فرضية وأحكام الجهاد

فرضية وأحكام ألجِهاد

  1. فهرس
  2. تشريع وأحكام الجهاد (1)
  3. تشريع وأحكام الجهاد (1)
  4. الخليفة والجهاد
  5. معنى تولي الخليفة لقيادة الجيش (1)
  6. معنى تولي الخليفة لقيادة الجيش(2)
  7. هل الجهاد هو الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة ؟
  8. طاعة رئيس الدولة
  9. التفريق بحق الطاعة بين أصناف الحكام
  10. متى يشرع الخروج بالسلاح في وجه الحاكم
  11. حكم منازعة المسلمون الحكام ومنابذتهم بالسيف
  12. محاسبة الحكام فرض وتركها حرام على المسلمين
  13. فائدة في موضوع الجهاد: رأى للدكتور محمد المسعرى
  14. تبجح وتشكيك البعض حول موضوع الجهاد
  15. (ألجهاد لنشر الدعوة )على هامش : " تشريع وأحكام الجهاد "
  16. (هل ألجهاد طريق التغيير الواجبة ؟) على هامش : " تشريع وأحكام الجهاد "
  17. الشهيد (1)
  18. الشهيد (2)
  19. الجيش الإسلامي
  20. الاستعانة بالكفار في القتال(1)
  21. الاستعانة بالكفار في القتال(2)
  22. تجهيز الجيش الإسلامي (2) الألوية والرايات
  23. الأسرى
  24. الأسرى (2)
  25. ألرباط
  26. ألسياسة ألحربية(1)
  27. السياسة الحربية(2)
  28. الكذب في الحرب
  29. التجسس (1)
  30. التجسس (2)
  31. الهدنه

الرباط

من توابع الجهاد الرباط، وهو الإقامة في الثغر مقويا للمسلمين. والثغر كل مكان على حدود العدو يخيف أهله العدو ويخيفهم. وبعبارة أخرى هو المكان الذي ليس وراءه إسلام. والمراد من الرباط هو المقام في الثغور لإعزاز الدين ودفع شر الكفار عن المسلمين. والإقامة في أي مكان يتوقع هجوم العدو فيه بقصد دفعه يعتبر رباطا، لأن أصل الرباط من رباط الخيل الوارد في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)، لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم، كل يعد لصاحبه، فسمي المقام بالثغر، أي السكنى فيه رباطا، وإن لم يكن فيه خيل. وعلى هذا فمن أقام بالثغور بنية دفع العدو يعتبر مرابطا، سواء أكان المكان وطنه أي مسكنه الذي يسكنه عادة أم لم يكن، لأن العبرة ليس بكون المكان وطنه أم لا، بل بنية دفع العدو وإخافته. وفضل الرباط عظيم وأجره كبير، لأن الرباط دفع عن المسلمين وعن حريمهم وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو. والرباط أصل الجهاد وفرعه، وقد وردت في فضل الرباط عدة نصوص، فقد ورد في صحيح مسلم من حديث سلمان رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أجري عليه عمله الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن الفتان وبعث يوم القيامة شهيدا)، وروى الطبراني بسند ثقات في حديث مرفوع (من مات مرابطا أمن الفزع الأكبر)، وعن أبي أمامة عنه عليه الصلاة والسلام قال: (إن صلاة المرابط تعدل خمسمائة صلاة ونفقته الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار نفقة غيره)، وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة).

والرباط يقل ويكثر، فكل مدة أقامها بنية الرباط فهو رباط قل أو كثر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم)، (رباط ليلة). والأفضل أن يرحل المسلم إلى الثغور ليسكنها حتى يكون مرابطا. ومن ثم اختار كثير من السلف سكنى الثغور ليكونوا مرابطين. ويعتبر أهل الثغر وحدهم مرابطين إذا كانت نيتهم من السكنى دفع العدو وإخافته وإذا كانت تحصل بهم وحدهم كفاية الدفع، وإذا كانت لا تحصل إلا بالثغر الذي وراءه أيضا فهما رباط. ويعتبر سكنى المسلمين في بلادهم التي يحصل بها دفع العدو وإخافته رباطا ويكونون مرابطين.

?ومثل المرابطة في سبيل الله الحرس في سبيل الله، فإن فيها فضلا كبيرا. عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها).

منقول

تبجح وتشكيك البعض حول موضوع الجهاد

**سؤال:

فما هو الدور الذي تقوموا به من اجل تعزيز مكانت الدين حتى يتم بناء الخلافة.

ارجو ان تكون الاجابة واضحة مع ذكر بعض الامثلة.**

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الجواب: توضيح حول تبجح بعضهم حول موضوع الجهاد وتشكيكهم بجملة الدعوة من هذا الباب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

إن من المصائب التي أصابت هذه الامة العظيمة أن جُعل الواقع مصدرا للتفكير وليس موضع التفكير والتغيير ، ومن جراء هذه المصيبة قامت حركات كثيرة تريد إنهاض الامة الاسلامية مرة أخرى ففشلت في مساعيها لأنها (من ضمن الاسباب ) تشكلت حسب الواقع واستجابة له بالدرجة الاولى وأصبح الواقع هو الدافع والمحرك والملهم لها

فجاءت هذه الحركات وجعلت الحركات التي سبقتها من وطنية علمانية أو وطنية اشتراكية أو قومية أو غيرها مثالا تسير عليه في طريقة العمل وطريقة التعامل مع الواقع وأساليب العمل أيضا ولم تتخذ فهم التكتل من سيرة النبي (ص) وإنما فهمته من الواقع ( مصدر التفكير عندها ) ولم يفرقوا بين عمل الفرد وعمل الجماعة وعمل الدولة فللفرد أحكام خاصة به ولا يجوز له أن يقوم بأعمال الدولة مثل إقامة الحدود … وللجماعة عمل محدد لا يجب عليها أن تتعداه حتى لا تضل الطريق وتتبعثر جهودها هنا وهناك

المسألة التي أريد التكلم عنها هي مسألة الجهاد وهي مسألة تثار على التكتل المبدأي المتبني بأن ألجهاد ليست الطريق لإقامة ألدولة،بإن جهاد الطلب هو فرض كفاية كما هو معلوم والمقصود بجهاد الطلب هو الطريقة الشرعية لحمل الاسلام للعالم وهذا يحتاج لدولة تطبق الاسلام على نفسها أولا وتكون كمثال ثانيا ثم تحمل هذه الرسالة للعالم. ويحتاج لجيش يحقق هدف هذا الجهاد وهو فتح بلاد الكفر وحكمها بالاسلام أو تدفع الجزية لدولة الخلافة . ( وهذا الفرض غائب عن الدنيا الآن ويجب إيجاده ) وجهاد الدفع فرض عين كما هو معلوم وغير مقيد بإمام أبدا ( وهو موجود يقوم به بعض المجاهدين ) .

والتكتل الحزبي عبارة عن مجموعة من الناس آمنت بفكرة تريد إيجادها في معترك الحياة وعمل التكتل الحزبي هو إيجاد هذه الدولة التي تحتضن المبدأ وتطبقه وتحمله للعالم.

هؤلاء الناس المسلمين تكتلوا لغاية واحدة وهي اسئناف الحياة الاسلامية ولهم أمير واحد وهذا الامير له الطاعة فيما يتعلق بموضوع الامارة فأمير السفر ليس له إلا في السفر وأمير الطعام ليس له إلا فيما يختص بموضوع الطعام وهكذا .. وأمير الحزب ليس له إلا في موضوع التكتل وموضوع التكتل وهو حمل الدعوة الاسلامية بطريقة النبي (صلى الله عليه وسلم) لاستئناف الحياة الاسلامية وليس له فيما دون ذلك .

فالصلاة فرض عين والصوم فرض عين على كل مسلم كمسلم بدون وجود جماعة أصلا ولكن وجود الجماعة لعمل جماعي هو إيجاد الدولة الاسلامية فالحزب يدعو جميع المسلمين للصلاة وللصوم ويصحح لهم مفاهيم الصلاة والصوم ومن ضمن المسلمين أبناء هذا الحزب ولا يقبل الحزب في صفوفه من لا يصلي ولا يصوم لأنه يكون مقصرا وآثما ومعيقا للدعوة.

وهكذا جهاد الدفع فإن التكتل الحزبي كحزب لا يقوم بالتسليح وعمل العمليات في المناطق المحتلة ولكن شباب الحزب كجزء من المسلمين يقومون بهذا لآنه فرض ولا يقوم الحزب بذلك لأنه ليس من عمله ذلك والاية الكريمة حددت عمل الحزب المطلوب

" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون "(1)، والخير كما قال النبي (ص) " الخير هو اتباع القرآن وسنتي " (2)كل القرآن وكل السنة .

فتكتل النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يقم في مكة بعمل جمعيات خيرية مع أن الصحابة بمفردهم كانوا يقومون بذلك ولم يقم بقتال أهل مكة ومنع ذلك على الكتلة وليس على من يدافع عن نفسه ولم ينبرى لرد التشويهات والتهم ولم يجعل حصاره في شعب أبي طالب قضيته ولم يغير ولم يبدل وظل عمل الكتلة واحداً وهو حمل الدعوة الاسلامية حملا سياسيا مبدأيا من خلال التثقيف والكفاح السياسي والصراع الفكري وطلب النصر واستلام الحكم.

فعمل التكتل الحزبي العامل للخلافة هو عمل واحد وليس أكثر من عمل واحد.

وقد يسأل سائل:

**هناك اشكالية بحاجة الى حل وهي ان عمل الحزب هو استئناف الحياة الاسلامية باقامة الخلافة الاسلامية … وهو عمل وحيد … صحيح

ولكن في وضع بلد محتل كالعراق وفلسطين كيف يكون العمل هل سيبقى عمل الحزب هو التثقيف والكفاح الفكري والسياسي وطلب النصرة ؟؟؟؟؟؟؟؟

وهل تصلح بلد مثل فلسطين أو العراق الان لان يعمل فيها بالمراحل الثلاث وكيف سيكون طلب النصرة ، ؟؟؟؟

حقيقة هذه اسئلة اسألها باخلاص وارجو ان لا تعتبرها من أي باب آخر ، بل وآمل ان لم يكن لديك الجواب اليقيني أن تتمهل لأن التفكير يحتاج الى معلومات سابقة وادراك للواقع بل ما نريده هو باستنارة**

نعلم أن الاصل بأفعال المسلم التقيد بالحكم الشرعي ، وفي مسألة مثل هذه المسألة نعرضها أيضا على الحكم الشرعي

((إذا تعارض فرض إقامة الخــلافـة المضيق مع جهاد الطلب الموسع قدم فرض إقامة الخــلافـة لأنه مضيق، ولأن الصحابة اشتغلوا بتنصيب أبي بكر قبل إنفاذ بعث أسامة، لأن التنصيب فرض مضيق والإنفاذ فرض موسع، ولذلك يقدم فرض إقامة الخــلافـة على جهاد الطلب.

أما إذا تعارض فرض إقامة الخــلافـة المضيق مع قتال الدفع المضيق نظر فإن لم يكن هناك التحام وأمكن القيام بالفرضين لم يقدم أحدهما على الآخر أما فـي الملتحم فإن القتال يقدم على العمل لإقامة الخــلافـة، وذلك لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قدمه على صلاة الوسطى عندما حبسه المشركون فـي غزوة الأحزاب عنها كما فـي حديث علي المتفق عليه قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : “ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس” فالقتال حبس المسلمين عن الصلاة فـي غزوة الأحزاب، وبعد ذلك شرعت صلاة الخوف، وفيها انشغال عن استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود وكلها فروض، فاعتبر القتال حابساً وشاغلاً عن فرض الصلاة، أو عن بعض فروضها. كما أن القتال يحبس عند الالتحام عن طاعة كل من له طاعة واجبة كالأمير والوالدين والزوج والسيد المالك، فيجب على كل من يطيق القتال أن يخرج دون إذن من له عليه طاعة واجبة. وكذلك يحبس عن الغسل الواجب كما حصل مع حنظلة الغسيل رضي الله عنه وقصته صححها ابن حبان والحاكم. فإذا دهم العدو بلداً فإنه يحبسهم عن كل فرض، ويجب عليهم الاشتغال بدفعه لحفظ الأنفس والأموال والأعراض، وحفظ بيضة الدين. )) مجلة الوعي العدد 195 الموضوع مفهوم مضلل

( والله أعلم أن الاصح أن يقال تزاحم الفروض وليس تعارض الفروض وان صح ذلك فيكون القصد التعارض أثناء العمل )

بالنسبة للفرع الثاني فإن بلدا مثل فلسطين ليس محلا لطلب النصرة ولا لاقامة الخلافة الان فأهلها في حكم الاسرى والارض محتلة بالكامل . ولكن فلسطين هي جزء من بلاد المسلمين وأهلها مسلمون وهي ستكون عقر دار الخلافة القادمة وأهلها يعانون من الضعف الفكري الذي تعاني منه الامة ومن المؤامرات التي تحاك ضد باقي الامة ويحتاجون لبث الامل فيهم بأن يصبروا على جهادهم ولا ينظروا إلى خذلان العالم لهم من دول عربية وغير عربية وأن يكون عملهم مشحون بأن هناك خلافة قادمة ستأتي لتسحق اليهود وإلى ذلك الحين سيستمرون في الجهاد بأمل في الخلافة لا بيئس من الدول المحيطة والاهم من ذلك أن أهل فلسطين يندرجون تحت خطاب " يا أيها الذين آمنوا " ولا يوجد تخصيص لهم فمن الفرض عليهم أيضا التكتل والصراع الفكري في المجتمع ويقتصر عملهم على الصراع الفكري وهو ليس عمل سهل ولا على الهامش وإنما هو لب العمل أما طلب النصرة فلا يمارسونه لوجود المانع وعلى كل فليس كل بلاد المسلمين أهلا لطلب النصرة ولكنها كلها أهلا لحمل الدعوة فيها لآن الموضوع هو الامة اولا ثم طلب النصرة ثانيا (باختصار وان اردت الاستزادة نزيد )

فجهاد الدفع فرض عين يقوم به أفراد التكتل الحزبي كباقي المسلمين وليس كحزب بكليته مع مراعاة التزاحم والاولوية حسب ما أسلفنا


(1) آل عمران : 104

(2) رواه ابن مردويه بسنده - عن أبي جعفر الباقر

متى يشرع الخروج بالسلاح في وجه الحاكم

الحالتان اللتان يجب على المسلمين فيهما الخروج على الحاكم بالسلاح:

روى مسلم في كتاب الإمارة واللفظ له وأحمد والدارمي: « سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ يَقُولُا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قَالُوا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ » وفي رواية الإمام أحمد لفظ: قَالَ « لَا مَا صَلَّوْا لَكُمْ الْخَمْسَ »،، ولفظ: « ما أقاموا لكم الصلاة ». في باقي مسند الأنصار.

