
كان جرير أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل. كان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً.
هو أبو حرزة جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن إد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، الكلبي اليربوعي التميمي.
كان له نسب كريم، وكان والده علي قدر كبير من الفقر، ولكن جده حذيفة بن بدر الملقب بالخطفي كان يملك قطيع كبير من الحمير والغنم وكان ينظم الشعر وكذلك كانت أمه أيضًا
عندما ولد جرير وضعته أمه لسبعة أشهر من حملها، ورأت رؤيا مفزغة فذهبت إلي العراف حتي يفسر الرؤيا فعادت تقول:
قصصتُ رؤياي علي ذاك الرّجل فقال لي قولاً، وليت لم يقل
لـتَلِدنّ عـضلة مـن الــعضل ذا منـطق جزلٍ إذا قال فصل
نشأ جرير باليمامة وعاش فيها وتعلم الشعر مبكرًا علي لسان جده حذيفة بن بدر، وقد نشأ في العصر الأموي الذي تعددت فيه الأحزاب فكان لكل حزب شعراؤه الذين يتحدثون باسمه ويذودون عنه. وكان علي جرير أن يذود عن شرف وكرامة قبيلته فاضطر أن يفني عمره في مصارعة الشعراء وهجاءهم حتي قيل أنه هجي وهزم ثمانين شاعرًا في عصره، ولم يثبت منهم إلا الأخطل والفرزدق
جرير يرثي زوجته
وهي من أعظم المراثي العربية :
لولا الحياء لهاجني استــعبارُ… ولزرت قبركِ والحـبيبُ يزارُ
ولقد نظرتُ وما تمتعُ نظــرةٌ… في اللحدِ حيث تمكنُ المحفارُ
فجزاكِ ربكِ في عشيركِ نظرةٌ… وسقي صداك مجلجل مدرارُ
ولَّهتِ قلبي إذ علتني كــــبرةٌ… وذوو التمائم من بنيك صغارُ
أرعي النجومَ وقد مضـتْ غوريةٌ… عصبُ النجومِ كأنهنَ صوارُ
نعم القرينُ وكنتِ عــلق مضنةٍ… واري بنعف بلية ،الأحجـارُ
عمرت مكرمةَ المساكِ وفارقتْ… ما مسها صلفٌ ولا إقتارُ
فسقي صدي جدث ببرقة ضاحكٍ… هزم أجش، وديمةُ مدرارُ
متراكبٌ زجلٌ يضيء وميضهُ… كالبلق تحت بطونها الأمهارُ
كانت مكرمةَ العشيرِ ولم يكنْ… يَخشي غوائلَ أم حزرةَ جارُ
ولقد أراكِ كسيتِ أجملَ منظرٍ… ومعَ الجمالِِ سكينةٌ ووقار
والريح طيبةٌ إذا استقبلتِها… والعرضُ لا دنسٌ ولا خــوارُ
وإذا سريتُ رأيتُ ناركِ نورتْ… وجهاً أغرَ، يزينهُ الإسفارُ
صلَّي الملائكة الذينَ تخيروا… والصالحونَ عليكِ والأبرارُ
وعليكِ من صلواتِ ربك كلما… نصبَ الحجيجُ ملبدين وغاروا
يا نظرةً لك يوم هاجتْ عبرةٌ… منْ أم حزرةَ، بالنميرةِ، دارُ
تحييِ الروامسَ ربعها فتجدهُ… بعدَ البلي، وتميتهُ الأمطارُ
وكأنَ منزلةً لها بجُلاجلٍ،… وحيُ الزبورِ تجدهُ الأحبارُ
لا تكثرنَ إذا جعلت تلومني… لا يذهبنَّ بحِــــلمكَ الإكثــارُ
كان الخليطُ هم الخليطَ فأصبحوا… متبدلينَ، وبالديار ديارُ
لا يلبثُ القرناءُ أن يتفـــرقوا… ليـــــلٌ يكرُ عليـهـــمُ ونهـارُ
أفأمَّ حرزةَ، يا فرزدقُ عبتمِ… غَضِبَ المليكُ عليكم القهارُ
كانت إذا هجرَ الحليلُ فراشُها… خُزِنَ الحديـثُ وعفًّتِ الأسرارُ
ففي هذه الأبيات نري نفثه حزينة حين يرثي الشاعر زوجته المتوفاة. ونراه فيها يقع بين صراع تفرضه عليه العادات والتقاليد، وبين آلامه وأحزانه ومحبته لزوجته..
