سقوط أمريكا — موضوع مستورد

سقوط أمريكا
في هذا القسم ننقل بتحفظ بعض المقالات التي تناولت الموضوع للفائدة.مع ملاحظة أن المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن آراء أصحاب المنتدى.
ألفهرس
02…(1) عوامل سقوط أمريكا عن مركز الدولة الأولى
07…(2) إستراتيجية الصراع بين أمريكا ودولة الخلافة الإسلامية..
13…(3) من بشائر سقوط أمريكا
14…(4) ماذا يعني صعود أو سقوط أمريكا للعالم؟!
15…(5)أمريكا ماتت فلا تكونوا كجن سليمان
16…(6) 22 دليل على إنهيار أمريكا
23…(7) انهيار الحضارة الأمريكية .. أصبح حقيقة علمية
27…(8) تأملات تاريخية بسقوط الدول والإمبراطوريات
37…(9) هل ستظل أمريكا القوة العظمى في العالم؟
43…(10) أمريكا… الرجل المريض
46…(11) خبر وتعليق…‏امريكا رأس الارهاب
54… وأخيراً

**إن أول من أطلق مصطلح “الرجل المريض” هو قيصر روسيا نيقولا الأول قاصدا بذلك الدولة العلية العثمانية بسبب ضعفها “حسب زعمه” وذلك عام 1853م، أي قبل إعلان سقوط الدولة العثمانية بـ71 عاماً. وقام أيضا بعد إطلاق هذا المصطلح بدعوة بريطانيا أن تشاركه في اقتسام أملاك الدولة العثمانية. لكن ما يجب ملاحظته قبل الخوض في موضوعنا، أن إطلاق هذا المصطلح على الدولة العثمانية هو عمل سياسي بامتياز كان المقصود منه استغلال بعض عوامل الضعف التي طرأت على الدولة العثمانية وإظهارها أمام العالم وأمام الأمة الإسلامية على وجه الخصوص بمظهر الرجل المريض خائر القوى غير القادر على الحركة، وهذا ما نسميه الدعاوة ضد الدولة الإسلامية والذي يعود بنا في الذهن إلى الحالة التي تعرض لها الرسول صلى الله عليه وسلم عندما استغلت قريش قيام سرية عبد الله بن جحش بالقتل في الأشهر الحرم فأقامت الدنيا ولم تقعدها، دعاوة ضد النبي عليه الصلاة والسلام ودولته.

أما بالنسبة لموضوعنا، فنبدأ الحديث فيه بالسؤال الذي يسأله الكثيرون:

هل أمريكا رجل مريض فعلا وأنها على وشك الانهيار أم أنها لا تزال دولة قوية تتحكم بالعالم كله؟ والجواب على ذلك ببساطة أنها فعلا رجل مريض على وشك السقوط في الوقت الذي لا تزال هي الدولة الأقوى في العالم والمسيطرة على جميع الأحداث والوقائع فيه. ولبيان ذلك نقول:

أولا: في خضّم الحديث عن انهيار الدول وسقوطها، لا نبحث هنا سقوط الدول الهامشية والتابعة، وإنما نحن معنيون بالدول المبدئية التي تحمل فكرة وتعمل على نشرها في العالم مثل الدولة الإسلامية والاتحاد السوفييتي سابقا والولايات المتحدة الأمريكية.

ثانيا: لا بد من ملاحظة أن هناك فرقاً شاسعاً بين سقوط الدولة، المتمثلة بالكيان السياسي، وانهيار الحضارة أو الفكرة، التي تبناها هذا الكيان وعمل على نشرها في العالم.

ثالثا: إن عوامل سقوط وانهيار الكيان السياسي والدولة تتمثل في سقوط وانهيار عوامل قوتها. وقوة الدولة تكون من قوة وتأثير الفكرة التي تحملها وتنشرها في العالم، فإذا ما كان الضعف في الفكرة نفسها، كأن تكون فكرة فاسدة تخالف فطرة الإنسان ولا تعالج مشاكل البشر بالشكل الذي يضمن لهم السعادة والطمأنينة فهذا يعني انهيار هذه الحضارة القائمة على هذه الفكرة وبالتالي السقوط الحتمي للدولة التي تبنت هذه الفكرة. وفي المقابل، فقد يطرأ الضعف في فهم الفكرة عند حامليها مع بقاء الفكرة ذاتها قوية توافق فطرة الإنسان وتعالج مشاكله واحتياجاته بالشكل الذي يضمن للبشرية السعادة والطمأنينة، ونتيجة لهذا الضعف الذي يطرأ على أذهان حاملي هذه الفكرة يكون سقوط الدولة آتيا من عوامل الهدم الخارجية التي تمارسها الدول التي تناصب العداء لهذه الدولة، ولا يكون مطلقا آتيا من الفكرة نفسها التي لا مشكلة فيها أصلا. وقد يكون سقوط الدولة وانهيارها آتيا من اجتماع العامليْن معا على هذه الدولة، بمعنى، ضعف الفكرة نفسها وفسادها، بالإضافة إلى أعمال الهدم التي تمارسها ضدها الدولة أو الدول العدوة لها. وللتمثيل على ما سبق من القول، فإن الدولة الإسلامية سقطت في أوائل القرن العشرين نتيجة أعمال الهدم الخارجية التي مارستها بريطانيا وفرنسا وروسيا ضدها بالدعاوة ضد الفكرة الإسلامية وتشويهها، بالإضافة إلى الضعف الذي طرأ على أذهان المسلمين في فهم إسلامهم، مع بقاء الفكرة الإسلامية قوية مؤثرة تجتاح القلوب قبل العقول حتى يومنا هذا. أما الاتحاد السوفييتي فقد كان عمره أقصر من عمر مؤسسيه، فقد اجتمع على سقوط هذا الكيان الهزيل عاملا السقوط الاثنين، وهما فساد الفكرة الشيوعية وقصورها، ومحاربة أمريكا له والقضاء عليه بالضربة القاضية. وهذا ما يفسر السرعة القياسية في سقوط دولته. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الناظر لها يجد أنها لا تزال تحافظ على كيانها السياسي من السقوط وأنها لا تزال القوة الأولى في العالم المتحكمة فيه والقابضة على زمام الأمور وهي صاحبة الصولة والجولة تفعل ما تشاء كيفما تشاء دون أن تكترث إلى أي كيان أو دولة لأنها تعتبر العالم كله ملكاً لها، مستندة في ذلك على غطرستها السياسية وقوتها الاقتصادية. ولكن، من ينظر إلى أمريكا من هذه الزاوية فقط، يكون قد أساء الفهم وأخطأ المعرفة والصواب، وتغافل عن الحقيقة الكبرى، ألا وهي أن أمريكا وإن كانت الدولة الأولى في العالم، إلا أن عوامل سقوطها وانهيار كيانها السياسي وحتمية زوالها واقع لا خيال،

وذلك لسببين اثنين:

أولهما: فساد الفكرة الرأسمالية وضعفها وانهيارها عالميا حتى عند معتنقيها قبل أعدائها. وهذا يتمثل بالتراجع الحاد والانحدار المستمر لقيم وأفكار النظام الرأسمالي وتعرض هذه القيم والأفكار لموجات متتالية ومتلاحقة من الكراهية وعدم الثقة بقدرتها على ضمان الحياة الهنيئة للبشرية. فقد تعاظمت في الآونة الأخيرة في أمريكا نفسها الحركات المناهضة للظلم الرأسمالي على الناس مثل حركة “احتلوا وول ستريت” التي ظهرت بشكل واضح بعد ما سُمي بثورات الربيع العربي وإطاحتها بثلاثة أنظمة متتالية في وقت قياسي. وتحولت هذه الحركة بسرعة إلى حركة عالمية حيث خرجت المظاهرات في أكثر من 1.500 مدينة حول العالم؛ مئة منها في الولايات المتحدة وحدها، وتحولت المظاهرات إلى اشتباكات عنيفة في العاصمة الإيطالية روما.**

النتائج العملية لهذه الإستراتيجية

صراع طويل الأمد وشامل، يصعب ضبطه أو حصره، ومن العسير انهاؤه، وهو صراع شديد الدموية، ليس فقط بين الأطراف المتقاتلة، ولأن ساحات القتال ليست ساحات خارجية منعزلة، وإنما هي داخل المدن وتجمعات السكان، فإننا سنشهد سقوط عدد كبير من القتلى المدنيين، وخصوصا من الأطفال والنساء، كما سنشهد مزيدا من التدمير في البنية التحتية لهذه البلدان، وفي هذا الوضع فإن حركة النزوح السكاني ستتطور بسرعة، وسنشهد تدفق لاجئين حدود له، وستجر بلداننا ودولنا إلى مرحلة من الانهيار الاقتصادي والفقر العام.

وسيكون للصراع الطائفي الكثير من المظاهر، وخصوصا بين السنة والشيعة، وستقع انقسامات اجتماعية ودينية لا حدود لها، خصوصا وأن النظم الطائفية في المنطقة تعتبر نفسها مجندة في هذا الصراع، وحتى النظام السوري الذي تتحفظ الولايات المتحدة على مشاركته مراعاة لحلفائها “السنة” يلح ويكاد يتوسل للمشاركة في هذه المعركة تحت لواء الولايات المتحدة، وكذلك إيران.

وبالتالي ستزداد النقمة على النظم القائمة في المنطقة، وعلى الولايات المتحدة، وعلى الغرب عموما، مما يعني أن روح الصراع ستتأصل أكثر، وسيتحقق ما قال به ودعا إليه قادة اليمين الأمريكي المتصهين مبكرا من صراع الحضارات، وسيبرز الإسلام أكثر فأكثر باعتباره عدو الغرب رقم واحد، أو لنقل بشكل أكثر دقة سيظهر بشكل أكثر وضوحا وحسما أن النظام الغربي هو عدو الإسلام رقم واحد.

ومن حقنا أن نعتبر هذه النتائج العملية للإستراتيجية الأمريكية هي الهدف الأول أو الرئيس غير المعلن لها، أي أنها ليست نتائج تظهر بحكم تفاعلات الصراع، وإنما هي استهداف أصيل وواع له.

إستراتيجية دولة الخلافة الإسلامية

هذه الإستراتيجية الأمريكية التي ستضبط حركة الولايات المتحدة وتحركها على مدى زمني قد يمتد لعشر سنوات على الأقل هي بطبيعتها ومكوناتها إستراتيجية معقدة، متعددة المستويات، والساحات، والأسلحة، وتحتاج منها إلى متابعة وضبط وتنازلات بما يضمن لها استمرار التقدم في تطبيقها.

وهي أيضا إستراتيجية مكلفة بغض النظر عن الجهة التي يمكن أن تتحمل هذه التكلفة، وأخيرا هي إستراتيجية خطرة لأنه ما من شيء يضمن أن تبقى القوى العسكرية الأمريكية خارج أرض المعركة، كما أنه ما من شيء يضمن أن تبقى الأرض الأمريكية خارج أرض المعركة.

ومقابل هذه الإستراتيجية تبدو أمامنا إستراتيجية دولة الخلافة الإسلامية إستراتيجية هجوم: بسيطة، مرنة، شاملة، وغير مكلفة أو محدودة، وكثير من عناصرهذه الإستراتيجية تستند وتتغذى من عناصر الإستراتيجية الأمريكية والفرص التي تتيحها.

1ـ إذ رغم إعلان قيام “دولة الخلافة الإسلامية”، واعتبار الرقة والموصل مركزيها الأساسيين، فإن جغرافية هذه الدولة مرنة جدا، والحديث عن ارتباطها بأرض معينة أو مدينة معينة، حديث فيه مبالغة، ويحتاج إلى ضبط.

العراق وسوريا موقع التحرك الرئيس لهذه الدولة، لكن قد نراها وهي تعلن عن مركز لها في سيناء، أو في صحراء الجزائر، أو في اليمن، أو حتى في نيجيريا أو أفغانستان.

القضية جغرافياً مفتوحة، وكما أن ارتباطها بالمكان ارتباط نسبي، كذلك ارتباطها بقيادة محددة ارتباط ظرفي، إذ يعلم القائمون على هذه “الدولة / التنظيم” أن رأس خليفتهم مطلوب للإدارة الأمريكية، كما كان رأس الشيخ أسامة بن لادن مطلوبا، وأن تحقيق هذا الهدف قضية مهمة لإدارة أوباما، وقد يستطيع الوصول إليه وتحقيقه في أي وقت، لذلك فإن لدى هذه الدولة القدرة على توفير خليفة جديد في كل مرة يتم الاحتياج إلى ذلك.

إن التحرك من مكان إلى آخر، وتوفير قائد بديل المرة تلو الأخرى، يجعل رمزية المكان والقيادة وإن كانت رمزية حيوية لكنها تحت السيطرة دائما؛

2ـ وتقوم هذه الإستراتيجية على استجرار الولايات المتحدة إلى إرسال قواتها البرية إلى ساحة المعركة، وعدم الاكتفاء بإرسال مستشارين وخبراء يعملون في الصفوف الخلفية.

إن جر الولايات المتحدة إلى أرض المعركة هدف رئيس سوف تسعى إليه دولة الخلافة بكل السبل، وهي على يقين أن دخول الحرب شيء، والقدرة على تحديد آفاقها وتطوراتها شيء آخر، لا يتحكم في ذلك سير المعارك فقط، وإنما أيضا صراعات القوى والأحزاب داخل هذه الدول، وهي صراعات من شأنها أن تغير تكتيكات الصراع، وكذلك إستراتيجياته.

وهنا فإن فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافها من هذه الحرب خلال العامين المقبلين من شأنه أن يوفر فرصة لليمين في الولايات المتحدة وفي أوروبا لكي يصعد ثانية ويتسلم السلطة، وهو بطبيعته أكثر اندفاعا للحرب، وأكثر استهتارا بالدم وقدرة على المغامرة فيه.

وسيكون من أساليب هذا الاستجرار أخذ الرهائن، وإظهار مزيد من العنف في قتلهم، والقيام بعمليات تصفية ومذابح ضد كل الأعداء: أعداء الداخل والخارج، وضد الأقليات، وضد الأكثرية، وضد كل من يخالفهم الرأي، ونقل عمليات القتل والخطف والتفجير الى داخل المجتمعات الغربية، بما يخلق حالة من الهلع لدى واشنطن وحلفائها تولد اقتناعا بأن إستراتيجيتها بإبقاء قواتها البرية خارج منطقة الصراع غير مجدية، وغير قابلة للاستمرار؛

3ـ وتقوم فلسفة هذه الدولة على مبدأ الهجوم، وعلى اعتبار ساحة الصراع هو العالم كله، وعلى اعتبار أن هذه معركة صفرية، لا تفسح مجالا للقاء في منتصف الطريق مع أي كان، ولا تتيح فرصة لمثل ذلك، لذلك فهي تعمل ومنذ اللحظة الأولى على الزج بكل القوى المؤيدة لدولة الخلافة في أتون هذه المعركة.