وإقامة الصلاة كناية عن إقامة الدين والحكم به.

وقد بينا أنه أمر بعدم طاعة من لم يطع الله عز وجل فيكون أمره هنا محصورا بطاعة من حكم بالاسلام ولكنه قصر أو عصى في بعض الجوانب ما لم يظهر الكفر البواح.

وروى مسلم في كتاب الإمارة « ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏"سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ ‏ ‏عَرَفَ ‏ ‏بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا »

وشرحه النووي رحمه الله: ‏وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ » وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا : « فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ »فَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى « فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ »فَظَاهِرَة ،وَمَعْنَاهُ : مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْمُنْكَر فَقَدْ بَرِئَ مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته ، وَهَذَا فِي حَقّ مَنْ لَا يَسْتَطِيع إِنْكَاره بِيَدِهِ لَا لِسَانه فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ ، وَلْيَبْرَأْ . ‏‏وَأَمَّا مَنْ رَوَى « فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ »فَمَعْنَاهُ - وَاَللَّه أَعْلَم - فَمَنْ عَرَفَ الْمُنْكَر وَلَمْ يَشْتَبِه عَلَيْهِ ; فَقَدْ صَارَتْ لَهُ طَرِيق إِلَى الْبَرَاءَة مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته بِأَنْ يُغَيِّرهُ بِيَدَيْهِ أَوْ بِلِسَانِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ ‏‏وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ »مَعْنَاهُ : لَكِنَّ الْإِثْم وَالْعُقُوبَة عَلَى مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ . ‏‏وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَة الْمُنْكَر لَا يَأْثَم بِمُجَرَّدِ السُّكُوت . بَلْ إِنَّمَا يَأْثَم بِالرِّضَى بِهِ ، أَوْ بِأَلَّا يَكْرَههُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِالْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ . ‏

‏وَأَمَّا قَوْله : « أَفَلَا نُقَاتِلهُمْ ؟ قَالَ : لَا ، مَا صَلَّوْا »فَفِيهِ مَعْنَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوز الْخُرُوج عَلَى الْخُلَفَاء بِمُجَرَّدِ الظُّلْم أَوْ الْفِسْق مَا لَمْ يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام. إ.هـ.

وروى مسلم في كتاب الإمارة: « عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ » .

رفع السلاح في وجه الحاكم،‎والاطاحة به بالقوة،‎فهذه طريقة مطلوبة فقط من المسلمين المكلفين الذين يكونون موجودين في دار الاسلام حين يقوم شخص لاغتصاب الحكم او حين يظهر الحاكم الكفر الصراح، لان نص الحديث « الا ان تروا كفرا بواحا » وهذا يعني انهم لم يكونوا يرون الكفر البواح من قبل، وفي الحديث « ‎ما اقاموا فيكم الصلاة »والصلاة هنا كناية عن تطبيق احكام الاسلام،‎ وهذا يعني انهم موجودون في دار اسلام، ومفهوم الحديث يدل على انه لا يجوز الخروج عليهم وحمل السلاح في وجوههم ما داموا مطبقين احكام الاسلام عليكم .

فغاصب السلطة في دار الاسلام من صاحبها ومظهر الكفر البواح من الحكام في دار الاسلام هما النوعان من الحكام الذين يجب على المسلمين في دار الاسلام ان يحملوا السلاح في وجهيهما، وهذا ما كان يجب ان يقوم به المسلمون تجاه المجرم مصطفي كمال عندما اغتصب الحكم من الخليفة، واظهر الكفر البواح في تركيا، لان الاحاديث صريحة في ذلك قال عليه الســـلام « وان جاء اخر ينازعه فاضربوا عنق الاخر » وقال « على اليد ما اخذت حتى تؤديه ».

قال عبد الله بن عمر فقاموا يتشاورون فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر ولا والله ما أحب أني كنت فيه عالما أنه سيكون في أمرهم ما قال أبي والله لقل ما رأيته يحرك شفتيه قط إلا كان حقا فلما أكثر عثمان علي قلت له ألا تعقلون أتؤمرون وأمير المؤمنين حي فوالله لكأنما أيقظت عمر من مرقد فقال عمر أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل لكم صهيب ثلاث ليال ثم اجمعوا أمركم فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه.

منقول

**التفريق بحق الطاعة بين أصناف الحكام **

منذ أن احتل الكافر المستعمر بلاد المسلمين في الحملة الصليبية الثانية بمعاونه من حسين في مكة ومصطفى كمال في انقرة، وقبل ذلك بقليل، صار معظم العلماء الخريجين يحملون الاسلام ويفهمونه كما اراده المستشرقون، لا للتطبيق وانما لمجرد العلم والتكسب به، وفقدوا القدرة على الاجتهاد والقدرة على تطبيق الاحكام على الوقائع المستجدة والحوادث الجارية، ويتجلى جهلهم في القضايا العملية من معاملات ونظم حكم واقتصاد واجتماع، وعقوبات وعلاقات دولية وسياسات عامة، وبدلا من ان يفهموا حكم طاعة الحاكم فهما صحيحا ويطبقوه على الواقع تطبيقا سليما طبقوه على الواقع تطبيقا خاطئا، فاوجبوا طاعة الحكام الحاليين مساوين في حكم الطاعة بين الخليفة او الامام وبين الحاكم الكافر والحاكم الذى لا يحكم بالاسلام دون ان يلتفتوا الى بديهية ان الخليفة غير الحاكم الكافر والحاكم الذى لا يحكم بما انزل الله،

كما أنهم لم يفرقوا بين التعامل مع الخليفة إن أظهر الكفر البواح وبين الحاكم بالكفر ابتداء في دار الكفر وكيف يصير التعامل معه في هذه الحالة، فكان من الأمور التي شهدت تخبطا كبيرا لكثير من ابناء المسلمين هو التعامل مع هذه المسألة، أي أن التفريق بين واقع دار الكفر ودار الاسلام وبالتالي التعامل مع كل حالة بحسب أحكامها وأن المسلمين لم يلتفتوا إلى الاختلاف في واقع الحاكم الذي يحكم بالكفر ابتداء في دار كفر وبين الخليفة إن أظهر الكفر البواح،لذلك رأينا من طلع علينا بالخروج على الحكام الذين لا يحكمون بالاسلام ابتداء بالسيف وهم يقيسون حالهم على حال الحكام الذين غيروا، وعلى كل لن أتعجل الوصول لهذه النقطة.

وحاشا لرسول الله صلى عليه وسلم ان يامر المسلمين بطاعة اعدائهم من الحكام الكافرين والذين يحكمون بغير ما انزل الله، لان طاعة هؤلاء هي طاعة لنظامهم الكافر واحكامه الكافرة، واعراض وتخل عن نظام الاسلام واحكام الاسلام، والواجب تجاه هؤلاء الحكام هو نبذهم كنبذ النجاسات، والبراءة منهم كالبراءة من الشيطان، عن كعب بن عجرة قال : « خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن تسعة فقال ( انه ستكون بعدى امراء من صدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد على الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وانا منه وهو وارد على الحوض » . رواه النسائي والترمذى . وعن ام الحصين انها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقــــول « ان امر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له واطيعوا ما قادكم بكتاب الله » . رواه ابن ماجة .

وفي رواية للترمذى « ما اقام لكم كتاب الله »وفي رواية لمسلم « يقودكم بكتاب الله » . وهذا العمل بكتاب الله قيد وشرط لوجوب طاعة الحاكم، وهو منتف كلية عن الحكام الحاليين دون شك .

ان المسلمن في هذا العصر قد اوقعوا ضحايا الحكام الكافرين والعلماء المنافقين والجاهلين، وما ذلك الا لغياب الراعي المسؤول عن الاسلام والمسلمين .

ان كلّ مسلم مخلص يعمل لايجاد هذا الراعي المسؤول ليهيب بالمسلمين جميعاً وبكل مواقعهم ان يرفضوا طاعة الحكام الذين يحكموا بالديموقراطية وغيرها من أنظمة الكفر، وان يتبرأوا منهم، وان يتخذوهم اعداء تجب محاربتهم وخلعهم، ويحذرهم من موالاتهم وحمايتهم والسكوت عنهم، ﴿ يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء تلقون اليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ﴾ (1). ويهيب بالمسلمين ان يتعاملوا مع علماء السلاطين بما يستحقونه من المقت والتحقير، ومع العلماء الجهلة بالشك والحذر، وان يتكاتفوا جميعا مع العاملين المخصلين لاعادة الخلافة الراشدة، وليعلموا ان الله العليم القدير قد وعد المسلمين بالتمكين في الارض والظهور على الدين كله ولو كره المشركون _______________________

(1)- ألممتحنه : 1

منقول بتصرف

طاعة رئيس الدولة

لقد حض الاسلام كثيرا على السمع والطاعة لرئيس الدولة، وجعل ذلك واجبا عينيا على كل افراد الرعية مسلمين وذميين، واعتبر طاعة رئيس الدولة طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم طاعة لله عز وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من اطاعني فقد اطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن اطاع اميرى فقد اطاعني، ومن عصى اميرى فقد عصاني »رواه مسلم والبخارى والنسائي .

روى مسلم: « عَنْ نَافِعٍ قَالَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً فَقَالَ إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً » باب الإمارة.

وروى مسلم في كتاب الإمارة والبخاري وأحمد والنسائي وأبو داود: « عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ »

وروى البخاري في كتاب أحاديث الانبياء واللفظ له ومسلم وأحمد وابن ماجه « حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ »

وروى الإمام البخاري في كتاب الفتن واللفظ له ومسلم في كتاب الإمارة وأحمد في مسند بني هاشم:« عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً »

وقد روى مسلم في كتاب الإمارة واللفظ له والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد: « ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ ‏ … وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ »‏‏

فالأمر بطاعة الإمام أمر بإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة على الجزم في دوام إيجاده خليفة واحدا.

‏ وقد روى مسلم في كتاب الإمارة « عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَدَّتِي ‏ ‏تُحَدِّثُ ‏‏أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ ‏ "‏وَلَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ».

لاحظ اشتراط أن يقود بكتاب الله لتجب الطاعة!!

‏ وقد روى مسلم في كتاب الإمارة عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ « عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ »

روى الإمام أحمد في مسند المكثرين من الصحابة « عن ابن مسعود رضي الله عنه ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏إِذَا كَانَ عَلَيْكُمْ ‏أُمَرَاءُ يُضَيِّعُونَ السُّنَّةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا قَالَ كَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَسْأَلُنِي ‏ ‏ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ ‏ ‏كَيْفَ تَفْعَلُ ‏ ‏لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ».

فالرسول عليه السلام يتعجب من مجرد السؤال عن طاعة من يضيع السنة ويؤخر الصلاة فكيف بطاعة من لا يحكم بالكتاب والسنة؟؟؟

وفي مسند أحمد باقي مسند المكثرين: « ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُنَيْبٍ الْعَنْبَرِيُّ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا‏ أُمَرَاءُ لَا ‏ ‏يَسْتَنُّونَ ‏ ‏بِسُنَّتِكَ وَلَا يَأْخُذُونَ بِأَمْرِكَ فَمَا تَأْمُرُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ »

وحرم الشرع الامتناع عن طاعة رئيس الدولة واعتبره جريمه وسماه مفارقة للجماعة، وامر رئيس الدولة بانزال العقاب على الخارجين ان كانوا افرادا، وبقتالهم ان كانوا جماعات، ولكن الشرع قد استثنى ثلاث حالات من وجوب طاعة رئيس الدولة، وهذه الحلات الثلاث هي :

ألحالة الأولى : اذا امر رئيس الدولة بامر مخالف للحكم الشرعي، اى امر بمعصية لله سبحانه، كأن امر بتاميم اموال الناس الخاصة، او امر جيشه بمنع المسلحين من الوصول الى فلسطين المحتلة لقتال اليهود، او امر بالانتساب الى الامم المتحده او جامعة الدول العربية او انشأ جهاز مخابرات للتجسس على افراد الرعية واذلالهم، ففي هذه الحالة لا تجب طاعته في هذه الامور بل تحرم لقوله صلى الله عليه وسلم « على المرء المسلم السمع والطاعة فيما احب وكره الا ان يؤمر بمعصية، فان امر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ». رواه مسلم والبخارى .

ألحالة ألثانية : اذا تدخل رئيس الدولة فيما اباحه الله سبحانه للناس يفعلونه كما يشاءون، ولم يكن هذا المباح مما طلب الشرع منه التدخل فيه او تنظيمه، كأن الزم الناس ببناء بيوتهم حسب طراز معمارى خاص بقصد تجميل المدن، او اجبر المزارعين على تسويق محاصيلهم عن طريق مؤسسة التسويق الزراعي، او حظر على التجار استيراد مواد معينه بقصد حماية المصنوعات المحلية، ففي هذه الحالة لا تجب طاعته، ولكنها لا تحرم فقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يفعلون هذه الامور وامثالها من المباحات دون ان يتدخل فيها او ينظمها .

