ديوان الشاعر أمين شنار

**من مقالات الكاتب

أمين شنار - رحمه الله - .

ألمِرآة ُ ?*

يا من رأى ( محمد بن واسع ٍ ) ينظر في مرآتِهِ

اذا أحسَّ وحشة ً تـَدِبُّ في أعماقِهِ*

ينظر مرّة ً أو مرَّتيـْن

مروَّعاً مغرورق العينينْ

يهتف في ضراعة , وملء صوته ارتجافْ :

رباه ? انْ غـَيَّرَتِ الذنوب وجهيَ الذي خـَلقـْتـَهُ مُبرَّءاً من كل عَيبْ

فها انا بعفوك الكريم لائذ ٌ وعائذ ٌ وليس لي سواكْ

هَبْني لِمَن تـُحِبُّ ..

ممن رَضيتَ عنهُمُ من رُكـّع ٍ وسُجّدٍ يعَـفـِّرون في مرضاتك الجـِباه

يَرْجون جنــَّـتـك

يخشـَونَ نارك التي أعددت للعصاة

رباه لا مهربَ لي مما اجترحْتُ , لا نجاه

إلاك يا حنـّانُ يا منـّانُ فلتـَجُدْ عَليَّ بالغـُفرانْ !

ويبصرونه ويسمعونه ويَعجَبونْ ..

نِسْيان*

كتبها reader ، في 13 حزيران 2009 الساعة: 14:55 م*

مَنْ , في هذا العصْر الأعمى , يقدر أن يُحصيَ ما يحجبُه عن ربّه

مِن كِبْرٍ يتغلغل في الأعماق , فيملؤها ظـُلْمة ..

ومتاع ٍ يستعبدُ صاحبَه : يرضى اذ يأخُذُ , يسخَط إذ يَفْقِِد ..

أنّى لدعاءِ النفس المحجوبة أن يصعَدْ ؟


العالمُ , كلُّ العالم , يتقلّب في فـَلـَواتِ الضَّنـْك ..

تَمُدّ له هاوية الرُّعْب يديها , وتناديَه : هلمَّ اليّ ..

لا يملك الا أن يمضيَ معصوب العَينـَين ..

أثـْقلَه حمل خطاياهُ , وأطفأ منه السَّمْعْ ..


لو يصحو .. لو يعلـَمُ أنَّ وراء الدنيا آخرة ً تُكْشَفُ فيها كلُّ خفاياهُ ..

ويُبْصِِرُ فيم , لماذا كانْ ..

لو يدرِكُ أنَّ عُبودِيـَّتـَهُ لله ..

هي أغلَى ما يملك .. فهوَ بها يحيا , يرقى , يسعى بآسم ِ الله ..

لو يَذكُرُ .. لكنْ مَن للعالم ِ في ذروة يأسِه ..

الميزان*

ها أنت تُواجهُ نفسك :

لم أرَ يوماً عيباً في الناس*

إلا ارتدَّ الطرف الى نفسي..

فأرى عيبا يحكيه ..

ولا سَمِعَت اذناي كلامَ الزُّورْ

الا رُحْتُ افتِّـشُ في ذعْر مذعورْ

بين خفايا نفسي عن خاطرة , عن وسواسْ

فاذا بي , ويْحي , أبصر اكواماً من بُهتانْ !!

وأنادي : يا ربَّاه أعِذني من أنْ أُتبع عينيَّ وأُذنيَّ خطايا الناسْ !

وأعِنّي كي أُبصِرَ ما في نفسي .. فبداية درب الإيمان الصدقْ

والصدقُ بدايَتهُ الأولى صدقُ الإنسان ِ اذا واجه نفسَهْ

لا ليجمّلها ويزوّرَها للأعيُن ,

بل ليحاسبَها في ميزان ِ الحقّ*

ولِيَصْحَبَها في نور الله ..


كم من كلمات يطلقها الناسُ جُزافاً ترتدُّ عليهم في يوم الحسْرَة

قبل الحجاب الأخير*

تدق ّ الأعاصير بابـَكْ

وقهقهة الليل تطوي اغترابَـكْ

ورعـْدُ النذير يـَهـُزّ ركابك

لمن تترك الأرضَ يا أيها الكائنُ الآدميّ ? الى أينَ ؟

مستخلـَفٌ أنت فيها . بأسماءِ ربك

لمن تترك الأرض , سيّدُها أنت , والأرضُ تبكي غيابـَكْ

لمن تترك الأرض يا منتهى فجرِها

ويا لحظة البَوْح من سرّها

أللغافلين ومن حنـّطوا النور في ظلمات مقابرهمْ , ثم طافوا به لاهثين ؟

أم الهالكين الذين تولـَّوا ولجـّوا بأودية التـّيهِ , مستكبرين ؟

  • وكانت لك الأرض مهداً ذلولا*

  • ومرقاة حمدٍ , وظلاً ظليلا

  • ووعدا جميلا ..

فأمستْ بهم جُـحْـرَ أفعى تـَفِحّ اليـبابَ صباح مساء

وحفرة َ ضبٍّ يفاخر بالمـَسْخ طهـْرَ السماء

ووكرَ غرابٍ , من الحِـرص يسجد ذلاً لـدود الترابْ

ومرقدَ ذئبٍ تلطـّخَ بالدم ظفرا ونابْ*

الغـُصْنُ المقطوع*

ماذا يوم تصيرُ حياة الانسان على هذي الأرض

حُـلـُماً وَلـّى .. فهي تجرّرُ أذيالَ خطاياها

فوقَ الزمن الآتي دونَ نـهاية ؟

ماذا يومَ يـُقالْ :

أخرِجْ نفسك عارية ً عاجزة ً ذاهلة ً

تتساءَلُ : أين انا ؟ حيُّ أم ميّت ؟

نفسُـكَ يومئذ لا تملِكُ الا آثار خـُطاها

بَصَماتِ دقائقِها وثوانيها

ماذا يومَ تــَساقــَط ُ عنك قــُواكْ

فاذا انت تــُساقُ لواهبها

كي تــُسأل : ماذا بعطاءِ الله فعلت ؟

أم لا تدري فيم خـُلـِقــْـتْ ؟


إلهي !

لئن شــُغِلَ الخلقُ - جهلا ً - بأسبابهمْ عنك , ضـَلــُّوا

فأنت المُسَـبّبُ فوق السـَّـبَـبْ

ا

لأيَّةِ غايَة ؟*

فيم خـُلِقنا ولأيَّةِ غاية ؟

يشكو كلٌّ منهمْ أنَّ على القلب غشاوة ضِيقْ ..

ودبيبُ اللحظات صريرٌ موجعْ ..

لا تتزحزح الا مكرهة ً ,

لا تحمل الا السأمَ الممدودَ بلا آخِرْ

لا تربطـُها آصِرة ٌ بالزَّمَن المبحر بين ندى الصبح وأنسام ِ الليلْ ..

ويجوسُ خلال القلبِ يفتــِّشُ بينَ مَساربه عن شيء مَّا يُحيي فيه التــَّوقْ

يُعيدُ اليه تواصُلهُ مع نـَبْض الأشياءِ فلا يلقى الا أصداء الكبر وآثار الذنبْ


لن ترجعَ للخفقـَة في القلبِ براءتـُها ,

للإصغاءةِ لهفـَتـُها ,

للزمن العابرِ معناه وأشواقـُه ,

الاّ إنْ صَدَرَ الانسانْ

عن فطرته , وتناغمَ في كل خـُطاه

معَ ناموس الأكوانْ

فاذا لـَحَظات العمر تــَفيضُ حياة ..

واذا السأمُ يُوَلـّي فكأنْ لم يكُ قـَدْ كانْ

فلأمْر ٍ جُلـَل ٍ قد خـُلِقَ الإنسانْ

لِيعْـبُدَ رَبـَّـه

فاذا كلُّ جوارحه تـتدَفـَّقُ حمدا وعطاءْ

هل من مَعادْ ؟*

تحدّث نفسَكَ : إنَّ الزمانَ عصيبٌ , وليلُ البلاء ثقيل وهذا المدى ظلمات ونارْ ..

وتعلـَمُ أنَّ خلاصك فعل اقتراب , وأنْ ليس يجديك هذا المواتُ , فما للحياة انتظارْ ..

ولو لحظة ٌ تتفلـَّتُ من دهرها لتلاشـَتْ هباءْ

ولكن هو ليلٌ يكـُرُّ يَليهِ نهارْ

ففيم انتظارُك , تجترُّك الأمنياتُ صباح مساءْ ؟

وتوصد سمْعك عن طـَرَقات الضـّياءْ ؟

ألم تره مقبلا ً من بعيد يُلـَوّحُ بالثوب : إنـّي إليكم نـَذيرْ

وهذا ورائيَ يومُ النـُّشورْ

يسابقـُني فهو منكم على خطواتْ

يكاد يزلزل مَن في القبورْ

الا أضِح السَّمْع , فـَهْو يناديكَ :

جَنـّة خـُلـْدِكَ أقربُ منك اليك , ونارُكْ

وما هي الا سُوَيْعة ُ حُلـْم , فإذ انت تـُدْعى , ففيم انتظارُكْ ؟

أزِلْ صدأ الإثم عن مُقلتيكَ , وعن سمْع قلبكَ , تبْصِرْ سَماءَكْ

ولا تكُ ممن يُقال لهُم ساعة الهول والويْل : ها قد كـَشَفنا غِطاءَك

وشتــّان بين مُنيبٍ رآهُ بأسمائه دون حبْل الوريدْ

اتباعاع الهارب*

في غبطةٍ كغِبطة الأطفال في أحضان ِ أمَّهاتـِهم ,

تعيش هادئاً وساكناً

لا همَّ , لا ارتقاءَ , لا فـُضولْ

كأنـَّما الزمانُ عادَ لحظة ً ممدودة بلا نهايةٍ ولا ابتداءْ

لا ليلَ , ولا نهار, لا فـُصولْ

كأنما المكانُ صفحة ٌ بيْضاءْ

فلا نزاع بين كلمةٍ وأختِها , ولا لقاءْ

أذ َاكَ مشرقُ الشمس أم الافولْ ؟

أم يا تـُرى وجْهان للسـّـكونْ

وكلُّ شيءٍ مثلُ ضدّه اذا نظرْتَ من بعيدْ

وإنما الأشياء كلـّها سَواءْ

في قـَبْضة المنونْ

وفجأة ً يَطرُقُ بابكَ السؤالْ :

في غبطةٍ أنت تعيشُ أم تـُرى في غـَفـْلـَةٍ تموتْ ؟


هي ذي نفسُكَ مرآة ٌ مهملة لا يسْطـَعُ فيها نور

طـَلـَلٌ قـَفـْرٌ مهجورْ

يتسكع فيها الصمتُ , وتذرَعُها أشباحُ الموتْ

إنَّ الشمس اذا حَبَسَتْ عن أهل الأرض أشِعـَّتها سَقـَطـَتْ فحْمة ..

سماؤُكَ تنـْأى..*

النـّورالموءودُ يُحاصرُ صاحبَه الأعمى مُزَقاً من ظلـُماتْ

وشظايا محترقاتْ

" ويلك قد هيأني ربّي لك وجْهاً سمْعاً بَصَراً وفؤاداً

فلماذا لم تتجملْ بي , يوماً , قبل مماتكْ ؟

ولماذا اطفأت ضيائيَ بكْراً ,

ولو استبصرت لكنتُ ربيعَ حياتكْ

هيّا قـُمْ واطلب أجْرَ الكدح الموصول بلا معنى ,

شـُرْبَة َ ماءٍ تـُغـْني يوْمَ الظمأ الممدودْ ,

قبساً , في ظلمة دِهْليز الرعب المسدودْ ,

كِسْرَة َ قوت في زمن الجوع الدائم ,

ظِـلا ً يحمي وجهكْ

من لفح النارِ المتسعّر حولـَكْ ؟

أمْ تقدرُ أنْ تتقلـّبَ أحقاباً في هذا الويل ْ

لا تسمعُ الا رجْعَ نداء العمر

يردّد في الفلواتْ

هي ذي دنياك تولـّت ببهارجها غيرَ مُخـَلـّفةٍ الا الحسَراتْ ؟


كـُلُّ الدُّروب ..*

تقلـّبُ طرفكَ بين العيون الظِماءِ

تلوبُ هنا وهنالكْ

تفتـّشُ في كل أرض ٍ , وتبحَثُ في الظـُّلـُمات الحوالِكْ

أما قطرة من ضياءْ ؟

ويا لـَلـفـَراشات روَّعها اليُـتمُ تحسَبُ جنـَّتـَها في الحريق ِ

فتـُلقي بأنفسها في المَهالِكْ !

فمن مقلة أ ُتـْرِعَتْ بالسَّراب فـَسَدَّ عليها المسالكْ

الى مقلةٍ يتثاءبُ فيها الظـَلامْ

ويـُطفِئها شوقـُها للحُطام

وتنأى بوجهـِكَ عنهم , وتبكي ..

لعلّ السماء تـَمدُّ قناديلـَها الساهرات ,

وتفرُشُ تلكَ المسافات

بين العيون ِ الظماء ونـَهْرِ الضّيَاء !


أيا ربّ كلُّ الدروب إليكَ ,

فإمَّـاقريبٌ واما بعيدْ

تولـّيهُمُ ما تولـَّوْا فمنهم شقيُّ ومنهم سعيدْ

فحتـَّامَ يطحَنـُهُم وهْمُهم , وتواريهمُ الكثرة ُ المهلِكـَة ؟

هو الله ما ثـمَّ ربٌّ سِواه

فإن شئت أغمضت عينيكَ عنه وأغلقـْتَ سمْعَكْ

وأطفأتَ قلبَكْ

لتضرِبَ في التيه عبْدَاً طريدا

وإنْ شئت ولـَّيْتَ وجَهك طوْعاً الى نوره فاهتديتْ

وأنـّى تـُشيحُ بوجهكْ

ولم تكُ عيناك الا لتبصِرَ آياتِهِ في الوجودْ

وخفقة ُ قلبك تهفو اليه

وسمعُك ما كان الا ليرتاد في كل صوْتٍ دليلا ً عليه ؟

الى أين تمضي وكـَرْهاً تـُساقُ اليه وحيداً

ومهما نأيْتْ

ففي قبضةِ الحقِّ أنتْ ؟

منقول*

shinnar.maktoobblog.com

**أمين شنار .. وفاء لذكراه

بقلم :ابراهيم العجلوني

كانت الميزة الكبرى لأمين شنار رحمه الله أنه لم يكن مهزوم الروح ولا مهزوم العقل. وأنه كان على يقين راسخ بأننا «نملك الفكر الذي يستطيع، لا أن يقف على قدميه في وجه التيارات وفي مهب الرياح فحسب، بل إنه ليصرع هذه التيارات، ويمزق هذه الأنواء، لأنه عميق، أصيل مستنير، وما علينا إلا أن نفهمه بعمق، ونطبقه على بصيره». لقد امن رحمه الله بأن أكثر ما نحتاجه في هذه المرحلة هو الفكر المستنير الذي «ترتبط جذوره بعقائدنا وتراثنا التاريخي، ويلقي ببصيرته على ما حولنا ناقلا مقتبسا، ويرسم من ذلك كله طريق المستقبل لغد أفضل». كما آمن «أن الفطرة والحق توأمان، وأن النفس إذا صفت من شوائبها لا تنجذب إلا الى أصل الرشاد، إذ لا ريب في أن الأنسان إذا خلص الى نفسه، وعاد الى فطرته، يستقرئ خلجات تلك ويدرس أعماقق هذه، فلا بد أن يهتدي الى بداية الطريق». ولما كانت «الفطرة جوهرة عزت على الغواص، واستولت عليها وحول الظلام، فلا بد للانسان من هاد ينير له سبيل الخير، ويريه نفسه صافية مشرقة، ويرشده الى فطرته واضحة نقية، فيلتقيان على موعد حق، وخير، وجمال لا ينتهي .. على موعد يرسم طريقة نداء السماء: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد». تلك هي الآفاق التي كان أمين شنار رحمه الله يسبح في أفلاكها، ويتنور حقائقها، ويتمتع بقطوفها الدانية، ويعود علينا من ذلك بالكثير. ولقد ترك فينا أمين شنار، على اختلاف مشاربنا واذواقنا، اشياء من روحه وجواهر من أدبه وفكره. ولئن كان هو اليوم في «فرح لا ينتهي» وقد التقى «سماءه» التي طالما قلب وجهه في أرجائها، وتبوأ مقعد صدق عند مليك مقتدر، لنحن اليوم أحوج ما نكون الى قراءة تجربته الفذة، وتتبع مساره الصاعد، ولا يكن ذلك على وجهه الحق إلا بجمع تراثه كله في كتاب، يعيد فينا حضوره الجميل، ويفيد منه من يأتون بعدنا، جيلا إثر جيل. وفي ذلك إن كان، بعض وفاء لأياديه البيضاء على الثقافة والمثقفين في الأردن وفلسطين، وحسبك بالوفاء لذكرى الرواد على الخلق القويم دليلا.

منقول : جريدة الرأي الأردنية

alrai.com

**وجد اويسه وحمل مفتاح بيته ورحل بهدوء

امين شنار:

اسلامي متصوف آمن بالحداثة الشعرية ومسؤولية المثقف عن الهزيمة

امين شنار (1943 ـ 2005 ) شاعر واديب مهم في الحركة الادبية الثقافية علي ضفتي نهر الاردن، فهو مهم من ناحية التأسيسية للرواية الحديثة في الاردن، وفي الحركة الثقافية والصحافة الادبية، وهناك جيل من الكتاب في الاردن وفلسطين لا زالوا يكتبون وبعضهم رحل عن هذه الفانية بدأوا خطواتهم في مجلة الافق الجديد التي كانت ريادية في بحثها عن الجديد في الحركة الشعرية العربية، ولعمل ميزتها انها جمعت في فترة معينة عددا من الاصوات الادبية والشعرية المتنافرة، حيث كتب فيها شعراء اسلاميو النزعة مع شعراء اصبحوا اعمدة في الحركة الشعرية العربية الحديثة، مثل عبد الوهاب البياتي، واحمد عبدالمعطي حجازي، اضافة للاسماء الاردنية والفلسطينية.

اما في مجال التأسيس في العمل الابداعي فتعد روايته الكابوس (1968) واحدة من الاعمال الروائية الجديدة في الاردن حيث جاءت لتكسر الصمت وتتساءل عن معني الهزيمة التي اطاحت بما تبقي من فلسطين التاريخية.

الكابوس بما فيها من بحث عن ارهاصات الهزيمة ونقد ذاتي لاسبابها من خلال حياة قرية فلسطينية تنتظر المعركة النهائية، وما فيها من تجادل بين الاجيال، الاشارة للتاريخ العثماني والحكم الانكليزي، وخيانة او تلكؤ المثقفين وبما فيها من رمزية وشعرية سردية للاحداث التي عبر عنها الراوي بنفسه او علي لسان شنار، تظل مهمة في سياق التأريخ للرواية في الاردن، وهو ما التفت اليه الناقد فخري صالح في عمله الصغير وهم البدايات .

اما الملمح الثالث في ابداع شنار فهو الشعر وان بدا في مجموعته الشعرية المشعل الخالد (1957) تقليديا الا انه تحول في فترة لاحقة للشعر الحديث الذي كان طيعا في التعبير عن قلقه وصوفيته الجديدة. ووصف الناقد والاكاديمي المعروف ناصر الدين الاسد المشعل الخالد ان اشراقات الايمان وانسام الدين تشيع في ديوان شنار .

في عام 1982 نشرت دار البيرق كتيبا صغيرا من المختارات الشعرية الاردنية كتب مقدمته الناقد والشاعر ابراهيم السعافين، واحتوي الكتاب علي قصيدة جميلة لشنار اويس ، حيث ذكرتني القصيدة في طراوتها وجدتها واعتمادها علي التراث الصوفي، وشخصية اويس المزني، بعالم الشاعر السوداني محمد عبدالحي مع ان الاخير كان اعمق في بنائه الصوفي الذي يأخذ كثيرا من تجليات الوجد الصوفي وزمانه السوداني.*

ولكن قراءة اويس لشنار بعد مصادفة معرفة نبأ وفاته (توفي يوم 18 ايلول (سبتمبر) الحالي)، تشير الي مدي ما وصلته التجربة الصوفية عنده، فهي احتوت علي توتر كبير وحركة تعبر عن حالة البحث التي بدأها الشاعر عن هذا الصوفي الزاهد اويس المزني ، وهي مثل كل قصائد الوجد الصوفي تبدأ بالتوجه لمكة او المدينة او منهما، وهنا يقول امين شنار وقفت بابواب مكة اسأل عنك الحجيج.. افتش افئدة الطائفين، ادس يدي في صدور المصلين والعاكفين.. افيكم اويس.. افيكم اويس .

وفكرة دس اليد فيها اشارة الي الدرجة التي وصل فيها الشاعر باحثا عن اويسه فهو بحث محموم، واويس الذي يبحث عنه شنار موجود في الغبار والندي والسماء، وموجود في حقيقة الصوفي المتشرد الذي يلاحقه الاطفال. واويس هو بمثابة اللحظة الوجودية المتوترة التي لا ينتظرها الشاعر وحده بل الوجود كله، فأين تراني الاقي اويسا؟… اذا هبط النجم اليا… فلن يستقر في يدي.. سوي فحمة من سواد ، واويس هو بمثابة النبوءة والصرخة القادمة لانه فيها معني الخلاص فان الثري ظامئ يستغيث، وان العباد حياري، يضجون غرقي فتغرق اصواتهم..