ولذلك رأينا التوجيه الصادر من قيادة هذا الدولة إلى كل أنصارها في العالم ـ عقب بدء الضربات الجوية ـ ، أن يهاجموا في كل مكان، وأن يهاجموا أيا كان، المدنيون والعسكريون سواء في الاستهداف، المقاتلون والمسالمون، وكذلك الرجال والنساء، وأن يهاجموا دون انتظار أوامر أو تعليمات، ودون التدقيق في تبريرات أو تكييفات فقهية، فكل هذه الأهداف سواء، لها الحكم نفسه، ويقع عليها الوزر نفسه، وقاعدتهم في ذلك “اقتلوهم حيث ثقفتموهم … وشرد بهم من خلفهم”.

إن هذا الخط الإستراتيجي لا يعني أننا أمام قيادة لا تفهم التكتيك، ولا تعمل على التفريق بين قوى تحالف الأعداء، لكن ذلك حين يتم ـ وقد رأينا بعض مظاهره ـ إنما يكون في إطار مرحلي فحسب، وهو مفهوم من قبل الآخرين، لذلك فإن نجاحه على المدى المنظور مشكوك فيه؛

4ـ وفي عمق الإستراتيجية التي تتبناها دولة الخلافة تدمير الدول القائمة وهيئاتها وأجهزتها وأنظمتها، ومؤسساتها الدولية والاقليمية، باعتبار كل ذلك من أعمدة الكفر المادية والمعنوية، يستوي في ذلك نظم بلداننا، أو النظم الغربية، ويستوي في ذلك مؤسساتنا الإقليمية والقومية، والمؤسسات الدولية.

واستنادا الى هذا الخط الإستراتيجي فإن دولة الخلافة تستبيح كل ما اختزنته وراكمته هذه النظم من معلومات وأموال وبنى قضائية وتعليمية وأمنية وعسكرية، وتعتبر الاستيلاء عليها أولا أو تدميرها واحدة من مهمام الجهاد التي تتطلع إلى إنجازه.

إنها لا تريد أن تصلح القضاء أو التعليم أو الجيش أو النظم المالية والمصرفية، أو النظام العقاري، أو جامعة الدول العربية … أو غير ذلك ، إنها تريد أن تدمر كل ذلك، لأنه جميعا يقع تحت طائلة حكم شرعي واحد.

إن هذا يسهل عملية الاستيلاء على البنوك، وعلى العقارات، وعلى الأموال العامة، ويقدم التفسير لذلك، المسألة هنا لا تأتي تلبية لحاجة الدولة / التنظيم إلى المال، ـ رغم وجود هذه الحاجة ـ، ولا لأن هذه النظم نخرها الفساد ـ وهي بالتأكيد كذلك ـ ، وإنما لأن الشرعية لا تتوفر في أصل وجودها.

ولأن الصراع هنا بين كفر وإيمان فإن استحلال مال الآخر واعتباره جزءا من غنيمة الحرب يصبح أمرا مشروعا بل ومطلوبا، وهذا يوفر أقوى غطاء أخلاقي لمثل هذه العمليات لأنه غطاء يتدثر بالشرع؛

4ـ وفي إستراتيجية الصراع فإن الإدارة الأمريكية حريصة على أن لا تستجر إلى إرسال قوات برية إلى منطقة الصراع، وهي تشعر أن في ذلك مقتلا لها، قد يفوق بكثير ما خبرته وأصيبت به في أفغانستان، أو في العراق بعد ذلك.

إنها حريصة على الاكتفاء قدر الإمكان بدور قيادة الصراع وإدارته والمشاركة فيه اعتمادا على القدرة العسكرية والتكنولوجية الضاربة التي تتمتع بها، وذلك من خلال القصف بالطائرات، وبالصواريخ الموجهة عن بعد، وبالطائرات بدون طيار، وهذا يعني أيضا تكثيف دور الاستخبارات والعملاء على الأرض، وتكثيف الترابط الأمني بين الولايات المتحدة ودول المنطقة.

إنها تريد من دول المنطقة أن ترسل قواتها البرية لتقاتل في أرض الصراع، وكذلك أن تقوم قوات المعارضة السورية، والقوات العراقية وقوات البيشمركة بهذا القتال، الذي من شأنه لا أن يمنع سقوط قتلى من القوات الأمريكية فحسب ـ وهذا هدف أمريكي جوهري ـ ، وإنما أيضا من شأنه أن يعمق الشرخ والتناقضات داخل جسد هذه المجتمعات وبين مكوناتها المختلفة، ويبني احقادا إضافية بين هذه المكونات، تعيق أي فرصة محتملة لاعادة اللحمة بينها، إن قرار الكونغرس بتوفير خمسمائة مليون دولار للملف السوري، والحديث عن تدريب خمسة الاف مقاتل معارض يأتي كله في هذا المجال المحسوب بعناية، والمضبوط بدقة.

إن الاكتفاء بالضربات عن بعد يسمح للولايات المتحدة وبشكل أكثر كفاءة أن تتحكم بمجريات الصراع، شدة وضعفا، قتالا وتفاوضا، فما دامت قوات الولايات المتحدة ليست على الأرض فإن عناصر الضغط المتولدة عن حركة قوى الصراع تكون أكثر بعدا عنها، وتكون أخف وطأة عليها.

وإضافة إلى إدارة الصراع والمشاركة المحسوبة فيه، فإن واشنطن حريصة على ضبط الصراع حتى لا يتجاوز في أي مرحلة الحدود التي تريدها، لذلك هي لن تسلح المعارضة السورية إلا بالقدر الذي تراه مناسبا لأهدافها، ولذلك أيضا فإنها تقنن بشكل ملفت للنظر تسليح القوات العراقية، بينما يتدفق التسليح على قوات البيشمركة الكردية؛

5ـ العمل على تحميل الدول العربية المشاركة في هذا الصراع تكاليف الصراع سواء كان بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر.

وهذا يعني تحميلها تكاليف قواتها المشاركة، وتكاليف إعادة التسليح، وتكاليف الدعم المادي المباشر للعمليات الحربية التي تقوم بها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، وتكاليف مختلف أشكال العمل المشترك تحت ذريعة أن في هذه الحرب دعم وحماية مباشرة لهذه النظم، وكذلك تكاليف الأنظمة الأمنية المكثفة التي على هذه النظم الأخذ بها دفعا لردود الفعل التي قد تستهدفها من جهات داخلية وخارجية عديدة، وبحيث لا تتحمل الميزانية الأمريكية ما لا تستطيع ولا تريد تحمله، أي أن على دول المنطقة أن تفتح خزائنها للولايات المتحدة وشركاتها، وهو ما يعني استنزافا مباشرا طويل الأمد للثروة الوطنية في مختلف هذه البلدان؛

6ـ تشديد إجراءات الرقابة والمتابعة والرصد لكل المسلمين في الغرب، ولثرواتهم، ومؤسساتهم واعتبارهم جميعا وخصوصا الشباب من الجنسين، مشبوهين، ومشاريع إرهابيين.

والطلب من الدول الغربية تشديد إجراءاتها لمنع تدفق مسلمي هذه الدول للقتال الى جانب تنظيم الدولة الإسلامية، إلى جانب الالتزام الصارم في إجراءات مراقبة حركة التحويلات وانتقال الأموال، وقد اتخذت هذه الدول خلال السنوات القليلة الماضية إجراءات عديدة في هذا الشأن، منها تشديد الرقابة على حركة الشاب المسلم، ومراقبة مراكز العبادة والجمعيات الإسلامية، مراقبة التحول في أزياء شباب وشابات المسلمين، وبناء روابط من الجيل الأكبر سنا من المسلمين لتحويلهم إلى مرشدين وأدلاء للسلطات لمنع أبنائهم من الالتحاق بمراكز الصراع، وضع كل عائد من مناطق الصراع على قائمة المشبوهين، ومراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، اللجوء إلى إجراء سحب الجنسية، واعتبار هذا الإجراء بمثابة السيف المسلط على رقاب جميع الشباب المسلم في المتمعات الغربية يستوي في ذلك من كان من المهاجرين أو من الأوروبيين الأصليين، … الخ؛

7ـ تعميم شعار “مكافحة الإرهاب” وجعله الهدف الجامع لحركة المجتمع الدولي ومؤسساته، ولحركة دول المنطقة.

وجعل هذا الشعار هو “الشعار الأول” في كل تحرك دولي ولكل المؤسسات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، وحلف الناتو، والتجمعات القارية المختلفة، وأن تكون محاربة الإرهاب بندا ثابتا في مختلف الاتفاقات الأمنية الثنائية ومتعددة الأطراف، كل ذلك في ظل غياب حقيقي لتحديد دولي متفق عليه لمعنى الإرهاب، ولأن الولايات المتحدة هي صاحب التأثير الأول في صوغ هذا الهدف فإنه سيغيب نهائيا كل شعار أو هدف تراه واشنطن يتعارض مع مفهوم محاربة الإرهاب.

**وبالنسبة لنا نحن العرب، فإن هذا المسعى الأمريكي يصيبنا بمقتل في قضيتين رئيسيتين:

الأولى:**

أنه ينحي جانبا قضية العرب الأولى وهي فلسطين، التي لم تستطع كل التغيرات التي تمت في المنطقة ابتداء من اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة وما تبعها أن يغير من مكانتها ـ على الأقل المعلنة ـ في أجندة العرب شعوبا ودولا، روحا وفكرا وضميرا.

ووفق مستلزمات هذا الشعار “مكافحة الإرهاب”، لا يعود لقضية فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني الأولوية في تفكير وعمل وتطلع هذه الأمة؛

الثانية:

أن من شأن هذه الإستراتيجية أن تضع منظمات المقاومة في خانة المنظمات الإرهابية، والحديث هنا بالتحديد عن حماس والجهاد الإسلامي، ومختلف المنظمات الجهادية في فلسطين عموما وفي غزة، وبالتالي تحولها إلى عدو على العالم بمختلف نظمه وتشكيلاته أن يواجهها، ويحاصرها، ويفكك ويجرم تحالفاتها، ويحرم دعمها، ويعمل على اجتثاثها.

والقضية هنا لا تخص الموقف الأمريكي إذ أن هذا الموقف من قوى المقاومة كان دائما موقف الإدارة الأمريكية، وإنما تخص جعله موقفا عاما ملزما لكل الدول والمؤسسات ومن ضمنها بل في مقدمتها النظم العربية ومؤسساتها.

وهذا أقصى ما كان يتطلع إليه الكيان الصهيوني، ويحقق له مصالح لم تحققها كل الحروب والاعتداءات التي قام بها حتى الآن، كما لم تحققها بهذا الشكل كل اتفاق التسوية التي عقدها مع هذا النظام العربي أو ذاك.

استراتيجية الصراع: الصورة من الجانب الأمريكي

تقوم إستراتيجية الولايات المتحدة وبالتالي النظام الدولي في مواجهة دولة الخلافة الإسلامية على عناصر محددة باتت اليوم أكثر وضوحا:

1ـ أن هدف هذا الصراع ـ إن صدقوا ـ هو إنهاء وجود دولة الخلافة الإسلامية، والقاعدة وكل التنظيمات التي تعتبر رديفة لهذه الدولة والتي رسمنا بعض أفقها ونحن نتحدث عن الجغرافيا البشرية لدولة الخلافة.

وقولنا إن صدقوا مبني على التجربة التي تؤكد أن قادة الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة لا يتورعون عن الكذب على شعوبهم وعلى العالم تحقيقا لمصالهم ومطامح القوى والشركات التي يمثلونها.

ولا يغيب عن ذاكرتنا ووعينا هنا كيف أن الدول الثلاثة التي تصدرت تبرير غزو العراق وقيادة عملية الغزو، وهي الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأستراليا، كانت تكذب في ادعاء أن نظام الرئيس الراحل صدام حسين كان يصنع أسلحة دمار شامل، ـ وهو ما اعتبر سببا مشروعا للغزو ـ وقد اعترف بهذه الكذبة الكبرى وزير خارجية الولايات المتحدة حينها كولن باول الذي تولى خداع العالم حينما عرض في مجلس الأمن الدولى صورا زعم أنها لمختبرات تصنيع أسلحة الدمار الشامل في العراق، واستقال الرجل من منصبه بعد قليل من غزو العراق، وعبر عن أسفه لمشاركته في هذه الخديعة، وبعد سنوات اعترف بهذه الخديعة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وقبل أيام عبر جون هاوارد رئيس الوزراء الأسترالي آنذاك عن حرجه من تأكد أن المعلومات التي قدمتها المخابرات المركزية الأمريكية عن احتمال امتلاك صدام لأسلحة نووية كانت ملفقة.

نحن نستحضر هذه الواقعة هنا ليس فقط لأنها نموذج عن الكذب الذي يمارسه قادة الدول الكبرى وأجهزتها على العالم كله تحقيقيا لمصالح محددة، وإنما أيضا لأنه كان من نتائج جريمة احتلال العراق وتدمير هذا البلد العربي التسارع الكبير في ولادة هذا النوع من التنظيمات الإسلامية القائم على مفهوم مواجهة الآخر مواجهة صفرية: إما نحن أو هم. وبأساليب مواجهة صفرية: لا توفر أي سلاح، ولا تقيم وزنا لأي شيء ولا لأي قيمة، إلا تحقيق النصر أو تحقيق هزيمة العدو.

وقد يتساءل البعض: إذا ما هي الأهداف الأخرى التي يمكن أن تكون الاستهداف الحقيقي لهذا الصراع؟!، وهنا التوقع يبدو مفتوحا، لكن ما يضبطه، ويحدد ملامحه، سيتوضح لنا من خلال رصدنا النتائج شبه المؤكدة لهذه الحرب والتي سنأتي عليه لاحقا؛

2 ـ أن أمد الصراع طويل، يمتد في التقدير الأولي إلى ثلاث سنوات. وإذا أخذنا خبرة الماضي في الحسبان، حيث أن واشنطن ـ وتحالفها الأطلسي الدولي والدولي"ايساف"ـ حينما ذهبت إلى أفغانستان لم يكن تقديرها المعلن أن تستمر في حربها عشر سنوات، وبذلك فإن ما هو مؤكدا أن أمد الصراع أمد طويل أما التحديد الزمني فهذا مفتوح.

وإذا كانت واشنطن قد خبرت نتائج الصراع طويل الأمد: التكلفة المادية، الخسائر بالأرواح، خسائر الإعاقة والأمراض النفسية، الآثار الاقتصادية والسياسية، والبعد الفكري والروحي، فإنها في هذا الصراع باتت تريد غطاء من دول الإقليم، ومن الحلفاء الغربيين، بل ومن دول العالم الكبرى كلها، ومنها بالطبع روسيا والصين، باعتبار أن " جرثومة الإرهاب الإسلامي" تضرب في هذين البلدين وتهدد أمنهما واستقرارهما.

إن أهمية هذا الغطاء تزداد كلما طال أمد هذا الصراع ـ وهو طويل ـ، لذلك لم يكن غريبا أن يعتبر الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أول كلمة له بعد القيام بأول ضربة لمواقع هذه الدولة في سوريا أن مشاركة دول عربية في هذا التحالف يؤكد أن هذه ليست حربا أمريكية.