وهاتان الحالتان هما اللتان يتصور حصولهما في دولة الاسلام، اما الحالة الثالثة:

الحالة الثالثة: وهي الحالة التي اغفلها معظم العلماء المعاصرين: فهي اذا كان رئيس الدولة لا يطبق احكام الاسلام، اى اذا لم يكن خليفة او اماما للمسلمين، كجميع رؤساء الدول في بلاد المسلمين الان، ففي هذه الحالة لا تجب طاعته مطلقا في اى امر من اوامره او قانون من قوانينه او تشريع من تشريعاته، تحرم طاعته اذا كان الامر منه مخالفا للحكم الشرعي، فلو امر رئيس الدولة بفرض ضريبة على المساكن والشركات، او انشأ صندوقا لجمع الزكاه وتوزيعها، او وضع جمارك على واردات الدولة، او الزم الطلاب بتعلم لغة اجنبية، او فرض على الشباب التجنيد الاجبارى، فلا تجب طاعته في شيء من ذلك مطلقا وتحرم طاعته طبعا ان هو امر الناس بمعصية كأن اباح الارتداد عن الاسلام تحت ستار حرية الاعتقاد، او اعطى ترخيصا للاحزاب الشيوعية او القومية، او شجع الحركة الماسونية بان انتسب اليها ومكنها من التغلغل في دوائر الدولة واوساط الناس، او حارب الدعوة الاسلامية المخلصة الواعية، او اخذ من العسكريين القسم على الاخلاص للدستور، والدليل على ذلك « ما روى معاذ قال : يا رسول الله ارايت ان كان علينا امراء لايستنون بسنتك ولا ياخذون بامرك فما تامر في امرهم ? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل » . رواه احمد .

وما روى عبدالله بن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسمل قال « سيلي اموركم بعدى رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها . فقلت يا رسول الله : ان ادركتهم كيف افعل ? قال ( تسألني يا ابن ام عبد كيف تفعل ? لا طاعة لمن عصى الله » . رواه ابن ماجه واحمد .

ومعلوم ان جميع رؤساء الدول في العالم الاسلامي كله يعصون الله ولا يطيعونه لكونهم يحكمون باحكام الكفر ولا يطبقون احكام الاسلام، فهؤلاء الرؤساء كلهم لا طاعة لهم قطعا .

ونعيد ما سبق بعبارات اخرى للتوضيخ فنقول : ان رئيس الدولة اما ان يكون خليفة واما ان لا يكون، فان كان خليفة وجبت طاعته في كل اوامره الا في الحالتين الاوليين فحسب، فتحرم علينا طاعته في اى امر مخالف للشرع اى في اى معصية، ولا تجب طاعته في قسم المباحات الفردية لافراد الرعية التي تركها الشرع لهم يفعلونها بمحض اختيارهم، دون قسم المباحات الاخرى العامة التي يشترك فيها الناس وطلب منه الشرع ان يتدخل فيها او ينظمها كسقي الفلاحين من مياه الانهار، وتنظيم حركة السير في الشوارع، وتحديد الموازين والمكاييل، وكيفية اختيار الموظفين، وسائر اللوائح الادارية العامة في الدولة .

واما ان كان رئيس الدولة غير خليفة كأن كان ملكا، او رئيس جمهورية، او رئيس مجلس قيادة الثورة، فلا تجب طاعته في اى امر من اوامره دون استثناء، وتحرم طاعته طبعا ان هو امر بمعصية، اى بمخالفة لاى حكم شرعي .

وفي هذا العصر ومنذ عام 1923، اى منذ سقوط الخلافة الاسلامية على يد الانجليز بمعاونه حسين امير مكة ومصطفى كمال في تركيا، والمسلمون يعيشون في الحالة الثالثة، وهذه الحال هي التي ينبغي ان يوجه اليها الاهتمام

منقول

هل الجهاد هو الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة ؟

في كثير من النقاشات تثار مسألة الخروج على الحكام وما يتعلق بها من أحكام، ولقد بحثنا هذه المسألة بشيء من التفصيل في موضوع سابق طرحه الأخ الوهابي حول دار الكفر ودار الاسلام وواقع الأعمال في كل منهما،لكن ما لم يتم نقاشه وأحببت أن أقدمه بين يديكم لنناقشه هو هذا السؤال الكبير:

هل الجهاد هو الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة ؟

وهنا لا بد من ملاحظة أل التعريف،ثم مرحلة متقدمة على هذا السؤال هو تساؤل:

-هل الجهاد طريقة شرعية لإقامة الخلافة؟

-هل من المشروع للحركات الاسلامية أن تكون حركات مسلحة تستعمل السيف وأدوات الحرب وسيلة لتسلم السلطة؟؟

لاحظوا ابتداء أننا لا نعني الجهاد الدفعي للدفاع عن بلاد المسلمين ضد احتلال يهود أو الصرب أو الروس أو الأمريكان.

ليس هذا بحثنا فهو مفروغ منه أن الجهاد في هذه الحالة فرض عين على المسلمين حتى تتحقق الكفاية التي بها يقضي المسلمون على أعدائهم ويحرروا بلاد المسلمين من ربقة الخضوع لسلطان الكافر.لكن بحثنا بدقة هو استعمال القتال والجهاد والمنابذة بالسلاح للحاكم للوصول للحكم لاستبدال أنظمة الكفر بالنظام الاسلامي

وبحثنا هو أيضا .:

-هل يشرع للحركات الاسلامية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة كحركات لا كأفراد؟؟؟

-وبالتالي أن يوجد في الأمة حركات مسلحة لتغيير المنكرات ومنها منكر الحكم بغير ما أنزل الله تعالى؟؟ وهو أشد المنكرات وأم الجرائم المرتكبة في حق هذه الأمة!!

هذا هو السؤال حتى لا يتوهمن أحد أننا نعني به جهاد الدفع،لكننا نعني به بالتحديد تغيير أنظمة الحكم، وتغيير المجتمعات إلى مجتمعات إسلامية،وتغيير الدار التي يعيش بها المسلمون إلى دار إسلام عن طريق السيف والجهاد،وهل هو بالفعل في هذه الحالة جهاد؟؟

هذه التساؤلات أطرحها على مائدة النقاش وهي آرائي الشخصية التي قد أصيب بها وقد أخطئ،ولهذا أصلا كان النقاش والحوارات والجدل والمنتديات

وقد قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (1)

فقد أمرنا برد التنازع في أي أمر إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم،وهذا هو عمدة بحثنا،،وكلنا عرضة للصواب والخطأ، ولعل وجود أكثر من رأي يعين على الوصول للصواب والله الموفق.

بداية لا بد من بيان ما نعينيه بقولنا (الطريقة) وما هو الفرق بين الفكرة والطريقة!!

الطريقة هي الاحكام الشرعية التي تبين كيفية تنفيذ العقيدة وكيفية تنفيذ الاحكام الشرعية،فالله تعالى امر بالايمان بالله وحده لا شريك له، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونهى عن الارتداد عن الاسلام، وامر بحمل الدعوة الاسلاميه الى العالم .

فالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ هذه الاوامر والنواهي من الطريقة مثل احكام المرتد واحكام الجهاد واحكام مشركي العرب وغير العرب . . . الخ .

والله تعالى امر بالعفة ونهى عن الزنا وامر بحفظ الملكية الفردية، ونهي عن السرقة وامر بالمحافظة على النفس ونهى عن قتلها، فالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ هذه الاوامر والنواهي من الطريقة ،مثل حد الزنا وحد السرقة وقتل القاتل الخ . . .،

والله تعالى امر باقامة خليفة ونهى عن ان يقعد المسلمون عن اقامة خليفة اكثر من ثلاثة ايام، وامر باقامة قضاة يفصلون الخصومات، وامر برعاية الشؤون للمسلمين ولمن يحملون التابعية للدولة في الداخل وفي الخارج ونهى عن المظالم ونهى عن الغش في البيع ونهى عن الاحتكار ونهى عن الظلم،

فالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ هذه الاوامر والنواهي من الطريقة مثل احكام البيعة واحكام القضاء واحكام بيت المال واحكام المظالم واحكام الحسبة الخ . . .، والله تعالى امر باطعام الفقراء والمساكين ونهى عن ان يبيت احد جائعا، فالاحكام التي تبين كيفية اعطاء هؤلاء الفقراء المال ومنع ان يبيت احد جائعا من الطريقة،، مثل احكام النفقات واحكام الزكاه واحكام ما يستحق على بيت المال الخ . . .‎، وهكذا كل حكم يبين كيفية تنفيذ امر من اوامر الله او نهى من نواهيه هو من الطريقه .

فالطريقة احكام شرعية ولذلك لا يقال ما هو الدليل على الطلب الجازم من الشارع على وجوب التقيد بالطريقة، فان الدليل عليها هو الدليل الذى يدل على وجوب التقيد بالاحكام الشرعية لان الطريقة احكام شرعية تبين كيفية تنفيذ اوامر الله ونواهية، والدليل على وجوب التقيد بالاحكام الشرعية معروف من مثل قوله تعالى ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ وقوله تعالى ﴿ وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ الى غير ذلك من الادلة المعروفه .

والله تعالى لم ينزل احكاما شرعية لمعالجة المشاكل وترك للانسان ان ينفذ هذه الاحكام بما يراه، فلم يقل له لا تسرق، لا تزن، لا تأكل مال غيرك، لا تشرب الخمر . . . الخ وتركه هكذا ينفذها بل قال له لا تسرق ووضع احكاما تبين كيفية تنفيذ هذا النهي وهي احكام السرقة، والنهب والسلب والغصب الخ . . . وقال له لا تزن ووضع احكاما تبين كيفية تنفيذ هذا النهي وهي احكام الجلد والرجم واحكام التعزير .

فالله تعالى بين جميع الاحكام اللازمة للانسان في الحياة وبين جميع الاحكام اللازمة لتنفيذ هذه الاحكام، ولم يترك للانسان ان يضع اى حكم لا لمعالجة المشاكل ولا لكيفية تنفيذ هذه المعالجات بل بينها جميعها، ومن هنا كان الاسلام فكرة وطريقة فالفكرة هي العقيدة والاحكام التي تبين معالجة مشاكل الحياة من مثل الايمان بصلاحية الاسلام والايمان بالكتاب والسنة والايمان بفساد الكفر . . . الخ، ومن مثل احكام البيع واحكام الزواج واحكام الاجارة واحكام الصلاة . . الخ، واما الطريقة فهي الاحكام التي تبين كيفية تنفيذ الفكرة اى كيفية تفيذ العقيدة وكيفية تنفيذ الاحكام الشرعية من مثل احكام الجهاد واحكام الغنائم واحكام الفيء واحكام المرتد . . .‎الخ، ومن مثل احكام العقوبات كالحدود والجنايات والتعزيز . . . الخ، ومن مثل احكام الامامه والقضاء، والحسبة . . . الخ ومن مثل احكام الدعوة ومحاسبة الحكام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر . . . الخ، وعليه فان التقيد بالطريق فرض وعدم التقيد بها اثم فان لم يتقيد بها واخذ غيرها عن اعتقاد بعدم صلاحيتها فان عمله هذا كفر والعياذ بالله اى ان لم يتقيد باحكام الاسلام بوصفها طريقة للتنفيذ عن عدم اعتقاد بصلاحيتها كقطع يد السارق مثلا فانه يكفر، واما ان لم يتقيد بها عن كسل او تساهل او مجارة، او ما شاكل ذلك فان عمله هذا معصية، ومن هنا تأتي احكام الحكام والقضاه من حيث كونها معصية او كفرا، فان الحكم والقضاء من الطريقة فالقاضي الذى يقضي بحبس السارق ولا يقضي بقطع يده ينظر فان قضى بذلك غير معتقد بصحة حكم قطع يد السارق وصلاحيته فانه يكفر ويرتد عن الاسلام، وان قضي بذلك مجاراة ونزولا عند رغبه الحكام مع اعتقادة بصحة حكم القطع وصلاحيته فانه يكون عاصيا . وفي كلتا الحالتين يأثم، وكذلك الحكام فالتقيد بالطريقة اى بالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ الاحكام بلغ من تشديد الله بشأنه ان قال"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك"وبلغ من خطورته ان من لم يعتقده يكفر والعياذ بالله .

هناك فرق بين الطريقة والاسلوب والوسيلة، اذ الطريقة تكون حسب وجهة النظر في الحياة وتختلف باختلافها ويلتزم بها ولا تتغير الا اذا تغيرت وجهة النظر . اما الوسيلة والاسلوب فان كلا منهما يكون حسبما يتطلب العمل ولا يختلف باختلاف وجهة النظر، ولا يلتزم بها بل تتغير فالجهاد في نظر الاسلام من الطريقة ولكن الادوات التي تستعمل مثل السيف والمدفع والقنبلة الذرية وكيفية استعمال هذه الادوات من مثل الخطط الحربية والفنون العسكرية وما شاكل ذلك فانه من الوسائل والاساليب، ومن هنا لا يصح اخذ الطريقة من غير الاسلام بل لا بد ان يلتزم بالطريقة التي جاء بها الاسلام بخلاف الوسائل والاساليب فانه يجوز اخذها انى وجدت الا ما جاء نهي صريح عنه .

  • شكل الدولة من الطريقة وليس من الاسلوب، لانه حكم شرعي وطريقة نصب الامير وعزله وخروجه من الامارة احكام شرعية وغير متروكة لاجتهاد الرأي .

