تفاسير مختارة — موضوع مستورد

السفاهة في التخاطب وفي الأقوال (2)

وعليه نقول :

إنَّ من آفة السفاهة في القول والسطحية في الحوار أن يعمد الجهلاء وبكل الغباء للاستدلال بالقرآن الكريم لغير ما دل عليه، ومحاولة تطويع آيات الله لغير ما ترمي اليه من تبرير للفساد والنفاق وتسفيه لعمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومحاولة التستر بغباء بالنصوص الشرعية المطالبة بالشرف والتقوى والذامة للنفاق والفساد والافساد لتيرير فسادهم ولتجريم من يقوم بفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا بالضبط ما حاوله بكل غباء بعض من تداخل بمكر وسفاهة حيث قام وبكل وقاحة بالتشدق بالفارغ من القول دفاعاً عن أهل الفساد والنفاق بتسفيه أهل الصلاح والتقوى، والمصيبة أنهم استدلوا على موقفه النشاز بآيات قرآنية تجرمهم وتجرم من تدافع مداخلاتهم عنهم، فلا حول ولا قوة الا بالله المنتقم الجبار معز الأتقياء ومذل العصاة أهل الفساد والنفاق.

ومن استقراء التفاسير لجمهرة العلماء نرى أن المقصود من الآيات بالدرجة الأولى هم الكفار والمنافقين والعصاة… فتلك الشرائح من السفهاء هم من ذمهم الله لسفاهتهم وفسادهم وافسادهم ، وليس ذلك وكفى … بل أنهم حين محاولة الأتقياء نصحهم وردعهم عن غيهم وضلالهم تبجحوا بغاية الوقاحة بالادعاء أنهم هم من يُصلح ويعمل الخيرات ويتهمون أهل التقوى والصلاح الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بأنهم هم المُفسدون.

أمّا ذاك الموقف النفاقي النشاز من مجاور مراهق حين اختفى داخل عبائة الناسك المصلح ليبث سمومه في التعرض وذم أشراف الناس واتهامهم بالجاسوسية وغيرها - نسأل الله له الهداية والرشاد - ذاك الموقف المخزي ليس موقفاً غريباً في المجتمعات، ففي مجتمع المدينة المنورة كان هذا الموقف النفاقي هو خط سير كبير المنافقين عبد الله بن سلول، وتبعه على نفس الخط وبنفس الأسلوب أصحاب الفساد والنفاق العصاة في كل العصور إلى يومنا هذا، ومن المؤسف أن اذاك المحاور المراهق قد تابعتهم على النهج الفاسد في تجريم الأتقياء دفاعاً عن العصاة والأشقياء متهماً صفوة الصفوة من أبناء الاسلام بالجاسوسية والعمالة للمخابرات بلا خجل ولا تقوى ولا مخافة غضب الله .

(لقد نال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونال أصحابه من أذى قريش وقبائل العرب ماهو معروف ومشهور، لكنّ الأنبياء والرُّسُل وكذلك أتباعهم من بعدهم ما كانوا ليتركوا حمل الدّعوة وتليغ الشَّرائع والأحكام خضوعاَ للعذاب والأذى، بل كانوا يصبرون ويصبرون على ما يلاقونه حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم، وما عُرفَ أنّ نبياً أو رسولاً أو أتباع نبي أو رسول تركوا حمل الدّعوة وتخلوا عن حمل الأمانة خضوعاً للإمتحان والتعذيب، فالصبر على العذاب والأذى سنة لا تتخلف في كل من يحمل الدّعوة الحق من أنبياء ورسل واتباعٌ على مر العصور والدّهور).[1 ]

(إنَّ حمل الدّعوة يعني بالتأكيد ضرب العقائد والأفكار والأحكام الفاسدة المألوفة لدى الناس، واستبدال عقائد وأفكار وأحكام أخرى بها، كما يعني التعرض للأذى والعقاب والإمتحان والفتنة، وما يجب حياله من التحلي بالصبر وتحمل المكاره، وانتظار الفرج من رب العالمين. فالبلاء والعذاب أمران لا بد من حصولهما أثناء حمل الدّعوة، كما أنّ الصبر والتحمل أمران لا بد من وجودهما لدى حامل الدّعوة، وعندما تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم للتعذيب من أهل الطائف توجه إلى ربه داعياً مبتهلاً، كما روى محمد بن كعب القرظي):[2 ]

(اللهم إليك أشكوا ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين: أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى قريب يتهجمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل علي غضبك..)[3 ]

(إنّ الفتنة والإمتحان التي يتعرض لها حملة الدّعوة كانت وتكررت وستكون وتتكرر، فما دام تعاقب الليل والنهار فسيكون هناك جلادون ومن يجلدون، وحامل الدّعوة يتحدى ولا بد الجلادين العُتاه، يتحدى المجتمع “وقادته والناس كافة” بعقائده وأفكاره ومفاهيمه وأحكامه وأعرافه وتقاليده، كما يتحدى الحكام والجلادين، ثابتاً على المبدأ، مسفهاً العقائد والأفكار والأحكام والمفاهيم والعادات والأعراف، صابراً على الأذى والعذاب والبلاء الذي سيتعرض له نتيجة ثباته على المبدأ. لذا فقد صنفه الرسول صلى الله عليه وسلم في صف واحد مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، مصداقاً لقوله تعالى: (كُلُ نَفسٍ ذائِقةُ المَوْتِ وَإنّما توَفونَ أُجورَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَاُدْخِلَ الجَنَّةَ فقدْ فازَ وَما الحَياةُ الدنيا إلآ مَتاعُ الغُرورِ)[4 ] )[5 ]

ومن الفتنة والامتحان محاولة أصحاب الفساد والنفاق التشهير بهم وتسفيههم ومحاولة الصاق التهم الباطلة بهم لصدهم عن الحق والصدع به. فموقف الأخ ( شاعر فلسطين ) وأشباهه من الصبية أصحاب المداخلات الطفولية وهو موقف ابن سلول وزبانيته - غير مُستهجن في حين أنه مُستقبح ومُحرّم.

نسأل الله أن يهبهم الصلاح والتقوى وزأن يهديها سواء السبيل…

وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى {20/13} إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي {20/14} إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى {20/15} فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى {20/16} وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى {20/17} قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى {20/18} قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى {20/19} فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى {20/20} قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى {20/21} وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى {20/22} لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى {20/23} اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى {20/24} قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي {20/25} وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي {20/26} وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي {20/27} يَفْقَهُوا قَوْلِي {20/28} وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي {20/29} هَارُونَ أَخِي {20/30} اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي {20/31} وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي {20/32} كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا {20/33} وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا {20/34} إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا {20/35} صدق الله العظيم

وأسأله تعالى أن لا يجف مداد أقلامنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعمال حمل الدعوة، وأن يشرح لي صدري وأن يحلل عقدة من لساني للقيام بأعباء حمل الدعوة لله، اللهم آمين.

عويضه ? محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة ? واجبات وصفات -، الصفحات (102-106)، بتصرف.

عويضه ? محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة ? واجبات وصفات -، الصفحات (102-106)، بتصرف.

3] رواه أبن هشام في السيرة، ورواه البغوي في التفسير، ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن طريق عبد الله بن جعفر.

)[4 ]عويضه ? محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة ? واجبات وصفات -، الصفحات (102-106)، بتصرف.

آل عمران: ( 185 ).**

السفاهة في التخاطب وفي الأقوال

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {2/6} خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ {2/7} وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ {2/8} يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ {2/9} فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ {2/10} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ {2/11} أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ {2/12} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ {2/13} وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ {2/14} اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ {2/15} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ {2/16}

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ {2/17} صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ {2/18} أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ {2/19} يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {2/20} يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {2/21} الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {2/22} وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {2/23} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ {2/24}

قَالَ السُّدِّيّ فِي تَفْسِيره عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة الطَّبِيب الْهَمْدَانِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَعَنْ أُنَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " قَالَ هُمْ الْمُنَافِقُونَ أَمَّا لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالَ الْفَسَاد هُوَ الْكُفْر وَالْعَمَل بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَر عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله تَعَالَى " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض " قَالَ يَعْنِي لَا تَعْصُوا فِي الْأَرْض وَكَانَ فَسَادهمْ ذَلِكَ مَعْصِيَة اللَّه لِأَنَّهُ مَنْ عَصَى اللَّه فِي الْأَرْض أَوْ أَمَرَ بِمَعْصِيَتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْض لِأَنَّ صَلَاح الْأَرْض وَالسَّمَاء بِالطَّاعَةِ وَهَكَذَا قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس وَقَتَادَة وَقَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض " قَالَ إِذَا رَكِبُوا مَعْصِيَة اللَّه فَقِيلَ لَهُمْ لَا تَفْعَلُوا كَذَا وَكَذَا قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ عَلَى الْهُدَى مُصْلِحُونَ . وَقَالَ وَكِيع وَعِيسَى بْن يُونُس وَعَثَّام بْن عَلِيّ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه الْأَسَدِيّ عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" قَالَ سَلْمَان لَمْ يَجِيء أَهْل هَذِهِ الْآيَة بَعْدُ . وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن حَكِيم حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَرِيك حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ الْأَعْمَش عَنْ زَيْد بْن وَهْب وَغَيْره عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ مَا جَاءَ هَؤُلَاءِ قَالَ اِبْن جَرِير يَحْتَمِل أَنَّ سَلْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَرَادَ بِهَذَا أَنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الصِّفَة أَعْظَم فَسَادًا مِنْ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِمَّنْ تِلْكَ صِفَته أَحَد قَالَ اِبْن جَرِير فَأَهْل النِّفَاق مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض بِمَعْصِيَتِهِمْ فِيهَا رَبّهمْ وَرُكُوبهمْ فِيهَا مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبه وَتَضْيِيعهمْ فَرَائِضه وَشَكّهمْ فِي دِينه الَّذِي لَا يُقْبَل مِنْ أَحَد عَمَل إِلَّا بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَالْإِيقَان بِحَقِيقَتِهِ وَكَذِبهمْ الْمُؤْمِنِينَ بِدَعْوَاهُمْ غَيْر مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشَّكّ وَالرَّيْب وَمُظَاهَرَتهمْ أَهْل التَّكْذِيب بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله عَلَى أَوْلِيَاء اللَّه إِذَا وَجَدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا فَذَلِكَ إِفْسَاد الْمُنَافِقِينَ فِي الْأَرْض وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ مُصْلِحُونَ فِيهَا . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَن فَإِنَّ مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض اِتِّخَاذَ الْمُؤْمِنِينَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَة فِي الْأَرْض وَفَسَاد كَبِير " فَقَطَعَ اللَّه الْمُوَالَاة بَيْن الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا " ثُمَّ قَالَ " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار وَلَنْ تَجِد لَهُمْ نَصِيرًا" فَالْمُنَافِق لَمَّا كَانَ ظَاهِره الْإِيمَان اِشْتَبَهَ أَمْره عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ الْفَسَاد مِنْ جِهَة الْمُنَافِق حَاصِل لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي غَرَّ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ الَّذِي لَا حَقِيقَة لَهُ وَوَالَى الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ عَلَى حَاله الْأَوَّل لَكَانَ شَرّه أَخَفّ وَلَوْ أَخْلَصَ الْعَمَل لِلَّهِ وَتَطَابَقَ قَوْله وَعَمَله لَأَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " أَيْ نُرِيد أَنْ نُدَارِي الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَنَصْطَلِح مَعَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " أَيْ إِنَّمَا نُرِيد الْإِصْلَاح بَيْن الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْل الْكِتَاب .

وجاء في الظلال للشهيد سيد قطب:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (13)

وصفة أخرى من صفاتهم - وبخاصة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهد بالهجرة مقام في قومهم ورياسة وسلطان كعبد الله بن أبي بن سلول - صفة العناد وتبرير ما يأتون من الفساد , والتبجح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون:

(وإذا قيل لهم:لا تفسدوا في الأرض , قالوا:إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون , ولكن لا يشعرون). .

إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع , بل يضيفون اليهما السفه والادعاء: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض). . لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد , بل تجاوزوه إلى التبجح والتبرير: (قالوا:إنما نحن مصلحون). .

والذين يفسدون أشنع الفساد , ويقولون:إنهم مصلحون , كثيرون جدا في كل زمان . يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم . ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم . والذين لا يخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم , لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية , ولا يثوب إلى قاعدة ربانية . .

ومن ثم يجيء التعقيب الحاسم والتقرير الصادق:

(ألا إنهم هم المفسدون , ولكن لا يشعرون). .

ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامة الناس , ليكسبوا لأنفسهم مقاما زائفا في أعين الناس:

(وإذا قيل لهم:آمنوا كما آمن الناس , قالوا:أنؤمن كما آمن السفهاء ? ألا إنهم هم السفهاء , ولكن لا يعلمون). .

وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء . إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة , وأسلموا وجوههم لله , وفتحوا صدورهم لرسول الله [ ص ] يوجههم فيستجيبون بكليتهم مخلصين متجردين . . هؤلاء هم الناس الذين كان المنافقون يدعون ليؤمنوا مثلهم هذا الإيمان الخالص الواضح المستقيم . .

وواضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول [ ص ] ويرونه خاصا بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام ! ومن ثم قالوا قولتهم هذه: (أنؤمن كما آمن السفهاء ?). . ومن ثم جاءهم الرد الحاسم , والتقرير الجازم:

(ألا إنهم هم السفهاء , ولكن لا يعلمون). .

ومتى علم السفيه أنه سفيه ? ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم ?!

ثم تجيء السمة الأخيرة التي تكشف عن مدى الارتباط بين المنافقين في المدينة واليهود الحانقين . . إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع , والسفه والادعاء , إنما يضيفون إليها الضعف واللؤم والتآمر في الظلام:

(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا , وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا:إنا معكم , إنما نحن مستهزؤون). .

وبعض الناس يحسب اللؤم قوة , والمكر السيىء براعة . وهو في حقيقته ضعف وخسة . فالقوي ليس لئيما ولا خبيثا , ولا خادعا ولا متآمرا ولا غمازا في الخفاء لمازا . وهؤلاء المنافقون الذين كانوا يجبنون عن المواجهة …( انتهى النقل )…

يتبع ان شاء الله**

جزاك الله عنا كل خير

**الخيانة

جواد عبد المحسن الهشلمون

في قول الحق سبحانه و تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (لأنفال:27)

قال ابن عباس نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى قريظة لمّا حاصرهم … و كان أهله و ولده فيهم فقالوا يا أبا لبانة ما ترى لنا … أننزل إلى حكم سعد بن معاذ فينا …؟ فأشار أبو لبانة إلى حلقه أي أنه الذبح فلا تفعلوا فكان ذلك منه خيانة لله و للرسول .