ومهم هنا أن نستذكر أنه منذ سقوط وتحلل الاتحاد السوفييتي، وانتهاء حقبة الحرب الباردة، تصاعد الحديث عن ضرورة وجود عدو على المستوى العالمي تجتمع على مواجهته منظومة حلف شمال الأطلسي، ودول العالم الأخرى، وتكون مواجهته بمثابة العِقد الذي ينتظم فيه شأن العالم.

وقد برز لدى قادة الرأي والفكر في النظام الغربي الإسلامُ باعتباره العدو العالمي الجديد، ويرصد المفكر الدكتور محمد عابد الجابري هذا التوجه بدءا من “باري بوزان Barry Buzan” أستاذ الدراسات الدولية في جامعة وورويك الذي كان من الأوائل الذين طرحوا فكرة الصدام “الحضاري” مع الإسلام، وذلك في مقال نشره في يوليو عام 1991 بعنوان “السياسة الواقعية في العالم الجديد: أنماط جديدة للأمن العالمي في القرن الواحد والعشرين”. والذي خلص فيه إلى القول بأن الصدام الحضاري سيكون في القرن الواحد والعشرين بين الغرب والإسلام، مرجعا ذلك إلى عوامل عدة ثقافية وتاريخية ونفسية وكذلك جغرافية تتصل بالهجرة إلى الغرب، يقول الكاتب: “فإذا اجتمع خطر الهجرة وخطر تصادم الثقافات أصبح من السهل وضع تصور لنوع من الحرب الباردة الاجتماعية بين المركز وجزء من الأطراف على الأقل، ولا سيما بين الغرب والإسلام”. ثم يضيف “الحضارة الهندية” كوجهة صراع أخرى، الأطروحة نفسها بشأن صراع الحضارات وبتعديل يخص الهند تبناها صمويل هنتغتون وزميله برنار لويس قطبي مفكري “المحافظين الجدد” الذين بدأت ملامحهم وآثارهم تظهر في مراكز الأبحاث وفي طاقم الادارة الأمريكية منذ زمن الرئيس رونالد ريغان، (محمد عابد الجابري: الإسلام هو “العدو الأول للإمبراطورية الأمريكية”؟! كيف ولماذا)

ثم تناقل قادة الغرب هذه الرؤى وهم يتحدثون عن مستقبل الصراع، وصاغت الإدارة الأمريكية بشكل مبكر واستنادا إلى هذه الأفكار رؤيتها للشرق الأوسط الجديد، القائم على تفكيك الدول القائمة، وإعادة تركيب المنطقة على أساس طائفي وعرقي وقبلي ومناطقي، ـ وكل أشكال وصيغ التقسيم ـ بحيث تفقد دول هذه المنطقة تماسكها الداخلي، ووحدتها الوطنية، وتصبح رهينة القوى الخارجية التي وفرت لهذه الجماعات المتفتته وجودها ومصالحها، وقد طبق هذا الأمر أول ما طبق في العراق عقب احتلاله؛

3ـ وفي إستراتيجية هذا الصراع فإن من المهم جدا الالتزام بالهدف المرجو تحقيقه وعدم السماح بإضاعة الوقت والجهد في أهداف جانبية، أو لمراعاة حساسيات أو احتياجات غير أساسية.

ومن هنا فإن الادارة الأمريكية كانت واضحة وهي تبدأ مرحلة الحرب والقتال أن على جميع الحلفاء المحليين أن يعلنوا بوضوح ودون أي حذر مشاركتهم في كل الأعمال القتالية منذ اللحظة الأولى، وليس مهما هنا حجم المشاركة ولا نوعيتها، فكل مشاركة بالقياس الى قوة المشاركة الأمريكية لا تعني الكثير، إذ الأهمية هنا لا تعطي للمشاركة نفسها وإنما تعطي لمبدأ إعلان المشاركة.

كذلك فإن مكانة الملف السوري في هذه الحرب واضحة لا يُقبل فيه أي وهم أو ادعاء أو توقعات غير حقيقية، وقد قالت الإدارة الأمريكية بوضوح إنها لا تسعى إلى تغيير النظام السوري بالقوة، ولن تعطي المعارضة المسلحة القوة الكافية لتحقيق ذلك، وأن تطلعها في أن تدفع التطورات الميدانية على الأرض نظام الأسد إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، والقبول بمرحلة انتقالية تسمح بالانتقال إلى نظام جديد أهم ما يتوفر فيه أنه “حام للأقليات” وينال قبول المعارضة، ويتلاءم مع البيئة الإقليمية الجديدة، أي أن بقاء أو رحيل الرئيس السوري بشار الأسد ليس هو الموضوع على طاولة البحث.

والأمر بشأن النظام الحامي للأقليات لا يقتصر على النظام السوري المرتقب، وإنما هو واحد من أسس التفكير الأمريكي للمنطقة كما سبق أن اشرنا، لذلك فإنها حريصة وهي تدير هذه الحرب على أن تضمن وجود هذا النظام في العراق، وهي في هذا البلد تريد أن توفر للسنة “من المنظور الطائفي” دورا ومصالح ووجودا في النظام العراقي يشجعهم على الارتباط بالولايات المتحدة ارتباط مصير، كما ارتبط النظام الكردي في شمال العراق بالسيد الأمريكي.

أي أن وجود نظام وطني في سوريا أو في العراق أو في اليمن أو في ليبيا أو … الخ، نظام قائم على مبدأ المواطنة، يجعل حكومته وأجهزة مجتمعه مسؤولة عن المواطنين كل المواطنين بشكل متساو، ومسؤولة أمام المواطنين كل المواطنين وفق قواعد العمل الديموقراطي، ليس هدفا للولايات المتحدة، فالمواطنة متعارضة تعارضا جوهريا مع مفهوم الأغلبية والأقلية، أي مع المفهوم الذي يبني المجتمع وسلطاته على أساس طائفي أو عرقي. والإدارة الأمريكية في هذا تطبق تماما المقولة التي خلص إليها هينتغتون بشكل مبكر 1993 والتي تقول: إن إقامة نظم ديموقراطية حقيقية في" الشرق الأوسط" ليس من مصلحة الولايات المتحدة، بل إن من شأن ذلك تعزيز القوى السياسية المناهضة للغرب؛

** الموضوع ألرابع
ماذا يعني صعود أو سقوط أمريكا للعالم؟!

بقلم: يوسف الكويليت
كثيرون تنبأوا بسقوط أمريكا أسوة بالأمبراطوريات التي سبقتها، وهي الحتمية التاريخية التي يراها كثيرون أن مؤشراتها بدأت مع الدولة العظمى بمضاعفات الإنفاق العسكري والتي بموجبه وفي سباق حرب النجوم انتهى الاتحاد السوفيتي، وأن الديون الراهنة وعجزها عن تسديد فوائدها، وهجرة الشركات الكبرى إلى الخارج والتي هي عماد الاقتصاد وفرض الضرائب التي تسير عجلة الدولة، بدأت تأخذ واقعاً أكثر ضغطاً على المؤسسات الحكومية، وأن نبوءات المفكر«بول كندي» بكتابه «صعود وسقوط الأمم» وضع اقتصاد أمريكا أمام تحديات البقاء بالقمة أو النزول عنها، وكما قيل دائماً إن توليفة المجتمع الأمريكي من أجناس وأرومات وأديان مختلفة وحدهم رفاه الثروة، فكانت دولة وحدة الدولار وليس المجتمع..
فالولايات الأكثر غنى رغم الرابط بينها بحكومة فدرالية تجعل تلك الولايات حرة ومستقلة بنظمها وتشريعاتها الداخلية، بدأ بعضها يعلنها مجلجلة أنها ليست بيت المال المفتوح لغيرها على حساب رفاهها، وصارت الدعوة للاستقلال الكلي نغمة تتكرر مثل فدراليات أسبانيا بدعوات الباسك والكتلان وغيرهما التحرر من المركز الأدنى دخلاً، وكذلك دول أوروبية أصبح هاجس الرابط العرقي والقومي رغم التشريعات والحريات، ليست الروابط الأقوى في تلك الوحدات، وأمريكا التي بدأ الزحف اللاتيني من المكسيك ودول الشمال الأخرى يأخذ حجماً أعطى إنذاراً بالخلل السكاني لتصبح اللغة الأسبانية الثانية بعد الإنجليزية، وانخفاض نسبة المواليد بين البيض، وارتفاعها عند اللاتين والأفارقة الأمريكيين صار يشكل هاجساً حقيقياً ليس عند النخب فقط، وإنما الطبقات الوسطى التي طالما كانت مركز القوة كطاقات عمل تقود التطور الأمريكي..
إذا كانت العوامل الداخلية المذكورة سبباً في التحول الأمريكي من القوة العظمى المنفردة إلى الثانية في التصنيفات القادمة مع الصين، والاتحاد الأوروبي والهند، فإن التحديات الأكبر أن تفقد أمريكا مركزها، وهنا يأتي رد فعل معاكس يرى أن تدهور اقتصادها سيجر معه اقتصاديات العالم الأخرى بما فيها تلك الدول التي تزاحمها، لأنها صاحبة السوق الأكبر لاستقبال صادرات تلك الدول، وأنها تبقى القاطرة حتى تكون المنافسة مستحيلة إلاّ إذا توفرت نفس الشروط لأي دولة تريد إزاحتها واحتلال مكانها، والقياس الآخر أنها الأكبر في مراكز البحوث واستقطاب العلماء والصناعات التقنية الحديثة وأن اكتفاءها الذاتي من الطاقة وخاصة النفط والغاز المستخرجين من الصخور سيجعلها الدولة النفطية الأكبر وتخفيض أسعار النفط التقليدي، وأن حيوية أمريكا أنها تستطيع علاج أمراضها بالتداوي السريع، ولذلك هناك من يشكك بهذه الصورة الزاهية ويرد بأن أسواق الهند والصين ودول مثل تركيا والبرازيل وأندونيسيا وأستراليا وغيرها، ستسد فجوة الاستهلاك الأمريكي بسبب ارتفاع دخول أفرادها وتحسن مستوياتهم، مقابل من يعطي احصاءات للأعداد المتزايدة من العاطلين، ومتعاطي المخدرات والفجوات الهائلة بين الطبقات المختلفة بالداخل الأمريكي، مما لا يجعل رؤى المستقبل زاهية كما يرسمها البعض..
الطروحات المتفائلة والمتشائمة عندما تتجه لأمريكا من أكبر محللي التاريخ والاقتصاد والسباقات التقنية، إلى من يطلقها من خلفية ايدلوجية يسارية أو يمينية متطرفة، فإنها تبقى الهاجس بأماني من يريدون إزاحة امبراطورية الشر، وإلى من يخشى ما بعدها، ومع ذلك فالحكم لا تصدره الأماني ولكن حقيقة الأحداث وتنوعها.

ورد المقال في : الشرق الاوسط اللندنية
منقول عن :

مدخل تمهيدي

حينما تحدثنا عن الجغرافيا الحيوية لدولة الخلافة الإسلامية كنا نريد أن نبسط وضع هذه الدولة / التنظيم على حقيقته، دون تهويل أو تهوين:

الفكر، الروحية، الأساس المادي، والبعد البشري.

فبدون معرفة كهذه لا يمكن فهم ما يجري، وسنجد أنفسنا مع كل تطور يظهر على هذه الدولة وحركتها في حالة مباغتة لايحسد عليها صاحبها.

ولا نظن أن ما أتينا عليه بوجوهه المختلفة كان غائبا عن المتابعين الجادين الذين حرروا أنفسهم من ضحالة الإعلام والفكر الإعلامي الذي يتابع هذا الملف أو يتعامل معه من زاوية العداء أو التعاطف، وإذا كان الشك يراودنا في أن حقائق تلك الجغرافيا كانت حاضرة عند هذا النظام العربي أو ذاك، فإنها بالحتم لم تكن غائبة عن أصحاب القرار في واشنطن وفي العواصم الغربية.

لذلك فكل حديث عن افتقاد واشنطن، لرؤية إستراتيجية في مواجهة ملف دولة الخلافة الإسلامية وتطوراتها يعتبر حديثا غير جاد، أو أنه حديث وظيفي يراد من خلاله تحقيق غاية معينة، أو توفير ظرف محدد، وبالتالي فإن علينا أن ننظر إلى كل تصريح من هذا النوع من هذه الزاوية، ولو أن الذي يتحدث عن افتقاد الإستراتيجية تجاه دولة الخلافة الإسلامية هو هذا النظام الإقليمي أو ذاك لكان يمكن أن يكون حديثا صادقا ومفهوما، لكن أن يأتي الحديث من رئيس الولايات المتحدة فهذا مما لا يعقل.

إن الولايات المتحدة “دولة عالمية وقائدة”، والجغرافيا الحيوية للدولة ال?سلامية تُظهر أن هذه الدولة / التنظيم ممثلة لوجود عالمي، وبالتالي فلابد أن يكون لدى الطرفين رؤية شاملة للصراع تغطي المساحة كلها.

ومن هذه الزاوية ننظر إلى ما قاله الرئيس الأمريكي باراك أوباما ابتداء من أنه لا يملك إستراتيجية واضحة المعالم لمواجهة هذه الدولة، وهو حديث كان من نتائجه دعم من الكونغرس الأمريكي بدائرتيه، ومن مجلس الأمن الدولي للتحرك الأمريكي ضد هذه الدولة، ودعم مباشر من دول عديدة وصلت حسب تصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الى أربعين دولة.

لذلك فإن علينا أن نضع هذه التصريحات جانبا وندقق النظر في الصورة لنتبين الإستراتيجية الأمريكية في هذا الصراع.

كذلك فإن الموقف الأمريكي، وبالتالي الدولي المتولد عنه، من دولة الخلافة الإسلامية لاعلاقة عضوية بينه وبين الملف السوري والثورة السورية، وكل حديث يخالف هذه الحقيقة لا يعدو أن يكون حديث أماني لا يغني عن الحق شيئا.

إن الموقف الأمريكي لا يهتم بما فعله ويفعله النظام السوري بالشعب السوري، إلا بقدر تأثيره وصلته بملف دولة الخلافة الاسلامية. لذلك فإن التصريحات المؤيدة للتحالف وللضربات الموجهة ضد هذه الدولة والصادرة من جهات سورية معارضة تبدو تصريحات بائسة لا تدرك حقيقة ودوافع ما تقوم به واشنطن، أو أنها لا تملك حرية التعبير عن هذه الحقائق.

ما نقوله هنا ليس من قبيل التحليل، وإنما يستند إلى تصريحات قادة النظام الأمريكي أمام لجان الكونغرس الأمريكي، وما أعلنه قادة العالم الغربي… وما يمكن أن يطلبه هؤلاء من الساحة السورية هو بالتحديد ما يساعدهم على التعامل مع ملف الدولة الاسلامية، وليس ما تحتاجه هذه الساحة التي مضى عليها ثلاثة أعوام ونصف العام وهي تعاني من حالة مأساوية قد لا تجد نظيرا لها في هذا العصر.

وكل التصريحات التي يطالعنا بها هذا المسؤول العربي أو ذاك عن مكانة وأهمية المسألة السورية في الصراع الدائر تحت راية مواجهة الدولة الإسلامية ومواجهة الإرهاب، وما سيعطيه من خير لصالح الثورة السورية، وما هو متوقع منه لمستقبل سوريا، لا يعدو أن يكون إيهاما مقصودا قد يراد به ستر عورة الاشتراك في صراع مفتوح المدى تحقيقا لأهداف النظام الدولي، دون النظر إلى متطلبات هذه الشعوب واحتياجاتها.

