رائد الفكر الإسلامي الحديث: شيخ الإسلام مصطفى صبري

**ثانياً :سمات مؤلفاته

القراءة الفاحصة لعناوين المؤلفات يبيّن بجلاء أننا أمام شخصية علمية نذرت نفسها لمدافعة الباطل والدفاع عن الحق في العلم والسياسة. فالعناوين المختارة دالة بنفسها على ملكة المطارحة، ويؤكد هذا المسلك القراءة الأولية لما كتبه الرجل. إن المصطلحات الموظفة في التعبير عن عناوين الكتب والمقالات تدل بنفسها على العقلية الجدلية التي يتميّز بها.

إن كتبه باللغة العربية أكبر من أن نشرحها لدلالتها المباشرة على ما رمنا بيانه في الفقرة السابقة. انظر معي لفظ “النكير”، فهو دال بنفسه على الاستنفار والإنذار والتنبيه مع شدّة في اللفظ، إنه نكير على منكري النعمة من الخلافة والأمة. وأعمل مسلك الإنكار نفسه في كتابه “مسألة ترجمة القرآن”، فقد عرضها كمسألة يراد توجيه الأنظار فيها إلى رأي مرجوح، فرام من خلال المطارحة الهادئة والهادفة إلى بيان القول الفصل في المسألة. ونسج على المنوال نفسه في كتابه “القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون بالغيب”، فحاول الفصل في مسألة كثر فيها الكلام وفق مشارب الآخر، لهذا ركب فرسه للمدافعة والمرافعة عن الغيب الذي يراد إبعاده خدمة للثقافة الغربية وانسجاما معها.

وبذلك المنهج كتب كتابه “قولي في المرأة”، إذ يدل بقية العنوان على الغرض الأصلي من الكتاب “ومقارنته بأقوال مقلدة الغرب”. إنه يرمي إلى إبطال أقوال الغربيين ومقلديهم في مسألة المرأة في الإسلام.

أما موسوعته “موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين” فهو بيّن من عنوانه “موقف”. فهو دفاع عن موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين ضد أولئك الذي نصبوا بينها برازخ لا تتجاوزها، بينما هم يتضافرون جميعا (العقل والعلم والعالم) في الدلالة على بطلان أقوال المنكرين والملحدين وصحة ما ذهب إليه أهل الإيمان برب العالمين.

وتتأكد النـزعة التي أصبحت في الرجل ملكة أكسبته الاستقلال الفكري فيما قرأناه في تلك المؤلفات، إذ يصرح بأنه لا يريد “أن يقول بفكرة إن قال بها كبير أيا كان، ولا يتخلى عنها إن لم يقل بها أو قال ثم رجع عنها”. لهذا تراه لا يوجّه اهتمامه إلى تحقيق رأي فلان أو علان، ويرى ذلك شأن غير الباتين في الحكم بعقولهم فيوازنون درجة المذاهب في الصحة أو الفساد بدرجة مراكز المنتمين إليها.(1) وتماشيا مع ما ذكره تراه ينقد الخطأ حيث وجده غير مهتم بمركز القائل، ينتقد الغزالي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من العلماء.

أما بالنسبة للعلماء المعاصرين فقد ناقش أقوال أكثرهم شهرة كالشيخ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وشلتوت… وبالدرجة نفسها التي ناقش بها فلاسفة الغرب كباركلي وهيوم وكنط… وقد سبب له هذا النقد كثيرا من الحرج والمتاعب، فقيل له “كيف تنقد هؤلاء الأعلام؟” فقال “إن كتابي كتاب مبادئ لا كتاب تراجم”.(2) إنها كلمة رائعة يجب أن تكون قانونا يعمل به في تمحيص الأفكار والآراء بصرف النظر عن أصحابها ومراكزهم.

جهوده العلمية

المتتبع لعناوين كتب الشيخ مصطفى صبري يدرك أن المقصد الأساسي من مؤلفاته هو الدفاع عن الإسلام والعلوم الإسلامية بصفة عامة، وذلك بصد الهجمات التي تعرّض لها من قبل أبنائه، وخاصة تلك التي تلبّست بالإلحاد القائم على المبادئ المادية في العلوم أو التي قامت على المبادئ القومية في الجانب السياسي. لهذا انصبت جهوده على محاربة العقليات السائدة في الوسط الثقافي والسياسي، وعلى رأسها محاربة العقلية الآيلة إلى الإلحاد في البيئة الإسلامية المعاصرة. وأصل هذا الداء -في رأيه- الذي ساق المتعلمين الجدد إلى الشك المنتهي إلى الإلحاد اعتقاد أنه “لا يثبت وجود الله علميا، لأن العلمية ربطت بالثبوت التجريـبي الحسي وفق ما ثبتت به سائر المعارف والعلوم في العلم الحديث، وهذا لا يَعتدّ بالدليل العقلي لعدم إمكان سلامته من الخطأ، وبالتالي لا يمكن الوثوق به”، فنجم عنه تسرّب أمراض خطيرة إلى بيئتنا الإسلامية، لعل أهمها:

? عدم الاستناد إلى الأدلة النقلية، وترتب عليه إنكار مسائل غيبية ثابتة، واضطرهم هذا إلى التأويل مسايرة للعلم الحديث، حتى غدا التأويل المتعسّف مسلكا لدى كثير من أعلام هذا العصر، وقد كان محمد فريد وجدي أكثرهم غلوا ومسايرة للعلم الوضعي (التجريـبي الحسي).

? الفهم السياسي المستنير للاسلام؛ وقد خُدم هذا المبدأ بطريقتين اتخذت أولاهما الطريقة المباشرة كالمحاولة التي قام بها الشيخ علي عبد الرازق؛ وسلكت الثانية طريقا غير مباشر من خلال إخراج الفقه من دائرة الدين وفق ما ذهب إليه الشيخ محمد مصطفى المراغي، ويقرب منه قوله بجواز التعبد بالقرآن المترجم.

? ظهور محاولة إنقاذ الدين من العقل وفق ما قام به الفيلسوف الغربي “كنط” حينما أقام دليل العقل العملي على وجود الله (دليل الأخلاق). ومبنى هذا الرأي التأسيس للعقيدة المسيحية التي لا تتلاءم والعقل، لهذا عدت محاولة النسج على منوالها متجاوزة لكل مسلمات العلم، إذ تختلف الديانة الإسلامية عن الديانة المسيحية المحرّفة في أساسهما العقدي. فأساس الأولى الفصل بين عالمي العقل والقلب الذي من مهماته العقيدة والإيمان، بخلاف ما هو عليه الإيمان في الإسلام، فهو موجّه إلى العقل في اللحظة نفسها التي يتوجّه إلى الوجدان. وقد رام تحقيق هذه المهمة المستعصية الشيخ فريد وجدي، فحاول إقامة البرهان على وجود الله تعالى دون الاستناد إلى الدليل العقلي(3)، وهي محاولة لا يمكن أن تنجح ولا ينبغي لها أن تنجح، وإن نجحت فإنها من قبيل الغلطة الناجحة، لأنها متصورة في المسيحية وغير متصورة في الإسلام.(4) فالمسيحي يضطر إلى إهانة عقله ليسلم له دينه، وكذلك الحال بالنسبة للملحد الغربي والشرقي، فإنه يضطر إلى الاستهانة بالدين ليسلم له عقله. والمسلم بخلاف ذلك تماما؛ فالعقل والدين لا يفترقان حتى غدت عند المسلمين قاعدة مشهورة “من لا عقل له لا دين له”.

