قاعدة التقيّد بالحكم الشرعي

شهب كتب:
السؤال :هناك قاعدة شرعية تقول ( الاصل في الاشياء الاباحة ما لم يرد دليل التحريم ) وتقولون ( الاصل في الاشياء الاباحة وفي الافعال التقيد بالحكم الشرعي , فما الفرق بين الاشياء والافعال مع التوضيح للقاعدتين وشكرا.

**بسم الله الرحمن الرحيم

الأصل في الأشياء الإباحة .

( و الفرق بين الأشياء والأفعال ) .

الأشياء غير الأفعال. فالأشياء هي المواد التي يتصرف فيها الإنسان بأفعاله، وأما الأفعال فهي ما يقوم به الإنسان من تصرفات فعلية أو قولية لإشباع جوعاته.

والأفعال لا بد أن تكون متعلقة بأشياء تستعمل لتنفيذ الفعل الذي أراد الإنسان به الإشباع. فالأكل والشرب والمشي والوقوف وما شاكل ذلك أفعال، وتصرفات فعلية. والبيع والإجارة والوكالة والكفالة وما شاكل ذلك أفعال، وتصرفات قولية. وهذه الأفعال كلها من تصرفات فعلية أو قولية متعلقة بأشياء حتماً.

فالأكل من حيث هو أكل فعل، ولكنه متعلق بالخبز والتفاح ولحم الخنزير وغير ذلك. والشرب من حيث هو شرب فعل، ولكنه متعلق بالماء والعسل والخمر وغير ذلك. فهذه الأشياء لا بد لها من حكم، كما أن الأفعال لا بد لها من حكم شرعي.

فهل تأخذ الأشياء حكم الفعل المتعلق بها من حيث الوجوب أو الحرمة أو الندب أو الكراهة أو الإباحة، أو تأخذ حكماً آخر غير حكم الفعل ؟ أم أنه لا حكم لها والحكم إنما للفعل وحده ؟

إن الذي يتبادر إلى الأذهان هو أن الأشياء والأفعال شيء واحد، فالفعل لا ينفصل عن الشيء والشيء لا ينفصل عن الفعل، إذا كان يراد أن يكون له اعتبار، وإذا انفصل أحدهما عن الآخر سقط عن الاعتبار.

وبناء على ذلك يتبادر للذهن أيضاً أن حكم الفعل يكون سائراً على حكم الشيء المتعلق به الفعل. ولذلك لم يفرق العلماء في العصر الهابط بين الشيء والفعل، فقال بعضهم الأصل في الأشياء الإباحة وجعلوها شاملة الأفعال والأشياء، وقال آخرون الأصل في الأشياء التحريم وجعلوها شاملة للأفعال والأشياء.

والحقيقة أن هناك فرقاً بين الأفعال والأشياء في الشريعة الإسلامية. فإن المتتبع للنصوص الشرعية والأحكام الشرعية، يرى أن الشرع جعل الأحكام المتعلقة بالأفعال لا تخرج عن خمسة أحكام هي: الوجوب أو الحرمة أو الندب أو الكراهة أو الإباحة. وكل فعل لا يخرج عن كونه واجباً أو حراماً أو أو مندوباً أو مكروهاً أو مباحاً.

وعرف الحكم الشرعي بأنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، فجعل الحكم الشرعي للفعل بغض النظر عن الشيء الذي يتعلق به. فالحكم الشرعي إنما هو للأفعال لا للأشياء. فأحل البيع من حيث هو بيع، فقال تعالى {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ}.

أما الأشياء المتعلق بها البيع فمنها ما أحلّه الله كالعنب، ومنها ما حرّمه الله كالخمر. فالحكم هو لفعل البيع، والتحريم هو لفعل الربا، بغض النظر عن الشيء المتعلق به الفعل.

أما الأشياء فإن المتتبع للنصوص الشرعية يرى أن الله أعطاها وصف الحل أو الحرمة فقط، ولم يعطها حكم الوجوب أو الندب أو الكراهة وجعل الحرمة أو الحل وصفاً للشيء. فقال تعالى {قُلْ أَرءَيْتُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} وقال {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ} {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ} {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ}. فالنصوص كلها لم تجعل للشيء إلا أحد أمرين: إما أن يكون حلالاً وإما أن يكون حراماً ولا ثالث لهما ولا يخرج عن أحدهما.