وبسبب التراجع الفكري الذي بسببه لم تستطع أمريكا أن توجد حلولا للمشاكل الاقتصادية المزمنة اضطرت إلى أن تتنازل عن مبدئها وتدخلت في السوق لإنقاذ الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية بشراء أسهمها المتعثرة أو الهالكة ابتداء من عام 2008 عند انفجار الأزمة المالية الأخيرة، حيث قررت ضخ 3 ترليونات من الدولارات من أجل ذلك، مع العلم أن ذلك يخالف مبدأها الرأسمالي مخالفة أساسية؛ حيث ينص هذا المبدأ على منع الدولة من التدخل في السوق ويوجب تطهير السوق من براثن السلطة، ويقول بأن السوق هو الذي يعالج نفسه بنفسه، وهي التي تنادي بتحرير السوق وبالاقتصاد الحر. فمثلها كمثل الاتحاد السوفياتي الذي عمل على تطبيق الاشتراكية حتى يصل إلى الاشتراكية الشيوعية، ثم تراجع فسمح بإشراك بعض الأفراد في وسائل الإنتاج، واستمر في تراجعه وتنازله إلى أن سمح للمؤسسات المالية والاقتصادية الغربية الرأسمالية بالاستثمار في الاتحاد السوفياتي. وهكذا سقط الاتحاد السوفياتي عندما بدأ يتنازل ويتراجع عن مبدئه، وبدأ بتأويله وتحريفه، وسمح بدخول الأفكار الرأسمالية. وأمريكا خالفت مبدأها لأنها لم تستطع أن تلتزم به لأنه لا يعالج المشاكل فتدخلت في السوق ووضعت عليه قيودا وقوانين، وقامت وتدخلت لإنقاذ الشركات التي يجب أن تسقط حسب المبدأ الرأسمالي وتقوم غيرها محلها بصورة أقوى وأفضل، ومع ذلك لم تستطع أن تعالج هذه الأزمة وما زالت تضخ الأموال الطائلة لإنقاذ شركات أصحاب رؤوس الأموال الذين يحكمون البلاد وتحرم عامة الناس منها.

ومن هنا يتبين لنا أن أمريكا على وشك السقوط وأنها إلى زوال بإذن الله ولو بعد حين، خاصة وأن علامات ذلك قد ظهرت جلية عليها بسبب التراجع الذي لا تستطيع أن تعالجه، وهي تكرر الحلول نفسها فتنتج المشاكل نفسها وتعقدها فتصبح أزمة مستعصية مزمنة، وتخالف مبدأها لأنه في حالة تطبيقه بحذافيره فإنها ستسقط سريعا، فكانت تعمل على أن تطبق الاقتصاد الحر الذي يمنع الدولة من التدخل فيه والذي يدعو لتطهيره من براثنها وبراثن سلطاتها ولكنها فشلت. وقد أقر مسؤولوها ومفكروها بذلك التراجع، ويريدون أن يعالجوه بتطبيق الاقتصاد الحر الذي إذا خطت الدولة نحوه لتطبيقه تصطدم بالواقع الذي لا ينطبق عليه. ففكرة الاقتصاد الحر هي لب النظام الاقتصادي الرأسمالي وهي فكرة فاشلة لا يمكن تطبيقها على الواقع. ويعزون ذلك التراجع إلى أسباب مالية وهي عدم قدرة الدولة على التمويل حتى تتمكن من الاستمرار في التطوير والابتكار الذي بدأ يتراجع في أمريكا بسبب نفاد قدراتها المالية وكثرة نفقاتها الخارجية وخوضها الحروب في الخارج ومن ثم وقوعها تحت طائل مديونية ضخمة لا يمكن تصورها ولا يمكن معالجتها فهي تزداد سنويا باطراد، ويعزون ذلك التراجع إلى أسباب سياسية أيضا من تنافس الجمهوريين والديمقراطيين، مع العلم أن الأزمة بدأت على عهد الجمهوريين برئاسة بوش الابن فلم يتمكنوا من معالجتها، واستمرت على عهد الديمقراطيين برئاسة أوباما الذي سينقضي بعد سنة ويورث تلك الأزمات للجمهوريين كما ورثها عنهم قبل ثمانية أعوام، ويطالبون بترك التدخل في الدول الأخرى وعدم خوض الحروب الخارجية حتى لا تضطر إلى الإنفاق الكبير. مع العلم أن هذه الحروب والنفقات استعمارية لتحقيق أرباح كبيرة بمص دماء الشعوب الأخرى ونهب ثرواتها ولكن مقاومة أبناء الأمة في العراق وأفغانستان جعلوها تخسر فلم تحقق ما كانت تحلم به. ومن ناحية ثانية فإن أزمة الكساد العظيم التي تفجرت على أثر الأزمة المالية عام 1929 كانت أثناء تطبيقها لسياسة العزلة ولم تكن تخوض حروبا في العالم القديم ولا تقوم بالنفقات الخارجية.

فإذن المشكلة هي في المبدأ الرأسمالي نفسه الذي يسبب الأزمات ويجمع الثروات في أيدي قلّة قليلة ويحرم أغلبية الناس منها، وهذا ما لا يتطرق له المسؤولون ولا المفكرون في المبدأ الرأسمالي وجلّ همهم هو المحافظة على كيان الدولة وتفوقها بالتطوير والابتكار. والدول الرأسمالية الأخرى ومن يسير ضمن منظومتها الرأسمالية مثل روسيا لن تكون أفضل منها وهي تعاني من أزمات خانقة، وكذلك الصين التي تتناقض مع صفتها كدولة شيوعية اشتراكية هي تسير ضمن هذه المنظومة الرأسمالية ولن تصبح دولة كبرى عالميا وهي تتناقض مع مبدئها وهي لا تحمل رسالة للعالم وإنما تظهر كتاجر كبير يريد أن يجمع حصيلة أرباحه وليست لديه قدرة على التأثير الفكري والسياسي في البلاد الأخرى، بجانب عدم اكتمال الوعي السياسي على كيفية صيرورة الدولة الكبرى عالميا الذي يقتضي العمل على زحزحة الدولة الأولى وذلك بمنافستها ومناكفتها بل ومصارعتها في كل مكان في العالم. فلم يبق إلا احتمال نهضة الأمة الإسلامية وإقامة دولتها دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي ستقوم بحمل كل تلك الأعباء والمسؤولية لإنقاذ البشرية فتحل كافة المشاكل الاقتصادية وغير الاقتصادية وتوزع الثروات على الأفراد حتى لا يبقى فقير على وجه البسيطة التي ستحكمها بحكم ربها الذي لا يريد ظلما للعباد، فأنزل حكمه ليقوم الناس بالعدل فيسعدوا ويأكلوا ويشربوا هنيئا في أمن وأمان بعيدا عن حكم الاستعمار وأصحاب المليارات الذين أصبحوا كالحيتان التي لا تشبع مهما أكلت ولمّت وجمعت من أموال وثروات.

المصدر:

وكانت هناك وفرة مالية هائلة لدى أمريكا بسبب غنى البلاد وتقدمها الصناعي والتكنولوجي وكان التنافس الدولي لها ضعيفا في هذا المجال، وكان الأفراد يحوزون على الفتات الذي يعتبر كثيراً مما تبقى على مائدة الأغنياء الذين يحوزون على أكثرية ثروات البلاد، وليس لأن النظام الرأسمالي يشبع حاجات الناس بتوزيع ثروات البلاد عليهم، وهو يرفض ذلك ويؤمن بالحرية الاقتصادية، أي بالاقتصاد الحر الذي ليس عليه قيود. ويظهر أن الوضع قد تغير، فبدأت ثروات البلاد تنفد فصارت أكبر مستدين في العالم، وصارت هناك دول تعمل على منافستها في مجال الصناعة والتكنولوجيا، وأصبحت التكنولوجيا تنتشر، ولم تعد حكرا على أمريكا كما يقر المفكرون والمسؤولون الأمريكيون أنفسهم، وكذلك أصبحت كثير من الدول تحوز على كميات كبيرة من المال وتعمل على تطوير طرق حيازته؛ مما يشير إلى صعود دول بإمكانها أن تنافس أمريكا إذا ملكت من الوعي السياسي ما يكفي، فإنها ستعمل على زحزحتها عن مقعدها الأول في الموقف الدولي، ولكنه لم يظهر حتى الآن في الدول الكبرى الموجودة حاليا. مع أن هذه الدول تبقى مثل أمريكا لا تعالج المشاكل بشكل صحيح وتطبق الحلول الرأسمالية التي تنتج المشكلات، وهي لا تعالج فقر الأفراد، فلا تعمل على توزيع الثروات، بل مثلها مثل أمريكا تعمل على تكديسها في خزائن الأثرياء لتتفاخر بأن عدد أصحاب المليارات لديها قد تضاعف كما هو حاصل في جمهورية الصين الشعبية الاشتراكية!

وقد ذكرت وكالة رويترز بتاريخ 2014/10/23 أن مؤسسة سميشونيان، وهي أكبر مجمع للمتاحف والأبحاث العلمية في العالم، أعلنت عن البدء في حملة علنية لجمع تبرعات قدرها 1،5 مليار دولار. وقالت هذه المؤسسة التي تتخذ من واشنطن مقرا لها في بيان أصدرته إن “الحملة هي الأولى لها على نطاق واسع”. وتضم المؤسسة 19 متحفا ومعرضا وتسع منشآت بحثية إضافة إلى حديقة الحيوانات الوطنية. وقال واين كلوف أمين عام المؤسسة: “إن الدعم الخاص الذي تجمعه الحملة سيضيف فصولا جديدة إلى تاريخ أمريكا وسيحدث ثورة في التعليم وتطوير البحث العلمي على نحو يفيد كل الأجيال”. وقال الموقع الإلكتروني للمؤسسة: “إنه سيتم استثمار التبرعات في برامج تعليمية ومعارض واجتذاب أفضل العقول والاحتفاظ بها (في أمريكا)”. وكانت هذه المؤسسة قد أنشئت عام 1846 للتطوير العلمي وتعتمد في حوالي ثلثي ميزانيتها السنوية على التمويل من قبل الدولة الأمريكية. مما يدل على أن أمريكا لم تعد قادرة على تمويل مؤسساتها وأنها في أزمة كبيرة وتداعيات الأزمة المالية ما زالت تلاحقها ولم تتخلص منها. وقد أفلست أكثر من 40 مدينة كما أفلست مئات الشركات والبنوك منذ تفجر الأزمة في أمريكا عام 2008. فأمريكا في داخلها قد دبّ فيها الوهن، ولكنها عالميا تتشبث بأنها ما زالت قوية وأنها الدولة الأولى في العالم، توهم كثيرا من الناس ولكن في حقيقتها ليست كذلك.

ومن ناحية ثانية نرى أمريكا تحرص على جذب أفضل العقول من كافة أنحاء العالم وتحتفظ بهم لديها، وقد أصبحت الآن بحاجة ماسة أكثر من ذي قبل، لأن الانحدار الفكري قد بدا عليها وبياناتها تشير إلى تدني المستوى العلمي والفكري لدى أبنائها. وتعمل على جذب العقول من الخارج كما تعمل على تمويل مؤسساتها وآلتها الحربية من حساب الآخرين.

كل هذه الاستدلالات التي سقناها من أقوال المسؤولين والمفكرين الأمريكيين تؤكد ما ذكرناه في موضوعنا الذي نشرناه سابقا تحت عنوان “الفراغ السياسي في الموقف الدولي - القسم الثاني: سقوط أمريكا” تحت باب “أهم عوامل سقوط أمريكا عن مركز الدولة الأولى في العالم” وبالذات في النقطة الأولى أو العامل الأول وهو “التراجع الفكري” حيث قلنا: “إن أهم عامل من عوامل سقوط الدول الكبرى وانهيارها وزوالها هو الانحطاط الفكري، ويبدأ الانحطاط بالجمود الفكري الناتج عن العجز الفكري المتمثل في عدم القدرة على إيجاد حلول ناجعة للأزمات والمشاكل من المبدأ الذي تعتنقه الدولة”. فأمريكا بدأت تتراجع في الإبداع العسكري والتفوق التقني والعلمي، وهذا ينعكس على تفوقها العسكري بسبب التراجع الفكري الذي لم يستطع أن يجد حلولا للمشاكل الاقتصادية المستعصية والمزمنة فتضطر إلى تخفيض الإنفاق، ومنه الإنفاق على التطوير والإبداع في المجال العسكري الذي تتولاه الدولة فيؤدي إلى ضعف القدرات العسكرية. ومن أهم الأمور التي اعتمدت عليها أمريكا هو التفوق في المجال العسكري والذي يعتمد على التطوير والإبداع لتسبق الآخرين في إنتاج أسلحة ومعدات عسكرية مختلفة متطورة بحيث تخيف الآخرين وتجعل لها مهابة دولية ويزداد تأثيرها العالمي فتنصاع الدول لقراراتها. فإذا توقفت في هذا المجال فإن النتائج ستكون سلبية عليها، وتبدأ بالعد التنازلي عن مركز التفوق ومركز الصدارة العالمية والتأثير الدولي وقد بدأت به، ولكن المنافسة الحقيقية لها غير موجودة فتبقى تتآكل ذاتيا حتى تهترئ وتسقط فيظهر للناس مدى ضعفها.

