المــلل والنــحل

** المــلل والنــحل

موقع " كلمات " > دار الكتب > المكتبة الرئيسية > المكتبة الإسلامية > المــلل والنــحل

www.kl28.com

الفهرس

القسم الأول:أرباب الديانات والملل من المسلمين وأهل

الجزء الثاني أهل الكتاب الخارجون عن الملة الحيفية

القسم الثاني :هل الأهواء والنحل من الصابئة والفلاس

الجزء الثالث آراء العرب في الجاهلية**

**تنبيه :

جميع المواضيع في هذا البحث ( الملل والنحل ) قد نقلت كما هي بالمصدر بدون زيادة أو نقصان أو تعديل، وبما أنّ معظم ما نقل هو معلومات تحتاج لتوثيق ومراجعة، لذا فمن يجد أي خطأ فيما ورد أو أي تعديل وتصحيح لازم فليقم مأجوراَ بذلك في مداخلة لفحص الأمر والتعديل ، وفي حالة التعديل فسنقوم به إن شاء الله في الهامش السفلي للصفحة وليس في النص الأصلي عملا بأمانة النقل.**

**الباب الثالث

الصفاتية

اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقا واحداً‏.‏

وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل‏:‏ اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون‏:‏ هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها‏:‏ صفات خبرية‏.‏

ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون سمى السلف‏:‏ صفاتية والمعتزلة‏:‏ معطلة فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر فافترقوا فيه فرقتين فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك ومنهم من توقف في التأويل‏.‏

وقال‏:‏ عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء‏.‏

فلا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ الرحمن على العرش استوى ‏"‏ ومثل قوله‏:‏ ‏"‏ خلقت بيدي ‏"‏ ومثل قوله‏:‏ ‏"‏ وجاء ربك إلى غير ذلك ‏"‏ ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه‏:‏ لا شريك له وليس كمثله شيء وذلك قد أثبتناه يقيناً‏.‏

ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا‏:‏ لابد من إجرائها على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر فوقعوا في التشبيه الصرف وذلك على خلاف ما أعتقده السلف‏.‏

ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود لا في كلهم بل في القرائين منهم إذ وجدوا في التوراة ألفاظاً كثيرة تدل على ذلك‏.‏

ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير‏:‏ أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس وأما التقصير فتشبيه الغلة بواحد من الخلق‏.‏

ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير ووقعت في الاعتزال وتخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت في التشبيه‏.‏

وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم‏:‏ مالك ابن أنس رضي الله عنهما إذ قال‏:‏ الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة‏.‏

ومثل أحمد بن حنبل رحمه الله‏.‏

وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم‏.‏

حتى انتهى الزمان إلى‏:‏ عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية وصنف بعضهم ودرس بعض‏.‏

حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة‏.‏

وانتقلت سمة الصفاتية إلى الاشعرية‏.‏

ولما كانت المشبهة والكرامية‏:‏ من مثبتي الصفات عددناهم‏:‏ فرقتين من جملة الصفاتية‏.‏

الأشاعرة

أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما‏.‏

وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه‏.‏

وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه‏:‏ فقال عمرو‏:‏ أين أجد أحداً أحاكم إليه ربي فقال أبو موسى‏:‏ أنا ذلك المتحاكم إليه فقال عمرو‏:‏ أو يقدر على شيئاً ثم يعذبني عليه قال‏:‏ نعم قال عمرو‏:‏ ولم قال‏:‏ لا يظلمك فسكت عمرو ولم يحر جواباً‏.‏

قال الأشعري‏:‏ الإنسان إذا فكر في خلقته‏:‏ من أي شيء ابتدأ وكيف دار في أطوار الخلقة طوراً بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة وعرف يقيناً‏:‏ أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته وينقله من درجة إلى درجة ويرقيه من نقص إلى كمال‏.‏

علم بالضرورة أن له‏:‏ صانعاً قادراً عالماً مريداً إذ لا يتصور حدوث هذه الأفعال المحكمة من طبع لظهور آثار الاختيار في الفطرة وتبين آثار الإحكام والإتقان في الخلقة فله صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها وكما دلت الأفعال على كونه‏:‏ عالماً قادراً مريداً‏.‏

دلت على‏:‏ العلم والقدرة والإرادة لأن وجه الدلالة لا يختلف شاهداً وغائباً وأيضاً لا معنى للعلم حقيقة إلا أنه ذو علم ولا للقادر إلا أنه ذو قدرة ولا للمريد ألا أنه ذو إرادة فيحصل بالعلم والإحكام والإتقان ويحصل بالقدرة الوقوع والحدوث ويحصل بالإرادة التخصيص بوقت دون وقت وقدر دون قدر وشكل دون شكل‏.‏

وهذه الصفات لن يتصور أن يوصف بها الذات إلا وأن يكون الذات حياً بحياة للدليل الذي ذكرناه‏.‏

وألزم منكري الصفات إلزاماً لامحيص لهم عنه وهو‏:‏ أنكم وافقتمونا - بقيام الدليل - على كونه عالماً قادراً فلا يخلو‏:‏ إما أن يكون المفهومان من الصفتين واحداً أو زائداً فإن كان واحداً فيجب أن يعلم بقادريته ويقدر بعالميته ويكون من علم الذات مطلقاً علم كونه عالما قادراً وليس الأمر كذلك فعلم أن الاعتبارين مختلفان فلا يخلو‏:‏ إما أن يرجع الاختلاف إلى مجرد اللفظ أو إلى الحال أو إلى الصفة‏.‏

وبطل رجوعه إلى اللفظ المجرد فإن العقل يقضي باختلاف مفهومين معقولين ولو قدر عدم الألفاظ رأساً ما ارتاب العقل فيما تصوره‏.‏