إنه الآن قد فقد زوجته، أم أولاده، وقد أصبح متقدما في سنه، فقد كبر وكاد أن يتحطم، فهو بعد وفاة زوجته أصبح مسؤولا عن تربية أطفاله الصغار ورعايتهم بعد رحيل أمهم عنهم.. ثم ينتهي إلي التسليم بأمر الله ثم يدعو لها أن ترعاها الملائكة، لأنها كانت زوجة وفية صالحة..
إنه يكتم_ إن استطاع- أحزانه- وليس له إلا الصبر والإيمان فهذه هي الدنيا، ولا شيء يدوم، وكل إنسان لا بد أن يرحل إن عاجلا وإن آجلا، فما دامت هنالك حياة، فهناك أيضا الموت.
رثاء جرير للفرزدق
لعمري لقد أشجي تميمـاً وهدها… علي نكبات الدهر موت الفرزدق
عشيـة راحـوا للفـراق بنعشه… إلي جدثٍ في هوة الأرض معمـقِ
لقد غادروا في اللحد من كان ينتمي… إلي كل نجم فـي السمـاء محلـقِ
ثوي حامل الأثقال عن كل مُغـرمٍ… ودامغ شيطان الغشـوم السملـقِ
عمـاد تميـم كلهـا ولسانـهـا… وناطقها البذاخ فـي كـل منطـقِ
فمن لذوي الأرحام بعد ابن غالبٍ… لجارٍ وعانٍ في السلاسـل موثـقِ
ومن ليتيم بعد موت ابـن غالـب… وأم عـيـال ساغبـيـن ودردقِ
ومن يطلق الأسري ومن يحقن الدما… يداه ويشفي صدر حـران مُحنَـقِ
وكم من دمٍ غـالٍ تحمـل ثقلـه… وكان حمولاً في وفـاءٍ ومصـدقِ
وكم حصن جبار هُمـامٍ وسوقـةٍ… إذا مـا أتـي أبوابـه لـم تغلـق
تفتـح أبـواب الملـوك لوجهـه… بغيـر حجـاب دونـه أو تملُـقِ
لتبكِ عليه الأنس والجن إذ ثـوي… فتي مُضرٍ في كل غـربٍ ومشـرقِ
فتيً عاش يبني المجد تسعيـن حجـةً… وكان إلي الخيرات والمجـد يرتقـي
فما مات حتي لـم يُخلـف وراءه… بحيـة وادٍ صولـةً غيـر مصعـقِ
اتفق علماء الأدب، وأئمة نقد الشعر، علي انه لم يوجد في الشعراء الذين نشؤوا في ملك الإسلام أبلغ من جرير والفرزدق والأخطل، وانما اختلفوا في أيهم أشعر، ولكل هوي وميل في تقديمه صاحبه، فمن كان هواه في رقة النسيب، وجودة الغزل والتشبيب، وجمال اللفظ ولين الأسلوب، والتصرف في أغراض شتي فضّل جريراً، ومن مال إلي إجادة الفخر، وفخامة اللفظ، ودقة المسلك وصلابة الشعر، وقوّة أسره فضّل الفرزدق، ومن نظر بُعد بلاغة اللفظ، وحُسن الصوغ إلي إجادة المدح والإمعان في الهجاء واستهواه وصف الخمر واجتماع الندمان عليها، حكم للأخطل، وإن لجرير في كل باب من الشعر ابياتاً سائرة، هي الغاية التي يضرب بها المثل، ومن ذلك قوله في الفخر:
إذا غَضِبَتْ عليكَ بنو تميم **__ حَسِبْت الناس كلَّهُم غِضابا
وقوله في مدح عبد الملك بن مروان:
ألـَسْتُم خَيَرَ مَنْ ركب المطايا __ وأندي العالمين بطونَ راحٍ
وقوله في هجاء الراعي النميري:
اعد الله للشعراء مني __ قصائد يخضعون لها الرقابا
انا البازي المدل علي نمير __ اتحت من السماء لها انصبابا
فلا صلي الاله علي نمير __ ولا سقيت قبورهم السحابا
فَغُضَّ الطَّرْفَ إنك من نمير __ فلا كعب بلغتَ ولا كِلابا
المديح عند جرير
المديح عند جرير
أكثر جرير من المديح، وكانت نشأته الفقيرة، وطموح نفسه، وموهبته المواتية، وحاجة خلفاء بني أمية إلي شعراء يدعون لهم، ويؤيدون مذهبهم، كان كل ذلك مما دفعه إلي الإكثار من المدح والبراعة فيه. وكان أكثر مدائحه في خلفاء بني أمية وأبنائهم وولاتهم، وكان يفد عليهم من البادية كل سنة لينال جوائزهم وعطاياهم.
