مجالس النميمة.. وأكلة لحوم البشر..!
أناسٌ همّهم وشغلهم الشاغل الخوض في الأعراض ونشر الفضائح
مجالس النميمة.. وأكلة لحوم البشر..!
الذنب والخطأ من طبائع النفس البشرية، فلا يوجد إنسان لم يذنب، ولا يوجد إنسان على هذه البسيطة لم يخطئ، وقد صاحب ذلك أنّ فئامًا من الناس تكون عونًا للشيطان على المخطئ، وذلك بفضح أمره، وهتك ستره، وتمزيق عرضه، والتشهير به، والحديث مع الناس عن معصيته، بدلًا من مساعدته على تصحيح خطئه أو التوبة من ذنبه ومعصيته .. فأصبح البعض يتخذ من أعراض الناس نوعًا من اللهو والتسلية، وإضحاك الآخرين، فلا يطيب لهم الحديث إلاّ بذكر عيوب الناس، وتلفيق التهم، ولا يبالون بما يقولون، فلا خوف من الله يردعهم، ولا حياء يمنعهم .. ما الأسباب والدوافع التي تجعل الناس ينشرون فضائح الآخرين؟ وما موقف الإسلام ممن يسعون إلى نشر هذه الفضائح، وعدم الستر على مرتكبيها؟ وكيف نحتوي المذنبين، ونصون أعراض الناس، وعدم تتبّع عوراتهم والتشهير بهم؟
التشهير بالناس:
بداية يؤكد د. صالح بن عبد الرحمن المحيميد - رئيس محكمة استئناف وعضو المحكمة العليا بالرياض -: إنّ من الذنوب والمعاصي التي كثرت على ألسنة كثيرة من الناس، التشهير وذكر المثالب والعيوب، وسبب ذلك قلة العقل والعلم والدين، لأنّ النفس إذا لم تشغلها بالحق والخير أشغلتك بالشر والباطل، وفي هذا الزمان ابتلى الله سبحانه الخلق بالنعم وسهولة المعاش، فصار كثير منهم لديه فراغ كبير أساء استثماره، فبدلاً من أن يوجه ما حباه الله من نعمة الصحة والغنى والفراغ لما ينفعه في دينه ودنياه، وجّهه إلى ما يضره ويضر مجتمعه ضرراً بليغاً لأنّ في التشهير وذكر المثالب والعيوب والهمز واللمز وتحقير الآخرين والاستهزاء بهم والتقليل من شأنهم ما يكرس البغضاء بين الناس، فيكره بعضهم بعضاً ويبعد المسلم عن أخيه وجاره وزميله وغيرهم مما ينكد على الناس حياتهم ويفرق بينهم ولا هدف للشيطان أكثر من هذا، فهذا الأمر يهدم الأجر ويوفر الإثم ويبعد المرء عن ربه الذي مثل لنا الغيبة وهي (ذكرك أخاك بما يكره) بأبشع مثل فقال سبحانه: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ [الحجرات: 12]، فمن أباح لنفسه ما حرّمه الله عليه من انتهاك العرض، فهو كالذي أباح لنفسه الأكل من المشهر به لو كان ميتاً قد تحللت جثته، ومن يتأمل يجد لا فرق، فالطعن في الأعراض محرّم تحريماً بنص القرآن الكريم وصريح السنّة، فمن لا يبالي بهذا الأمر فهو كمن يأكل لحم البشر بعد الموت، فالمانع من الأمرين هو التحريم وما دام انتهك الأول فالأكل ميتة الآدمي مثله. وهذا المحرم قد فشا في الناس حتى صار أمراً عادياً لا ينكر حتى ممن الشأن فيهم إنكار المنكر من أهل العلم والعقل والصلاح والإصلاح، وهذه من القواصم التي هوّنها الشيطان حتى لا تجد في المسلمين من يسلم من طعن طاعن، وصار من الناس من يتلذذ بسماع وبقول ما لا يجوز سماعه ولا قوله من الغيبة والنميمة والبهت والشر والذنوب، وكل هذا إثم وذنب يجب إنكاره من كل أحد من السامعين، ولا يعذر أحد بالسكوت عليه، لأنّ الراضي كالفاعل ومن يستملي للمغتاب فهو شريكه بالإثم، فلنتق الله جميعاً في أقوالنا وأفعالنا وليحاسب كل منا نفسه ويحفظ لسانه، فإنه لا يُكبُّ الناس في النار على وجهوهم إلا حصائد ألسنتهم كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، وما أشقى من يُذهب حسناته وثواب أعماله الصالحة من صلاة وصيام وزكاة وغيرها يذهبها بما يقوله في غيره مما لا فائدة له فيه، وإنما قال ذلك في غفلة أوقعه الشيطان فيها لإهلاكه .. أسأل الله أن يوقظ قلوبنا لنحذر كيد الشيطان ومكره.
أعمال محرّمة:
ويبيّن د. عبد الله بن إبراهيم الطريقي - الأستاذ بكلية الشريعة بالرياض: إنّ الموقف يقوم على أصلين كبيرين وخطين متوازيين: أحدهما: النصيحة والثاني: الستر، فأما الأول فيقتضي الإصلاح والتقويم والتغيير والدعوة والتوجيه، كما دلت على ذلك الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنّة، كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33]، وقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: 110]، وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: 69]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها …) إلى آخر الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده …) الخ.
وهذا الأصل يمكن إجماله في (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهو ليس مجال الحديث هنا.
وللبحث بقية