(1)- ألنساء : 59

معنى تولي الخليفة لقيادة الجيش(2)
هذا من حيث دور الجهاز العسكري وآراؤه. أما من حيث اعتبار الخليفة للاعتبارات العسكرية فإنه لا يكفي أن يأخذها مجرد نصيحة فنية ليس غير ثم يجعل للاعتبارات العسكرية أثرا في تقريره السياسة الخارجية، بل لا بد أن تكون الاعتبارات العسكرية مجرد نصيحة في أخذها، ولا بد أن يحال بينها وبين أن يكون لها أي أثر في السياسة الخارجية. أي أنه لا يجوز أن تبنى السياسة الخارجية عليها أو أن تكون عاملا مؤثرا فيها، فإن من الخطورة أن تتحكم الاعتبارات العسكرية في السياسة الخارجية. بل يجب إبقاء الاعتبارات العسكرية في مؤخرة سياسة الدولة الخارجية، ويجب أن تظل التقديرات العسكرية من حيث كونها تقديرات عسكرية، سواء صدرت عن العسكرين أم عن غير العسكريين، في منأى عن التأثير على الخليفة حين رسم السياسة الخارجية.
إن الأمور العسكرية تأخذ شكلا مفصلا ملموسا. فأنت تستطيع أن ترى المدافع والسفن الحربية والطائرات والقواعد والقنابل النووية والصواريخ. وتستطيع أن تقتنع بسهولة ويسر في آثارها على النصر أو الهزيمة، على الفتح أو الانحسار، على التقدم أو التقهقر. فهي أشياء مادية يمكن أن تقاس أبعادها، ولها آثار مادية يمكن أن تلمس نتائجها. بخلاف القوى الروحية والقوى المعنوية، وبخلاف المناورات السياسية، وبخلاف الرأي العام المحلي أو الرأي العام العالمي، فإن هذه ليست أمورا مادية وليس من السهل إدراك آثارها ولمس نتائجها، لأنها أشياء غير ملموسة لا ترى ولا تحس مع أنها أعظم أهمية وأكثر حيوية في السياسة الخارجية، حتى في الحرب والفتح. ولذلك يجب أن تظل الاعتبارات العسكرية في مؤخرة السياسة الخارجية وأن تكون ثانوية فيها، وأن يظل اعتبار القوى الروحية أولا ثم القوى المعنوية هو المسيطر. وأن يكون للمناورات السياسية وللدهاء السياسي مكانة بارزة من الاعتبار، وأن يكون ذلك مجتمعا في قوة سياسية واحدة غير قابلة للتجزئة يتولاها الخليفة وحده. ومن هنا نستطيع أن ندرك معنى تولي الخليفة وحده قيادة الجيش الفعلية، وخطر جعلها له قيادة شكلية أو قائدا أعلى على حد بعض التعابير.
ولقد كان لجعل الاعتبارات العسكرية تسيطر على السياسة الخارجية عند بعض الخلفاء أثر فظيع أدى إلى وقف حمل الدعوة إلى العالم في العصر الثاني من عصر العباسيين وفي أواخر عصر العثمانيين. فقد وقفت الفتوحات الإسلامية في بلاد الروم عند حدود البلاد التركية من جهة بلاد الشام، وفي بلاد أوروبا الغربية رجعت عن فرنسا ووقفت عند حدود اسبانيا بالرغم من أن الطاقة الروحية كانت لا تزال قوية، وأن الأفكار الإسلامية أخذت دور العراقة والتركيز. ولكن حين كان العسكريون يعطون آراءهم في قوتهم وقوة العدو ويجعل لهذه الآراء الاعتبار الأول في دخول الحرب أو عدم دخولها، كان القرار الاقتصار على حملات الصوائف والشواتي لإبقاء الجهاد موجودا عملا بأحكام الشرع دون أن يتجاوز ذلك إلى أعمال سياسية أو إلى اعتبارات سياسية. وفي أيام العثمانيين وصلت الجيوش الإسلامية أسوار فيينا في النمسا بعد أن اكتسحت أوروبا من اليونان وبلغاريا ورومانيا والبانيا وبسطت سلطان الإسلام على تلك الربوع كلها. حتى كان الرأي العام في أوروبا أن الجيش الإسلامي لا يغلب. وحين سيطرت الاعتبارات العسكرية على السياسة الخارجية على إثر الانقلاب الصناعي الذي حدث في أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي، وقف المد الإسلامي وبدأ الجزر الذي أدى إلى التدمير الكامل لسلطان الإسلام.
هذا من حيث كون الجيش هو القوة التي تقوم بالجهاد. أما من حيث كونه هو القوة التي تقوم بحماية السلطان داخليا وخارجيا، فإن هذا يتعلق بالقوة المادية من حيث كونها هي حياة السلطان أي الحكم. فهي التي تحفظه وهي التي بإمكانها أن تهدمه وبإمكانها أن تقيمه وإن كانت إقامة مؤقتة. ولهذا فإن مقام الجيش والقوات المسلحة مكان ضخم في السلطان من حيث هو سلطان. وهذا يوحي بأن للجيش أثرا كبيرا في السلطان. ولكن الحقيقة إذا جاز أن يكون للاعتبارات العسكرية وجود في السياسة الخارجية من حيث أخذ نصيحتها فإنه لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون للجهاز العسكري ولا لأي فرد فيه أي وجود في السلطان من حيث كونه عسكريا، لأن السلطان وإن كان يحفظ بالجهاز العسكري ولكنه لا وجود للعسكرية فيه. فالسلطان ليس قوة مادية ملموسة، وليس مستمدا من القوة المادية، وإنما هو تنفيذ التنظيم للعلاقات في المجتمع. وهو مستمد من الأمة أو الشعب، لأنه يكمن حقيقة فيه، أو في الفئة الأقوى منه. ولا علاقة للعسكرية ولا للجهاز العسكري فيه. نعم إن التنفيذ إنما يقوم به العسكريون، ويستحيل أن يوجد دون قوة مادية أي دون العسكريين. ولكن دورهم فيه هو دور الأداة ليس غير. ولا يجوز أن يتجاوز دورهم في التنفيذ دور البندقية في يد الجندي يطلق منها النار على العدو ولكنه لا إرادة لها في الإطلاق ولا رأي لها فيه. ومن الخطر على الحكم أن يكون للعسكريين في السلطان أي الحكم أي وجود ولا بحال من الأحوال. فإن أي دور يوجد لهم فيه مهما قل يجعله حكما بوليسيا كحكم الشرطي للسجين، لا سلطانا ينفذ تنظيم العلاقات.
إن أي دور يوجد للعسكريين في السلطان مهما قل يكون خطرا على الحكم وعلى الحاكم وعلى كيان البلاد. وذلك أن الحكم فيه تحري الحق، وفيه التقيد بالشرع، وفيه تحقيق العدل. وهو لا يعطي أي اعتبار للقوة المادية حين الحكم، لا عند الحاكم ولا عند المحكومين. وقوته تكمن في الإحساس بشؤون الناس ورعايتها، لا بما لديه من أدوات تنفيذ. فإذا وجدت القوة المادية فيه أفسدته من حيث هو حكم وحولته إلى مجرد سيطرة وتحكم، وانعدمت فيه حينئذ حقيقة الحكم والسلطان. ولذلك لا يصح أن يكون للعسكريين ولا للجهاز العسكري أي وجود فيه، بل يجب أن يظلوا بيد الحاكم أداة لا إرادة لها في الحكم ولا رأي لها فيه مطلقا، بل مجرد أداة صماء خالية من كل ما يمت له بصلة من إرادة ورأي وغير ذلك.
?هذا من حيث خطرها على نفس الحكم. أما من حيث خطرها على الحاكم، فإن الجهاز العسكري أو العسكريين بشر وفيهم غريزة البقاء، ومن أهم مظاهرها السيادة. فإذا ترك لهم أن يكون لهم وجود في الحكم، ورأوا أنفسهم أنهم قادرون على هدم الحاكم، وأنهم هم الذين يحفظونه ويحفظون سلطانه توهموا أنهم مصدر السلطان، وأن منهم يستمد الحاكم سلطانه، فتتحرك فيهم أحاسيس السيادة ويثبون عليه ?والقوة المادية بأيديهم- فيغتصبون الحكم منه. ولهذا كان من الخطر الفادح على الحاكم أن يجعل للجهاز العسكري أو للعسكريين أي وجود في السلطان. وقد حصل ذلك في الدولة الإسلامية في عصر العباسيين وفي عصر العثمانيين، فإن بعض الخلفاء ضعفوا أمام العسكريين فما كان منهم إلا أن قلبوهم أو جعلوهم أداة في أيديهم. وكان من جراء ذلك، الانحدار الذي حصل في الحكم في الدولة الإسلامية أيام هؤلاء الخلفاء.
أما خطر وجود أي دور للعسكريين في الحكم على كيان الأمة وكيان الدولة، فإن الدولة الإسلامية من طبيعة الفكرة التي تحملها تكون محاطة بالأعداء. والحكم الشرعي الذي يجب أن تتقيد به الدولة والأمة، أن العالم كله دار إسلام ودار حرب. فالبلاد التي تحكم بالإسلام وتظللها الراية الإسلامية هي دار إسلام، وما عداها من جميع بقاع العالم دار كفر أي دار حرب. ولذلك تكون الدولة الإسلامية في جميع العصور محاطة بأعداء يتربصون بها الدوائر. فإذا ترك للعسكريين وجود في الحكم مهما قل دورهم فيه، فإن إغراءهم من الأعداء أسهل من إغراء السياسيين، لأن الأصل في عملهم أنه عمل عسكري مادي فيصعب عليهم إدراك المناورات البعيدة والتفريعات السياسية الخفية. ولذلك قد يغرون بأخذ الحكم أو بتغيير الحكام مقابل مكاسب للبلاد حسب فهمهم، أو مكاسب شخصية لهم. وهنا يقع الخطر لا على أشخاص الحكام ولا على نفس الحكم بل على كيان الأمة وكيان الدولة. لأن كيان الأمة هو مجموعة الناس مع مجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات. وكيان الدولة هو مجموعة من الناس لهم صلاحية الحكم مع مجموعة من المقاييس والمفاهيم والقناعات. فإذا أخذ الحكم العسكريون بإغراء خارجي تسربت إليهم ?أي إلى العسكريين- مفاهيم ومقاييس وقناعات غير التي في الدولة. وبذلك يتسرب الخلل إلى كيان الدولة ثم إلى كيان الأمة بل ربما يتسرب فوق ذلك نفوذ الدول الكافرة، وهنا يحصل الاضمحلال والزوال. ومن هنا كان السماح بأي وجود للجهاز العسكري أو للعسكريين في السلطان أي الحكم، خطرا فظيعا.
ولقد عانت الأمة الإسلامية من خطر وجود دور للعسكريين في السلطان ما عانت من تسرب الخلل إلى كيان الدولة والأمة، ثم إلى زوال كيان الدولة الإسلامية وكيان الأمة الإسلامية من الوجود. ففي أواخر العثمانيين صارت سفارات الدول الكافرة في استانبول تؤثر على العسكريين حتى أخذت تتسرب إلى جهاز الدولة مفاهيم ومقاييس وقناعات غير إسلامية. ودور مدحت باشا والضباط الذين معه في إيجاد هذه المفاهيم والمقاييس والقناعات من أبرز الأدوار، ولا سيما في الانقلاب الذي جاء بعبدالحميد خليفة، والانقلاب الذي أطاح بعبدالحميد عن الخلافة وجاء بمحمد رشاد خليفة. وقبل ذلك كان دور محمد علي الكبير في مصر في جعله نفسه عميلا لفرنسا لضرب الخلافة الإسلامية في استانبول. ثم كان دور مصطفى كمال عقب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الثانية في تآمره مع انجلترا في القضاء على الخلافة مقابل انسحاب الحلفاء من استانبول ومساعدته في مؤتمر الصلح. فهذه الأدوار التي قام بها العسكريون قد زعزعت كيان الدولة الإسلامية ثم أزالته وأزالت كيان الأمة الإسلامية من الوجود. ولهذا لا يجوز أن يسمح للجهاز العسكري أو العسكريين أي وجود في السلطان.
منقول

معنى تولي الخليفة لقيادة الجيش

الخلافة رئاسة عامة للمسلمين جميعا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. فإقامة أحكام الشرع وحمل الدعوة إلى العالم هما الأمران اللذان قد وجد منصب الخلافة لأجلهما، وهما عمل منصب الخلافة. فلا يصح أن يتولاهما أحد غير الخليفة، ولا يجوز للخليفة أن يقيم من يتولاهما نيابة عنه، لأنهما هما الأمران اللذان بويع عليهما ووقع عقد البيعة فيهما على شخصه، فلا يجوز له أن يوكل عنه فيهما، لأن كل عقد وقع على شخص العاقد كالأجير والوكيل والشريك لا يجوز له أن يوكل غيره في القيام بالعمل الذي جرى العقد عليه. وعقد الخلافة حين يجري على شخص معين لا يجوز لهذا الشخص أن يوكل غيره أن يقوم مقامه فيما جرى عقد الخلافة فيه على شخصه وهو الرئاسة العامة للمسلمين لإقامة أحكام الشرع وحمل الدعوة.

ومن ذلك يتبين أن حمل الدعوة هو مما قامت الخلافة لأجله، أي مما كان وجود الخلافة من حيث هو من أجل القيام به. فلا يجوز أن يتولاه غير الخليفة، وإن كان يصح أن يقوم به كل شخص من المسلمين. وعليه فإن حمل الدعوة وإن كان فرضا على جميع المسلمين ولكل فرد من المسلمين أن يقوم به ولكنه لا يجوز أن يتولاه أحد سوى الخليفة.

?وتولي الخليفة حمل الدعوة له طريقة معينة وهي الجهاد، والجهاد إنما يوجد بالمجاهدين، وبالقوة التي تعد للقتال، وبالقتال نفسه. لذلك كان وجود الجيش وتجهيزه وعمله الذي يقوم به، هو الطريقة لحمل الدعوة إلى العالم. ومن هنا كان الخليفة هو الذي يتولى قيادة الجيش لأنه هو الذي يتولى حمل الدعوة، فهو الذي يتولى الجهاد، فيتولى هو لا غيره قيادة الجيش، ذلك أن تولي قيادة الجيش ليس القيام بإدارته ولا القيام بتدريبه ولا القيام بالأمور الفنية فيه، فإن هذه كلها أساليب ووسائل. والخليفة وإن كان يتولى شؤونها توليا عاما ولكنه لا يقوم بها، وإنما تولي الجيش هو تولي تكوينه، وتولي تجهيزه، وتولي أمر القيام بأعماله. وذلك لأن الجندي الذي ينقطع للجهاد مجاهد، والقوة التي تعد لإرهاب العدو وللقتال تعتبر من أعمال الجهاد، ولذلك أمر الله بها حين أمر بالجهاد. والقتال نفسه هو الجهاد. ولهذا كان تولي أمر المجاهدين، وأمر إعدادهم، وأمر قيامهم بالقتال إنما هو للخليفة ليس غير. فيكون معنى قيادة الخليفة للجيش هو أن يتولى هو لا غيره رسم السياسة المتعلقة بتكوين الجيش، والسياسة المتعلقة بتجهيزه وإعداده، والسياسة المتعلقة بقيامه بعمله أي بالقتال. وأن يتولى هو لا غيره الإشراف المباشر على تنفيذ هذه السياسة. ولذلك كان الخليفة هو الذي يتولى رسم السياسة العسكرية كلها داخليا وخارجيا، ورسم سياسة القتال كلها داخليا وخارجيا، ولا يصح أن يتولاها أحد غيره مطلقا. صحيح أنه يجوز له أن يستعين بمن يشاء في رسم هذه السياسة وفي الإشراف على تنفيذها ولكنه لا يجوز أن يترك لأحد غير الخليفة أن يتولاها مطلقا. هذا هو معنى تولي الخليفة لقيادة الجيش. ولهذا لا يجوز أن يتولى هذه القيادة غير الخليفة، ولا بوجه من الوجوه.