يصيحون موتي فهذي صرخاتهم، نريد اويسا، اما لاويس من معاد؟ . ولكن القصيدة التي تبدأ بتجليات البحث والسؤال عن اويس تتحول فيما بعد للبحث عن ازمة الشاعر او مشكلة الانسان في مراوحته بين السماء والارض، التراب والنور، وعندما يعيا الشاعر في العثور علي معني حقيقي لاويس يلتفت لنفسه، حيث يصرخ قائلا كفي لن اناشد ركب الحجيج، ولا السحب المثقلات، ولا الطير ولا الوحش عنك، فانت بقلبي… غمامة حب بقلبي.. منحتك عمري.. لتقتات من اضلعي..

وتشرب من ادمعي ، وفي لحظة الاكتشاف تبدأ التجربة بالصعود، حيث تكبر اليمامة، وتكبر الغمامة اللتان تحنان الي العش المستعاد، وعندها يترك الشاعر اغلال عمره وديدان قبره صاعدا للاعالي، فيما تظل الانسانية تردد وتبحث في قلقها الوجودي نريد اويسا، اما لاويس من معاد ، وهي قصيدة فيها من كثافة التجربة الصوفية وقلق الشاعر الوجودي الباحث عن خلاص في تجربة العارفين. واويس هنا ليس تعبيرا فقط عن التجربة الروحية في صفائها وتجلياتها فقط بل عن الخلاص الانساني، واختيار شنار لاويس المزني له معناه، فهو مع الجيل الاول من الصوفيين الذي مثل فكرة الحب الصوفي والزهد الذي لم تلوثه بعد التجربة الفلسفية ولا الافلاطونية الجديدة التي اتسمت بها تجارب الصوفيين الكبار حتي ابن عربي وما بعده.*

قصيدة اويس تكشف عن البعد الهام في حياة امين شنار، فهو اثناء حرب ايلول (سبتمبر) 1970 قرر اعتزال الحياة والتصوف، وهو الشاعر والاديب الذي كان في قلب الحركة الادبية الناشئة في الاردن، كان في ذلك الوقت يعمل في التلفزيون، وفصل من عمله بدون اشعار، وسواء كان الاعتزال ردا علي هذا القرار او نتيجة لتحولات فكرية ومعنوية في تجربة الشاعر، فمنذ ذلك الوقت اصبح ناسكا يقضي ايامه في جبل الحسين في العاصمة الاردنية، وهو ان شارك في الكتابة الصحافية في صحيفة الدستور حيث كان يكتب بتوقيع جهينة وكان يكتب اشعارا متناثرة الا انه لم يصدر اي نتاج بعد تلك الفترة، ومثل مجايله في ذلك الوقت تيسير السبول، فشنار لم يصدر ديوان شعر او رواية بعد الستينات من القرن الماضي.*

والمثير ان السبول الذي فازت روايته اليتيمة انت منذ اليوم مناصفة مع رواية امين شنار الكابوس بجائزة جريدة النهار البيروتية، وضع حدا لحياته الادبية برصاصة اخترقت رأسه تاركا لنا عربي بطل روايته ليحمل كل اثقال الهزيمة العربية والمهانة التي تلاحقنا منذ ذلك الوقت. وشنار وهو ان لم يتخذ نفس الطريق، فقد اختفي من الحياة الادبية لاكثر من اربعين عاما، ولهذا كان بمثابة الحاضر الغائب، ولهذا السبب لم يعرف احد بوفاته والذين عرفوا تداركوا غيابه الاخير بعد ايام من وفاته.*

ومع كل انجازاته الادبية الا ان شاعرنا ارتبط بمجلة الافق الجديد التي صدرت في 30 ايلول (سبتمبر) 1961 في القدس، وكانت تصدر مرتين قي الشهر، ثم تحولت الي مجلة شهرية حتي احتجابها في عام 1966، كان يرأس تحريرها جمعة حماد، فيما عمل فيها امين شنار مديرا للتحرير، وصدرت المجلة عن مؤسسة المنار التي كانت تصدر جريدة المنار.*

وكان الفضل في نجاح المجلة الي شنار الذي فتح ابوابها لكل الاصوات الادبية مع ان المشاركين فيها في البداية كانوا اسلاميي النزعة، وقد اعد محمد عبيدالله دراسة عن تجربة المجلة فيما قامت امانة عمان الكبري، في تظاهرة عمان عاصمة الثقافة العربية، بتصوير اعداد المجلة والتي صدرت في مجلدين. وقائمة الاسماء التي ساهمت فيها تشي باهميتها واثرها علي ساحة الثقافة العربية، فقد كان لها مراسلون ادبيون في القاهرة عز الدين مناصرة وفخري قعوار ، وماجد السامرائي كان مراسلها في العراق.*

ومن الاسماء التي تنتمي الي هذا الجيل الذي اطلق عليه مناصرة جيل الافق الجديد او جيل الستينات في الاردن وفلسطين كان الراحل محمد القيسي، وراضي صدوق، ووليد سيف وخليل زقطان، ومحمود شقير وخليل السواحري. وعبدالرحمن بارود الشاعر الاسلامي، ووليد الاعظمي، وعمر بهاء الدين الاميري ويوسف العظم من تيار الشعر الاسلامي. ومن مصر شارك صلاح عبدالصبور واحمد عبدالمعطي حجازي ومحمد ابراهيم ابو سنة ومجاهد عبدالمنعم وملك عبدالعزيز، ومحمد الفيتوري من السودان وعبدالوهاب البياتي وعبدالقادر الناصري وخالد الحلي من العراق. وعلي الجندي، وفايزخضور من سورية.*

وفيها كتب الشهيد ماجد ابو شرار ونشر صبحي شحروري احد الاسماء الادبية في الحركة الادبية في الضفة ومحمود شقير الذي نوه بالتجربة في مذكراته التي نشرت هذا العام مدن فاتنة وهواء طائش حيث يشير الي انطلاقة المجلة واهمية امين شنار في تطورها بحيث اصبحت وخلال اربعة او خمسة اعوام مركز النشاط الثقافي ووطن عدد من الشعراء والادباء الذين وصلوا اليه او استقروا فيه.*

كانت المجلة صورة عن اهتمامات الحركة الشعرية العربية التي لم تتعاف بعد من نكبة فلسطين. وانفتحت علي كل التجارب الادبية التي كانت سائدة في تلك الفترة، الاشتراكية والوجودية، والدراسات المقدمة للمجلة تشير لهذه الاتجاهات بشكل واضح، مما يجعل المجلة في عمرها القصير تأسيسية في مدماك الثقافة في الاردن وفلسطين ويعطي امين شنار دورا قياديا فيها، وهو وان لم يدع هذا الدور الا ان الجيل الذي بدأ خطواته من مكاتب المجلة التي كانت في شارع الزهراء لا زال يحمي هذه التجربة ويحملها معه.*

والغريب ان امين شنار قام بهذا العمل وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره، وكان نفسه يساهم في الكتابة للمجلات الادبية العربية مثل الاداب اللبنانية و المعارف السورية، و شعر المصرية، و افكار الاردنية، وهو النتاج الذي لم يجمع في كتاب، مع ان الناقد ابراهيم خليل قام بجمع بعض هذه الاشعار في كتاب صدر قبل فترة. ما يميز الافق الجديد هي رعايتها للاصوات الجديدة في الحركة الادبية العربية، فيما لم تظهر فيها اصوات معروفة مثل فدوي طوقان، وعيسي الناعوري، وسلمي الخضراء الجيوسي ومحمود سيف الدين الايراني.*

تجربة الافق الجديد تعبر في عمرها القصير عن تداخل الهم الاسلامي، وهو فردي هنا، بهموم الحداثة العربية، فامين شنار الذي كان قريبا من افكار حزب التحرير الاسلامي الذي اسسه في القدس تقي الدين نبهاني في خمسينيات القرن الماضي، وعبر عن نزعة اسلامية خاصة من ناحية الانتماء والالتزام كان قريبا من موجة الحداثة الشعرية وقصيدة التفعيلة التي تحول اليها، وبمساعدته سادت او تسيدت اعداد المجلة مع انه لم يغفل قصيدة الوزن التقليدي علي طريقة الخليل بن احمد، ونسبة هذه الي القصائد الجديدة واحد الي عشرة.

ولد امين شنار في مدينة البيرة في فلسطين، نال شهادة المترك عام 1951 وعمل مدرسا في الكلية الابراهيمية في القدس وكان نائبا لرئيس بلدية البيرة حتي عام 1976، نزح للاردن حيث عمل في التلفزيون الاردني حتي عام 1970. بعدها بدأت مظاهر التصوف تظهر علي طريقته في الحياة، حيث اقفل الناسك باب بيته، وقل زواره الا من نخبة قليلة، الذين كانوا علي تواصل او اتصال معه، وبالاضافة لمشاركته في الكتابة الروائية والشعرية ـ فقد كتب مسرحية السد وقرية الشيخ شعبان .

وشارك في كتابين الشعر الحديث في الاردن (1982)، و الوان من القصة القصيرة في الاردن . ظل امين شنار في قلب الحياة الادبية وخارجها وايا كان الدافع وراء قراره اعتزال الحياة والغوص في دقائق الصوفية، هل كانت ردا علي هزيمة حزيران (يونيو)، او لايمانه بعدم جدوي الكتابة في وجه الهزيمة، فهو سؤال سيظل معلقا، والمهم في حياة هذا الصوفي الشاعر ان الناسك قرر اخيرا ختم باب بيته، واحكام القفل عليه والرحيل بعيدا عن عالمنا الارضي. رحمه الله.

*كاتب من اسرة القدس العربي

منقول عن موقع " صحفي " :*

www.sahafi.jo f1**

أمين شنار - الانسلال من الحياة من دون ضجة
بقلم : زياد أحمد سلامة
بلا شك شعرنا جميعنا بالمفاجأة لرحيل أمين شنار رغم أن الموت حق، ومع أننا كنا نعرف أنه كان مريضاً في الآونة الأخيرة.
استذكرت تلك السنة التي تلقيت العلم على يديه فيها طالباً في الثانوية العامة قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً ، وكيف أنه قدم لنا مفاهيم النقاء والصفاء في العلاقة مع الله تعالى بصورة جديدة تنقي النفس من الرياء والنفاق والعجب والغرور، وقد ازددت ألماً عندما لم تول الصحف نبأ وفاته الاهتمام اللائق براحل كبير لو استمر في الكتابة الإبداعية لا سيما الرواية والشعر لكان ذا شأن رفيع في دنيا الأدب، وهو الذي قال الناقد المصري غالي شكري عنه بأنه تفوق في روايته (الكابوس) على رواية ( أولاد حارتنا ) لنجيب محفوظ التي ساعدته في الحصول على جائزة نوبل للآداب في العام 1988.
سِجِلُ أمين شنار في عالم الفكر والأدب سجل حافل يمتد منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي وحتى مقاله الأخير في العام 1998، كما تدل على ذلك قصائده الأولى التي كان ينشرها في جرائد: فلسطين والجهاد والمنار وغيرها ، فالطابع الإسلامي لهذه القصائد واضح بين، وقد زاوج بين طرح الفكر الإسلامي وهموم المسلمين والقضية الفلسطينية التي نشأ في أجوائها واكتوى بنيرانها منذ أن رأت عيناه النور في بلدته ( البيرة ) القريبة من رام الله في نحو العام 1934.
كما يتضح ذلك في ديوانه الوحيد (المشعل الخالد) فقد استطاع تطويع الفكر والفلسفة والعقيدة للشعر، فعلى سبيل المثال شرح نظرة الإسلام للوجود والكون والحياة في إحدى قصائده، وقد انتشر هذا الديوان عندما نشره في العام 1957 بين أيدي المثقفين ولاقى إقبالا جيداً .
استمر أمين شنار في كتابة الشعر لا سيما ( الحر ) منه، وقد طعَّمه ببعض من الأنفاس الوجودية كما يتضح في شعره أثناء الستينيات والذي نشر معظمه في مجلة ( الأفق الجديد) التي ساعد في تأسيسها ورأس تحريرها (1961 ــ 1966 ) وقد كانت هذه المجلة علامة ثقافية لا يمكن تجاوزها في المنطقة.
بعد هذه المرحلة تبين الخط الصوفي في شعره، كما يتضح ذلك في شعر السبعينيات والذي نشر معظمه في مجلتي (أفكار) و(صوت الجيل)، فقد كانت نبرة قصائده صوفية صادقة في تنقية النفس والخشوع وحسن الصلة مع الله.
في العام 1967 وإثر نكبة حزيران، أعلنت دار النهار اللبنانية عن مسابقة في الرواية الحزيرانية، ففازت روايته (الكابوس) بالجائزة الأولى مناصفة مع الرواية الأردنية الأخرى (أنت منذ اليوم) للراحل تيسير سبول، وليتفوق على كثير من الأدباء وقتها، أولئك الذين استمروا في الإبداع وأصبحوا أسماء لامعة مثل صنع الله إبراهيم وهاني الراهب وغيرهم، بينما توقف شنار عند ذلك الحدج.
والكابوس (وهي روايته الوحيدة) تعتبر من أولى الروايات ذات النضج الفني الواضح في الرواية الأردنية، وتعتبر من الروايات المؤسسة للرواية الأردنية .
كتب شنار العديد من القصص القصيرة والمسرحيات ذات المستوى الفني الرفيع، فاعتبر من أعمدة الكتابة المسرحية في الأردن، واتصفت مسرحياته بالعمق الفكري والنظرة (العقائدية) والفلسفية وناقشت مسألتي الحياة والموت، حيث كانت فكرة الموت هاجساً في تفكير شنار وسلوكه ونظرته للحياة.
وقدم شنار كذلك بعضاً من الأعمال التلفزيونية الدرامية، ويعتبر مسلسله ( باب العامود ) أول عمل درامي أردني، كما حقق برنامجه التلفزيوني (سبحان الله) نجاحاً وإعجابا عند الناس فقد كان العمل عبارة عن حلقات تتحدث عن مظاهر الكون المختلفة وتربطها بعظمة الله تعالى وقدرته وقد مزج المعلومة العلمية بالفكرة الإسلامية مع الآية القرآنية مع الخاطرة الشعرية.
وكان شنار صاحب مقال لامع في الكثير من الصحف ، وكتب باسمه الصريح وبأسماء مستعارة أشهرها (جهينة). وقد حاول في كل أعماله من شعر وقصة قصيرة ورواية ومسرحية ومقالة وخاطرة أن يوضح فكره الإسلامي فقد كان صاحب رسالة يرى أن واجبه إيصالها إلى الناس .
ما لاحظته من كتابات كُتبت عنه بعد وفاته عدم الدقة في بعض المعلومات ، فالأستاذ محمود الريماوي كتب أن شنار قد توقف عن كتابة الشعر ونشره بعد العام 1970 والصحيح أنه استمر في نشر شعره لحين توقفه عن الكتابة في العام 1998 خاصة في زاوية لحظات في جريدة الدستور، وكتب أيضاً الريماوي في جريدة (الحياة) أنه قد قيل عن الراحل بأنه ( الوجودي المؤمن ) وهذا الأمر يعطي انطباعاً بأن شاعرنا كانت متأثراً عقائدياً بالوجودية، ولكن أثر الوجودية في عالمه الأدبي أنه طرح مسألتي الموت والحياة التي عنت بها الوجودية وكأنه يرد عليهم من وجهة إسلامية، فلم ( يطعم ) إسلامه بأي نزعة فكرية خارجية.
إضافة إلى ذلك فقد كتب عنه فخري قعوار بأنه “انتقل نمط تفكيره إلى جانب الخيال والأوهام، إلى درجة أنه كان يتخيل أنه جالس مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما، ويشرع بالتحاور معهم وأخذ وجهات نظرهم”، وهذا الكلام غير صحيح البتة، فحتى مقاله الأخير كان الرجل يقدم للناس رؤية صافية ورسالة واضحة تدل على إدراك عميق للواقع وذهنية حاضرة.
صحيح أنه (اعتزل) الناس في الآونة الأخيرة ولم يكن يستقبل إلا بضعة نفر، ولكن هذه العزلة قديمة تحدث عنها الشاعر عبد الرحيم عمر في حدود العام 1972 في إحدى مقالاته الصحفية، غير أنها زادت مؤخراً، وقد اختار شنار العزلة لا هرباً من أحد أو بسبب مشاكل نفسية، ولكنها الرغبة في عدم التعرض لأحاسيس الرياء، رغبة أن تكون أقواله وأعماله خالصة لوجه الله.
وقد كنت سألته مرة سؤالاً عن مفهوم الروح وماذا قال عنها ( ابن قيم الجوزية) في كتابه (الروح) فقال منفعلاً، بأن ابن القيم أراد السمعة من وراء كتابه، وحذرني مرة بعد مقال نشرته عن مسلسل يحكي حياة ( طه حسين) من الوقوع في شرك الرياء والعمل لأجل السمعة، وقال بأنه كان واقعاً في هذا الشرك قديماً، وابعد في عزلته عن مجالس ثرثرة ولغو وحديث لا طائل من ورائه. لقد كان قرار اعتزاله متفقاً مع ما توصل إليها من قناعا ، وإن بدا غير مفهوم للكثيرين.
ما يكمِّل رسالة أمين شنار في الحياة والتي قضى سنواته السبعين في سبيلها ، أن تُجمع هذه الأعمال وتنشر ضمن (الأعمال الكاملة لأمين شنار) وقد قمت بجمع معظم هذه الأعمال المختلفة، وهذا يتيح لفكره وأدبه الانتشار والوضوح والوصول إلى الناس، وليقوم النقاد بـ (إعادة الاعتبار) له بعد أن أهمل من قبل النقاد كثيراً، نتمنى أن يقام له حفل تأبين لائق يكون عبارة عن حلقة بحث علمية ودراسات نقدية في عالم أمين شنار.

*صورة القدس في شعر أمل دنقل، وأمين شنار، ووليد سيف

تحليل ونقد :د. محمد ابراهيم الخوجة

صورة القدس في شعر أمل دنقل-]

تكاد صورة تفارقنا من الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل إذا استثنينا قصيدة ( في انتظار السيف) وقصيدة ( سرحان لا يتسلم مفاتيح القدس). ولا مندوحة لنا ـ بدءا ـ من الوقوف على هاتين القصيدتين ننظر فيهما إلى موقف الشاعر الذي اتخذه لرسم صورة القدس.

(ـ التناقض الشكلي في قصيدة ( في انتظار السيف

يبدأ الشاعر قصيدته بقوله:

وردة في عروة السرة:

ماذا تلدين الآن؟

طفلا . . أم جريمة؟

أم تنوحين على بوابة القدس القديمة؟

يضعنا الشاعر من بداية قصيدته أمام تساؤلات ظاهرها يوحي بعدم وجود رابط بينها؛ فلا رابط حقيقي بين الطفل والجريمة، ولكن هذه الولادة التي يتحدث عنها الشاعر هي ولادة التجدد وولادة العهد الجديد الذي سيكون على يدي هذا الطفل الذي يعد جريمة في حق العدو، وما يدل على هذا المعنى أنه ألحقها بالنواح على بوابة القدس القديمة؛ فإما يكون التحرر عن طريق ولادة الطفل الجديد، وإما البقاء على الهزيمة والاكتفاء بالنواح على ضياع القدس.

ولكن يبقى في الذهن انشغال حول هذا الطفل وهذه الولادة، ولذلك يقول:

تلدين الآن من يحبو . .

فلا تسنده الأيدي،

ومن يمشي . . فلا يرفع عينيه إلى الناس

الذي يحبو هو الطفل وهو رمز لبداية التحرر وبداية التحدي للعدو، ولكن عندما يشتد هذا الطفل يصبح جريمة اقترفها العرب على أنفسهم، ولذلك يأبى أحد أن يسند هذا الطفل ويشد على ساعده. وعندما وجد هذا التناقض في المجتمع ـ الذي يحمل راية التجدد والتحرر، والذي يحاول إفساد محاولات هذا التحرر في الوقت نفسه ـ فإن هذه الدولة ( فلسطين ) قد أنجبت هؤلاء الفاسدين الذين يخشون رفع أعينهم من الذل. ومما يدلنا أن الشاعر قصد في هذه الأم فلسطين هو موقع الوردة من عروة السرة كما تقع فلسطين في وسط الدول العربية. وهنا ينتقل الشاعر إلى إيجاد نظرة شمولية للوطن لا يقصد منها المكان بحد ذاته وإنما يقصد تلك النظرة الدينية إلى المكان، ومن ثم هذا التعاطف الوطني للهزيمة التي كانت نتيجة لاستهتار بعض الأفراد الذين يقول عنهم:

هذا قدر المهزوم:

لا أرض . . ولا مال . .

دون أن يطرقه جاب . .

وجندي رأى زوجته الحسناء في البيت المقابل

انظري أمتك الأولى العظيمة

أصبحت: شرذمة من جثت القتلى،

وشحاذين يستجدون عطف السيف،

والمال الذي ينثره الغازي . .

فيهوي ما تبقى من رجال . .

هذه هي نظرة أمل دنقل المتشائمة تجاه أبناء الوطن؛ فهي نظرة تشوبها استباحة للحرمات وذل للرجال أمام القوة والمال. لكن الشاعر يرفض أن تنتهي قصيدته على هذا النحو من الهزيمة وإلا فما هو دور ذلك الطفل الذي تحاول الأم ( فلسطين ) أن تلده، ولذلك هو يقول:

تشتكي الأضلاع يومين . .

ويعتاد على الصوت الجديد

يسكت المذياع يومين . .

ويعتاد على الصوت الجديد

وأنا منتظر . . جنب فراشك

جالس أرقب في حمى ارتعاشك

صرخة الطفل الذي يفتح عينيه . .

على مرأى الجنود!

فاعتياد المرء على الذل هو أمر ممكن، وكذا اعتياده على الهوان وعلى كل متغير، إلا أن الشاعر في ظل هذه الفترة من الهبوط ينتظر أن يخرج منه ذلك الذي يستطيع أن يواجه الجنود ويقاومهم.