وبطل رجوعه إلى الحال فإن إثبات صفة لا توصف بالوجود ولا بالعدم إثبات واسطة بين‏:‏ الوجود والعدم والإثبات والنفي وذلك محال‏.‏

فتعين الرجوع إلى صفة قائمة بالذات وذلك‏:‏ مذهبه‏.‏

على أن القاضي أبا بكر الباقلاني من أصحاب الأشعري قد ردد قوله في إثبات الحال ونفيها وتقرر رأيه على الإثبات ومع ذلك أثبت الصفات معاني قائمة به لا أحوالاً‏.‏

وقال‏:‏ الحال الذي أثبته أبو هاشم هو الذي نسميه صفة‏:‏ خصوصاً إذا أثبت حالة أوجبت تلك الصفات‏.‏

قال أبو الحسن‏:‏ الباري تعالى‏:‏ عالم بعلم قادر بقدرة حي بحياة مريد بإرادة متكلم بكلام سميع بسمع بصير ببصر وله في البقاء اختلاف رأي‏.‏

قال‏:‏ وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى لا يقال‏:‏ هي هو ولا‏:‏ هي غيره ولا‏:‏ لا هو ولا‏:‏ لا غيره‏.‏

والدليل على أنه متكلم بكلام قديم ومريد بإرادة قديمة‏:‏ أنه قد قام الدليل على أنه تعالى ملك والملك من له الأمر والنهي فهو آمر نله فلا يخلو‏:‏ إما أن يكون آمراً بأمر قديم أو بأمر محدث وإن كان محدثاً فلا يخلو‏:‏ إما أن يحدثه في ذاته أو في محل أو لا في محل‏.‏

ويستحيل أن يحدثه في ذاته لأنه يؤدي إلى أن يكون محلاً للحوادث وذلك محال ويستحيل أن يحدثه في محل لأنه يوجب أن يكون المحل به موصوفاً ويستحيل أن يحدثه لا في محل لان ذلك غير معقول فتعين أنه‏:‏ قديم قائم به صفة له‏.‏

وكذلك التقسيم في الغدارة والسمع والبصر‏.‏

قال‏:‏ وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات‏:‏ المستحيل والجائز والواجب والموجود والمعدوم‏.‏

وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصلح وجوده من الجائزات‏.‏

وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص‏.‏

وكلامه واحد هو‏:‏ أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام والعبارات‏.‏

والألفاظ المذلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء عليهم السلام دلالات على الكلام الأزلي والدلالة مخلوقة محدثة والمدلول قديم أزلي‏.‏

والفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلو‏:‏ كالفرق بين الذكر والمذكور فالذكر محدث والمذكور قديم‏.‏**

**النجارية

أصحاب الحسين بن محمد النجار وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه وهم وإن اختلفوا أصنافاّ غلا أنهم لم يختلفوا في المسائل التي عددناها أصولاً وهم برغوثية وزعفرانية ومستدركة وافقوا المعتزلة في نفي الصفات‏:‏ من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر ووافقوا الصفاتية في خلق الأعمال‏.‏

قال النجار‏:‏ الباري تعالى مريد لنفسه كما هو عالم لنفسه فألزم عموم التعلق فالتزم وقال‏:‏ هو مريد الخير والشر والنفع والضر‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ معنى كونه مريداً أنه غير مستكره ولا مغلوب‏.‏

وقال‏:‏ هو خالق أعمال العباد‏:‏ خيرها وشرها حسنها وقبيحها والعبد مكتسب لها‏.‏

وأثبت تأثيراً للقدرة الحادثة وسمى ذلك كسباً على حسب ما يثبته الأشعري ووافقه أيضاً في أن الاستطاعة مع الفعل‏.‏

وأما في مسألة الرؤية فأنكر رؤية الله تعالى بالأبصار وأحالها غير أنه قال‏:‏ يجوز أن يحول الله تعالى القوة التي في القلب - من المعرفة - إلى العين فيعرف الله تعالى بها فيكون ذلك رؤية‏.‏

وقال بحدوث الكلام لكنه انفرد عن المعتزلة بأشياء‏:‏ منها قوله‏:‏ إن كلام الباري تعالى إذا قرئ فهو عرض وإذا كتب فهو جسم‏.‏

ومن العجب أن الزعفرانية قالت‏:‏ كلام الله عيره وكل ما هو غيره ح فهو مخلوق ومع ذلك قالت‏:‏ كل من قال‏:‏ إن القرآن مخلوق فهو كافر ولعلهم أرادوا بذلك‏:‏ الاختلاف وإلا فالتناقض ظاهر‏.‏

والمستدركة منهم زعموا‏:‏ أن كلامه غيره وهو مخلوق لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ كلام الله غير مخلوق ‏"‏ والسلف عن آخرهم أجمعوا على هذه العبارة فوافقناهم وحملنا قولهم غير مخلوق أي‏:‏ على هذا الترتيب والنظم من الحروف والأصوات بل هو مخلوق غير هذه الحروف بعينها وهذه حكاية عنها‏.‏

وحكى الكعبي عن النجار أنه قال‏:‏ الباري تعالى بكل مكان ذاتاً وموجوداً لا وقال في المفكر قبل ورود السمع مثل ما قالت المعتزلة‏:‏ أنه يجب عليه تحصيل المعرفة بالنظر والاستدلال‏.‏

وقال في الإيمان إنه عبارة عن التصديق ومن ارتكب كبيرة ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك ويجب أن يخرج من النار فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود‏.‏

ومحمد بن عيسى الملقب ببرغوث وبشر بن غياث المريسي والحسين النجار‏:‏ متقاربون في المذهب‏.‏