و الخَون : هو النقص في كل شيء … في القول و في الفعل

و المُخانة : هي خون النصح يعني لم يخلص في النصح و نقصه

و خون الود كذلك عدم الإخلاص فيه و الإنتقاص منه فكانت منه خيانة لأنه أوتمن على أمر كالنصيحة مثلاً فلم يخلص .

إن الأمانة تكون متصورة ضمن مفاهيم معينة . فإن نظرة الجاهلي للأمانة قد نبعت من مفاهيمه الجاهلية بناء على أنه قد اوتمن على أمر فإن أداه كان أميناً و إن لم يؤده كان خائناً لأمانته في هذا الأمر ، فهو بناءً على مفاهيمه قد إعتُبِر أبا رغال خائناً .

فكانت الأمانة عندهم لها مدلول لمفهوم معين متصور في الذهن و له واقع ثم جاء تصور المفهوم المخالف للأمانة و هو الخيانة و لم يكن تصور الخيانة أولا ثم الأمانة بل الأصل هو الأمانة فما خالف الأصل كان الخيانة .

فمن اوتمن على أمرٍ معيّن فأداه كان حافظاً للأمانة فإن لم يؤدِ هذا الأمر كان خائناً لعدم تأديته لهذا الأمر .

و كذلك الرأسمالي و الإشتراكي و البوذي و أي صاحب ملّة حاله واحد فلا يوصف من لم يؤدِ حقّ الأمر الذي أوتمن عليه إلا بأنه خائن كالكاذب الذي أخبر الخبر على غير وجهه لا يوصف إلا بهذا الوصف و الصادق الذي يخبر بالخبر على و جهه كذلك ، و صدق الله العظيم (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً )(آل عمران: من الآية75 )

هذا بما هو دون العقيدة ..

قال القتبيّ : أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على أمر فلا يؤدي الأمانة فيه ، قول الحق سبحانه (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ )(البقرة: من الآية187) يعني تخونوا أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم .

فقد ذكر الطبري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه و سلم و قد سَمِر عنده ليلة فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت قد نمت فقال لها ما نمت فوقع بها . و صنع كعب بن مالك مثله ، فغدا عمر على النبي فقال أعتذر إلى الله و إليك فإن نفسي زيّنت لي فواقعت أهلي فهل تجد لي من رخصة ..؟ فقال لي لم تكن حقيقاً يا عمر .. فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن .

قول الحق سبحانه و تعالى (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر:19) هو ما تُسارق النظر إلى ما لا يحل النظر إليه أو هو النظرة المريبة .. فالناظر إلى ما لا يحل له النظر إليه نظرة خيانة يُسيّرها مسارقة يعلمها الله … لأنه إذا نظر أول نظرة ? الفجاءة ? غير معتمد الخيانة غير آثم و لا خائن ، فإن اعتاد النظر و نيته الخيانة فهو خائن النظر ، و في الحديث ( ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين ) ؛ يعني أن يضمر في نفسه غير ما يظهر … فإذا كفّ لسانه و أومأ بعينه فقد خان ، و قد روى أحمد قال حدثنا حسن بن موسى حدثنا بن لهيعة حدثتنا أبو الأسود عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( لا يجتمع الإيمان و الكفر في قلب امرءٍ و لا يجتمع الصدق و الكذب جميعاً و لا تجتمع الخيانة و الأمانة جميعاً) .

قول الحق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)

  1. يا أيها الذين آمنوا : هو خطاب عام لجماعة المؤمنين و كذلك الأمانات عامة و فيه تفصيل فهو خطاب لكل واحد من المؤمنين بعينه ؛ كالأستاذ حين يقول للطلاب أخرجوا أقلامكم فهذا أمر لكل طالب أن يخرج قلمه ، ( لا تخونوا ) نهي و تحذير فإياك أن تخون بعد أن آمنت بالله رباً بمحض إختيارك و أنت تعلم أن الإيمان بالله يوجب طاعته فيما أمر.

فلا تخن لأن الخيانة كلها الإنتقاص و عدم التمام و عدم الوفاء وهي الغدر ، و أما الإنتقاص فهو الوقوف بعيداً عن الكمال و الإتمام المطلوب و الإنسان حين آمن أصبح الإيمان عنده أمانة ، و أمانة هذا الإيمان يقتضي أن لا يجعل لمخلوقٍ و لاية عليه و لا ولاء له إلا أن يكون هذا الولاء نابعاً من اتباع منهج الله تعالى و هذه هي أمانة الشهادة و أمانة الرسالة و حملها فهو الحرص على تطبيق كل ما بلغه الرسول صلى الله عليه و سلم .

فكان الخطاب للمؤمنين من الله تعالى حين حملوا أمانة الإيمان بقولهم لا اله إلا الله إعتقاداً بأنه لا أحد يمكنه أن يتصرف فيهم أو يملك لهم ضراً أو نفعاً غير الله تعالى و أنه و حده المُعِزّ المُذل الناصر المحيي و المميت .

يقول السيد قطب رحمه الله في الظلال (( إن التخلي عن تكاليف الأمة المسلمة في الأرض خيانة لله و للرسول ، فالقضية الأولى في هذا الدين هي قضية ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) قضية إفراد لله سبحانه و تعالى بالألوهية و الأخذ في هذا بما بلغه محمد صلى الله عليه و سلم وحده ، و البشرية في تاريخها كله لم تكن تجحد الله البتة ؛ و لكنها إنما كانت تشرك معه آلهة أخرى هو أحياناً قليلة في الإعتقاد و العبادة ، و أحياناً كثيرة في الحاكمية و السلطان و هذا غالب الشرك و معظمه ، و من ثم كانت القضية الأولى لهذا الدين ليست حمل الناس على الإعتقاد بألوهية الله و لكن حملهم على إفراده ? سبحانه ? باللألوهية و شهاده أن لا إله إلا الله محمد رسول الله أي إفراده بالحاكمية في حياتهم الأرضية كما أنهم مقرون بحاكميته في الكون تحقيقاً لقوله سبحانه (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ )(الزخرف: من الآية84)

و هذه هي قضية هذا الدين إعتقاداً لتقريره في الضمير و حركةً لتقريره في الحياة ، و من هنا كان التخلي عنها خيانة لله و للرسول يحذر الله منها العصبة المسلمة التي آمنت به و أعلنت هذا الإيمان فأصبح متعيناً عليها أن تجاهد لتحقيق مدلوله الواقعي و النهوض بتكاليف هذا الجهاد في الأنفس و الأموال و الأولاد ) (1)

  1. لا تخونوا الله و الرسول : بعد أن آمنتم بأنه هو الخالق البارئ الموجد من عدم ، لا تخونوا الله بعد أن أرشدكم إلى الخير في الأفعال و الأقوال و أتمّ عليكم نعمه و قبلتم بحمل الأمانة التي عرضها على غيركم فقبلتموها أنتم فلا تخونوا الله بعد حملكم للأمانة . روى الترمذي الحكيم أبو عبد الله : حدثنا اسماعيل بن نصر عن صالح بن عبد الله عن محمد بن يزيد بن جوهر عن الضحاك عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( قال الله تعالى لآدم : يا آدم إني عرضت الأمانة على السموات و الأرض فلم تطقها فهل أنت

حاملها بما فيها ؟ فقال : و ما فيها يا رب ؟


(1) الظلال للسيد قطب الجزء الثالث الصفحة 838

قال : إن حملتها أُجرت و إن ضيعتها عُذّبت ، فاحتملها بما فيها فلم

يلبث في الجنة إلا قدر ما بين الصلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها ).

قلنا إنّ الأمانة يُقابلها الخيانة و الأمانة هي الأمر الذي يستودعه واحد عند آخر بدون وثيقة أو شهود ، و هي لا تكون إلا عن قناعة و اطمئنان و رضاً فلا تحصل بالجبر و الإكراه ، ثم تُحدث في النفس التزاماً بمقتضياتها ، فمن مقتضياتها عدم التفريط و الحفظ و الدفاع عنها .

و الإلتزام هو ضبط التصرفات من أفعال وأقوال وفق منهج ومفهوم و وجهة نظر محددة يكون الضابط فيها للامر والنهي ثم تأتي بعد ذلك التكاليف الشرعيه لتحدد سلوك الانسان ، فالذي قال ( لا اله الا الله محمد رسول الله ) هذا التزام منه حصل بطاعته واختياره ورضاه فلا بد له من ضبط سلوكه وفق هذه التكاليف الشرعية فمن كان عنده الالتزام تقبّل التكاليف ومن لم يحصل عنده الالتزام لم يقبل بالتكاليف وتعتبر كل مخالفة لحكم قبلته من الله الذي آمنت به خيانة للامانه.

فالإيمان بوجود الله التزام ، ومقتضيات هذا الالتزام طاعته جل وعلا في كل ما أمر في السر والعلن واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:32)

فالإسلام ليس كلمات تقال باللسان وابتهالات وتضرع بل هو منهج حياة وضابط للسلوك في كل أمر جلّ أو دقّ وهو شهادة وقناعة وتبليغ ؛ فالقناعة أمانة والتبليغ أمانة والعمل لإيجاده في واقع الحياة أمانة ، و رد المجتمع من الاحتكام إلى الطاغوت إلى حاكميه الله أمانة وكلها أمانات ومن لم ينهض بها فقد خانها وخان عهده مع الله الذي عاهده عليه ونقض بيعته التي بايع بها رسول الله .

وهذه الأمانات كلها بحاجة إلى تضحية وصبر واحتمال وترفع عن فتـنة المال و الولد لأن الله عنده الأجر العظيم .

  1. و أنتم تعلمون : و أنتم تعلمون أنكم تخونون ؛ فالخيانة توجد منكم عن تعمدٍ لا عن سهو ، و أنتم علماء تعلمون قبح القبيح و حسن الحسن ، و أنتم تعلمون أن الصدق حسن و الكذب قبيح ، فحين تكذبون فإنكم تخونون و أنتم تعلمون ، ففي الحديث عن وكيع قال : سمعت الأعمش قال : حُدثت عن أبي أُمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة و الكذب ) ، و قوله صلى الله عليه و سلم : ( اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع و من الخيانة فإنها بئس البطانة ) خرجه النسائي عن أبي هريره .

فصاحب البدعة الذي أحدث في الإسلام أو نسب إلى الإسلام ما ليس فيه خائن و هو يعلم أنه خائن ، و الذي يعين الظالم على ظلمه لتكون له يد عنده خائن ، و الذي يوالي من نهى الله عن موالاتهم خائن و هو يعلم أنه خائن .

أما نهاية الخونة في الدنيا فحكمة الله اقتضت أن تكون على أيدي أسيادهم و من والوهم حتى تكون الحسرة عليهم أشد و أوقع في النفس ، فهذا الوزير مؤيد الدين أبو طالب ابن العلقمي الذي خان الله و رسوله و أمير المؤمنين المستعصم و مالأ هولاكو أذله الله على يد سيده هولاكو حتى مرّت به امرأة و هو راكب برذوناً و سائق يسوق به و يضرب فرسه ، قالت له : يا ابن العلقمي هكذا كان يعاملونك بنو العباس …؟؟

و شاه ايران و غيره و غيره و العبرة قائمة متجددة تحمل البشرى لبداية ظهور الحق و نهاية الباطل يتجرع فيها الخائن الذل على أيدي من طلب العزّ منهم و صدق الله العظيم (لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) (الرعد:34)

بقيت في الموضوع مسألة واحدة يشرحها حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي رواه الحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( تأتي على الناس سنوات خدّاعات يُصَدّق فيها الكاذب و يُكَذّب فيها الصادق و يؤتمن فيها الخائن و يُخَوَّن فيها الأمين و ينطق فيهم الرويـبضة ، قيل يا رسول الله : و ما الرويـبضة ؟؟ قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة ) .

ففي محاولة فهمنا للحديث نرى أنه سوف يكون كاذب يُصَدّق و يؤتَمن ، و صادق يُكذّب و يُخَوّن ، و الذي يُصدق الكاذب و يأتمنه و يكذب الصادق و يخونه هم الملأ الذين كانوا في عهد فرعون يصدقونه و يأتمنوه و يكذبوا موسى و يخونونه و يتهمونه بالفساد في الأرض و يُزينون لفرعون عمله و أنه مصلح لا يريد إلا الرشاد .

و قد أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم عن حالهم في الحديث الذي رواه الحاكم و الذهبيّ عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة قال: ( و الذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يظهر الفُحش و البُخل و يُخَوّن الأمين و يؤتمن الخائن و يهلك الوعول و يظهر التحوت ، قالوا يا رسول الله : ما الوعول و ما التحوت قال : الوعول و جوه الناس و أشرافهم و التحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يُعلم بهم ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ

جواد عبد المحسن الهشلمون
في قوله الحق{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }المائدة105

روى أبو داود والترمذي قال خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال إنكم تقرأون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده)

وروى أبو داود والترمذي عن أبي أمية الشَّعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخُشني فقلت له كيف تصنع بهذه الآية فقال أية آية قلت قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قال أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال(بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر… حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك رأي العامة , فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر, للعامل فيهنَّ مثل أجر خمسين منا أو منهم قال بل أجر خمسين منكم)

وقيل لعبد الله بن عمر في بعض أوقات الفتن .... لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه .... فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا (ليُبلغ الشاهد الغائب ) ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل

وقال عبد الله بن المبارك : في قوله تعالى (عليكم أنفسكم) إنه خطاب لجميع المؤمنين أي عليكم أهل دينكم , فكأنه قال ليأمر بعضكم بعضا ولينه بعضكم بعضا فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب

وأسند أبو محمد الدارهي حدثنا صدقة بن خالد عن جابر عن شيخ يكنّى أبا عمرو عن معاذ ابن جبل رضي الله عنه قال( سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت يقرأونه لا يجدون فيه شهوة ولا لذة يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أعمالهم طمع لا يخالطه خوف…إن قصَّروا قالوا سنبلغ وإن أساؤؤا قالوا سَيُغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئا)

إن واجب كل عالم بحكم شرعي أن يظهره ولا يكتمه وأن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر في كل الأحوال وأنه عند مسيس الحاجة اليه فهو أوجب وأكد, فلا يقولن قائل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إلقاء للنفس في التهلكة وربنا نهانا فقال {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}البقرة195… والصمت أسلم

