4
فذهبت ليلة ومعي أم مسطح ملتفعة في مرطها ، فتعلقت به فقالت : تعس مسطح ! فقلت : بئس لعمر الله ما قلت ، تقولين هذا لرجل من أهل بدر ؟ فقالت لي مجيبة : ما تدرين وقد سال بك السيل . قلت : ماذا تقولين ؟ فأخبر تني بقول أصحاب الافك ، فقلص ذلك مني ، وما قدرت على أن أذهب لحاجتي ، وزادني مرضا على مرضي ، فما زلت أبكي ليلي ويومي .
قالت : ودخل رسول الله ( ص ) بعد ذلك فقلت : ائذن لي أذهب إلى أبوي ، وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما . فأذن لي فأتيت أبوي فقلت لأمي : يغفر الله لك ، تحدث الناس بما تحدثوا به وذكروا ما ذكروا ولا تذكرين لي من ذلك شيئا ! فقالت : يا بنية ، خفضي عليك الشأن ، فوالله ما كانت جارية حسناء عند رجل يحبها ولما ضرائر إلا كثرن عليها القالة وكثر الناس عليها . فقلت : سبحان الله ، وقد تحدث الناس بهذا كله ؟
قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم . قالت : فدعا رسول الله ( ص ) عليا وأسامة فاستشار هما في فراق أهله .
قالت : وكان أحد الرجلين ألين قولا من الآخر . قال أسامة : يا رسول الله ، هذا الباطل والكذب ، ولا نعلم إلا خيرا ، وإن بريرة تصدقك . وقال علي : لم يضيق الله عليك ، النساء كثير وقد أحل الله لك وأطاب ، فطلقها وانكح غيرها . قالت : فانصرفا ، وخلا رسول الله ( ص ) ببريرة فقال : يا بريرة ، أي امرأة تعلمين عائشة ؟ قالت : هي أطيب من طيب الذهب ، والله ما أعلم عليها إلا خيرا ، والله يا رسول الله ، لئن كانت على ( 1 ) غير ذلك ليخبرنك الله عزوجل بذلك ، إلا أنها جارية ترقد عن العجين حتى تأتي الشاة فتأكل عجينها ، وقد لمتها في ذلك غير مرة . وسأل رسول الله ( ص ) زينب بنت جحش ولم تكن امرأة تضاهي ( 2 ) عائشة عند رسول الله ( ص ) غيرها .
قالت عائشة : ولقد كنت أخاف عليها أن تهلك للغيرة علي ، فقال هلا النبي ( ص ) : يا زينب ، ماذا علمت على عائشة ؟ قالت : يا رسول الله ، حاشا سمعي وبصري ، ما علمت عليها إلا خيرا . والله ، ما أكلمها وإني لمهاجرتها ، وما كنت أقول إلا الحق .
قالت عائشة : أما زينب ، فعصمها الله ، وأما غيرها فهلك مع من هلك . ثم سأل رسول الله ( ص ) أم أيمن فقالت : حاشا سمعي وبصري أن أكون علمت أو ظننت بها قط إلا خيرا . ثم صعد رسول الله ( ص ) المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : من يعذرني ممن يؤذيني في أهلي ؟ ويقولون لرجل ، والله ما علمت على ذلك الرجل إلا خيرا ، وما كان يدخل بيتا من بيوتي إلا معي ، ويقولون عليه غير الحق .
فقام سعد بن معاذ فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله ؟ إن يك من الأوس آتك برأسه ، وإن يك من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك نمضي لك . فقام سعد بن عبادة - وكان قبل ذلك رجلا صالها ، ولكن الغضب بلغ منه ، وعلى ذلك ما غمص ( 3 ) عليه في نفاق ولا غير ذلك إلا أن الغضب يبلغ من أهله ، فقال : كذبت لعمر الله ، لا تقتله ولا تقدر على قتله . والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنه من الخزرج ، ولو كان من الأوس ما قلت ذلك ، ولكنك تأخذنا بذحول ( 1 ) كانت بيننا وبينك في الجاهلية ، وقد محا الله ذلك !
فقال أسيد بن حضير : كذبت والله ، لنقتلنه وأنفك راغم فإنك منافق تجادل عن المنافقين ! والله ، لو نعلم ما يهوى رسول الله من ذلك في رهطي الأدنين ما رام رسول الله مكانه حتى آتيه برأسه ؟ ولكني لا أدري ما يهوى رسول الله!
قال سعد ابن عبادة : تأبون يا آل أوس إلا أن تأخذونا بذحول كانت في الجاهلية والله ما لكم بذكرها حاجة ، وإنكم لتعرفون لمن الغلبة فيها . وقد محا الله بالإسلام ذلك كله .
فقام أسيد بن حضير فقال : قد رأيت موطننا يوم بعاث ! ثم تغالظوا ، وغضب سعد بن عبادة فنادى : يا آل خزرج ! فانحازت الخزرج كلها إلى سعد بن عبادة .
ونادى سعد بن معاذ : يا آل أوس ! فانحازت الأوس كلها إلى سعد بن معاذ . وخرج الحارث بن حزمة مغيرا حتى أتى بالسيف يقول : أضرب به رأس النفاق وكهفه . فلقيه أسيد بن حضير وهو في رهطه وقال : ارم به ، يحمل السلاح من غير أمر رسول الله ! لو علمنا أن لرسول الله في هذا هوى أو طاعة ما سبقتنا إليه . فرجع الحارث ( 2 ) واصطفت الأوس والخزرج ، وأشار رسول الله ( ص ) إلى الحيين جميعا أن اسكتوا ، ونزل عن المنبر فهدأهم وخفضهم حتى إنصرفوا .
قالت عائشة : وجاء رسول الله ( ص ) فدخل علي فجلس عندي ، وقد مكث شهرا قبل ذلك لا يوحى إليه في شأني . قالت : فتشهد رسول الله ( ص ) حين جلس ، ثم قال : أما بعد يا عائشة ، فانه بلغني كذا وكذا ، فإن كنت بريئة يبرئك الله ، وإن كنت ألممت بشئ مما يقول الناس فاستغفري الله عزوجل ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه .
