**بسم الله الرحمن الرحيم
ارتفاع الاسعار وعلاجه
ترتفع اسعار السلع والمواد الغذائية في البلاد ارتفاعا كبيرا يأدي الى تذمر الناس من الحالة
الاقتصادية , مما يدفع الحكومة لتسعير الكثير من المواد الغذائية . ونحن لسنا بصدد البحث عن اسباب ارتفاع الاسعار , وهل هي راجعة لاسباب داحلية كاحتكار بعض التجار لبعض السلع , او جشع بعضهم , او ان المواد الاولية في العالم قد ارتفع سعرها فأدى ذلك الى ارتفاع الاسعار او غير ذلك من الاسباب .
نعم نحن لسنا بصدد ذلك , وانما الذي يهمنا ان نبين حكم الله تعالى في تسعير الحكومة للمواد الغذائية , وكيف يعالج ارتفاع الاسعار حسب احكام شرع الله تعالى .
اما بالنسبة للحكم الشرعي المتعلق بالتسعير , فقد حرم الاسلام التسعير مطلقا لما روى عن انس قال ( غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول لو سعرت , فقال : ان الله هو القابض الباسط الرازق المسعر , واني لارجو ان القى الله عز وجل ولا يطلبني احد بمظلمة ظلمتها اياه في دم ولا مال . ) ولما روى عن ابي هريرة قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله سعر , فقال : بل ادعو الله . ثم جاء اخر فقال : يا رسول الله سعر , فقال : بل الله يخفض ويرفع .)
وتحريم التسعير عام لجميع السلع لا فرق في ذلك بين ما كان قوتا وما لم يكن كذلك لان الاحاديث تنهى عن التسعير مطلقا فهي عامة ولا يوجد ما يخصصه بالقوت او بغيره , فكانت حرمة التسعير عامة تشمل كل شيء .
والتسعير حجر على الناس فيما يملكون , فمعنى ملكية السلعة ان يكون لمالكها سلطان عليها , والتسعير حجر عليه , وهو لا يجوز الا بنص شرعي , ولم يرد نص بذلك , فلا يجوز الحجر عليهم بوضع ثمن محدد لسلعهم .
هذا هو حكم التسعير من الناحية الشرعية , اما من حيث الواقع فان التسعير فيه اشد الضرر على الامة في جميع الظروف , لانه يفتح سوقا خفية للسلع وهي ما يسمونها السوق السوداء . فترتفع الاسعار ويحوز السلع الاغنياء دون الفقراء .
اما كيف يعالج ارتفاع الاسعار حسب احكام الشرع فذلك يكون باتباع الخطوات التالية :
1ـ يجب على الدولة ان تمنع الاحتكار . والمحتكر هو من يجمع السلع انتظارا لغلائها حتى يبيعها بأسعار عالية بحيث يضيق على اهل البلد شراؤها .
والاحتكار حرام شرعا لورود النهي الجازم عنه في صريح الحديث الشريف , فقد روى في صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا يحتكر الا خاطىء ) ولما روى عن الاثرم عن ابي امامة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحتكر الطعام , وروى ايضا باسناده عن سعيد بن المسيب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(من احتكر فهو خاطىء) .
فالنهي في الاحاديث يفيد طلب الترك , وذم المحتكر بوصفه خاطىء بمعنى مذنب عاص , وقرينة تدل على ان هذا الطلب للترك يفيد الجزم .
2ـ على الدولة ان تلغي ضريبة الجمارك الغاء تاما , ذلك لان اخذ الجمارك من رعايا الدولة حرام لما روى عن عقبة بن عامر انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا يدخل الجنة صاحب مكس ) . وعن ابي الخير قال : سمعت رويفع بن ثابت يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ان صاحب المكس في النار ). قال
يعني العاشر ) والعاشر هو الذي يأخذ العشر على التجارة التي تأتي من الخارج .
فهذه الاحاديث تدل على انه لا يؤخذ من رعايا الدولة شيء من المكس على تجارتهم وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب فلم يأخذ من التجار في الدولة الاسلامية شيئا من المكس , اقره الصحابة على ذلك , فكان اجماعا سكوتيا , وهو دليل شرعي . والمكس هو المال الذي يؤخذ على التجارة حين تمر على حدود البلاد , فتعبرها لتخرج منها او لتدخل اليها .
وقد روى عن كريز بن سليمان قال : كتب عمر بن عبد العزيز الى عبد الله بن عوف القارىء , قال : ان اركب الى البيت الذي برفح يقال له بيت المكس فاهدمه ثم احمله الى البحر فانسفه فيه نفسا .
وفرض الجمارك على السلع قد يوجد عذرا لدى بعض التجار لرفع اسعار سلعهم , فالغاء ضريبة الجمارك من شأنه ان يؤدي الى رخص الاسعار .
3ـ من اهم الوسائل التي يجب ان تتبع لمعالجة ارتفاع الاسعار , جلب الدولة للسلع وبيعها في الاسواق لتجبر التجار على تخفيض الاسعار , وهذا ما فعله عمر بن الخطاب الخليفة الثاني للمسلمين حين حصلت المجاعة في الحجاز فقط لندرة الطعام في تلك السنة , فقد جلب الطعام من مصر وبلاد الشام الى الحجاز فرخص دون حاجة الى التسعير .
والدولة بوصفها راعية لشؤون الناس , كان عليها ان تعالج الاساس الاقتصادي الذي تنشأ عنه مثل هذه الاضطرابات في السوق , فتعمل على الا تكون البلد سوقا استهلاكية فقط ,وذلك بتوجيه السياسة الاقتصادية لانتاج السلع محليا حتى لا يكون الناس تحت رحمة السوق العالمي .
وهكذا يظهر ان ما اقدمت عليه الحكومة من تسعير للسلع حرام , وظل التذمر من الناس ومن التجار قائما , وان العلاج الصحيح لمشكلة ارتفاع الاسعار يكمن في منع الاحتكار , والغاء ضريبة الجمارك , وجلب السلع من الخارج وطرحها في الاسواق , وجعل البلد منتجة للسلع لا سوقا استهلاكية فقط .**