ـ الصورة الدينية في قصيدة ( سرحان لا يتسلم مفاتيح القدس ) :

وحتى تكتمل صورة القدس والوطن عند أمل دنقل لا بد من نظرات في قصيدته ( سرحان لا يتسلم مفاتيح القدس ). والقصيدة موحية من عنوانها، إذ إن الشاعر يعيدنا إلى قصة استلام عمر ـ رضي الله عنه ـ مفاتيح القدس في زمن القوة الإسلامية والفتوح. إلا أنه في هذا الزمن ـ الموسوم بالهزائم ـ يأبى أحد استلام هذه المفاتيح، ويأبى أن يتحمل عناء هذه المهمة. وما يميز العنوان هو اسم الشخص (سرحان ) الذي يدل على اسم عربي شاع استخدامه في مصر لتشير دلالة استخدامه إلى عدم الانشغال وعدم الاهتمام والغفلة عن كافة الأمور بما فيها غفلة هذا السرحان عن أمور وطنه وعن التجهز للحصول على مفاتيح القدس.

وعند النظر إلى بنية القصيدة نجد الشاعر قد قسمها إلى سبعة أقسام، عنون كل قسم منها بـ ( الإصحاح ) لتكون إشارة واضحة من الشاعر إلى التوراة وإلى قيامه بصنع كتابة مغايرة لما صنعه اليهود في التوراة؛ فالشاعر يلجأ إلى المرجعية الدينية الإسلامية لإبداع هذه الكتابة؛ ذلك أن نمط بناء القصائد في ديوان ( العهد الآت )* هو بعنونة القصائد باسم (سفر) معين مثل: سفر الخروج وسفر التكوين. . . ثم يجعل القصيدة مقسمة إلى عدة أقسام يحمل كل قسم اسم (إصحاح)؛ فيمزج ألفاظا من الإنجيل والتوراة ، ثم يتخذ المرجعية الدينية الإسلامية مصدرا لرسم صوره؛ وذلك ما صنعه في أول قصيدته ( سرحان لا يتسلم مفاتيح القدس )، إذ يقول: ( الإصحاح الأول )

عائدون،

وأصغر أخوتهم (ذو العيون الحزينة)

يتقلب في الجب، !

أجمل أخوتهم . . لا يعود !

وعجوز هي القدس ( يشتعل الرأس شيبا )

تشم القميص . فتبيض أعينها بالبكاء ،

ولا تخلع الثوب حتى يجيء لها نبأ عن فتاها البعيد

أرض كنعان ـ إن لم تكن أنت فيها ـ مراع من الشوك!

يورثها الله من شاء من أمم،

فالذي يحرس الأرض ليس الصيارف،

إن الذي يحرس الأرض رب الجنود!

الذي يُلحظ في النص السابق أن الشاعر صور القدس من خلال تشبيهها بموقف سيدنا يعقوب ـ عليه السلام ـ؛ فاتخذ الشاعر من سورة يوسف مرجعا لاستجلاب قصته في النص، فكما آذى أخوة يوسف يوسف وأباه كذلك يؤذي اليهود القدس مع اصطبار القدس على هذه المصيبة كاصطبار يعقوب ـ عليه السلام ـ.

وقد استغل أمل دنقل تقسيم القصيدة بأن جعل كل إصحاح موضوعا مستقلا عن سابقه، ولكن في النهاية هو يرسم ـ من خلال هذا التقسيم ـ القضايا المتشتتة المتعلقة بفلسطين والقدس؛ فيشير الشاعر إلى الأحداث السياسية التي وقعت بعمان، وما كان فيها من اضطهاد لبعض الفلسطينيين، وهو في قصيدته لا يصرح بذلك، وإنما يوحي بهذه الأحداث من خلال مجموع الأعمال التي كانت تقترف في حق البعض، وذلك قوله:

منظر جانبي لعمان عام البكاء

والحوائط مرشوشة ببقايا دم لعقته الكلاب

ونهود الصبايا مصابيح مطفأة . .

فوق أعمدة الكهرباء.

منظر جانبي لعمان؛

والحرس الملكي يفتش ثوب الخلفية

وهو يسر إلى " إيلياء "

وتغيب البيوت وراء الدخان

وتغيب عيون الضحايا وراء النجوم الصغيرة

ويشير إلى التقاعس عن السعي إلى تحرير القدس في قوله:

عندما أطلق النار كانت يد القدس فوق الزناد

( ويد الله تخلع عن جسد القدس ثوب الحداد )

ليس من أجل أن يتفجر نفط الجزيرة

ليس من أجل أن يتفاوض من يتفاوض . .

من حول مائدة مستديرة

ليس من أجل أن يأكل السادة الكستناء.

القدس في شعر أمين شنّار:

يردد أمين شنار (القدس) بأبيات متفرقة في قصائده سواء كانت في مناسبة دينية أم للحديث عن قضية وطنية أم لذكر أحداث فلسطينية معينة؛ ففي قصيدته (إسراء..) فرض عليه موضوع القصيدة أن يذكر القدس بما تحمله من معان دينية في هذا الموضوع، فهو يقول:

حلقت فوق ربى البطحاء، فانبعـــثت خضراء يغمرها منك الشذى العطر

خلفت قومك في حضن الكرى، ومضى بك (البراق) وبيت المقدس الوطـر

والقدس تسأل: من هذا الذي سطعــت أنواره؟ أملاك ذا له خــــطر؟

ويفارق أمين شنار همّ المدينة الواحدة ومآسيها لتتماهى المآسي في القضية الفلسطينية لتصبح هي هم الشاعر وقضيته، ومن ذلك قول الشاعر:

آه فلسطين! والذكرى تعاودنـــا وأنت منا الهوى، والسمع، والبصر!

آه فلسطين! ما في الأرض منتجع إلا وردناه حتى ملنا البشــــر

آه فلسطين! قد ديست كرامتنــا حتام يظلمنا الباغي، ونصطبــر ؟!

وقد يتناول الشاعر موضوعات معينة يخصها في شعره، ومن ذلك حديثه عن النكبة بقوله:

قال الكبار: وكانت النكبة !

قالوا: وكم بطل قضى نحبه

قالوا: وإن لنا غدا أوبه!

هيا! أعد قواك للوثبة!

كاانوا . . . كمن وهب الأسى قلبه . .

كل يناشد ضارعا ربه!

ويتخذ ـ أحيانا ـ من قضايا الفلسطينيين موضوعا لشعره، فهو يخاطب النازحين بقوله:

ها هو الشاطئ مهجور حزين

مثقل بالعار، مخضوب الجبين

بالجراحات، ينادي النازحين

صارخا تحت نعال الغاضبين!

أججوها شعلة الحقد الدفين

ثورة عارمة لا تستكين

وانفروا من كل صوب زاحفين!

ويبرز جهد الشاعر في تشكيل صورة القدس في قصيدته ( بيت المقدس )، إذ يتخذ القدس موضوعا مفصلا في قصيدته، فكان البد أن نجعل هذه القصيدة في دراسة مستقلة لبروزها بين مجموع شعر أمين شنار ـ لا سيما وأن موضوع البحث هو صورة القدس ـ.

ـ لـذة الـقـراءة:

يقال إن مفتاح القصيدة عنوانها؛ فإذا قرأنا العنوان ( بيت المقدس ) نلحظ أن العنوان يشير إلى الأراضي المقدسة، وما وقع عليها من اضطهاد المحتل. فكل ما يدور في ثنايا القصيدة من انحرافات تعكس الصورة النفسية للشاعر، والتي تتمثل في اختياره لفظة ( بيت المقدس ) بدلا من ( القدس ) أو ( فلسطين )، وفي ذلك تحديد للدلالة الدينية التي يريد الشاعر تجسيدها في نصه.

وعندما نتتبع القصيدة نجدها تتشكل ضمن ثنائيتين حادتين: بنية الليل والصباح. إذ يجعل الشاعر تحت كل بنية عددا من البنى التي تمثل في صورتها النهائية نظرة الشاعر الوطنية والدينية تجاه الوطن؛ فتتشكل من خلال بنية الليل الصورة النهائية للمحتل ـ وفق منظور الشاعر ـ ، ولا يكون سبيل النجاة والتجديد إلا عن طريق بنية الصباح التي تمثل سبيل الكفاح والتحرر.

ووفقا للبينتين السابقتين يمكن قراءة القصيدة بمنحى دلالي مغاير لظاهر اللفظ، فتارة يستخدم الشاعر الاستعارة وتارة يستخدم التشخيص و تارة يستخدم الإيحاء ليشكل في النهاية تلك النظرة الجليلة تجاه المكان، والنظرة الضدية تجاه محتله.

يبدأ الشاعر القصيدة بقوله: ( الليل حلم مبصر ) وفي ذلك جمع للأضداد في جملة واحدة ، فكيف يكون الليل حلما و كيف يكون مبصرا في الوقت نفسه. وهنا لا بد لنا من التعامل مع دلالات هذه الألفاظ فالليل هو وقت الظلام ، وغالبا ما يعكس الظلام الأغوار النفسية المعتمة للشاعر؛ فأمين شنار يجسد حالة الظلم والقهر من خلال ليله، فكما نجد المرقسيّ يعاني الكبد من ليله نجد شاعرنا قد اتخذ موقفا من الليل، إذ يرى أنه موجود ( في مقلة عمياء ) ، ومن غير الظالم الذي تعمى عينه فلا يعود يرى الحق؟!

لكن الشاعر لا يذكر ظلم هذا الليل ليقبل به، وإنما يجعله حلما مبصرا لما ستؤول إليه الأمور في المستقبل؛ فدلالة كلمة (حلم) تدل على آمال الشاعر وأمنياته، فهي مبصرة لتحققه من إمكانية هزيمته الليل ـ بما يمثله من قيمة ودلالة ـ الذي يقول عنه أيضا:

أماه . . يا أماه يشرق الصباح

من مقلة الظلام، من أصابع الكفاح

الليل حلم مبصر يراود النهار

فالإيذان بانتهاء الليل يكون بموته وولادة نهار جديد؛ فيشكل الشاعر ثنائيتين ضديتين في البنية السطحية ( الليل / النهار ) لتولد ثنائيتين أخريين في البنية العميقة: الليل، بما يمثله من ظلم المحتل واستبداده. والنهار، بما يمثله من حرية تتشكل عن طريق الدفاع عن الوطن ( بيت المقدس ) والكفاح، لأنه يوحي ـ في النص السابق ـ بأن بذرة التغيير موجودة، و ستنبثق من مقلة الظلام ( المستبد ) لأن ما سيقع من ظلم على الناس سيشكل حافزا لديهم لتحدي هذا الظلم عن طريق الكفاح.

ونلاحظ التشخيص الذي يستخدمه الشاعر في الأسطر السابقة فهو يجعل للظلام مقلة كأنه إنسان، ويجعل لليل قدرة إنسانية لقوله: ( يراود )؛ فأسقط على الليل جانب حسي من الإنسان .

وعندما ننظر في القصيدة سطرها الثاني نجد الشاعر يقول: ( وقلبي شراع مبحر ، في لجة سوداء ) ؛ فذكر القلب ههنا ولكنه لم يقصد ذلك الجزء الكائن في الصدر، وإنما قصد ما لديه من عاطفة وشعور؛ فعاطفته غير مستقرة ومما يدل على ذلك أنها ( شراع مبحر ) أي أنه دائم الترحال غير مستقر في مكان ولذلك هو يقول : ( قلبي شراع مبحر ، لا ينتهي سراه ) .

ويقول عنه أيضا: ( قلبي شراع مبحر 000 تكسر المجداف تحت وطأة الرعود )؛ فقوله: تكسر المجداف، أي كأنه قارب تائه يتخبط به الموج، ولا يعلم مصيره؛ فهو يسير دون هدف، والذي كلفه هذا الأمر: ( وطأة الرعود )، فنستدل من ذكره ( وطأة ) أن الرعد ليس حقيقيا وكأنه يقول : وطأة ما وقع علينا من ظلم من ذلك المغتصب .

وهكذا، فإن النص تشكل عن طريق أسلوبين: الأول، استخدام الألفاظ عن طريق المجاز لغير المعنى الحقيقي الظاهر. والثاني، استخدام الألفاظ والجمل الموحية لتشكل المعنى من خلال ما تتركه من أثر نفسي يستقر في مخيلة القارئ.

ومن الأمثلة على استخدام الشاعر أسلوب الإيحاء قوله :

قلبي وليلى سائحان يعبران

أزقة مسنة ، تؤرخ الزمان

تقول ، كان ههنا 00 وكان 00

فقوله : ( قلبي وليلي سائحان يعبران ) يتنافى مع قوله: ( قلبي شراع مبحر )؛ فأبرز لنا عاطفة تجاه هذا المكان لكنه يعود ويحدثنا أن كل من يمر في هذه المنطقة من صديق وعدو لا خير يرتجى منه ولن يؤثر في المكان الذي يبقى خالدا بما يحمله عن تاريخ عريق ، وذلك قوله: ( فههنا الحياة لا تموت في الأشياء000) .

صورة القدس في شعر وليد سيف :

تتنوع الصور الدلالية للقدس في شعر وليد سيف لتتشكل في أبرز سبك لها في ديوان ( تغريبة بني فلسطين) الذي يستهل بقصيدة ( تغريبة زيد الياسن ) وأولها:

أنت إذن رأس الفتنة

أنت اللغم المزروع بنا

  • أنت تهرّب شمس القدس..

وملح البارود … إلى كلمات الموال البلدي

الشاعر في قصائده يسعى دائماً ـ فيما أرى ـ إلى الثورة والنضال؛ فتتصارع في شعره ثلاث بنى تتمثل في المربع الدلالي التالي :

الثائر

الوطن

المحتل

علاقة حب وترابط

السعي إلى الثورة وفداء الوطن

السعي إلى المصالح الذاتية وتدمير المقاومة

علاقة رفض

علاقة استغلال

علاقة تناقض

محور الصراع

من هنا نستطيع أن نفسر قوله ( أنت رأس الفتنة ، وأنت اللغم المزروع بنا) لأن هذا الكلام موجه من المحتل إلى الثائر. وعند الحديث عن الوطن ( القدس) دائماً يقرنها بالإشراق (الشمس ) لأن حقيقتها ساطعة، وأظهر من أن يخفيها أي محتل .

ومما ينطبق على هذا المربع الدلالي - أيضاً - من الشعر قوله :

إن كنت ستغير يوماً من سيناء

ورأيت هناك نبتة ورد في الصحراء

تتطلع نحو الشمس وتحني جبهتها في كل مساء

نحو الشرق فقبلها عني

هذي الوردة يا ولدي .. تطلع من ولدي !!

هذي الوردة تطلع من كبدي!!

وبقيت ليالي أركض في البرية

وكلاب البوليس تطاردني

وتحيرت..

ترى تلك كلاب البوليس الإسرائيلي

أم تلك كلاب البوليس العربي!!

مفهوم الوطن عند الشاعر متسع؛ فهو لا يقصد في الوطن بلدته أو يهدف إلى إبراز مدينةٍ بعينها دون سواها ، ولكن الشاعر تشغله قضية الوطن الكبرى (قضية فلسطين) ، فعندما أشار إلى عبور سيناء أوحى لنا بالعبور إلى فلسطين وهذا العبور أنى له أن يكون إلا بعبور ثائرٍ أو عبور جنديٍ مقاتل. ثم يبدأ من السطر الثاني إلى السطر السادس بالحديث عن الوردة؛ فهي تنبت في الصحراء، أي أنها متفردة عن غيرها، وهكذا هو حال الثائر بين أمةٍ مهزومة. وهي تطلع نحو الشمس، والشمس ـ كما ذكرنا سابقاً ـ هي شمس القدس. وعندما يشير إلى أن هذه الوردة ستخرج من ذاته دلالة على أنها شعلة الثورة التي بدأت تبحث عمّن يوقدها. ثم ينقلنا الشاعر إلى بنية الصراع فهو رجل مُلاحَق من اليهود ومن خائني العرب . ورجل يلاحق بهذه الشدة لا يمكن أن يكون رجلا مهزوما. إذن ، هو رجل أنبت شعلة الثورة لأن الوردة منبثقة منه، وهذا هو سبب ملاحقته. ولا يزال الشاعر يتحدث عن بؤرة الصراع وهو في ذلك إنما يحاول أن يدفع العرب إلى النضال والمقاومة فهو يقول:

كان أمير الكفّار هناك يعد العدة ..

يخطب بالجند .. يمنيهم بالعسل الصافي ..

وعلاوات الغربة والرز الأمريكي

واستبشرت ، سألت إلى أين؟!

فقيل :إلى ( زائير ) …

تبالهت ، همست : طريق القدس طويل..

وبكى جندي - من نسل ( بني الأحمر - غرناطة …

فانتبه القوم ، ودل الحزن عليّ

يا ولدي قد دل الحزن عليّ

وأشار أمير الكفّار إليّ بإصبعه الذهبي

قلت : وماذا ظل بجسمي حتي يسلخ..

خلّفت شظايا منه بعمان وبغداد ومصر..

وبر الشام وبيروت ، وكل عواصم هذا الوطن العربي

فالحديث عن القدس لم يعد إشارة إلى المكان الذي يحمل بُعداً تاريخياً فحسب، بل أصبح عند الشعراء رمزاً دينياً ورمزاً للوطن والوطنية ـ أيضا ـ؛ فعندما ذكر القدس حف هذه الذكرى بتغافل العرب عنها، وذلك برفض العرب وجود جسد غريب بينهم، ليس لهذا الجسد ذنب سوى أنه ثائر على السلطة الخائنة والمحتل ، ولذلك هو يقول :

قلت نبي الله ، عليك سلام الله…

أنا من بيت المقدس جئت

من جرح شهيد تصفر في جنبيه الريح..

ويزهر في عينيه الموت

من قال بأن الجسد الميت لا يلد الحي

قد مات على الحد فلم نعرف : أبناء قريظة قتلوه..

أم ( عبد الله بن أُبي)؟!

و(ابن أبي ) باع مفاتيح القدس لأبناء قريظة …

والحرب غدت حربين

هنا يحدد الشاعر عدوه؛ فإشارته إلى أبناء قريظة وعبد الله بن أبي هي كناية واضحة عن اليهود وأعلام معروفين من العرب ـ لم يشأ ذكرهم ـ باعوا وطنهم لليهود ليصبح الثائر في صراعين: صراع المحتل الخارجي، وصراع السلطة المحلية، لكنه يرفض الصراعين لأن الريح تصفر في جنبه ( دلالة ثورة)، ويزهر في عينيه الموت ( دلالة سعيه إلى الشهادة) .

ويرسم الشاعر صورة ثورية للقدس في قصيدته ( سيرة عبدالله بن صفية ) فهو يقول :

في ذاك اليوم

كان الوالي العربي ينام على صدر عشيقته ..

ويعانق في الحلم بغياً أخرى

في الدار تأهّب عبد الله كعادته ..

أن يلبس جلد الريح..

وكان يواري في عينيه بريقاً يشبه شمس القدس

حين انفجر الصبح الدموي على الطرقات

جاءت قوات الجرك والحرس الوطني إلى حارة عبد الله

لتفتش عن تفاح أريحا تحت رموش الأطفال

كي تبحث عن قمر القدس الهارب من ليل القدس

إلى الموال

والقدس مسجلة في قائمة الممنوعات

… و لا تدخل إلا تهريباً ..

مثل أغاني الحب الصافية العذرية

واشتعلت أشجار فلسطين على جبهة عبد الله

يا عبد الله تفجر برقايا عبد الله

فالكف تلاطم شبرية

وقوله : رسموا خط الطبشور الأسود بين القدس و الأحلام

بين وميض البرق وبين عيون الأيتام

في الدار تأهب عبدالله كعادة …

وكان يواري في عينيه بريقأً يشبه شمس القدس

حين انفجرت بيروت

كما تنفجر الرحم المنفوخة بالأورام

صرخت أرملة من ( تل الزعتر )!

( يا خيال الليل … عليك سلام الله…

القدس .. القدس سبيّة )

يا عبدالله تفجر برقاً

فدعوى الثورة عند الشاعر هي دائمة، ومتجددة ـ فيما بحثت ـ نلحظ فيها أن الشاعر كلما ذكر القدس ألحقها بالشمس ثم بعد ذلك يتفجر مكان فيأمر عبدالله ـ إشارة إلى كل شخص مسلم ـ أن يتفجر غضباً وثورة حمية على مقدساته الإسلامية .

وهكذا ، فإن الشاعر كلما ذكر وطنه وذكر القدس كان يذكر معها التفجر والغضب ويدعو إلى الثورة ، فلم تعد القدس همّه فحسب ، بل الوطن وقضيّته هو المحور الذي يشوبه صراعات واقعية مستهدفة من المحتل، و من بعض المتواطئين من العرب، أو العرب الذين يحاولون إقصاء القدس وفلسطين من الذاكرة العربية، ولكن القدس و جل المدن الفلسطينية أضحت عند الشعراء القضية التي تسيطر على شعرهم.


دنقل، أمل: الأعمال الشعرية،مكتبة مدبولي، د.ت، د.م، ص 245

نفسه، ص ص 246 - 247

دنقل: الأعمال الشعرية، ص ص 247 - 248

نفسه: ص 248 - 249

  • الديوان الذي أخذت منه القصيدة

دنقل: الأعمال الشعرية، ص ص 344 - 345

نفسه، ص ص 247 - 248

نفسه، ص ص 249

شنار، أمين: المشعل الخالد، ط1، المكتبة الفلسطينية، د.م، د.ت، ص 19

نفسه، ص 61

نفسه، ص 69

خليل، إبراهيم: أمين شنار: الشاعر والأفق، ط1، الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، 1997، ص 29.