إن بيان الحكم الشرعي والتزام حده حين أصبح الضلال كأنه وجهة نظر له قانون الكفر يحميه وله الأتباع ينادون به ويدعون إليه هو ما نحن مخاطبون به في هذه الأيام بغض النظر عن مآلات الأفعال… إننا مخاطبون بالتزام أمر الله ونهيه وهذا ما سوف نحاسب عليه فلا تقول نخاف أن نفعل كذا وكذا حتى لا يحصل لنا كذا وكذا ولا نريد أن نظهر تمسكنا بأحكام ربنا لكي لا يقال عنا إننا متزمتون أو إننا إرهابيون أو متطرفون, فان هذا الأمر ومثله من الأمور ما هي إلا محاولة لإقناع النفس أو محاولة تبرير لعدم التقيد

إن لدعاة الحق أتباع ولدعاة الباطل أتباع لهم أوصاف يعرفون بها وأولها ما أخرج الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( الكبر سفه الحق وازدراء الناس) وفي رواية( فلا يراهم شيئا) وغمط الناس هو الطعن عليهم وازدرائهم, وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال( ألا أخبركم بأهل الجنة…!!! كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره.. ألا أخبركم بأهل النار!!! كل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبر)

وفي المسند عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال( أما أهل الجنة فكل ضعيف مستضعف أشعث ذو طمرين لو أقسم على الله لأبره , وأما أهل النار فكل جعظريٍّ جواظٍ جّماع مناعٍ ذي تبع)

إن الذين ينظرون إلى أنفسهم عبر مرآة مُكَبِّرة يرى نفسه أكبر من حجمها الطبيعي وهذا غروره بنفسه وهذا شأنه هو وأما نحن فلا ننظر إليه إلا عبر منظار ربنا عز وجل والتزامه بأمر الله ونهيه… فكونه ضخم عظيم وعليه كثير من الشحم واللحم وله هيبة وغني وبخيل وله أزلامه… وغير هذا فلا يخيفنا ولا يجوز أن تقع هيبته في قلوبنا فهمتنا أكبر من ذلك بكثير وكمن قال( أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم باله لو لم يسير إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم وأنجز له وعده فيكم)

إن نظرتنا للذين يظنون أنهم فوق الخلق وأن الله قد اصطفاهم بالفهم والمال والجاه دون غيرهم ما هي إلا نظرة الإسلام لهم ونُقََيَّمَهُم عبرها وهم كما وصفوا في الحديث الذي رواه البخاري عن سهل بن سعد قال( مرَّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا…؟؟؟ فقال… رجل من أشراف الناس..هذا والله حريٌّ إذا خطب أن يُنكح وإن شفع أن يُشَّفع وإن قال أن يسمع لقوله…قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم مَرَّ على رجل آخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيك في هذا …؟؟ قال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حَرِيٌّ إذا خطب ألا يُنكح وإن شَفَعَ ألا يُشَّفع وإن قال ألا يُسمع لقوله… فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ها خير من مِلئ الأرض مثل هذا) فهذه همة وعزم كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في كل زمن… وفي زمن التخاذل آكد.

سعة الأرض وضيقها

جواد عبد المحسن الهشلمون

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}النساء97

وفي الآية مباحث :-

  1. إن الحالة التي توفتهم الملائكة عليها إنهم كانوا متلبسين بظلمهم لأنفسهم والعبرة بالخواتيم فقد روى جعفر بن محمد عن أبيه قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال الرسول عليه السلام( ارفق بصاحبي فإنه مؤمن) فقال ملك الموت يا محمد طب نفساً وقر عيناً فإني بكل مؤمن رفيق, واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا بيت شَعْرٍ في برٍ ولا بحر إلا وأناا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات)

وقيل إنهم جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي الإيمان به فلما هاجر أقاموا مع قومهم وَفُتِنَ منهم جماعة فافتتنوا

  1. { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} وهو سؤال يظهر فيه التقريع والتوبيخ فكان الجواب { كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} وهذا اعتذار غير صحيح, فهو كصورة الذين جاءوا إلى الرسول وكانوا قد تخلفوا عنه في قوله تعالى{ وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ}التوبة90 وهذه الصورة في الدنيا… والصورة التي نحن بصددها لحظة الموت فالعذر واهٍ واهٍ مع أنهم مسلمين ولكن ظالمين لأنفسهم

  2. إنهم حين قالوا { كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} أن غيرهم وصفهم بهذا الوصف فصدفوهم وهذا كان خطأهم … فلقد وصفهم المستكبرون بهذا الوصف وقبلوه… ونحن اليوم إذا وصفتنا دول الاستكبار العالمي بأننا العالم الثالث أو الدول النامية وقبلنا بل وصدقنا هذه التسمية فإننا نكون قد أعناهم علينا بأن انهزمنا وكسرنا ارادتنا

    إن الله جلت قدرته قد خاطبنا فقال{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ}البقرة143 فصنفنا ربنا بأننا أعلى الأمم مرتبة عنده وقال{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} آل عمران110 وهذه في الدنيا, فنكون أعلى الأمم مرتبة في الدنيا والآخرة فالله جل وعلا بوأنا هذه المنزلة فإن اخترنا عليها فإنما هو الضلال والغباء الذي يحصل لمن يرى بعينه فلا يدرك ما يرى

    1. { قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} يقول قتادة : سعة إلى الهدى يعني أن الضلال ضيق, ولو كنت غنيا, والهدى سعة ولو كنت فقيرا, ورحم اله جُنْدع ابن ضمرة من بني ليث ,وقد كان من المستضعفين في مكة, وكان حينها مريضا فلما سمع الآية قال أخرجوني … فهيئ له فراش ثم وضع عليه وخُرج به فمات في الطريق بالتنعيم وهو مهاجر… وقال إني لدليل في الطريق وإني لمدسر ومالي عذر فقد هاجروا إلى الحبشة ليعبدوا الله ولا يلحقهم أذاً وهاجروا إلى المدينة

    إن المدينة مع كونها ضيقة المساحة بالنسبة للجزيرة العربية ولكنها هي-السعة- لوجود الهدى والحق وأنها الأرض التي تحكم بأمر الله ونهيه وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال( من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام )

    1. {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً }النساء98 قال ابن عباس رضي الله عنهما : كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه الآية… وقد كان من الولدان آن ذاك وأمه هي أم الفضل بنت الحارث وهن تسع أخوات {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} يعني أنهم لا يملكون قوة أو أسباباً للتخلص مما هم فيه{ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } والسبيل هو الطريق…ومن منا لا يعرف أو لم يهتدي إلى طريق الله وسبيله فقد خاطبنا وأمرنا ربنا عز وجل فقال {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104 والآية التي قبلها تبين لنا بوضوح أن سبيل الله هو الهدى في قوله عز وجل{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران103فبيان هذه الآيات للاهتداء للسبيل… وليس لأي سبيل بل لسبيل الله فقط لأن السبل كثيرة قد تداخل بعضها ببعض تداخلاً يلبس على الناس دينهم فقال عز وجل {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأنعام153

    هذا الأمر إن كانت لنا دولة هي-السعة- التي يعبد فيها الله وحده أما إذا لم تكن لنا ?السعة- فخطاب ربنا لنا ليس تكليف لنا بما لا نطيق وحاشا لله أن يطلب منا هذا , ولكن إذا لم تكن موجودة فالكل يعلم الطريق ويدرك أن السبيل هو العمل لإيجاد هذه الدولة وهذه-السعة- لأنها هي التي تنقلنا من الضيق إلى السعة ومن الكرب إلى الفرج ومن العسر إلى اليسر ومن ضيق الضلال إلى سعة الهدى

**حال القلب

في قوله تعالى{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ }الأحزاب4



1-{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}قال مجاهد نزلت في رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهائه, وكان يقول أن لي في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد وكان من فهر, وقال الواحدي والقشيري وغيرهما : نزلت في جميل بن معمر الفهري.... فلما هزم المشركون يوم بدر وكان معهم جميل بن معمر ..... رآه أبو سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله فقال أبو سفيان ما حال الناس ..؟؟؟ قال انهزموا ...قال: فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك....؟؟؟ قال ما شعرت إلا أنهما في رجليَّ .. فنزلت فيه وفيه يقول الشاعر:



 وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما      قضى وطراً منها جميل بن معمر 



وقد قيل في معناه أنه كان الواحد من المنافقين يقول: لي قلبٌ يأمرني بكذا, وقلب يأمرني بكذا, فالمنافق ذو قلبين فكان المقصود رد النفاق وقيل لا يجتمع الكفر والإيمان بالله تعالى في قلب... فكان المعنى أنه لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب.منها:



1- وهذا الأمر كقوله تعالىَ {مَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} البقرة 256 فتقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله حتى لا يكون في القلب إلا الإيمان بالله وحده فلا يجتمع الأيمان بالطاغوت والإيمان بالله في قلبٍ مطلقاً فكان من مقتضيات الإيمان بالله الكفر بالطاغوت حتى يصير القلب خالياً إلا من الإيمان بالله.



2- إن الإيمان والكفر ليسا إدراكاً ذهنياً مجرداً بل كل منهما عقيدة تتغلغل في أعماق النفس حتى تنفذ إلى داخل دائرة القلب, ويتأثر القلب فيما يعتقده ويجزم به من أفكار بما يُزَيَّن له من حجج ولو كانت باطلة وبما يُزَيَّن له من عواطف ولو كانت فاسدة , أو تأتيه الأفكار نفسها مُزيًّنة تتملق القلب وتتودد إليه



3- إن دعاة الباطل يُزَيّنون باطلهم ويحسنوه ليدخل في القلوب المريضة في قوله تعالى{ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ }العنكبوت38 وقد حبب الله الإيمان للمؤمنين وزينه في قلوبهم ليكون نفاذه إلى داخل دائرة القلب أسرع في قوله تعالى{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ{6} وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ{7} فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{8} الحجرات 6-8



وكذلك دعاة الباطل وبغاة الشر يسرعون في تزيين باطلهم , وتزيين طرق الشر وأفانين البغي... والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن ومنها قوله تعالى {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً }الفتح12 وقد أخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن القلب أنه بين لَمَّتين : لمّة من الملك ولمّة من الشيطان) واللمة هي الخطرة تقع في القلب وأنه محل الوساوس والخَطَرات ومكان الكفر والإيمان والإصرار والإنابة والانزعاج والطمأنينة .



4-{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} وقد جاء هذا بعد أن أمر الله النبي بأن يتقي الله ولا يطيع الكافرين والمنافقين ,إذ أن تقوى الله تستلزم طاعته , وطاعة الله تعالى تتناقض مع طاعة الكافرين والمنافقين لتناقض الاتجاهين, فالطاعة هي موافقة الآمر فيما أمر , فإرادة العبد في الفعل أو الترك لا بد أن تتوافق مع القلب حتى يخرج من دائرة النفاق وأن لا يتناقض مع نفسه في حركتين متناقضتين..... فكانت طاعة المنافقين والكافرين تعني عدم طاعة الله, وكانت طاعة الله تعالى تعني عدم طاعة المنافقين والكافرين فكان قوله تعالى {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} أي حتى لا تكون له إرادتان متناقضتان إحداهما تتجه لطاعة الله والأخرى تتجه لطاعة المنافقين والكافرين.



{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}  إن إرادة الإنسان الواعية هي التي تعقِل وتضبط الإنسان عن إتباع شهواته وأهوائه ونزغاته التي تميل عن صراط الله,  وكانت هذه الإرادة تصدر عن دائرة القلب في قوله تعالى{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }الحج46 فجعل الله العقل من خصائص القلب, لأن المراد من العقل الإرادة القادرة على كبح جماح الأهواء والشهوات وعقلها وحجزها في دائرة الحق والخير.



إن المراد هنا من العقل- والله أعلم- ليس العملية العقلية التي ينتج عنها الفكر فهذا أمر آخر... فكم من مدرك للحقيقة لكن لا عقل له ولا ضابط ولا كابح فتندفع نفسه نحو الأهواء والشهوات ولا يستطيع عقلها عن جنوحها فيقذف نفسه إلى المهالك والمعاصي مع علمه بذلك... فيكون علمه والجهل سواء



لقد وصف الله الكافرين بأنهم لا يعقلون مع أن لهم ذكاء وفطنة تساوي ذكاء المؤمن وفطنته أو تزيد عن بعض المؤمنين الذين يعقلون....فكان الفرق بين الذكاء والفطنة وبين العقل الذي يكبح النفس عن الانحراف ويضبط السلوك عن الجنوح....فَرُبّ ذي ذكاء محدود كثير العقل لأن قلبه قد تعلق بطاعة الله عز وجل فكان قوي الإرادة- يعني أن قلبه قد انعقد على الطاعة لله- ورب ذي ذكاء حاد وذي علمٍ واسع قليل العقل لأنه ضعيف الإرادة عاجز عن ضبط نفسه وكبح جماحها



6- إن التثبيت من الله عز وجل داخل دائرة الابتلاء والصورة بيان في قصة أم موسى عليه وعلى نبينا أفضل صلاة وسلام .... فبعد أن وصل ابنها إلى مأمنه في بيت فرعون وأصبح فؤادها فارغاً من الهم والحزن .... بل كادت أن تقول أن الطفل الذي التقطه آل فرعون هو ولدها أعانها الله وثبتها فكتمت أمرها في قوله تعالى {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }القصص10 فكان الأمر أنه بعد أن أطاعت ربها فيما أمرها به في قوله تعالى{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }القصص7 جاءتها المعونة الربانية التي ربط الله بها على قلبها... والربط على القلب كناية عن تثبيته بما يجعل فيه الأمن والطمأنينة



وكذلك الفتية المؤمنون الذين آووا إلى الكهف ثبتهم الله وربط على قلوبهم في قوله تعالىَ {نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى{13} وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً{14}الكهف (13+14)



وفي بدر كانت الشجاعة في القتال من قوة الإرادة.... وكان التثبيت من الله والإعانة والربط على القلوب في قوله تعالى {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ }الأنفال11



وفي أحد وما جرى فيها من تعليقات من المنافقين كان الامتحان والابتلاء والتثبيت من الله في قوله تعالى {وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }آل عمران154  وفي الحجرات في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} 



وكذلك الأمر في كل عمل تقوم به لا بد أن تستشعر عظمة الله عز وجل وأن تقوم به على الوجه الذي أمر به في قوله تعالى {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }الحج32



7- إن الاستجابة لله عز وجل واجبة في كل ما أمر وكل ما نهى فلا يوجد في شرع الإسلام انتقاء للأمر وللنهي بل هو كل لا يمكن ولا تجوز تجزئته .... والاستجابة له بالسمع والطاعة في السر والعلن والمنشط والمكره .... وفرض الفروض وتاجها هو العمل لإعادة حكم الله لأرض الله ... فكثير من الأحكام معطلة خلا الصلاة والصيام والحج وبعض الأحكام يقوم بها المسلمون ويؤدونها فردياً, فهم جسد متضخم لا رأس له فبشرنا ربنا وأنذرنا فقال{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} الأنفال 24 وهذه هي البشرى فحياتنا بإتباع أمره ونهيه وقوله عز وجل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة 179 وأنذرنا فقال {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }الأنفال24 