وكلهم أثبتوا كونه تعالى مريداً - لم يزل - لكل ما علم أنه سيحدث من‏:‏ خير وشر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية‏.‏

وعامة المعتزلة يأبون ذلك‏.‏

الضرارية

أصحاب ضرار بن عمرو وحفص الفرد واتفقا‏:‏ في التعطيل وعلى أنهما قالا‏:‏ الباري تعالى قادر على معنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز‏.‏

وأثبتا لله سبحانه ماهية لا يعلمها إلا هو وقالا‏:‏ إن هذه المقالة محكية عن أبي حنيفة رحمه الله وجماعة من أصحابه وأرادا بذلك‏:‏ أنه يعلم نفسه شهادة لا بدليل ولا خبرن ونحن نعلمه بدليل وخبر‏.‏

وأثبتا حاسة سادسة للإنسان يرى بها الباري تعالى يوم الثواب في الجنة‏.‏

وقالا‏:‏ أفعال العباد مخلوقة للباري تعالى حقيقة والعبد مكتسبها حقيقة وجوزاً حصول فعل بين فاعلين‏.‏

وقالا‏:‏ يجوز أن يقلب الله تعالى الأعراض أجساماً والاستطاعة والعجز بعض الجسم وهو جسم ولا محالة بنفي زمانين‏.‏

وقالا‏:‏ الحجة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإجماع فقط فما ينقل عنه في أحكام الدين من طريق أخبار الآحاد فغير مقبول‏.‏

ويحكى عن ضرار‏:‏ أنه كان ينكر حرف عبد الله بن مسعود وحرف أبي بن كعب ويقطع بأن الله تعالى لم ينزله‏.‏

وقال في المفكر قبل ورود السمع‏:‏ إنه لا يجب عليه بعقله شيء حتى يأتيه الرسول فيأمره وينهاه ولا يجب على لله تعالى شيء بحكم العقل‏.‏

وزعم ضرار أيضاً‏:‏ أن الإمامة تصلح في غير قريش حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي إذ هو أقل عدداً وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة‏.‏

والمعتزلة وإن جوزوا الإمامة في غير قريش إلا أنهم لا يجوزون تقديم النبطي على القرشي‏.‏**

**وبالجملة‏:‏ كل سبب ينسب إليه الحادث في زمان حدوثه بعد جوازه في زمان قبله وبعده فإن ذلك السبب جزئي خاص أوجب حدوث تلك الحادثة التي لم تكن قبل ذلك وإلا فالإرادة الكلية والقدرة الشاملة والعلم الواسع العام‏:‏ ليس يختص بزمان دون زمان بل نسبته إلى الأزمان كلها نسبة واحدة فلا بد لكل حادث من سبب حادث ويتعالى عنه الواحد الحق الذي لا يجوز عليه التغيير والاستحالة‏.‏

قال‏:‏ وإذا كان لا بد من محرك للمحركات ومن حامل للحركات‏:‏ تبين أن المحرك سرمدي والحركات سرمدية فالمتحركات سرمدية‏.‏

فإن قيل‏:‏ إن حامل الحركة وهو الجسم لم يحدث لكنه تحرك عن سكون‏:‏ وجب أن يعثر على السبب الذي يغير من السكون إلى الحركة‏.‏

فإن قلنا‏:‏ إن ذلك الجسم حدث فقد تقدم حدوث الجسم حدوث الحركة‏.‏

فقد بان‏:‏ أن الحركة والمتحرك والزمان الذي هو عاد للحركة‏:‏ أزلية سرمدية‏.‏

والحركات إما مستقيمة وإما مستديرة والاتصال لا يكون إلا للمستديرة لأن المستقيم ينقطع والاتصال أمر ضروري للأشياء الأزلية فإن الذي يسكن ليس بأزلي والزمان متصل لأنه لا يمكن أن يكون قطعاً مبتورة فيجب من ذلك أن تكون هي أزلية فيجب أن يكون محرك هذه الحركة المستديرة أيضاً أزلياً إذ لا يكون ما هو أخس علة لما هو أفضل ولا فائدة في محركات ساكنة غير محركة كالصور الأفلاطونية فلا ينبغي أن يضع هذه الطبيعة بلا فعل فتكون متعطلة غير قادرة أن تحيل وتحرك‏.‏

المسألة الثانية عشرة في كيفية تركب العناصر‏.‏

حكى فرفوريوس عنه أنه قال‏:‏ كل موجود ففعله مثل طبيعته فما كانت طبيعته بسيطة ففعله بسيط‏.‏

والله تعالى واحد بسيط ففعل الله تعالى واحد بسيط وكذلك فعله الاجتلاب إلى الوجود فإنه موجود‏.‏

لكن الجوهر لما كان وجوده بالحركة كان بقاؤه أيضاً بالحركة وذلك أنه ليس للجوهر أن يكون موجوداً من ذاته بمنزلة الوجود الأول الحق لكن من التشبه بذلك الأول الحق‏.‏

وكل حركة تكون‏:‏ إما أن تكون مستقيمة أو مستديرة فالحركة المستقيمة يجب أن تكون متناهية والجوهر يتحرك في الأقطار الثلاثة التي هي‏:‏ الطول والعرض والعمق‏:‏ على خطوط مستقيمة حركة متناهية فيصير بذلك جسماً‏.‏

وبقي عليه أن يتحرك بالاستدارة على الجهة التي يمكن فيها حركة بلا نهاية ولا يسكن في وقت من الأوقات إلا أنه ليس يمكن أن يتحرك بأجمعه حركة على الاستدارة وذلك أن الدائر يحتاج إلى شيء ساكن في وسط منه‏:‏ كالنقطة فانقسم قال‏:‏ وكل جسم يتحرك فيماس جسماً ساكناً وفي طبيعته قبول التأثير منه أحدث سخونة فيه وإذا سخن‏:‏ لطف وانحل وخف فكانت طبيعة النار تلي الفلك المتحرك‏.‏

