**المبحث الثاني
الآية الكريمة قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) ومناسبة نزولها وتفسيرها والمعنى العام لها.
أما مناسبة نزول الآية:
جاء في مناسبة نزول هذه الآية كما ورد في كتاب فتح القدير للشوكاني.
«وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن أبي حاتم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه دخلت المسجد، فوجدت الناس ينكتون بالحصا ويقولون: طلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية، قال: هذا في الإخبار، إذا غزت سرية من المسلمين أخبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو يخبرهم به».
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك (وَإِذَا جَاءَهُمْ) قال: هم أهل النفاق. وأخرج ابن جرير عن أبي معاذ مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ) قال: فانقطع الكلام. وقوله (إِلَّا قَلِيلًا) فهو في أول الآية يخبر عن المنافقين، قال: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) يعني: بالقليل المؤمنين".
إذن نزلت هذه الآية الكريمة في إشاعة خبر تطليق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لزوجاته، أو في المنافقين وضعاف المسلمين الذين كانوا يشيعون أخباراً سيئة عن سرايا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وايًا يكن سبب نزول هذه الآية، سواء موضوع تطليق الرسول لزوجاته أم السرايا والغزوات، فالأمر أو الحكم الشرعي لا يقتصر على هاتين الحادثتين لأن “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”. فالآية تشمل كل الأحكام التي يمكن أن تندرج تحتها أو تفهم وتستنبط منها ولا يُقتصر على سبب النزول.
أما التفسير والمعنى العام لهذه الآية فقد جاء في تفسير هذه الآية كما ورد عند الشوكاني (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) يقال: أذاع الشيء وأذاع به: إذا أفشاه وأظهره، وهؤلاء هم جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئاً من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك. وقوله (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: يستخرجونه بتدبيرهم وصحة عقولهم. والمعنى: أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي يذيعها أو يكون أولي الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك، لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يفشى وما ينبغي أن يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء: إذا استخرجته. والنبط: الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها، وقيل: إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجاف المنافقين على المسلمين فيذيعونها فتحصل بذلك المفسدة. قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) أي: لولا ما تفضل الله به عليكم من إرسال رسوله وإنزال كتابه لاتبعتم الشيطان فبقيتم على كفركم إلا قليلاً منكم، أو إلا أتباعاً قليلاً منكم، وقيل المعنى: أذاعوا به إلا قليلاً منهم فإنه لم يُذَعْ ولم يُفْشَ. قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم وابن جرير، وقيل المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلاً منهم، قاله الزجاج. وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) يقول: إن قول الله لا يختلف وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف.
وجاء في تفسير النسفي: «(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ) هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة بالأحوال، أو المنافقون كانوا إذا بلغهم خبر من سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمن وسلامة أو خوف وخلل (أَذَاعُوا بِهِ) أفشوه، وكانت إذاعتهم مفسدة. يقال: أذاع السرع وأذاع به، والضمير يعود إلى الأمر أو إلى الأمن أو الخوف لأن (أَوِ) تقتضي أحدهما (وَلَوْ رَدُّوهُ) أي ذلك الخبر (إِلَى الرَّسُولِ) أي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) يعني كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمّرون منهم (لَعَلِمَهُ) لعلم تدبير ما أخبروا به (الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكائدها، وقيل: كانوا يقفون من رسول الله وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه».
فحصرت الآية الخبر وهو الأمر المراد إذاعته بحالتين هما: الأمن أو الخوف، أي النصر أو الهزيمة، وأسندت الآية إذاعة الأخبار التي من هذا النوع إلى الرسول وإلى أولي الأمر من المسلمين أي إلى الحكام. وبينت الآية الكريمة أن على الحاكم أن يستعمل من المذيعين الذين يستطيعون استنباط الأخبار وتقرير ما ينبغي أن يذاع منها وما لا ينبغي، وبينت الآية أيضاً أن الإذاعة تعني إفشاء الأخبار وإظهارها.
وبناءً على تفسير ودلالات هذه الآية الكريمة يمكننا وضع القواعد الإعلامية ضمن سياسة الإعلام في الإسلام وهذا ما سنتناوله في المبحث الثالث.**