نفسه، ص 29

نفسه، ص 31

نفسه، ص 30

نفسه، ص 29

نفسه، ص 29

سيف، وليد: تغريبة بني فلسطين، ط1، دار العودة، بيروت، 1979، ص 26

نفسه، ص 28

نفسه ، ص 39 - 40

نفسه، ص 53

نفسه، ص 95

نفسه، ص 111 - 113

منقول :

academic-research.blogspot.co…blog-post.html**

الكابوس لامين شنار*

تنقلك رواية الكابوس لامين شنار الي اجواء مشابهة لتلك التي ينقلك اليها ( غابرييل غارسيا ماركيز ) في روةايته ( مائة عام من العزلة ) في حين يقوم الاسلوب الشاعري الذي كتبت به هذه الروةاية مقام العالم الاسطوري الذي يصوره ماركيز في مدينته ( ماكوندو ) .*
ان مدينة ماركيز تشبه قرية شنار في في تخلفها الحضاري وعدم معرفتها أي يشيء عن عالم التكنولوجيا خلف الجبل او وراء البحر والمدينة في الروايتين حرب وصراع ومطاردة ونهايتها واحدة ، فالرياح والاعاصير تمحي مدينة ماركيز يرمز بمدينته الي معاناة فلاحي وفقراء ( كولومبيا ) في امريكا اللاتينية ، من خلال عالمة الاسطوري الاخاذ ، فان ( كابوس ) امين شنار يرمز الي فلسطين ، بكل ابعاد ان رواية ماركيز ظهرت عام 67 ورواية شنار ظهرت عام 68*
رواية الكابوس تقوم علي رموز يقابلها معادل موضوعي يسهل اكتشافه والتعرف عليه فالقرية ترمز الي فلسطين والشيخ نجم الذي دفنته القرية ، يرمز الي العهد العثماني والشيخ الجديد يرمز به الي الانجليز والرجل الغريب الذي تسلل من وراء الجبل الي القرية هو العدو والصهيوني والمشادات التي تقع يوميا بين سكان القرية القرية ترمز الي الخلافات والمنازعات اليومية التي استغلها العدو في السيطرة علي القرية ، اما البيت الكبير في القرية فيرمز الي مدينة القدس .*
وبهذا فان الرواية تحكي من خلال هذه الرموز القصة التاريخية لضياع فلسطين منذ بدات الهجرات الاولي لليهود ، تتسلل الي القرية وانتهاء بالهجوم الكاسح المدمر بالتعاون مع الانجليز ، وتشرد اهل القرية في كل مكان وبين هذه الاحداث في سردها التاريخي الحرفي يحاول امين شنار ان يناقش المسالة من خلال شخوصه ، سواء بالرد علي مزاعم الغرباء التي تقول ان لهم الحق بالقرية والبيت الكبير او بتذكير سكان القرية بخطاهم القاتل الذي نفذ من خلاله الغريب وهو دفن الشيخ نجم ، الذي يمثل الارتباط التاريخي والديني بالعثمانية ، ترد النكبة برمتها الي سبب رئيسي وجوهري هو الابتعاد عن الدين والايمان .*
الرواية كلها اذن تناقش نكبة فلسطين من خلال وجهة خاصة ، لا تخلو من ( صوفية ) ولعلها الرواية العربية الوحيدة التي تنظر الي الاحداث من خلال ايدولوجيات روحية ، دينية ، تربط الاسباب والمسببات بعوالم غيبية ، ولا تنزل الي ارض الواقع ، لتدرس العلة من خلال طبيعة العلاقات الاقتصادية او الاجتماعية التي سادت قبل ( الزلزال ) كما فعل جبرا ابراهيم في ( السفينة ) مثلا . ومن هذا اكتسبت هذه الرواية ملامحها الفنية والمضمونية ، فالي جانب كونها تقوم كلها علي البناء الرمزي ، نجد الكاتب يعني بالتفاصيل علي طريقة النهج التقليدي في الروةاية ، مع فارق اساسي وهو الروح الشعرية التي تغلف الحوار والتي تكشف عن ان اشخاص الرواية في الواقع شخص واحد هو المؤلف ، وما يدور بينهم من حوار هو في الواقع ترجمة لرايه في النكبة ، وسردا للاحداث من خلال وجهة نظرة ولم اقرا نقدا كثيرا لهذه الواية ، الا ان الدكتورين مطر واصبع اولياها اهميته خاصة ربما لانهما شعر ان الناقدين لم يولوا هذه الرواية علي اهميتها وتفردها ما تستحقه .*
الدكتور ابو مط ر يسرد احداث الرواية ويعلق عليها في تسع عشرة بصفحة ، ونراه يتفق مضافي مدلولات رموزها ، فالقرية ساحة الصراع هي ( فلسطين ) واطرافه اهل القرية ( الشعب الفلسطيني ) والخواجا موسي ( اليهود ) اما الشيخ الكبير هو ( الديني ) او كما يذهب ابو اصبع ( الفهد العثماني ) بما يمثله من حفاظ علي الدين ويميل الدكتور مطر الي تحليل الشخصيات في الرواية حتيس يتسني له كشف الحوارات التي تدور ، فيؤكد ان ( فرحات ) هو الشخصية الرئيسية في الرواية ، وان يتسم بالقلق ولا يملك القدرة علي ان يقرر " انه انسان مسلوب الارادة … وتليها شخصية ( علي سعد الدين ) ، وهو معلم في مدرسة القرية ، هادي ، لكن هدوءه يغلف ثورة لو وجدت طريقها لانطلقت ، وتتحور افكاره حول عدة مواقف ومسلمات :-*
1- انه يرفض كافة مفاهيم القرية وثراثها البالي .*
2- انه قانع بعجزه وعجز القرية علي طرد الغرباء .*
وعليه فان علي هذا " رمز للشباب المثقف من ناحية والسلبي من ناحية ثانية ، انه رمز لقطاع كبير من المثقفين الذين لا يصفون ثقافتهم في خدمة مجتمعاتهم … ومن خلال هذه الشخصية نجد ان المؤلف يحاول ان يدين هذا القطاع ، وان يحمله مسئولية ما حدث ، او جزءا كبيرا من المسئولية علي اعتبار انه ، بثقافته ، استطاع ان يحلل الموقف ويدرلاك ابعاده ، لكنه لم يوظف ثقافته ومعرفته في خدمة القضية وانما ترك الاعمور تتفاعل وتتصاعد حتي انفجر الزلزال وتتهدم الجبل وضاعت القرية … أي ، حتي حلها النكبة*
ومع ان الدكتور ابو مطر اشار الي الجزء الاول من هذا التحليل والخاص ، بالصورة التي رسمها شنار للمثقف ، معلم المدرسة ، الا انني لا انهم السر في اغفاله لمدلولات هذه الشخصية علي مواقف امين شنار الشخصية … هل هي تبراة له من هذا التحليل واعتبار ذلك الموقف من دواعي ( الدراما ) في العمل الروائي ام انها موافقة ضمنيه لهذه الادانة ، وعدم الاحساس باهميته المرافقة دفاعا عن المثقفين .*
ان ادانة امين شنار للمثقفين ، وتحميلهم مسئولية ما حدث او جزءا كبيرا من المسئولية النكبة ، لا يعتبر عن عداء شخصي ومحدد تجاه هؤلاء بقدر ما هو تفريغ مقصود كل القطاعات والمفاهيم والمواقف في سبيل اثبات فكرته المحورية والاساسية لفي سبب النكبة … وهي ( الابتعاد عن الدين ) لذا ، وبالرغم من اعترافه باهمية الشباب وبثقافاتهم وادراكهم المسبق لخطورة تواجد الغرباء ، الا انه صادر كل ذلك باتهام اخر لهم وهو رفضهم لمفاهيم القرية وتراثها البالي ، والذي يعتبره المؤلف سببا رئيسيا في النكبة وقد ظهر رفض معلم المدرسة لهذا ( التراث ) في اكثر من موقف … فنراه يعلق علي مايشاع عن موت الشيخ الكبير بقوله " الحقيقة ان الشيخ الكبير في حكم الميت حتي لو لم يمت*
ويقول : " أي شيخ كبير هذا ، يستسلم لاعدائه وينتظكم منا ان نحميه " ويقول مخاطبا فرحات : " يا فرحات ، يؤسفني ان تكون منشغل الذهن بهذه الترهات ، ماذا ؟ انسيت انك كنت معلما ؟ اتكون الخرافة زاد المعلم ؟ دع نجما والشيخ الكبير والتفت الي مصلحتك*
اضافة الي قلنا حول رمزيه الاحداث والاماكن ، يضيف صالح ابو اصبع صفحات في تحديد مدلولات الرمزية في الاشخاص ، ويري ان اهميته هذه الشخصيات تنبع من كونها " شخصيات رامزة " ووضع الكاتب لكل شخصية معادلها الموضوعي ايضا يمكن ان نلخصه كالتالي :-*
? عودة حمد الله … يرمز الي جماهير الشعب التي ترتبط بتراثها والتي تمتلك الحماس والاندفاع والرغبة في المقادمة مع ممسك بالدين .
? عصام الفاخوري … يرمز للثورية العلمية البعيدة عن الارتجال .*
? علي سعد الدين …يرمز الي الشباب المثقف الرافض لقيم مجمعه والواقف موقفا سلبيا تجاه قضاياه .*
? فرحات درويش … يرمز الي قلق واضطراب القوي الثورية في الوطن العربي وتذبذبها في خدمة قضية بلادها .
ونخلص من كل هذا الي ان البناء الروائي عند امين شنار في الكابوس ، كان محكما في لغته ورموزه واحداثه وشخصياته ، ولكن السؤال يظل قائما . …
? هل اجاب المؤلف عن السؤال الخاص بسبب الهزيمة اجابه موضوعيه مقنعة ؟ !*
منقول عن : قراءة في كتب نقدية عن الرواية الفلسطينية
بقلم :أسامة فوزي
نشر في عام 1985

ألأستاذ الشيخ أمين شنار
رحمه الله تعالى .
معلمي ومربيّ مذ كنت شاباً صغيراً, أوقد أمامي وأمام أبناء جيلي الذين أخذوا عنه مشعل نور خالد أنار لنا طريق الإيمان, عرّفنا كيف تكون العلاقة الحقة بين العبد وربه صافية رقراقة عذبة بعيدة عن حب الظهور والعجب والكبر الذي كان آفة الكثير من طلبة العلم المساكين الذين انخدعوا بنظرة عوام الناس لهم معجبين بهم, متناسين أن العوام على استعداد لأن يرفعوا الرويبضة على حساب العالم العامل, وأن يقدّسوا التافه وينبذوا أهل الله. علمنا هذا الرجل العظيم أن الذي باع نفسه لله هو ذاك الذي تجلت آثار أسماء الله تعالى فيه فظهرت جلية عليه بين الخلق أجمعين فعلموا أنه وليٌّ من أولياء الله الصالحين حيث كان الله سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها, ولو أقسم على الله لأبرّه. علمنا الزهد في الدنيا- علمناه عملياً فهو الذي كان يستطيع أن يشكل ثروة من نتاج قريحته الفذة لكنه أبى وابتعد عن كل المغريات وانسحب من كل الأضواء التي كانت حوله في شبابه وانكب على مكتبته وكتبه يعب من العلم الشريف وينقل ما تعلم إلى طلابه ليخرج جيلا صالحاً. دعاؤه كان دائما " اللهم اجعلنا من الأتقياء الأنقياء الأصفياء الأخفياء", وقد أصبح شعاراً له في زهده وتقربه إلى الله حتى أنه اعتزل الناس تماما في أواخر عمره الشريف, ولم يعلم أحد حتى عنوانه.
أعيتنا الحيلة بعدما كبرنا قليلا و تخرجنا من الجامعات أن نجد له عنواناً أو محل إقامة حتى يئسنا وتركنا الأمر لله تعالى وأخفينا الحسرة التي المّت بنا ولكننا لم نكف عن الدعاء له بالخير والدعاء لله أن يرينا إياه ولو للحظة. ولكم تألمنا لسماع خبر انتقاله لجوار ربه هكذا منسلاً من هذه الدنيا دون صخب أو ضجيج. فلم تنشر خبر وفاته أية صحيفة أو أية مجلة (وهو الشاعر والروائي والأديب الكبير والذي قال عنه أحد نقّاد الأدب في مصر لقد فاقت روايته التي كتب رواية نجيب محفوظ التي حصل من خلالها على جائزة نوبل للآداب)- وهذا الذي كان يتمناه ويعمل من أجله وهو أن يخرج من الدنيا دون صخب أو ضجة عله يلقى استقبالا فرحاً مفرحاً في السماء عندما تتفتح له أبوابها مستقبلة إياه كوليّ من أولياء الله الصالحين, باع نفسه في الله فأعطاه الله ما أعطى عباده المتقين.
علمنا بموته قريباً بعد ثلاثة أعوام من وفاته فأصبت أنا وأحبابه وطلابه بالحزن الشديد على فراقه دون لقياه ورؤيته ولو لمرة أخيرة, ذرفنا الدموع كالجداول ذرذرت في قلوبنا نسائم اللهفة والشوق والوحشة والخوف من دنيا تتناقص أطرافها من أولياء الله الصالحين.
رحمك الله يا أستاذي الحبيب وأسكنك فسيح جناته مع حبيبك محمد وصحبه وألحقنا معك برحمته ومنّه, آمين
فراس يوسف حسن

أي نور يغمر الأرض بإشعاع السماءمن ربى مكة ينساب ومن غار حراء !!
مشعل يخترق الظلمة قدسي السناء
رائع الومض، غزير النبع، علوي البهاء..
قد كسا المشرق بعد العري ثوباً من ضياء** وحبا المغرب-بعد الليل-فجراً ذو رواء !
إنه مشعلنا الخالد ينبوع الهناءقد حملناه بايمان، وسرنا في مضاء !
ما رفعناه لحرق، ما زحفنا لاعتداء
بل لإرشاد الحيارى ولهدي الجهلاء !

من ديوان المشعل الخالد

قال الشيخ رحمه الله:
أيا محمد! َقد صحت عزائمَنا ــــــ وليس فينا امرؤ في قلبه خَور
وسوف َنمضِي ، ونمضي لن ُتروّعنا ــــــ مهما دجتْ وادَلهمّت هذِهِ الغِير
فلن يعيد إلى الدنيا سعادَتها ـــــــ إلا الذي أسعد النَّاس الأولى َ غبروا

وقال أيضا:
مواكب ، في فيضٍ من النورِ غامرِ ـــــــ تهادت بِوشْيٍ ، فَاتِنِ الحسنِ ساحرِ
تَروح بآفاقٍ رحابٍ وَتغَتدِي ـــــــــــ فُتْلهِب وجداني ، وُتذكي مشاعِرِي
فَيسبح في دْنيا الخَيالاتِ خاطِرِي ــــــــــ وتصدح في سمعِ الزمانِ ، َقياثِرِي

ويقول أيضا :
رَفاقِي !هذا سِفْر مجدٍ تًَلوته ــــــــــــــــ يتيه عَلى الدنيا بِأَ سمى المفاخِرِ
فَهياَّ اسَتمدوا منه َنهَضة أُمةٍ ـــــــــــــــــ رمَاها بنوها بالجدودِ العواثر

قال الشيخ الجليل رحمه الله:
وإذا رمت إلى الحلّ وصولاً ــــ فاتَّخذ من عقلِك الواعي سبيلا
َليس هذا الكون إلا ذرة ــــ ونظامًا محكمًا فذًا جليلا

ويقول أيضاً:
وطِرت يحرسك الرحمن منْعتقًا ــــــ مِن أَسرِ دنياك :لا كَون وَ لا عُمرُ
وصرتَ فوق الإَنسانِ في ملأٍ ـــــــ فوق التَّصورِ لم يحُلم بِهِ البشرُ
حنَّت لِمرآك ، َفاخَتاَلت مباهِية ًــــــ مسارِب الجو والأَنْسام والشَّجر
وأَفْصح الكَون عن أَفْراحِهِ وشدت ـــ عرائِس الّليلِ زهوًا,وانَتشى الزهر

فراس يوسف حسن

**الشاعر أمين شنار

الكاتب الأردني أمين شنار “الوجودي المؤمن”… غاب بصمت تام

في العام 1961 صدرت في القدس مجلة «الأفق الجديد» نصف شهرية، لم تلبث أن تحولت إلى شهرية. وقد ترأس تحريرها شاعر شاب لم يكمل الثلاثين من عمره آنذاك هو أمين شنار.

دارسو الحياة الأدبية في الأردن وفلسطين يعتبرون أن هذه المجلة هي أول دورية أدبية، أسهمت بصورة دينامكية خلاقة ولا سابق لها في نشر وتقويم الإبداع الجديد، وفي وقت لم تكن فيه الصحف المحلية تخصص صفحات للثقافة. على أن أمين شنار نفسه أسهم في إرساء هذا التقليد عبر صحيفة «المنار» اليومية، وحيث كانت الأفق الجديد تصدر عن دار «المنار للصحافة». أما الأدباء المساهمون في المجلة، والذين اكتشفتهم «الأفق الجديد»، فلم يلبثوا أن تحولوا إلى محررين للصفحات الثقافية ومن هؤلاء محمود شقير، خليل السواحري، يحيى يخلف… والى هؤلاء عرف مبدعون كثر طريقهم إلى النشر للمرة الأولى، عبر صفحات هذه المجلة، ومنهم الشاعران الراحلان محمد القيسي وعبدالرحيم عمر، وفايز صياغ وعز الدين المناصرة ووليد سيف والقاصون فخري قعوار وماجد أبو شرار وصبحي شحروري. بل أن المجلة اجتذبت إليها أقلام غادة السمان، صلاح عبدالصبور، احمد عبدالمعطي حجازي، مجاهد عبدالمنعم مجاهد… وبالطبع لم تكن المجلة آنذاك تدفع أي مكافآت مالية، إذ كان النشر بحد ذاته مكافأة معنوية لا تقدر بثمن. وكما كان عليه حال المجلات الأدبية الأخرى، وحيث كان أمين شنار وصياغ والقيسي والمناصرة، ينشرون في الأوان نفسه في «الآداب». أما فايز صباغ فقد نشرت مجلة «شعر» قصيدة له في عددها الخامس، وقد اصدر ديواناً واحداً بعنوان «الحب مثلاً».

واكبت «الأفق الجديد» موجة الحداثة في الشعر والقصة في الأردن والعالم العربي لخمس سنوات وبـ66 عدداً. حيث توقفت في العام 1966 لأسباب مالية كالعادة، ولسبب آخر وهو دمج الصحف بقرار حكومي، ومنها صحيفة «المنار» التي كانت تصدر عنها المجلة بصفحة أخرى، وعندما تبين أن دائرة الثقافة والفنون التي أنشئت حديثاً آنذاك تستعد لإصدار مجلة هي «أفكار»، التي ما زالت تواظب على الصدور بصورة شهرية.

غير انه كان لـ «الأفق الجديـــد» سحــر البدايـــات، فقـــد فتحـــت بالفعل أفقا جديداً لحركة الإبداع واجتذبت إليها جيل الشبان، فلم يسهم بها أدباء مكرسون آنذاك، مثل عيسى الناعوري ومحمود سيف الدين الإيراني وفدوى طوقان وسلمى الجيوسي، حيث كانت مجلتا «الآداب» و «الأديب» تستقبل إنتاج هؤلاء في تلك الآونة.

وقد تميز رئيس تحريرها أمين شنار بخاصية فريدة: انه إسلامي النزعة والتوجه والقناعة، على انه شديد الحماسة لموجة الحداثة وشريكاً فاعلاً فيها. وبينما يتسم شعره بنبرة غنائية عذبة صافية، إلا أنه يحفل بنزعة تأملية عميقة ذات نفس وجودي، حتى قيل انه وجودي مؤمن.

وأبعد من ذلك، فقد سمح تحرره الفكري بأن تزخر «مجلته» بكتابات يساريين ووجوديين، وكان ينشر (لغيره) قصيدة عمودية واحدة كل عددين، إلى جانب عشر قصائد على الأقل من شعر التفعيلة.

بعد هزيمة العام 1967، واثر نزوحه من البيرة (توأم رام الله) حيث كان نائباً لرئيس بلديتها، ومدرساً ثانوياً للغة العربية في الكلية الإبراهيمية في القدس، بعد هذا التاريخ وأثناء إقامته المديدة في عمان، بدأت تنمو لديه نزعات صوفية. وواظب على الكتابة في صحيفة «الدستور» باسمه وبأسماء مستعارة، إلى جانب كتابة رواية «الكابوس» التي فازت بجائزة دار النهار للنشر عام 1968، مناصفة مع الشاعر الراحل تيسير سبول.

لم يكن أمين شنار زاهداً، بل كان هو الزهد نفسه، فلم يعمد إلى جمع قصائده المنشورة في «الأفق الجديد» و «الآداب» و «المعارف» (صدرت في بيروت أواسط الستينات برئاسة تحرير يوسف الحوراني، وعاشت عمراً قصيراً) و «أفكار» الأردنية و «الشعر» المصرية… لم يجمعها في أي ديوان، ولم يتطوع رسميو الوزارة ولا الرابطيون (أركان رابطة الكتاب) إلى جمع آثاره الشعرية. غير أن وزارة الثقافة قامت في العام 2002 بمناسبة اختيار عمان عاصمة ثقافية، بجمع أعداد مجلة «الأفق الجديد» في مجلدات صدرت من المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

رحل أمين شنار بصمت شديد الأحد الماضي 18 أيلول (سبتمبر) الجاري، وقد ظهرت في الصحف إعلانات نعي عائلية به، أما الصفحات الثقافية فقد تجاهلت خبر غيابه ليومين متتاليين.

على أن ابراهيم خليل جمع معظم قصائده فــــي كتاب صغير أصدرته صحيفة «الدستور» التي امضي شنار عمره في الكتابة فيها (وهي وريثة المنار) إلا أن الإخراج بالغ الرداءة لهذا الكتاب المضغوط، وبنط القصائد الصغير، وكذلك العنوان الذي تم اختياره للكتاب «الشاعر والأفق»، حيث لا يتبين القارئ إن كان الكتاب مجموعة شعرية أم هو دراســـة، ذلك كله أسهم في دفن الكتاب وصرف الاهتمام عنه. ومنذ نحو عقد من الزمن، أغلق شنار باب بيته ولم يفتحه إلا لقلة من أقرانه المتصوفين المعتزلين (بينهم الممثل عمر قفاف) وقد تناساه النقاد والمحررون، حيث لم يتم إجراء أي مقابلة صحافية معه، وبذلك فقد أسهمت الصحافة الثقافية إسهاما «طيباً» في تجهيله!