? تسرّب ضلال الاستخفاف بالعقل، وتأصّل ذلك بانتشار المذهب التجريبي وبناء العلم عليه بعد الفيلسوف بيكون، فطبق المذهب التجريبي بطريق الفلسفة الوضعية على العقائد، وقد زاد الأمر شناعة شيوع تقليد كل ما وفد إلينا من الغرب أو صدّروه إلينا.(5)

وفي ضوء ما سلف حصر الشيخ مهمته فيما يأتي:

? مكافحة الشبهات ومكافحة مروجيها والكشف عن المكامن التي يتستر المثيرون لها، حتى يتزعزع مكان الشبهات ومكانة مثيريها في قلوب الناس كائنين من كانوا، “فتنهار الشبهات ومروجوها وتسلم عقيدة المؤمنين من شرورهم وتساؤلاتهم”.(6)

? الدفاع عن مركز علم الكلام وإثبات صدقه وصحة استثمار معارفه، والسعي إلى إثبات أن وجود الله لا يمكن أن يستند إلى الدليل التجريـبي الجزئي الذي فتنهم، ولا يكون بغير الدليل العقلي، لأن الدليل العقلي أقوى وأيقن من الدليل التجريـبي.

? محاربة اللادينيين بالقضاء على كل شك يرمون إلى تكريسه بطريق الإلحاد. وبهذا الصدد عمل على شحذ الهمم وتنبيه العقلاء إلى خطر تسرب العقليات الغربية المناوئة للدين إلى أذهان المثقفين المسلمين، ويتطلّب هذا الجهد سرد شواهد من كلمات رجال يستدل بأهمية مراكزهم الرسمية والأدبية على أهمية المسألة(7)، لهذا اضطر إلى تفحّص أقوال وأفكار الفلاسفة الغربيين وأيّد رأيه بكثير من أقوالهم وتصريحاتهم.

? حاول بيان المرض العقلي الذي هيمن على العقليات في مصر الحديثة نظرا لخطورته البالغة، إذ يرجع إليه حسب تقديره سبب هلاكها في الدنيا والآخرة إن بقي الأمر على حاله.(8)

? الدعوة إلى إصلاح الأوضاع العلمية في العالم الإسلامي، بصفته الطريق الوحيد للنجاح السياسي والاجتماعي في الحاضر والمستقبل.

وللبحث بقية**

**رائد الفكر الإسلامي الحديث:

شيخ الإسلام مصطفى صبري

أ.د. عمار جيدل

العلماء في الثقافة الإسلامية ورثة الأنبياء، لهذا يعد عملهم امتدادا لعمل الأنبياء، فينسجون وفق مسلك الأنبياء في إنقاذ مجتمعاتهم من دركات فساد الاعتقاد والأخلاق والقوانين وسائر الأحوال. والقيام بتلك الوظيفة على أكمل وجه يقتضي من العلماء استصحاب المعطى الثقافي والحضاري الذي تتحرّك فيه دعوتهم فاعلة ومتفاعلة. ولعل أصدق أنموذج معبر عن استحضار لتلك المعطيات من الناحية النظرية، العمل الجبار الذي أنجزه شيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله؛ فقد كان بحق رائدا من رواد المقاومة الفكرية في المجتمع العثماني الحديث.

نبذة عن حياته

فمن هو شيخ الإسلام مصطفى صبري وأين نشأ وترعرع وتعلم، وما الأعمال التي تؤكد ما مِلنا إليه في مدخل المقالة؟

ولد الشيخ مصطفى صبري من أبوين تُركيَين في تاريخ 12 ربيع الأول 1286 هـ 1869م في الأناضول بمدينة “توقاد” التي ينسب إليها. تتلمذ في بداية تحصيله العلمي على يد والده الأستاذ أحمد التُّوقادي، وأتمّ دراسته الأولية في مسقط رأسه حيث حفظ القرآن الكريم بها، ثم واصل رحلة التحصيل بمدينة قيسري، ثم انتقل بعدها إلى الآستانة ونال إجازتين. انخرط مصطفى صبري ابن الثاني والعشرين ربيعا في سلك كبار المدرسين بصفة أستاذ محاضر في جامع السلطان محمد الفاتح، بعد امتحان التدريس بدرجة مدرس عام سنة 1307هـ/1890م. وقد تخرج على يديه عدد لا يستهان به من الطلبة، ويذكر أنه سلّم إجازات لخمسين طالبا. اختير بتاريخ 16 يناير 1900م عضوا في ديوان القلم (أمانة السر). واختارته هيئة كبار العلماء المعروفة بالجمعية العلمية رئيسا لصحيفتها الأسبوعية التي كانت تصدرها بعنوان بيان الحق، ليعيّن بعدها عضوا في دار الحكمة “هيئة كبار العلماء”، تولى بعدها تدريس الحديث الشريف في مدرسة السليمانية. اختير نائبا عن مدينة توقاد في المشروطية الثانية بتاريخ 1 يناير 1908م، ثم تولى في عهد وزارة الداماد فريد باشا الأول المشيخة الإسلامية سنة 1919م بناء على الإرادة السلطانية، وظل محتفظا بمنصبه في الوزارتين المتعاقبتين.

ولما ضاق به حال البلاد بناء على ما تعرّض له من ضغط وتقييد اضطر إلى الهجرة. سافر إلى مصر سنة 1923م ومنها إلى لبنان، وبقي على تلك الحال متنقلا، فزار مكة، وعاد إلى مصر سنة 1932 م وهذا بعد الإقامة القصيرة بتركيا.

آثاره العلمية ووقفة مع كتاب “موقف العقل”

تتوزّع آثاره العلمية على العديد من أنواع التأليف؛ ففيها الكتاب الجامع وفيها الكتاب البسيط ومنها أيضا المقالات المتخصصة. وقد ألّف باللغتَين العربية والعثمانية (التركية القديمة). وأهم كتبه: النكير على منكري النعمة من الخلافة والأمة، موقف البشر تحت سلطان القدر، قولي في المرأة ومقارنته بأقوال مقلدة الغرب، القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون بالغيب، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين.

تضمن كتاب “موقف العقل” زبدة أفكاره وآرائه السياسية والعلمية. فهو كتاب غني بالمطارحات الفكرية المتنوعة حيث تجد المناقشات الفلسفية العالية والكلامية الدقيقة والسياسية في جانبيها النظري والعملي. والكتاب من عنوانه يدل على أن الغرض الأصلي منه هو الدفاع عن عقيدة الإسلام. والقيام بهذا العمل فرض عليه الحديث المسهب عن كثير من القضايا حيث أنه:

? كشَف المؤامرات التي تعرّض لها الإسلام من زاويتي التحدي بالسلاح من خلال هجمات الغربيين، والتحدي الفكري العقدي الذي تقوده قوى الإلحاد والفجور، فعمل بهذه المطارحات على مجابهة الفريقين.