وهذا التحليل والتحريم هو من شأن الله وحده، وليس لأحد أن يشركه فيه، وكل من يعطي رأياً من عنده فهو آثم معتد مفتر على الله. والحل والحرمة وصفان لا مناص من لزوم أحدهما لكل ما خلق الله من شيء يمكن أن يقع عليه حس الإنسان، سواء ما يؤكل أو يلبس أو يركب أو يسكن أو يستعمل أو لايستعمل. وإذا تتبعنا النصوص الشرعية نجد أن الله تعالى أصَّلَ في هذه الأشياء جميعها أصلاً وجعله الإباحة. فرخص لنا أن ننتفع بكل ما كان بمتناول يد الإنسان واستثنى من ذلك العموم بعض الأشياء نص عليها بخصوصها فحرّمها.

وتلك الإباحة تفهم من نصوص الشريعة إجمالاً وتعميماً. فنجد النصوص تجمل الإباحة في مثل قوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} وتعمم في مثل قوله تعالى {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}. ويجمل ويفصل في مثل قوله تعالى {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} {وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَءَاتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا}{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ}{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} {لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً. ..} الآية .

فهذه الآيات تدل على أن الله أباح للإنسان جميع الأشياء. وأن ما حرمه منها استثناه، ونص بخصوصه وحده.

كما جاء الحديث فنص أيضاً على بعض الأشياء المحرمة فقد ورد [ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم)فالشارع أباح الأشياء جميعها بمعنى أحلَّها، إذ الإباحة في الأشياء معناها الحلال، ضد الحرام. فإذا نص على حرمة بعضها استثنى هذا البعض وحده. فالحل والحرمة بالنسبة للأشياء وصف لها، وليس للأشياء غيرهما أي وصف شرعي، ولا تحتاج إباحة الشيء، أي كونه حلالاً، إلى دليل. لأن الدليل العام في النصوص أباح جميع الأشياء. وأما حرمته فهي تحتاج إلى دليل لأنها مستثناة ومخصصة من عموم أدلة الإباحة فلا بد لها من نص. ولذلك كان الأصل في الأشياء الإباحة، أي الأصل فيها أن تكون حلالاً.**

علة الخمرة وحرمتها

fahmi barkous كتب:
**السؤال :

?الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم?، والمال شيء ولم يرد فيه التحريم فيبقى على أصله وهو الإباحة. فمثلا (سرق فلان مالا) فإن الحكم في فعل (سرق) هو الحرمة والفاعل (فلان) الإثم وما يترتب عليه من عقوبة، أما المال من حيث هو فيبقى على أصله وهو الإباحة وإعادته لصاحبه، هذا حكم الشيء المسروق بقطع النظر إن كان مالا منقولا أم غير منقول، فالمال يبقى في عمومه مباحا بقطع النظر عن الفعل المتعلّق به ما لم يرد دليل التخصيص، ومن أخذ منه هبة أو هديّة أو نفقة فلا حرج عليه ?لا يتعلّق الحرام بذمّتين? والله أعلم… «حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا»، وعين الخمر أصلها، أي حرّمت الخمر لأنها خمر، أي حرمتها في أصلها والأحكام المتعلّقة بالخمرة (بائعها وشاربها…)، ولكن كيف تعلّقت الحرمة بالمال المنقول وغير المنقول بالخمرة وبيعها!!؟؟ هل الخمرة وحرمتها هي علّة حرمة المال؟؟ وإن كان ذلك، فقياسا لا يجوز استعمال الكأس وما شابه ذلك بعد استعماله للخمرة أو الشاحنة التي حملت الخمرة لاشتراكهما في العلّة نفسها!! الرجاء التوضيح والتنوير وبارك الله فيكم**

**الجواب:

نعم الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم… وأما سؤالك عن علة الخمرة وحرمتها، وعن الشاحنة التي تنقلها، والكأس الذي كانت الخمرة قد وضعت فيه فالموضوع كما يلي:

يقول صلوات الله وسلامه عليه فيما أخرجه أبو داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».