إن الأحياء الذين يسمعون الهداية ويستجيبون لها هم أحياء القلوب والأموات الذين لا يسمعون الهداية لا يستجيبون لها لأنهم أموات القلوب والسبب أن قلوبهم مغمورة بمتاع الحياة الدنيا وزينتها وصدق الله العظيم {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ }المؤمنون63  والغمرة: هي ما يغمر الإنسان أو جزء منه من الماء أو غيره, فهؤلاء قلوبهم في غمرة تحجبهم عن الاستجابة للحق, والعمل بالخيرات التي يعملها المؤمنون 



وأما إذا تعلق العمل للدنيا فإنهم ينشطون لها ويستعدون وصدق الله العظيم {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }الروم7 فلم يدركوا أن الله يعلم السر وأخفى ويعلم كل ما في القلب وأنه القادر على أن يحول بين المرء وقلبه



أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر, وقلب أغلف مربوط على غلافه, وقلب منكوس, وقلب مصفح, فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نور, وأما القلب الأغلف فقلب الكافر, وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر, وأما القلب المُصفح فقلب فيه إيمان ونفاق, ومثل الإيمان فيه مثل البقلة يمدها الماء الطيب, ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح فأي المدَّتين غلبت على الأخرى غلبت عليه)



وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو خالد يعني سليمان بن حيان عن سعد بن طارق عن ربعي عن حذيفة قال كنا عند عمر فقال أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن فقال قوم نحن سمعناه فقال لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره... قالوا أجل..قال فإن تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة.... ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن التي تموج موج البحر....؟؟؟ قال حذيفة فأسكت القوم....فقلت أنا...قال أتت لله أبوك...قال حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأيُّ قلب اشربها نكت فيه نكتة سوداء, وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ... والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخيا لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً  إلا ما أشرب من هواه) قال حذيفة وحدثته أن بينك وبينها باباً مغلقاً يوشك أن يكسر.... قال عمر أكسراً لا أبا لك فلو أنه فتح لعله كان يعاد؟؟ قلت بل يكسر وحدثته أن ذاك الباب رجل يقتل أو يموت حديثا ليس بالأغاليط  .... قال أبو خالد فقلت لسعد يا أبا مالك ما اسود مربادا قال شدة البياض في سواده قلت فما الكوز مجخيا قال منكوساً) 

جواد عبد المحسن الهشلمون**

**الغصب

في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}النساء 29



الغصب:هو أخذ الشيء ظلماً, وغصبه على الشيء قهره وأخذه منه



وغصب الجلد: إذا كدد عنه شعره ووبره قسراً



الغصب لغة: أخذ الشيء ظلماً أو قهراً جهارا



والغصب شرعاً: فقد عرفه الأحناف بأنه أخذ مال مُتقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده



المال المتقوم: لإخراج المال غير المتقوم كالخمر والخنزير



والمال المحترم: احترازاً عن مال الحربي فإنه مال غير محترم



بغير إذن المالك: لإخراج المأذون فيه كالموهوب 



على وجه يزيل يده عنه: ليشمل الاستخدام والتحميل لأنه تصرف بالمالك فلا يعتبر الجلوس على البساط غصباً



وعرفه الشافعية والحنابلة: بأنه الإستيلاء على حق الغير من مالٍ أو اختصاص عدواناً, أي على وجه التعدي أو القهر بغير حق



  وعندما نقارن التعريفين نرى أن الشافعية عندما عرفوه بأنه التعدي وهذا أعم من الغصب, ويكون خفية وجهاراً ويكون التعدي في الأموال والفروج والنفوس والأبدان , ويدخل التعدي على النفوس والأبدان تحت باب الجنايات والدماء والقصاص



 والتعدي هو أخذ المنفعة   والغصب هو أخذ ذات الشيء



  ويكون التعدي في الأموال على أربعة أنواع:-



1- أخذ الرقبة يعني أخذ ذات الشيء وهو الغصب



2-أخذ المنفعة دون الرقبة وهو نوع من الغصب مثل أخذ السيارة والدابة يعني أخذ منفعتها



3-الاستهلاك :بإتلاف الشيء كقتل الحيوان أو تحريق الثوب وقطع الشجرة وكسر الزجاج



4- التسبب بالتلف: كفتح حانوت لرجل وتركه مفتوحاً فسرق أو فتح قفص فطار الطائر أو حل رباط دابة فهربت



فمن فعل شيئاً مما ذكر فهو ضامن لما استهلك أو أتلفه أو تسبب في إتلافه ولا تصح الصلاة في الموقع المغصوب لمن يعلم أنه مغصوب ولا فرق بين أن يكون قد غصب رقبة الأرض وبين غصبه منفعتها. وقد روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر( إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) وعن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله في سبع أرضين) فمن غصب شيئاً لزمه رده ما كان باقياً بغير خلاف لقوله صلى الله عليه وسلم ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه) وروى عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعباً ولا جاداً ومن أخذ عصا أخيه فليرددها) وقد ذكر ابن قدامة في المغني ما نصه ( فإن غصب شيئاً فبعد لزم رده وإن عرض عليه أضعاف قيمته لأنه جنى بتعديه فكان ضرر ذلك عليه... فإن قال الغاصب خذ مني أجر رده وتسلمه ههنا أو بذل له أكثر من قيمته ولا يسترده لم يلزم المالك قبول ذلك لأنها معاوضة فلا يجبرُ عليها كالبيع)ج5 ص375



   بقيت في الموضوع مسألة وهي غصب السلطان وتولي الحكم



قلنا إن الشافعي قد عرف الغصب بأنه الاستيلاء على حق الغير من مال أو اختصاص عدواناً.... والحاصل في بلاد المسلمين عامة بدون استثناء من أن المتغلب قد غصب الأمة حقها واختصاصها ذلك أن السلطان للأمة وأنه قد تغلب على السلطة وأخذ الحكم بالقوة ومما لا شك فيه أن السلطان ?الحكم- للأمة يعني للمسلمين فهم الذين ينصبون الحاكم فهو حقهم, فمن يأخذه بالقوة ولا تعطيه الأمة له يكون قد اغتصب الحكم اغتصاباً وأخذه بغير حق, فهو مغتصب للحكم



إن الغصب هو الغصب كفعل يقوم به غاصب بغض النظر عن المغصوب أكان صغيراً أم كبيراً تافهاً أم عظيماً فكله غصب وتنطبق عليه أحكامه, وقد يُقال أن السلطان- الحكم- مستثنى من حكم الغاصب لأن أدلة الغصب عامة وجاءت أدلة طاعة الحاكم خاصة فهي مخصصة لذلك العموم أي مستثناة من ذلك العموم فلا يطبق حكم الغاصب في حق السلطان بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس, .. قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ..؟؟ قال تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)  فهذا مخصص لعموم أدلة الغصب بل لعموم أدلة كل الأحكام يستثنى منها الحاكم فلا يخرج عليه لاغتصاب السلطة فلا يطبق في حقه حكم الغاصب قد يقال هذا... ولكن الجواب على هذا هو أن الأدلة الخاصة التي تستثني الحاكم إنما هي في حق الحاكم إذا كان حاكماً... ولكن مغتصب السلطة حين ارتكب جريمته لم يكن حاكماً بل كان شخصاً عادياً... فاغتصبها وهو ليس بحاكم وبعد اغتصابها صار حاكما... فلا تنطبق عليه الأحاديث ... لأن الجريمة قد ارتكبت من قبله وهو ليس بحاكم ولذلك لا تنطبق عليه أحاديث الأمر بالصبر.



إن حكم الغاصب كما أسلفنا أن يرد ما غصبه لصاحبه فإنه قد غصب في موضوع الحكم اختصاص الأمة وحقها لأن الأمة لم تعطه مالها من حق بل أنه قد تغلب عليها بالقوة وقهرها .



إن أول اغتصاب للسلطة حصل في السنة الخمسين للهجرة حين نُكِبَ المسلمون بها  بل وهزت الإسلام هزة بالغة وكادت تودي بنظام الحكم وبعد ارتكابها في العام الحادي والخمسين حين أخذ معاوية بن أبي سفيان الحكم لولده يزيد بالقوة ثم أخذ يزيد السلطة والبيعة بالقوة.

جواد عبد المحسن الهشلمون

التنابز بالألقاب

3- وأما قوله تعالى {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}



إن النبز باللغة هو اللقب وجمعه الأنباز ونبزه نبزاً إذا لقبه, والتنابز بالألقاب هو التداعي بالألقاب, والمراد من ذلك الألقاب التي فيها ذمٌ أو هُزْءٌ أو تحقير أو شيء مما يكره الإنسان أن ينبز به.



إن التنابز بالألقاب التي من هذا القبيل مما يؤذي الناس ويحمل معنى التحقير لأنه يفت في عضد المجتمع ويقطع حبال الود بين الناس إذ قد يصل التنابز إلى حد الشتيمة كأن تنبز أخاك بالحمار والثور وما شاكل ذلك , وأنه يولد العداوات والأحقاد وقد يصل إلى حد التقاتل مع ثوران الغضب وهيجان الحماقات.



إن الله سبحانه وتعالى أعلم بالنفس البشرية {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 قد جعل هذه الآفة الاجتماعية حراماً ونهى عنها بل وجعلها من الفسوق والظلم, فكانت هذه القبائح الثلاث ( السخرية واللمز والتنابز) التي قد يفعلها بعض المؤمنين ويصفوا إخوانهم بأوصاف لا تليق بالمؤمن الحامل للإسلام فإن الله عظم الذنب فقال {بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} ...فإنه  تسفل وهبوط قبيح بعد ارتقاء درجات الإيمان واعتلاء قمته وتدنيس فاحش لأكرم رداء يرتديه المسلم وهو رداء الإيمان فقال عز وجل{بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ}



بقيت في الموضوع مسألة واحدة وهي أنه حين يستعمل {الاِسْمُ الْفُسُوقُ} بين الناس أو بين الأصدقاء والأحباء أو حين يخاطب الوالد ولده أو حين يصفه بأوصافٍ غير لائقة ويكون كل هذا الأمر بصيغة التحبب أو أن يمدحه بوصفٍ لا يجوز أن يصفه به فلقد روى الأزهري بسنده عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يسكن مكة ساقور ولا مشاء بنميم) والسّقار والصقار هو اللَّعان لمن لا يستحق اللعن وسمّي بالساقور لأنه يضرب الناس بلسانه...من الصَّقر في قوله الحق {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ }المدثر42 وهو اسم من أسماء النار وتقول العرب سقرته الشمس يعني أذابته ولوحته وآلمت دماغه.... سقرات الشمس.. يعني شدة وقوعها... وسميت النار سقراً لأنها تذيب الأجساد والأرواح والساقور هو المعول الذي تضرب به الصخرة لكسرها



  والسَّقارون هم الكذابون لخبث ما يتكلمون به ... ولقد روى سعد بن معاذ عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( لا تزال الأمة على شريعة ما لم يظهر فيهم ثلاث.. ما لم يقبض منهم العلم ويكثر فيهم الخبث وتظهر فيهم السَّقارة قالوا وما السَّقارة يا رسول الله قال بشر يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن) وفي رواية( يظهر فيهم السقارون)



   إنك حين تخاطب غيرك ولو بصيغة التحبب فتناديه وتصفه بغير ماأمر الله فإنك تخالف أمر الله ونهيه وتدخل في وصف السَّقارون.



   إن هناك فرق بين اللقب والكنية فمن السنة تكنية المولود أو الطفل بأبي فلان ففي الصحيحين من حديث أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير وكان النبي إذا جاءه يقول له( يا أبا عمير ما فعل النُّغَير)- النُّغَير- اسم طائر كان يلعب به-قال الراوي أظنه كان فطيماً, وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة أن تكنَّى بأم عبد الله.... وكان أنس يكنَّى قبل أن يولد له بأبي حمزة وأبو هريرة كان يكنَّى بذلك ولم يكن له ولد إذ ذاك.... وكذلك أبو بكر وأبو حفص-عمر-وخالدبن الوليد-أبي سليمان- وأبو ذر كلها كانت لهم كُنى.



  إن الكنية تنمي شعور التكريم والاحترام في نفس الطفل, بل وتعوده أدب مخاطبة الكبار وفي ذلك يقول الشاعر:



أكنّيه حين أناديه لأكرمه   =  ولا ألقبه والسَّوْءة اللقبُ 

جوادعبدالمحسن الهشلمون

**السخرية

في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}الحجرات11



نهى الله سبحانه وتعالى في هذا النص المؤمنون قباعُ من شأنها بذر بذور العداوة والبغضاء داخل المجتمع المسلم, لما فيها من إيذاء وإضرار وهي قباع تشتمل على ظلم الإنسان وهي السخرية واللمز والتنابز بالألقاب والنهي جاء لكل واحدة على حدة فقل تعالى  { لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} وقال{ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} وقال{ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}



1- { لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} إن السخرية تنافي ما يوجب الحق.. فإنها عدوان على كرامة الإنسان وإيذاء لنفسه وقلبه. وإذا حاولنا البحث عن دوافع السخرية عند الإنسان نجد أنها ترجع إلى الكبر الذي يلازمه بطر الحق وغمط الناس وإلى الرغبة بالتسلية على حساب آلام الآخرين الناشئة عن احتقارهم واستصغارهم وازدرائهم والاستهزاء بأقوالهم وأفعالهم أو خلقهم وطباعهم أو أسرهم ونسبهم وقومهم ولغتهم وأشباه ذلك.



إن هذا التحقير والاستصغار إنما يمارسه المستكبرون كنوع من أنواع الصد عن سبيل الله  فإنها سخرية من الفكرة والعمل الذي مارسه الأنبياء صلوات الله عليهم فعندما يفلس المستكبرون من دحض الحجة بالحجة يلجأون إلى السخرية والإنتقاص من قدر الدعوة والداعية فلقد قالوا لنوح عليه السلام {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ }هود38 وقالوا لصالح{قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ }هود62 وقالوا {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ }فصلت5 وقالوا {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ }هود87 فكانت السخرية مباشرة أو بلفظ يتضمن هذه السخرية ومعناها يقول الفخر الرازي ج18ص45 رحمه الله( أن يكون المعنى أنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية منه, كما يقال للبخيل لو رآك حاتم لسجد لك.