والجسم الذي يلي النار يبعد عن الفلك ويتحرك بحركة النار فتكون حركته أقل فلا يتحرك بأجمعه لكن جزء منه فيسخن دون سخونة النار وهو الهواء‏.‏

والجسم الذي يلي الهواء لا يتحرك لبعده عن المحرك له فهو بارد لسكونه ورطب لمجاورة الهواء الحار الرطب ولذلك انحل قليلاً وهو الماء‏.‏

والجسم الذي في الوسط فإنه بعد في الغاية عن الفلك ولم يستفد من حركته شيئاً ولا قبل منه تأثيراً فيبس وبرد وهو الأرض‏.‏

وإذا كانت هذه الأجسام تقبل التأثير بعضها عن بعض‏.‏

وتختلط‏:‏ يتولد عنها أجسام مركبة وهي المركبات المحسوسات التي هي‏:‏ المعادن والنبات والحيوان والإنسان‏.‏

ثم يختص بكل نوع طبيعة خاصة تقبل فيضاً خاصاً على ما قدر الباري جلت قدرته‏.‏

المسألة الثالثة عشرة في الآثار العلوية‏.‏

قال أرسطوطاليس‏:‏ الذي يتصاعد من الأجسام السفلية إلى الجو ينقسم قسمين‏:‏ أحدهما‏:‏ أدخنة نارية بإسخان الشمس وغيرها‏.‏

والثاني‏:‏ أبخرة مائية فتصعد إلى الجو وقد صحبتها أجزاء أرضية فتتكاثف وتجتمع بسبب ريح أو غيرها فتصير ضباباً أو سحاباً فتصادفها برودة فتعصر ماءً وثلجاً وبرداً فتنزل إلى مركز الماء وذلك لاستحالة الأركان بعضها عن بعض فكما أن الماء يستحيل هواء فيصعد كذلك الهواء يستحيل ماء فينزل‏.‏

ثم الرياح والأدخنة إذا احتقنت في خلال السحاب واندفعت مرة سمع لها صوت وهو الرعد ويلمع من اصطكاكها وشدة صدمتها ضياء وهو البرق‏.‏

وقد يكون من الأدخنة ما تكون الهنية على مادتها أغلب فيشتعل فيصير شهاباً ثاقباً وهي الشهب‏.‏

ومنها ما يحترق في الهواء فيتحجر فينزل‏:‏ حديداً أو حجراً‏.‏

ومنها ما يحترق ناراً فيدفعها دافع فينزل صاعقة‏.‏

من المشتعلات ما يبقى فيه الاشتعال ووقف تحت كوكب ودارت به النار الدائرة بدوران الفلك فكان ذنباً له‏.‏

وربما كان عريضاً فرئي كأنه لحية كوكب وربما وقع صقيل الظاهر من السحاب صور اليرات وأضواؤها كما يقع على المرائي والجدران الصقيلة فيرى ذلك على أحوال مختلفة بحسب اختلاف بعدها من النير وقربها وصفائها وكدورتها في‏:‏ هالة وقوس قزح وشموس وشهب والمجرة‏.‏

وذكر أسباب كل واحد من هذه في كتابه المعروف بالآثار العلوية والسماء والعالم وغيرهما‏.‏

المسألة الرابعة عشرة في النفس الإنسانية الناطقة واتصالها بالبدن‏.‏

قال‏:‏ النفس الإنسانية ليست بحسم ولا قوة في جسم وله في إثباتها مآخذ‏:‏ منها الاستدلال على أما الأول فقال‏:‏ لا نشك أن الحيوان يتحرك إلى جهات مختلفة حركة اختيارية إذ لو كانت حركاته طبيعية أو قسرية‏:‏ لتحركت إلى جهة واحدة لا تختلف البتة فلما تحركت إلى جهات متضادة‏:‏ علم أن حركاته اختيارية‏.‏

والإنسان مع أنه مختار في حركاته كالحيوان إلا أنه يتحرك لمصالح عقلية يراها في عاقبة كل أمر فلا تصدر عنه حركاته إلا إلى غرض وكمال وهو في معرفته في عاقبة كل حال‏.‏

والحيوان ليست حركاته بطبعه على هذا النهج فيجب أن يتميز الإنسان بنفس خاص كما تميز الحيوان عن سائر الموجودات بنفس خاص‏.‏

وأما الثاني وهو المعول عليه قال‏:‏ إنا لا نشك أنا نعقل ونتصور أمراً معقولاً صرفاً مثل المتصور من الإنسان أنه إنسان كلي يعم جميع أشخاص النوع ومحل هذا المعقول جوهر ليس بحسم ولا قوة في جسم أو صورة لجسم فإنه إن كان جسماً فإما أن يكون محل الصورة المعقولة منه طرفاً منه لا ينقسم أو جملته المنقسمة‏.‏**

**وإذ فرضنا أنه لم يزل ولا يزال موجوداً بالفعل فيجب أن يكون له من ذاته الأمر الأكمل الأفضل لا من غيره‏.‏

قال‏:‏ وإذا عقل ذاته‏:‏ عقل ما يلزمها لذاتها بالفعل وعقل كونه مبدأ وعقل كل ما يصدر عنه على ترتيب الصدور عنه وإلا فلم يعقل ذاته بكنهها‏.‏

قال‏:‏ وإن كان ليس يعقل بالفعل فما الشيء الكريم الذي له وهو الكون الناقص كماله‏!‏ فيكون حاله كحال النائم وإن كان يعقل الأشياء من الأشياء فتكون الأشياء متقدمة عليه بتقدم ما يقبله ذاته وإن كان يعقل الأشياء من ذاته فهو المرام والمطلب‏.‏

وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى تؤدي قريباً من هذا المعنى فيقول‏:‏ إن كان جوهره العقل وأن يعقل فإما أن يعقل‏.‏

ذاته أو غيره فإن كان يعقل شيئاً آخر فما هو في حد ذاته غير مضاف إلى ما يعقله وهل لهذا المعتبر بنفسه فضل وجلال مناسب لأن يعقل بأن يكون بعض الأحوال أن يعقل له أفضل من أن لا يعقل أو بأن لا يعقل يكون له أفضل من أن يعقل‏.‏

فإنه لا يمكن القسم الآخر‏:‏ وهو أن يكون يعقل الشيء الآخر افضل من الذي له في ذاته من حيث هو في ذاته شيء يلزمه أن يعقل فيكون فضله وكماله بغيره‏.‏

وهذا محال‏.‏

المسألة الرابعة في أن واجب الوجود لا يعتريه تغير وتأثر من غيره بأن يبدع أو يعقل‏.‏

قال‏:‏ الباري تعالى عظيم الرتبة جداً غير محتاج إلى غيره ولا متغير بسبب من غيره‏:‏ سواء كان التغير زمانياً أو كان تغيراً بأن ذاته تقبل من غيره أثراً وإن كان دائماً في الزمان‏.‏

وإنما لا يجوز له أن يتغير كيفما كان لأن انتقاله إنما يكون إلى الشر لا إلى الخير لأن كل رتبة غير رتبته فهي دون رتبته وكل شيء يناله ويوصف به فهو دون نفسه ولا يكون أيضاً مناسباً للحركة خصوصاً إن كانت بعدية زمانية‏.‏

وهذا معنى قوله‏:‏ إن التغير‏:‏ إلى الشيء الذي هو شر‏.‏

وقد ألزم على كلامه‏:‏ أنه إذا كان الأول يعقل أبداً ذاته فإنه يتعب ويكل ويتغير ويتأثر‏.‏

وأجاب ثامسطيوس عن هذا بأنه إنما لا يتعب لأنه يعقل ذاته وكما لا يتعب من أن يحب ذاته فإنه لا يتعب من أن يعقل ذاته‏.‏

قال أبو الحسين بن عبد الله بن سينا‏:‏ ليست العلة أنه لذاته يعقل‏.‏

أو لذاته يجب بل لأنه ليس مضاداً لشيء في الجوهر العاقل فإن التعب هو أذى يعرض لسبب خروج عن الطبيعة وإنما يكون ذلك إذا كانت الحركات التي تتوالى مضادت لمطلوب الطبيعة فأما الشىء الملائم اللذيذ المحض الذي ليس فيه منافاة بوجه فلم يجب أن يكون تكرره متعباً‏.‏

المسألة الخامسة في أن واجب الوجود حي بذاته باق بذاته أي كامل في أن يكون بالفعل مدركاً لكل شيء نافذ الأمر في كل شيء‏.‏

وقال‏:‏ إن الحياة التي عندنا يقترن بها من إدراك خسيس وتحريك خسيس وأما هناك فالمشار إليه بلفظ الحياة‏:‏ هو كون العقل التام بالفعل الذي يتعقل من ذاته كل شيء وهو باق الدهر أزلي فهو حي بذاته باق بذاته‏.‏

عالم بذاته‏.‏

وإنما ترجع جميع صفاته إلى ما ذكرنا من غير تكثر ولا تغير في ذاته‏.‏

المسألة السادسة في أنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد‏.‏

قال‏:‏ الصادر الأول هو العقل الفعال لأن الحركات إذا كانت كثيرة ولكل متحرك فيجب أن يكون عدد المحركات بحسب عدد المتحركات فلو كانت المحركات والمتحركات تنسب إليه لا على ترتيب أول وثان بل جملة واحدة لتكثرت جهات ذاته بالنسبة إلى محرك محرك ومتحرك متحرك فتكثر بذاته‏.‏

وقد أقمنا البرهان على أنه واحد من كل وجه فلن يصدر عن الواحد من كل وجه إلا واحد وهو العقل الفعال‏.‏

وله في ذاته وباعتبار ذاته إمكان الوجود وباعتبار علته وجوب الوجود فتتكثر ذاته لا من جهة علته فيصدر عنه شيئان ثم يزيد التكثر في الأسباب فتتكثر المسببات والكل ينسب إليه‏.‏

المسألة السابعة في عدد المفارقات‏.‏

قال‏:‏ إذا كان عدد المتحركات مرتباً على عدد المحركات فتكون الجواهر المفارقة كثيرة على ترتيب‏:‏ أول وثان فلكل كرة متحركة محرك مفارق غير متناهي القوة يحرك كما يحرك المشتهي والمعشوق ومحرك آخر مزاول للحركة فيكون صورة للجرم السماوي فالأول عقل مفارق والثاني نفس مزاول فالمحركات المفارقة تحرك على أنها مشتهاة معشوقة والمحركات المزاولة تحرك على أنها مشتهية عاشقة‏.‏

ثم يطلب عدد المحركات من عدد حركات الأكر‏.‏

وذلك شيء لم يكن ظاهراً في زمانه وإنما ظهر بعد‏.‏

والأكر تسع لما دل الرصد عليها فالعقول المفارقة عشرة‏:‏ تسعة منها مدبرات النفوس التسعة المزاولة وواحد هو العقل الفعال‏.‏

المسألة الثامنة في أن الأول مبتهج بذاته‏.‏

قال أرسطوطاليس‏:‏ اللذة في المحسوسات هو الشعور بالملائم وفي المعقولات الشعور بالكمال الواصل إليه من حيث يشعر به‏.‏