وواضح من الحديث عدم وجود علة، فالإسكار ليس علة بدليل أنه لو شُرب قليل من الخمر ولم يسكر الشارب فإن التحريم واقع وعليه عقوبة، فالحديث يحرم القليل إذا كان كثيره يسكر، فشرب القليل منه حرام.

كما أنه لم يرد علة في الأصناف العشرة أخرج الحاكم في مستدركه على الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَلَعَنَ سَاقِيهَا، وَشَارِبَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَايِعِهَا وَمُبْتَاعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا» وواضح أن الحديث لا تعليل فيه، ولذلك لا يقاس عليها غيرها.

وعليه فكل شرابٍ مسكرٍ خمرٌ، قليله وكثيرهُ سواء في التحريم، والأصناف العشرة محرمة فيه دون تعليل. ولكن هذا الحكم يطبق على المكلف، فيطبق على سائق الشاحنة، ولا يطبق على الشاحنة التي ينقل فيها، أو الكأس الذي كانت الخمرة قد وضعت فيه، فالحكم المتعلق بالخمر ليس هو الحكم المتعلق بالشاحنة أو بالكأس… أخرج الطبراني في الكبير عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: … وَأَنَا فِي أَرْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ يَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا الْخَمْرَ فَآكُلُ فِيهَا وَأَشْرَبُ…؟ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «…وَإِنْ وَجَدْتَ عَنْ آنِيَةِ الْكُفَّارِ غِنًى فَلَا تَأْكُلْ فِيهَا، وَإِنْ لَم تَجِدْ غِنًى فَارْحَضْهَا بِالْمَاءِ رَحْضًا شَدِيدًا ثُمَّ كُلْ فِيهَا» أي إن احتجت لها ولم تجد غيرها، فاغسلها غسلاً جيداً.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة**

**قاعدة التقيّد بالحكم الشرعي

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

قاعدة التقيد بالحكم الشرعي من أهم الأسس التي تقوم عليها حياة المسلم فردا وجماعة، ومن أهم المقاييس التي يجب على المسلمين معرفتها وتطبيقها.

فمقياس الأعمال عند المسلم هو أوامر الله ونواهيه؛ لأنه مخلوق لله تعالى، خلقه لعبادته. وتحقيق مفهوم العبودية يكون من خلال توحيده والعمل بما شرعه.

وقد فرض الله سبحانه وتعالى على كل مسلم أن يعرف حكم العمل الذي يريد إتيانه قبل القيام به؛ هل هو حلال أم حرام أي هل هو حرام أو واجب أو مكروه أو مندوب أو مباح. فكل عمل من الأعمال يريد الإنسان أن يعمله، لابد أن يتعلق به حكم من الأحكام الشرعية الخمسة المذكورة. وكل عمل من الأعمال يقوم به المسلم في مختلف مجالات الحياة يجب أن يعلم حكم الله فيه قبل مباشرته له، لأنّ الله سبحانه سيسأله عنه يوم الحساب. قال الله تعالى: {وَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وقال: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السّمَاء وَلاَ أَصْغَر مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَر إِلاّ فِي كِتَاب مُّبِين}، وقال: {إِنّ إِلَيْنَا إِيَابَهُم ثُمَّ إِنّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}، وقال: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وجوب أن يكون عمل المسلم طبقا لأحكام الشرع، فقال: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد” (رواه مسلم عن عائشة). وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أعمالهم قبل القيام بها؛ لأنهم أدركوا معنى التقيّد بالحكم الشرعي. عن عبد الله بن عمرو قال: “جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أختصي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خصاء أمتي الصيام” (رواه أحمد). ولم يمنع الحياء النساء من أن يتفقهن في الدّين بسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة تتعلق بهن. عن إبراهيم بن المهاجر قال: "سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض؟ فقال: “تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها. فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: سبحان الله، تطهرين بها. فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك: تتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين” (رواه مسلم).

ولأهمية التقيّد بالحكم الشرعي ومعرفة الحلال والحرام قبل القيام بالفعل، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لتجار المدينة: “لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في الدّين” (رواه الترمذي)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد بلفظ: “لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا”؛ ذلك أن التاجر الذي يجهل أحكام المعاملات في الإسلام عرضة للوقوع في الحرام، فهو يبيع ويشتري وفق هواه ووفق مصلحته ومنفعته وليس وفق أحكام الشرع.