وهناك مسألتان ناجمتان عن وضع الجيش نفسه من حيث كونه هو القوة التي تقوم بالجهاد بوصفه الطريقة الوحيدة لتولي الخليفة لحمل الدعوة. ومن حيث كونه هو القوة التي تقوم بحماية السلطان الذي للخليفة أي للدولة داخليا وخارجيا. أما المسألة الناجمة عن وضع الجيش من حيث كونه هو القوة التي تقوم بالجهاد بوصفه طريقة تولي الخليفة لحمل الدعوة فإنها مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية للدولة، وما للجيش والاعتبارات العسكرية من مكان فيها. وذلك أن السياسة الخارجية للدولة الإسلامية إنما تقوم على حمل الدعوة إلى العالم. وبما أن طريقة تولي الخليفة لحمل الدعوة إنما هي الجهاد، لذلك كانت الدولة الإسلامية في حالة جهاد دائم.

وعلى هذا فإن الأمة الإسلامية كلها تؤمن بأن الحرب بينها وبين غيرها من الدول محتملة كل وقت. وأن سياسة الدولة يجب أن تبنى على الإعداد الدائم للجهاد. وبما أن قتال الأعداء قتالا فعليا لا يجوز إلا بعد تبليغهم الدعوة الإسلامية أولا على وجه يلفت النظر، لذلك كانت سياسة الدولة الإسلامية تهدف إلى إيجاد حالة بينها وبين غيرها من الدول يتأتى بها تبليغ الإسلام إلى الشعوب والأمم على وجه يلفت النظر، وأن تبني ذلك على الإعداد لخوض الحرب في كل وقت إذا اقتضى ذلك حمل الدعوة. فإيجاد حالة يتأتى معها تبليغ أفكار الإسلام وأحكامه على وجه يلفت النظر أمر لا بد منه، لأنها حكم من أحكام الجهاد وشرط أساسي للبدء بالقتال الفعلي. ولذلك يتحتم على الخليفة إيجاد هذه الحالة، ويجب عليه في سبيل إيجادها أن يبذل أقصى ما يستطيع من جهد وينفق ما يحتاجه إيجادها من مال، كما يجب عليه أن يخوض بعض المخاطر من أجلها تماما كما يخوض المخاطر من أجل الفتح أو الذود عن بيضة الإسلام أو حماية ذمار المسلمين. ولذلك كان توفير القوة العسكرية والعناية بالإعداد العسكري والإحاطة بالتقديرات العسكرية جزءا جوهريا في إيجاد هذه الحالة والمحافظة عليها، لأن القوة العسكرية هي الدرع الوحيد ضد قوى الكفر وضد دول الكفر. وهذا ما يجعل للجيش أو القوات العسكرية أثرا في تولي الخليفة لحمل الدعوة، وهذا يعني أن للجيش والقوات المسلحة أثرا في السياسة الخارجية لأنها هي عمادها. ومن هنا يأتي الخطر على السياسة الخارجية، أي على تولي الخليفة لحمل الدعوة. ولذلك لا بد من إدراك هذه المسألة على حقيقتها من حيث أثر الجيش في تولي الخليفة لحمل الدعوة، أي من حيث خطر ذلك على سياسة الدولة الخارجية. وإذا لم تدرك هذه المسألة على حقيقتها فإنه ينتج عنها إما وقوف حمل الدعوة إلى العالم، وإما اضطراب وتدهور السياسة الخارجية.

إن بناء قوة عسكرية للدولة الإسلامية ليس مجرد تجهيز دفاعي فحسب، وإنما هو الأمر الحتمي الذي لا بد منه ليتأتى للخليفة القيام بما بايعه المسلمون عليه. أي ليتأتى للدولة أن تقوم بما فرضه الله عليها وهو حمل الدعوة. أو بعبارة أخرى ليتأتى للدولة أن تقوم بسياستها الخارجية على الوجه الذي فرضه الله، وأن تحافظ على بقاء تسيير هذه السياسة تسييرا صحيحا منتجا. ولذلك كان بناء القوة العسكرية فوق كونه الدرع الوحيد الذي تملكه الأمة ضد إرهاب الكفار الحربيين واحتمال غزوهم، هو الطريقة الوحيدة لجعل سياسة الدولة الخارجية سياسة إسلامية.

إلا أن كون الدولة الإسلامية ملزمة حتما ببناء قوة عسكرية بجهاز عسكري قوي، ليس معناه أن تسيطر الاعتبارات العسكرية على سياسة الدولة الخارجية، ولا أن يكون للجهاز العسكري أثر في السياسة الخارجية، مهما كان هذا الأثر، قل أم كثر. وذلك أن الرأي العسكري هو رأي محترفين لحرفة معينة، صادر من أولئك الذين من وظيفتهم أن يضمنوا للدولة المزايا العسكرية إذا وقعت الحرب بينها وبين غيرها من الدول. ومن الطبيعي والمتوقع أن يشمل رأيهم جميع الاحتياطات. ولكنه لا يصح أن يتجاوز في اعتباره كونه نصيحة فحسب، ولا يجوز أن يتجاوز كونه نصيحة أناس محترفين لحرفة معينة في حرفتهم لا يتجاوز تفكيرهم في الموضوع هذه الناحية المعينة. ولذلك لا يصح اتباع هذه النصيحة في كل صغيرة وكبيرة، ولا يصح بحثها إلا فيما تحتله من مكان في البحث العام للسياسة الخارجية، فتؤخذ في فنها فقط وتؤخذ حين يكون فنها وما أعطيت فيه في محله في السياسة الخارجية، فهي نصيحة وليست شورى، أي يطلبها الخليفة حين يبحث السياسة الخارجية، ويجوز أن يسمعها إذا قيلت له مجرد سماع، على أن يكون في حالة وعي على السياسة الخارجية وفي حالة وعي على مكان هذه النصيحة في مخططات السياسة الخارجية، ولا يصح أن يعطيها أكثر من ذلك. لأنه إذا لم يفعل هذا وأعطاها قدرا أكبر من كونها نصيحة، فإنه ولا شك سيحصل الخطر على السياسة الخارجية، إما اضطرابا وتدهورا في السياسة الخارجية وإما وقوفا عن حمل الدعوة. بل قد يحصل أكثر من ذلك، إذ قد يحصل تدهور في الدولة وانحسار عن الرقعة التي تبسط سلطانها عليها. ولذلك لا يجوز أن يعطى للرأي العسكري أكثر من كونه مجرد نصيحة.

والعسكريون حين يؤدون عملهم بصفتهم العسكرية فإنهم يؤدونه كأخصائيين. إنهم لا يدخلون في اعتباراتهم الاستفادة من الرأي العام العالمي، ولا يفكرون في كون الدعوة إلى الإسلام بلغت على وجه يلفت النظر وأثر ذلك في لقاء العدو. وهم لا يحاولون أن يأخذوا في حسبانهم الإمكانيات الهائلة في القوى الروحية والقوى المعنوية. وهم لا يهتمون بفهم أعمال حملة الدعوة الذين يعيشون في بلاد العدو أو يذهبون للدعوة فيها. ولا يدركون وسائل الدبلوماسية ولا مقدار التأثير العظيم للأعمال السياسية. ومن أجل ذلك يكون تفكير العسكريين تفكيرا موضوعيا لا تفكيرا سياسيا شاملا. فإذا أخذت نصيحتهم كانت نصيحة قيمة في موضوعها، ولكن إذا أعطوا صلاحية العمل والتقرير وكان لرأيهم أي نوع من الإلزام فإنه ولا شك يسبب ضررا في القرارات السياسية والسير السياسي. ولهذا لا يجوز أن يسمح للجهاز العسكري أن يكون له أثر في السياسة الخارجية، ولا يجوز أن تحتل آراء العسكريين مكانا يتجاوز كونها مجرد نصيحة فنية ليس غير، لا مطلق نصيحة.

إلا أنه ليس معنى حصر مكانة آراء العسكريين في كونها مجرد نصيحة فنية فحسب هو التفريط في التقديرات العسكرية، بل معناه فقط هو أن الخليفة يجب أن تسيطر تقديراته على التقديرات العسكرية، وعليه وهو يرسم الخطط النهائية أن يكون مستعدا لتحمل المسؤولية في تجاهل التقديرات العسكرية البحتة في بعض الأحيان. ويجب أن يجعل تقديرات غيره من غير العسكريين كالمعاونين والولاة وكأهل الحل والعقد والمفكرين، أكثر من تقديرات العسكريين، ولكنه يجب على الخليفة أن يقدر مكانة العسكريين العالية في الدولة، سواء من حيث الدفاع عن البلاد أو من حيث بدء الكفار بالجهاد، ولذلك يجب عليه وعلى الأمة كلها المحافظة على القوة العسكرية كما يحافظ الفرد على حبة عينه. ولكن يجب أن يكون السياسيون وليس العسكريين هم الذين يهيمنون على رسم السياسة الخارجية، وهم الذين يقررون كيفية الاستعداد لمواجهة أخطار الحرب، وما إذا كانوا سيدخلون الحرب، وإذا كان ذلك فبأي سرعة ومتى. ويجب أن يجعل الخليفة من القوة العسكرية إدارة تابعة دائما، وأن لا يسمح للجهاز العسكري ولا لأي فرد فيه أن يتجاوز دور التابع للسياسة لا دور الراسم لها.

يتبع

الخليفة والجهاد

الجهاد فرض مطلق وليس مقيدا بشيء ولا مشروطا بشيء، فالآية فيه مطلقة (كتب عليكم القتال). فوجود الخليفة لا دخل له في فرض الجهاد، بل الجهاد فرض سواء كان هناك خليفة للمسلمين أم لم يكن. إلا أنه حين يكون للمسلمين خليفة قد انعقدت خلافته شرعا ولم يخرج عنها بسبب من أسباب الخروج، فإن أمر الجهاد موكول إلى الخليفة واجتهاده ما دام خليفة، حتى لو كان فاجرا، ما دام باقيا في مركز الخلافة، ويلزم الرعية طاعته فيما يرى من ذلك ولو أمر أي واحد منهم أن يغزو مع أمير فاجر، لما روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا).

ويجب على خليفة المسلمين في كل وقت أن يبذل مجهوده في الخروج بنفسه أو يبعث الجيوش والسرايا من المسلمين، ثم يثق بجميل وعد الله له تعالى في نصرته بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم). وينبغي أن يبتدئ بترتيب جيش في أطراف البلاد يكفون من بإزائهم من الكفار. ولا يجوز للخليفة أن يخلي أي ثغر من الثغور من جماعة من المسلمين فيهم غناء وكفاية لقتال العدو، بل لا بد أن تكون جميع الثغور مشحونة بالجيش الإسلامي دائما. ويجب أن يقيم كل ما يدفع عن المسلمين وعن بلاد المسلمين أذى العدو من حصون أو خنادق أو أي شيء، ويجب أن يعد ما استطاع من كل نوع من أنواع القوة التي تحمي الدولة الإسلامية والبلاد الإسلامية من الكفار وكيدهم.

ويجب أن يتولى الخليفة نفسه قيادة الجيش الفعلية في سياسة الجيش وإدارته، وحين يضع عليه قائدا له خبرة عسكرية إنما يضعه نائبا عنه لأن الخليفة ليس القائد الأعلى للجيش، بل هو القائد الفعلي له. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتولى قيادة الجيش بنفسه وحين كان يرسل السرايا يرسلهم باعتباره قائد الجيش. وكان عمر يرسل التعليمات التفصيلية لقواده في فارس والشام مما يدل على أن الخليفة هو قائد الجيش الفعلي. وطاعته فرض على كل فرد من أفراد الجيش سواء أكان جنديا أم قائدا، كما هو فرض على كل فرد من أفراد الرعية، لما روي عن أبي هريرة أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (نحن الآخرون السابقون)، وبهذا الإسناد (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به)، ومعنى كون الإمام جنة أي سترة لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين. إلا أن على الخليفة أن لا يأمر أمرا جازما لا تردد فيه إلا فيما يستطيعه الناس، فإن عرف أنهم لا يستطيعونه لا يأمرهم به أمرا مشددا. وكذلك لا يحمل المسلمين على مهلكة ولا يأمرهم بما يخشى منه الغدر بهم.

هذا إذا كان هنالك خليفة، فإذا عدم الخليفة لم يؤخر الجهاد ولا بوجه من الوجوه، لأن مصلحته تفوت بتأخيره. وإذا بعث الخليفة جيشا وأمر عليهم أميرا فقتل أو مات فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي في جيش مؤتة وأقرهم الرسول على ذلك. وإذا كان للجيش أمير فليس لأحد من الجيش أن يخرج من المعسكر لأي غرض من الأغراض إلا بإذن الأمير، وإذا أمر بفعل شيء أو ترك شيء وجبت طاعته وحرمت مخالفته لقول الله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه)، وما ينطبق هنا على النبي ينطبق على الخليفة، ويقاس الأمير على الخليفة، ولقوله عليه السلام: (ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني).

منقول

**فائدة في موضوع الجهاد:

رأى للدكتور محمد المسعرى :**

**أسلفنا أن تفرغ الشيخ الإمام المجاهد/ اسامه بن محمد بن لادن، حفظه الله ورعاه، للعمل الجهادي القتالي قد استغرق كل طاقته، وأجبره على التوقف عن الأعمال السياسي والفكري، التي كان مباشراً لها بالفعل قبل إخراجه من السودان، أي إبان نشاط (هيئة النصيحة والإصلاح).

وأسلفنا أن مدافعة المعتدي الصائل الغازي، على أهميتها، لا تحدث انقلاباً فكرياً، ولا تجديداً إسلامياً ينبني على ذلك الفكر، ولا تكفي بمفردها على إحداث الانقلاب الشعوري والعاطفي الذي يؤدي إلى تيار جماهيري كاسح يسعى، ثم ينجح، في إقامة الدولة الإسلامية بحق، إسلام محمد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وليس إسلام آل سعود الأمريكي المزور المكذوب.