إن نوح عليه السلام عندما شرع ببناء السفينة في أرض لا بحر يجاورها قد صدع لأمر الحق لإدراكه لقدرة الله عز وجل ولاعتقاده الجازم بنصر الله له, وأما الملأ من قومه فكان هذا الأمر مدعاة للسخرية منه لعدم وجود الإعتقاد عندهم يضاف له استكبارهم , ونفس القضية حصلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الإسراء والمعراج, ونفس القضية تتجدد مع كل حامل دعوة , فالذين وصفهم نوح عليه السلام في القرآن في قوله تعالى {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً }نوح7 بنفس منطق الأمس يقولون( تريدون أن تعيدوا عقارب الساعة للوراء) و( تريدون أن تقيموا الدين في مالطا)



إن سخرية الكافرين من المؤمنين وسخرية العاصين من المتقين وسخرية الناقصين من الكاملين وسخرية المتفلتين من المتقيدين الملتزمين ما هي إلا لتغطية نقصهم وغمط كمال أهل الكمال وإنها لسخرية غاية في القبح والظلم والعدوان والشناعة في قوله تعالى{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{38} لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ{39} بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ{40} وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون{41}الأنبياء38-41 وقوله تعالى {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ{9} وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ{10} قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ{11} الأنعام 9-11



وأما النوع الثاني من السخرية فهي التي اشتملتها هذه الآية في بداية الخطاب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ}فإذا كان الساخر يسخر من خلق أخيه الجسدية فإنه يسخر من أمر لا يملك المسخور منه تعديله, ولو خلق الله الساخر كذلك لما كان ملك من أمره شيئا, ولو أن الله ابتلى هذا الساخر كذلك لما كان ملك من أمره شيئا, ولو أن الله ابتلى هذا الساخر بمصيبة جعلت عنده عيباً يسخر منه السالمون لما ملك من أمره شيئا... فكانت السخرية من عيب في أصل الخلقة تحمل في مضمونها الاعتراض على الخالق, وللخالق في ابتلائه لعباده ألوان



وأما النوع الثالث من السخرية فإن كان الساخر يسخر من أسرة أخيه أو لغته أو لونه أو عادات قومه فهو يسخر من أمر لا يملكه المسخور منه كطريقة كلامه أو مخارج اللغة عنده فلا يملك المسخور منه تعديلها



وأما النوع الرابع من السخرية فإنها السخرية من الملكات الفطرية ومنها أيضاً السخرية من الإهمال والتقصير في العمل ففيها ادِّعاء ضمني بأن الساخر لا يقع بمثل هذا التقصير والإهمال ... والواقع يشهد بأن الساخر ربما كان له من النقائض الإرادية ما هو أكثر بكثير من المسخور منه وقد روى الترمذي عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( من عَيَّر أخيه بذنب لم يمت حتى يعمله)



روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا} البقرة 14هم منافقوا أهل الكتاب , فذكرهم وذكر استهزائهم , وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساء الكفر...قالوا: إنا معكم على دينكم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}البقرة14بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}البقرة 15في الآخرة, يفتح لهم باب جهنم من الجنة, ثم يقال لهم, تعالوا فيقبلون يسبحون في النار, والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم, فإذا انتهوا إلى الباب سُدَّ عنهم فيضحك المؤمنون منهم فذلك قوله عز وجل{اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}البقرة 15

جواد عبد المحسن الهشلمون

**البدء بالنفس

في قوله الحق سبحانه{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }البقرة44



ففي الحديث عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال( مررت ليلة أُسريَ بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت يا أخي جبريل من هؤلاء؟؟ فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم)



وأترك الشرح الآن للشيخ محمد متولي الشعراوي في خواطرج1ص309 يقول(إن الكلام منطبقٌ هنا حتى على المسلمين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلا, وهؤلاء هم خطباء الفتنة الذين رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تقرض شفاههم بمقاريض من نار. فسأل من هؤلاء يا جبريل فقال خطباء الفتنة. إنهم الذين يزيَّنون لكل ظالم ظلمه, ويجعلون دين الله في خدمة أهواء البشر. وكان الأصل أن تخضع أهواء البشر لدين الله وهؤلاء هم الذين يحاولون تحت شعار- التجديد- أن يجعلوا للناس حجة في أن يتحللوا من منهج الله, فهم يبررون ما يقع ولا يتدبرون حساب الآخرة.



إن علماء الدين الذين يحملون منهج الله ليس من عملهم تبرير ما يقع من غيرهم, ومنهج الله لا يمكن أن يخضع أبداً لأهواء البشر. وقوه الحق سبحانه وتعالى {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} يعطينا منهجاً آخر من مناهج الدعاة, لأن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحمل منهج الله... يريد أن يُخرج من لا يؤمن من حركة الباطل التي ألفها....وإخراج غير المؤمن من حركة الباطل أمر شاق على نفسه لأنه خروجٌ عن الذي اعتاده وَبُعْدٌ عن الذي ألفه, واعتراف أنه كان على باطل... لذلك فهو يكون مفتوح العينين على من بين له طريق الإيمان ليرى هل يطبق ذلك على نفسه أم لا..؟؟ أيطبق الناهي عن المنكر ما يقوله؟؟؟ فإذا طبقه عرف أنه صادق في الدعوة, وإذا لم يطبقه كان ذلك عذراً ليعود إلى الباطل الذي كان يسيطر على حركة حياته.انتهى علامه.



وروى أبو أمامة عن النبي صلى اله عليه وسلم( إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجّرون قُصْبتهم في نار جهنم فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا) والقصب والقتب هي الأمعاء



وروى مسلم بمعناه عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى, فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟؟؟ فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه) وقال صلى الله عليه وسلم( إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله قال عالم لا ينتفع بعلمه)



فالسؤال الذي نود طرحه هل للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فكانت الآية{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} ولا شك أنها في معرض الذم وقوله تعالى {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }الصف3 وشدة الكره هي المقت وإن المكلف مأمورٌ بأمرين أولهما ترك المعصية والثاني منع الغير من فعل المعصية, والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر فكان قوله عز وجل{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} ونهاية الآية{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فإنه تعجبّ إذ أن المقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إرشاد الغير إلى هذه المصلحة والتحذير مما قد يوقع في المفسدة.... والإحسان إلى النفس أولى بالإحسان إلى الغير فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض ولقد قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه( قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك)



إن حامل دعوة الإسلام لا بد أن تبدأ الدعوة منه بتطبيق دعوة الإسلام التي يحملها على نفسه أولاً فلا ينهى عن منكر ويفعله, أو يأمر بمعروف وهو لا يفعله، فالإسلام قد انتشر في أنحاء كثيرة من العالم بالمنهج السلوكي إّذ  أن الذين نشروا الإسلام في الصين كان أغلبهم التجار الذين تخلقوا بأخلاق الإسلام فجذبوا حولهم الكثيرين فاعتنقوا الإسلام وصدق الله العظيم {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }فصلت33فإنهم قد مارسوا الدعوة إلى الله ممارسة عملية بالعمل الصالح.... فالقضية هي أننا نقول أننا مسلمون ونعمل بغير الإسلام وهذا هو التناقض... وقد قيل من وعظ بقوله ضاع كلامه, ومن وعظ بفعله نفذت سهامه... ويقول الشاعر: 

يا أيها الرجل المعلم غيره = هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السِقام وذي الضنا = كيما يَصح به وأنت سقيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها = فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم

فهناك يُقبل ان وعظت ويقتدي = بالرأي منك وينفع التعليم

جواد عبد المحسن الهشلمون

**الجهل والجاهلية

في قوله الحق { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }البقرة67



1. الجهل : ضد الحلم ومنه جهل يجهل جهالة ومنه قول الشاعر:



ألا لا يجهلن أحد علينا      =    فنجهل فوق جهلنا الجاهلينا



والجاهلية: اسم وقع في الإسلام على أهل الشرك فقالوا الجاهلية الجهلاء ومنها حمية الجاهلية وفيها يقول القرطبي: أنهم قالوا قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا في منازلنا..؟؟؟ واللات والعزّى لا يدخلها أبدا  



إن حميتهم هي عصبيتهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ....وهي الأنفة في فهمهم فيقال أنِفْت منه وداخلك عار فلا تفعله ومنه قول المتلمس:



ألا إنني منهم وعِرضي عرضهم     =     كذي الأنف يحمي أنفه أن يكثما



 ويقول السيد قطب رحمه الله في الظلال ج6 ص584( والجاهلية ليست فترة معينة من الزمان وإنما هي حالة اجتماعية معينة ذات تصورات معينة للحياة, ويمكن أن توجد هذه الحالة... وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي أي مكان , فيكون دليلاً على الجاهلية حيث كان.... وبهذا المقياس نجد أننا نعيش الآن فترة جاهلية عمياء غليظة الحس حيوانية التصور هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين... وندرك أن لا طهارة ولا زكاة ولا بركة في مجتمع يحيا هذه الحياة)



ويقول رحمه الله في ج7 ص510 من الظلال في قوله تعالى {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ }الفتح26 حمية لا لعقيدة ولا لمنهج إنما هي حمية الكبر والفخر والبطر والتعنت... الحمية التي جعلتهم يقفون في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه يمنعونهم من المسجد الحرام ويحبسون الهدي الذي ساقوه أن يبلغ المحل الذي ينحر فيه, مخالفين بذلك لكل عُرف وعن كل عقيدة كي لا تقول العرب أنه دخلها عليهم عُنوة.... ففي سبيل هذه النعرة الجاهلية يرتكبون هذه الكبيرة الكريهة في كل عرف ودين وينتهكون حرمة البيت الحرام الذي يعيشون على قداسته... وهي كذلك تبدَّت في رد سهيل بن عمرو لاسم الرحمن الرحيم ولصفة الرسول صلى الله عليه وسلم.... وهي كلها تنبع من تلك الجاهلية المتعجرفة المتعنتة بغير حق)



 لقد كانوا يدركون صدق محمد صلى الله عليه وسلم ولم يصفوه قط بأنه كاذب وقد قال الله تعالى في ذلك {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }الأنعام33 فإنهم قد أصروا على الباطل عناداً وجحدوا الحق مع ظهور أدلته وليس هذا فحسب بل لقد صوَّر لهم جحودهم الحق باطلاً والباطل حقا لوجود بواعث هذا الجحود كالكبر والعجب والرغبة والاستجابة لهوى النفس والحقد والحسد والتقليد الأعمى والتعصب الذميم والطمع وقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وعكسه التواضع فقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن غمر وهو على المنبر- يا أيها الناس تواضعوا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( من تواضع لله رفعه الله)



وروى الترمذي بإسناد حسن بن جابر بن عبد الله أن  رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم خلقا, وإن أبغضكم إليَّ وأبوعكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون)



وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( يحشر المتكبرون أمثال الذر يوم القيامة في صور الرجال, يغشاهم الذل من كل مكان ....يساقون إلى سجن في جهنم يسمى( بَوْلس) تعلوهم نار الأينار يسقون عصارة أهل النار طينة الخبال)



2.أ- أما المعنى الثاني فهو أن المجهلة هو الأمر الذي يحملك على الجهل ومنه الحديث( الولد مجهلة مبخلة مجبنة) والحديث( إنكم لتُجهُلنَّ وتبخلنَّ وتجبننَّ) فكل من عصى الله سُمّي جاهلاً وسُمي فعله جهالة ومنه قول الحق في قصة يوسف { أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ }يوسف33 وقوله تعالى {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }هود46 هذا السبب الأول وأما السبب الثاني في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية..., فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له



ومنه قوله تعالى {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ }الزمر64...أفغير الله أعبد بأمركم.. وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك وهو نظير قوله تعالى{قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}الأنعام14 فوصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بأنه خالق الأشياء وموجدها من عدم وكونه المالك لمقاليد السموات والأرض ... فمن أعرض عن عبادة الإله الموصوف واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة فقد بلغ من الجهل مبلغا لا مزيد عليه.



ب- إن الإنسان إذا أتى بالمعصية مع العلم بكونها معصية إلا أنه يجهل قدر عقابه  فيكون جاهلا بفعله فكأن يأخذ أو يعطي الربا القليل فلا يدرك أنه الربا هو الربا قليله وكثيره لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ( لدرهم ربا أكبر عند الله من إحدى و ثلاثين زنية في الخطيئة ) فإنه قد أقدم على ما لا ينبغي له فعله وهو يعلم أنه لا ينبغي له فعله ولكنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات ... ويخرج من ذلك النائم والساهي حين يأتي بالقبيح ولكنه ما كان متمكناً من العلم بكونه قبيحاً



ج. أما المقلد الذي لا يستطيع أن يقيم الدليل لأن العلم هو إدراك قضية واقعة في الوجود وتستطيع أن تقيم الدليل عليها مثل كروية الأرض والطفل الذي يقول( لا اله إلا الله محمد رسول الله) يقلد والده في ذلك ولا يستطيع أن يقيم الدليل... فإذا حَسُن استيعابه ونضج عقله فيستطيع إقامة الدليل ومتى استطاع إقامة الدليل على القضية أصبح عالماً فيها غير مقلد وهكذا.... والتقليد ليس علماً



فكان الفرق بين العلم والتقليد هو التدليل على القضية, فعدم استطاعته إقامة الدليل أو عدم وجود الدليل عنده لا يسَّمى جهلاً وإنما هو عدم حصول علم



وأما إتباع الهوى لأجل شهوات النفس تحت شعار-إنني مقلد ? وتحت شعار ?قال الشيخ- فإنه فعل جاهلي وعملية تسلق على الأحكام الشرعية تحت شعار-قال الشيخ- فادِّعاؤه ليس حجة له لتمكنه من تحصيل العلم وعدم تحصيله للعلم هو إتباع للهوى بذريعة عدم علمه



فالتاجر الذي يدرك طرق التجارة و معملاتها ويقول لا أعلم الأحكام الشرعية ويقلد فلاناً وفلان, وكذلك الصانع والعامل... فادِّعاؤهم ليس حجة لهم بل واجب عليهم تعلم الأحكام الشرعية المتعلقة بمهنهم.