منقول:**

www.drmosad.com

ديوان الشاعر أمين شنار

مقدمة وتنبيهبسم الله الرّحمن الرّحيم
( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا )صدق الله العظيم
عرفت الشاعر الأستاذ أمين شنارعن قرب لإرتباطة بصداقة وتبادل زيارات مع المرحوم والدي في الخليل حيث كان المرحومان من أوائل من إنضم لصفوف حزب التحرير … ترك المرحوم أمين حزب التحرير بعد أن تصوف.كنت منه في مقام التلميذ وكان لي الأستاذ والمعلم… شاركت في برامجه المطروحة في الصحافة الأردنية في سنوات الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي… واعترافا مني بفضله أستذكر أعماله وتاريخه ومعاناته راجعا لمصادر كتبت عنه من قبل نقاد أوأصدقاء على السواء… فيهم من يرى في أعماله الايجابية وفيهم من يصفها بالسلبية وفيهم من يرى فيها النقيضين… إلا أنّ إجماعهم إنصب على تأكيد تقوى وإخلاص وطيب معدن الرّجل … وحتى أنصف الرجل جمعت كافة ما وصلني في هذا المجال في ملف واحد بدون تعليق مني على أي مما جمعت …
وأنبه في المقام ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء الموقع وصاحبه.
اللهم أتوجه لك بالدعاء للمرحومين والدي الحاج ناصر أحمد الشرباتي وصديقه الأستاذ أمين شنار … شاهداً لهما بالتقوى والصلاح ولا أزكي على الله أحداً.*
اللهم إغفر لهم وإرحمهم وعافهم وأعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مداخلهم ونقهم من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدّنس وأدخلهم الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمين.
التعريف بالشاعر امين شنار صالح عطا الله شاعر وأديب وصحفي ومفكر من مواليد البيرة في فلسطين عام 1933، ودرس في مدارسها وفي مدارس رام الله،حاصل على شهادة الثانوية العامة، عمل في مجال التربية والتعليم لسنوات طويلة، أصدر مجلة الأفق الجديد عن دار المنار في القدس عام 1961، واشترك في تحرير جريدة الدستور التي كانت تصدر في القدس، كان نائباً لرئيس بلدية البيرة، ثم تفرغ للعمل الصحفي والأدبي، وبعد حزيران 1967 عمل في برامج التعليم في التلفزيون الأردني وفي الكتابة الصحفية والمهن التعليمية، وهو كاتب عمود يومي في جريدة الدستور. ونشر أول قصيدة وهو في السادسة عشرة من عمره، وفي العام 1967 انتقل إلى عمان وفيها كتب أولى رواياته “الكابوس” التي فازت بجائزة صحيفة النهار اللبنانية مناصفة مع تيسير سبول على روايته “أنت منذ اليوم”.
أعماله
-عمل مديرا للتحرير في مجلة (الافق الجديد) منذ تأسيسها عام 1961.

  • أصدر ديوان شعر (المشعل الخالد) عام 1957، وأذيعت كل قصائده عبر إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية في القدس.

  • اصدر رواية (الكابوس) والتي فازت مناصفة في مسابقه عربية عام 1967.
    - بدأ بنشر شعره مبكرا وعمره 19 عاما في جريدة (الصريح) عام 1949.
    -عمل صحفيا في (جريدة المنار)، ثم في (مجلة الافق)

  • كان يكتب زاويه يوميه ثابته في (جريدة الدستور)تحت اسم جهينه بعنوان (لحـظات)لمدة تزيد عن 30 عام. وزاويه اسبوعيه تحت اسم (مع الحياه والناس).
    - عمل مديرا لبرامج التلفزيون الأردني حتى عام 1971.
    - قدم للتلفزيون الأردني أول مسلسل أردني هادف، اسمه(فندق باب العمود), ومسلسل (همس القناديل) و(البحث عن مفقود) وبرنامج علمي ديني بعنوان (سبحان الله).

  • قام بكتابة عدة برامج اذاعيه هادفه ،من اشهرها برنامج (لمحــات)و (حبات قلب), - كتــب عدة مسرحــيات رائعه اشهرهــا: مسرحية (قرية الشيخ حماد). و(ظلام في عين الشمس) و(الليله يطلع القمر) و(السد)

  • عمــل مدرســا ومربيــا في (مدارس الأقصى) الثانويه في عمان حتى تقاعد في اواخر التسعينات.
    من كتاباته

  • ربيع القلب - خفقة قلب - عابر سبيل - قطرة ماء - مبشر بالجنه - انه يرجو ويخاف - مع النفس والجسد - ويرجو رحمة ربه - ادع لنا بالمغفرة - ويؤثرون على انفسهم - حتى تنفقوا مما تحبون - ويعلمون انها الحق - والله يحب المحسنين

  • نسيم الصباح - أبواب الرجاء - السراب - الإنسان والكائنات
    وفاته
    انتقل إلى جوار ربــه في الرابعة عشر من شعبان الموافق 18 سبتمبر 2005. وهو في العزلة التي فرضها على نفسه.

مصادر البحث
(1) جريدة الدستور: أمين شنار .. خمس سنوات على الرحيل تاريخ الوصول 18 سبتمبر 2010.
(2) إبراهيم خليل: أمين شنار الشاعر والأفق - الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب - عمان 1997.
(3)راضي صدوق: ديوان الشعر العربي في القرن العشرين - دار كرمة للنشر - روما 1994.
(4)محمد حسن المشايخ: الأدب والأدباء والكتاب المعاصرون في الأردن - مطابع الدستور - عمان 1989.
(5)محمد حلمي الريشة: معجم شعراء فلسطين - المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي - رام الله 2003.
(6)الدوريات: محمد عبيد الله: العودة إلى زمن الأفق الجديد وأمين شنار - مجلة الطريق - العدد 37 - رام الله - يوليو 2005.

**ديوان الشاعر أمين شنار

**

ورحل أمين شنار
بقلم:خليل السواحريü
امين شنار الذي عاش أيامه الأخيرة معتزلاً متصوفاً مثلما فعل أبو حامد الغزالي شيخ الاشاعرة في أواخر أيامه، اختار لقاء ربه يوم أمس الأول، بعد قرابة أربعين عاماً من الاعتزال.
وأمين شنار استاذ جيل بأكمله من شعراء وكتاب الأردن وفلسطين، ذلك الجيل الذي بدأ على صفحات الأفق الجديد، المجلة الأدبية المقدسية التي كان يترأسها أمين شنار خلال النصف الأول من الستينيات؛ على يديه تربى جيل الأفق الجديد الذين ملأوا الساحة الأدبية بعطائهم في وقت لاحق ومنهم يحيى يخلف وعز الدين المناصرة ومحمد القيسي وصبحي شحروري وحكمت العقيلي وماجد أبو شرار ومحمود شقير وكاتب هذه السطور، ولا سبيل إلى استكمال القائمة فمن بين هؤلاء جيل مخضرم من أمثال خالد الساكت وعبد الرحيم عمر وأحمد العناني ويوسف العظم وغيرهم كثير.
رحل أمين شنار المتصوف، وعلى الرغم من أنه كان غائباً عن الساحة الأدبية وعن الصحافة المحلية إلا أنه كان وسيظل يحيا من خلال جيل الأفق الجديد الذي ظل يلتقي على صفحات المجلة وفي مكتب أمين المتواضع في شارع الزهراء بالقدس، وفي مكاتب جريدة المنار والجروسالم بوست.
كان أمين في مرحلته المبكرة عضواً في حزب التحرير الإسلامي وكتب خلال فترة الشباب الحزبية ديوانه “المشعل الخالد” الذي كان مثقلاً بالالتزام بالخط الإسلامي، ثم أخذ يكتب قصائده الحديثة، ربما مجاراة لجيل الحداثة الشعرية، فكانت قصائده عن “سماء” التي جمعها الناقد إبراهيم خليل في وقت لاحق وأصدرها في ديوان.
وفي المسابقة التي أجرتها جريدة النهار اللبنانية بعد نكسة حزيران 1967، لأفضل رواية عربية، فازت روايته “الكابوس” بالجائزة مناصفة مع رواية “أنت منذ اليوم” لتيسير سبول، وقد ابتلعت الصحافة اليومية أمين شنار في فترة طويلة امتدت إلى أواخر السبعينيات ومن ثم انقطع عن العالم متصوفاً ومعتزلاً، وحين بحثت عنه في آخر مسكن زرته فيه تلبية لرغبة طالب جزائري اختار أن يجعل منه موضوعاً لرسالة الدكتوراة لم أعثر عليه في مكان إقامته الذي اعتدت أن أزوره فيه في جبل الحسين.
في أوائل السبعينيات، وقبل أن ينتحر تيسير سبول، كنا نزور أمين شنار، وكان في بدايات تصوفه وعجبنا وهو يروي لنا كيف أن صحن الطعام يكفيه ليوم واحد أو يومين، ومن الغريب أننا كنا نحاول التواصل مع أرواح من مضوا بواسطة فنجان مقلوب على طبق وفيه الأحرف الأبجدية.
كان أمين شنار معلماً وحين اختار الاعتزال بعد أيلول حين فقد وظيفته في التلفزيون بجرة قلم حيث كان في حينه مديراً للبرامج، وحين ذهب إلى العمل لم يجد تصريحاً بالدخول إلى المبنى. وانتهى به ذلك إلى الاعتزال.
لم يترك أمين تراثاً مكتوباً كبيراً، ربما لانه ادرك مبكراً عدم جدوى الكتابة، سوى تلك الزاوية في جريدة الدستور التي كان يوقعها باسم جهينة، ومع ذلك فإن بصماته لا تزال موضع اعتزاز من جيل أدبي كامل هو جيل الافق الجديد كما شاء عز الدين المناصرة أن يسميه.
رحم الله أمين شنار فقد كان معْلماً من معالم الحركة الأدبية الفلسطينية والأردنية.

أوراق ثقــافيـة - اياد ع. نصـار

أمين شنار
(2005-1934)
ولد أمين شنار صالح عطالله في مدينة البيرة في فلسطين عام 1934 وتوفي في عمان عام 2005، وقد عمل أغلب سني حياته في سلك التربية والتعليم ، وكان نائباً لرئيس بلدية البيرة. أصدر مجلة الأفق الجديد في القدس عام 1961، واشترك في تحرير جريدة الدستور التي كانت تصدر في القدس، ثم تفرغ للعمل الصحفي والأدبي، وبعد حزيران 1967 عمل في برامج التعليم في التلفزيون الأردني وأصبح مديراً للبرامج لغاية عام 1971. وقد قدم للتلفزيون عدة برامج كما كتب عدداً من المسرحيات مثل (قرية الشيخ حماد)، كما كان كاتب عمود يومي في جريدة الدستور، حيث كان يكتب زاويه يوميه ثابته في (جريدة الدستور) تحت اسم جهينه بعنوان (لحـظات) لمدة تزيد عن 30 عاماً، وزاوية أسبوعية تحت اسم (مع الحياة والـناس). كما إستمر يزاول مهنة التعليم حتى التسعينيات. إعتزل الناس وابتعد عن المشاركة في اللقاءات والنشاطات الادبية فترة طويلة في أواخر سنوات حياته.

من مؤلفاته القصصية والروائية:

  • الكابوس (رواية) وقد صدرت في بيروت عن دار النهار، عام 1968 (وقد حازت على الجائزة الأولى لمسابقة جريدة النهار اللبنانية في الرواية بالاشتراك مع رواية “أنت منذ اليوم” للأديب الراحل تيسير سبول).

أمين شنار
? مكان الولادة : البيرة
? تاريخ الولادة : 1934
ولد أمين شنار في مدينة البيرة الفلسطينية سنة 1934، درس الابتدائية والثانوية بمدارس البيرة، انخرط في جهاز التعليم ومارس العمل الصحفي إلى جانب عمله التعليمي، أصدر مجلة الأفق الجديد، وشارك في تحرير جريدة الدستور.
فاز في الانتخابات النيابية، وأصبح رئيساً بلدية البيرة، ثم ترك عمله الوظيفي وتفرغ للعمل الأدبي، وفي سنة 1967 وبعد أن احتل الصهاينة باقي فلسطين التجأ أمين إلى الأردن وهناك انضم إلى أسرة التلفزيون في برامج التعليم من نتاجه الأدبي:

  1. المشعل الخالد، ديوان شعر، مطبعة الشرق بالبيرة 1957.
  2. الكابوس (رواية) دار النهار بيروت، 1968.
    المصادر والمراجع:
    موسوعة أعلام فلسطين في القرن العشرين، محمد عمر حمادة، سوريا،

**أمين شنار

تجربة تتحدى صمت صاحبها وصوفيته!

بقلم: د. محمد شاهينü

هذه شهادة تمر بثلاث محطات رئيسية. الأولى مدرسة البيرة الثانوية التي كنت أعمل فيها معلماً. صباح يوم بارد مشمس من أيام الخريف عام 1961 حضر إلى المدرسة في فترة الاستراحة الصباحية شاب متوسط القامة حنطي اللون، عيناه واسعتان تحيط بهما دائرتان سوداويتان يعلم الله سر وجودهما، ينفذ بريقهما إلى الناظر بدون عناء. انضم الشاب إلى المعلمين الذين وقفوا حول نافورة المدرسة يتناولون الشاي، وقدم نفسه للجميع معلنا أن مجلة أدبية ثقافية ستخرج إلى حيز الوجود قريبا، وطلب من الجميع المساهمة بما تيسر، كانت تلك المناسبة أول مرة التقي فيها أمين شنار، وما قرأت رواية كونراد لورد جم إلا واقترن في ذهني وصف تلك الشخصية في بداية الرواية بصورة ذلك الشاب الذي أقبل علينا صباح ذلك اليوم وهو يحمل ورقة وقلما كأنه يتأهب لنقل مشهد مؤثر يجري أمامه بالسرعة الممكنة. يقول كونراد إن لورد جم يقبل عليك فتظن للوهلة الأولى أنه شخص عدواني يتأهب للمصارعة، لكنك تكتشف على التو أن وداعة من نوع خاص تختفي وراء المظهر المخادع الذي لا علاقة له بأي نوع من العنف، إلى آخر ذلك من المفارقة التي تنشأ أحياناً بين المظهر والمخبر.

وبعد أيام قليلة تقدمت لمحرر مجلة الأفق الجديد بمساهمة متواضعة جدا، وهي ترجمة من رسائل تشيترفيلد ينصح فيها ولده ولا أذكر لماذا وكيف اخترت تلك القطعة من الكتابة، المهم أنني ذهبت يوم صدور المجلة إلى بائع الصحف والمجلات الذي كان يقبع في كشك صغير على الخط الوهمي الفاصل بين رام الله والبيرة، بضعة أمتار من المنارة، ونظرت إلى صفحة الغلاف التي كتبت عليها العناوين، لم أجد العنوان ولا اسمي. عدت غاضبا دون أن اشتري المجلة، وفي المساء عدت إلى نفس المكان وابتعت المجلة على مضض ولم أنظر إليها إلا بعد عودتي إلى البيت، وكم كان سروري عندما وجدت أن القطعة قد نشرت فعلا دون أن يظهر عنوانها على صفحة الغلاف الخارجية التي اختارت بعض العناوين، ربما البارزة منها وأيقنت أنه فات علي الانتباه أن تلك العناوين هي ما يظهر عادة على الغلاف من كتاب هذا العدد، وليس جميع كتاب العدد.

بقيت أتردد على مكتب الأفق الجديد في مبنى صحيفة المنار بشارع صلاح الدين بالقدس. مكتب متواضع جدا سقفه بيت الدرج المؤدي إلى الطابق الثاني حيث تقوم إدارة الصحيفة المكونة من محمود الشريف، وكامل الشريف وجمعة حماد. كان أمين يبدو متعبا في كل مرة زرته إذ أنه كان يقوم بكل ما يتطلبه إخراج المجلة، لكن أمين كان يلقى الأصدقاء والزوار بكل حفاوة وحيوية تتحدى ظروف الإعياء. وفي أكثر من زيارة شاطرته زاده وزوادته في المكتب صحنا من الحمص وكوبا من الشاي وحمدا لله بعد ذلك وكثيرا ما كان يتحول اللقاء إلى إفطار عمل أو غداء عمل فيه يعرض أمين على الزائر أن يكتب ما تيسر من مقالة قصيرة أو عرضا لمادة ظهرت في المجلة، حفاظا على الوقت وضمانا لتوفر المادة. وعندما كنت أجد المكتب مغلقا أسعى إلى المطبعة في شارع الأصفهاني مقابل عمارة البريد إذ كنت ترى أمين وهو يجلس القرفصاء في الهواء الطلق يقرأ بروفات المجلة التي كانت تخرج في طيات طويلة وكأنها تستطيع الامتداد عبر الشارع إلى مدخل البريد، وعلى مقربة منه يعمل جاهدا عمال المطبعة يعبثون بأكوام الأحرف النحاسية، من أجل صف الكلمات وكنت أعجب كيف أن تلك العملية بما فيها من فوضى تؤدي في اليوم التالي إلى نسخة ورقية أنيقة.

كل شيء كان أمين يقوم به كان يتمتع بتلقائية وبساطة لا نظير لها، كان يؤمن أن المحرر واسطة خير بين الكاتب والقارئ. لم أشعر يوما من الأيام أن أمين أعطى نفسه حق الرقيب على المادة التي تصله للنشر، أو أنه كما هو واضح من تبويب مواد المجلة كان يؤثر نفسه على غيره وأنه كان عند وعده في اللقاء الأول أن المجلة للجميع، ولا سلطان مطلقا للمحرر عليها، وهذا ما يفسر وجود كاتب متزمت بجانب كاتب لا يعرف التزمت في نفس العدد، وشاعر تقليدي محدود الأفق مع شاعر حديث موهوب. وكأن أمين كان يستشرف المستقبل معتقداً أن الزمن أو القارئ هو الذي سيفرز الغث من السمين فيما بعد. وهذا ما حصل فعلا. فكم من الأسماء التي كانت تتصدر المجلة اندثرت إلى الأبد. ومن يتصفح الأفق الجديد يلحظ هذه الظاهرة الفريدة التي تتميز بها المجلة وهو وجود أقلام أصبح أصحابها في صدارة المجددين في العالم العربي وأقلام أخرى كان من الواضح أنها لا يمكن أن تجد موقعا لها بجانب أصوات مغايرة تماما لها إلا في الأفق الجديد. والسؤال المحير: ألم يكن أمين شنار على وعي بذلك؟ الإجابة على هذا السؤال طويلة، ولكنها منيرة إذ أنها قد تكشف لنا بطريقة أو أخرى عن جانب مهم في شخصية أمين شنار الجدلية.

في صيف عام 1962 سافرت إلى أميركا لكن الاتصال بيني وبين أمين لم ينقطع، وفي يوم من الأيام تسلمت رزمة تضم الأعداد التي صدرت في غيابي ولا أنسى ذلك اليوم الذي افترشت المسطح الأخضر وسط حرم جامعي جميل أتزود بزاد الأفق الجديد الذي سافر عبر الأطلنطي من شارع الأصفهاني إلى جامعة كلورادو - بولدر. عدت بعد أقل من عامين إلى الديار. وكانت سعادتي غامرة عندما تعينت بدار المعلمين الريفية في بيت حينيا التي كنت في يوم من الأيام طالبا فيها وقضيت أعز أيام صباي فيها علاوة على أنني أصبحت على مقربة من مكتب الأفق الجديد. وفي كثير من الأحيان كنت أقطع المسافة بين الدار ومكتب الأفق الجديد مشيا على الأقدام.

ويبدو أن ارتباطات محمود الشريف رئيس تحرير صحيفة المنار وراعي المجلة آنذاك قد ازدادت مع الأيام مما جعله يطلب من أمين شنار أن يساعده في تدبير أمور الصحيفة وتطلب ذلك تخصيص مكتب له في طابق الإدارة. وفي كل مرة زرته في المكتب الجديد الفسيح كنا نذكر ذلك المكتب الحقير بكل خير، يكفي أن الأفق الجديد ولدت فيه، في بيت الدرج!. سألته مرة كيف تستطيع المنار أن تستمر وهي كما قلت لي إنها باعت في يوم من الأيام أربعة أعداد فقط؟ فأجاب من حق هذا الكرسي الوثير علي ومن حقك كصديق أن أعطيك الإجابة. مال على الدرج الذي أمامه واخرج شيكا بمبلغ أربعة آلاف (لا أذكر هل كان المبلغ بالدينار أم بالدولار) وجعل يلوح به في يده قائلا لو تأخر هذا الشيك شهرا واحدا فإن الصحيفة ستغلق أبوابها وربما المجلة أيضاً، مصدر الشيك بلد عربي فاعل خير. وأنا أذكر هذه الحادثة هنا لأول مرة لتصحيح معلومة تتكرر عند الحديث عن الأفق الجديد مفادها أن الأفق الجديد التي أغلقت أبوابها بعد أقل من عامين من تلك الزيارة توقفت عن الصدور بسبب إلغاء اشتراكات مدارس وزارة التربية فيها. وأنا لا يخالجني الشك في أن السبب في توقف المجلة عن الصدور هو توقف الشيك مع أن الصحيفة التي اكتسبت اسما جديدا وهو الجهاد بدل المنار استمرت في الصدور، ربما لأن انتشارها أصبح يغطي نفقاتها دون أن يغطي نفقات المجلة مع تحسن أوضاع الصحافة في المملكة آنذاك.

