** (2)
4- المراسلة بواسطة المناور:
إضافة إلى أنواع البريد السابقة، كانت هناك المراسلة بالمناور، قال القلقشندي: وهي مواضع رفع النار في الليل والدُّخَان في النهار، وتارة تكون على رءوس الجبال، وتارة تكون في أبنية عالية، ومواضعها معروفة تَعَرَّف بها أَكْثَرُ السَّفَّارة، وهي من أقصى ثغور الإسلام كإلبيرة والرحبة، وإلى حضرة السلطان بقلعة الجبل، حتى إن المتجدِّدَ بالفرات إن كان بُكْرَة عُلِمَ به عِشَاء، وإن كان عِشَاء عُلِمَ به بُكْرَة، ولِمَا يُرْفَعُ من هذه النيران أو يُدَخَّن من هذا الدخان أدلَّةٌ يُعْرَفُ بها اختلافُ حالات رؤية العدُوِّ والمُخْبَرُ به باختلاف حالاتها، تارة في العدد، وتارة في غير ذلك.
فكانت هذه المناور تُقام على طول السواحل وتقوم بوظيفة الحراسة، والإنذار من خطر العدو البحري، وذلك بواسطة إشارات ضوئية يَتَّفِقُ عليها المُنَوِّرِينَ عند نقل الخبر، فإذا ما اكتشفوا عَدُوًّا في البحر مقبلاً من بعيد أشعلوا النار على قمم المناور، وذلك إذا كان الوقت ليلاً، وإذا كان الوقت نهارًا أثاروا فيها الدخان، وفي ذلك قيل: إن الرسالة الضوئية كانت تصل من طنجة بالمغرب إلى الإسكندرية في ليلة واحدة، كناية عن استخدام الإشارات الضوئية في المراسلات السريعة بين حاميات المحارس عن طريق منارات المساجد في الرُّبُط الساحلية؛ وخاصة في سواحل إفريقيا التونسية، وكان أشهرها رباط المنستير في مدينة سوسة.
وقد ختم القلقشندي فصلاً عن المناور بقوله: “على أن مُرَتِّبَها بهذه المملكة أَوَّلاً أتى بحكمة مُلُوكِيَّة لا تُسَاوَى مِقْدَارًا؛ إذ قد تَرَقَّى في سُرْعة بُلُوغ الأخبار إلى الغاية القُصْوَى؛ وذلك أن البريد يأتي من سرعة الخبر بما لم يأتِ به غيرُه، والحمام يأتي من الخَبَرِ بما هو أسرعُ في البريد، والمناور تأتي من الخبر بما هو أسرع من الحمام، وناهيك أن يَظْهَر عُنْوَانُ الخبر في الْفُرَات بمصر في مسافة يوم وليلة”.
وفي ضوء ما تَقَدَّم يَتَّضِحُ أن نظام البريد والاتصالات في الحضارة الإسلامية كان نظامًا دقيقًا متطوِّرًا بما يناسب إمكانات وظروف عصره، وكان يربط الدولة بقائدها، ويُطْلِعه على كل ما يَجِدُّ فيها أَوَّلاً بأول، وهذا ما لم تصل إليه الأمم الأوربية إلا بعد قرون عديدة.
الفُيُوج جمع الفَيْجُ: وهو رسول السلطان على رِجْلِه، وقيل: الذي يسعى بالكتب. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة فيج 2/350.
القلقشندي: صبح الأعشى 14/377، وجواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9/320.
كمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ص 106.
جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9/320، 321.
الحسن بن عبد الله: آثار الأول في ترتيب الدول ص 89، نقلاً عن محمد ضيف الله: الحضارة الإسلامية ص 198.
المقيرة: أي المطلية بالقار وهو الزفت وهي مادة تسيل بالسخونة من تقطير المواد القطرانية. انظر: المعجم الوسيط 1/395، 2/769.
المسمرة: أي المترابطة بالمسامير.
خرز: أي خاط من الخياطة.
الجاحظ: البيان والتبيين ص364.
محمد ضيف الله: الحضارة الإسلامية ص198.
انظر: محمد ضيف الله: الحضارة الإسلامية ص198، 199، وأبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي ص146.
انظر: كمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ص107، 108.
المتجدد: يقصد الحادث الجديد المستجد.
القلقشندي: صبح الأعشى 14/445.
تقع مدينة المنستير على بُعد ثلاثين كيلو مترًا جنوب مدينة سوسة.
انظر: سعد زغلول وآخرون: دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية ص480، 481، وكمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ص108.
القلقشندي: صبح الأعشى 14/447.
عن هدي الإسلام**