? بيّن في كتابه قيمة الدليل العقلي مقارنة مع الأدلة التي استند إليها المثقفون الغربيون أو المتغربون. فبرهن بأن الدليل العقلي أيقن من الدليل التجريبي، ويعد النقاش في هذه المسألة تأريخا لوجودها في البيئة الإسلامية المعاصرة.

? ناقش أدلة فلاسفة الغربيين على وجود الله، كما ردّ شبه النافين من الملاحدة. وهذا الجهد يدل على إحاطته بالفكر والفلسفة الغربيين عامة بخلاف ما ذهب إليه بعض الباحثين.

? حارب الشبه المعربة عن الفكر الغربي (المترجمة)، والتي منها الاستخفاف بالدليل العقلي والاستناد الكلي للدليل التجريـبي، حتى غدا المنهج التجريبي هو المنهج الأصيل والوحيد الممثل للثقافة الإسلامية.

ولقد نشر للشيخ مصطفى صبري مقالات باللغة التركية والعربية في الجرائد اليومية، كما نشر له مقالات في المجلات العلمية في تلك الفترة. وتعد هذه المقالات على تنوّعها دفاعا عن الإسلام وإبرازا لقوته العلمية. إنه حاول إرجاع هيبة الإسلام المفقودة، وذلك ببعث قوّته العلمية والفكرية في ساحة كثر فيها العلماء المعجبون بالغرب وحضارته وفلسفته، حتى عد المنافح عن دينه وحضارة أمته نشازا يشار إليه بالبنان.

وللبحث بقية**


كتاب مسألة ترجمة القرآن

لشيخ الإسلام مصطفى صبري

www.4shared.com

**ثم أصدر كتاب “قولي في المرأة” في سنة 1354/1934، رد فيه على اقتراح قدم إلى مجلس النواب المصري طلب فيه مقدموه تعديل قانون الأحوال الشخصية والأخذ بمبدأ تقييد تعدد الزوجات وتقييد الطلاق والتساوي في الميراث، إلى آخر المنظومة المكرورة المكروهة.

وله كتاب رد فيه على مسألة ترجمة معاني القرآن الكريم التي أثارها الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر وكان الشيخ مصطفى صبري معارضاً لها كل المعارضة، وقد استقر المسلمون اليوم على جواز ترجمة المعاني بلا نكير، لكن لعل رده على الشيخ المراغي كان بسبب - إضافة إلى ما سبق- أن المراغي أجاز الصلاة بالقرآن المترجم إلى التركية وغيرها، وهذا هو الذي أثار الشيخ مصطفى صبري لأن هذا كان صنيع الكماليين في تركيا وكأن المراغي بهذا يبرر صنيعهم ويجوز فعلتهم.

وله عدة كتب غير هذه، وله مئات المقالات بالعربية والتركية.

وقد كانت الحكومة التركية قد وضعت اسمه في قائمة الممنوعين من الرجوع إلى تركيا، وجردته من الجنسية التركية، فعاش في مصر في شدة وشظف عيش وقاسى كثيراً مادياً ومعنوياً حتى أنه اضطر لبيع كتبه ليسافر من استانبول إلى مصر بالباخرة مع أسرته في الدرجة الثالثة لكنه ثبت فلم يضعف ولم يهن ولم يتراجع عما رآه حقاً، وأزعم أن مصر آنذاك كانت بحاجة إلى عالم رباني قوي مثله في مدة تنازعتها الأهواء من كل جانب، وقلّ فيها العلماء الربانيون الذين يقومون بما أخذه الله عليهم من القيام به.

معالم في شخصية شيخ الإسلام:

في شخصية شيخ الإسلام مصطفى صبري معالم مهمة تعد بمثابة أركان البناء، وصبغت بها كتاباته صبغة ظاهرة، فمن هذه المعالم:

أولاً: الاستقلال الفكري:

فلم يكن يتبع جهة ما كائنة ما كانت، ولا يقيم لشخصية ولا لهيئة وزناً إلا بقدر اتباعها للحق وخضوعها له، وهذا في زمانه أمر صعب لا يقوى عليه إلا القليل، والشيخ رشيد رضا يشبهه في هذا الباب - بعد وفاة شيخه محمد عبده- إلا أنه لم يصل إلى مرتبته في هذا الأمر خاصة، ولهذا نقد الشيخ مصطفى كثيراً من الشخصيات القديمة والحديثة، إسلامية وغير إسلامية، ولما قيل له: كيف تنقد هؤلاء الأعلام؟، قال: إن كتابي كتاب مبادئ لا كتاب تراجم.

ثانياً: صلابته في الحق وفي الدعوة إليه:

فقد كان ينبري للدفاع عما يراه حقاً بأسلوب قوي وعبارات شديدة أحياناً وربما وصلت إلى حد الاتهام لبعض الأعلام، وهذا أثار عليه نقمة أشخاص كثيرين ووجه بمضايقات كثيرة لكن هذا كان طبع الرجل لا يستطيع الانفكاك عنه، وأزعم أنه - فيما قرأته له- قد أصاب في كثير من نقده، وجانبه التوفيق في القليل، وذلك لأن زمانه كان حافلاً بالمتفلتين والعقلانيين والمسايرين لركاب الغرب وأفكاره وتصوراته، وكان منهم أعلام وشخصيات كبيرة مصرية خاصة، وكان من ينقد هؤلاء مثل الكبريت الأحمر في قلته، فقام الرجل بما رآه حقاً وواجباً لا يلوي على شي، ولا يداري أحداً.

وقد كان هؤلاء النفر - غفر الله لهم- قد تكلموا بكلمات فيها تجاوز وفيها خطورة، فكان لابد أن يُردَّ عليهم رداً قوياً مفحماً، وكان بعض هؤلاء قد التبست بعض أحوالهم إلى الحد الذي ينبغي أن يتكلم في شأنهم متكلم ما، فكان هذا المتكلم الجريء هو شيخ الإسلام مصطفى صبري، ومن أجل ألا أغرق في التعمية أحيل القارئ إلى المجلدين: الأول والرابع من كتاب (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) ففيهما تفصيل وتصريح وتوضيح، ولولا أن حال بعض هؤلاء الذي رد عليهم الشيخ لازال ملتبساً عليّ وليس عندي كلمة فصل فيهم لذكرت أسماءهم اللامعة وبعض أحوالهم الشاطحة، ولا ننسى أيضاً أن مصر في أوائل القرن الماضي حتى الثلث الأول منه بل إلى قريب من منتصفه كانت معتركاً كبيراً بين المتغربين والمستشرقين والمشبوهين وبين المخلصين، وكان في بعض هؤلاء المخلصين -على قلتهم- قدر غير قليل من الضبابية في فهم هذا الدين وتفنيد بعض الشبهات حوله، وكان في بعض أحوالهم ما يدعو إلى العجب والتساؤل، ولذلك كان ما كان من موقف شيخ الإسلام، وأزعم أن الله أنجد مصر بعد ذلك برجال مفكرين عظماء صححوا مسيرة الفكر الإسلامي عموماً بعيداً عن التهاون والشطح والتنازل، وطووا بذلك صفحة أولئك الذين كان لهم جهد مشكور في الدفاع عن الإسلام لكن امتزجت جهودهم تلك بشوائب من الأحوال والأقوال كان لابد من تنقيتها وتهذيبها فأتى الله بكوكبة من المشايخ من مصر نفسها عدلت المسار، وضبطت الأفكار، وكتبت كتابات رائعة أزعم أن شيخ الإسلام لو اطلع عليها لقرّت بها عينه، والمقام لا يتسع للتفصيل، وفيما ذكرت كفاية، ولعلي أعود إلى ذلك في مقام آخر متوسعاً مفصلاً إن شاء الله تعالى.