وكان مديحه لهم يشيد بمجدهم التليد ويروي مآثرهم ومكارمهم، ويطيل في الحديث عن شجاعتهم، ويعرض بأعدائهم الثائرين عليهم، وبذلك كان يظهر اتجاهه السياسي في ثنايا مدحه لهم، وكان إذا مدح، استقصي صفات الممدوح وأطال فيها، وضرب علي الوتر الذي يستثيره ولم يخلط مدائحه وبلغت غايتها من التأثير في النفس.
وفي الحق أنه ما كان لجرير من غاية غير التكسب وجمع المال، فلم يترفع عن مدح أي شخص أفاض عليه نوافله، حتي أنه مدح الموالي..
ذلك أن طمع جرير وجشعه وحبه للمال كانت أقوي من عصبيته القبلية، ولم يكن لرهطه من الشرف والرفعة مثل ما لرهط الفرزدق، لهذا شغل الفرزدق بالفخر بآبائه وعشيرته، وقال أكثر مدائحه في قبيلته، وحتي في مدائحه لبني أمية لم ينس الفخر بآبائه وأجداده.
..
فهو إذا مدح الحجاج أو الأمويين بالغ في وصفهم بصفات الشرف وعلو المنزلة والسطوة وقوة البطش، ويلح إلحاحا شديدا في وصفهم بالجود والسخاء ليهز أريحيتهم، وقد يسرف في الاستجداء وما يعانيه من الفاقة..
وتكثر في أماديحه لهم الألفاظ الإسلامية والاقتباسات القرآنية.. ولا يسعنا إلا الاعتراف بأن جريرًا كان موفقا كل التوفيق، حين صور منزلة الأمويين وجودهم بقوله:
ألستم خير من ركب المطايا وأندي العالمين بطون راح
جرير مفاخرًا هاجيًا
عاصر الشاعر “عبيد الراعي” الشاعرين جريرًا والفرزدق، فقيل إن الراعي الشاعر كان يسأل عن هذين الشاعرين فيقول: الفرزدق أكبر منهما وأشعرهما.
فمرة في الطريق رآه الشاعر جرير وطلب منه أن لا يدخل بينه وبين الفرزدق، فوعده بذلك.. ولكن الراعي هذا لم يلبث أن عاد إلي تفضيل الفرزدق علي جرير، فحدث أن رآه ثانية، فعاتبه فأخذ يعتذر إليه، وبينما هما علي هذا الحديث، أقبل ابن الراعي وأبي أن يسمع اعتذار أبيه لجرير، حيث شتم ابن الراعي الشاعر جريرًا وأساء إليه..
وكان من الطبيعي أن يسوء ذلك جريرًا ويؤلمه، فقد أهين إهانة بالغة، فذهب إلي بيته، ولكنه لم يستطع النوم في تلك الليلة، وظل قلقا ساهرا ينظم قصيدة سنورد بعض أبياتها بهذه المناسبة، فلما أصبح الصباح، ألقاها الشاعر جرير في “المربد” علي مسمع من الراعي والفرزدق والناس، فكانت القصيدة شؤما علي بني نمير حتي صاروا إذا سئلوا عن نسبهم لا يذكرون نسبهم إلي “نمير” بل إلي جدهم عامر.. هذا وقد سمي جرير قصيدته هذه" الدامغة" لأنها أفحمت خصمه:
أعـد الله للشعـراء مـنـي صواعق ــ يخضعون لها الرقابا
أنا البازي المطل علي نميـر __ أتيح من السماء لها انصبابا
فلا صلي الإله علـي نميـر __ ولا سقيت قبورهم السحابـا
ولو وزنت حلوم بني نميـر __علي الميزان ما وزنت ذبابا
فغض الطرف إنك من نميـر __ فلا كعبا بلغـت، ولا كلابـا
إذا غضيت عليك بنو تميـم __ حسبت الناس كلهم غضابـا
معاني الأبيات واضحة سهلة، تتصف بهجاء الخصم وإلحاق العيوب والمساويء به، كما أنها تتصف أيضا بفخر الشاعر بنفسه، عدا عن أن الشاعر يتهكم بخصمه وبقومه، فيسخر من عقولهم الصغيرة كعقول الذباب، ثم يطلب الشاعر من خصمه أن يتواري عن الأنظار ويخجل من نفسه هو وقومه. ويختتم القصيدة ببيت رائع شهير بالفخر.