فالأول مغتبط بذاته ملتذ بها لأنه يعقل ذاته على كمال حقيقتها وشرفها وإن جل عن أن ينسب إليه لذة انفعالية‏.‏

بل يجب أن يسمي ذلك‏:‏ بهجة وعلاء وبهاء‏.‏

كيف ونحن نلتذ بإدراك الحق ونحن مصروفون عنه مردودون في قضاء حاجات خارجة عما يناسب حقيقتنا التي نحن بها ناس وذلك لضعف عقولنا وقصورنا في المعقولات وانغماسنا في الطبيعة البدنية لكنا نتوصل على سبيل الاختلاس فيظهر لنا اتصال بالحق الأول فيكون كسعادة عجيبة في زمان قليل جداً وهذه الحال له أبداً وهو لنا غير ممكن لأنا مذنبون ولا يمكننا أن نشيم تلك البارقة الإلهية إلا خطفه وخلسة‏.‏

المسألة التاسعة في صدور نظام الكل وتربيته عنه‏.‏

قال‏:‏ قد بينا أن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب‏:‏ اثنان طبيعيان وواحد غير متحرك‏.‏

وقد بينا القول في الواحد غير المتحرك وأما الاثنان الطبيعيان فهما‏:‏ الهيولى والصورة أو العنصر والصورة وهما مبدأ الأجسام الطبيعية‏.‏

وأما العدم فيعد من المبادئ بالعرض لا بالذات‏.‏

فالهيولى جوهر قابل للصورة والصورة معنى ما يقترن بالجوهر فيصير به نوعاً كالجزء المقوم له لا كالعرض الحال فيه والعدم ما يقابل الصورة فإنا متى توهمنا أن الصورة لم تكن فيجب أن يكون في الهيولى عدم الصورة‏.‏**

**الباب الخامس

المرجئة

الإرجاء على معنيين‏:‏ أحدهما بمعنى‏:‏ التأخير كما في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ قالوا‏:‏ أرجه وأخاه ‏"‏ أي‏:‏ أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد‏.‏

وأما بالمعنى الثاني فظاهر فإنهم كانوا يقولون‏:‏ لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة‏.‏

وقيل‏:‏ الإرجاء‏:‏ تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة فلا يقضي عليه بحكم ما في الدنيا‏:‏ من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار‏:‏ فعلى هذا‏:‏ المرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان‏.‏

وقيل‏:‏ الإرجاء‏:‏ تأخير علي رضي الله عنه عن الدرجة الأولى إلى الرابعة فعلى هذا‏:‏ المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان‏.‏

والمرجئة‏:‏ أصناف أربعة‏:‏

مرجئة الخوارج ومرجئة القدرية

ومرجئة الجبرية وكذلك الغيلانية أصحاب غيلان الدمشقي أول من أحدث القول بالقدر والإرجاء‏.‏

ونحن إنما نعد مقالات المرجئة الخالصة منهم‏.‏

اليونسية

أصحاب‏:‏ يونس بن عون النميري‏.‏

زعم أن الإيمان هو‏:‏ المعرفة بالله والخضوع له وترك الاستكبار عليه والمحبة بالقلب فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان ولا يضر تركها حقيقة الإيمان ولا يعذب على ذلك إذا كان الإيمان خالصاً واليقين صادقاً‏.‏

وزعم أن إبليس كان عارفاً بالله وحده غير انه كفر باستكباره عليه‏:‏ أبى واستكبر وكان من الكافرين‏.‏

قال‏:‏ ومن تمكن في قلبه‏:‏ الخضوع لله والمحبة له على خلوص ويقين‏:‏ لم يخالفه في معصية وغن صدرت منه معصية فلا تضره بيقينه وإخلاصه‏.‏

إنما يدخل الجنة بإخلاصه ومحبته لا بعمله وطاعته العبيدية‏:‏ أصحاب‏:‏ عبيد المكتئب‏.‏

حكي عنه أنه قال‏:‏ مادون الشرك مغفور لا محالة وغن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات‏.‏

وحكى اليمان عن عبيد المكتئب وأصحابه‏:‏ انهم قالوا‏:‏ إن علم الله تعالى لم يزل شيئاً غيره وغن كلامه لم يزل شيئاً غيره وكذلك دين الله لم يزل شيئا ًغيره‏.‏

وزعم أن الله تعالى عن قولهم على صورة إنسان وحمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ‏"‏‏.‏

الغسانية

أصحاب غسان الكوفي‏.‏

زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وبرسله والإقرار بما أنزل الله وبما جاء به لرسول‏.‏

في الجملة دون التفصيل‏.‏

والإيمان‏:‏ لا يزيد ولا ينقص‏.‏

وزعم أن قائلاً لو قال‏:‏ أعلم أن الله تعالى قد حرم أكل الخنزير ولا أدري هل الخنزير الذي حرمه‏:‏ هذه الشاة أم غيرها كان مؤمناً‏.‏

لو قال‏:‏ أعلم أن الله تعالى قد فرض الحج إلى الكعبة غير أني لا أدري أين الكعبة ولعله بالهند‏:‏ كان مؤمناً‏.‏

ومقصودة‏:‏ أن أمثال هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان لا أنه كان شاكاً في هذه الأمور فإن عاقلاً لا يستجيز من عقله أن يشك في أن ومن العجيب‏!‏ أن غسان كان يحكي عن حنيفة رحمه الله مثل مذهبه ويعده من المرجئة ولعله كذب كذلك عليه‏.‏

لعمري‏!‏ كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه‏:‏ مرجئة السنة‏.‏