وللبجث بقية **

**وقد استفاد الشيخ مصطفى صبري من موقعه في المبعوثان - البرلمان- ليكشف عورات هؤلاء الاتحاديين القوميين، فدبروا لاغتياله، فهرب إلى مصر سنة 1913 ثم إلى أوروبا ليواصل التحذير من هؤلاء وكشف عوارهم وكانت إقامته ببوخارست برومانيا، ثم قبضت عليه الجيوش التركية أثناء غزوهم رومانيا في الحرب العالمية الأولى وأرسلوه إلى استانبول، وظل معتقلاً إلى أن انتهت الحرب بهزيمة الاتحاديين الأتراك وفرار هؤلاء الاتحاديين، وعينه السلطان وحيد الدين شيخاً للإسلام في الدولة العثمانية، وعضواً في مجلس الشيوخ، وناب عن الصدر الأعظم - رئيس الوزراء- أثناء سفره لباريس للمفاوضات ستة أشهر، وهذا كله يدل على المكانة العلية التي كانت له آنذاك، ومنصب شيخ الإسلام يلي في الأهمية منصب الصدر الأعظم حسب لوائح الدولة العثمانية آنذاك.

ثم جاء الكماليون بعد الاتحاديين، وعاث مصطفى كمال في الأرض فساداً، فاضطر مصطفى صبري أن يترك تركيا بعد إلغاء قرار السلطنة سنة 1341/1922 وذهب إلى اليونان، وهناك حشد الأتراك حوله، وأصدر صحيفة تركية كشف فيها عن الوجه القبيح لمصطفى كمال وسياساته، فطلبت الحكومة التركية من اليونان إبعاده، فاضطر للسفر إلى مصر والاستقرار فيها، وكان ذلك في السنة نفسها 1341/1922، واستضافه الشريف حسين مدة في مكة ثم عاد إلى مصر وبقي فيها إلى أن مات سنة 1373/1954 - رحمه الله تعالى-.

وكان له في القاهرة جهود ضخمة تمثلت في التالي:

أولاً: فضح مخططات الكماليين - نسبة إلى مصطفى كمال- ضد الإسلام والمسلمين في تركيا:

وكان في ذلك مخالفاً لكثير من مثقفي المصريين الذين وقفوا مع مصطفى كمال ورأوا فيه منقذاً لتركيا، لذلك توالت هجمات الصحف على شيخ الإسلام تتهمه بالرجعية والحنين إلى منصبه الذي فقده في تركيا، ومنعت كثيراً من مقالاته، وهنا وضع كتاباً سماه (النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة) طبعه في لبنان التي خرج إليها بعد معارضة كثير من المصريين له، فضح في هذا الكتاب الكماليين وأعمالهم المعادية للإسلام والمسلمين في تركيا، وذكّر بأفعال الاتحاديين وأن أفعالهم وأفعال الكماليين تنطلق من مشكاة واحدة، وذكر أيضاً علاقة الاثنين باليهود، وقد كان وزير مالية الكماليين يهودياً، ووزيرة المعارف خالدة ضياء من أصل يهودي أيضاً، ولما ألغى مصطفى كمال الخلافة بعد قرابة عام من وجود شيخ الإسلام في مصر تبين للمخدوعين من المصريين صدق ما أخبرهم به شيخ الإسلام، ثم سافر من لبنان إلى رومانيا ثم اليونان التي أصدر فيها جريدة باسم “الغد” ثم أخرجه اليونانيون بناء على طلب الأتراك فلجأ إلى مصر ثانية سنة 1929 واستقر فيها إلى أن مات سنة 1373/1954.

ثانياً: كشف عوار الكتابات الخبيثة التي انتشرت في مصر آنذاك:

وكان على رأسها: “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبد الرازق وقد ثبت فيما بعد أن طه حسين شاركه في تأليف الكتاب، وفيه ذكرا أن الإسلام دين لا دولة فتصدى شيخ الإسلام لهذا الكتاب وبين عواره.

ثم واجه شيخ الإسلام منكري المعجزات والكرامات أو مؤوليها إلى حد إخراجها من أن تكون خوارق للعادات، وكان منهم في مصر نفر من ذوي المكانة والوجاهة، وإنما فعلوا ذلك مسايرة للعقل - فيما زعموا- ولتبدو متفقة مع طبائع الأشياء، فرد على الأستاذ محمد عبده ومحمد فريد وجدي ومحمد حسين هيكل وجماعة غيرهم، والحق أن رده كان شديداً صعباً لكنه متفق مع طبيعته الحادة وشخصية القوية، ثم إن الملأ في مصر آنذاك كان قد انجرف فريق منهم مع هذه الدعاوى فكان لابد من ظهور صوت قوي لينذر ويحذر ويعيد الحق إلى نصابه، ولعل كتابه (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين) هو أهم مؤلف له في هذا الباب الكاشف لهذه الأخطاء، وهو ضخم جاء في أربعة أجزاء وفي بعضه نزعة فلسفية.

وللبجث بقية **

**شيخ الإسلام مصطفى صبري التوقادي

الكاتب:محمد بن موسى الشريف

رحم الله شيخ الإسلام مصطفى صبري التوقادي وعوض المسلمين عنه خيراً فنحن بأمس الحاجة لأمثاله في هذا العصر الذي أصبح كثير من المشايخ فيه موظفين لا قيمة لهم ولا وزن، ولا هيبة ولا كلمة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كانت تركيا عاصمة للخلافة والسلطنة أربعة قرون ونيف، ومن قبل ذلك ظلت قرنين ونيف شوكة في حلق الكفار، وفتح السلطان محمد عاصمة الدنيا آنذاك القسطنطينية، وحمى الله بالعثمانيين الإسلام والمسلمين قروناً طويلة، ونفع بهم كثيراً، وأدخل في الإسلام على أيديهم ملايين من الضالين، ووصل الأذان والتكبير إلى قلب أوروبا “البلقان”، ولهذه الدولة مآثر لا تحصى، وأعمال لا تحصر ولا تستقصى، لكن سنة الله تعالى لا تتخلف، فقد ضعف السلاطين وأخلدوا إلى الأرض، ونسوا أن الجهاد عليهم فَرْض، ورضوا بالتمدد اليهودي والماسوني والقومي الطوراني في أراضيهم تهاوناً ثم ضعفاً، وحاول السلطان عبد الحميد إنقاذ الدولة لكن الرياح لم تكن مواتية، والعقبات كانت كبيرة وصعبة، ثم عزل السلطان وتولى بعده من لا حول له ولا طول، وتربعت جمعية الاتحاد والترقي الماسونية على عرش البلاد، ومن ثم جاء الذئب الأغبر، والضال الأكبر مصطفى كمال الذي ألغى السلطنة سنة 1922 ثم الخلافة سنة 1924، وأعلن البلاد جمهورية إلحادية ضالة، وأمر بإلغاء الأذان بالعربية وإجبار النساء على السفور والرجال على لبس القبعات، وألغى الحرف العربي الذي كانت تكتب به اللغة التركية وألغى كثيراً من الكلمات العربية من اللغة التركية، ومنع الحج وغرب الشعب التركي تماماً، وفي هذه المدة الكالحة عاش شيخ الإسلام مصطفى صبري أفندي رحمه الله تعالى.