وقد نشرت صفحات على الشبكة العنكبوتية مقتطفات مما كتبه مفكرون أمريكيون، فمنها ما كتبه المفكر الأمريكي “بول كروجمان” الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في كتابه “أنهوا هذا الكساد الآن” يطرح فيه أهم الأفكار لديه التي يمكن تبنيها في التعامل مع المشكلات الاقتصادية في الولايات المتحدة. فيقول “إن الاقتصاد الأمريكي يواجه حالة كساد واضح وإن لم يصل إلى الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي”. وقد أرجع الإخفاق الأمريكي في التعامل مع أزماته المالية والاقتصادية التي هزت أمريكا منذ تفجر الأزمة المالية عام 2008 إلى “الصراع والشد والجذب بين الجمهوريين والرئيس أوباما، وهو الصراع الذي يقوض من الجهود الأمريكية للخروج من أزمتها الاقتصادية على الرغم من الجهود التي اتخذتها إدارة أوباما بضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي، ويعتبر ذلك هو الدواء الناجع لأي أزمة مالية”. مع العلم أن هذا الضخ الذي يدعو له المفكر الأمريكي قد تم بكميات ضخمة، ولكن لم يعالج الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي. وختم المفكر الأمريكي كتابه بنصائح ليست جديدة وهي مطبقة، حيث دعا إلى خفض سعر الفائدة الربوية ودعا الإدارة الفدرالية لمساعدة الإدارات المحلية في الولايات وكذلك مساعدة أصحاب الرهون العقارية على إعادة جدولة ديونهم وفقا لسعر الفائدة المنخفض حاليا. مما يدل على أنه ليس لديه شيء جديد يقدمه لحل أزمات بلاده المستعصية وسببها النظام الرأسمالي نفسه وليس النظام السياسي لأنها كانت قد بدأت على عهد الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش الابن وبدأت عملية الضخ على عهده حين أعلن عقب تفجر الأزمة عام 2008 عن ضخ أكثر من 700 مليار دولار، وجاء أوباما ليواصل هذه العملية. مما يعني أن أمريكا ما زالت تئن تحت وطأة الأزمة المالية وتعاني من تداعياتها ولم تخرج منها ولم تستطع أن تجد الحلول للخروج منها رغم التحفيزات الكثيرة؛ منها خفض الفائدة الربوية لتصل إلى حد الصفر، ومنها خفض شراء الأسهم المتعثرة للشركات، حيث أجرى تخفيضا في شراء هذه الأسهم أو شراء الأصول بمقدار 10 مليارات شهريا من أصل 85 مليار دولار ليظهر تعافيا في الاقتصاد أو تحسنا في سوق العمل إلا أن ذلك لم ينفع كثيرا، لأن الأزمة عميقة جدا ولأن النظام الرأسمالي دائما حاملٌ بالأزمات ويولدها ولا يمكن أن يتخلص منها. فطبيعته توجد الأزمات والمشاكل وتسبب المزيد من الشقاء والتعاسة للبشر. وهذه الأزمة من الأمور التي هزت موقف أمريكا الدولي، ولذلك ما زال موقف أمريكا الدولي مهزوزا بسببها ولأسباب أخرى ولا يجري الحديث عنها كثيرا أو بصورة لافتة للأنظار، وذلك للمحافظة على الشكل الظاهري لأمريكا الذي يبدو كأنها في ألف عافية، ولكنها تعاني من مغص في معدتها ومن ضغط في قلبها وصداع في رأسها وسرطان هنا وهناك في جوانب جسمها، فطغت عليها الأمراض المستعصية والمزمنة، واعتادت عليها وكأنها طبيعية؛ فما أن تسمع اسم أمريكا وإلا يربط بكذا وكذا من المشاكل والأزمات، وأصبح الناس يعتبرونها أُمَّ المشكلات وصاحبة الإحصائيات المخيفة في كل باب. ولكن المسألة المهمة هي عدم وجود دولة في العالم تعمل على إبراز ذلك والتركيز عليه وتوظيفه في محاربتها والتشهير بها وتسفيهها ومن ثم الاستفادة من هذا الوضع للعمل على إسقاطها من مركزها المهزوز ليتخلص العالم من شرها المستطير ومن تجبرها في الدول والشعوب ومص دمائها ونهب خيراتها بدولارها الذي لا يساوي الحبر الذي طبع به وغير ذلك من الأساليب والوسائل التي تستخدمها.

وكتب “جيم ديمينت” في كتابه الذي أطلق عليه اسم “الآن أو أبداً: إنقاذ أمريكا من الانهيار الاقتصادي” فيما يتعلق بالتراجع الأمريكي على المستوى الاقتصادي والذي يجعل الولايات المتحدة على حافة الانهيار المالي أن “سبب ذلك هو الإنفاق الحكومي غير الرشيد والديون الأمريكية والأزمات المالية المتتابعة”. ولذلك يعتبر الولايات المتحدة “على شفا كارثة اقتصادية ما لم تحقق تغيرا جذريا في السياسات الحالية المتبعة”. ولكن الكاتب لم يقدم حلولا جذرية بل أرجع هذه الأزمات إلى السياسة المتبعة حاليا وإلى الصراع السياسي. وحمّل الجمهوريين المسؤولية، فاعتبر “الجمهوريين هم أيضا مشتركين مع الديمقراطيين في الخطأ نفسه. والحل لا يكمن في الانتخابات بهزيمة أو تغيير حزب بعينه وإنما في تغيير السياسات المتبعة”. ولكن نقول له إن السياسات تبنى على الأفكار، فالسياسات الحالية مبنية على الأفكار الرأسمالية التي تتبناها أمريكا فهي عاجزة عن إيجاد الحلول، ولذلك يجب تبني أفكار جديدة صحيحة نابعة من عقيدة صحيحة، وهي ليست موجودة في مبدأ سوى الإسلام.

وكتب جون تايلور في كتابه الذي أطلق عليه اسم “المبادئ الأولى: خمسة مفاتيح لاستعادة ازدهار أمريكا” مقدّماً خطة لإعادة بناء مستقبل الولايات المتحدة من خلال “العودة إلى المبادئ الأساسية التي تأسست عليها الولايات المتحدة لضمان تخطي تحديات الركود الاقتصادي وفي مقدمتها اتباع مبدأ الحرية السياسية وسيادة القانون والاعتماد على الأسواق وتوفير حوافز قوية لتحقيق النهضة المنشودة”. ويرى كما يرى غيره الكثير من الكتاب الأمريكيين أن “السياسات التي تم اتباعها إبان الأزمة المالية بنهاية عام 2008 هي ما أدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية عام 2009”، ويؤكد على أن “اتباع مبدأ الحرية الاقتصادية هو الكفيل بضمان النهضة الاقتصادية المنشودة”. فنقول لهذا الكاتب إن الحرية الاقتصادية هي التي أوصلت أمريكا إلى هذا الوضع فاضطرت إلى مخالفة مبدئها مخالفة تامة بأن حدّت من هذه الحرية وتدخلت في السوق الذي يحرّم المبدأ الرأسمالي على الدولة التدخل فيه، وقد رأت أن اقتصادها سيسقط بسبب الحرية الاقتصادية وستسقط هي معه إذا لم تتدخل في السوق وتحدّ من هذه الحرية وتتحكم في الشركات بإملاء سياسات حكومية معينة عليها. مما يدل على فشل المبدأ الرأسمالي الذي يخالف الحقيقة ومن ثم يقوم القائمون عليه بمخالفته والتحايل عليه.

وقال تشارلز جوايت في كتابه: “تحطم الأحمر والأزرق: نحو استعادة الاقتصاد الأمريكي الحر” “إن الإنفاق الأمريكي غير الضروري هو ما أدى إلى تدمير ثرواتها الاقتصادية وغرق الحكومة في المزيد من الديون، وهو ما أدى في النهاية إلى الانخراط في حروب غير معلنة على حساب الشعب وازدهاره”. ويخلص في كتابه إلى أن “الحل يكمن في تخلي الحكومة عن الإنفاق الحكومي المفرط وغير الفعال والسماح للاقتصاد الحر بأداء وظيفته كما كان مقصودا منه في الأصل”.

ويتفق الكتاب الغربيون، وعلى رأسهم الأمريكيون، على أن النجاح الأمريكي في الخروج من أزمته المالية بكبح جماح الحكومة الأمريكية في الإنفاق الخارجي ووضع نهاية للتدخلات الأمريكية في الدول الأخرى قبل أن تلقى الولايات المتحدة مصير الإمبراطوريات الرومانية والفرنسية بقيادة نابليون والسوفياتية. ومعنى ذلك أنهم يدعون إلى اتباع سياسة العزلة التي كانت عليها أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي ترفض الإدارة الأمريكية اتباعه وتصر على التدخل في الدول الأخرى حتى تستمر في سياستها الاستعمارية وفرض هيمنتها على دول العالم وشعوبها وإظهار عنجهيتها وغطرستها. وحسب فهم أولئك الكتاب فبسبب استمرار الحكومة الأمريكية في الإنفاق الخارجي والتدخل في الدول الأخرى سوف تستمر أمريكا في أزماتها حتى تلقى مصير الإمبراطوريات السابقة.

وقد أعلن عن تراجع خطط الإنفاق الاستثمارية في قطاع الأعمال الأمريكي للشهر السادس على التوالي خلال شهر شباط/فبراير الماضي 2015 نتيجة ارتفاع الدولار الذي أدى إلى ضعف الطلب العالمي على السلع والخدمات الأمريكية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تراجع النمو خلال الربع السنوي الأول هذا العام، حيث أعلنت وزارة التجارة الأمريكية في 2015/3/25 انخفاض طلبات السلع المعمّرة بنحو 1،4% خلال الشهر الماضي بينما كانت تشير التوقعات إلى ارتفاعها بنسبة 0،1%. وقد صرحت رئيسة البنك الاحتياطي الأمريكي جانيت يلين “أنه من المرجح رفع الفائدة تدريجيا خلال العام الحالي إلا أن ذلك سيكون قيد انتظار لرؤية ما إذا كانت مؤشرات التضخم سوف تشهد مزيدا من التراجع أم لا”. (الشرق الأوسط 2015/3/28) وقد خفضت الفائدة الربوية إلى حد الصفر تقريبا بعد انفجار الأزمة المالية عام 2008 ولم يستطع الاحتياطي الأمريكي حتى الآن رفعها مما يدل على مدى عمق الأزمة وأن التراجع الاقتصادي الأمريكي ما زال مستمرا. ورفع الفائدة الربوية في الاقتصاد الرأسمالي مهم للغاية من أجل أن تتحرك الشركات والمؤسسات المالية لتحقق مكاسب كبيرة في تعاملاتها التجارية والمالية عندما تكون الفائدة الربوية مرتفعة. وكان البنك المركزي الأمريكي (مجلس الاحتياطي الفدرالي) قد جدد في 2014/9/17 تعهده بإبقاء أسعار الفائدة الربوية قرب الصفر لفترة طويلة كما كانت منذ أن تفجرت الأزمة المالية عام 2008 حيث عمدت أمريكا إلى تخفيض الفائدة الربوية إلى 1% ومن ثم خفضتها إلى 0.25% حتى تحرك سوق العمل، وإن كان ذلك لا يفيد الشركات لأنها لا تحقق أرباحا مع تدني الفائدة الربوية، ولكن كان القصد من خفضها معالجة موضوع سوق العمل، أي تخفيض نسبة البطالة. وقد أفاد البنك المركزي في بيانه بأن “سوق العمل تحسنت بدرجة ما غير أن معدل البطالة لم يشهد تغيرا يذكر”. وكان كثير من الخبراء الاقتصاديين والمتعاملين يتوقعون أن يغير البنك توجهاته ليرفع الفائدة الربوية في ضوء هذا البيان الذي يشير إلى تحسن سوق العمل إلا أن ذلك لم يحدث بسبب أن “سوق العمل الأمريكية لا تزال تواجه قدرا كبيرا من الفتور” كما أفاد بيان البنك. فراهن البنك المركزي على تحسن معدل البطالة ولكن لم يشهد تغيرا يذكر، والآن هو يراهن على مؤشرات التضخم ما إذا كانت ستشهد مزيدا من التراجع أم لا. مما يدل على أن الأزمة ما زالت مستمرة، وهم يريدون أن يطبقوا السياسات السابقة التي نتجت عنها الأزمة حتى يبقوا في دوامة الأزمات لأنهم لا يستطيعون إيجاد حلول أخرى.

** الموضوع الثامن

تأملات تاريخية بسقوط الدول والإمبراطوريات

ترجمة The Fall Of The Roman Empire

ترجمة: فيصل كريم

ألمصدر :

** الموضوع السادس

22 دليل على إنهيار أمريكا

**

بقلم:أبو حمزة سيد فكري بباوي **

المصدر : مدونة أبو حمزة سيد فكري بباوي

** الموضوع الخامس
أمريكا ماتت فلا تكونوا كجن سليمان

بقلم: عامر عبد المنعم
وسيكتب التاريخ أن نهاية هذه الدولة المارقة، أكبر دولة إرهابية عرفها التاريخ كانت علي أيدي المسلمين المقاومين في العراق وفي أفغانستان. فهذه القوي العسكرية الغاشمة التي استخدمت أكثر الأسلحة فتكا في تاريخ البشرية تاهت في أفغانستان أفقر دولة اسلامية.
لا أدري لماذا تاهت العقول ولم تعد تري حقيقة انهيار أمريكا التي تشبه ضوء النهار، ولا أعرف سببا لحالة العمي التي تسود واقعنا الإعلامي والسياسي تجاه الغرب وأمريكا، والعيش في انكسارات الماضي رغم أن الحاضر يقرع الآذان بحدوث انقلابات لكل الأوضاع الاستراتيجية لصالحنا ويبشر بنهوض الأمة.

أمريكا كقوة امبراطورية علي فراش المرض، أو بمعني أدق في غرفة الإنعاش، وهي في النزع الأخير، تنتظر لحظة إعلان الوفاة، فالمسألة مسألة وقت ليس إلا. وهي مشغولة الآن بسحب ماتبقي من أذرعها الطويلة التي تقطعت والتقوقع خلف حدودها وراء الأطلنطي.

وسيكتب التاريخ أن نهاية هذه الدولة المارقة، أكبر دولة إرهابية عرفها التاريخ كانت علي أيدي المسلمين المقاومين في العراق وفي أفغانستان. فهذه القوي العسكرية الغاشمة التي استخدمت أكثر الأسلحة فتكا في تاريخ البشرية تاهت في أفغانستان أفقر دولة اسلامية، وتدمر جيشها في العراق الخارج من أطول حصار لدولة اسلامية دام أكثر من عقد من الزمان.

الهروب الأمريكي الكبير من العراق، والاستعداد الجاري لهروب مماثل من أفغانستان خروج من حفرتي النار لانقاذ ما تبقي من جيوش الغرب التي تم تحطيمها وتدميرها في ساحات القتال علي أيدي مجاهدين بأسلحة بسيطة لا تتناسب مع حجم آلة الدمار الصليبية.

من يتابع المعسكر المعادي يجد الأمريكيين وهم يتحدثون عن نكساتهم المتلاحقة، والغربيون ينتقدون أمريكا التي ورطتهم في هذه الحروب الخاسرة.

العسكريون والسياسيون الأمريكيون يهاجم بعضهم بعضا بسبب العجز أمام المجاهدين المسلمين، والتقارير والدراسات التي تعدها أجهزتهم تشير إلي أن الجيش الأمريكي أنهك بما يجعله غير قادر عن الدفاع عن أمريكا إن تعرضت لهجوم، وهذا الضعف هو الذي يجعل أمريكا عاجزة أمام المشروع النووي الايراني ولم يعد أمام دعاة الحرب الأمريكيين سوي اسرائيل لتقوم بالمهمة، مع أن اسرائيل هي الأخرى تحت الحصار وليست أحسن حالا بعد هزيمتها في لبنان والرعب الذي تحياه تحت القصف الصاروخي من غزة.

الحرب استنزفت أمريكا ، لقد انهار اقتصادها ومعظم دول الغرب التي شاركت معها ولن يتوقف هذا الانهيار علي المدي القريب، ولن تفلح خطط التقشف وضغط الميزانيات التي تحولت الي موجة غربية.

من يسمع أو يقرأ خطب الرئيس الأمريكي يتأكد أن أمريكا لن تقم لها قائمة أخري. أوباما يؤكد في كل مناسبة أن أمريكا تعاني علي كل المستويات، بما فيها التعليم والصحة وليس فقط عسكريا واقتصاديا، وتبدو وكأنها من دول العالم الثالث.

إن نجاح أوباما نفسه كرئيس أسود دليل علي أن الحرب تسببت في الضربة القاضية للمجمع العسكري الصناعي الذي يقود أمريكا الذي يريد أن يستعيد عافيته من خلال مليارات الدولارات في صفقات السلاح مع بعض دول الخليج.

