خليل كتب:
**
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخي العزيز بارك الله فيك وجمعني الله بك في جنات النعيم.
جاء في الرد السابق بعض الجمل التي لم افهمها حق الفهم, مثل قولك:
“لأن الإيمان أو الاعتقاد يوجد واقعياً عند البشر حين يأخذ الوجدان فكرة ما ويضمها إليه ضمّاً كاملاً وأكيداً بارتياح، ويشدها إليه، ويوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم”
فما المقصود ب “يوافقه العقل على ذلك ولو موافقة تسليم”؟
وجاء ايضا:
والاعتقاد أي التصديق الجازم من قِبَل الوجدان يتحقق عند أهل العقائد الباطلة مع عدم مطابقة معتقدهم للواقع، على شرط وجود دليل يحقق الجزم. وقد يكون الدليل فاسداً، وقد يكون دليلاً شعورياً، لكنه أقنع صاحبه بوجه من الوجوه واطمأن إليه فأحدث الجزم عنده
كيف يؤدي الدليل الفاسد الى الجزم عند اهل العقائد الباطلة؟ او ليس الجزم بحاجة الى دليل جازم؟
وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
**
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) وبعد:
فالوِجْدَانُ : مصدر : النفْسُ وقواها الباطنيّة.
والوِجْدَانُ : يطلق في الفلسفة، على كلُ إحساس أوَّليٍّ باللَّذة أو الألم،
كما يُطلَقُ على ضرب من الحالات النفسيّة من حيث تأثُّرُها باللَّذة ؛
أو الألم في مقابل حالات أخرى تمتاز بالإدراك والمعرفة.
والوجدان في اللغة: من وجد، وجدة، ووجدة، ووجودا، ووجدانا، وإجدانا بمعنى أدركه وحصل المطلوب، والإدراك هنا على ضربين: تصوري في الذهن أو تصديقي له واقع خارج الذهن مصداقا لحكمه في الذهن، والوجود أنواع
وجود حسي: وهو ما يوجد بوساطة الحواس الخمس، نحو: وجدت زيدا، ووجدت صوته ووجدت طعمه ووجدت خشونته.
ووجود شعوري: وهو ما يوجد بوساطة حركة الإحساس الغريزي بالشعور الداخلي في خلجات النفس، نحو: وجدت شعور الحب للأشياء والميل لها، من التملك والخوف والخشوع والتذلل والكبرياء وغيرها.
ووجود بقوة الإنفعال الشعوري كوجود الغضب والحزن والسيادة والسخط.
ووجود بالعقل كمعرفة وجود الله ونبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وصار معنى الوجدان في العرف اسما للمشاعر وما ينتج عنها من انفعالات أو قوة انفعالية فيضفي على فكر الإنسان أبعادا صورية وتطلعات خيالية؛ وحد بنتاج الطاقة الحيوية في مظاهرها من الحاجات العضوية والغرائز.
وجاء في المصدر نفسه
وجعل فيها إدراك الفجور والتقوى (فألهمها فجورها وتقواها), أي: عرف النفس طريق الفجور والتقوى بالفطرة، فجعلها تميل إلى الطاعة وتحذر المعصية بصيرورة حركة الفطرة بمشاعر الوجدان.
والاسلام لم يحارب الايمان الوجداني بل طالب أن يكون الايمان قد أتى عن طريق التدبر في المخلوقات للوصول عن طريقها للإيمان الثابت الذي لا يتزعزع ولا تنفصم عُراه، والوجدان عامل مساعد يثبت ما توصل اليه الانسان بالتدبر وملأ نفسه طمأنينة وارتياح فأتى كعامل مساعد لتبيت تلك الطمأنينة. وقد قبل الاسلام الايمان الآتي عن طريق الوجدان وهو ما أسموه ( ايمان العجائز ).
وقد يتحقق بالوجدان التصديق الجازم بوجود الله بالقوة المبتغاه، وحتى أهل العقائد الباطلة قد صدقوا تصديقا جازما بما دفعهم الوجدان له من الانحراف العقائدي بأدلة ثبتت لديهم ما وصلوه من كفر دافعوا عنه وحاربوا لأجله وماتوا في الدفاع عنه، ومثال ذلك كفار مكة المعتقدون بصحة عبادة الأصنام والذين حاربوا دعوة الاسلام وقامت بينهم وبين اهل الدين الجديد معارك أججوها ونفوس قتلوها ونار دخلوها.
(…وقد نال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ونال أصحابَه من أذى قريش وقبائل العرب ما هو معروف ومشهور ، ويكفي مثالاً على ذلك ما جاء في البداية والنهاية لابن كثير : " وقال البخاري حدثنا عياش بن الوليد …حدثني عروة بن الزبير سألت ابن العاص فقلت أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حِجْر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم … الآية " . وما جاء في البداية والنهاية : " عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور ، فقال : يا أبا بكر إنّا قليل فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته ، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أوّل خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضُربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً ووُطئ أبو بكر وضُرب ضرباً شديداً ، ودنا منه الفاسق عقبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه ، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه ، وجاء بنو تيْم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر ، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكّون في موته … " .
ولكن الأنبياء والرسل وكذلك أتباعهم من بعدهم ما كانوا ليدعوا حمل الدعوة وتبليغ الشرائع والأحكام ، بل كانوا يصبرون ويصبرون على ما يلاقونه حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم ، وما عُرف أن نبياً أو رسولاً أو أتباع نبي أو رسول تركوا حمل الدعوة وتخلوا عن حمل الأمانة من تعذيب أصابهم ، أو تكذيب واستهزاء تعرضوا له ، فكما أن سنة الله في خلقه
أن الأمم والشعوب والأقوام يدافعون عن عقائدهم وأفكارهم وأحكامهم ، فإن سنة الله في خلقه أن الأنبياء والرسل وأتباعهم من حملة الدعوة يصبرون على الأذى والتعذيب حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم وينزل نصر الله عليهم ، فالآية المذكورة قبل قليل : { ولقد كذبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات الله } صريحة الدلالة على ما نقول . فالصبر على العذاب والأذى سنة لا تتخلف في كل من يحمل الدعوة من أنبياء وأتباع على مرّ العصور والدهور ، ولم يحصل ولا مرة واحدة أن نبياً أو رسولاً أو حتى جُمْلة الأتباع لنبي أو رسول تعرضوا لأذى أو عذاب فتركوا حمل الدعوة واستجابوا لمراد أقوامهم ، لأن ذلك لو حصل لكان خارقاً للسّنّة ، ومبدلاً لكلمات الله …)
آمل أن أكون قد أوضحت لك ما أبهم…وبارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.