فالفخر هو الوجه الآخر للهجاء، فالطرف الذي يتلقي الهجاء من الشاعر، يجده فخرًا بالنسبة لنفسه ولقومه..
فهنا يفاخر جرير بمجده ومجد قومه فخرًا جاهليًا، يعتز فيه ببطولتهم وأيامهم القديمة وما ورثوا من مجد، فهو قد هيأ هجاءه لكل الشعراء الذين تحدثهم نفسهم بالتعرض بأنني سأقضي عليهم وأحطم عزهم.. أو يكف الشعراء بعد أن قلت كلمتي الفاضلة، أم يطمعون في التعرض لي، ليقاسوا من هجائي نارًا تلفح وجوههم لفحًا؟
فالهجاء عند جرير شديد الصلة بالفخر، فهو إذا هجا افتخر، وجعل من الفخر وسيلة لإذلال خصمه.
أما موضوع فخره فنفسه وشاعريته، ثم قومه وإسلامه.
فإذا هجا الفرزدق اصطدم بأصل الفرزدق الذي هو أصله، فكلاهما من"تميم"، وإذا هجا الأخطل فخر بإسلامه ومضريته، وفي مضر النبوة والخلافة:
إن الذي حرم المكارم تغلبا جعل الخلافة والنبوة فينـا
هذا وكان لجرير مقدرة عجيبة علي الهجاء، فزاد في هجائه عن غيره طريقة اللذع والإيلام.. فيتتبع حياة مهجويه وتاريخ قبيلتهم، ويعدد نقائصهم مختلفا، مكررا، محقرا، إلا أنه لم يستطع أن يجعل الفخر بآبائه موازيا لفخر الفرزدق.
أسلوب جرير وخصائص شعره
أول ما يطالعنا في أسلوب جرير، سهولة ألفاظه ورقتها وبعدها عن الغرابة، وهي ظاهرة نلاحظها في جميع شعره، وبها يختلف عن منافسيه الفرزدق والأخطل الذين كانت ألفاظهما أميل إلي الغرابة والتوعر والخشونة. وقد أوتي جرير موهبة شعرية ثرة، وحسا موسيقيا، ظهر أثرهما في هذه الموسيقي العذبة التي تشيع في شعره كله. وكان له من طبعه الفياض خير معين للإتيان بالتراكيب السهلة التي لا تعقيد فيها ولا التوا.. فكأنك تقرأ نثرا لا شعرا.
ومن هنا نفهم ما أراده القدماء بقولهم: (جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت من صخر)، وهذا القول يشير إلي ظاهرة أحري في الشاعرين، وهي أن جريرا كان أكثر اعتمادا علي الطبع من الفرزدق، وأن الفرزدق كان يلقي عناء شديدًا في صنع شعره.
وإن اعتماد جرير علي الطبع وانسياقه مع فطرته الشعرية من الأمور التي أدت أيضا إلي سهولة شعره وسلاسة أسلوبه ورقة ألفاظه، إذ كان لشعره موسيقي تطرب لها النفس، ويهتز لها حس العربي الذي يعجب بجمال الصيغة والشكل، ويؤخذ بأناقة التعبير وحلاوة الجرس أكثر مما يؤخذ بعمق الفكرة والغوص علي المعاني.
ولهذا أبدع جرير في أبواب الشعر التي تلائمها الرقة والعذوبة، كالنسيب والرثاء..
علي أن انسياق جرير مع الطبع وقلة عنايته بتهذيب شعره وإعادة النظر فيه، كل ذلك جعل من الابتكار والإبداع في المعاني قليلا، لا يوازي حظ الفرزدق من ذلك، حتي أنك لتنظر في بعض أبياته فلا تجد فيها غير صور لفظية جميلة جذابة، لا يكمن وراءها معني مبتكر ولا فكرة طريفة..
