**قاعدة التقيّد بالحكم الشرعي
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
قاعدة التقيد بالحكم الشرعي من أهم الأسس التي تقوم عليها حياة المسلم فردا وجماعة، ومن أهم المقاييس التي يجب على المسلمين معرفتها وتطبيقها.
فمقياس الأعمال عند المسلم هو أوامر الله ونواهيه؛ لأنه مخلوق لله تعالى، خلقه لعبادته. وتحقيق مفهوم العبودية يكون من خلال توحيده والعمل بما شرعه.
وقد فرض الله سبحانه وتعالى على كل مسلم أن يعرف حكم العمل الذي يريد إتيانه قبل القيام به؛ هل هو حلال أم حرام أي هل هو حرام أو واجب أو مكروه أو مندوب أو مباح. فكل عمل من الأعمال يريد الإنسان أن يعمله، لابد أن يتعلق به حكم من الأحكام الشرعية الخمسة المذكورة. وكل عمل من الأعمال يقوم به المسلم في مختلف مجالات الحياة يجب أن يعلم حكم الله فيه قبل مباشرته له، لأنّ الله سبحانه سيسأله عنه يوم الحساب. قال الله تعالى: {وَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وقال: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السّمَاء وَلاَ أَصْغَر مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَر إِلاّ فِي كِتَاب مُّبِين}، وقال: {إِنّ إِلَيْنَا إِيَابَهُم ثُمَّ إِنّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}، وقال: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وجوب أن يكون عمل المسلم طبقا لأحكام الشرع، فقال: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد” (رواه مسلم عن عائشة). وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أعمالهم قبل القيام بها؛ لأنهم أدركوا معنى التقيّد بالحكم الشرعي. عن عبد الله بن عمرو قال: “جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أختصي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خصاء أمتي الصيام” (رواه أحمد). ولم يمنع الحياء النساء من أن يتفقهن في الدّين بسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة تتعلق بهن. عن إبراهيم بن المهاجر قال: "سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض؟ فقال: “تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها. فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: سبحان الله، تطهرين بها. فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك: تتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين” (رواه مسلم).
ولأهمية التقيّد بالحكم الشرعي ومعرفة الحلال والحرام قبل القيام بالفعل، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لتجار المدينة: “لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في الدّين” (رواه الترمذي)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد بلفظ: “لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا”؛ ذلك أن التاجر الذي يجهل أحكام المعاملات في الإسلام عرضة للوقوع في الحرام، فهو يبيع ويشتري وفق هواه ووفق مصلحته ومنفعته وليس وفق أحكام الشرع.
وقد جعل الصحابة رضوان الله عليهم مقياس التقيّد بالحكم الشرعي قاعدة للولاء والبراء، وللقبول والرفض، وللرضا والغضب، فكانوا ينطلقون من هذا القاعدة في تحديد العلاقات: علاقة المسلم بالمسلم، وعلاقته بالحاكم والأمير. فعن عبد الله بن مغفل: أنه رأى رجلا يخذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف، وقال : “إنه لا يصاد به صيد ولا ينكى به عدو ، ولكنها قد تكسر السن ، وتفقأ العين”، ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخذف أو كره الخذف، وأنت تخذف لا أكلمك كذا وكذا" (رواه البخاري). وعن ابن عمر قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد” فقال ابن له: يقال له واقد: إذن يتخذنه دغلا. قال : فضرب في صدره وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: لا" (رواه مسلم). وعن إسحاق بن قبيصة عن أبيه أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير، وكسر الفضة بالدراهم، فقال: يا أيها الناس، إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تبتاعوا الذهب بالذهب، إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة" فقال له معاوية: يا أبا الوليد، لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة، فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن رأيك، لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر" (رواه ابن ماجه).
وعليه، يجب على كلّ مسلم أن يتقيّد في أعماله بالحكم الشرعي، ويجب عليه أن لا يقدم على عمل إلا بعد معرفة حكمه. والقاعدة في هذا: “لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله”، قال الله سبحانه وتعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.**