إن إتباع الهوى لتحقيق شهوة النفس أمر منهيُّ عنه, فإن الهوى هو شعور يميل بالنفس إلى ما تحب من متع وحاجات ولذات وشهوات وعواطف وقد يكون ما تهواه شراً أو أذاً أو ضراً فكان القيد الذي يريح النفس ويخرجها من دائرة هواها هو الالتزام بأمر الله ونهيه وعدم الالتفات إلى الدنيا إلا بالقدر الذي حدده ربنا عز وجل لنا وألا نخضع أنفسنا لدولاب مصالحنا فندور معها حيث دارت فقد روى الطبراني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( من جلس إلى غني فتضعضع له لدنيا تصيبه ذهب ثلثاً دينه ودخل النار)



وأما قوله عز وجل { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً }الفرقان63 قال النحاس ليس سلاماً من التسليم وإنما هو من التسلم... تقول العرب: سلاماً أي تسلماً منك

جوادعبد المحسن الهشلمون**

**مسؤولية الأمر بالمعروف

جواد عبد المحسن الهشلمون

في قوله الحق{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }المائدة105



روى أبو داود والترمذي  قال خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال إنكم تقرأون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده) 



 وروى أبو داود والترمذي عن أبي أمية الشَّعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخُشني فقلت له كيف تصنع بهذه الآية فقال أية آية قلت قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قال أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال(بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر... حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك رأي العامة , فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر, للعامل فيهنَّ مثل أجر خمسين منا أو منهم قال بل أجر خمسين منكم)



وقيل لعبد الله بن عمر في بعض أوقات الفتن .... لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه .... فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا (ليُبلغ الشاهد الغائب ) ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل



وقال عبد الله بن المبارك : في قوله تعالى (عليكم أنفسكم) إنه خطاب لجميع المؤمنين أي عليكم أهل دينكم , فكأنه قال ليأمر بعضكم بعضا ولينه بعضكم بعضا فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب



وأسند أبو محمد الدارهي حدثنا صدقة بن خالد عن جابر عن شيخ يكنّى أبا عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال( سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت يقرأونه لا يجدون فيه شهوة ولا لذة يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أعمالهم طمع لا يخالطه خوف...إن قصَّروا قالوا سنبلغ وإن أساؤوا قالوا سَيُغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئا)



إن واجب كل عالم بحكم شرعي أن يظهره ولا يكتمه وأن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر في كل الأحوال وأنه عند مسيس الحاجة اليه فهو أوجب وآكد, فلا يقولن قائل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إلقاء للنفس في التهلكة وربنا نهانا فقال {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}البقرة195... والصمت أسلم 





إن بيان الحكم الشرعي والتزام حده حين أصبح الضلال كأنه وجهة نظر له قانون الكفر يحميه وله الأتباع ينادون به ويدعون إليه هو ما نحن مخاطبون به في هذه الأيام بغض النظر عن مآلات  الأفعال... إننا مخاطبون بالتزام أمر الله ونهيه وهذا ما سوف نحاسب عليه فلا تقول نخاف أن نفعل كذا وكذا حتى لا يحصل لنا كذا وكذا ولا نريد أن نظهر تمسكنا بأحكام ربنا لكي لا يقال عنا إننا متزمتون أو إننا إرهابيون أو متطرفون, فان هذا الأمر ومثله من الأمور ما هي إلا محاولة لإقناع النفس أو محاولة تبرير لعدم التقيد



إن لدعاة الحق أتباع ولدعاة الباطل أتباع لهم أوصاف يعرفون بها وأولها ما أخرج الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( الكبر سفه الحق وازدراء الناس) وفي رواية( فلا يراهم شيئا) وغمط الناس هو الطعن عليهم وازدرائهم, وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال( ألا أخبركم بأهل الجنة...!!! كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره.. ألا أخبركم بأهل النار!!! كل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبر)



وفي المسند عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال( أما أهل الجنة فكل ضعيف مستضعف أشعث ذو طمرين لو أقسم على الله لأبره , وأما أهل النار فكل جعظريٍّ جواظٍ جّماع مناعٍ ذي تبع)



إن الذين ينظرون إلى أنفسهم عبر مرآة مُكَبِّرة يرى نفسه أكبر من حجمها الطبيعي وهذا غروره بنفسه وهذا شأنه هو وأما نحن فلا ننظر إليه إلا عبر منظار ربنا عز وجل والتزامه بأمر الله ونهيه... فكونه ضخم عظيم وعليه كثير من الشحم واللحم وله هيبة وغني وبخيل وله أزلامه.... وغير هذا فلا يخيفنا ولا يجوز أن تقع هيبته في قلوبنا فهمتنا أكبر من ذلك بكثير وكمن قال( أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو لم يسير إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم وأنجز له وعده فيكم)



إن نظرتنا للذين يظنون أنهم فوق الخلق وأن الله قد اصطفاهم بالفهم والمال والجاه دون غيرهم ما هي إلا نظرة الإسلام لهم و نقيّمهم عبرها وهم كما وصفوا في الحديث الذي رواه البخاري عن سهل بن سعد قال( مرَّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا...؟؟؟ فقال... رجل من أشراف الناس..هذا والله حريٌّ إذا خطب أن يُنكح وإن شفع أن يُشَّفع وإن قال أن يسمع لقوله...قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم مَرَّ على رجل آخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيك في هذا  ...؟؟ قال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حَرِيٌّ إذا خطب ألا يُنكح وإن شَفَعَ ألا يُشَّفع وإن قال ألا يُسمع لقوله... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هذا خير من مِلئ الأرض مثل هذا) فهذه همة وعزم كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في كل زمن... وفي زمن التخاذل آكد.

**الطَّمْس

جواد عبد المحسن الهشلمون

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً }النساء47

قال ابن اسحق: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا الأعور وكعب بن أسيد فقال لهم(يا معشر يهود اتقوا الله واسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق ) قالوا ما نعرف ذلك يا محمد وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر فانزل الله هذه الآية.

الطمس هو استئصال أثر الشيء في قوله تعالى{فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ }المرسلات8 وطمس الأثر محيه وإهلاكه في قوله تعالى {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} يونس88

واختلف العلماء في موضوع الطمس هل هو حقيقة أم مجاز فإن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز فقد أخذ جماعة بالحقيقة وجماعة بالمجاز , فهل الطمس هنا حقيقة فيجعل الله الوجه كالقفا أم مجاز…؟؟ وفيه قولان:-

  1. روي عن أبي بن كعب أنه قال( من قبل أن نطمس) يعني من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده

  2. وقال قتادة معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء…أي يذهب بالأنف والشفاه والعينين والحواجب… وهذا معناه عند أهل اللغة .

وروي عن ابن عباس وعطية العوفي: من أن الطمس هو أن تزال العينان خاصة وتردّ في القفا فيكون ذلك رداً على الدبر ويمشي القهقرى

وقال مالك رحمه الله : كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مرَّ برجل من الليل يقرأ الآية{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً }النساء47 فوضع كفيه على وجهه … ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال( والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي)

وكذلك فعل عبد الله بن سلام لمّا نزلت وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبلغ أهله وقال( يا رسول الله ما كنت أدري أن أصِلَ إليك حتى يُحَوَّلَ وجهي إلى قفاي)

وقال المبرد … الوعيد باقٍ منتظر وقال لا بد من طمسٍ في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة.

إن القضية هي إدراك حق حين ظهور الدليل وحين ظهوره لا بد من إتباع الحق أو جحوده, فالأمر حين ظهر لكعب الأحبار ولعبد الله بن أبي كانت المسارعة في الاستجابة للحق دون تسويف أو تأخير ودون حسابات ربح وخسارة وقد كان التلقي تَلَّقٍ عقائدي أفرز عندهما أن هذا الأمر واقع, فالمسارعة لإتباع هذا الحق والخضوع إليه هي القضية الواجب إدراكها وهذا ما يمكن فهمه من قوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ }النساء 46

وأما الصورة الثانية لمن حصل عنده الدليل على صدق دعوة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فجحد واستكبر بناءً على هوىً اتبعه أو مصلحة قدَّمها ثم لم يكتف بذلك بل حارب هذه الدعوة وافترى وشكك وقد أخبر الله عنهم ذلك فقال {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }الأنعام33

إن الفرق واضح بين الاستجابة بناء لوضوح الدليل وبين الاستجابة لظهور مصلحة , وهذا أيضاً كان دافعه تقديم الهوى على الحق, فلا بد من أن تكون الاستجابة للحق فقط حين ظهور الدليل المقنع المفحم, فإن الاستجابة المطلوبة هي(خضوع قلوب لا خضوع أعناق), فالله يريد أن يأتي الناس طواعية واختياراً ليثبتوا حبهم للخالق ويطيعوه فيما أمر وأن يتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم, ولو كانت القضية إخضاع أعناق كما أخبر ربنا { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}الشعراء 4

**مشاهد المنافقين والمؤمنين

جواد عبد المحسن الهشلمون

في قوله الحق {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }الأعراف51

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( فيلقى العبد فيقول أي فل(تضخيم فلان) ألَم ْ أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل , وأذرك ترأس وتربُع , فيقول بلى( أي رب)… فيقول أفظننت أنك ملاقي…؟؟ فيقول لا …فيقول إني أنساك كما نسيتني…ثم يلقى الثاني فيقول لله ويقول هو مثل ذلك بعينه… ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك…فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصَلَّيتُ وصمتُ وتصدقت ويثني بخير ما استطاع …قال فيقال ها هنا إذأً , ثم يقال له الآن نبعث شاهداً عليك… ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليَّ … فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي… فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه )

قال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم, ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره , فإذا رأى المشركون ذلك قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين , فقال الله تعالى :اما إذا كتموا الشرك فاختموا على أفواههم…فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون, فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا فذلك قوله جل وعلا {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً }النساء42

وفي صحيح مسلم عن شعبة عن محمد (ابن زياد) قال سمعت أبو هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له, وإني أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ) وفي صحيح مسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال( لكل نبي دعوة دعاها لأمته… وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ) وأيضا في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في سورة إبراهيم {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}إبراهيم36 وقال عيسى عليه السلام (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فرفع يديه وقال(أمتي أمتي) وبكى…فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم, فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك وهذا موافق لقوله عز وجل {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى }الضحى5

وفي صحيح مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته, وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة, فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا)

نوح {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ }الأنبياء76

سليمان {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ{35} فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ{36} وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ{37} وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ{38} هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{39}ص35-39

أيوب{ وأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{83} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ{84}الأنبياء83-84

يونس {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{87} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ{88}الأنبياء87-88

زكريا{ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ{89} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}الأنبياء89-90

موسى وهارون{ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ{88} قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ{89}يونس88-89

إن الفكرة التي نحاول فهمها وإيصالها من أن الحبل الموصول بين العبد وربه واجب أن يبقى موصولاً بالتذلل والاحتياج له في كل أمر دق هذا الأمر أو جل في قوله تعالى {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }البقرة152 وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قال:اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي والثانية اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر60 فقد أمر الخلق أن يذكروه راغبين راهبين وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء , فإذا هم أخلصوا بالذكر له في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة العاجلة والآجلة (والثالثة) اذكروني بالثناء والطاعة ,أذكركم بالثناء والنعمة (الرابعة)اذكروني في الدنيا أذكركم بالآخرة(الخامسة)اذكروني في الخلوات أذكركم في الغلوات (السادسة )اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء(السابعة)اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي ( الثامنة)اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي في قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}العنكبوت69 (التاسعة)اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد من الاختصاص( العاشرة) اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية والخاتمة

**{ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ }

الكاتب: ياسين بن علي

قال الله سبحانه وتعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ (56)}. (الزخرف)

إن الأمة إذا لم تحاسب الحاكم إن أساء، ولم تأخذ على يديه إن ظلم، ولم تقف في وجه انحرافه وفساده، فإنّ ذلك سيجعله يتمادى في ظلمه وبغيه وطغيانه، ويمدّ في عمر نظامه الفاسد. وكلما صفقت الأمة للحاكم رغم ظلمه، أو هتفت باسمه رغم فساده، فإنه يزداد عنجهية ويتمادى في ظلمه وبغيه وعدوانه.

لذلك، فإن من علامات الحيوية في الأمة أن تحاسب الحاكم بقوة إذا أفسد أو ظلم، وأن تقف في وجهه إن طغى وبغى، فإن لم تفعل، فقد تودّع منها.

عن أبي بكر الصديق قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه”.(1) وفي رواية قال: “إنّ النّاس إذا رَأَوُا الْمُنْكَرَ لاَ يُغَيِّرُونَهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابه”.(2) وفي رواية أخرى: “إن أمّتي إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله منه بعقابه”.(3)

وعن عدي بن عميرة أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:“إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الخاصّة والعامّة”.(4) وفي رواية عن العرس بن عميرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة”.(5)

لقد ضرب الله سبحانه لنا مثلا عن فرعون الذي كان طاغية عصره، فبغى وظلم، وادعى لنفسه الألوهية {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24)}(النازعات)، وأعطى لنفسه سلطة التدخل في فكر الناس وعقولهم، وجعل نفسه مركز الكون، فلا فعل بدون إذنه، ولا قول بدون إذنه، بل ولا تفكير بدون إذنه؛ لذلك صاح قائلا عندما آمن السحرة برب العالمين: { آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}.

لقد طغى فرعون في الأرض وتجبّر، إلا أنّ قومه كانوا يصفقون له، رهبة ورغبة، فيوافقونه في أعماله، ويظهرون له الولاء، ويطيعونه رغم إفساده في الأرض؛ فكانت مظاهر الخنوع هذه مدعاة له لأن يستخف بهؤلاء القوم الذين أطاعوه في المنكر، فلا يقيم لهم وزنا، ولا يعبأ بوجودهم، فازداد طغيانا وتجبرا.

إن سكوت قوم فرعون عن ظلمه وطغيانه وكفره، جعلهم من الفاسقين؛ لأنهم أطاعوه في ظلم وكفر. {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ}.

ولم يقف الأمر عند حدّ تفسيقهم، بل عمّهم العقاب، فأغرقهم الله أجمعين: فرعون الطاغية، وزبانيته، وكذلك قومه الذين سكتوا عن طغيانه وكفره. {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ}.

إنّ ما حدث لفرعون وقومه عبرة لكل ظالم وطاغية في كل زمان ومكان، وهو أيضا عبرة لكل شيطان أخرس، ولكل ساكت عن الظلم.

لذلك، فإن على الأمة أن تتحرك لقلع جذور الظلم والطغيان، ويحرم عليها السكوت عن الكفر البواح، لأنّ السكوت لا يغير من واقعها المرير، بل يزيد الظالم جرأة على دين الله وعلى طغيانه وبغيه.

إنّ الأمة الإسلامية أمة قوية بإيمانها، فإذا جمعت أمرها ووحدت كلمتها، قدرت على إحداث التغيير. عن عبيد الله بن جرير عن أبيه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعزّ وأكثر ممن يعمله لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب». وفي رواية: «ما من قوم يعمل بين أظهرهم بالمعاصي هم أعزّ منهم وأمنع لم يغيروا إلا أصابهم الله منه بعقاب». (6) وورد في رواية بلفظ: « عن جرير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه، فلا يغيروا، إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا».(7)

فقد أرشد النبي r إلى أنّ تحقق الاستطاعة في بعض أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يكون بالجمع. قال الحافظ المناوي في شرح هذا الحديث: “لأن من لم يعمل إذا كانوا أكثر ممن يعمل كانوا قادرين على تغيير المنكر غالباً، فتركهم له رضاً بالمحرمات وعمومها، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح”.(8)

ولا نجانب الصواب إذا قلنا، إنّ في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي توجب على العامة التغيير، ما يدلّ على أنّ من المنكرات، كمنكرات الحكام، ما يلزمه الثورة العامة والعصيان من الأمة حتى تغيره؛ لأنّها قوية بربها، وقوية بجمعها.