وعده كثير من أصحاب المقالات‏:‏ من جملة المرجئة ولعل السبب فيه‏:‏ أنه لما كان يقول‏:‏ الإيمان‏:‏ هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص‏:‏ ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان‏.‏

والرجل مع تخريجه في العمل كيف يفتي بترك العمل‏!‏‏.‏

وله سبب آخر والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر‏:‏ مرجئاً وكذلك الوعيدية من الخوارج فلا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريقي‏:‏ المعتزلة والخوارج‏.‏

والله أعلم‏.‏

الثوبانية

أصحاب‏:‏ أبي ثوبان المرجئ‏.‏

الذين زعموا‏:‏ إن الإيمان هو‏:‏ المعرفة والإقرار بالله تعالى وبرسله عليهم السلام وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله وما جاز في العقل تركه فليس من الإيمان‏.‏

وأخر العمل كله عن الإيمان‏.‏

ومن القائلين بمقالة أبي ثوبان هذا‏:‏ أبي مروان غيلان بن مروان الدمشقي وأبي شمر ومويس بن عمران والفضل الرقاشي ومحمد بن شبيب والعتابي وصالح قبة‏.‏

وكان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد وفي الإمامة‏:‏ إنه تصلح في غير قريش وكل من كان قائماً بالكتاب والسنة كان مستحقاً لها وأنها لا تثبت إلا بإجماع الأمة‏.‏

والعجب أن الأمة أجمعت على أنها لا تصلح لغير قريش وبهذا دفعت الأنصار عن قولهم‏:‏ منا والجماعة التي عددناها اتفقوا على أن الله تعالى لو عفا عن عاص في القيامة‏:‏ عفا عن كل مؤمن عاص هو في مثل حاله وإن أخرج من النار واحداً‏:‏ أخرج من هو في مثل حاله‏.‏

ومن العجب أنهم لم يجزموا القول بأن المؤمنين من أهل التوحيد يخرجون من النار لا محالة‏.‏

ويحكى عن مقاتل بن سليمان‏:‏ أن المعصية لا تضر صاحب التوحيد والإيمان وأنه لا يدخل النار مؤمن‏.‏**

**الدهكينية من سننهم‏:‏ أن يتخذوا صنماً على صورة امرأة وفوق رأسه تاج وله أيد كثيرة‏.‏

ولهم عيد في يوم من أيام السنة عند استواء الليل والنهار ودخول الشمس الميزان فيتخذون في ذلك اليوم عريشاً عظيماً بين يدي ذلك الصنم ويقربون إليه القرابين من الغنم وغيرها ولا يذبحونها ولكن يضربون أعناقها بين يديه بالسيوف‏.‏

ويقتلون من أصابوا من الناس قرباناً بالغيلة حتى ينقضي عيدهم وهم مسيئون عند عامة الهند بسبب الغيلة‏.‏

الجلهكية‏:‏ أي عباد الماء يزعمون أن الماء ملك ومعه ملائكة وأنه أصل كل شيء وبه كل ولادة ونمو ونشوء ويقاء وطهارة وعمارة‏.‏

وما من عمل في الدنيا إلا وهو محتاج إلى الماء‏.‏

فإذا أراد الرجل عبادته تجرد وستر عورته ثم دخل الماء إلى وسطه فيقيم ساعة أو ساعتين أو أكثر ويأخذ ما أمكنه من الرياحين فيقطعها صغاراً ويلقي فيه بعضها بعد بعض وهو يسبح ويقرأ‏.‏

وإذا أراد الانصراف حرك الماء بيده ثم أخذ منه فنقط به‏:‏ رأسه ووجهه وسائر جسده‏.‏

خارجاً‏.‏

ثم سجد وانصرف‏.‏

الأكنواطرية‏:‏ أي عباد النار زعموا‏:‏ أن النار أعظم العناصر جرماً وأوسعها حيزاً وأعلاها مكاناً وأشرفها جوهراً وأنورها ضياءً وإشراقاً وألطفها جسماً وكياناً‏.‏

والاحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع ولا كون في العالم إلا بها ولا حياة ولا نمو ولا انعقاد‏:‏ إلا بممازجتها‏.‏

وغنما عبادتهم لها أن يحفروا أخدوداً مربعاً في الأرض ويؤججو النار فيه ثم لا يدعون طعاماً لذيذاً ولا شراباً لطيفاً ولا ثوباً فاخراً ولا عطراً فائحاً ولا جوهراً نفيساً‏.‏

إلا طرحوه فيها تقرباً إليها وتبركاً بها‏.‏

وحرموا إلقاء النفوس فيها وإحراق الأبدان بها خلافاً لجماعة أخرى من زهاد الهند‏.‏

وعلى هذا المذهب أكثر ملوك الهند وعطائها‏:‏ يعظمون النار لجوهرها تعظيماً بالغاً ويقدمونها على الموجودات كلها‏.‏

ومنهم زهاد وعباد يجلسون حول النار صائمين يسدون منافسهم حتى لا يصل إليها من أنفاسهم نفس صدر عن صدر محروم‏.‏

وسنتهم‏:‏ الحث على الأخلاق الحسنة والمنع من أضدادها وهي الكذب والحسد والحقد

الباب الخامس حكماء الهند

انتقال الحكمة إلى الهند‏:‏ كان لفيثاغورس الحكيم اليوناني تلميذ يدعى قلانوس قد تلقى الحكمة منه وتلمذ له ثم صار إلى مدينة من مدائن الهند وأشاع فيها مذهب فيثاغورس‏.‏

انتشار حكمة فيثاغورس في الهند وكان برخمنين رجلاً جيد الذهن نافذ البصيرة صائب الفكر راغباً في معرفة العوالم العلوية‏.‏