ورغم كل ذلك فإن اعلامنا المجرم لازال يحدثنا عن القوة العظمي والسوبر باور والعصر الأمريكي!!

العالم كله يقرأ حقيقة الأفول الأمريكي. روسيا قرأت وتعمل لاستعادة قوتها. والصين تتمدد وتريد شغل الفراغ. وفرنسا تراودها الأوهام في أن تستعيد نفوذها وتحل بدلا من أمريكا فأنشأت قاعدة عسكرية لها في الخليج وتنشط عسكريا في شمال أفريقيا.
ايران تقرأ هذه الحقيقة وتلاعب أمريكا علي مسرح بات مكشوفا.
القاعدة تصارع أمريكا بالكر والفر وتتمدد هي الأخري رغم تراجع شعبيتها في كثير من الدول لدخولها في صدامات مع بعض الحكومات المحلية وارتكاب أخطاء استراتيجية.

كوريا الشمالية تتحدي وتتوعد.
فنزويلا وكوبا ودول أمريكا اللاتينية تناطح أمريكا.

العالم يتغير إلا العرب الذين يعيشون في الذل والهوان، بسبب حكامهم، الذين أخلدوا إلى الأرض بين عميل وخائن وجبان ومستضعف، وبعضهم يدمر نفسه ويخوض الحروب الحرام ضد فئات من الشعب من أجل أمريكا والغرب تحت شعار “مكافحة الارهاب” المفضوح.

وحدهم حكام العرب الذين يركعون للصنم المنهار، ويعبدون الوهم.

الاعلاميون العرب يتصنعون الغباء والعمي وهم أشبه بشهود الزور الذين يرون الحق ويقولون الباطل ويدافعون عن الحرام.

النخب الفاسدة في الدول العربية ترفع شعارات الاصلاح في الصباح، وتجلس مع الأمريكيين في المساء تطلب ودهم ودعمهم، وبعضهم يسافر الي واشنطن يعرض عمالته.

السياسيون الضالون الذين يملأون الدنيا ضجيجا، الذين يعشقون الكاميرات ويشغلون الأمة بقضايا بعيدة عن قضية الأمة الأصلية وهي التحرر من الاحتلال الأمريكي والغربي.

الأمة اليوم تحتاج الي من يقودها لتحقيق التحرر الذي لم يتم.
الاحتلال لازال قائما ويعمل من خلال أعوانه علي الاستمرار ومقاومة كل جهد وطني مخلص.
يسأل البعض سؤالا استنكاريا: من اين نبدأ؟
هل تستطيع الكويت وقطر والامارات وليبيا مواجهة أمريكا؟
هل يستطيع الأردن ولبنان؟
هل يستطيع السودان؟
هل وهل وهل؟

علي الجميع أن يواجه معا، ولم يعد هناك سببا للتردد، فالمشروع العسكري الغربي انكسر والثور الهائج مذبوح علي الأرض، وجاءت الفرصة التي طالما حلم بها المسلمون للتخلص من الارهاب الغربي.

علي مر التاريخ كانت القوة العربية تتمثل في 3 دول كبري: العراق والشام ومصر.
الأولي دمروها ومزقوها، والثانية قسموها، والثالثة هي التي لازالت هي الأمل رغم ما حل بها ورغم أنهم يطوقونها.

مصر هي الأمل وهي القادرة علي قيادة الأمة في معركة التحرير، فهي دعوة النبي محمد صلي الله عليه وسلم، وبها خير أجناد الأرض، لكن مصرتحتاج الي قيادة واعية بدلا من القيادة الحالية التي سلمت مصر للأعداء.
مصر تحتاج الي مقاتل مسلم يعرف قدر مصر ويخلصها من الخزي الذي تعيشه وينهي عصر الإجرام الذي حارب الاسلام وعبد الشيطان.

ما ضاعت الأمة وعلا الأعداء إلا لأن مصر غائبة.
مصر هي محور أي اصلاح في الأمة وهي كالقلب إن تعافت صلحت الأمة وان فسدت فسدت الأمة.
ولن تنصلح مصر إلا بالكفر بأمريكا وقطع علاقة التبعية والتمرد علي الهيمنة الغربية.
مصر تحتاج الي تجديد ايمانها، فكلمة “لا اله الا الله” اليوم تعني البراءة من عبادة أمريكا قبل الايمان بالله، فلا يمكن الايمان بأمريكا وبالله الواحد في نفس الوقت.

ولكن إلى أن تستيقظ مصر، علي كل فرد في الأمة أن يعمل علي انهاء الاحتلال الغربي، كل قدر استطاعته، و ليكن الشعار الذي يحكم حركتنا هو “التصدي للحلف الأمريكي الصهيوني”.
علينا دعم روح الصمود والمقاومة في الأمة وإحياء فريضة الجهاد ضد الغزو العسكري لبلاد الاسلام.
علينا دعم الصمود الفسطيني بكل الوسائل إلي أن يظهر صلاح الدين جديد يحرر بيت المقدس.
علينا كشف عملاء وأعوان وأبواق الاحتلال الغربي في العالم الاسلامي وفضحهم وإبطال المكر السييء، فهؤلاء هم طلائع الغزاة الأمامية التي تهدف الي تحطيم إرادتنا وإضعاف مناعتنا.

علينا دعم صمود أطراف العالم الاسلامي واستعادة تركيا الي الأمة ليقوى القلب ويستعيد عافيته ليضخ الدماء في جسد المارد الاسلامي النائم منذ قرنين أو ثلاثة فقط، ليعيد التوازن الي العالم الذي خربه الغرب أثناء هذه الغفوة الطويلة.
الأمم والشعوب في انتظار شيء واحد للخلاص وإنهاء الظلم، هو دحر الاستعمار الغربي وانهاء سيطرته علي العالم.
aamermon@alarabnews.com

المصدر :

** الموضوع ألثاني

إستراتيجية الصراع بين أمريكا ودولة الخلافة الإسلامية..

بقلم: د. مخلص الصيادي

منقول عن موقع :

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد قلنا في موضوعنا السابق تحت عنوان “الفراغ السياسي في الموقف الدولي - القسم الثاني: سقوط أمريكا” إن أمريكا على وشك السقوط عن موقعها في الموقف الدولي كدولة أولى على الأقل، ولكن ليس من الضروري أن يتم ذلك بين عشية أو ضحاها، لأن سقوط الدول الكبرى يحدث عادة على مراحل عندما يبدأ التراجع في مختلف المجالات الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والصناعية وغيرها، ولا تستطيع أن تجد حلولا جديدة ناجعة، وتكرر تطبيق الحلول القديمة نفسها فتنتج المشكلات نفسها وتستمر فيستعصي حلها، فتتحول إلى أزمات مزمنة، وتصبح كالأمراض المزمنة لدى الإنسان الذي يتعايش معها بتناول المسكنات والحقن والمخففات من تضاعف المرض والعمليات الجراحية التي تجري له بين الحين والآخر وغير ذلك حتى يجيء أجلها فتسقط. إلا أنه في الحروب الكبرى تسقط سريعا إذا هزمت فيها كما حصل مع ألمانيا واليابان وإيطاليا في الحرب العالمية الثانية، وكما حصل مع ألمانيا والدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وكما هزمت فرنسا نابليون عام 1815 بعدما أصبحت الدولة الأولى في العالم، وكذلك ما حصل للدول الكبرى قديما مثل الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الفارسية هزمتا في الحرب أمام الدولة الإسلامية فسقطتا نهائيا وإلى الأبد.

ونريد أن نسلط الضوء هنا على ما كتبه مفكرون أمريكيون عن التراجع الذي تعاني منه بلادهم أمريكا الدولة الكبرى وتقييمهم له. وهو ما يؤكد توقعاتنا لسقوط أمريكا عن مركز الدولة الأولى وحدوث الفراغ السياسي في الموقف الدولي. وقد قلنا إن تتبع عوامل ضعف دولة كبرى كأمريكا أمر بالغ التعقيد ويحتاج إلى دراسات تفصيلية وتحليلية، وقد اكتفيت بالإشارة إلى أهم تلك العوامل بغية تسليط الضوء عليها علها تجد من يوسعها بحثاً وتقصياً. وهنا أريد أن أواصل البحث والتقصي عن ذلك والاستدلال عليه بمراقبة الوضع الداخلي والعالمي المتعلق بها والإتيان بشهود من أهلها مسؤولين ومفكرين ومتابعين لسير بلادهم أمريكا.

فقد نقلت صفحة الجزيرة في 2015/3/18 عن مجلة بروجيكت سينديكيت مقالة نشرتها لمدير أبحاث إدارة الأعمال في “معهد الهند والصين وأمريكا” دان شتاينبوك تحت عنوان “تراجع الإبداع العسكري الأمريكي” قال فيها: “إن الولايات المتحدة معرضة لخطر فقدان قدرتها العسكري المتفوقة، ربما لا تزال هي الأكثر تقدما في العالم… ولكن استمرار زعامة أمريكا تقنيا لم يعد مؤكدا على الإطلاق. فمنذ عام 2005 خفضت وزارة الدفاع الأمريكية الإنفاق على البحث والتطوير بنسبة 22%، وفي عام 2013 وكجزء من صفقة لتفادي المواجهة بشأن سقف الديون أمر الكونغرس الأمريكي بتخفيضات تلقائية في الإنفاق بلغت نحو 1،2 ترليون دولار. والواقع أن هذه الخطوة التي تتطلب خفض الإنفاق على العديد من البرامج بما في ذلك العديد من المبادرات البحثية الدفاعية، وصفتها إدارة الرئيس باراك أوباما بأنها “شديدة الإضرار بالأمن القومي”. وإذا استمر تآكل الإبداع في الولايات المتحدة فلن تعاني القدرات الدفاعية وحدها، بل إن البلاد كاملة ستتعرض لخطر انحسار إبداعها التجاري وقدرتها التنافسية” ويقول: “من ناحية أخرى تعاني الولايات المتحدة من تفريغ قلعتها الصناعية، فبسبب منافسة الصين المتزايدة وغيرها من الاقتصادات الناشئة الكبيرة، تآكلت قدرات التصنيع الأمريكية، الأمر الذي يهدد قدرة أمريكا على إنتاج المنصات الدفاعية الأكثر تطورا على المستوى التقني..” وقد أشار إلى تصريحات وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل قبل عدة أشهر حول هذا الموضوع فاختتم مقالته قائلا: “إن السياسة التي تهدف إلى استعادة الإبداع الدفاعي والإنتاج في الولايات المتحدة من شأنها أن تضمن احتفاظ واشنطن بزعامتها التقنية العالمية وقدرتها التنافسية التجارية. ولكن من الراجح وهو أمر مؤسف أن خليفة هيغل (في وزارة الدفاع) سيكتشف أن الاستراتيجية الإبداعية الشاملة من ذلك النوع الذي تصوره سلفه، ربما تكون غير قابلة للتطبيق في عصر يتسم بالميزانية المحدودة والخفض التلقائي للإنفاق”.

وكان وزير الدفاع الأمريكي السابق تشاك هيغل (كما نقلت رويترز 2014/11/16) قد أقر “بتراجع التفوق التكنولوجي لدى وزارته” معلنا بأن “التفوق التكنولوجي لوزارة الدفاع الأمريكية يتضاءل. في الوقت الذي يواجه فيه التفوق العسكري خطرا نتيجة لانتشار التكنولوجيا”، وقال: “إن التكنولوجيا والأسلحة التي كانت فيما مضى مجالا قاصرا على الدول المتقدمة أصبحت متاحة لسلسلة كبيرة من الجيوش وقطاعات لا تمثل دولا” وأشار إلى أن “روسيا والصين تستثمر بقوة في برامج التحديث العسكري لتقويض تفوقنا التكنولوجي دافعة بطائرات وغواصات متطورة وصواريخ أبعد وأكثر دقة”. وقال إنه: “يتعين على وزارة الدفاع الأمريكية مواصلة تحديث قدرات بلادنا وتعزيز تفوقها العملي والتكنولوجي، وعلينا أن نفعل ذلك من خلال القيام باستثمارات جديدة طويلة الأمد في مجال الابتكار”. وهذه الجملة الأخيرة اعترض عليها الكاتب وشكك في قدرات أمريكا على مواصلة تحديث قدراتها وتعزيز تفوقها العلمي والتكنولوجي.

لقد ركز مدير “معهد أبحاث الهند والصين وأمريكا” على خفض الإنفاق وجعله السبب الرئيس في تراجع الإبداع العسكري والاستمرار في تآكل الإبداع أي هو راجع إلى القدرات المالية ومشاكل الاقتصاد والأزمة المالية التي ما زالت تداعياتها مستمرة. ولكن ما سبب كل ذلك حتى تضطر أمريكا إلى خفض النفقات على مشاريع يجب أن تنفق عليها وليس بمقدورها فعل ذلك، وقد اضطرت إلى خفض الإنتاج أيضا، وقد تفجرت الأزمة المالية وظهر العجز عن حل المشاكل الاقتصادية. وقد ركزنا على ذلك في موضوعنا “الفراغ السياسي في الموقف الدولي” “القسم الثاني: سقوط أمريكا” تحت باب “أهم عوامل سقوط أمريكا عن مركز الدولة الأولى في العالم” في العامل الثالث “تضعضع الناحية الاقتصادية” فقلنا: “ومن جهة ثانية فإن المديونية الأمريكية والعجز في الميزانية وصلت إلى حدود لا يمكن تصورها في دولة، حيث وصلت المديونية إلى أكثر من 16 ترليون دولار. وأقل من هذا المبلغ بكثير من شأنه أن يسقط الدولة. وسبب بقائها رغم ذلك كون الدولار عملة عالمية يتحكم في اقتصاد العالم، وسيطرتها على الأسواق المالية العالمية وعلى المنظمات الاقتصادية والمالية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. فإذا تخلت دول العالم أو قسم مهم منها عن التعامل بالدولار، فمن المحتمل أن يسبب ذلك انهيارا للاقتصاد الأمريكي، ثم سقوطاً لها عن مركزها كدولة أولى عالمياً. ومن جراء ذلك فإنه من المحتمل أن تسقط هذه المنظمات المالية العالمية فيختل التوازن الدولي. فإذا تخلت دول العالم عن التعامل بالدولار أو عن كونه عملة عالمية وكونه احتياطياً لها أو رجعت إلى نظام الذهب والفضة فإن الدولار سوف يتحول من كونه عملة عالمية تسيطر على العملات والأسواق وعملة تستخدم كاحتياط نقدي للدول، لأن دول العالم سوف تتعامل بالعملات المستندة إلى الذهب والفضة وتترك التعامل بالدولار كمجرد عملة وثيقة تعتمد على الثقة بأمريكا أو على الهيمنة الأمريكية على اقتصاديات العالم وتتخلى عنه كاحتياطي نقدي. وإذا طالبت دول العالم بالديون التي لها على أمريكا والتي هي على شكل سندات خزينة أمريكية شبه مفلسة، فإن أمريكا لن تستطيع أن تدفع هذه الديون وبذلك ستصبح في مأزق كبير وتنعدم الثقة بها وتعلن إفلاسها، وقد أفلست العشرات من مدنها والمئات من بنوكها والآلاف من شركاتها ومحلاتها التجارية والصناعية. ومديونيتها الهائلة كافية لإسقاطها عن مرتبة الدولة الكبرى الأولى عندما تتفاقم الأمور وتتحرك الدول بشكل جاد وقوي لمحاسبتها واسترجاع أموالها”.

