**المسألة الرابعة :
إن القول بأن خبر الواحد يفيد العلم واليقين يعني ذلك أنه يستحيل الخطأ على رواية , ولا يتطرق إلى خبره شك , وهذا حال المعصوم , أي أن آحاد المسلمين من العدول الثقات هم معصومون وبهذا نكون قد أعطينا العصمة لمن ليس بمعصوم , ونكون قد ذهبنا أبعد ممن قال بعصمة آل البيت بالقول بعصمة جميع أخبار الآحاد . علماً أن ما جرى عليه الإجماع أن الرسول وحده هو المعصوم فيما هو من أمور التبليغ دون سواه . وهذا مما لا خلاف فيه .
وإنني لأعجبُ كلَ العجب ممن يكثرون من الاستدلال بقول الإمام مالك والمشهور عنه وعن سائر العلماء الأجلاء إذ نقل عنهم المقولة التالية : ( كل الناس يؤخذ من قولهم ويرد إلا صاحب هذا القبر ) يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم بعد هذا يأتي ويحاجج في خبر الواحد أنه يفيد العلم واليقين , وهو يعلم أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقول في أي مسألة من المسائل تعترضه بقوله : " أقول فيها برأيي , فإن أصبت فبفضل من الله وتوفيق منه , وإن أخطأت فمن الشيطان ومني , والله ورسوله بريءٌ مما أقول " . وكذلك يعلم بأن عمر رضي الله عنه في حديث الاستئذان لم يقبل برواية أبي موسى حتى شهد له من الصحابة . وكذلك يعلم أن علياً كرم الله وجهه كان لا يقبل الحديث من محدثه حتى يستحلفه , فهذا ما كان عليه الصحابة في قبول الحديث وفي قبول القرآن.
المسألة الخامسة :
إن الله تعالى قد أقام الحجة على الخلق بإرسال الرسل , قال تعالى : (( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )) وأيد الرسل بالمعجزات لإثبات صدق دعواهم وإثبات نبوتهم مع العلم بأن الأنبياء كانوا في أقوامهم عدولاً صادقين عندهم وباعترافهم , فقد كانت قريش تسمي النبي بالصادق الأمين , وقد قال قوم صالح لنبي الله صالح : (( قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا )) . وقال قوم شعيب : (( قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد )) , ومع هذا جاءوا أقوامهم بالمعجزات لإثبات نبوتهم والتي هي عقيدة وهذا حال جميع أنبياء الله .
وإذا ما قلنا إن خبر الواحد يفيد العلم , فهذا يعني أن آحاد المسلمين مستغن عما احتاجه رسل الله لإقامة الحجة على دعواهم ومثال ذلك يكفي خبر معاذ بن جبل حجة على أهل اليمن ولا يحتاج لما احتاج إليه محمد صلى الله عليه وسلم . وهذا قول باطل .
وهنا قد يقول قائل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل آحاداً إلى الآفاق , ولو لم تكن أخبارهم قطعية تفيد العلم لما تسنى لهم إقامة الحجة على الناس في العقيدة والأحكام.
والجواب على ذلك هو أن إرسال الرسل إلى الآفاق هو بلاغ والبلاغ حكم شرعي متعلق بفعل التبليغ ويحصل بخبر الواحد , ولكن يلزم التميز بين البلاغ ومضمون البلاغ , فإن كان مضمون البلاغ حكماً شرعياً فتقوم به الحجة على المسلمين دونَ سواهم من الناس , لأن الكفار لا يبحث معهم في أدلة الفروع وتشريعها , بل تطبق عليهم , وأما العقيدة فيلزم المبلغ أن يقيم الحجة ويسوق البراهين على دعواه, وهذا ما كان يفعله المرسلون والدعاة إلى الإسلام ولا يزالون
المسألة السادسة :
إن مما لا شك فيه وقوع التعارض بين أخبار الآحاد فيما بينها , فإن كان خبر الواحد يفيد العلم ويترتب عليه الاعتقاد بما جاء فيه فإن القائل بهذا القول يقع بين أمرين : الأول : أن يصدق أحدهما ويردّ الآخر فيكون بذلك قد ترك عقيدة ويكون بذلك قد وقع في الكفر لتركه عقيدة والعكس كذلك . والثاني : أن يجمع بين متناقضين , والجمع بين المتناقضات مستحيل , ومن جانب آخر تكون حجج الله متناقضة , لأن كلا الخبرين يفيد العلم , وهذا قول عظيم .
المسألة السابعة :
إن الله قد جعل بعض الأحكام الشرعية لا تثبت بخبر الواحد . فالزنا لا يثبت إلا بأربعة شهود عدول , وإذا جهل حال الشهود على القاضي لا بد من خامس مزكٍ يزكي الشهود الأربعة لدى القاضي , ومن باب أولى أن لا تثبت العقيدة بخبر الواحد . وإلا لأصبح كل فريق بما لديهم فرحين لثبوت خبر عندهم لم يثبت عند غيرهم .**