(1) أخرجه أبو داود في السنن (3835)، الترمذي في السنن (2188)، أحمد في مسند أبي بكر (33 و34)، البيهقي في الكبرى (18540)، ابن حبان في صحيحه (305) وغيرهم.

(2) أخرجه أحمد في مسند أبي بكر (1 و16 و54)، الترمذي في السنن (3130)، ابن ماجه في السنن (4036) وغيرهم.

(3) أخرجه بهذا اللفظ البزار في مسنده، ما روى قيس بن حازم عن أبي بكر (51 و52)، وما روى محمد بن أبي بكر عن أبيه (109).

(4) أخرجه أحمد في مسند الشاميين (17457)، وابن أبي شيبة في المسند (587)، ونعيم بن حماد في الفتن (1733)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (65). وقال ابن حجر في فتح الباري (ج14 ص492): “أخرجه أحمد بسند حسن وهو عند أبي داود من حديث العرس بن عميرة وهو أخو عدي، ولهشواهد من حديث حذيفة وجرير وغيرهما عند أحمد وغيره‏”.‏

(5) أخرجه الطبراني في الكبير (13788) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج7 ص529): رجاله ثقات.

(6) حديث حسن أخرجه أحمد في المسند (18895 و18918)، ابن ماجه في سننه (4040)، ابن حبان في صحيحه في كتاب البر والإحسان (301)، والبيهقي في الكبرى (18541).

(7) أخرجه أبو داود في السنن (3837)، ابن حبان في صحيحه في كتاب البر والإحسان (303)، والطبراني في الكبير (2330).

(8) فيض القدير شرح الجامع الصغير، ج5 ص493**

تفاسير مختارة :

تفسير قول الله تعالى (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) الآية

وجملة : لقد تقطّع بينَكم * استئناف بياني لجملة : * وما نرى معكم شفعاءكم * لأنّ المشركين حين يسمعون قوله : * ما نَرى معكم شفعاءكم * يعتادهم الطّمع في لقاء شفعائهم فيتشوّفون لأن يعلموا سبيلهم ، فقيل لهم : لقدْ تقطَّع بينكم تأييساً لهم بعد الإطماع التهكمي ، والضّمير المضاف إليه عائد إلى المخاطبين وشفعائهم .

وقرأ نافع ، والكسائي ، وحفص عن عاصم بفتح نون * بينَكم *. ف * بينَ * على هذه القراءة ظرف مكان دالّ على مكان الاجتماع والاتّصال فيما يضاف هُو إليه . وقرأ البقيّة بضمّ نون * بينكم * على إخراج * بين * عن الظّرفية فصار اسماً متصرّفاً وأسند إليه التقطّع على طريقة المجاز العقلي .

وحذف فاعل تقطّع على قراءة الفتح لأنّ المقصود حصول التقطّع ، ففاعله اسم مُبهم ممّا يصلح للتقطّع وهو الاتّصال . فيقدّر : لقد تقطّع الحَبْل أو نحوُه . قال تعالى : * وتقطَّعت بهم الأسباب * * البقرة : 166 * . وقد صار هذا التّركيب كالمثَل بهذا الإيجاز . وقد شاع في كلام العرب ذكر التقطّع مستعاراً للبعد وبطلان الاتّصال تبعاً لاستعارة الحبل للاتّصال ، كما قال امرؤ القيس :

تَقَطَّعَ أسبابُ اللُّبانةِ والهوى = عَشِيَّة جاوزنا حَمَاةَ وشَيْزَرا

فمن ثمّ حسن حذف الفاعل في الآية على هذه القراءة لدلالة المقام عليه فصَار كالمثل . وقدّر الزمخشري المصدر المأخوذ من * تقطّع * فاعلاً ، أي على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التّأويل ، أي وقع التقطّع بينَكم . وقال التفتزاني : * الأوْلى أنّه أسند إلى ضمير الأمْر لتقرّره في النّفوس ، أي تقطّع الأمْر بينكم * .

وقريب من هذا ما يقال : إنّ * بينكم * صفة أقيمت مقام الموصوف الّذي هو المسند إليه ، أي أمر بينكم ، وعلى هذا يكون الاستعمال من قبيل الضّمير الّذي لم يذكر مَعاده لكونه معلوماً من الفعل كقوله : * حتّى توارت بالحجاب * * ص : 32 * ، لكن هذا لا يعهد في الضّمير المستتر لأنّ الضّمير المستتر ليس بموجود في الكلام وإنّما دعا إلى تقديره وجود مَعاده الدّال عليه . فأمّا والكلام خليّ عن معاد وعن لفظ الضّمير فالمتعيّن أن نجعله من حذف الفاعل كما قرّرته لك ابتداء ، ولا يقال : إنّ * توارت بالحجاب * ليس فيه لفظ ضمير إذ التّاء علامة لإسناد الفعل إلى مؤنّث لأنَّا نقول : التّحقيق أنّ التّاء في الفعل المسند إلى الضّمير هي الفاعل .

وعلى قراءة الرّفع جعل * بينكم * فاعلاً ، أي أخرج عن الظّرفية وجعل اسماً للمكان الّذي يجتمع فيه ماصْدق الضمير المضاف إليه اسم المكان ، أي انفصل المكان الّذي كان محلّ اتّصالكم فيكون كناية عن انفصال أصحاب المكان الّذي كان محلّ اجتماع . والمكانية هنا مجازيّة مثل * لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله * * الحجرات : 1 * . 6

وقوله : * وضلّ عنكم * عطف على * تقطّع بينكم * وهو من تمام التهكّم والتأييس . ومعنى ضلّ : ضدّ اهتدى ، أي جهل شفعاؤكم مكانكم لمّا تقطّع بينكم فلم يهتدوا إليكم ليشفعوا لكم . و * ما * موصولة ماصْدقها الشفعاء لاتّحاد صلتها وصلة * الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء * ، أي الّذين كنتم تزعمونهم شركاء ، فحذف مفعولا الزّعم لدلالة نظيره عليهما في قوله : * زعمتم أنّهم فيكم شركاء * ، وعُبّر عن الآلهة ب * ما * الغالبة في غير العاقل لظهور عدم جدواها ، وفسّر ابن عطيّة وغيره ضَلّ بمعنى غاب وتلف وذهب ، وجعلوا * ما * مصدريّة ، أي ذهب زعمكم أنّها تشفع لكم . وما ذكرناه في تفسير الآية أبلغ وأوقع .

التحرير والتنوير

**حديث الإفك

قال الله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12) لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (20) سورة النور

جاء في تفسير الطبري:

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْم وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَان { عُصْبَة مِنْكُمْ } يَقُول : جَمَاعَة مِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس . { لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ } يَقُول : لَا تَظُنُّوا مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْإِفْك شَرًّا لَكُمْ عِنْد اللَّه وَعِنْد النَّاس , بَلْ ذَلِكَ خَيْر لَكُمْ عِنْده وَعِنْد الْمُؤْمِنِينَ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه يَجْعَل ذَلِكَ كَفَّارَة لِلْمَرْمِيِّ بِهِ , وَيُظْهِر بَرَاءَته مِمَّا رُمِيَ بِهِ , وَيَجْعَل لَهُ مِنْهُ مَخْرَجًا . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } : جَمَاعَة , مِنْهُمْ حَسَّان بْن ثَابِت , وَمِسْطَح بْن أُثَاثَة , وَحَمْنَة بِنْت جَحْش . كَمَا : 19548 - حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَبَان الْعَطَّار , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ عُرْوَة : أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان : كَتَبْت إِلَيَّ تَسْأَلنِي فِي الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ , وَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّه : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } وَأَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا حَسَّان بْن ثَابِت , وَمِسْطَح بْن أُثَاثَة , وَحَمْنَة بِنْت جَحْش , وَهُوَ يُقَال فِي آخَرِينَ لَا عِلْم لِي بِهِمْ ; غَيْر أَنَّهُمْ عُصْبَة كَمَا قَالَ اللَّه . 19549 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } هُمْ أَصْحَاب عَائِشَة . قَالَ ابْن جُرَيْج : قَالَ ابْن عَبَّاس : قَوْله : { جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } . .. الْآيَة , الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَى عَائِشَة : عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْره , وَحَسَّان بْن ثَابِت , وَمِسْطَح , وَحَمْنَة بِنْت جَحْش . 19550 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ } الَّذِينَ قَالُوا لِعَائِشَة الْإِفْك وَالْبُهْتَان . 19551 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ } قَالَ : الشَّرّ لَكُمْ بِالْإِفْكِ الَّذِي قَالُوا , الَّذِي تَكَلَّمُوا بِهِ , كَانَ شَرًّا لَهُمْ , وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَقُلْهُ إِنَّمَا سَمِعَهُ , فَعَاتَبَهُمْ اللَّه , فَقَالَ أَوَّل شَيْء : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَة مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْر لَكُمْ } ثُمَّ قَالَ : { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ لَهُ عَذَاب عَظِيم } . وَقَوْله : { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْم } يَقُول : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ جَزَاء مَا اجْتَرَمَ مِنَ الْإِثْم , بِمَجِيئِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ , مِنَ الْأُولَى عَبْد اللَّه . وَقَوْله : { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ } يَقُول : وَالَّذِي تَحَمَّلَ مُعْظَم ذَلِكَ الْإِثْم وَالْإِفْك مِنْهُمْ هُوَ الَّذِي بَدَأَ بِالْخَوْضِ فِيهِ . كَمَا : 19552 - حَدَّثَنَا عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْره مِنْهُمْ } يَقُول : الَّذِي بَدَأَ بِذَلِكَ . 19553 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { عُصْبَة مِنْكُمْ } قَالَ : أَصْحَاب عَائِشَة ; عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول , وَمِسْطَح , وَحَسَّان . قَالَ أَبُو جَعْفَر : لَهُ مِنَ اللَّه عَذَاب عَظِيم يَوْم الْقِيَامَة .

‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مِسْعَرٍ ‏ ‏قَالَ ‏

‏أَخْرَجَ إِلَيَّ ‏ ‏مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏كِتَابًا فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ خَطُّ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏فَإِذَا فِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ‏ ‏مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَى ‏‏ الْمُتَنَطِّعِينَ ‏ ‏مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏وَإِنِّي ‏ ‏لَأَرَى ‏ ‏عُمَرَ ‏ ‏كَانَ أَشَدَّ خَوْفًا عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ ‏

‏حدثنا ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حفص بن غياث ‏ ‏ويحيى بن سعيد ‏ ‏عن ‏ ‏ابن جريج ‏ ‏عن ‏ ‏سليمان بن عتيق ‏ ‏عن ‏ ‏طلق بن حبيب ‏ ‏عن ‏ ‏الأحنف بن قيس ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله ‏ ‏قال ‏

‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏هلك ‏‏ المتنطعون ‏ ‏قالها ثلاثا

والافك هو الكذب، وهو بهتان عظيم، وبه نقل للأخبار بصورة كاذبة، وبه تشويه للحقائق ودس بين، وايقاع لبذور الشر والافساد في القوم والجماعه، فهو في جوهره وفساد وافساد. لقد كان الافك في مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم تناول أهل بيته واحدى أشهر أمهات المسلمين، أي أنّه استهدف الطهر والعفاف وبيت التقوى وقمة المجتمع بيت رسول الله حاكم المسلمين وقائده، ومن قام به كان من صفوة المجتمع ومن البرازين فيه وليس من المغمورين والمجهولين.

لقد كان الافك بذر لدواعي الفساد والافساد في المجتمع وتنظير على الصفوة فيه حسداً وغيرةً وعجزاً عن الوصول لما وصلوا اليه، والقائم على التنظير في المجتمع يكون في الأعم الأغلب قوم منه وصلوا بليل لمراتب في المجتمع ليسوا على مستواها ولا أهلاً لها. وقدمهم المجتمع كقادة ومتنفذين أو أشباه قادة ومتنفذين، فأسند لهم المناصب للعمل، وقدمهم للناس على تلك الصفة، فرأوا في أنفسهم الكبر، وظنوا في أنفسهم أنهم الرواد والقاده وأنهم يجب أن يأمروا فيطاعوا ويقدموا في المجتمع دون خلق الله تعالى، فما رأوا تحركاً صادقاً في المجتمع إلا مقاوموه خوفاً وظناً منهم أنه يستهدف مراكزهم ومناصبهم، فقاوموا بذور الخير القائم فيها غيرهم وجرحوه وسفوه وسفهوا القائمون عليه، ووصموهم بكل الصفات القبيحة.

هؤلاء المنظرون المفسدون هم المتنطعون المتفيهون المغرورون، انهم عنوان ومظهر الطبقية البغيضة في المجتمع، بل بذرة الشر والكابوس القاتل المستهدف كل خير في المجتمع، بهذف حصر الرياسة والريادة في طبقتهم الساعية للسيطرة والتسلط على المجتمع، وابعاد كل من لا يدخل في طبقيتهم وحاشيتهم والولاء لهم ولو كان مخلصاً تقياً. أنهم موجودون في المجتمع وكل مجتمع منذ خلق الله الأرض ومن عليها، فهوس الزعامة والاثرة من مكنون النفوس الشريرة العديمة التقوى والموغلة في الكبر والرياء وزعامة الجاه.

هم موجودون في المجتمع، وفي أجهزة الدولة وفي داخل التكتلات والأحزاب.

في البيت تحرص الزوجة على نيل الايثار لدى الزوج فتحاول أن تفسد علاقته بزوجاته الأخريات بالايقاع والافساد والافك وكل الوسائل الشيطانية. وفي الشركة يسعى الموظف على ايغار صدر مديره على زملائه مسفهاً كل عمل جيد عملوه لينال الحظوة لدى المدير من دون زملائه، وفي الدائرة والوظيفة ومجلس المنطقة ومجلس العائلة، وهكذا.

وأخطر أنواع بذور الطبقية البغيضة هذه يكون في التكتلات السياسية والأحزاب المستهدفة التغيير والاصلاح، فيدخل في قياداتها أو في مراكزها رجال ليسوا على المستوى اللازم، فيقدموا في المجتمع كقادة أو زعماء للتكتل والحزب، يقولون باسم التكتل ويصرحون باسمه، ويظهرون في المناسبات العامة بتلك الصفه، ويخص التكتل هؤلاء الفارهون دون غيرهم بذلك، فإن تقدم غيرهم بعمل جيد يخدم قضية التكتل، انبرى هؤلاء لتسفيه العمل وتسفيه من قام به، بهدف الابقاء على سيطرتهم المنفردة واستئثارهم بالمراكز، وخوفاً أن لا ينافسهم هؤلاء في ذلك، أو ظناً منهم أنه لا يستطيع القيام بالعمل الا هم وطبقتهم حيث بلغ بهم الرياء مبلغه.

لذا وجب على كل من له مركز في مجتمع أو شركة تجارية أو مؤسسة أو تكتل أو حزب أو أي من مجالس المجتمع أن ينتبهوا لبذرة الفساد المتمثلة بالطبقية وشبيهاتها ويحولوا دون وجودها أو أن تستشري في جسم مؤسساتهم أو أحزابهم فتنخر فيه وتكون ورماً خبيثاً قاتلاً يجب القضاء عليه.

هم موجودون وبغزارة في المنتديات على الشبكة العنكبوتية وفي المساجد والمجالس، يفتقدون الحجة ويعجزون عن احضار الأدلة، فيلجئون لمهاجمة محاورهم بمهاجمته في دينه وخلقه واختلاق النقائص والأفك والكذب واختلاق الحوادث واطلاق الاشاعات، انهم مرض وسرطان خبيث في كل مجتمع طاهر ونظيف، وأحياناً هم من سادة وعلية في القوم في المجتمع الجاهلي الفاسد المنحل، لا يخلوا منهم أي مجتمع صالح أو طالح، وأكثر ما يوجهون سهامهم السامة للمخلصين الأتقياء ولكل خير في المجتمع.

ومنهم من تناولت كلمة الحق فساد في المجتمع هم جزء منه مستفيدون من وجوده منتفخة جيوبهم ممتلئة خزائنهم من مكاسبهم المادية في عمل وضيع مع ومن ضمن مراكز فساد وافساد قد يأدي كشف فسادها ذهاب الممول والمكاسب الحرام ، فيلجئون لمهاجمة المخلص الناصح الكاشف للفساد بمهاجمته في دينه وخلقه واختلاق النقائص والأفك والكذب واختلاق الحوادث واطلاق الاشاعات، انهم مرض وسرطان خبيث في كل مجتمع طاهر ونظيف، وكثير منهم في مراكز هامة في هذا المجتمع الجاهلي الفاسد المنحل،مع أنه لا يخلوا منهم أي مجتمع صالح أو طالح، وأكثر ما يوجهون سهامهم السامة للمخلصين الأتقياء ولكل خير في المجتمع.

هذا البلاء واقع مفروض علينا من أعداء الله، وقد أخبرنا الصادق الأمين عن زمن يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر، كما أخبرنا عن الزمن الذي يُكذب فيه الصادق ويصدق الكاذب، وينطق في القوم الرويبضة، وما أكثر الرويبضات في الجاهلية المعاصرة التي نعيشها ونكتوي بنارها.**

**مع القرأن : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74).

جاء في كتاب التيسير في أصول التفسير لمؤلفه

عطاء بن خليل أبو الرشته

أمير حزب التحرير حفظه الله في تفسيره لهذه الآيات ما يلي:

من هذه الآيات يتبين ما يلي:

  1. هناك تقديم وتأخير، فالآيات تفيد أن هناك قتيلاً قتل ولم يعرف قاتله، فأمرهم الله أن يذبحوا البقرة ويضربوا المقتول بشيء منها بعد ذبحها فيحيا القتيل ويخبر عن قاتله، ولكن موضوع ذبح البقرة هو الذي بدأت به الآيات  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ھ  ثم بعد إكمال الموضوع ذكر الله سبحانه  وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا والتقديم والتأخير في كتاب الله لغرض وليس لمجرد التقديم، فالقرآن نزل بلغة العرب وفصحاء العرب لا يقدّمون ولا يؤخّرون إلا لغرض، والمتدبر في هذا الأمر يجد أن هناك غرضين لذلك:

أ. بُدئ بقصة ذبح البقرة لإبراز ضرر التلكؤ في تنفيذ أمر الله وتعمد البحث عن التبريرات لعدم التنفيذ كالإكثار من الاستفسار والتساؤلات غير الضرورية حول الموضوع المطلوب تنفيذه. ثم لبيان أن الله سبحانه يزيد المشقة على الذين يبحثون عن التبريرات ويكثرون التساؤلات غير الضرورية على نحو ما قال سبحانه في الآية الكريمة  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، وفي هذا بيان عام لكلّ من يدين لله سبحانه في كلّ زمان ومكان أن ينفِّذ أمر الله على وجهه دون محاولة إيجاد التبريرات بعدم التنفيذ وقد يكون لأهمية هذا الأمر علاقة بتسمية هذه السورة بالبقرة.

ب. أما الغرض الثاني فإن في هذا التقديم والتأخير إظهاراً للموضوع الواحد كأنه موضـوعـان في كلّ منهـمـا بـيـان، فلو كانت آيات قتل النفس في البـدايـة ثم الأمر بذبح البقرة للدلالة على القاتل لكانت القصة على هذا النحو واحدة ولارتبطت في الذهن بعبرة واحدة هي:

(ذبح البقرة لبيان القاتل).

أما بيانها كما جاء في كتاب الله فكأنهما قِصَّتان بموعظتين:

الأولى: حول تنفيذ الأمر بدون تلكؤ ولا تبريرات.

والثانية قدرة الله سبحانه على إحياء الموتى بشكل عام ومن ضمنها بيان القاتل  فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فكان ذكر هذا الموضوع في آخر آيات ذبح البقرة كأنه موضوع جديد.

  1. إن موسى  طلب منهم بأمر من ربه سبحانه أن يذبحوا البقرة، فلو أنهم عمدوا لأي بقرة فذبحوها لكانوا قد نفذوا أمر الله بسهولة ويسر: ?لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم? ولكنهم بدلاً من ذلك بدءوا في التلكؤ والتبريرات والتساؤلات حول البقرة لإطالة أمد التنفيذ فشقّ الله عليهم في نوع البقرة المطلوبة فكانوا كلما استفسروا عن شيء منها شقّ الله عليهم في الجواب حتى سُدَّت عليهم منافذ التساؤلات فكانت البقرة المطلوبة بالمواصفات الجديدة مكلفة عليهم في الجهد والثمن؛ فقد قال لهم موسى   نَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً أيـة بـقـرة، فلما اسـتفسروا عنها أعلمهم سبحانه  إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ أي لا هرمة ولا مُسِنَّة، والفارض التي فرضت سنها فقطعتها وبلغت آخرها، ولا هي بكر أي صغيرة، بل عوان أي النصف بين الكبيرة والصغيرة التي ولدت بطناً أو بطنين. وهكذا شَقّوا على أنفسهم بسؤالهم فبدل أن تكون بقرة على الإطلاق أصبح المطلوب بقرة مقيَّدة بسن معينة. ولكنهم مع ذلك لم يبحثوا عن هذه فيذبحوها بل زادوا في الاستفسار فشقّ الله عليهم  إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا أي أشدّ ما يكون من الصفرة وأنصعه، ويقال في التوكيد أصفر فاقع. ولكنهم كذلك لم يفعلوا بل عادوا بالسؤال والاستفسار فشقّ الله عليهم في الجواب  إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا أي هي بقرة مدللة عند صاحبها لا هي ] ذَلُولٌ [ أي لم تذلل للركوب أو حرث الأرض ولا هي  تَسْقِي  فليست من النواضح التي ينقل عليها الماء لسقي الحرث أي الزرع، ثم هي  مُسَلَّمَةٌ  أي خالية من العيوب و لَا شِيَةَ فِيهَا أي ولا شيء فيها غير الصفرة فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها. و شِيَةَ  في الأصل مصدر من: وشاه وشيا وشية أي أصاب لونه الغالب لون آخر.

وهكذا سدت عليهم منافذ السؤال فاضطروا للبحث عن بقرة بهذه الأوصاف فحصلوا عليها بعد جهد جهيد في مدة البحث وغلاء الثمن. ولولا أنهم أُلجئوا لذلك بعد استنفاذ أسئلتهم ما فعلوه فكأنهم كانوا لا يريدون أن يُعرف القاتل لمنزلة له أو نحوها  فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ.

  1. ثم يعود الله سبحانه بعد ذلك لذكر ما طلب ذبح البقرة لأجله وهو القتيل الذي وجدوه مقتولاً ولم يعترف أحد منهم بقتله، وقوله سبحانه  وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا يـدلّ على أن القاتل من بينهم وليس غـريـبـا عنهم. وقوله سبحانه  فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ﮃ  أي تدافعتم فكل منكم قائل: لم أقتل بل قتله غـيري فيدفـع كلّ واحد القتل عن نفسه إلى غيره.

فأمرهم الله سبحانه أن يضربوا القتيل بجزء من البقرة المذبوحة، فلما فعلوا أحياه الله سبحانه وأعلمهم قاتله وأظهره الله بعد أن كانوا يكتمونه  وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ .

وكان في ذلك - إحياء الموتى - آية لهم على قدرة الله على بعثهم أحياء يوم القيامة، وبخاصة الذين ينكرون البعث منهم في ذلك الوقت، ففي هذا الإحياء دلالة على ثبوت الحجة عليكم أيها المنكرون للبعث لتعقلوا وتعلموا أن الله هو المحيي والمميت.

  1. يخبرنا الله - سبحانه وتعالى - أنه على الرغم من هذه الآيات - إحياء الموتى وغيره - إلا أن كفار بني إسرائيل الذين شاهدوا تلك الآيات لم يؤمنوا لقساوة قلوبهم أي لغلظتها وجفوتها فهي معاندة للحق، وذلك من قسا إذا جفا وغلظ وصلب.

وقد شبه الله سبحانه قلوبهم لقسوتها بالحجارة أو أشد قسوة  فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﮢ وحرف العطف (أو) في العربية يأتي لعدة معانٍ: التخيير بين المعطوفين، أو الإباحة، أو بمعنى حرف العطف (و)، أو للإبهام على السامع، أو بمعنى (بل) وغيرها والقرينة تدلّ على المعنى المراد. ومن تكملة الآية الكريمة فإنها تدلّ بمفهومها أن الحجارة فيها نفع وخير أكثر من قلوبهم، وهذا يعني أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة وليس مثلها، وهنا تكون (أو) بمعنى (بل) أي أن الآية  فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً تعني ?فهي كالحجارة بل أشد قسوة?، فقلوبهم أقسى من الحجارة لأن في الحجارة نفعاً وخيراً وقلوبهم ليـس فيهـا شيء من ذلك. فبعـض الحجارة يتفجر منه الماء بغزارة وبعضها يخـرج المـاء من شـقـوقه ينابيع، ومنها ما يهبط من خشية الله كما أعلمنا الله سبحانه عن الجبل الذي صـار دكاً إذ تجـلى له ربه  فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا.

ثم يختم الله سبحانه الآيات الكريمة بأن الله سبحانه ليس غافلاً عن أعمالهم فهو سبحانه لهم بالمرصاد حافظ لأعمالهم لا يسهو عنها ولا ينساها بل يجزيهم عليها في الآخرة أو يعاقبهم عليها في الدنيا.

وأصل الغفلة عن الشيء تركه على وجه السهو عنه والنسيان له، فأخبرهم سبحانه وتعالى أنه غير غافل عن الأفعال الخبيثة لأولئك القاسية قلوبهم، بل هو سبحانه لها محصٍ ولها حافظ.

وبعد، فإن المتدبر لهذه الآيات العظيمة، يتبين له طبع من طبائع اليهود المتأصلة فيهم وهو التلكؤ في تنفيذ ما يطلب منهم والبحث عن التبرير وراء التبرير لإطالة أمد التنفيذ إن لم يتمكنوا من إلغائه، هذه حالهم مع الله خالقهم ومع رسله إليهم وأنبيائه والناس أجمعين.

فالحقوق لا تؤخذ منهم بالحجج والإقناع، ولا في معاهد الدراسات والمفاوضات بل تنتزع انتزاعاً بضربات تنسيهم وساوس الشيطان، وهو العلاج الذي عالجهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة نتيجة خيانتهم ونقضهم للعهود والمواثيق. وهذا هو علاجهم الوحيد في فلسطين وإن غداً لناظره قريب.**

** اللّمز

2-{ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ}

اللمز: كالغمز في الوجه تلمزه بفيك بكلام خفيٍّ ومنه قوله تعالى {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} التوبة 58 يعني يحرك شفتيه ... ورجل لُمزة...يعني يعيبك بالغيب, وقال الزّجاج... الهمزة اللمزة: الذي يغتاب الناس ويغضُّهم والأصل في الهمز واللمز... الدفع قال الكسائي همزته ولمزته ولهزته يعني دفعته واللمز: هو العيب في الوجه... وأصله الإشارة بالعين والشفة مع كلام خفيّ ومنه قوله تعالى {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} التوبة79 ومنه قوله تعالى {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ }الهمزة 1 قال ابن عباس: هم المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة, الباغون للبرآء بالعيب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( شرار عباد الله تعالى المشاؤون بالنميمة, المفسدون بين الأحبة, الباغون للبرآء بالعيب)  ومنه قول حسان بن ثابت:-



مجللة تُعَممُّهُ شناراً = مَضَّرمة تأجَّجُ كالشواظ 



كهمزة ضيغمٍ يحمي عريناً = شديد مغارز الأضلاع حاظي 





 إن الهمز واللمز بالمجمل هو أن يعيب الإنسان أخاه بوجهه بكلام  ولو خفي أو سعيّ بنميمة , ورب لمز خفي أشد من طعن صريح وأعمق جرماً في داخل النفس لأن فيه بالإضافة إلى الطعن والتجريح بالعيب معنى استغباء الملموز واستغفاله فكأن اللامز يُشعر الذين في المجلس أن الملموز غبيٌّ لا ينتبه إلى الطعن الذي يوجه ضده في رمز الكلام



واللمز آفة وقبيحة اجتماعية تورث الأحقاد والضغائن وتقطع أواصر الأخوة الإيمانية وهو ظلم من الإنسان وعدوان على حق غيره, إذ أن من حق المؤمن على أخيه أن يستر عيوبه لا أن ينشرها, فإذا كان العيب نقيصة إرادية فدور المؤمن أن يكون ناصحاً لأخيه لا فاضحاً ولا ناشراً لعيوبه لا بصريح اللفظ ولا برمزه ومعاريضه ودلالاته المغلفة



وفي النهي عن اللمز قال الله تعالى {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ}ولم يقل ولا يلمز بعضكم بعضاً... لأن المجتمع الإسلامي في مفهوم الإسلام بمثابة الجسد الواحد فكان من يلمز أخاه المسلم بمثابة من يلمز نفسه, 



ومن يلمز غيره يعّرض نفسه للإنتقام منه باللمز , فهو إذ يلمز الناس يتسبب في أن يلمزوه فكأنه لمز نفسه وصدق الشاعر



لسانك لا تذكر به عورة امرئ   =  فكلك عورات وللناس ألسنُ 

جواد عبد المحسن الهشلمون