وعندما نلقي نظرة على آراء المفكرين الأمريكيين في إيجاد الحلول لهذه الأزمات يتبين لنا أنهم عاجزون عن إيجاد حلول جديدة، بل هم يراوحون مكانهم ولا يجدون الحلول المجدية بسبب التراجع الفكري لديها واستنفاد ما لديهم من أفكار وحلول فصاروا يدورون في حلقة مفرغة، وصاروا يرجعون أزماتهم إلى مشاكلهم السياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين وهم متناقضون فينادون إلى الرجوع إلى المبدأ الرأسمالي وتطبيقه بحذافيره ومنه الحرية الاقتصادية، مع العلم أن تطبيقه هو الذي جلب الويلات والأزمات مما جعلهم يتخلون عن تطبيقه ويعملون على تطبيق سياسات تخالفه.

نووي إيران المخيف

أما فيما يتعلق بإيران يبدو موقف وزارة الدفاع الأمريكية اليوم مطالب أكثر من أي وقت لدعم القدرات العسكرية للدول الشريكة الرئيسية في الشرق الأوسط الكبير تحسبا لأية مضاعفات قد تظهر أعراضها في المنطقة تبعا للاتفاق مع ايران حول برنامجها النووي. أحد نتائج هذه الصفقة هو الإنهاء التدريجي لمختلف العقوبات الاقتصادية التي أعاقت الاقتصاد الإيراني لسنوات ،وهذا يثير احتمال بلوغ الجيش الإيراني لمستويات راقية من التقدم في النظم والتكنولوجيات الآتية بالدرجة الأولى من روسيا والصين الغريمين الرئيسيين لواشنطن. وعلى هذا الأساس فإن الإدارة الأمريكية المقبلة ستعمل للحفاظ على وجود عسكري قوي في منطقة الخليج.

الشرق الأوسط.. الإرهاب والنفوذ

منذ تعرض الولايات المتحدة لهزة 11 سبتمبر عام 2011 ،ومسألة التهديد الإرهابي ضدها وضد مصالحها في الخارج يشكل على نحو متزايد هاجسا أمريكيا يقتضي تعاملا مختلفا وميزانية خاصة. وعلى عكس الفترة التي أعقبت هجمات سبتمبر كان التهديد الإرهابي ?موحدا? ومتمثلا في القاعدة بزعامة أسامة بن لادن ،فإن تهديد اليوم تفرق سياسيا وفكريا وجغرافيا من اليمن إلى الصومال إلى شمال أفريقيا خاصة في ليبيا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق وحزب الله الذي يبقى نشطا في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ،وكذلك بعض الجماعات السنية المتطرفة المنتشرة في المنطقة .

ويعتبر هذا الوضع مقلقا ومكلفا بالنسبة لواشنطن لأن المعارك الجهادية في بلدان مثل سوريا والعراق قد تستمر لسنوات أخرى ،ومع تزايد أعداد المنتمين لهذه الجماعات يصبح الامر أكثر صعوبة. فمثلا ما بين عامي 1988 و 2013 يبدو حساب عدد الجهاديين أمر صعب جزئيا لأن الجماعات لا توفر تقديرات عامة من أعدادهم ،لكن التقديرات تشير إلى الزيادة الحادة في عدد المقاتلين بعد عام 2010 بسبب القتال في سوريا، أما قياس وتيرة تصاعد العنف فيبدو سهلا بحساب عدد الهجمات للفترة 2007-2013 حيث تشير البيانات إلى تصاعد مخيف لمستويات العنف ،كما أن هذه الفئات تصبح أكثر قوة وأكثر انتشارا مع مرور الوقت ،وبإمكانها أن تضرب في أي مكان في العالم. كل هذا يعني أن الولايات المتحدة، مع حلفائها، سوف تحتاج إلى القيام بحملات مستمرة ضد الجماعات الجهادية في المستقبل إلى أجل غير مسمى، سواء في الخارج والداخل. ولذلك نجد أنه منذ عام 2008 ،نجد أن عدد قوات العمليات الخاصة الأمريكية بما في ذلك الأفراد العسكريين والمدنيين قد تزايد من 54200 إلى ما يقرب من 70 ألف ،وتخطط وزارة الدفاع للحفاظ على هذا المستوى و قد تحتاج أيضا إلى زيادة التمويل للمعدات ولتدريب قوات العمليات الخاصة. وإلى غاية حلول عام 2019 يمكن المحافظة على المستوى الحالي من القدرات العسكرية والأنشطة خاصة ما يتعلق بقوات العمليات الخاصة. لكن صناع القرار في الولايات المتحدة سيواجهون خيارات مؤلمة فيما يتعلق بالقدرات الإجمالية للقوات ذات الأغراض العامة من حيث استعدادها وتحديثها ،وتطرح في هذا السياق مسألة وضع مصداقية الولايات المتحدة ونفوذها على الصعيد الدولي ،وعلاقة ذلك بسلامة أمنها وترسانتها النووية. حتى أن بعض الجهات بدأت تروج لفكرة أن الرئيس أوباما قد يعيد النظر في النية المعلنة لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان بالكامل قبل تركه منصبه. كما أن التدخل على أرض الواقع في سوريا لا يزال ممكنا ومطروحا لإنهاء الحرب الأهلية رغم تدخل الجيش الروسي.

تقديرات خاطئة

منذ أن تخطت كارثة تفجيرات 11 سبتمبر ،وانسحابها فيما بعد من العراق وأفغانستان بعد إسقاط نظامي صدام حسين وطالبان ،وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة أزمات أمنية خطيرة لم تكن تتوقعها وتحديات في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا.

ويعود السبب من وجهة نظر بعض المتتبعين للتطورات السياسة في البيت الأبيض إلى أن برنامج الاستراتيجية والدفاع الأمريكي الذي طرح على إدارة الرئيس أوباما فيما بعد عام 2014 وُضع بناء على فرضيات ?مضللة?بأن أوروبا ستكون مستقرة وتعيش في سلام ،وأن الأوضاع في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط ستكون هادئة على نطاق واسع ،وبالقدر الذي يجنبها الالتزامات البرية وغيرها من الدواعي الدفاعية ،وهي الظروف التي تسمح لها بالتركيز أكثر على المزيد من الاهتمام بالموارد وكذا توجيه اهتمامها إلى منطقة المحيط الهادئ. وجاء التدخل الروسي في أوكرانيا والفشل العراقي في مواجهة ?داعش? ليقلب هذه الافتراضات الهادئة إلى أخطار محدقة.

تفوق روسي على أوروبا وأمريكا

وبناء على هذه المعطيات توقعت الإدارة الأمريكية ان يوافق الكونغرس الأمريكي على ميزانية الدفاع المقترحة للخمس سنوات المقبلة (2015-2019) برصد الأموال المطلوبة ،وهي أكثر مما يسمح به قانون مراقبة الميزانية. واستخدم الرئيس الأمريكي باراك أوباما الفيتو ضد ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2016 التي بلغت 612 مليار دولار، رفضا لاستمرار التقليصات في الميزانية المخصصة للجيش، التي تمنع العديد من الإصلاحات اللازمة لتحديث المؤسسة العسكرية ،وأكد أوباما أن هذه الميزانية تتعارض مع خطة إدارته بما يخص الأمن الوطني.

ومع ذلك فإن مستويات التمويل المستقبلية تبدو غير كافية لمعالجة الطلبات المتزايدة المفروضة على القوات الامريكية بالنظر إلى التحديات التي أتينا على ذكرها فيما سبق. ففي الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأمريكية تناقش ميزانية الدفاع كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن يهدد أوكرانيا بحشد قوة من 90 ألف جندي تضم قوات مدرعة ومروحيات. والأمر لا ينطبق فقط على أمريكا بل على أوروبا ككل في إطار الحلف الأطلسي الذي لم يضطلع بمسؤولياته كاملة في أزمة أوكرانيا وترك المبادرة لموسكو التي تمكنت من بسط نفوذها في المنطقة ونفذت التزاماتها على اكمل وجه. وعلى العموم فقد بدت أوروبا وأمريكا عاجزتين سويا على مجاراة مخططات الروس ،وتداخلت في ذلك عدة أسباب منها الجغرافية ومنها السياسية والعسكرية.

الصين قادمة إلى آسيا

بالنسبة لشرق آسيا فإن نمو قوة الصين العسكرية أصبح يشكل تهديدا كبيرا على الولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأمني الأول والخيار الاستراتيجي لليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين وتايوان وغيرها من دول المنطقة. الخطاب العسكري الصيني يتحدث منذ فترة وبإسهاب عن كيفية خوض ?حرب محلية في ظل ظروف التكنولوجيا العالية? ضد تكنولوجيا عدو متفوق مثل الولايات المتحدة ،وهو الأمر الذي تسعى الإدارة الأمريكية لردعه بكل الطرق ،لأن علماء بكين درسوا بعناية فائقة العمليات العسكرية الأمريكية منذ عملية عاصفة الصحراء في الخليج لتحديد نقاط ضعفها. وخلافا لأوروبا فإن الولايات المتحدة لديها اليوم ما يقرب من325 ألف جندي في المحيط الهادي،تشمل المارينز وأسراب سلاح الجو وسلاح البحرية المقاتلة و12 غواصة هجومية وغواصات صواريخ كروز. المشكلة هي أن هذه القوات معرضة بشكل متزايد للهجوم من قبل القوات الصينية ،وهو الأمر الذي يقود الإدارة الامريكية للبحث عن سبل لتعزيز الردع من أجل استقرار الوضع إما عن طريق إرسال المزيد من القوات إلى المنطقة ،وهذا قد يكون له تأثير عكسي بأن يثير قادة الصين لتوجيه ضربة وقائية كوسيلة لكسب المبادرة في النزاع ،أو أن تسعى واشنطن والقوى المتحالفة معها للاحتفاظ بقدرات ذات مصداقية وقدرات عسكرية متطورة من خلال استثمارات جديدة في المنصات والأسلحة والبنية التحتية ودعم الأنظمة التكنولوجية.

ويتلازم تقدم الصين العسكري مع تفوقها الاقتصادي ،ولأكثر من عقود من الزمن ينظر إلى الصين باعتبارها المنافس الأكثر احتمالا لتحقيق التوازن مع أمريكا أو تجاوزها. حيث توقع جولدمان ساكس أن إجمالي حجم الاقتصاد الصيني سيتجاوز نظيره الامريكي في عام 2027. كما أن عديد التنبؤات تشير بأن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني سيبلغ 6% بعد عام 2030، في حين لن يتجاوز المعدل الأميركي 2%.

وقد صدر مؤخرا كتاب لـ?مارتن جاك? بعنوان ?عندما تحكم الصين العالم: نهاية العالم الغربي ومولد نظام عالمي جديد? ،يؤكد فيه أننا نعيش حاليا إحدى تلك الفترات التاريخية النادرة التى تتميز بتحول الهيمنة العالمية من قوة عظمى إلى أخرى. وأن الفترة الجديدة تتميز باتجاه صعود الصين وهبوط الولايات المتحدة. لكن هناك من يطعن في صعود القوة الصينية خاصة في آسيا ،في ظل التحالف الأمريكي الياباني وتحسن العلاقات مع الهند ، وهو ما يعني أن الصين لا يمكنها طرد الأميركيين من آسيا بسهولة.

قد يبدو هذا السؤال مربكا وغريبا للكثيرين ،سواء كانوا أميركيين أو غير أميركيين ،لكن صناع القرار في الولايات المتحدة ومن ورائهم خبراء السياسة ومراكز البحث الاستراتيجية بدؤوا فعليا في عمليات التنقيب عن العوامل التي أدت إلى طرح مثل هذا السؤال ،وتحليل مستقبل القوة الأمريكية من خلال معالجة اختلال التوازن بين متطلباتها الاستراتيجية والموارد المتاحة في عالم أصبح مضطربا إلى درجة التراجع نحو إعادة التفكير في الاستراتيجية المثلى ومن ثم إعادة النظر في السياسة الخارجية الأمريكية وفقا لمعطيات محلية ودولية. وبالتالي كيف يمكن لصناع السياسة فى الولايات المتحدة ضبط الانفاق الدفاعي والاستثمارات لتوفير الموارد وتحسين عملية الانسجام مع المتطلبات الاستراتيجية الملحة؟ بل كيف تحافظ أمريكا على موقعها كقوة عظمى في العالم ،وما هو مستقبل هذه القوة؟

كلمة ?تراجع? تخلط في الحقيقة بين بعدين مختلفين: الأول يعني انخفاض مطلق أو انهيار واضمحلال تام ،والثاني يقصد به تخلف نسبي يعيد تسيير المراحل بما يكفل استخدام القوة بشكل أكثر فعالية وذكاء. في عام 2010، خلص استطلاع مركز ?بيو? للأبحاث إلى نتيجة أن 61%من الأمريكيين يعتقدون أن الولايات المتحدة في تراجع، و19% فقط يثق في قدرة الحكومة على القيام بما هو صحيح في معظم الوقت. وهذا ما يفسر أن الولايات المتحدة تأسست جزئيا على عدم الثقة في الحكومة ،وصمم دستورها على مقاومة السلطة المركزية. ومع ذلك لا يشعر الأمريكيون أن نظامهم فاسد ولا بد من إسقاطه ،وإذا سألت أحدهم عن أفضل مكان للعيش في العالم يقول:أمريكا طبعا. وإذا سألته عما إذا كان معجبا بنظامه الديموقراطي يقول:نعم.

عجز الأمن القومي الأمريكي

ولكن في النهاية عندما نتحدث عن ?معالجة? في الجسم الأمريكي فإننا نفترض وجود ?مرض? ،حيث تشير دراسة حديثة لمؤسسة ?راند? الأمريكية إلى أن سعي صناع القرار في واشنطن إلى معالجة التوازن بين خفض الانفاق في المجال العسكري والمتطلبات الاستراتيجية يدلل على وجود اختلال أو عجز في الأمن القومي الأمريكي ستسعى الإدارة الحالية والإدارة المقبلة إلى إيجاد حلول مناسبة لسد ثغراته ،وبحث الخيارات الدفاعية المتاحة التي تستجيب في النهاية لمجموعة من التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة حاليا والأخطار التي تهدد أمنها ومصالحها في المستقبل ،ويمكن تلخيص هذه التحديات في ما يلي:

? الاستراتيجية الروسية الجديدة بعد ضم شبه جزيرة القرم والتدخل في أوكرانيا وسوريا

? التهديدات التي يتعرض لها أعضاء حلف شمال الاطلسي في منطقة بحر البلطيق

? تزايد خطر القوة العسكرية للصين وتهديداتها خاصة في شرق آسيا

? سعي إيران لأهدافها التوسعية في منطقة الخليج وخارجها.