وفي خريف عام 1965 حطت بي السبل في دار المعلمين بجبل الحسين ولم يعد التواصل مع أمين ومع الأفق الجديد ميسورا كما كان من قبل. لكني كنت انتظر بشوق صدور الأفق الجديد. وما زلت أذكر شعوري بالمرارة عندما ابتعت العدد الأخير من المجلة من مكتبة الاستقلال وفيه ما هو أشبه بكلمة تأبين تعلن عن توقف صدور المجلة. كنت قد بعثت لأمين صيف عام 1965 من أكسفورد بما لا اسميه شعرا على الإطلاق وباسم مستعار وبدون علمه. ظهرت بعض تلك الأشعار في عددين. أما العدد الأخير فقد ظهر الاسم المستعار وسقطت أسطر القصيدة مع موضوعات أخرى ربما لأن رئيس التحرر كان في عجلة محيرة وهو يشهد أفول نجم المجلة، التي أنارت السبيل أمام جيل أصبح يعرف فيما بعد بجيل الستينيات، وتحضرني هنا تسمية ييتس لجيل التسعينيات من شعراء القرن التاسع عشر إذ أطلق عليهم الجيل المأساوي بسبب انطفاء جذوة شعرهم مع حياتهم خلال مدة تقارب عمر المجلة.

أما المحطة الثانية فهي حرب حزيران عام 1967، لا يمكن أن ينمحي من ذاكرتي ذلك المشهد الذي رافق الترحيل والناس يهرولون وسط مدينة عمان في الأيام التي تلت الحرب وأصبحت تعرف بالأيام الستة، مشهد جنائزي صرف لا تسمع فيه همسا ولا صوتا، فقط دبيب أقدام آدمية كأنها أصنام بشرية حطها السيل من علٍ تهيم على وجهها في وسط النهار البهيم في الشارع الرئيسي دون أن تعي جهة سيرها. وسط الزحام وأمام مطعم القدس برز أمامي شبح أمين شنار من بين الأشباح الغفيرة. أخبرني أنه مثل بقية الخلق آنئذ عبثا أضناه البحث عن بيت، كنت في تلك الأيام على وشك أن أخلي البيت الذي سكنته وأنا أعمل معيداً في الجامعة الأردنية إذ أنني كنت في طريقي إلى السفر في بعثة دراسية. كان سروره عظيماً عندما انتقل في اليوم التالي مع أسرته الصغيرة إلى بيت أبو أحمد اللفتاوي بالقرب من غاز أبو عزمي، ومن الذكريات التي لا أنساها ذكرى ليلة سهرناها معا في نفس البيت. حديثه الشجي عن الأدب والسياسة محملا بهموم الوطن. تحدث لي بنبرة مجروحة عن ردة الفعل الرسمية التي شهّرت به وسائل الإعلام علنا بسبب مقالة كتبها، يأسي فيها على ما حصل، عنوانها إن كنت أذكره أو بعضه هو العقبة الباكية وإيلات الباسمة . في خضم العواطف المختلطة بسبب الوضع العام المأساوي اتُّهم أمين بنشر الخذلان وتحطيم المعنويات العامة. علّق في معرض الحديث الشجي على نفسه قائلا كان عليَّ أن أتوقف عن النثر قبل توقفي عن الشعر حتى لا يذهب الناس مذاهب شتى في قراءتي . واختتم قوله إن كانت الكتابة من فضة فالعدول عنها من ذهب.

سافرت في البعثة وفي جعبتي سبعة أعداد من الأفق الجديد (رقم 7 من الأرقام المحببة لأمين كما يرد في شعره) أتحول إليها بين الحين والآخر كلما عزت علي الذكريات، وأتذكر الكلمة التي صلبتها وسائل الإعلام على مسمعه ومسمع الناس جميعا في الوطن الذي أنشد أرضه وسماءه حبا وفكرا نيرا عندما تحولت الكلمة عنده بعدها صمتا سرمديا.

المحطة الثالثة زيارتي له في بيته بعد عودتي من البعثة في أوائل السبعينيات، بعد لأي اهتديت إلى مكان إقامته في جبل الحسين، كان قد انتقل من بيت أبو أحمد الذي غادرته مقيما فيه إلى بيت مجاور يتسع لأفراد أسرته التي أصبحت في حاجة إلى بيت آخر. بعد السلام والتحيات المباركات قال معتذرا عن عدم التواصل والاتصال: أنا لا أزور ولا أزار. تحدثنا طويلا ذلك المساء. حدثني عن أهم حدث هز كيانه في السنوات التي تلت آخر لقاء بيننا، اقتتال السبعين! لم يتصور قط أن يحصل ما حصل بين أفراد الأسرة الواحدة، قرر بعدها أمين ألا يزور ولا يزار، أصبح أمين رهين ذكرى حربين شكلا محبسيه.

قابلت أمين مرة واحدة بعد ذلك وهو في طريقه إلى مدارس الأقصى، إذ كان يوسف العظم، صاحب المدارس، قد قدم له وظيفة معلم لغة عربية في تلك المدارس، ولا بد هنا من الاعتراف بفضل صديقين لأمين مدا يد المساعدة له بكل إخلاص هما يوسف العظم ومحمود الشريف الذي ظل محافظا على قدسية الصداقة وقدم له العون هو الآخر من خلال ما يطيب لأمين أن يكتب في صحيفة الدستور. صحيح أن جل كتاباته كانت مغرقة في الصوفية، لكن بعضها كان رائعا خصوصا ما اتصل بالشعر وترجمته، وما زلت احتفظ بمقالة كتبها فيها ترجمات لإليوت وباوند وأودن وهوبكنز تشعر وأنت تقرأ تلك الترجمات غياب أي خلل ينشأ عادة من تحوّل الأصل إلى ترجمة، وهي في رأيي ترجمات لا يقدر عليها إلا من أوتي موهبة شعرية قادرة على أن تحول الشعر إلى شعر حتى لو كان الأصل شعر عمالقة أمثال الشعراء المذكورين.

عندما أقرأ أمين شنار في كتاباته الأخيرة التي سبقت رحيله بسنوات قليلة أقف محتاراً. هذه مثلا ترجماته لبعض أشهر شعراء القرن العشرين تصل إلينا في أبهى حللها وهذه تعليقاته التي تصاحبها تشكل نشازا واضحا، ولا تنسجم أبدا مع ترجمته للنص الأصلي، وكأنه كان أثناء انشغاله بنقل الأصل يضع حسه النقدي أو الصوفي جانبا، طالبا المعذرة من نقده أو صوفيته عدم التدخل إلى أن يحين ميلاد الترجمة بشكل طبيعي.

هنالك مثل إيطالي ينعت المترجم بأنه خائن، وكثيرا ما يُذكر هذا المثل عند الحديث عن الإشكالية الأزلية بين الأصل والترجمة. أمين شنار هنا يتحدى هذا المثل الشائع جدا بل ويخلق إشكالية جديدة لا تخلو من الروح الميتافيزيقية وهي أنه لا يخون الأصل أبدا بل يخون ترجمته، إذ كيف يمكن للمترجم أمين شنار أن يقدم لنا ترجمة رائعة لا يقدر عليها إلا من استطاع أن يستوعب أسرار اللغة الأصلية بما فيها من بنية تركيبية وموسيقى شعرية مختلفتين، ثم يقدم تعليقا سلبيا جدا ومجحفا في حق النص الأصلي، الذي أبدع هو نفسه في نقل ترجمته. لو كتب التعليق دون ترجمة مرموقة كهذه للنص الأصلي لانجلى الأمر دون تناقض. في اعتقادي أن أمين شنار أمين مع نفسه. لقد عاش فعلا حياة التناقضات ورغبته في خلق تصالح بين هذه التناقضات لا تتحقق في النهاية لأنه لا يقزم الجانب الموجب حتى لو تصوره مؤقتا يقف على مقربة من الموصل. ومن حق القارئ ألا يرى الجانبين في حالة تماس. ومن حقنا أيضا أن نتذكر صورة أمين شنار الفنان في شبابه الذي كان يسيطر على منع هذا التماس آنذاك كما يتضح لنا في كتاباته المفعمة بروح التسامح. ويكفي أن نتذكر قصيدته التي كتبها إثر زيارة لبريطانيا بدعوة رسمية لصحيفة المنار لنرى كيف أن تجربته القصيرة جدا من هذه الزيارة أوحت له بقصيدة إيجابية لا تعرف للثقافة مهدا أو إقليما معينا.

ومن أجل توضيح ما يرد أعلاه فإني أبيح لنفسي أن اجتزئ شيئا من مقالته المشار إليها والتي نشرتها الدستور قبيل رحيله تحت عنوان: السّراب وخفقة الينبوع .

(لا تجدي الحكمة إلا حيث يكون الصمت وعاء … والصمتُ هوى وتناثر أشلاءٍ جرفتها ريح صاخبة هوجاء ..

ومضات القلب طواها الرعب فتاتا من صدأ يصطك صباح مساء …

هل، ثمة، من نبأ عن نهر الغبطة: كيف تواري يصطك الظلماء؟؟).

هل افتقـد (إليوت) حقا ذلك الصمت الجليل المبارك الذي يهجس به في قصيدته (أربعاء الرماد): الصمت الذي تفرَغ به النفس من ضجة أهوائها، وعلى أجنحته ترقي إلى طريق خلاصِها المنشود؟ وهذه الغربة التي تدور حولها قصائده، وقصائد أمثاله من الشعراء: أهي غُربة فطرة تطهـرت من زُخرفها، فاءت إلى حقيقتها؟ … أم هي غربة مصطنعة تراد لذاتها، أو ابتغاء شهرة تُجَلْجِلُ في الآفاق؟. إنها ـ على كل حال ـ غربة لم تفض بهم، قط، إلى انعتاق.

بلى. لقد عرفوا لهب الدهشة يمور في الأعماق … واتخذوا لأنفسهم - زمنا ما - مكانا قصيا، وراحوا يراقبون لعبة العيش الأجوف، متسائلين: أين الخلاص؟.

ألا تحس بدهشة (إليوت)، في (الأرض اليباب)، وهو ينظر إلى العابرين، على جسر لندن، في فجر يوم شتائي يكتنفه الضباب: (لم يخطر لي ببال أن الموت قد أباد كل هذه الجموع الغفيرة!) .. أو وهو يتساءل: (ذلك الجثمان الذي غرسته في حديقتك في العام الفائت: تراه يزهر هذا العام؟). أو وهو يرثي حضارة زمن ميت، حتى ليكاد ينوح: (ليس ثمة إلا الصخر وحده لا حياة، مَنذا يستطيع ههنا أن يقف أو أن يجلس أو أن ينام؟. حتى الصمت حمل عباءته، وانسل … ليس، ثمة، إلا رعد عقيم يابس بلا مطر … وفي الفضاء بروج قلبت رأسا على عقب!). أما روَّعتك صرخة (أوسكار وايلد): (أموات يرقصون مع أموات، وتراب يدور مع تراب)؟ وفجيعة (وليم بليك) مما انتهى إليه البشر: (لم يبق في حانوت القلب سوى خرق بالية وعظام!) وصيحة (عزرا باوند): (لا شيء الآن يذبح بنظافة .. كل شيء يترك للطعن)؟؟

وبعد فهذه ليست جميع المحطات التي نرى فيها أمين في قطار المسيرة الحافلة. فكم كان بودي مثلا أن يتسع المجال للحديث عن محطات مهمة أخرى مر بها أمين مثل ما يمكن أن نسميه على سبيل المثال محطة سماء، الاسم المستعار لأسطورة الحب التي أنشدها أمين بمعنى الكلمة. في إحدى زياراتي لذلك المكتب وجدته غارقا في حالة إعياء تثير الفزع. قبل أن أسأله أي سؤال تبرع بالإجابة: هل تعلم أنني سأتزوج قريبا. أجبته بتعليق لم يكن من حقي أن أبديه وفي اعتقادي أنه غضب من ردة الفعل عندي بل من تعليقي الذي يبدو أنه تخطى مشاعره وظروفه التي لا أعلم عنها شيئا. كظم غيظه في البداية، لكنه استرسل بعد ذلك في حديث لسوء الحـظ نسيته تماما، لكني أذكر أن طابعه كان ميتافيزيقيا. واختتم قوله دفنت سماء … .

وتقول سماء في قصيدة عنوانها قصة وداع وربما كانت فعلا تودع شاعرها: سئمت المنى وقطعت الأمل / أجل يا رفيق حياتي / أجل / وتلك الأناشيد مزَّقْتَها / ليخبو منها / رفيف الغزل / ويَنبوعُنا الحلو ما ذنبه / قطعتَ الرؤى عنه / حتى اضمحل / وكان لنا منهلاً شاعريا / وكان الحياة / وكان الأزل.

وفي ختام القصيدة تقول: ولو قلت … / ألف … وألف وداع / ولو خضت ألف .. وألف جدال/ عرفتك أنشودة للوفاء / أجل .. يا رفيق حياتي / أجل.

وفي العدد الثالث من السنة الرابعة لمجلة الأفق الجديد نشر وليد سيف قصيدة عنوانها سماء … تأبى أن تموت مع إهداء إلى صاحب تجربة سماء الشاعر أمين شنار، يقول وليد سيف:

بربك قل لي، صديق السماء: / إذا كنت تشدو بأزمة جيل / وتجربة عاش فيها الجميع/ فكيف تقول (دفنت سماء..)/ وهذي السماء أراها أمامي / لتنثر في الدرب أشواكها/ وترشف من أغنيات الجراح نشيد الدماء/ وتحيا على ألم الآخـرين / على أنني يا صديق السماء / وإن كان في وأدك التجربة / لنفسك راحة بال وبعض سكينة / أشك بأن الهروب هجوع يدوم / أشك بأن النهاية / هدوء جميل وشوق قديم.

والقصيدة تخاطب طبعا شاعر سماء وتقول له في ذلك الحين دون إفصاح، كما لا بد أن نقول له اليوم بصراحة أمين يأبى أن يموت . والموهبة التي انتحرت مبكرا، (كلمات محمود درويش لي قبل أيام في معرض حديثه عن أمين شنار)، لا يعني وأدها فهي أشبه بالجثة المدفونة في حديقة الأرض اليباب لإليوت مدفونة لأنها ستورق لاحقا.

لو كنت امتلك قدرة مالية وفنية معا لقمت بصناعة أوبرا عنوانها عروس البيرة (على غرار عروس الطيرة التي كتبها المرحوم عبد اللطيف البرغوثي) يمتد نشيدها من مسقط رأس الشاعر وعروسه إلى شارع صلاح الدين في القدس حيث كانت العروس التي دفنها عريسها تطل بشوق الحياة عبر نافذة الأفق الجديد الرحبة التي عاش شاعرها يطوّف معها في آفاقها الواسعة. أمين شنار ذاكرة ثقافية جميلة ليست للنسيان، تتحدى بعبقها صمت صاحبها وصوفيته.

ü ناقد وأكاديمي من الأردن**

**إشراقة الإيمان

ألهذا الكون ياعقل بداية ــ فهو منها سائر نحو النهاية؟

أم هو الكون قديم أزلي ــ خالد كان لبلا بدء وغاية؟

أو هذا الكون مخلوق ومحتاج ــ لرب قد براه بعناية؟

أم ترى الصدفة كانت أصله ــ ومن الصدفة تأتيه الرعاية؟

هل وراء الكون رب قادر ــ صاغه خلقا وأرساه بناية؟

أم نظام الكون منه مستمد ــ وهما وحدهما كانا البداية؟

هل لتسآؤلي هذا من جواب ــ أو يدري العقل أو تحوي الدراية؟


أيها الإنسان! هل أنت سوى ــ كائن يعقل في هذي الدنى؟

ناقص.. تنمو إلى حد وتفنى ــ عاجز الادراك محدود القوى؟

هل ترى مخلوق ربك قادر ــ أنت.. سواك وأعطاك الهدى؟

أم هو الإنسان أعلى كائن ــ قد حواه الكون فيما حوى؟

كامل القدرة، لا حد له ــ علمه يطوي إذا شاء المدى؟

ناشئ وفق نواميس ارتقاء ــ قد رآها ؟ أو يكفي ما يرى؟

هل ترى التفكير يجدي هل سندرى ــ أم يضيع الجهد والكد سدى؟


هل لمحيانا ترى قبل وبعد ــ فهو بالخلق وبالبعث يحد؟

هل حياة الكائن الحي لها بدء ــ وخلاق له في الخلق قصد؟

أم حياة الفرد تحكي نبتة ــ بدؤها المهد وعقبى الأمر لحد؟

وحياة الجنس تبقى أبداً ــ في خلود .. ما له بدء.. وحد؟

أو شرع الله للإنسان خير ــ فهو لو يدري لشرع الله عبد؟

أو يجزى كل نفس حقها ــ ملك ليس لما يقضي مرد؟

هل ترانا نبلغ الحل؟ وهل ــ عند فكر الناس إذ يسأل رد؟


هذه العقدة كبرى العقد ــ تصحب الإنسان منذ المولد.

حائر من لم يجد حلا لها ــ قلق المسلك ما عاش صدى.

يا أخي ! أقدم بفكر نير ــ واقتحم .. ما بابها بالموصد!

إبتغ الحل، فما الحل سوى ــ أول المسعى وأصل المورد.

فهو للمبدأ والفكر أساس ــ ما سما فكر بلا معتقد.

يا أخي دع حكم وجدانك وانظر ــ كيف حل العقل كبرى العقد!

جاءت الفطرة والعقل بحل ــ يسعد القلب، صحيح ،أوحد!


فطر الإنسان محتاجاُ وألفى ــ في ثنايا نفسه عجزاً و ضعفا.

عندما أبصر في الكون قوى ــ فكره الضحل تدانى وأسفا.

عبد الشمس وما أدرك ما ــ كان عن تفكيره السطحي يخفى..

ورأى للكون رباً خالقاً ــ لم يطق إدراكه: فهماً ووصفا.

مخطئ من ظن تقديس القوى ــ عند من قدسها قد كان خوفا.

ليس رجع الخوف تقديساً عميقاً ــ يملأ الأنفس إجلالا، وإلفا.

( عمر ) الجبار لم يعبد ( مناة ) ــ خشية، لكن لرب الكون زلفى


قل لمن في هوة الكفر استقرا ــ ورأى الخالق وهماً،وأصرا

أنت بالفطرة والخلق على الإيمان ــ مجبول فلم تبغي مفرا؟

عبثاً تسعى ! فقد كان احتياج الدين ــ في نفسك أصلاً مستقرا!

أنت إذ أنكرته حولته ــ ورجعت القهقرى بالفكر دهرا!

وعبدت الشخص والمبدأ جهلا ــ ولرب الكون بالتقديس أحرى!

أنت رجعي بايمانك يا من ــ ملأت نفسك إلحاداً وكفرا!

لم يوافق فطرة الإنسان حل ــ أنكر الثابت: وجداناً وفكرا!


وإذا رمت إلى الحل وصولا ــ فاتخذ من عقلك الواعي سبيلا

ليس هذا الكون إلا ذرة ــ ونظاماً محكماً فذاً جليلا،

خلقت ذرته من عدم ــ وغدت في خلقه جزءاً أصيلا.

كان محتاجاً إلى الخلق ! ــ فمن ظنه يخلق ظن المستحيلا.

قد أقام الكون ، خلقاً ونظاماً ــ عاقلٌ أعجز في الخلق العقولا.

ضلّ من يحسب بالصدفة كوناً ــ يبتنى من ذرة عرضاً وطولا.

ليست الصدفة ترعى عالماً ــ بنظام هو عنه لن يحولا..


أيها الحائر في من خلقك ــ في الذي نظم دوارالفلك.

سائل الفكر: عميقاً ومستنيرا ــ وستلفيه مجيباً سؤلك.

أنت محتاج ومخلوق لمن ــ شاء فيك النقص لمّا عدلك.

فهو الكامل لا صنو له ــ وعلى تقديسه قد فطرك!

لا تقل:للكون مخلوق أنا ــ فهو مخلوق ولكن ليس لك..

كل ما في الكون قد دل على ــ ذي وجود واجب ما فيه شك.

لا تسل: من خلق الله ؟ فما ــ هو بالمخلوق من قد خلقك!


قل لمن يبحث يرجو لو علم: ــ ما انبثاق الخلق من أصل العدم؟

ما إله واحد نظم كوناً ــ كان في البدء هيولى، وسدم؟

لا تسل عن ذاته فهي التي ــ ما احتواها العقل في ما قدعلم.

عقلك الناقص والمخلوق ــ لايعرف الكامل أو يدري القدم.

أمح بالإيمان هذا الشك تسعد ــ إنما الشك شقاء وألم!

فكرك النير لا بد مقر ــ بوجود الخالق الجم النعم.

كل مخلوق له دل عليه ــ سل تجب من كل صوب أن نعم!


يا أخي في الفكر في المعتقد: ــ للحيارى حل كبرى العقد!

قل لمن قال بأن ( الله وهم ! ــ ما سوى الكائن رب سرمدي!)

“مستنير الفكر قد أبطل ما ــ تدعى يا صاح! آمن تسعد!”

ولمن قال ( لكم دنياكم ــ واتركوا الدين لشيخ المسجد!)

"باطل الرأي وحل وسط ــ سبب الحيرة للمسترشدِ.

مبدأ الإسلام قد أنزله ــ خالق خط سبيل الرشد.

وحبا الإنسان للعيش نظاماً ــ من به استعصم كان المهتدي!"