وإحداث الانقلاب الفكري والشعوري، ثم التحريك الجماهيري، لا يمكن أن يقوم به إلا الحركات الإسلامية الفكرية السياسية الواعية المخلصة.

ومن ناحية أخرى لم تكن الساحة في (جزيرة العرب)، وبالأخص في (مهلكة) آل سعود تستسيغ العمل المنظم، كما أنها قد نسيت كيفية التعاطي معه بعد أن حطم عبد العزيز بن سعود، طاغوت الجزيرة الأسبق، جميع الأحزاب والتكتلات والحركات والنقابات التي كانت موجودة في الحجاز، والتي كانت تعمل وتتحرك بحرية في ظل «دولة الخلافة العثمانية »، وتستمد مشروعيتها من الشريعة الإسلامية، كما هي مصوغة في «قانون الأحزاب العثماني ».

ولم يكتف عبد العزيز بن سعود بذلك بل حرك «المشايخ » و«الأعيان »، وهم بين فقيه سلطان خائن، ومقلد جامد، وظلامي خرافي جاهل، لإصدار الفتاوى بأن تكوين «الأحزاب » و«النقابات » بدعة منكرة من بدع الغربيين العلمانيين والشيوعيين الملحدين، وأن كل واحد منها إنما هو «فرقة » من تلك الفرق البضع وسبعين، التي جاءت النصوص بذمها، فما ثمة إلا حزبان: حزب الله، وحزب الشيطان. وأنها، أي الأحزاب، علاوة على ذلك: تفرق شمل الأمة، وتفتئت على صلاحيات «ولي الأمر».**

منقول

الجيش الإسلامي

الجهاد فرض على المسلمين، لا فرق بين التقي والفاسق، ولا بين الصادق الإيمان والمنافق. وحين جاءت آيات القتال، جاءت عامة. والنصوص إذا جاءت عامة تبقى عامة ما لم يرد دليل خاص يخصصها، ولم يرد أي دليل يخصص الجهاد بأحد من المسلمين دون أحد، فبقيت النصوص عامة. وعلى ذلك فإنه يجوز أن يجند في الجيش الإسلامي المنافقون والفساق ومن يقاتلون حمية. أما جواز وجود هؤلاء مع المؤمنين الصادقين في قتال الأعداء وفي الجيش الإسلامي، فلعموم آيات الجهاد، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم استعان برأس المنافقين عبدالله بن أبي في القتال وحضر معه بعض الغزوات وحضر معه الاستشارات الحربية في يوم أحد قبل المعركة. وعاتب الله الرسول حين أذن للمنافقين بالتخلف عن القتال في تبوك، فقال تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين). وأما الفساق فلعموم الآيات، ولما روي عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فنادى في الناس أن لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وأن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)، ولأن الجهاد فرض من الفروض التي ينفذها الخليفة فإذا لم تنفذ على الفاسق وهو مسلم من المسلمين كان ذلك تركا لتنفيذ حكم من أحكام الله وهو حرام لا يجوز. ولهذا وجب أن ينفذ الجهاد على الفساق، كما ينفذ على الأتقياء سواء بسواء.

تشريع وأحكام الجهاد (2)

والجهاد فرض كفاية ابتداء، وفرض عين إن هجم العدو على من هاجمهم، وفرض كفاية على غيرهم. ولا يسقط الفرض حتى يطرد العدو وتطهر أرض الإسلام من رجسه. ومعنى كون الجهاد فرض كفاية ابتداء هو أن نبدأ بقتال العدو وإن لم يبدأنا، وإن لم يقم بالقتال ابتداء أحد من المسلمين في زمن ما أثم الكل بتركه. والقتال ابتداء إذا قام به أهل مصر سقط عن أهل اندونيسيا إذ قد وجد فعلا قتال من المسلمين للكفار المحاربين فحصل فرض الجهاد. أما إذا نشب القتال بين المسلمين والكفار ولم تحصل الكفاية بقتال الكفار من قبل أهل مصر وحدهم، فلا تسقط فرضيته عن أهل الهند واندونيسيا بقيام أهل مصر والعراق، بل يفرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية، فلو لم تقع الكفاية إلا بكل المسلمين صار الجهاد فرضا على كل المسلمين حتى يقهر العدو. ومحل كون الجهاد فرض كفاية إذا لم يستنفره الخليفة، أما من استنفره الخليفة فإن الجهاد أصبح فرضا عليه لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا استنفرتم فانفروا). ومعنى الكفاية بالجهاد في الدولة الإسلامية هو أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم، إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من أجل ذلك كما كانت الحال في أيام عمر أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم للجهاد تبرعا كما كانت الحال في أيام أبي بكر، ويكونون سواء كان هؤلاء أو هؤلاء أو هم جميعا بحيث إذا قصدهم حصلت المنعة بهم فيكون فرض كفاية عليهم، فإن لم تحصل المنعة بهم جهز الخليفة غيرهم للجهاد، وهكذا. وليس معنى كون الجهاد ابتداء هو أن نبدأ العدو بالقتال رأسا، بل لا بد من دعوته أولا إلى الإسلام.

?ولا يحل للمسلمين أن يقاتلوا من لم تبلغه الدعوة الإسلامية، بل لا بد من دعوة الكفار إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا قاتلناهم. فقد روي عن سليمان بن يزيد عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدة، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري على المسلمين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم)، وعن ابن عباس قال: (ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط إلا دعاهم)، وعن فروة بن مسيك قال: (قلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي ومدبرهم؟ قال: نعم. فلما وليت دعاني فقال: لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام).

منقول

التجسس

التجسس هو تفحص الأخبار، يقال في الغلة: جس الأخبار وتجسسها تفحص عنها، ومنه الجاسوس. فإذا تفحص الشخص الأخبار فقد تجسسها وهو جاسوس، سواء تفحص الأخبار الظاهرة أو المخفية، لا يشترط في تفحص الأخبار أن تكون مخفية أي أسرارا حتى يكون تجسسا، بل التجسس هو تفحص الأخبار ما يخفى منها وما يظهر، أي الأسرار وغير الأسرار. أما إذا رأى أشياء طبيعيا دون تفحص ودون أن يكون عمله تفحص الأخبار، أو جمع أخبار لنشرها، أو اهتم بالأخبار، فإن كل ذلك لا يكون تجسسا ما دام لم يتفحص الأخبار ولم يكن من عمله تفحص الأخبار، حتى لو تتبع الأخبار في مثل هذه الحالات لا يكون تجسسا، لأن تفحص الأخبار الذي هو التجسس إنما يكون بتتبعها والتدقيق فيها لغرض الاطلاع عليها. أما من يتتبع الأخبار ليجمعها فهو لا يدققها لغرض الاطلاع عليها بل يجمعها لينشرها على الناس. وعلى ذلك لا يقال لمن يتتبع الأخبار ويجمعها كمراسلي الجرائد والوكالات الأنباء جاسوسا، إلا أن يكون عمله التجسس واتخذ مراسلة الجرائد والوكالات وسيلة، ففيه هذه الحال يكون جاسوسا لا لكونه مراسلا يتتبع الأخبار بل لكون عمله هو التجسس، واتخذ المراسلة وسيلة للتغطية كما هي الحال مع كثير من المراسلين، ولا سيما الكفار الحربيين منهم. وأما موظفو دائرة التحري والمكتب الثاني ومن شاكلهم ممن يتفحصون الأخبار فإنهم جواسيس لأن عملهم تجسس.

هذا هو واقع التجسس وواقع الجاسوس. أما حكم التجسس فإنه يختلف باختلاف من يتجسس عليهم، فإن كان التجسس على المسلمين أو على الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين، فحرام ولا يجوز، وإن كان التجسس على الكفار الحربيين سواء أكانوا حربيين حقيقة أو حكما فإنه جائز للمسلمين وواجب على الخليفة. أما كون التجسس على المسلمين وعلى رعايا الدولة الإسلامية حراما فثابت بصريح القرآن، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعد الظن إثم ولا تجسسوا)، فنهى الله في الآية عن التجسس. وهذا النهي عام فيشمل كل تجسس، سواء أكان تجسسا لنفسه أو لغيره، وسواء أكان تجسسا للدولة أم للأفراد أم للتكتلات، وسواء أكان الذي يقوم به أي بالتجسس، الحاكم أو المحكوم، فالكلام عام يشمل كل شيء ينطبق عليه أنه تجسس، فكله حرام.

وهنا يرد سؤال وهو: هل يجوز للمسلم أن يشتغل موظفا في دائرة التحري أو دائرة المباحث أو غيرها من الدوائر التي يكون عملها أو من عملها التجسس؟ والجواب على ذلك: ينظر، فإن كانت الوظيفة للتجسس على المسلمين أو على الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين فلا يجوز، إذ هو حرام بصريح القرآن ويمنع منه الذمي كما يمنع المسلم، لأن الذمي في دار الإسلام مخاطب بتطبيق أحكام الإسلام على نفسه إلا ما يتعلق منها بالعقائد والعبادات، وهذا ليس منها. وأما إن كانت الوظيفة للتجسس على الكفار الحربيين الذين يدخلون بلادنا من مستأمنين ومعاهدين فإنه يجوز، إذ يجوز التجسس على الكفار الحربيين سواء أكانوا حربيين حقيقة أو حكما، وسواء أكان ذلك في بلادهم أم في بلادنا. وعلى ذلك فإن وجود دائرة التحري أو المباحث أو ما شاكلها ليس بحرام بل هو واجب، والحرام فيها هو التجسس على المسلمين وعلى الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين. فلا يجوز للدولة أن توجد دائرة للتجسس على المسلمين وعلى سائر الرعايا بل يحرم عليها ذلك. ولا يقال: إن مصلحة الدولة تقتضي أن تعرف أخبار الرعية حتى تكشف المؤامرات وتهتدي إلى المجرمين، لأن على الدولة أن تعرف ذلك عن طريق الشرطة والعسس، وليس عن طريق التجسس. على أن كون العقل يرى أن ذلك الشيء مصلحة أو ليس بمصلحة لا يكون علة للتحريم أو الإباحة، وإنما ما يراه الشرع مصلحة فهو المصلحة.

?على أن آيات القرآن حين تأتي صريحة في تحريم شيء لا يبقى مكان للحديث عما فيه مصلحة لتعليل جعله حلالا، إذ لا قيمة لذلك إماما نص القرآن الصريح، والقرآن يقول: (ولا تجسسوا) يعني النهي عن التجسس، ولا سبيل إلى فهم غير ما تدل عليه الآية، وما هو صريح في لفظها. ولم يرد أي دليل يخصص عموم هذه الآية أو يستثني منها شيئا فتبقى على عمومها تشمل كل تجسس، فيكون التجسس على الرعايا كله حرام.

هذا بالنسبة للتجسس على المسلمين أو على الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين. أما تجسس المسلمين والذميين على الكفار الحربيين، سواء أكانوا حربيين حقيقة أم حربيين حكما، فهو مستثنى من عموم الآية لورود أحاديث خصصت تحريم التجسس بغير الكفار الحربيين. أما الكفار الحربيون فإن التجسس عليهم جائز للمسلمين وواجب على خليفة المسلمين أي على الدولة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن جحش وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا. فلما سار عبدالله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم)، ففي هذا الكتاب يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش بالتجسس له على قريش وبأن يعلمه من أخبارها، ولكنه يجعل التخيير لأصحابه أن يسيروا معه أو لا، أما هو فإنه يعزم عليه أن يمضي، فيكون الرسول قد طلب القيام بالتجسس من الجميع ولكنه عزم على عبدالله وخير الباقين، وهذا دليل على أن الطلب بالنسبة لأمير الجماعة طلب جازم وبالنسبة لغيره ممن معه طلب غير جازم، فكان ذلك دليلا على أن تجسس المسلمين على العدو جائز وليس بحرام، ودليلا على أن التجسس واجب على الدولة. على أن التجسس على العدو من الأمور التي لا يستغني عنها جيش المسلمين، فلا يتم تكوين جيش للحرب دون أن تكون معه جاسوسية له على عدوه، فصار وجود الجاسوسية في الجيش واجبا على الدولة من باب “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب” .

يتبع

الكذب في الحرب

?الكذب كله حرام قطعا بنص القرآن القطعي، وتحريمه من الأحكام المعروفة من الدين بالضرورة، لا فرق بين أن يكون لمنفعة المسلمين أو لمصلحة الدين، وبين أن يكون عكس ذلك. فقد جاءت النصوص في تحريمه عامة ومطلقة وباتة غير معللة، قال تعالى: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله)، وقال تعالى: (لعنة الله على الكاذبين). وهذا البت والإطلاق والعموم لا يعلله ولا يقيده ولا يخصصه إلا نص واحد، ولا دخل للعقل في ذلك إلا في فهم النص ليس يغر. ولم يرد في الصحيح أي نص يفيد أي تعليل أو أي تقييد لا في الكتاب ولا في السنة. وأما تخصيص النص فقد ورد فيه نص استثنى من تحريم الكذب أشياء معينة حصرها وحددها فلا يجوز تعديها بحال من الأحوال، فلا يستثنى من تحريم الكذب شيء إلا ما خصه الدليل من الأمور المذكورة في الأحاديث وهي: حالة الحرب، وعلى المرأة، ولإصلاح ذات البين، لورود النص عليها. فقد روى أحمد ومسلم وابو داود عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: (لم أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها)، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس ما يجعلكم أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراش في النار؟ الكذب كله على ابن آدم حرام، إلا في ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ورجل كذب في الحرب فإن الحرب خدعة، ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما).