? تنامي الحركات الجهادية وخطر تقدم تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق

? تأكيد وإثبات الذات الأمريكية كأعظم قوة عالمية

وتشير بعض التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050، سوف تكون آسيا قد قطعت أشواطا معتبرة في طريقها إلى استرداد حصتها ومجدها التاريخي مع صعود الصين والهند ،مما ييخلق حالة من عدم الاستقرار وكذلك عدم التوازن المقلق لواشنطن.

وحتى تواجه هذه التحديات الناشئة وغيرها ،تجد الإدارات الأمريكية نفسها مرغمة على أن تُراجع سياساتها وتخلق مكنزمات جديدة لتكييف خفض انفاقها العسكري مع ضروراتها الاستراتيجية حفاظا على مصالحها وعلى قوتها في العالم ،خاصة وأن المعطيات المتوفرة حاليا ،على أكثر من مستوى ،تشير ? بما لا يدع مجالا للشك ? أن المستوى الحالي للإنفاق الدفاعي لا يلبي المطالب الطموحة للأمن القومي الأمريكي ،وأن القيود المفروضة على هذا القطاع ،بموجب أحكام قانون مراقبة الميزانية ،وفي خضم التهديدات الراهنة ،أحدثت عجزا في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية جعلت السؤال عن مستقبل القوة الأمريكية يصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

قصص شعبية أسقطت روما

إضافة لما ذكره المؤرخ توينبي، فإن معالم إنهيار الدولة قد اتضحت من خلال تعاملها مع جيرانها المتاخمين لها، لا سيما القبائل الجرمانية التي تقطن بالمناطق الشمالية لنهر الراين وكذلك في بريطانيا التي احتلتها روما فترة طويلة من الزمن. ومن يطلع على قصة الملكة بوديكا البريطانية سيدرك مدى الغطرسة التي تعامل بها الرومان مع أصحاب البلد.

واسمحوا لي بهذه السطور أن أقدم لحضراتكم قصة مأثورة أخرى عند القبائل الجرمانية والتي تظهِر مدى الرغبة بإسقاط الإمبراطورية الرومانية والتخلص من قيودها وإذلالها:

إنها قصة آرمينوس -أو هيرمان حسب النطق الجرماني- فقد اشترط الرومان بعد اجتياحهم للأراضي الجرمانية شمال نهر الراين وقبول الجرمانيون للصلح أن يسلم زعيم قبيلة الشيروسكي الجرمانية ابنه الصغير لروما ليكون في عهدتهم إلى الأبد ضمانا على صدقه بالتحالف معهم، وكان ذلك على الأرجح في العام الثامن قبل الميلاد. فترعرع هذا الفتى في روما وكبر وتعلم الفنون العسكرية والقتالية إلى أن اشتد عوده وبلغ مكانة لا بأس بها كعبد في البلاط الروماني الذي وثق به وعينه فارسا رومانيا. وشاءت الأقدار أن يأتي للأراضي الجرمانية الشمالية مجددا بعد 20 عاما فرأى الاضطهاد وسوء معاملة بني جلدته الجرمانيين على يد الحاكم الروماني فاروس -الذي كان حاكما ناجحا وقاسيا في سورية قبل ذلك- واعتبارهم كعبيد في أراضيهم ومن لا يدفع منهم الضرائب عالية التكاليف سيكون مصيره حالك السواد. فقرر آرمينيوس وقف هذه العبودية والاضطهاد بعد أن تعهد لوالده وهو على فراش الموت بأن يخلص قبيلة الشيروسكي من هذا الطغيان، فعمل على توحيد صفوف القبائل الجرمانية ودعوتها لشن الثورة على الرومان، ثم انتظر الفرصة المناسبة بعد أن لبى الكثيرون نداءه. وقد واتته الفرصة حين انطلت على فاروس المتغطرس خدعة من آرمينيوس الذي اختلق وجود تمرد على منطقة متطرفة واقترح أن يسيّر فاروس عليها الفيالق الكثيرة حتى يئدها في مهدها. وفعل فاروس ذلك دون أن يفكر بعدائية المنطقة أو أن تتوفر له خطوط انسحاب في أرض ضيقة لا يعرف عنها شيئا أو حتى أن يحمي أجنحته على الأقل، فكان أن وقعت معركة غابة تويتوبورج في العام التاسع بعد الميلاد وأطبق تحالف القبائل الجرمانية على الجيش الروماني في فخ لا مفر منه، ووقعت ثلاثة فيالق رومانية من أفضل الفرق العسكرية الرومانية في مصيدة كبرى تعرضوا فيها للذبح جميعا. وكانت نتيجة المعركة كارثية على الجبهة الشمالية لروما حيث أبيد 36 ألف جندي روماني، أما فاروس المغرور فلم يتحمل وقع الطامة وأقدم على الانتحار بعيد المعركة. وتمثلت تداعيات المعركة بانكشاف كل الجبهة الشمالية وتعرض منطقة الغال وروما نفسها للتهديد الفوري حيث لم تتوفر قوات كافية لصد الجرمانيين هناك، فلم يتوفر خيار آخر سوى الانسحاب إلى جنوب نهر الراين مجددا وترك الجرمان وشأنهم. وهكذا اندحر الرومان إلى الأبد من الشمال الجرماني، وكان درسا قاسيا على تلك الإمبراطورية الغابرة. أما آرمينيوس فرغم انتصاره المدوي فإن البرابرة الجرمان لم يطيقوه أيضا، فقتلوه هو الآخر.

خاتمة:

معنى سقوط الدول وقيمة وجودها

ليس للدولة قيمة على الإطلاق إن لم تعمل على احترام الفرد ورعاية حقوقه وكفالتها، فهذا هو أساس الإسلام وجوهره حيث إنه وضع خارطة طريق إلهية تنظم العلاقات الإنسانية وتبين الواجبات التي يتعين على القيام بها تجاه ربه وتجاه الإنسان الآخر ومع المجتمع الذي وضع هذا الدين الختامي للبشرية أسسه الراسخة. فإذا كانت الدول تدرك هذه القواعد وتقيمها حسب متطلبات العدل الشامل واحترام حرية الفرد وكرامته فإن حكمها قوي بإذن الله وغير آيل للسقوط وراسخ رسوخا صلبا بعقول الناس وقلوبهم وأفعالهم وسلوكياتهم. أما إذا جنحت الدولة نحو الظلم والاستبداد والفساد، فإنها ساقطة بزمن عاجل غير آجل، مهما بدا عليها من علامات الثبات والاستقرار والمنعة. ودائما ما يوجد من يزين بقاء الدول رغم تآكلها من الداخل، وغالبا ما يكون هؤلاء سببا رئيسا بتعجيل سقوط دولهم، وقد عبر كسرى أنو شروان الملك الفارسي عن ذلك خير تعبير ذات مرة حين قال “المُلك بالأعوان” وهذا توصيف واقعي وصحيح، حيث زيد كذلك “الملك بالأعوان، والأعوان بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالرعية، والرعية بالعمارة، والعمارة بالعدل”

وبالتالي، فإن سقوط الدول وتفتتها وانقسامها سنة من سنن الله في كونه وعلينا ألا نجزع من ذلك، على أن ما يثير القلق والهواجس تبعات ذلك السقوط ونتائجه على الفرد الذي لا حول له ولا قوة، وهو ما نبتهل إلى الله عز وجل دائما اللطف فيه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلاة على الرسول الأمين.

الروم ومحاربة الأديان

- اليهودية:

قامت الإمبراطورية الرومانية في معظم عصورها على ديانات وثنية مبتكرة أو مختلطة مع ديانات وثنية سبقتها كديانات الإغريق، وعبد أهل روما الأصنام المجسدة للبشر ومنها مثلا جوبيتر كبير الآلهة وزوجته جونو إلهة السماء والقمر والوقار للمرأة، ومنيرفا إلهة الشعر والطب والحكمة، وفستا إلهة الموقد وحامية النار المقدسة ولها معبد كبير تخدمه راهبات كثيرات، وكيريس إلهة الزراعة، وديانا وهي أم الحيوانات المتوحشة والغابات، أما فينوس فهي إلهة الحب ومارس هو إله الحرب، وآلهة أخرى كثيرة. وقد عملت الدولة الرومانية على إضطهاد أي دين يقوم على أراضيها، فحدثت نزاعات دموية بينهم وبين اليهود في فلسطين تعرضوا بعدها إلى ما يشبه الإبادة الجماعية والتهجير الدائم من الشام الكبرى. وقام الرومان كذلك بعملية قد لا نزال نعاني من تبعاتها حتى اليوم وتتمثل بهدم أو حرق المعبد الذي بناه الملك هيرودوس لليهود الذين أطلقوا عليه اسم “هيكل سليمان”، وهو ما يشكل “مسمار جحا” المفضل لهم من خلال احتلال القدس وبيت المقدس حيث يريدون أن يقيموا هيكلهم المزعوم من جديد على أنقاض المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث حرم شريف يقدسه المسلمون، وهو سيؤدي إلى ما لا يحمد عقباه ليس بالمنطقة فحسب بل بالعالم أجمع. ومن المعروف تاريخيا أن الروم مسحوا كل الآثار والمعالم اليهودية في القدس بعد ثورة أو تمرد “باركوخبا” ما بين عامي 132 و135 للميلاد، ولم ينفع اليهود كل الثورات والتمردات التي حدثت لاحقا، إلى الحد الذي جعل التهجير والشتات والترحيل Exodus من الأأساسيات الثابتة في معتقدهم الديني. ولا أعلم إن جاز لي أن أشير أن التبعات التاريخية لقمع الروم لليهود نتحملها نحن العرب والمسلمين، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لو لم يتخذ الروم هذه السياسة الدموية تجاه اليهود، هل كان لهم أن يستدروا عطف العالم عبر اجترار مآسي تاريخية طويت وانتهت حتى يومنا هذا؟ وكذلك، هل سيتعرض دينهم لمثل هذا القدر من التحريف والضلال لو لم يقعوا ضحية لمجازر الرومان أدت إلى سيطرة قلة من أحبارهم على تفسير الدين اليهودي لمصالحهم الخاصة؟ قد لا تكون الإجابة بسيطة، وتحتاج لبحث آخر منفصل.

- المسيحية:

“بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبدالله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم· سلام على من اتبع الهدى· أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين· فإن توليت فعليك إثم الأريسيين·”

و’يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضا أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"

بعد أن اتضح للإمبراطور قسطنطين الأول أن النزاعات الداخلية ما بين علية القوم في روما قد ضربت أطنابها وأن الخلافات الوثنية المذهبية قد استفحلت، لجأ إلى حل قد يبدو منقذا آنذاك، وهو محاولة تبني الديانة المسيحية أو النصرانية دينا للدولة. ولكن هذا الأمر لم يكن بهذه السهولة التي قد يتصورها قسطنطين، لأنه سييجعله يضطر أولا إلى محو تاريخ الرومان المرتبط بالوثنية ارتباطا شديدا، ولا شك أنه واجه صعوبات جمة بهذا الشأن لا سيما وأن الحكام الرومان قد عملوا طوال ثلاثة قرون متتالية على التنكيل بكل من يؤمن بدين عيسى ابن مريم الناصري عليهما السلام قتلا وصلبا وتعذيبا، وقد أنجى الله عز وجل نبيه المسيح برفعه إياه، فخيل لهم أنه قد صلب وما هم إلا واهمون. وليس من المقنع أن يأتي بهذا الدين ليجعله رسميا هكذا فجأة. إلا إنه كما بدا قد وجد حلا تمهيديا لذلك من خلال ما أطلق عليه “إطلاق حرية الأديان والاعتقاد الديني” في عهده، ولكنه فوجيء لاحقا بأن أصحاب الديانة، التي أرادها منفذا للوضع السيء، كانوا منقسمين على أنفسهم هم أيضا حول طبيعة ديانتهم وجوهر عقيدتها. وهو ما اضطره بالنهاية إلى عقد المجمع المسكوني الأول في نيقية (بورصة حاليا) عام 325 م، حيث التقت الفرق المسيحية بغرض الخروج بعقيدة موحدة للمسيحية، ولكن تركز الخلاف على مسألة التثليث وطبيعة الرب، ما إذا كانت واحدة أم ثلاثية. ودافع عن المعتقد الأول القسيس آريوس (وهو الأريسي وأتباعه الذين يقصدهم الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام بكتابه لهرقل عظيم الروم) والثاني دافع عنه أثناسيوس. والغريب بالأمر أن كثيرا من المصادر تذكر أن أغلبية رجال الدين الذين دعيوا لمجمع نيقية كان مؤيدين لآريوس بعدم وجود أدلة تقضي بالتثليث، ولكن النتيجة النهائية لهذا المجمع الذي حكم على شكل الديانة المسيحية آلت لصالح المثلثين على قلتهم. ويقول المؤرخ الأمريكي كرين برنتون:

“إن المسيحية الظافرة في مجلس نيقية في أعظم إمبراطوريات العالم كانت مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل، ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعا، لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن الأولى فحسب، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتا”

إلا إن ما هو أغرب من ذلك أن مصادرا أخرى تشير إلى إن قسطنطين، الذي عاش معظم حياته وثنيا، تعمّد قبيل وفاته حسب المذهب الآريوسي. ويتبين لنا أن هذا الإمبراطور لم يكن مهتما بالبحث عن حقيقة الديانة، التي ربما قد سعى أكثر من طرف لإفسادها عقائديا من الداخل (اليهود مثلا)، بل كان يريد استخدامها كمجرد وسيلة جديدة للم شتات الدولة التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانقسام والتفتت. وهذا ما يدعم نظرية أن الدولة الرومانية حاربت الدين الصحيح عند ظهوره، وعندما أرادت تبنيه اختارت منه نسخة مناسبة ومقاربة لمعتقداتها السابقة، فالتثليث مثلا كان موجودا بالوثنية الرومانية (جوبيتر، مارس، كورنيوس) والفرعونية المصرية القديمة (حورس، سيراييس، إيزيس)، وفكرة الكهنوتية والمذبح مستمدة من الوثنية المترائية التي لا ترى خلاصا للإنسان إلا بتقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان، إلى آخرها من المعتقدات المنقولة للديانة المسيحية. وبالتالي فإنني أزعم أن إفساد روما لكل الديانات التي ظهرت على أرضها وكذلك محاربتها لأي دين (بما فيها الإسلام) كان عاملا حاسما لسقوطها بشكل أو بآخر، وكان كذلك سببا بتغول الكنيسة الكاثوليكية في روما إبان العصور الوسطى المظلمة على الناس في أوروبا عموما وهو ما أدى لظهور تطرف مقابل تمثل بالبروستانتية والحروب الدينية الدموية ثم بروز العلمانية أو الدنيوية كوسيلة للخلاص من تلك الأزمات في أوروبا. إلا إن هذه الشرارة انتقلت لعالمنا الإسلامي بلا مبرر، حيث أقدمت كثير من أنظمة الدول العربية والإسلامية لمحاربة الدين واللجوء للعلمانية التي يزعم البعض أنها عامل موحد للدول، وهذا مما أثبت عكسه العديد من المحللين والباحثين، وخصوصا بالدول الإسلامية.