السفاهة في التخاطب وفي الأقوال (2)
وعليه نقول :
إنَّ من آفة السفاهة في القول والسطحية في الحوار أن يعمد الجهلاء وبكل الغباء للاستدلال بالقرآن الكريم لغير ما دل عليه، ومحاولة تطويع آيات الله لغير ما ترمي اليه من تبرير للفساد والنفاق وتسفيه لعمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومحاولة التستر بغباء بالنصوص الشرعية المطالبة بالشرف والتقوى والذامة للنفاق والفساد والافساد لتيرير فسادهم ولتجريم من يقوم بفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا بالضبط ما حاوله بكل غباء بعض من تداخل بمكر وسفاهة حيث قام وبكل وقاحة بالتشدق بالفارغ من القول دفاعاً عن أهل الفساد والنفاق بتسفيه أهل الصلاح والتقوى، والمصيبة أنهم استدلوا على موقفه النشاز بآيات قرآنية تجرمهم وتجرم من تدافع مداخلاتهم عنهم، فلا حول ولا قوة الا بالله المنتقم الجبار معز الأتقياء ومذل العصاة أهل الفساد والنفاق.
ومن استقراء التفاسير لجمهرة العلماء نرى أن المقصود من الآيات بالدرجة الأولى هم الكفار والمنافقين والعصاة… فتلك الشرائح من السفهاء هم من ذمهم الله لسفاهتهم وفسادهم وافسادهم ، وليس ذلك وكفى … بل أنهم حين محاولة الأتقياء نصحهم وردعهم عن غيهم وضلالهم تبجحوا بغاية الوقاحة بالادعاء أنهم هم من يُصلح ويعمل الخيرات ويتهمون أهل التقوى والصلاح الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بأنهم هم المُفسدون.
أمّا ذاك الموقف النفاقي النشاز من مجاور مراهق حين اختفى داخل عبائة الناسك المصلح ليبث سمومه في التعرض وذم أشراف الناس واتهامهم بالجاسوسية وغيرها - نسأل الله له الهداية والرشاد - ذاك الموقف المخزي ليس موقفاً غريباً في المجتمعات، ففي مجتمع المدينة المنورة كان هذا الموقف النفاقي هو خط سير كبير المنافقين عبد الله بن سلول، وتبعه على نفس الخط وبنفس الأسلوب أصحاب الفساد والنفاق العصاة في كل العصور إلى يومنا هذا، ومن المؤسف أن اذاك المحاور المراهق قد تابعتهم على النهج الفاسد في تجريم الأتقياء دفاعاً عن العصاة والأشقياء متهماً صفوة الصفوة من أبناء الاسلام بالجاسوسية والعمالة للمخابرات بلا خجل ولا تقوى ولا مخافة غضب الله .
(لقد نال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونال أصحابه من أذى قريش وقبائل العرب ماهو معروف ومشهور، لكنّ الأنبياء والرُّسُل وكذلك أتباعهم من بعدهم ما كانوا ليتركوا حمل الدّعوة وتليغ الشَّرائع والأحكام خضوعاَ للعذاب والأذى، بل كانوا يصبرون ويصبرون على ما يلاقونه حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم، وما عُرفَ أنّ نبياً أو رسولاً أو أتباع نبي أو رسول تركوا حمل الدّعوة وتخلوا عن حمل الأمانة خضوعاً للإمتحان والتعذيب، فالصبر على العذاب والأذى سنة لا تتخلف في كل من يحمل الدّعوة الحق من أنبياء ورسل واتباعٌ على مر العصور والدّهور).[1 ]
(إنَّ حمل الدّعوة يعني بالتأكيد ضرب العقائد والأفكار والأحكام الفاسدة المألوفة لدى الناس، واستبدال عقائد وأفكار وأحكام أخرى بها، كما يعني التعرض للأذى والعقاب والإمتحان والفتنة، وما يجب حياله من التحلي بالصبر وتحمل المكاره، وانتظار الفرج من رب العالمين. فالبلاء والعذاب أمران لا بد من حصولهما أثناء حمل الدّعوة، كما أنّ الصبر والتحمل أمران لا بد من وجودهما لدى حامل الدّعوة، وعندما تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم للتعذيب من أهل الطائف توجه إلى ربه داعياً مبتهلاً، كما روى محمد بن كعب القرظي):[2 ]
(اللهم إليك أشكوا ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين: أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى قريب يتهجمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل علي غضبك..)[3 ]
(إنّ الفتنة والإمتحان التي يتعرض لها حملة الدّعوة كانت وتكررت وستكون وتتكرر، فما دام تعاقب الليل والنهار فسيكون هناك جلادون ومن يجلدون، وحامل الدّعوة يتحدى ولا بد الجلادين العُتاه، يتحدى المجتمع “وقادته والناس كافة” بعقائده وأفكاره ومفاهيمه وأحكامه وأعرافه وتقاليده، كما يتحدى الحكام والجلادين، ثابتاً على المبدأ، مسفهاً العقائد والأفكار والأحكام والمفاهيم والعادات والأعراف، صابراً على الأذى والعذاب والبلاء الذي سيتعرض له نتيجة ثباته على المبدأ. لذا فقد صنفه الرسول صلى الله عليه وسلم في صف واحد مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، مصداقاً لقوله تعالى: (كُلُ نَفسٍ ذائِقةُ المَوْتِ وَإنّما توَفونَ أُجورَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَاُدْخِلَ الجَنَّةَ فقدْ فازَ وَما الحَياةُ الدنيا إلآ مَتاعُ الغُرورِ)[4 ] )[5 ]
ومن الفتنة والامتحان محاولة أصحاب الفساد والنفاق التشهير بهم وتسفيههم ومحاولة الصاق التهم الباطلة بهم لصدهم عن الحق والصدع به. فموقف الأخ ( شاعر فلسطين ) وأشباهه من الصبية أصحاب المداخلات الطفولية وهو موقف ابن سلول وزبانيته - غير مُستهجن في حين أنه مُستقبح ومُحرّم.
نسأل الله أن يهبهم الصلاح والتقوى وزأن يهديها سواء السبيل…
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى {20/13} إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي {20/14} إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى {20/15} فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى {20/16} وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى {20/17} قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى {20/18} قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى {20/19} فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى {20/20} قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى {20/21} وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى {20/22} لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى {20/23} اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى {20/24} قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي {20/25} وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي {20/26} وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي {20/27} يَفْقَهُوا قَوْلِي {20/28} وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي {20/29} هَارُونَ أَخِي {20/30} اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي {20/31} وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي {20/32} كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا {20/33} وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا {20/34} إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا {20/35} صدق الله العظيم
وأسأله تعالى أن لا يجف مداد أقلامنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعمال حمل الدعوة، وأن يشرح لي صدري وأن يحلل عقدة من لساني للقيام بأعباء حمل الدعوة لله، اللهم آمين.
عويضه ? محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة ? واجبات وصفات -، الصفحات (102-106)، بتصرف.
عويضه ? محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة ? واجبات وصفات -، الصفحات (102-106)، بتصرف.
3] رواه أبن هشام في السيرة، ورواه البغوي في التفسير، ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن طريق عبد الله بن جعفر.
)[4 ]عويضه ? محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة ? واجبات وصفات -، الصفحات (102-106)، بتصرف.
آل عمران: ( 185 ).**