وقد جعل الصحابة رضوان الله عليهم مقياس التقيّد بالحكم الشرعي قاعدة للولاء والبراء، وللقبول والرفض، وللرضا والغضب، فكانوا ينطلقون من هذا القاعدة في تحديد العلاقات: علاقة المسلم بالمسلم، وعلاقته بالحاكم والأمير. فعن عبد الله بن مغفل: أنه رأى رجلا يخذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف، وقال : “إنه لا يصاد به صيد ولا ينكى به عدو ، ولكنها قد تكسر السن ، وتفقأ العين”، ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخذف أو كره الخذف، وأنت تخذف لا أكلمك كذا وكذا" (رواه البخاري). وعن ابن عمر قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد” فقال ابن له: يقال له واقد: إذن يتخذنه دغلا. قال : فضرب في صدره وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: لا" (رواه مسلم). وعن إسحاق بن قبيصة عن أبيه أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير، وكسر الفضة بالدراهم، فقال: يا أيها الناس، إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تبتاعوا الذهب بالذهب، إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة" فقال له معاوية: يا أبا الوليد، لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة، فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن رأيك، لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر" (رواه ابن ماجه).

وعليه، يجب على كلّ مسلم أن يتقيّد في أعماله بالحكم الشرعي، ويجب عليه أن لا يقدم على عمل إلا بعد معرفة حكمه. والقاعدة في هذا: “لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله”، قال الله سبحانه وتعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.**

الاصل في الافعال التقيد باحكام الشرع
وليس الاصل فيها الاباحة ولا التحريم

بسم الله الرحمن الرحيم
المباح هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل، او هو ما خير المرء فيه بين فعله وتركه شرعا. والاباحه من الاحكام الشرعيه، فالمباح حكم شرعي والحكم الشرعي يحتاج الى دليل يدل عليه، فما لم يوجد دليل يدل عليه، لا يكون حكما شرعيا . فمعرفة كون حكم الله في الفعل مباحا تحتاج الى دليل شرعي . وعدم وجود الدليل الشرعي لايدل على ان الفعل مباح، لان عدم وجود الدليل لا يدل على وجود حكم الاباحة ولا على وجود اى حكم له، بل يدل على نفي وجود حكم له، ويدل على وجود التماس الدليل لمعرفة حكم الله فيه حتى يحدد موقفه منه . ذلك ان معرفه حكم الشرع في الفعل فرض على كل مكلف ليحدد موقفه من الفعل هل هو يقوم به او يتركه. فالاباحه خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك، فما لم يعرف خطاب الشارع لا يعرف الحكم الشرعي وما لم يوجد خطاب الشارع بالاباحه لا يوجد حكم الاباحة فانه لا حكم لافعال العقلاء قبل ورود الشرع فيتوقف الحكم بكون الفعل مباحا او مندوبا او فرضا او مكروها او حراما على ورود الدليل السمعي بهذه الاحكام، وبدون الدليل السمعي لا يمكن اعطاء الفعل حكما من الاحكام، فلا يمكن ان تحكم باباحة ولا حرمة غيرهما من الاحكام الشرعية الخمسة الا ان يقوم الدليل السمعي على ذلك . وليس معنى هذا ترك طلب حكم الله بالفعل وتعطيل احكام الشرع، او ترك القيام باعباء الحياة بحجة جهل حكم الله فيها، فان ذلك كله لا يجوز شرعا، وانما يعني ذلك ان فعل الانسان يحتاج الى معرفة حكم الله فيه، وذلك يوجب طلب الادلة الشرعية وتطبيقها على ذلك الفعل حتى يعرف حكم الله في الفعل من كونه مباحا او حراما او فرضا او مكروها او مندوبا.

