**الحلقة الثالثة
المسألة العاشرة :
عند تعارض الأخبار وهذا أمر واقع بلا خلاف , يجري الترجيح بينهما ورد أحد المتعارضين , إما من جهة الرواية , وإما من جهة الدراية , وهناك تفصيل يطول بحثه عند جميع الفقهاء . وقول القائل إن خبر الواحد يفيد العلم يكون بذلك أبطل ما هو معمول به عند جميع الفقهاء في باب الترجيح بين الأدلة في الفقه الإسلامي لاستواء جميع الأخبار واستحالة رد أحدهما , وبذلك لا ينضبط للمسلمين فقه .
زد على ذلك اضطراب العقيدة , وهذا من أخطر الأمور على المسلمين عقيدة وفقهاً . وسأضرب أمثلة على ذلك :
المثال الأول :
فقد ورد في الصحيح أن الله تعالى خلق السموات والأرض في سبعة أيام . وهذا يعارض القطعي مما جاء في القرآن بنص على أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام . وبذلك يرد خبر الواحد ولا يعتقد بما فيه .
المثال الثاني :
وكذلك ورد في الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله ) . وورد في القرآن الكريم (( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر )) وهذا التعارض إذا جرى التوفيق بينهما وإزالة التعارض , يحمل الدهر في الآية على الزمن , وفي الحديث على أنه اسم من أسماء الله تعالى وبهذا نكون قد أزلنا التعارض ووقعنا في أمر اعتقادي حيث أثبتنا لله اسماً هو الدهر , وهذا مخالف لما عند المسلمين .
المثال الثالث :
وقد ورد أيضاً في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنَّ من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دخل الجنة , وعندما قال معاذ لرسول الله عند سماعه , ألا أبشر بها يا رسول الله ؟ قال : لا , فيتكلون ) ثم يقول معاذ : " ولولا مخافة أن أموت كاتم علم ما حدثت به "
وهذا معارض للقرآن من عدة وجوه , يعارض قوله تعالى :" با أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك , فإن لم تفعل فما بلغت رسالته " . فكيف ينهى الرسول عن البلاغ ؟ وكيف يتوفى الله نبيه وهو لم يبلغ شيئاً من الوحي ؟ وهذا مناقض لعقيدة المسلمين . وكيف يكون من توفي عنهم رسول الله يتكلون , ومن توفي عنهم معاذ لا يتكلمون , فانظر رحمك الله لعظم الأمر وقبح القول وفحشه لمن يقول أن خبر الواحد يفيد العلم .
زد على ذلك ما ورد من التعارض الكثير في موضوع الأحكام الشرعية , فقد رد عمر خبر المرأة التي قالت إن زوجها طلقها في عهد رسول الله وجاءته ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى , وقد رد عمر هذا الخبر على مسمع من الصحابة رضوان الله عنهم وكل هذا يبطل القول بأن خبر الواحد يفيد العلم .
المسألة الحادية عشرة :
لقد وقع النسخ في الأحكام , ومما لا خلاف فيه أن القرآن لا ينسخ بخبر الواحد , لأن القرآن متواتر مقطوع به , وخبر الواحد مظنون به , والظني لا ينسخ القطعي . وكذلك لا ينسخ المتواتر بخبر الآحاد لنفس السبب .
وقول القائل إن خبر الواحد يفيد العلم يترتب على قوله هذا أن خبر الواحد بنفس قوة المتواتر من السنة , وهذا مخالف لقوله تعالى : (( ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها )) وخبر الواحد ليس بخبر من القرآن أو متواتر ولا مثلهما ولا يخالف في ذلك أحد .
المسألة الثانية عشرة :
بقيت مسألة أخيرة , وهي أن المسلمين عند بحثهم لأية مسألة لا يكون هذا البحث والنظر من باب الترف الفكري , وإنما يكون البحث لما سيترتب عليه من فهم لكتاب الله ولسنة نبيه , ولما سيترتب عليه من استنباط للأحكام الشرعية العملية . والناحية العملية في هذا البحث أننا نعمل استجابة لأمر الله الذي فرض علينا العمل من خلال كتلة لإيصال الإسلام إلى سدة الحكم لاستئناف الحياة الإسلامية , وهذا يحتم علينا تطبيق الإسلام في جميع شؤون الحياة , تطبيقاً كاملاً وشاملاً دفعة واحدة , ويحرم علينا التفريط في حكم واحد من الأحكام .
ومن الأحكام التي يلزم تطبيقها الحدود , وفيها حد الردة كما أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم : " من بدل دينه فاقتلوه " . وعلى هذا ونحن في سدة الحكم يجب علينا أن نرسم الخط الأحمر للناس الذي إذا ما تجاوزه واحد منهم ضربنا عنقه .
والسؤال الذي يرد الآن : في أي أمر تضرب أعناق الناس , ويحكم عليهم بالردة لمخالفتهم المتواتر أم لمخالفتهم خبر الواحد ؟ والذي لا خلاف فيه أن الحكم على الناس بالكفر وبالتالي إيقاع عقوبة القتل للمرتد , لا يكون إلا بمخالفة المقطوع به أي في العقائد ولا يكون ذلك في مخالفة الآحاد أي الظني وإلا استباح المسلمون بعضهم دماء بعض . والذي يقول : إن خبر الواحد يفيد العلم يستبيح دماء المسلمين . وإن نفى ذلك يكون قد ألزم نفسه بمخالفة قوله بأن خبر الواحد يفيد العلم . ونقول له : إن خبر الواحد ليس قطعياً عندك ولا يعتقد بما جاء فيه وإلا لما تردد في تكفير المخالف في خبر الواحد .
وبناءً علي ما ذكر يتبين لنا القول الفصل في مسألة خبر الواحد ويتبين لنا تهافت القول الذي يجعل من خبر الواحد حجة في العقائد**