ولد في توقاد من الأناضول سنة 1286/1869، ونشأ طالباً في كنف المذهب الحنفي الغالب في تركيا، وصار مدرساً في جامع السلطان محمد الفاتح وهو في الثانية والعشرين من عمره وكان أصغر المختارين لتولي هذا المنصب، وهو دال على نبوغ مبكر لاشك، وأجاز خمسين طالباً وهو رقم ضخم، واختاره السلطان عبد الحميد رحمه الله تعالى ليكون أميناً لمكتبة قصره قصر يلدز، وهذا أتاح له أن يطلع على الكتب الثمينة التي كان قانون حفظ التراث يمانع إخراجها خارج القصر.

ثم اختير نائباً عن بلدته توقاد في مجلس المبعوثان العثماني، ومجلس المبعوثان هو مثل مجلس الشعب الذي يمثل فيه نواب مختارون من كل البلاد التي كانت حكم الدولة العثمانية، وكان آنذاك قد رأس تحرير مجلة “بيان الحق” وهي مجلة تصدرها الجمعية العلمية التي كان يرأسها، وعين عضواً في “دار الحكمة” وهي تضم صفوة علماء الدولة العثمانية آنذاك وعينه السلطان في مجلس الأعيان العثماني، وعين مدرساً للحديث الشريف في دار الحديث، وعين عضواً في هيئة تدقيق المؤلفات الشرعية التابعة لدائرة المشيخة الإسلامية سنة 1323 إلى غير ذلك من الوظائف.

لكن الذي لفت النظر إليه هو مقدرته الخطابية التي وظفها في بيان عورات القوميين الطورانيين ونزعاتهم الإلحادية، وعورات الاتحاديين عموماً - نسبة إلى جمعية الاتحاد والترقي الماسونية التي أمسكت بزمام البلاد عملياً بعد خلع السلطان عبد الحميد، رحمه الله تعالى- والكلام في هذه الجمعية والاتحاديين يطول لكن خلاصة أمرهم أنهم أغرقوا البلاد في قومية طورانية تركية مفرطة، وعدّوا المسلمين من غير الأتراك كالعرب والأكراد والألبان في مرتبة تلي مرتبة الأتراك، وأذكوا نار العصبية الهائجة التي عجلت بإسقاط الدولة العثمانية، وإذهاب ريحها، وتفريق قوتها، وخُدِع المسلمون بنيازي وأنور وشوكت ومدحت وغيرهم من زعماء الاتحاديين ومدحهم مثل الشاعر حافظ إبراهيم وأثنى عليهم طائفة ثم تبين للناس سوء صنيعهم لكن بعد فوات الأوان، وكان الشيخ قد أسس حزباً اسمه الائتلاف والحرية، أسسه مع بعض إخوانه، وكان نائباً لرئيس الحزب والناطق الرسمي باسمه ورئيس المعارضة البرلمانية، ولمقدرته الخطابية الفائقة صار أبرز الدعاة للحزب المروجين للسياسات المناهضة للاتحاديين والفاضحة لهم ولصلاتهم المشبوهة باليهود.

وللبجث بقية **

**وكان له في القاهرة جهود ضخمة تمثلت في التالي:

أولاً: فضح مخططات الكماليين ? نسبة إلى مصطفى كمال- ضد الإسلام والمسلمين في تركيا:

وكان في ذلك مخالفاً لكثير من مثقفي المصريين الذين وقفوا معمصطفى كمال ورأوا فيه منقذاً لتركيا، لذلك توالت هجمات الصحف على شيخ الإسلام تتهمه بالرجعية والحنين إلى منصبه الذي فقده في تركيا، ومنعت كثيراً من مقالاته، وهنا وضع كتاباً سماه (النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة) طبعه في لبنان التي خرج إليها بعد معارضة كثير من المصريين له، فضح في هذا الكتاب الكماليين وأعمالهم المعادية للإسلام والمسلمين في تركيا، وذكّر بأفعال الاتحاديين وأن أفعالهم وأفعال الكماليين تنطلق من مشكاة واحدة، وذكر أيضاً علاقة الاثنين باليهود،وقد كان وزير مالية الكماليين يهودياً، ووزيرة المعارف خالدة ضياء من أصل يهوديأيضاً، ولما ألغى مصطفى كمال الخلافة بعد قرابة عام من وجود شيخ الإسلام في مصر تبين للمخدوعين من المصريين صدق ما أخبرهم به شيخ الإسلام، ثم سافر من لبنان إلى رومانيا ثم اليونان التي أصدر فيها جريدة باسم “الغد” ثم أخرجه اليونانيون بناء على طلب الأتراك فلجأ إلى مصر ثانية سنة 1929 واستقر فيها إلى أن مات سنة 1373/1954.

ثانياً: كشف عوار الكتابات الخبيثة التي انتشرت في مصرآنذاك:

وكان على رأسها: “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبد الرازق وقد ثبت فيما بعد أن طه حسين شاركه في تأليف الكتاب، وفيه ذكرا أن الإسلام دين لا دولة فتصدى شيخ الإسلام لهذا الكتاب وبين عواره.

ثم واجه شيخ الإسلام منكري المعجزات والكرامات أو مؤوليها إلى حدإخراجها من أن تكون خوارق للعادات، وكان منهم في مصر نفر من ذوي المكانة والوجاهة،وإنما فعلوا ذلك مسايرة للعقل ? فيما زعموا- ولتبدو متفقة مع طبائع الأشياء، فردعلى الأستاذ محمد عبده ومحمد فريد وجدي ومحمد حسين هيكل وجماعة غيرهم، والحق أن رده كان شديداً صعباً لكنه متفق مع طبيعته الحادة وشخصية القوية، ثم إن الملأ في مصرآنذاك كان قد انجرف فريق منهم مع هذه الدعاوى فكان لابد من ظهور صوت قوي لينذرويحذر ويعيد الحق إلى نصابه، ولعل كتابه (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين) هو أهم مؤلف له في هذا الباب الكاشف لهذه الأخطاء، وهو ضخم جاء في أربعةأجزاء وفي بعضه نزعة فلسفية.