فهذه الثلاث من المستثنيات من تحريم الكذب بنص صريح، فلا يحل أن يقع الكذب في غيرها، إذ لا يستثنى من عموم النص إلا ما خصه الدليل فحسب. وكلمة (في الحرب) الواردة في الحديث ليس لها إلا معنى واحد ليس غير، وهو حالة الحرب الفعلية في شأن الحرب، فلا يجوز الكذب في غير حالة الحرب مطلقا، ولا في حالة الحرب في غير شأن الحرب. وأما ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فإن المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره، كأن يريد أن يغزو جهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة المغرب ويتجهز للسفر، فيظن من يراه ويسمعه أنه يريد جهة المغرب. وأما أنه يصرح بإرادته المغرب ومراده المشرق فلم يحصل، فلا يكون على هذا إخبارا بخلاف الواقع وإنما هو من قبيل التورية، علاوة على أنه داخل في حالة الحرب الفعلية وفي شأن الحرب، لأنه ذهاب للمعركة لمحاربة العدو فعلا، وهو من الخدعة الواردة في قوله عليه الصلاة والسلام: (الحرب خدعة).

?وأما ما روي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله قال: نعم. قال: فائذن لي فأقول. قال: قد فعلت. قال: فأتاه فقال: إن هذا ?يعني النبي صلى الله عليه وسلم- قد عنانا وسألنا الصدقة. قال: وأيضا والله قد اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمره. قال: فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله)، فإنه أيضا في حالة الحرب. وإنه وإن كانت ألفاظ الحديث نصت على أن الألفاظ التي قالها محمد بن مسلمة صدق وليس بكذب وإنما هو تعريض، ولكن محمد بن مسلمة استأذن أن يقول كل شيء فأذن له في كل شيء، ويدخل فيه الإذن في الكذب صريحا وتلويحا، وهو داخل في حالة الحرب.

وأما ما أخرجه أحمد والنسائي من حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط في استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين، فإنه يدخل كذلك في حالة الحرب، لأن أهل مكة كانوا في حالة حرب فعلية مع المسلمين، والحجاج بن علاط من المسلمين وهو ذاهب عند الكفار الأعداء وهم في حالة حرب فعلية، فيجوز الكذب عليهم، إذ جواز الكذب لا يقتصر على المعركة ولا على المحاربين بل يجوز للمسلمين أن يكذبوا على الكفار أعدائهم إذا كانوا في حالة حرب فعلية معهم.

وأما ما أخرجه الطبراني في الأوسط (الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دين)، وهو عند البزار بلفظ (الكذب مكتوب إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عنه)، قال في مجمع الزوائد: وفي سنده رشدين وغيره من الضعفاء، وعليه فهو حديث ضعيف فيرد ولا يحتج به فلا يصلح دليلا.

وعلى ذلك فإن الكذب كله حرام ولا يحل إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، وما عداها حرام قطعا، لأن تحريم الكذب جاء في القرآن عاما يشمل كل كذب، فجاء الحديث وخصصه في غير الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها، واستثنى هذه الثلاث من الحرمة، فكانت هي وحدها حلالا وما عداها حرام، لا سيما أن الحديث حصر الحل في ثلاث فقال: (الكذب كله على ابن آدم حرام، إلا في ثلاث خصال)، وقال: (لم أسمع النبي يرخص في شيء من الكذب إلا في الحرب..) الخ. وهذا الحصر يعني أن غيرها حرام. والأحاديث التي وردت كلها في حالة الحرب الفعلية وما عداها فهي أحاديث ضعيفة ترد ولا يحتج بها.

وأما التورية في غير الحرب، فإنها إن فهم منها السامع خلاف الواقع، بأن كان اللفظ لا يدل على الواقع وغيره لغة واصطلاحا عاما عند المتكلم والسامع فهي كذب لا يحل، كأن يصطلح جماعة مخصوصون على كلمة فيقولونها لمن لم يعرف هذا الاصطلاح، أو كأن كان اصطلاحا للمتكلم ولا يعرفه السامع، فإن ذلك كله كذب لا يحل. وهو وإن كان تورية عند المتكلم ولكن السامع فهم من اللفظ خلاف الواقع، فلا يعتبر من قبيل التورية ولا يحل. وأما إن كان اللفظ يفهم منه الواقع وغيره فهي من أنواع البلاغة وهي صدق وليست بالكذب، كقولهم للأعور “ليت عينيه سواء” يصح دعاء له وعليه. والتورية هي أن يكون للكلام معنيان أحدهما قريب والآخر بعيد، فيريد المتكلم المعنى البعيد ويفهم السامع المعنى القريب، ففي مثل هذه الحال وإن فهم السامع خلاف ما أراد المتكلم، ولكن لم يفهم خلاف الواقع الذي تدل عليه الجملة. وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم التورية، ففي صحيح البخاري أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا رجل يهديني السبيل. فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.

منقول

السياسة الحربية(2)
ومما يتعلق في غير معاملة العدو، وغير أعمال الحرب، وغير الجيش الإسلامي، ما حصل مع الرسول في رجوعه من غزوة بني المصطلق، فإنه رجع بالمسلمين بسرعة فائقة وكان يمشي ليل نهار على أكثر قوة يستطيعها حتى وصل المدينة وقد أنهك التعب الجيش مع أن الحكم هو الرفق بالجيش. فعن جابر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم). إلا أن السياسة الحربية بالنسبة لما كان من عبدالله بن أبي بن سلول من إيقاع الفتنة بين المسلمين المهاجرين والأنصار اقتضت عدم السير بسير أضعف الجيش والسير بسير أقواهم، حتى لا يترك مجال للحديث أو المناقشة.
?وهكذا تقضي السياسة الحربية أن يقوم الإمام بأعمال تقتضيها رعاية شؤون الحرب لكسب المعركة أو لكسب الحرب وخذلان العدو والانتصار عليه. إلا أن هذا كله مقيد بما إذا لم يرد نص على عمل معين، فإذا ورد نص خاص فإنه لا يجوز أن يفعل ذلك العمل بحجة السياسة الحربية، بل يجب أن يتقيد بالنص سحب الوضع الذي ورد فيه، فإن كان النص ورد قاطعا غير معلل فلا يجوز حينئذ القيام بالعمل، وإذا ورد النص معللا بعلة فإنه يتبع فيه الحكم حسب العلة، وإن ورد النص بالمنع وورد عن الرسول فعله في حالات معينة فإنه لا يقام بالعمل إلا في تلك الحالات.
وقد وردت نصوص في أفعال منع الشرع منها فيتبع المنع حسب ما وردت. ولا يقال فيها سياسة حربية، لأن السياسة الحربية عامة إلا أن يرد نص في أمر يستثنيه من العموم فيتبع النص فيما خصص به. روى أحمد عن صفوان بن عسال قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فقال: (سيروا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا). وروى البخاري عن ابن عمر قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان). وروى أحمد عن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتلوا الذرية في الحرب. فقالوا: يا رسول الله أوليس هم أولاد المشركين؟ قال: أوليس خياركم أولاد المشركين). وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضعوا غنائمكم وأصلحوا إن الله يحب المحسنين)، فهذه الأحاديث نهت عن أفعال معينة في الحرب فلا يصح أن تفعل في الحرب بحجة السياسة الحربية، وإنما تفعل على الوجه الذي وردت به النصوص. وقد وردت النصوص على أنه يجوز أن تفعل هذه الأمور جميعها بضرب المدافع والقنابل وكل ما يضرب من بعيد بشيء ثقيل، وأن يقتل الصبيان والنساء إذا لم يمكن الوصول إلى الكفار إلا بقتلهم لاختلاطهم بهم. فقد روى البخاري عن الصعب بن جثامة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، ثم قال: هم منهم)، وفي صحيح ابن حبان عن الصعب قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: نعم)، وأخرج الترمذي عن ثور بن يزيد (أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف) والمنجنيق حين يضرب به لا يميز بين امرأة وطفل وشجر إلى غير ذلك، فدل على أن الأسلحة الثقيلة كالمدافع والقنابل إذا استعملت في الحرب يجوز بها قتل وهدم وتخريب كل شيء، وكذلك إذا لم يمكن الوصول إلى الكفار إلا بوطء الذرية والنساء، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم. أما فعل كل أمر من هذه الأمور وحده في غير المنجنيق وفي غير حالة عدم إمكانية التمييز بينها وبين الكفار الذين نحاربهم، ففيه تفصيل حسب ما ورد في النصوص.

أما الصبيان فيحرم قتلهم مطلقا في غير الحالتين السابقتين، وكذلك العسيف أي الأجير الذي يكون مع القوم مجبرا لأنه من المستضعفين، وذلك لورود النهي عن قتلهما بشكل قاطع ولم يعلل بأية علة.

وأما النساء فإنه ينظر فيها، فإن كانت تحارب جاز قتلها، وإن لم تكن تحارب لم يجز قتلها، وذلك لما رواه أحمد وأبو داود عن رباح بن ربيع أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها، يعني وهم يتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فأفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما كانت هذه لتقاتل. فقال لأحدهم: الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا). فقول الرسول: (ما كانت هذه لتقاتل) يدل على أنها لو كانت تقاتل جاز قتلها، فيكون الحديث قد جعل علة النهي عن قتلها كونها لا تقاتل. ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود عن عكرمة (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، غنمتها فأردفتها خلفي فلما رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها، فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم). وبذلك يتبين أن المرأة إذا قاتلت جاز قتلها وإذا لم تقاتل لا يجوز قتلها.
وأما الشيخ الفاني، فإنه إن كان فانيا لم يبق فيه نفع للكفار ولا مضرة على المسلمين، فلا يجوز قتله للنهي عن قتله. وأما إن كان فيه نفع للكفار أو مضرة على المسلمين فيجوز قتله، وذلك لما روى أحمد والترمذي عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا شيوخ المشركين)، ولما روى البخاري من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقي دريد بن الصمة وقد كان نيف على المائة وقد أحضروه ليدبر لهم الحرب، فقتله أبو عامر ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه. وعلى ذلك يحمل حديث أنس على الشيخ الذي لا نفع فيه ولا ضرر منه وهو الفاني كما ورد في نفس الحديث.
?فهذه الأمور التي ورد النص عن فعلها ألا تفعل إلا حسب ما ورد به النص، وما عدا ذلك فإنه يجوز، ولا يستفظع أي عمل يفعله المسلمون بعدوهم الكافر ما دام هذا العمل حصل في حالة الحرب، سواء أكان هذا العمل حلالا أم حراما في غير الحرب. ولا يستثنى من ذلك إلا الفعل الذي ورد النص في النهي عنه في الحرب صراحة.
منقول

السياسة الحربية
السياسة الحربية هي رعاية شؤون الحرب على وضع من شأنه أن يجعل النصر للمسلمين والخذلان لأعدائهم، وتبرز فيها الناحية العملية الآنية. وقد أجاز فيها الشرع أشياء حرمها في غيرها، وحرم فيها أشياء أجازها في غيرها. فقد أجاز فيها الكذب مع العدو مع أنه حرام معه في غير الحرب، وحرم اللين مع الجيش مع أنه مندوب في غير الحرب. وهكذا جعلت السياسة الحربية للأحكام اعتبارا خاصا في الحرب. وهذه الاعتبارات منها ما يتعلق بمعاملة العدو، ومنها ما يتعلق بالأعمال الحربية نفسها، ومنها ما يتعلق بالجيش الإسلامي، ومنها ما يتعلق بغير ذلك.
فمما يتعلق بمعاملة العدو، جعل الإسلام للخليفة وللمسلمين أن يفعلوا بالعدو مثل ما من شأنه أن يفعله العدو بهم، وأن يستبيح من العدو مثل ما يستبيحه العدو من المسلمين، ولو كان من المحرمات، قال الله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين). وقد روي أن سبب نزول هذه الآية أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد: بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم وشرموا آنافهم، ما تركوا أحدا إلا مثلوا به، إلا حنظلة بن الراهب. فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به، فرأى منظرا أساءه وقد شق بطنه واصطلم أنفه، فقال: (أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك)، فنزلت هذه الآية. فالآية نزلت في الحرب، وهي وإن كانت نهت عن الزيادة عن المثل ولكنها صريحة في إباحة أن يعمل المسلمون مثل ما يعمله الكفار بهم، حتى أن الآية يفهم منها إباحة التمثيل بقتلى الكفار الذين مثلوا بقتلى المسلمين على أن لا يزيد على مثل ما فعلوا، مع أن التمثيل حرام، ووردت الأخبار بالنهي عنه، إلا أن هذا النهي إنما يكون إذا لم يمثل العدو بقتلى المسلمين وإلا فإن للمسلمين أن يفعلوه إذا كان العدو يمثل في قتلى المسلمين. ومثل ذلك الغدر ونقض العهد فإنه إن فعله العدو أو خيف منه أن يفعله جاز لنا أن نفعله، وإلا فلا يجوز أن نفعله. وإنما جاز أن نفعله مع أنه ورد النهي عنه، عملا بالسياسة الحربية، إذ أن النهي عنه إنما يكون إذا لم يفعله العدو، فإن فعله جاز للمسلمين أن يفعلوه، قال تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء). وعلى هذا فإن الأسلحة النووية يجوز للمسلمين أن يستعلموها في حربهم مع العدو، ولو كان ذلك قبل أن يستعملها العدو معهم، لأن الدول كلها تستبيح استعمال الأسلحة النووية في الحرب، فيجوز استعمالها، مع أن الأسلحة النووية يحرم استعمالها لأنها تهلك البشر، والجهاد هو لإحياء البشر بالإسلام لا لإفناء الإنسانية.