منقول من ديوان " المشعل الخالد "**

**بيت القدس

الليلُ حلمٌ مبصرٌ، في مقلة عمياءْ

قلبي شراعٌ مبحرٌ، في لجّةٍ سوداءْ

ووقعُ أقدام السكينة الكئيبْ،

يضلّ في تيه المدينة الرهيبْ

قلبي، وليلي سائحان يعبرانْ

أزقةً مسنّةً، تؤرّخ الزمانْ،

تقول، كان ههنا وكانْ

وألمح الأشباح تذرع المكانْ،

وأسمع التنفّسَ القديم في الأجواءْ

وألمس العطور، والخلودَ في مجامر المساءْ

فههنا الحياةُ لا تموت في الأشياءْ

وتلتقي على ولائم الخلود: الأرض، والسماءْ

هنا المآذن الحزينة التي تسامر النجومْ

تمتدّ في وجومْ

عملاقةٌ لكنها طعينةُ الأحشاءْ

تنكّس الآذانَ في استحياءْ

يموت في المسامع الصمّاءْ

هنا رفات المجد والعلياءْ

تطلّ من مقابرٍ محفورةٍ في مهجة الضياءْ

تلوب حولها الطيور في أسًى، تصيحْ:

ظمأَى أنا فأين نبعة الحياة، كي أموت، أستريحْ؟

وههنا الأسوارْ

مرفوعة الهامات في إصرارْ

مصلوبةٌ، مهزومةٌ، جريحةُ الأبوابْ

تسائل القبابْ

عن عودة الغيابْ،

تقول، في فجيعةٍ، أقامني سلطانْ

عالٍ عظيمٍ الشانْ

كي أحمل النداءَ، والضياءَ، كي أكونْ:

سدّاً بوجه الليل والمنونْ

الليل حلمٌ مبصٌر، أقتات من رؤاهْ

قلبي شراعٌ مبحرٌ، لا ينتهي سراهْ

وهذه المدينة القدسيّة الرحابْ،

تحبني، تبوح لي، وحبها تنهّدٌ، وبوحها عتابْ:

بنيَّ، كيف يا بنيَّ، يهجر الأحبابْ

أمّاً تهدهد الظما بدمعها المنسابْ

أمًا تجوع، تأكل الآهاتِ والأوصابْ؟؟

بنيَّ، عدت يا بنيَّ؟ يا وليدي الصغيرْ؟

أين الصحاب يا بنيَّ؟ أين موكبي الكبيرْ؟

قد أقفرت ملاعب الرجالْ

وليس في ساح العلا أبطالْ

أماه، يا أماه، يا ترنيمةَ الأجيالْ

كفى كفى لن يجدي الترداد، والتسآلْ

أماه، يا أماه، يا مدينة الأقداسْ

مدينة الحداد والمآذن الخرساء والأجراسْ

تدقّ للأبطالْ

تهيب بالرجالْ

أماه يا أماه يشرق الصباحْ

من مقلة الظلام، من أصابع الكفاحْ

ونلتقي ونلتقي في موسمٍ مباركٍ نضيرْ

هتافه تسبيحةٌ، نشيده تكبيرْ

**

**الفارس وجدائل الظلام

جدائلُ الظلام تملأ الدروبْ

تلقي بها يدُ المساءْ

تنسلّ في انسيابةٍ رقطاءْ

من فُرجةٍ في الباب، من شقوق حائطٍ كئيبْ

تطلّ بابتسامةٍ بلهاءْ

تصبّها على الجدارْ

لزوجةً تصيد كلَّ بسمةٍ على فم النهارْ

تظلّ في بيوتنا جدائلُ الظلامْ

طويلةً، غبراءَ، في بريقها شحوبْ

ترعى جفوننا، ولا تنامْ

تمتدّ في الدهليز تزرع النعاسْ

تجوس في البيوت دونما احتراسْ

تطوّق الأعناقْ

فإن تململت نفوسنا تردُّ لحظةَ اختناقْ

وإن تثاءبت تذبُّ وطأة العناقْ**

**مجامر الرماد

مسافرٌ في هدأة الصباحْ

يلوب في متاهة المطارْ

تدعّه أكفُّ وحشةٍ إلى مخالبِ

انتظارْ

كأنني هنا ولدت: واحدًا

بلا رفيقْ

أمي فراغُ لحظةٍ، ومهديَ

الطريقْ

يمتد سُلَّمٌ يشيله كراحة القدرْ

ويصفر المجهول في أعماقهِ

فتعتريه نشوةُ الظفرْ

ويرمق الوجود حوله من كوّةٍ

بلهاءْ

لو في يدي، أغلقت كوَّةَ الوجودْ

لأسترد مقلتي من محاجر الوجودْ

لو في يدي، خلقت عالمًا أعيشُ

فيه، عالمي الجديدْ

تطوّف العينان في فضولْ:

ألا يدٌ ترفّ بالمنديل رفّةَ الوداعْ؟

ويخفق الفؤاد في التياعْ

لأنَّ رحلتي بلا بدايةٍ ولا معادْ

أودُّ لو تطولُ رحلتي، تطولْ

منسيّة الأيام والفصولْ

لأنَّ رحلتي بغيرِ زادْ

وهبتُها المماتَ والميلادْ

وكل ما يمتلك الإنسان في دنياه

حياتُه التي تشيح عنه إذْ تلقاه

هذا أنا في صدرك الرحيبْ

هنيهةً من زمنٍ مضّيعٍ غريبْ

ولست أستردُّ ما وهبت إنْ

يَعُد بنا الربّانْ

فشاطئي أرجوحةٌ يلهو بها

الدخانْ**

أمين شنار: جدلية الحضور والغياب
ü
بقلم : محمود الريماوي

عاش امين شنارفي جدلية دائمة من الحضور والغياب، اذ ان ابداعه على تفرقه يحضر بقوة فيما يغيب شخصه بصورة ملحوظة. على ان هذه الثنائية لم تستحوذ عليه الا في النصف الثاني من عمره، ففي شبابه في عمر الثلاثين تقريبا خاض انتخابات بلدية في البيرة، وكان معلما ثانويا، ومقدم احاديث ادبية في الاذاعة، ومحررا ثقافيا وكاتبا في «المنار»، الى جانب رئاسته لتحرير «الأفق الجديد»، حيث كان فريق التحرير مكونا منه فحسب. ومغزى ذلك ان امين شنار كان ناشطا مهنيا وفاعلا اجتماعيا، ووثيق الصلة بالمجتمع في تلك الفترة التي سبقت هزيمة حزيران، وان هذه الهزيمة شكلت في ما بعد احد البواعث الاساسية لعزلته، دون ان يتوقف عن الابداع، او عن مواظبة الكتابة الصحفية الراقية.
ومن حسن الطالع اني تعرفت اليه في الحقبة الاولى من حضوره الشخصي والمهني والاجتماعي، اذ كان يستقبل في مكتبه في القدس ببشاشة ومودة بالغة فتى قادما من اريحا، يتدبر اجرة الذهاب والاياب من مصروفه المدرسي،وهكذا شاءت الاقدار ان يكون تعرفي اليه، وأنا لم ازل فتى على مقاعد الدراسة الاعدادية فنشأت بيننا علاقة استاذ بتلميذ، وعلاقة مبدع ناضج بفتى تسحره الكلمات خارج المنهاج المدرسي، وقد اخذ بيدي ونشر كتاباتي الاولى في «المنار» واهداني ديوانه «المشعل الخالد» وقد شعرت ما ان باشرت قراءة الكتاب، على ما فيه من اشراق وومضات وجزالة تعبيرية، انه ليس لمؤلفه الذي تسحرني كتاباته في «الافق الجديد»، اذ كان الديوان يضم قصائد مناسبات وطنية ودينية عمودية.وكان قد تجاوز في تلك الاثناء وبصورة شبه جذرية ذلك الديوان، على انه كان ديوانه الوحيد المطبوع. واذكر اني اهديته في المقابل كتاب «اعراس» لألبير كامو. ومن دواعي المرارة انه لم تتح لي فرصة لقائه بعدئذ سوى مرتين في عمان، مرة في لقاء عابر امام احدى بسطات الصحف اواخر العام 67 حيث اخذ يندب احوال الأمة ويدعو لعدم الترفق في نقد مواضع ضعفه وفواتها، ومرة ثانية وأخيرة في بيته في جبل الحسين عام 69، وكان حديث السياسة هو الطاغي، وبعدئذ ومنذ ثلاثة عقود ونصف العقد لم اعد اسمع كغيري، سوى بانقطاعه عن الناس وعزوفه عن مخالطتهم ، بما في ذلك من قسوة شديدة على النفس ، ومن استغراق في الزهد .
على ان امين شنار الذي بقيت منه للاجيال اللاحقة صورة الزاهد المنقطع عن شؤون الدنيا وشهواتها وتلبيساتها، يتمتع قبل ذلك بفضل الريادة الشعرية ، الى جانب مجايلين اخرين كعبد الرحيم عمر وفايز صياغ، وبالتوازي مع عطاء اجيال سابقة كفدوى طوقان وسلمى الجيوسي، وقد اطلق «الافق الجديد» كمختبر للحداثة والتجديد في وقت لم تكن فيه الصحف المحلية، تعرف تقليد تخصيص صفحات للادب والثقافة، ناهيك بإصدار مجلة ادبية،مع ما للمرحومين محمود الشريف وجمعة حماد من فضل في تبني اصدارها ، بصفتهما اصحاب دار المنار التي كانت المجلة تصدر عنها،ولما يتمتعان به من ذائقة ادبية .
يجدر بالذكر هنا ان «المنار» آنذاك كانت جريدة الاخوان المسلمين ، فيما كنت انتمي لأسرة ناصرية الهوى والميول، ولم تكن «المنار» بالتالي جريدة البيت والعائلة. لكن الفتى الذي كنته كان يحرص على شراء «المنار»، لا لشيء الا لقراءة كتابات امين شنار فيها ، ثم لمتابعة ما ينشره لي على صفحاتها. وقد تعلمت بذلك درسا ثمينا ومبكرا، مفاده ان الابداع لا تحده حدود او تقيده قيود ايديولوجية. اما المجلة التي لم اكتب فيها سوى مرة او مرتين في زاوية البراعم، فكانت مثالاعلى التعددية الفكرية بفضل رحابة افق رئيس تحريرها، وغنى وتركيب شخصيته التى تجمع بين النزعة الحداثية الجامحة في التعبير الابداعي ، وبين ميوله الفكرية التي قد تصنف بأنها محافظة، على ان النزعة الدينية في بعض افتتاحياته للمجلة وعلى ما استقر في وعيي الآن بل يصورة مبكرة، هي نزعة تعول على وعاء حضاري للامة، وعلى ميل عميق تصوفي اشراقي لصاحبها، ومع فتح صفحات المجلة لكتاب يساريين ووجوديين، مما منح الفتى الذي كنته ايمانا مبكرا وراسخا بديمقراطية التعبير والتفكير،كما تجسدها هذه المجلة الرائدة، اضافة الى التعرف على المفاهيم الجديدة للابداع والنقد الادبي.
اما افتتاحيات وقصائد امين شنار فقد اسهمت اسهاما بالغا وعميقا في تشكيل ذائقتي اللغوية ، وذلك بالحرص التام على تفادي الركاكة والرخاوة التعبيرية، وتجويد وبلورة صناعة الكتابة، والتماس ايقاع لفظي وتركيبي لها، كي تضيء الكتابة في النهاية ذاتها : كنص ينطوي على خصوصية بلاغية، وينبض بلغة خضراء. وحتى تدل الكتابة على صاحبها :على روحه وسيمائه وتفرده. وقد طبع امين شنار في هذا التأثير منذ البواكير، منذ سني اليفاعة الأولى، بما يجعله اكبر من استاذ ، وابعد اثرا من معلم.
وإذ بقي هذا التاثيرماثلا يفعل فعله في النفس، ويمور في الوعي والوجدان، فمن المفارقة ان صاحبه مضيالى احتجاب، ولم يعن بجمع آثاره الغنية المبثوثة في صحف ودوريات، لكي تتم العودة الواجبة اليها وقد ائتلفت في كتب مجموعة ومصنفة، يسهل الوقوف عندها وتفحص مواطن الجمال والثراء فيها. كما لم تعمد جهات معنية للنهوض بهذه المهمة الجليلة، باستثناء مبادرة الناقد الدكتور ابراهيم خليل، التي لم يقيض لها ان تخرج فنيا وطباعيا، بالصورة التي املها صاحبها منها.
وعليه ظل امين شنارعلى مدى عقود وحتى يوم الناس هذا، شعاعا غامرا وروحا حية تخفق في جنبات المكتبات، وفي وعي مجايليه، وفي نفوس قرائه الكثر خاصة المتذوقين منهم، وفي ضمائر تلامذته النابهين، دون ان يجتمع في كتب أو يحتشد في مؤلفات، بما يعكس في المحصلة وإن بصورة ظالمة روحه المشبوبة القلقة، ونزوعه الجياش الذي لا يتقدمه نزوع آخر، للاتحاد بما يسد نقص الكائن البشري، كما يجسد هذا الغياب الارادي ترفعه الصميمي، عن امجاد ارضية يتهافت عليها متهافتون كثر، ممن تخبرون وتعرفون.

  • (كلمة القيت في الندوة العلمية ـالتكريمية للراحل الشاعر امين شنار، التي اقامتها رايطة الكتاب الاردنيين،السبت 17كانون الثاني ديسمبر الجاري).
    منقول عن : جريدة الرأي
    alrai.com

**أمين شِنَّار

( 1353 - 1426 هـ) = ( 1934 - 2005 م)

ü

سيرة الشاعر:

أمين شنار عطالله.

ولد في بلدة البيرة (الضفة الغربية- فلسطين)، وتوفي في عمان.

عاش في فلسطين، والأردن.

تلقى تعليمه في بلدته إلى أن حصل على شهادة المترك الفلسطيني (1951).

عمل بتدريس اللغة العربية مدة عشر سنوات في الكلية الإبراهيمية في القدس.

أصدر مجلة الأفق الجديد (1961)، واشترك في تحرير جريدة الدستور، كما عمل كاتبًا ومحررًا في مجلة المنار المقدسية.

اختير نائبًا لرئيس بلدية البيرة قبل أن ينزح إلى عمّان (1967) وعمل في مدارس الأقصى بها (1967 - 1970)، كما عمل في التلفزيون الأردني، والكتابة الصحفية في جريدة الدستور الأردنية

الإنتاج الشعري:

  • له ديوان «المشعل الخالد» - مطبعة الشرق - البيرة: فلسطين 1957، وله قصائد نشرت في كتاب «من الشعر الحديث في الأردن» - دار البيرق - عمان 1982، وأخرى نشرت في عدد من الدوريات العربية وبخاصة مجلة «الأفق الجديد» وقد جمعت في كتاب «أمين شنار الشاعر والأفق».

الأعمال الأخرى:

  • له من الأعمال سما (رواية) - وزارة الثقافة والإعلام - عمان 1966، والكابوس (رواية) - دار المنار - بيروت 1968 (فازت في عام صدورها بجائزة النهار للنشر في لبنان مناصفة مع الشاعر تيسير سبول)، و(مجموعة قصصية) - دار الأسوار - عكا 1980.

نظم في الإطارين: العمودي، والتفعيلة، كان أحد رواد الحداثة الأدبية في مطلع الستينيات من القرن العشرين، تجلت في شعره نبرة غنائية ذات مذاق

خاص من العذوبة والصفاء، وظهرت فيه نزعة تأملية عميقة ذات نفس وجودي، وهو ما انعكس على أسلوبه الشعري لغة وتصويرا، لمفردات الرحلة في قصائده حضور واضح يؤكد طابع الغربة والتساؤل والرغبة في الاكتشاف.

مصادر الدراسة:

1 - إبراهيم خليل: أمين شنار الشاعر والأفق - الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب - عمان 1997.

2 - راضي صدوق: ديوان الشعر العربي في القرن العشرين - دار كرمة للنشر - روما 1994.

3 - محمد حسن المشايخ: الأدب والأدباء والكتاب المعاصرون في الأردن - مطابع الدستور - عمان 1989.

4 - محمد حلمي الريشة: معجم شعراء فلسطين - المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي - رام الله 2003.

5 - الدوريات: محمد عبيد الله: العودة إلى زمن الأفق الجديد وأمين شنار - مجلة الطريق - العدد 37 - رام الله - يوليو 2005.

عناوين القصائد:

? من قصيدة: بيت القدس

? مجامر الرماد

? من قصيدة: الفارس وجدائل الظلام

بيت القدس

الليلُ حلمٌ مبصرٌ، في مقلة عمياءْ

قلبي شراعٌ مبحرٌ، في لجّةٍ سوداءْ

ووقعُ أقدام السكينة الكئيبْ،

يضلّ في تيه المدينة الرهيبْ

قلبي، وليلي سائحان يعبرانْ

أزقةً مسنّةً، تؤرّخ الزمانْ،

تقول، كان ههنا وكانْ

وألمح الأشباح تذرع المكانْ،

وأسمع التنفّسَ القديم في الأجواءْ

وألمس العطور، والخلودَ في مجامر المساءْ

فههنا الحياةُ لا تموت في الأشياءْ

وتلتقي على ولائم الخلود: الأرض، والسماءْ

هنا المآذن الحزينة التي تسامر النجومْ

تمتدّ في وجومْ

عملاقةٌ لكنها طعينةُ الأحشاءْ

تنكّس الآذانَ في استحياءْ

يموت في المسامع الصمّاءْ

هنا رفات المجد والعلياءْ

تطلّ من مقابرٍ محفورةٍ في مهجة الضياءْ

تلوب حولها الطيور في أسًى، تصيحْ:

ظمأَى أنا فأين نبعة الحياة، كي أموت، أستريحْ؟

وههنا الأسوارْ

مرفوعة الهامات في إصرارْ

مصلوبةٌ، مهزومةٌ، جريحةُ الأبوابْ

تسائل القبابْ

عن عودة الغيابْ،

تقول، في فجيعةٍ، أقامني سلطانْ

عالٍ عظيمٍ الشانْ

كي أحمل النداءَ، والضياءَ، كي أكونْ:

سدّاً بوجه الليل والمنونْ

الليل حلمٌ مبصٌر، أقتات من رؤاهْ

قلبي شراعٌ مبحرٌ، لا ينتهي سراهْ

وهذه المدينة القدسيّة الرحابْ،

تحبني، تبوح لي، وحبها تنهّدٌ، وبوحها عتابْ:

بنيَّ، كيف يا بنيَّ، يهجر الأحبابْ

أمّاً تهدهد الظما بدمعها المنسابْ

أمًا تجوع، تأكل الآهاتِ والأوصابْ؟؟

بنيَّ، عدت يا بنيَّ؟ يا وليدي الصغيرْ؟

أين الصحاب يا بنيَّ؟ أين موكبي الكبيرْ؟

قد أقفرت ملاعب الرجالْ

وليس في ساح العلا أبطالْ

أماه، يا أماه، يا ترنيمةَ الأجيالْ

كفى كفى لن يجدي الترداد، والتسآلْ

أماه، يا أماه، يا مدينة الأقداسْ

مدينة الحداد والمآذن الخرساء والأجراسْ

تدقّ للأبطالْ

تهيب بالرجالْ

أماه يا أماه يشرق الصباحْ

من مقلة الظلام، من أصابع الكفاحْ

ونلتقي ونلتقي في موسمٍ مباركٍ نضيرْ

هتافه تسبيحةٌ، نشيده تكبيرْ

مجامر الرماد

مسافرٌ في هدأة الصباحْ

يلوب في متاهة المطارْ

تدعّه أكفُّ وحشةٍ إلى مخالبِ

انتظارْ

كأنني هنا ولدت: واحدًا

بلا رفيقْ

أمي فراغُ لحظةٍ، ومهديَ

الطريقْ

يمتد سُلَّمٌ يشيله كراحة القدرْ

ويصفر المجهول في أعماقهِ

فتعتريه نشوةُ الظفرْ

ويرمق الوجود حوله من كوّةٍ

بلهاءْ

لو في يدي، أغلقت كوَّةَ الوجودْ

لأسترد مقلتي من محاجر الوجودْ

لو في يدي، خلقت عالمًا أعيشُ

فيه، عالمي الجديدْ

تطوّف العينان في فضولْ:

ألا يدٌ ترفّ بالمنديل رفّةَ الوداعْ؟

ويخفق الفؤاد في التياعْ

لأنَّ رحلتي بلا بدايةٍ ولا معادْ

أودُّ لو تطولُ رحلتي، تطولْ

منسيّة الأيام والفصولْ

لأنَّ رحلتي بغيرِ زادْ

وهبتُها المماتَ والميلادْ

وكل ما يمتلك الإنسان في دنياه

حياتُه التي تشيح عنه إذْ تلقاه

هذا أنا في صدرك الرحيبْ

هنيهةً من زمنٍ مضّيعٍ غريبْ

ولست أستردُّ ما وهبت إنْ

يَعُد بنا الربّانْ

فشاطئي أرجوحةٌ يلهو بها

الدخانْ

الفارس وجدائل الظلام

جدائلُ الظلام تملأ الدروبْ

تلقي بها يدُ المساءْ

تنسلّ في انسيابةٍ رقطاءْ

من فُرجةٍ في الباب، من شقوق حائطٍ كئيبْ

تطلّ بابتسامةٍ بلهاءْ

تصبّها على الجدارْ

لزوجةً تصيد كلَّ بسمةٍ على فم النهارْ

تظلّ في بيوتنا جدائلُ الظلامْ

طويلةً، غبراءَ، في بريقها شحوبْ

ترعى جفوننا، ولا تنامْ

تمتدّ في الدهليز تزرع النعاسْ

تجوس في البيوت دونما احتراسْ

تطوّق الأعناقْ

فإن تململت نفوسنا تردُّ لحظةَ اختناقْ

وإن تثاءبت تذبُّ وطأة العناقْ\

منقول : معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين.**

الجزء الثاني من مقالات الكاتب أمين شنار
ندعوا له بالمغفرة
ü
هنيهة صدق
رُبَّما يألـَفُ مأسورٌ قـُيودَه
رُبّما يَحْسَبُ مَن يُلقى به في التـّيهِ - بالذ َّنـْب جَناه -
أنَّ هذا العيْشَ لا معنى لهُ ..
إلا اجتناءَ اللذ ّةِ الريّانةِ السكرى .. وموصول ِ الرَّفاه
ويحَهُ ضيَّعَ دنياه وعُقـْباهُ جميعا
بلْ قد اغتال باصْرارٍ - ومن قـَبْلُ , ومن بَعْدُ - وُجودَهْ !