ثم أصدر كتاب “قولي في المرأة” في سنة 1354/1934، رد فيه على اقتراح قدم إلى مجلس النواب المصري طلب فيه مقدموه تعديل قانون الأحوال الشخصية والأخذ بمبدأ تقييد تعدد الزوجات وتقييد الطلاق والتساوي في الميراث، إلى آخرالمنظومة المكرورة المكروهة.

وله كتاب رد فيه على مسألة ترجمة معاني القرآن الكريم التي أثارهاالشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر وكان الشيخ مصطفى صبري معارضاً لها كل المعارضة، وقد استقر المسلمون اليوم على جواز ترجمة المعاني بلا نكير، لكن لعل رده على الشيخ المراغي كان بسبب ? إضافة إلى ما سبق- أن المراغي أجاز الصلاة بالقرآن المترجم إلى التركية وغيرها، وهذا هو الذي أثار الشيخ مصطفى صبري لأن هذا كان صنيع الكماليين في تركيا وكأن المراغي بهذا يبرر صنيعهم ويجوز فعلتهم.

وله عدة كتب غير هذه، وله مئات المقالات بالعربية والتركية.

وقد كانت الحكومة التركية قد وضعت اسمه في قائمة الممنوعين منالرجوع إلى تركيا، وجردته من الجنسية التركية، فعاش في مصر في شدة وشظف عيش وقاسى كثيراً مادياً ومعنوياً حتى أنه اضطر لبيع كتبه ليسافر من استانبول إلى مصربالباخرة مع أسرته في الدرجة الثالثة لكنه ثبت فلم يضعف ولم يهن ولم يتراجع عما رآه حقاً، وأزعم أن مصر آنذاك كانت بحاجة إلى عالم تقي قوي مثله في مدة تنازعتها الأهواء من كل جانب، وقلّ فيها العلماء الأتقياء الذين يقومون بما أخذه الله عليهممن القيام به.**

**?الشيخ مصطفى صبري شيخًا للإسلام ورئيسًا للوزراء بالنيابة

تولى الشيخ “مصطفى صبري” مشيخة الإسلام في عهد السلطان “وحيد الدين”، وكانت الظروف التي تمربها الدولة العثمانية حرجة للغاية بعد أن جرَّت عليها حكومة الاتحاد والترقي هزيمةقاسية في الحرب العالمية الأولى، وكان جزءًا من أراضيها تحتلها قوات الحلفاء، وقدبذل الشيخ “مصطفى صبري” جهودًا صادقة في الإصلاح، وتولى منصب الصدر الأعظم (رئاسةالوزراء) بالنيابة لمدة ستة أشهر، وذلك في أثناء غياب “فريد باشا” الصدر الأعظمالذي ذهب إلى باريس في مهمة دبلوماسية، وكان شيخ الإسلام يلي الصدر الأعظم في أهميةالمنصب وفقًا للوائح الدولة.

غير أن الشيخ “مصطفى” لم يستمر كثيرًا في منصب شيخ الإسلام، بعدأن تطورت الأحداث بسرعة، وبسط “مصطفى كمال أتاتورك” وأنصاره قبضتهم على البلاد،وبدأت دلائل واضحة على اتجاه القائمين على الحكم تشير إلى عداوتهم للإسلام، ولم يجدالشيخ “مصطفى صبري” بُدًا من ترك المشيخة عندما اختلف مع الوزراء في الرأي، وبدأجهاده الكبير للتصدي لأعداء الإسلام، والدعوة إلى تطبيق الشريعة، لكنه اضطر إلىمغادرة البلاد عام (1341هـ=1922م) إلى اليونان، وتمكن هناك من حشد المسلمين الأتراكحوله، وأصدر جريدة تركية، كشف فيها عن الوجه الحقيقي لسياسة أتاتورك التي تضمرالكُره للإسلام، وتنتظر الفرصة المناسبة لإعلان المواجهة السافرة، وقد أقلق هذاالنشاط زعماء تركيا، فطلبوا من اليونان إبعاد شيخ الإسلام عن البلاد، فاستجابتالحكومة لهذا الضغط، واضطر الشيخ إلى مغادرة اليونان إلى القاهرة سنة 1922م حيثاتخذها وطنًا.

? الشيخ مصطفى صبري في القاهرة

وفي القاهرة لم يركنالشيخ إلى الراحة أو ينعم براحة البال، ولم يكن في القاهرة ما يغريه على ذلك، فقدوجد الصحف تشيد بأعمال “أتاتورك” وترى فيه المثل الأعلى للإنقاذ العاجل من سنواتالقهر والانحدار، ولم يكن الشيخ ممن يسكتون عن الباطل فقام بكشف الحقائق التي عميتعلى الناس، وحين رأى أن الصحف تضع العراقيل أمام ما يكتبه، وأن المقالات قد لا تفيبالغرض قام بوضع كتابه المعروف “النكير على منكري النعمة من الدين والخلافةوالأمة”، وكان الكتاب صرخة مدوية في وجه المفتونين بما يحدث في تركيا، وأبان عنعصبية الكماليين للجنس التركي ومحاربتهم للعصبية الإسلامية، وأن الكماليين وحزبالاتحاد والترقي اسمان مختلفان لشيء واحد، وإذا كان هنا وجه للمقارنة بين الكماليينوالاتحاديين، فإن الكماليين أخبث وأشنع بلية على الدولة والأمة منهم، والاتحاديونغاصبو الوزارة والكماليون غاصبو سلطة، والاتحاديون لا دينيون، والكماليون مجاهرونفي الإلحاد، وكشف عما أصاب الدولة العثمانية من خسائر وهزائم على أيدي حزب الاتحادوالترقي، فبعد أن تسلموا الدولة من السلطان “عبدالحميد” مترامية الأطراف تصرفوافيها كما يشاءون، وأوقدوا نار العصبية بين أبناء الوطن من العرب والأكراد والألبانوالأتراك، وأساءوا في السياسة الخارجية، ودخلوا الحرب العالمية الأولى من غيرضرورة، وهُزموا فيها، وسلّموا عاصمة الخلافة العثمانية بأيديهم إلى معسكرالإعداء.

وأوضح الشيخ “مصطفى صبري” علاقة الاتحاديين والكماليين باليهود،حيث عمل “مصطفى كمال أتاتورك” على مصادقة اليهود وحدهم دون الأجناس التي كانت تعيشتحت راية الخلافة العثمانية، وأكد أن جماعة الاتحاد والترقي كانت تعقد اجتماعاتهافي بيوت اليهود الطليان، وقد كان وزير ماليتهم “يافيد” يهوديًا، ووزير المعارف فيعهد الكماليين “خالدة ضياء” من أصل يهودي.

ولم يكد يمضي عام على إقامة شيخ الإسلام حتى بان للناس صدق كلامهفي أتاتورك، فقد صرّح الشر عن وجهه، فأعلن أتاتورك إلغاء الخلافة الإسلامية، ومنصبشيخ الإسلام، والمحاكم الشرعية، وحرّم الأذان في المساجد، وتلاوة القرآن بالعربية،فأدرك الناس ما كان على عيونهم من غشاوة فلم تر الحق واضحًا صريحًا، وأنهم وقعواتحت دعايات مضللة كشفت الأيام زيفها.**

**وذلك - حسبما دلل الشيخ مصطفى صبري - أن أعضاء جماعة الاتحاديين والكماليين - وهم الحكام الجدد اللادينيون - تابعون جميعا لمحفل الشرق أي من الماسونيين، كذلك فإن مؤيديهم من الكتاب والصحفيين أصحاب الأقلام (المستأجرة) من الجمعيات السرية النافذة في العالم.