ومما يتعلق بالأعمال الحربية أن للمسلمين تحريق أشجار الكفار وأطعمتهم وزرعهم ودورهم وهدمها، قال الله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين). وقد أحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير مع تحققه بأنه سيؤول له. أما ما روي عن يحيى بن سعيد الأنصاري أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لأمير جيش بعثه إلى الشام: (لا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه) وقد أقره الصحابة جميعا ولا مخالف له، فإن ذلك هو الأصل في الحرب وهو عدم تخريب العامر وعدم قطع الشجر، ولكن إذا رأى الخليفة أو قائد الجيش أن كسب المعركة لا بد له من تخريب العامر وقطع الشجر، أو أن الإسراع في كسب المعركة يقضي بذلك، جاز في السياسة الحربية أن يقطع الشجر وأن يخرب العامر كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثل ذلك قتل البهائم وحرقها وكل ما يملكه العدو، فإنه إذا اقتضته السياسة الحربية جاز فعله، ولو كان محرما، قال الله تعالى: (ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح). وهذا الكلام عام في كل شيء، ولم يرد ما يخصص هذه الآية بالذات لا آية أخرى ولا حديث، فتبقى على عمومها، وقد وردت أحاديث صحيحة في جواز حرق البيوت وحرق الشجر وقطعه. عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرق)، وبها يقول حسان:
وهان على سراة بني لؤي … حريق بالبويرة مستطير
وفي ذلك نزلت (ما قطعتم من لينة أو تركتموها) الآية. وعن جرير بن عبدالله قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا تريحني من ذي الخلصة)؟ قال: فانطلقت في خمسين ومائة فارس من احمس، وكانوا أصحاب خيل، وكان ذو الخلصة بيتا في اليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب بعيد يقال له كعبة اليمانية، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها، ثم بعث رجلا من أحمس يكنى أبا أرطأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك، فلما أتاه قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب. قال: فبرك النبي صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات، وبرك أي دعا لهم بالبركة. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أسامة بن زيد قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قرية يقال لها أبنى، فقال: ائتها ثم حرق)، وأبنى هذه هي يبنا فلسطين. ويظهر من وصية عمر التي رواها مالك في الموطأ ومن مقارنتها بهذه الأحاديث، أن حرق الشجر وقطعه وهدم البيوت إنما يكون إذا اقتضاه كسب المعركة أو كسب الحرب، فهو داخل في السياسة الحربية.

ومما يتعلق بالجيش الإسلامي أن للإمام أو لأمير الجيش أن يمنع من الذهاب للمعركة المنافقين أو الفساق أو المخذلين والمرجفين ومن شاكلهم لقوله تعالى: (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين. لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة)، مع أن الجيش الإسلامي لا يمنع من الاشتراك به فاسق ولا منافق ولكن إذا اقتضت السياسة الحربية منعه من الذهاب للمعركة أو من القيام بعمل معين أو من تولي أمر معين، فإنه يجوز للخليفة ولأمير الجيش أن يفعل ذلك.

يتبع

الاستعانة بالكفار في القتال

يجوز أن يستعان بالكفار بوصفهم أفرادا وبشرط أن يكونوا تحت الراية الإسلامية، بغض النظر عن كونهم ذميين أو غير ذميين، سواء أكانوا من رعايا الدولة الإسلامية أم لم يكونوا. أما الاستعانة بهم كطائفة معينة لها كيان مستقل عن الدولة الإسلامية فلا يجوز مطلقا، فيحرم أن يستعان بهم بوصفهم دولة مستقلة.

والدليل على جواز الاستعانة بالكفار في القتال أفرادا (أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهو مشرك فقتل ثلاثة من بني عبدالدار حملة لواء المشركين حتى قال صلى الله عليه وسلم: إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر)، وأن قبيلة خزاعة خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح لمحاربة قريش، وكانت خزاعة حينئذ لا تزال مشركة حتى قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل إن نفع لقد قتلتم قتلا لأدينه). فهذه الأحاديث كلها صحيحة تدل دلالة صريحة على جواز الاستعانة بالكفار أفرادا، أي على جواز أن يكون الكافر في جيش المسلمين يقاتل العدو مع المسلمين. إلا أنه لا يجبر على أن يكون الكافر في الجيش، ولا يجبر على القتال، لأن الجهاد ليس فرضا عليه، ولا يعطى من الغنيمة ولكن يرضخ له، أي يعطى له قدر من المال. فإذا طلب الكافر أن يحارب مع المسلمين أي أن يكون في جيش المسلمين، يجوز ذلك في كل ناحية من نواحي الخدمة في الجيش، حتى في استخبارات الجيش وجاسوسيته. أما ما ورد عن عائشة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان تذكر منه جرأة ونجدة، ففرح به أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال: جئت لأتبعك فأصيب معك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال: فارجع فلن أستعين بمشرك)، قالت: ثم مضى حتى إذا كان بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة، فقال: لا. قال: فارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: فرجع فأدركه بالبيداء، قال له كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم. فقال له: فانطلق). فإن هذا الحديث لا يتعارض مع الثابت أنه صلى الله عليه وسلم استعان بمشركين، وذلك لأن هذا الرجل اشترط أن

يحارب ويأخذ الغنيمة، فإنه قال: (جئت لأتبعك فأصيب معك)، والغنيمة لا تعطى إلا للمسلمين، فيحمل رفض النبي الاستعانة به على ذلك كما يحمل على أن الاستعانة بالكفار أفرادا موكولة لأمر الخليفة إن شاء استعان وإن شاء رفض. وأما ما ورد عن خبيب بن عبدالرحمن عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوا أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحيي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم. فقال: أسلمتما؟ فقلنا: لا. فقال: إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين. فأسلمنا وشهدنا معه). فإن هذا الحديث يحمل على أن الاستعانة بالكفار موكولة لرأي الخليفة إن شاء استعان وإن شاء رفض. والرسول استعان بأحد واستعان في فتح مكة ورفض الاستعانة في بدر ورفض الاستعانة بخبيب والرجل الذي معه حتى أسلما. فكون الرسول ثبت عنه أنه استعان بأفراد من الكفار وهم على كفرهم، وثبت عنه أنه رفض الاستعانة بأفراد حتى أسلموا، دليل على أن الاستعانة بأفراد من الكفار في القتال جائزة وأنها موكولة لرأي الخليفة، إن شاء قبل الاستعانة وإن شاء رفضها. وقد ذكر البيهقي عن نص الشافعي: أن النبي صلى الله عليه وسلم تفرس الرغبة في الذين ردهم، فردهم رجاء إسلامهم، فصدق الله ظنه.

أما الدليل على أنه لا يجوز أن يستعان بالكفار في القتال بوصفهم دولة مستقلة، فلما رواه أحمد والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستضيئوا بنار المشركين)، ونار القوم كناية عن كيانهم في الحرب كقبيلة مستقلة أو كدولة. وقال البيهقي: والصحيح ما أخبرنا الحافظ أبو عبدالله فساق بسنده إلى أبي حميد الساعدي قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال: من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع رهط عبدالله بن سلام. قال: أو تسلموا؟ قالوا: لا. فأمرهم أن يرجعوا وقال: إنا لا نستعين بالمشركين. فأسلموا)، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم رد رهط عبدالله بن سلام من بني قينقاع لأنهم جاءوا طائفة مجتمعة في كتيبة كافرة، وجاءوا تحت رايتهم باعتبارهم من بني قينقاع التي بينها وبين الرسول معاهدات، وكانت كدولة. ومن أجل ذلك رفضهم. فرفضهم كان لكونهم جاءوا تحت رايتهم وفي دولتهم بدليل قبوله صلى الله عليه وسلم الاستعانة باليهود في خيبر حين جاءوا أفرادا.

يتبع

تجهيز الجيش الإسلامي

?يجري تجهيز الجيش الإسلامي من بيت المال. لأن مال بيت المال معد لمصالح المسلمين، ومما هو معد له تجهيز الغازين. ولهذا لا بد من تنظيم المقاتلين في جيس إسلامي واحد تحت قيادة الخليفة مهما تعددت تقسيمات الجيش ونواحي تنظيماته، وأن يكون كله تحت لواء واحد مهما تعددت راياته . ويكون التجهيز كله للجيش من بيت المال لا من غيره، وإذا أراد أحد أن يجهز أحدا من المجاهدين مع وجود بيت المال فإنه يدفع ذلك لبيت المال ويجري التجهيز منه لكل صغيرة وكبيرة من أجل الجيش. فإن لم يكن في بيت المال مال ومست الحاجة إلى تجهيز الجيش ليذبوا عن المسلمين فللخليفة أن يحكم على المسلمين بقدر ما يحتاج ذلك لأن هذا مما هو واجب على كافة المسلمين. فإذا وجد في بيت المال له مال من موارد بيت المال الدائمية كان بها، وإلا فيصبح وجوبه على الأمة، وخليفة المسلمين يحصله من الأمة ليقوم بصرفه على الجيش وتجهيزه، وما ينفق في تجهيز الجيش هو من المال الذي ينفق في سبيل الله، سواء أكان الجيش في حالة حرب أم لم يكن، لأن الجهاد ماض إلى يوم القيام وتجهيز الجيش ماض إلى يوم القيامة بكل ما يلزم للقتال.

الألوية والرايات

?لا بد أن يكون للجيش ألوية ورايات. والفرق بين اللواء والراية هو أن اللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه ويقال له العلم. قيل: سمي لواء لأنه يلوى لكبره فلا ينشر إلا عند الحاجة. وهو علم ضخم وعلامة لمحل أمير الجيش يدور معه حيث دار. أما الراية فهي علم الجيش وتكنى “أم الحرب”، وتكون أكبر من اللواء، جمعها رايات، وهي -أي الراية- ما يعقد في الرمح ويترك حتى تصفقه الرياح. والراية يتولاها صاحب الحرب فيجعل في الجيش لكل أمير من أمراء الجيوش لواء وتجعل لكل جيش من الجيوش راية. وقد كانت للجيش الإسلامي في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم راياته وألويته. فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب). وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس لغزو الروم في آخر صفر ودعا أسامة فقال: (سر إلى موقع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، واغز صباحا على إبنى وحرق عليهم وأسرع المسير تسبق الخير، فإن ظفرك الله بهم فأقل اللبث). فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه في اليوم الثالث، فعقد لأسامة لواء بيده فأخذ أسامة فدفعه إلى بريده وعسكر بالجرف. مما يدل على الراية كانت تستعمل أثناء الحرب ومع قائد المعركة، وأن اللواء كان يوضع فوق معسكر الجيش علامة عليه. وعن ابن عباس قال: كانت راية النبي صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض. وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض. وعن الحارث بن حسان البكري قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وبلال قائم بين يديه متقلد بالسيف وإذا رايات سود، فسألت: ما هذه الرايات؟ فقالوا: عمرو بن العاص قدم من غزاة). وعن البراء بن عازب أنه سئل عن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت؟ قال: كانت سوداء مربعة من نمرة، ومعنى من نمرة أي ثوب حبرة، أي بردة من صوف. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فأعطاها عليا). وعن يزيد بن جابر الغفري قال: (عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم رايات للأنصار وجعلهن صفرا). وعن أنس عند النسائي (أن ابن مكتوم كانت معه رايات سوداء في بعض مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم). ومن ذلك كله يتبين أنه لا بد أن تكون للجيش الإسلامي ألوية ورايات. إلا أنه لا يلتزم فيها شكل معين ولا لون معين بل الأصل وجود اللواء والراية، أيا كان شكلها وأيا كان لونها، وإن كان روي عن ابن عباس عند أبي الشيخ بلفظ (كان مكتوبا على راية النبي صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله محمد رسول الله)، إلا أن ذلك ليس بلازم لأن للرسول رايات لم يكتب عليها ذلك. ولا بأس بأن يجعل لكل جيش راية خاصة به بالشكل أو اللون، وأن يعقد لكل أمير جيش لواء هو علم الدولة.

منقول

الهدنة

عقد الهدنة بين المسلمين والكفار جائز لمهادنته صلى الله عليه وسلم قريشا عام الحديبية. ولكن جواز الهدنة مقيد بوجود مصلحة يقتضيها الجهاد أو نشر الدعوة. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه قبل مسيره إلى الحديبية أن مواطأة كانت بين أهل خيبر ومكة على غزو المسلمين، وأنه بادر بعد رجوعه من الحديبية مباشرة إلى غزو خيبر، وبادر كذلك إلى إرسال الرسل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، مما يدل على أن هدنة الحديبية كانت لمصلحة تتعلق بالجهاد ونشر الدعوة، إذ استطاع بموادعة قريش أن يتفرغ لحرب خيبر ولدعوة الملوك والأمراء. ولا تجوز الهدنة عند عدم وجود هذه المصلحة. إذ الهدنة ترك القتال المفروض، وهو لا يجوز إلا في حال يقع وسيلة إلى القتال لأنها حينئذ تكون قتالا معنى، قال تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم).

وإذا تحققت المصلحة لعقد الهدنة يجب تقدير مدة معينة معلومة لها. ولا تجوز المهادنة دون تقدير مدة، لأنها عقد مؤقت، وإطلاقه عن ذكر المدة يفسده لاقتضائه التأبيد الممتنع في عقد الهدنة حتى يبقى الجهاد قائما لأن تأبيدها يمنع الجهاد، وهو فرض. وتقدير مدة معينة في الهدنة شرط من شروط صحتها، فإذا لم تقدر مدة معينة فيها فسد عقد الهدنة، لأن هدنة الحديبية كانت قد قدرت فيها مدة معينة.

وإذا عقدت الهدنة وصحت وجب علينا الكف عنهم، ومراعاة عقد الهدنة حتى تنقضي مدتها أو ينقضوها هم، ويكون نقضها بتصريح منهم أو بقتالنا، أو قتل مسلم أو ذمي بدارنا، أو فعل شيء مخالف لشروط الهدنة ولم ينكر الباقون عليه بقول ولا فعل. فإذا حصل ذلك تنقض الهدنة فيهم جميعا. وكذلك إذا خافت الدولة خيانتهم بشيء مما ينقض إظهاره الهدنة بأن ظهرت أمارة بذلك، كان هذا نقضا للهدنة. وإذا حصل شيء من ذلك جازت الإغارة عليهم في كل وقت ليلا أو نهارا، لأن نقضهم للهدنة يبيح للمسلمين أن يقاتلوهم، وأن ينقضوا الهدنة معهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما هادن قريشا فنقضت عهده حل له منهم ما كان محرما عليه منهم، فقاتلهم وفتح مكة، لأن الهدنة عقد مؤقت ينتهي بانقضاء مدته أو بنقضه، قال تعالى: (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)، وقال: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء)، وقال: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون). وإذا أخل الأعداء بشروط الهدنة ولم يراعوا اتفاقيتها في تصرفاتهم معنا فقد أحلونا من عهدنا، وبذلك حلت لنا دماؤهم وأموالهم ووجب علينا حربهم، فيجب علينا أن نقاتلهم مذ قاتلونا وأن ننقض الهدنة معهم مذ نقضوها.

منقول