رَبِّ ما المَفـْتونُ الا مَنْ قـَدِ استدْرَجْتَ بالدنيا وما فيها ,
الى هوْل عذابكْ ..
فـَأفِضْ نوراً علينا وتغمّدنا بلـُطـْفِكْ
علـَّنا نخشاك إذ نرجوك ,
لا أمْنَ لنا إلا بخوفِكْ ..


لو أرْهفـْتـُمْ سمَع القلبِ هنيهة َ صِدْق ٍ ..
لـَسَمِعْتـُم صوتاً يتضرَّع ُ , يَسْتجدي ..
صوتا من أعمق أعماق النفس ينادي
هو ذا أغرقُ تحتَ ركام ٍ من اعوام التـّيهْ
هو ذا اتشـبَّث باللحظات الدَّبِــِقـَة
والعُمْرُ يغوصُ ويغوصُ وما من ومْضة نورٍ تـُحْييه
أنفسُكم تتضرع جوعاً , وتناشدكم قطرة أمْن ٍ وسكينـَة
وتـُشيحون بعيدا عنها بوجوهٍ حائرةٍ ..
بسَرابِ مطامِعِها , وهموم مخاوفِها مسكونـَة
حتى يأتي يوم النـَدَم العاتي وتـَعَضـُّون بَنان الحسرةِ ,
ماذا يغنـَمُ مَن غرِقـَتْ ايام حياتِه
في لـَيْل ٍ أبديّ وشقـَاق ٍ وعذابْ ؟
ام تخشـَون اذا انفسُكم فاءت من غفلتها , ونـَضـَتْ عنها الكِبر
وتخلـَّت عن شقوتها , وانسابَت خاشعة جذلى لتـَفـُذ َّ السَّيـْر
تـَبْغي مرضاة الله .. وتابَتْ خير مَتابْ ,
الاّ تجدوا شيئاً تحيون لأجْلهْ .. وتذيبون العُمْر له خيراً وهناءْ
ورحيقً وعطاءْ ؟
ماذا بعْد ؟
يتذكر فطرتـَه المجلوَّة َ مثلَ غدير ضِـياءْ
يتساءل : كيف طواها الليل فلا تأمُـرُه أو تـَنـْهاه ْ ؟
يثـّاقـَلُ أن يرجع .. يبكي ..
قد نأت الشـُّقــّة ُ واختلطتْ قـَطـَراتُ الغيْثِ الجذلى بترابِ الشهواتْ
كلا ّ . إن التوبة مهما طالَ اليها الدربُ , تظلُّ هي البابَ المفتوحَ ينادي :
يا من يرجون بعفو الله ومغفرتِه
أن تـَتبدَّل أوزارُهُم حسناتْ
ألا ّ تأتيهم قبضتـُهمْ إلا في مرضاة الله
إن الله هو التوابُ .. أنِيبوا لرِضاهُ , مُلـَبّين نِداهُ , ولا تذهَبْ أنفسُكُم حَسَرات ..
أو فابْقَ حيث أنـْتْ
تسْأل نفسَكَ :
ماذا بعدْ ؟
وتجيبُكَ : لا شيءَ سوايَ , تواجـِهُني , تحمِلُ أوزاري ,
تستسلم كـَرها لمصيري
تبحث عن قطرة ضوْءٍ , عن كِسْرَةِ دفءٍ , تـُؤنِسُني , تصحَبُني
اذ يتوارى جثماني في ظلـُمات اللـَحدْ ..


عبثـاً .. قد كنتـُمْ عن أنفـُسِكـُم مُنـْشـَغلينَ ,
ومُسْرعة ً كل جوارحكم ليل نهار على صخـَب الأرضْ ..
تتـَزيَّن للناس , وتستغرق فيهم هاربة ً من لحظـَةِ صدق ٍ , تتفجـَّرُ من يَنـْبوع الفِطـْرةِ ,
تـَتغلغل بين خبايا الظلمةِ تمحو اكداس الغفلة ..


ماذا يوم تـُساقون الى أرْذ َل ِ أعوام العُمْر
ويذوب الصـَّخـَبُ المحمومْ .
وتـُرَدّون الى أنفـُسكم قسْراً .. وتـُنادُونْ :
أيَّ حياة عشناها تتدحرجُ في قيعان ِ سرابْ
خـَطـَفـَتْ منا الأبصارَ واطفأت السمعْ
ما ثمَّ سوى الوحشةِ والسَّاعاتِ الجوفاءِ الممطوطـَة
تتسكـّعُ حول التذكارات وتجترُّ أساها .. وتنادي
لو أبصرْتُ طريقـاً يصْعَدُ بي يتخطـَّى الموت ويرقى باسم اللهِ ولا يرتدّ
لو كانت أياميَ باسم الله , عطاءً لا يَنـْفـَدْ
لو ذاكرتي امتدَّت حتى اتصلت بالنور الأزَلِيّ السَّرمَدْ
وغـَدَت خطواتٍ من حمدْ
لـَوْ .. ما يُجدي النـّدم المسفوحُ وقد نأتِ الشـُّقــَّة ُ
فالماضي حُلمٌ والحاضِرُ قيْدْ ؟
تـَسْبيح الطَّيْر
إشراقة ُ دفءٍ تغـْمُرُ أعماقـَكْ
وتجوسُ خلال جوارِحك العطشى لحياةٍ تـُنـْفِقُ فيها ما أعطاها الله ..
فاذا انت أضـَحْتَ السَّمْعَ وَعَيْتْ ,
واذا ما انـْتَ نظرْتَ رأيتْ ..
فأزِل عن سمْعِكَ اغشية َ النسيان وأغـْطِيَة َ الغفـْلة
كي تـَسَمَعَ بآسم الله أنينَ الجائع ِ والمضـْطَرْ
فتكون يداً تمتدُّ بخيرْ ..
أفلا تصغي ؟ هو ذا في كل صباح ٍ تـَسْبيحُ الطيرْ
يَهمي غيثاً فوق مهادكْ
انظرْ .. ذا تحميدُ الزرع يَدُقُّ شغـَافَ فؤادكْ
أصْغ ِ تـُحَدثـْك الانعامُ لماذا , كيف تردُّ اليكْ بلا مَنّ ٍ أو صَخـَبٍ
ما أخـَذ َتْ منكْ
من زادٍ او سُقيا
أجملَ اكثرَ اضـْعافاً مما كانْ
أمْ حَسْبُ الانسانْ
ان تحيا الأشياءُ مسخـّرة ً لِلـَذائِذهِ
ويعيشَ كما يهْوى عَبَثاً , في كلِّ مكان ٍ من هذا العالم ِ , يتقلـَّبُ في غمرات الشـَّكّ
تتجاذبُه فلـَواتُ الضـَّنكْ
ويدورُ سُدىً معْصُوبَ العينينْ ,
منقطعاً عن ربّه
لا يدري كيف تكونُ نهاية ُ هذا التـّيهِ , وأيْنْ
والى أيّ الدَّركاتِ يُساقْ ؟


قـُل : يا ربَّاه أنبْتُ اليكَ بكلِّ العَجْزِ الضـّاربِ في ظـُلـُمات النفس ِ
وبالظمأ الكاوي في الأحداقْ
كي أحيا بآسمك
ما لي من حوْل ٍ الا بـِك
هذا دمْعي في جوف الليل يُراقْ
قل : يا ربّاه اجعلـْني في مثل سكينة أرضِكْ
يعبرُها الناس بغفلتهم , تتلقاهُمْ في وُدّ ٍ , خاشِعة ً , لا تقـْعُدُ طرفـَة َ عيْنْ
عمّا خـُلِقـَت له
تتدفـَّقُ أنهاراً ومواسمَ جودْ
وتفيضُ على الأحقاب حنانا ..
ربّاه اجعلني عبْدا محْضاً لكْ ..
لا تتلبَّسُهُ من عُجْبِ ذرَّة
كـَيْفَ .. وحَسْـبُه ..انـَّك رَبُّـه ؟

زَمَنُ الأشياء

هل هذا زمنُ الأشياء ,
وما للإنسان سوى أنْ يُشْبع جوْعات الجسَدِ المنـْخورِ ,
ويَمضي محنيّّ الرأس , يُجرْجـِر في صمتٍ وذهولْ ..
فِطرته الجائعة َالمنسيّة ؟
لا يبقى , بعد , لنا الا مزقُ العمرِ المأكول .. ؟


ماذا يوم تـُزاحُ عن الأعين أغطية الغفلة ..
يُسألُ كلٌّ عما عاش له , ثم مضى عنه لتنهشـَهُ حَسرَة ُ فـَقـْدِهْ
ويناديه العمر الذاهبُ : " لا مهْرَبَ مني
" هيا .. عشني ثانية ً.. جوعاً , ظمأ , ندماً ..
لن اتخلى عنك , ولن تتحرر مني ..
كانت كل قواكَ لمن في يده ناصِيَتـُكْ ..
من السمع , ومن الأبصار .. لكي تحياها بآسْمه ..
لكنك لم تفعل , وزعمْتَ القوّة لك والحَوْل ..
فاذا انتَ بوهمك هذا , مُنْقـَطِع عن ينبوع وجودك
لا تعرِف أنـّى تمضي بحياتك ..


وغـَدَا عالمُنا أضيقَ من جُحْرِ الضَبّ ..
تجحَظ أعينـُنا , يملؤُها الرُّعب
نتلـَفـَّت صُبْحَ مساءْ ..
نخشى ان يفجأنا موت ما , في ركْن ٍ مّا ..
نتثاءبُ .. نسقط في إعياء ..
نتساءلُ : مَنـْذ َا جاءَ بنا .. ولماذا
كلُّ دقائقِنا تنزِفُ موتا , او سأما


لم يبْقَ لنا إلاّ الشهوة ُ ألْسِنـَة ً من لـَهَب , لا تـَهْدا
تمْخـُر عَبْرَ مفاصِلنا , أبدا
فمتى نفرُغ كي نحيا يوماً ما , ما جئـْنا هذا الكون لأجْلِه ؟
أنّى .. ولكلٍّ منا آمالٌ وطموحات محسوبة
هذا حَفـَرَ أساس البيت ولم يرفعْ حجرا بعدْ ..
ذاك يواصل بالليل نهارَهْ ..
كي يجمعَ ما يكفلُ مستقبلَ أمن ٍ ورَغـَدْ
فاذا حاضرُنا عدمٌ وهباءْ
لا وقتَ لكي نتذكرَ فيمَ أتينا ..
لا وقـْتَ ليبصر أو يسمعَ واحدُنا الآخـَرْ
لا يُبصِرُ أيٌّ مِنا الا الوهمَ القابعَ في عينيه سرابا ..
لا يَسمع الا لهَثات خـُطاه ..

مَخاضُ الضـَّوْء

كلما طاف بدنياك بلاء
ولـْوَلـَتْ نفسُك بالشكوى , وضجـَّت بالبكاء
دون أن تسألـَه من أين جاءْ
أو ترى الوعد الذي ينثـُره بين يديكْ
إنْ وعيت الأمرَ واستقبَلـْتَ بالصبر القـَضاءْ ..
إنما تـُؤخـَذ ُ بالذ َّنـْبِ الذي يُلقي ببلـْواهُ عليكْ
بظلام الليل يُدمي مقلتيكْ ..
ومخاضُ الضـَّوْءِ .. هذا الوجَعُ النازفُ في قلبك صبحاً ومساءْ !.


ما الذي ترْجُوه من دنياك ؟
أنْ تمتدَّ حُلـْماً ومتاهات الى غيرِ نهاية ؟
فلـْتعِشْ فيها بلا اية غاية ..
هي ذي قد صَدِئـَتْ فيها قيودُكْ
فلـْيكنْ فيها خلودُكْ !
أم تراها لضياءِ الله في روحك ثوباً ووعاء ؟
فلـْتكنْ مرآة َ خيرٍ لا يُغـَشّيها من الرَّيْن ِ غِطاء
واذا ما دَلـَفَ الإثم اليها , وتَـَوارتْ للغياب
فـَلـْتـَجـِدْ صحوتـَها في صبرها العذب على كلِّ الذي اشتـَّد وساءْ
كيف لا يحلـُو اصطبارٌ .. إنما المرُّ الحِجابْ ..
افلا تـُبْصِر بؤس المترفينْ
حُرِموا أيَّ بلاءٍ فيه للنـّفس اضطرارٌ واقترابْ
فيه للروح تـَدان ٍ وشروقٌ ودعاءْ
كي يظلـّوا في إسارِ الأرضِ ِ عُمياً تائِهينْ ..
كلُّ بلـْوى ما عدا الطردَ رُضابْ
كل سَوْطٍ من بلاءٍ هو , للهاربِ من رحمة مولاهُ , عِتابْ


هو ذا لـُذنا ببابكْ
وسجدْنا انـْفـُساً خاشعة ً حول رحابكْ
فأغِثـْنا يا ملاذ َ التائبين الضارعينْ !.

خَفـْقَةُ قلب

تسْألُ : كيف أوجّهُ هذا القلبَ الى بارئه , كي يَدْعُوَهُ في صدق ٍ ..في إخباتْ
كيف وما من قطرة ضوْءٍ في ليل الأعماقْ ..
أو دَمْعَةِ خوفٍ تهطـُلُ ملء الأحداقْ ؟
هل باتَ القلبُ خواء ؟
أنى تـُفتـَحُ لي نافذة ٌ من رحمة ربي , بالنـَّفـَحات الخيّرةِ المعطاء ؟


حسْبُكَ .. قد وَسِعَتْ رحمته الكونَ جميعا ..
ما امتدّت خفقة ُ قلب ترجوه وتخشاه وعادت خائبة ًجائعة ً عطشى ..
قـُل : يا رباه انبْتُ إليك , وقنديلي مُطفأ ..
عيناي بلجّةِ آثاميَ غارقتانْ
فأضئْ قلبي بشعاع من نوركَ
واهَاً لي إن لم تشملني بالغفران
أغرَقـَني النسيانُ , ولجَّ بيَ الهجرانْ ..
حتى أمسيتُ رداءً خـَلِقاً تمضغـُه الأحزانْ ..


كـُنْ لي حصناً وملاذاً .. لا تحجبني بذنوبيَ ,
واشرح لي صدري كي اتجافى عن شهوات الأرضْ ..
واضَيْعَة َ عمري إن لم تتغمدني منذ الآن بفيض الرحمة ..
ألقاك وحيدا اعزل إلاَّ من عملي
لا مهرب مما قدّمت وما اخـّرْتُ , وما اعلنتُ وما اسرَرتُ
ولا يُجديني ندمٌ يوم العَرْض ِ عليك
كلُّ دقائقَ عمري شاهدة ٌ تنطِقُ .. لا أملك دفـْعاً أو ردا
كيف وقد جئتك يا ربّي عبدا ؟
يا ربّاه أنِرْ قلبي كي أذكرَ آلاءك بالحمدِ , وكي تمحُو آثامي بالتوبة ..
باركْ لي يا ربّي في سمعي , وفي عَيْنـَيّ ..
كي اسمع تسبيح الكون بحمدك , كي أبصرَ نـَعْمَاءَكَ في كل الأشياء
هَيّءْ لي من أمري رَشَدَا
كيلا يذهبَ عمري بَدَدَا
كي ازداد على الأيام هُدى

  • لا تحرمْني طرفة َ عين من نفـَحات رضاك
  • لا تحجبُني _ وَلئِن أسْرَفـْتُ على نفسي _ من فيْض ِ سناك !.
    منقول :
    shinnar.maktoobblog.com

**الموت يغيب أحد اهم الرواد في الأبداع الأردني: كتاب أردنيون الراحل أمين شنار خسارة حقيقية للثقافة الأردنية
ü
الدستور - عمر ابوالهيجاء: غيب الموت قبل أيام الكاتب الروائي والصحفي الأردني أمين شنار، والراحل
شنار يعبر من الرواد المؤصلين في الكتابةالروائية الحديثة وفي القصيدة الشعرية الحديثة أيضا وفي العمل الصحافي والثقافي. فعلى الصعيد الروائي بشر الراحل شنار في روايته" الكابوس" بحداثية الرواية الأردنية حينما فازت روايته بالمسابقة التي أجرتها صحيفةالنهار اللبنانية عام 1967.
ومن جانب آخر يعتبر الراحل شنارمن المؤسسين لمجلة ألأفق الجديد التي أسست لحركة ثقافية أردنية كان لها إمتداداتها اللاحقة والمؤثر في مسيرة الثقافة الأردنية.
وبغياب الراحل أمين شنار تكون الساحة الأردينية قد فقدت أحد أهم أعمدتها المؤسسة. والدستور هنا إستذكرت الراحل مع مجموعة من المثقفين الأردنين. الناقد والقاص د. سليمان الارزعي في وداع الراحل
الشاعروالكاتب امين شنار قال : الراحل امين شنار هو بلا ادنى شك احد ابرز رواد الابداع والثقافة الاردنية وقد اسهم وبشكل مبكر في نبض
الحياة الثقافية وربما يكون فوزه في العام 1967 عن روايته ( الكابوس )
في مسابقة الرواية العربية بعد الهزيمة التي نظمتها دار النهار
اللبنانية للنشر، ربما كان فوزه بهذه الجائزة مناصفة مع الراحل تيسير
سبول في روايته ( انت منذ اليوم ) خير مؤشر على الاعتراف الصريح بما
كان يتميز به اديبنا الراحل على المستوى العربي وليس الاردني فحسب، ذلك
ان الجائزة في حينه كانت جائزةعربية على المستوى العالم العربي وتنافس
فيها آنذاك كتاب عرب كبار مثل : صنع الله ابراهيم وهاني الراهب وغيرهم.
وذكر الازرعي بأن رحيل امين شنار يمثل خسارة حقيقية للساحة الادبية
الاردنية والعربية وها هو ينضم الى ركب الراحلين من مبدعينا من امثال :
غالب هلسا وتيسير سبول ومحمد القيسي واحسان عباس ومؤنس الرزاز وادوارد
حداد وروكس العزيزي واحمد المصلح وغيرهم ممن اسهموا بابداعاتهم الفذة
واثروا حركتنا الادبية الاردنية، رحم الله الفقيد وعزاؤنا من بعده فيما
ترك من آثار فنية وابداعية.
اما القاص والروائي فخري قعوار فقال : مع انني مقتنع بأن الرحيل آت
ولاريب فيه، ومع ان كل البشر المولودين او الذين سيولدون،سوف يرحلون من
هذه الدنيا الفانية، ومع انني اعرف عن نفسي بأنني قادم على الرحيل بعد
دقائق او بعد سنوات، إلا ان نبأ وفاة امين شنار جعلني اشعر بهزة عصبية،
وبأسى بالغ لان معرفتنا المتبادلة ليست جديدة ولان علاقتنا المشتركة
بدأت منذ اوائل الستينات عندما كنت طالبا في الكلية الابراهيمية
بالقدس، وكان المرحوم رئيسا لتحرير مجلة ( الافق الجديد ) . فقد كنا
نزوره في مكتبه ونشعراننا نحقق مكسبا كبيرا لمجرد مشاهدته او التحدث
معه، ومما عزز هذه الزيارات المتكررة انني تصادفت مع الزميل والصديق
خليل السواحري ومع الصديق محمود شقير ومع آخرين، في مكتب امين شنار،
الامر الذي جعل العلاقات ليست محصورة مع المرحوم امين شنار وحده، بل
كانت علاقات واسعة ادت الى صلات وصداقات مع كثيرة من الادباء المبدعين
وادت الى نشر مقالاتي وقصصي في ( ألافق الجديد ) كما ادت الى احترام
الدور الريادي الذي قام به امين شنار، حيث خصص الافق الجديد للجيل
الجديد من الشباب الذين اختلفوا عن الجيل السابق او جيل الرواد، في
مجالات الاجناس الادبية المختلفة .
واشار قعوار قائلا ومما جعلنا نعتز بالافق الجديد ورئيس تحريرها اننا
اصبحنا نعرف قدرات موهوبين لم نكن نعرفهم سابقا مثل فايز الصياغ وعلي
عيسى وعيسى بطارسة وآخرين، بالاضافة الى الاعتزاز بقصائد الشاعر الكبير
عبد الرحيم عمر.وفي النهاية نكتفي بتقديم العزاء لذوي الراحل الصديق.
القاص والكاتب رسمي ابو علي استذكر الراحل فقال :يذكرني غياب الكاتب
والشاعر امين شنار بما رواه مرة الكاتب الانجليزي سمرست موم عندما قال
بعد ان تجاوز التسعين بأن الناس سيعلقون عندما يموت فعلا وهل كان
لايزال على قيد الحياة . قد لاتكون هذه الحكاية لائقة بمناسبة رحيل
امين شنار ذلك انه احتجب عن الكتابة منذ سنوات طويلة.
وقبل ان يتوقف بسنوات اتجه الى كتابة دينية
ذات طابع صوفي، وهي تغير البدايات الثقافية للراحل شنار وقد لانأتي
بجديد عندما تذكر انه كان رائد من رواد الكتابة الفلسطينية الاردنية
عندما اسس مجلة (الافق الجديد ) والتي شكلت الرحم الحقيقي لولادة عدد
كبير من الكتاب والشعراء والقاصين الاردنيين، والان وبعد ان رحل الرجل
فلربما يمكن القول بأن قيمته الحقيقية تكمنفي هذه الريادة بالذات اكثر
مما تكمنفي انتاجه والذي كان ذا طابع شبه انشائي، ونحن بهذه المناسبة
نحس بالاسف لرحيل هذا الرجل الذي صمت لسنوات طويلة ونستذكر خلاله جيل
الستينيات الذي يسميه الشاعر احمد دحبور بجيل الذبيحة .
www.addustour.com