وقد أثبت الشيخ مصطفى صبري ذلك بواقعة ثابتة حدثت أيام كان نائبا عن (توقاد) وسمعها هو ومعه من النواب أكثر من مائتين، حيث وصلت رسالة من طرابلس بليبيا قرأها صاحبها (وعيناه تدمعان) وفحواها أن جميع أحزاب إيطاليا آنذاك متفقة على احتلال طرابلس باستثناء (البنائين الأحرار) والاشتراكيين، وحجتهم في ذلك ما قاله أحدهم: “لا يجدر بنا أن نصول على الأتراك حال كون حكومتها في أيدي البنائين الأحرار!” والبناؤون الأحرار هم الماسونية.

ويوقفنا على سر آخر هام يؤيد به ويدعم استنتاجاته من واقع الحال التي عاصرها وشاهدها بنفسه، إذ لاحظ بيقين أنه لم يسلم من اعتداء الكماليين والاتحاديين إلا اليهود. وفيما عداهم فقد وقع الاضطهاد على كافة عناصر الأمة من الألبان والعرب والأكراد والروم والشراكسة والأتراك.. لذلك فهو يحمل حكام تركيا إثارة العداوة بين المسلمين والنصارى مستدلاً على ذلك بقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} المائدة: 82.فتش عن اليهود

ويرى تقصير المسلمين في التنقيب عن وقائع الفتن اليهودية، منذ عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ومنبهًا إيانا إلى منهج تعليمي تربوي خلاصته «إنا معاشر المسلمين الحاضرين لمقصرون في التنقيب عن تلك الوقائع الهامة وتدريس مسائلها في مدارسنا، لنعلم الطلاب والشباب، قبل تعلمهم تاريخ الأجانب، تاريخ الإسلام، وما يحوط بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من الشؤون بتفاصيلها فيعتبر بها ويعتبر الطلاب والشباب ويتأدبوا بآداب الإسلام في عصره الذهبي».وكشف الستار عن أخطر الأسرار وأكثرها غرابة، حيث وقف أمام هزيمة الإنجليز وقفة تأمل، غير مصدق أنهم هزموا بعد انتصارهم في الحرب العالمية الأولى، فكيف يعقل أن ينسحبوا- وهم المنتصرون في هذه الحرب- أمام مصطفى كمال أتاتورك في أزمير؟! إنهم لو أرادوا الانتصار عليه لتحقق لهم ما أرادوا، ولكنهم وازنوا بين انتصاره (المصنوع على أيديهم) وما رتبوه من نتائج، وبين قبول الهزيمة أمامه، واختاروا الاختيار الأول ورجحوه، لما سينجم عنه من مكاسب كبرى تفوق كثيرًا انسحابهم من «أزمير».

وأعلن خطأ الظن بأن انسحاب جيوش إنجلترا وفرنسا من استانبول كان بسبب الخوف من مصطفى كمال.

ومن الأسرار الهامة التي كشف الستار عنها أيضًا أن جمال باشا (السفاح) كان قاتل العرب والترك معًا. وبهذه العبارة أوضح الشيخ مصطفى صبري أن الاضطهادات التي وقعت على العرب كانت بيدي أحد أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، أي أتباع أتاتورك- ومنهم هذا السفاح- وقد شملت اضطهادهم الأتراك والعرب جميعًا.

حمل الكتاب على هذا الرابط :

waqfeya.net

**قراءة في كتاب :

الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية

**

كتبها: جمال عفيفي

اسم الكتاب : الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية

المؤلف : أ. د. مصطفى حلمي، رئيس قسم الدراسات الإسلامية ? جامعة القاهرة

دار النشر : دار ابن الجوزي ? القاهرة 1427هـ /2006م

عدد الصفحات: 284

كتاب “الأسرار الخفية” هو تحقيق لكتاب “النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة” للشيخ مصطفى صبري، شيخ الإسلام في الخلافة العثمانية (المتوفى سنة 1373هـ/1954م).وقد نال المؤلف أ. د. مصطفى حلمي “جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية” عن هذا الكتاب.

موضوع الكتاب

لمّا كان الموضوع الرئيس للكتاب الأصلي «النكير…» عن مأساة إلغاء الخلافة الإسلامية قال المؤلف: «رأيت وضعه بين أيدي المؤرخين ومفسريه والدارسين للنظم السياسية الإسلامية والدعاة، ذلك أن موضوع الكتاب يعالج أكثر القضايا اتصالا بمآسي المسلمين في العصر الحديث، حيث انفرط عقد وحدتهم بإلغاء الخلافة التي ظلت جوهر النظام السياسي الإسلامي منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم».

ويذكر المؤلف في موضع آخر الهدف من كتابه فيقول: «ويسهم هذا الكتاب في إيقاظ الوعي التاريخي وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخها الصحيح، فما الغرض من دراسة التاريخ إلا فهم الحاضر - لأنه ابن الماضي - والسير بخطوات سليمة نحو مستقبل أفضل بعد الدراسة الواعية واستخلاص العبر والاستفادة من الأخطاء والتعلم من دروس التاريخ الصحيح المدعم بالوثائق».ومحور الكتاب يدور حول إقناعنا بحتمية نظام الخلافة للأمة الإسلامية، إن أراد المسلمون العودة إلى الكرامة والسؤدد والنفوذ والمكانة الدولية المهابة من جديد.

وصف الكتاب

النص الأصلي لكتاب “النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة” أخذ تقريبا نصف حجم الكتاب البالغ (284) صفحة من القطع المتوسط، وجعله المؤلف في آخر الكتاب. أما النصف الأول من الكتاب فقد احتوى عدة أبحاث لا غنى عنها للاستفادة من الكتاب الأصلي، تحدث فيها المؤلف عن الشيخ مصطفى صبري.. حياته وعصره وتحليلاته لأحداث عصره، وعن علمه وخلقه. ثم ذكر لمحات من مواقف الشيخ العلمية وأقواله المأثورة، ومنها:

“إن استعمار القلوب أصعب من الاستعمار العسكري”.

“لو قارنتم ما فعل السلف من علمائنا مع فلسفة اليونان بما فعل الخلف مع فلسفة الغرب لوجدتم الفرق بين قوة السلف وضعف الخلف هائلا”.

“في الغرب نزاع وجدال بين العلم والدين ناشئ عن خصوصية دين الغربيين، وليس في الشرق هذا النزاع إلا في قلوب مقلدي الغرب الذين لا يعرفون الإسلام رغم أنه دينهم”.

ثم تحدث عن بعض الأسرار التي كشف عنها الكتاب، ودور كمال أتاتورك في القضاء على الخلافة. ثم تكلم عن الخلافة العثمانية والعداء الأوروبي الصليبي، وأن الخلافة ليست استعمارا…وختم أبحاثه بالكلام عن السلطان عبدالحميد “الخليفة المفترى عليه”.