لان مقياس الاعمال عند المسلم هو اوامر الله ونواهيه . وقد فرض الله على كل مسلم ان ينظر في كل عمل يأتيه ان يعرف قبل القيام بالفعل حكم الله فيه . هل هو حرام او واجب او مكروه او مندوب او مباح . فكل عمل لابد ان يتعلق به حكم من الاحكام الخمسة المذكورة . فهو لابدان يكون اما واجبا او حراما او مندوبا او مكروها او مباحا . وكل عمل من الاعمال التي يقوم بها المسلم يجب ان يعلم حكم الله في هذا العمل قبل مباشرته له، لان الله سيسأله عنه . قال تعالى"فوربك لنسألنهم اجمعين عما كانوا يعملون"وقال"وما تكون في شأن وما تتلو منه من قران ولا تعملون من عمل الا كنا عليكم شهودا اذ تفيضون فيه"ومعنى اخباره تعالى لعبادة انه شاهد على اعمالهم هو انه محاسبهم عليها وسائلهم عنها وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وجوب ان يكون العمل وفق احكام الاسلام فقال"من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد"وما زال الصحابه رضوان الله عليهم يسألون رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن تصرفاتهم حتى يعرفوا حكم الله فيها قبل ان يفعلوها، فقد اخرج ابن المبارك ان عثمان بن مظعون اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اتأذن لي في الاختصاء . فقال النبي صلى الله عليه وسلم"ليس منا من خصي ومن اختصى وان اختصاء امتي الصيام". قال : يا رسول الله اتأذن لي في السياحة قال سياحة امتي الجهاد في سبيل الله . قال يا رسول الله اتأذن لي في الترهب، قال ان ترهب امتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة"فهذا صريح بان الصحابه ما كانوا يقدمون على عمل الا سألوا عنه قبل الاقدام عليه لمعرفة حكم الله فيه . ولو كان الاصل في الافعال الاباحة لفعلوه وما سألوا عنه فاذا حرمه الله تركوه والا استمروا على فعله ولا حاجة لهم الى السؤال . واما سكوت الشارع عن افعال لم يبين حكم الله فيها مع ان الناس كانوا يفعلونها، فليس معناه : ان عدم اعطاء الشارع رأيا قويا او فعليا دليل على اباحة الافعال التي لم يبين فيها نص صريح قولي او فعلي، بل معنى السكوت : ان الافعال التي فعلت امام الرسول او كان يعلم ان الناس يفعلونها داخل سلطانه دليل على اباحة هذه الافعال فقط، لا على اباحة الافعال مطلقا . لان سكوته عليه الصلاة والسلام على الافعال اى اقراره لها، دليل على اباحة هذه الافعال . فالسكوت على الفعل يعتبر دليلا على اباحته اذا كان مع العلم به بانه فعل امامه او كان بعلم عنه، اما سكوته عن الفعل دون علمه به او عن الفعل الحاصل خارج سلطانه، وان علم به فلا يسمى سكوتا باعتبار السكوت من الادلة الشرعية .
والسكوت الذي هو الدليل على الاباحة سكوت الرسول صلى الله عليه وسلم لا سكوت القران، لان القران كلام الله والله يعلم ما كان من الافعال، وما يكون، وما هو كائن . فلا يعتبر عدم بيان القران حكم فعل انه سكت عنه بل المراد من السكوت عن الفعل هو سكوت الرسول صلى الله عليه وسلم عنه مع علمه به، اي انه يعمل العمل امامه او يعمل داخل سلطانه على علم منه ويسكت عنه .
وقد استدل بعض الصحابة على جواز العزل بسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال"كنا نعزل والقران ينزل"اي و رسول الله بيننا، اذ قوله والقران ينزل كناية عن وجود الرسول بينهم واستدل بعض المجتهدين على جواز اكل لحم الضب بسكوت النبي عن اكله . فقد روي انه"اكل الضب على مائدة النبي ولم يأكل منه"فسكوته عن الصحابة وهم يأكلون الضب على مائدته دليل على اباحة اكله .
فسكوت الشارع عن الفعل مع علمه به دليل على اباحته، وليس عدم بيان الشارع حكما للفعل دليل على اباحته، وفرق بين السكوت وبين عدم البيان في الدلالة .
ومن ذلك كله يتبين ان الاصل في افعال العباد هو ان لها حكما شرعيا وجب طلبه من الادلة الشرعية قبل القيام بالفعل، ويتوقف الحكم على الفعل بكونه مباحا او فرضا او مندوبا او حراما او مكروها على معرفة الدليل السمعي على هذا الحكم من الكتاب او السنة او الاجماع او القياس .

** التقيّد بالحكم الشرعي **