فاقرأ مثلا أبياته الغزلية في هذا المجال، تجد أنها معان مكررة، لا جدة فيها ولا طرافة، قد وضعت في قالب لفظي جديد وعرضت عرضا جديدا..ففي هذه الصور والقوالب تظهر براعة جرير وافتنانه، أما سعة الخيال وتوليد المعاني وطرافة الأفكار، فحظ جرير منها دون حظ الفرزدق، وإلي هذا الأمر أشار" البحتري" حين فضل الفرزدق علي جرير لتوليده المعاني، مع أن البحتري كان في طريقته تلميذا لجرير، ينحو نحوه في رقة الألفاظ وسلاسة الأسلوب.
وكان لحياة جرير البدوية أثرها الكبير في شعره، كما كان لها أثرها في نفسه.. فتأثير النشأة البدوية واضح من جزالة ألفاظه ورقتها وسهولتها، وبداوة صوره وأخيلته..
إلا أن شعر جرير لم يخلص لأثر البادية وحدها، فقد كان للقرآن الكريم أثره في شعره، إذ لطف فيه من طابع البداوة، وكان له أثره في رقة ألفاظه وسهولة أسلوبه، كما كان له أثر في معانيه وأفكاره.
ولا نري جريرا يكثر من الصور البيانية في قصيدته هذه أو تلك.. ففي شعره يظهر الأسلوب البدوي، فهو قريب التناول جميل التعبير.
أما خصائص شعره فيمكننا من دراستنا لشعر جرير من خلال نصوصه الشعرية أن نتبين ملامح فنه وخصائصه فيما يلي:
كان جرير يجول في شعره في ساحات واسعة الأرجاء، متعددة الجوانب، فقد طرق أكثر الأغراض الشعرية المعروفة وأجاد فيها، وأعانته علي ذلك طبيعته الخاصة المواتية.
كانت معاني الشاعر جرير في شعره فطرية، ليس فيها غور ولا تعمق فلسفي. ولكنها قريبة الحضور بالبال، ومع هذا القرب، كان يعرضها في ثوب أنيق من اللفظ، تبدو به جذابة، شديدة التأثير.
إن الصور والأخيلة جاءت متصلة بالبادية التي ارتبطت بها حياته أشد الارتباط، ولكنه مع هذا قد تأثر تأثرا واضحا بالروح الإسلامي والثقافة الإسلامية، ولذلك يمثل شعره الحياة البدوية تمثيلا صادقا.
كانت تشيع في شعره، ولاسيما في الهجاء،روح التهكم والسخرية التي قربته إلي قلوب العامة من الناس، وهيات له الظفر بخصمه.
لجرير بعد ذلك قدرته علي انتقاء اللفظ الجزل، ومتانة النسج، وحلاوة العبارة، والجرس الموسيقي المؤثر… وخاصة في غزله حيث العاطفة الصادقة التي تتألم وتتنفس في تعبير رقيق لين.
والشاعر جرير من النفوس ذات المزاج العصبي وذات الطبع الناعم الرقيق، ولئن جعلت رقة الطبع شعره دون شعر الفرزدق فخامة، لقد جعلته يتفوق في المواقف العاطفية كالرثاء.
فالعاطفة هي منبع كل شيء في شعر جرير، وهي عنده تطغي علي العقل والخيال، ولهذا ضعف تفكيره كما ضعف خياله ووصفه، فجري علي توثب إحساسه الذي يثيره أقل تهويش، وتستفزه المؤثرات العاطفية.
وقد اجتمعت العاطفة عند جرير إلي قريحة فياضة، فكان شعره ينسكب عن طبع غني. وكأن الشاعر فعلا يغرف من بحر. فلا يجهد بشعره، ولا يعمد إلي التفاف وتنقيح ونحت كالفرزدق، بل يسيل شعره سيلانا في سهولة، تمتد بامتداد قصائده الطويلة، وفي خفة ولباقة تعبير، وموسيقي لفظية أخاذة، بجانب الوضوح ولآسر.
وجرير، وإن كان شاعر الطبع والعاطفة المتدفقة، لم يسلم أحيانا من الصنعة وتطلب التأثير بألوان من الأساليب الفنية اللفظية.
وهكذا كان جرير أقدر من الأخطل والفرزدق علي نقض الكلام وأشد فتنة، وأغني قريحة وأرق عاطفة ولفظا، وأوضح كلاما وأوفر انسجاما ونغما موسيقيا، إلا أنه دون الأخطل والفرزدق خيالا وتفكيرا وجزالة.