الأسرار الخفية

وعن سبب تسمية الكتاب بهذا الاسم الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية يقول المؤلف: “علة اختيارنا لعنوان الكتاب يتصل بالأسرار التي كشف عنها مؤلفه، وهي تستحق وقفة تأمل ودراسة لاستخلاص الدروس والعظات مما حدث ويحدث في العالم الإسلامي بكافة أقطاره”.

بعض هذه الأسرار

من ذلك ما نشر أخيرا من وثائق سمحت بها الحكومة البريطانية، وما نشرته جريدة (صنداي تايمز) عندما عرض أتاتورك على السفير البريطاني تولي رئاسة جمهورية تركيا!

وللبحث بقية

ثالثاً :شخصية الشيخ

أقوال العلماء عنه

تكاد تتفق كلمة الباحثين المعاصرين على أنّ الشيخ مصطفى صبري نسيج وحده لا مثيل له بين بني عصره. فقد ظهرت ميوله إلى العلوم العقلية من كلام وفلسفة ومنطق وما شاكلها من معارف منذ الصغر، يؤكد ذلك قوله عن نفسه: “الاجتهاد في العلوم العقلية يلتئم مع فطرتي ومزاجي والتي لا يبتعد عنها علم أصول الدين”(9)، لهذا عرف بين أهل الاختصاص بسعة الاطلاع والقدرة الفائقة على المناظرة.

قال عنه محب الدين الخطيب “فحل الفحول الصائل الذي يعد فضله أكبر من فضل معاصريه”(10) لأنه دافع عن الإسلام في أيام كان فيها الانقضاض على الإسلام باسم الإسلام وبمباركة علمائه. وقال عنه الشيخ زاهد الكوثري “قرّة أعين المجاهدين”، وقد مدحه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة قائلاً “إن كتابه موقف العقل هو كتاب القرن بلا منازع”، وقال الشيخ البوطي عن كتابه آنف الذكر “هو كتاب لا مثيل له”.

جوانبه الأخلاقية

عانى شيخنا رحمه الله طوال حياته من الفقر الذي كان به فخره؛ فقد عاش فقيرا ومات على تلك الحال غير آبه بجمع حطام الدنيا. وأكبر شاهد على ما ذهبنا إليه اضطراره إلى بيع كتبه ليحصل على ثمن تذاكر سفر من الدرجة الثالثة بالباخرة له ولسائر أفراد أسرته، وذلك من الآستانة إلى الإسكندرية، وهذا رغم توليه منصب “شيخ الإسلام” لسنوات عديدة.

وكانت شجاعته مضرب الأمثال بين علماء عصره؛ فقد حارب الاتحاديين وعلماء الدين المتغربين، ولحقه من جراء ذلك أذى كبير من قبل المثقفين والساسة. وقد عمل طوال حياته على تغيير الوضع نحو الأفضل، وقد زاد نشاطه منذ أن أحس بالخطر المحدق بالدين الإسلامي في العالم الإسلامي، وبقي على ذلك المنهج غير متزعزع أو مستجيب لترغيب أو الترهيب.

غادرنا الشيخ مصطفى صبري رحمه الله إلى عالم الخلود من الأنبياء والشهداء والصالحين بمصر 7 رجب 1373هـ الموافق 2 من مارس 1954 م. رحم الله شيخنا وأجزل مثوبته، ونفعنا بتجربته وأفادنا من علمه، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.


الهوامش

(1) موقف العقل، 3/92، 4/386.

(2) المصدر السابق، 4/386.

(3) أنظر: موقف العقل، 1-68، 406.

(4) موقف العقل، 2/157.

(5) المصدر السابق، 2/323.

(6) المصدر السابق، 1/44.

(7) المصدر السابق، 1/44.

(8) المصدر نفسه، 1/66.

**ثالثاً: تضلعه من علم الكلام:

وهذا ظهر بوضوح في مؤلفه: (موقف العقل والعلم العالم من رب العالمين)، وقد كان في زمن انتشر فيه الإلحاد، وعمّ وطمّ، وكان الرجل متحمساً لإثبات وجود الله تعالى بأدلة عقلية كلامية، وبنـزعة فلسفية أحياناً.

رابعاً: شجاعته الكبيرة التي واجه بها الاتحاديين ثم الكماليين ثم المتغربين:

في مصر -خاصة- وفي غيرها، ولم يأبه بما قد يتعرض له من أذى أو اغتيال، ونبرته الشجاعة واضحة كل الوضوح في كتاباته.

خامساً: حماسته الواضحة، وهمته العالية:

وقد ثبت على هذه الحماسة والهمة دهراً طويلاً حتى توفاه الله تعالى فلم ينتكس أو يضعف أو يلن رحمه الله.

سادساً: وعيه الكبير بمخططات الأعداء، وشبهات المستشرقين والمستغربين

وهذا الوعي في زمانه يعد متقدماً جداً بالنسبة إلى أكثر علماء عصره آنذاك، وقد ظهر هذا الوعي جلياً واضحاً في كل كتاباته، وأذكر منها قوله في دعوة العلماء للاشتغال بالسياسة: “فالعلماء المعتزلون عن السياسة كأنهم تواطأوا على أن يكون الأمر بأيديهم - أيدي السياسيين- ويكون لهم منهم رواتب الإنعام والاحترام”.

شيخ الإسلام مصطفى صبري في عيون معاصريه:

قال عنه الأستاذ محب الدين الخطيب: “فحل الفحول الصائل الذي يعد فضله أكبر من فضل معاصريه”.

وقال عنه الأستاذ الكوثري: “قرة أعين المجاهدين”.

وقال عنه الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة: “إن كتابه موقف العقل هو كتاب القرن بلا منازع”.

وقد قيل عنه غير ذلك، ويكفي في هذا المقام أن أورد كلام الأستاذ محمد رجب البيومي الذي ناله تقريع كبير من الشيخ لأمر صدر عنه، حيث قال الأستاذ محمد حفظه الله: “إني ما ذكرت الشيخ الكبير إلا توافد على ذهني مع هذا الوصف العربي القديم لصاحب الصيحة المجلجلة في المأزق الضائق وهو النذير العريان؛ إذ كان من عادة الأسلاف حين تلوح بوادر الخطر ويتنبه لها ذو بصر سديد أن يخلع ثيابه ويقف صائحاً فوق مرتفع من الأرض ويقول مشيراً إلى ثوبه المخلوع وقد جعل يحركه عن يمين وشمال: لقد حانت الكارثة: أنا النذير العريان، فيعلم السامعون أن الأمر جد، ويسرعون للتأهب العاجل دون انتظار”.

رحم الله شيخ الإسلام مصطفى صبري التوقادي وعوض المسلمين عنه خيراً فنحن بأمس الحاجة لأمثاله في هذا العصر الذي أصبح كثير من المشايخ فيه موظفين لا قيمة لهم ولا وزن، ولا هيبة ولا كلمة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

المصدر: موقع التاريخ **