قد أخذ من قلانوس الحكيم حكمته واستفاد منه علمه وصنعته‏.‏

فلما توفي قلانوس ترأس برخمنين على الهند كلهم فرغب الناس في تلطيف الأبدان وتذهيب الأنفس وكان يقول‏:‏ أي امرئ هذب نفسه وأسرع الخروج عن هذا العالم الدنس وطهر بدنه من أوساخه‏.‏

ظهر له كل شىء وعاين كل غائب وقدر على كل متعذر وكان محبوراً مسروراً ملتذاً عاشقاً لا يمل ولا يكل ولا يمسه نصب ولا لغوب‏.‏

فلما نهج لهم الطريق واحتج عليهم بالحجج المقنعة‏:‏ اجتهدوا اجتهاداً شديداً‏.‏

وكان يقول أيضاً‏:‏ إن ترك لذات هذا العالم هو الذي يلحقكم بذلك العالم حتى تتصلوا به وتنخرطوا في سلكه وتخلدوا في لذاته ونعيمه‏.‏

فدرس أهل الهند هذا افتراق أهل الهند بعد برخمينن ثم توفي عنهم برخمنين وقد تجسم القول في عقولهم لشدة الحرص والعجلة في اللحاق بذلك العالم‏.‏

فافترقوا فرقتين‏:‏ فرقة قالت‏:‏ إن التناسل في هذا العالم هو الخطأ الذي لا خطأ أبين منه إذ هو نتيجة اللذة الجسدانية وثمرة النطفة الشهوانية فهو حرام وما يؤدي إليه من الطعام اللذيذ والشراب الصافي وكل ما يهيج الشهوة واللذة الحيوانية وينشط القوة البهيمية‏.‏

فهو حرام أيضاً فاكتفوا بالقليل من الغذاء على قدر ما تثبت به أبدانهم‏.‏

ومنهم من كان لا يرى ذلك القليل أيضاً ليكون لحاقه بالعالم الأعلى أسرع‏.‏

ومنهم من إذا رأى عمره قد تنفس ألقى بنفسه في النار تزكية لنفسه وتطهيراً لبدنه وتخليصاً لروحه‏.‏

ومنهم من يجمع ملاذ الدنيا من الطعام والشراب والكسوة فيمثلها نصب عينيه لكي يراها البصر وتتحرك نفسه البهيمية إليها فتشتاقها وتشتهيها فيمنع نفسه عنها بقوة النفس المنطقية‏.‏

حتى يذبل البدن وتضعف النفس وتفارق البدن لضعف الرباط الذي كان يربطها به‏.‏

وأما الفريق الآخر فإنهم كانوا يرون‏:‏ التناسل والطعام والشراب‏.‏

وسائر اللذات بالقدر الذي هو طريق الحق‏:‏ حلالاً‏.‏

وقليل منهم‏:‏ من يتعدى عن الطريق ويطلب الزيادة‏.‏

الفيثاغوريون الهنود وكان قوم من الفريقين سلكوا مذهب فيثاغورس من الحكمة والعلم فتلطفوا حتى صاروا يظهرون على ما في أنفس أصحابهم من الخير والشر ويخبرون بذلك فيزيدهم ذلك حرصاً على رياضة الفكر وقهر النفس الأمارة بالسوء واللحوق بما لحق به أصحابهم‏.‏

ومذهبهم في الباري تعالى‏:‏ أنه نور محض إلا أنه لابس جسداً ما‏:‏ يستمر به لئلا يراه إلا من استأهل رؤيته واستحقها كالذي يلبس في هذا العالم جلد حيوان فإذا خلعه نظر إليه من وقع بصره عليه وإذا لم يلبسه لم يقدر أحد من النظر إليه‏.‏

ويزعمون‏:‏ أنهم كالسبايا في هذا العالم فإن من حارب النفس الشهوية حتى منعها عن ملاذها فهو الناجي من دنيات العالم السفلى ومن لم يمنعها بقي أسيراً في بدنها‏.‏

والذي يريد أن يحارب هذا أجمع فإنما يقدر على محاربتها بنفي التجبر والعجب وتسكين الشهوة والحرص والبعد عما يدل عليها ويوصل إليها‏.‏

الإسكندر وحكماء الهند ولما وصل الإسكندر إلى تلك الديار وأراد محاربتهم صعب عليه افتتاح مدينة أحد الفريقين وهم اللذين كانوا يرون استعمال اللذات في هذا العالم بقدر القصد الذي لا يخرج إلى فساد البدن فجهد حتى افتتحها وقتل منهم جماعة من أهل الحكمة فكانوا يرون جثث قتلاهم مطروحة كأنها جثث السمك الصافية النقية التي في الماء الصافي فلما رأوا ذلك ندموا على فعلهم ذلك بهم وأمسكوا عن الباقين‏.‏**

**فالبسائط حدوثها إبداعي غير زماني والمركبات حدوثها بوسائط البسائط حدوث زماني‏.‏

وقال‏:‏ إن العالم لا يفسد فساداً كلياً‏.‏

ويحكى عنه في سؤاله عن طيماوس‏:‏ ما الشيء الذي لا حدوث له وما الشيء الحادث وليس بباق وما الشيء الموجود بالفعل وهو أبدأ بحال واحدة‏.‏

وإنما يعنى بالأول وجود الباري تعالى وبالثاني وجود الكائنات الفاسدات التي لا تثبت على حالة واحدة‏.‏

وبالثالث وجود المبادئ والبسائط التي لا تتغير‏.‏

ومن أسئلته‏:‏ ما الشيء الكائن ولا وجود له وما الشيء الموجود ولا كون له‏.‏

وإنما يعنى بالأول الحركة المكانية والزمان لأنه لم يؤهله لاسم الوجود ويعنى بالثاني الجواهر العقلية التي هي فوق الزمان والحركة والطبيعة وحق لها اسم الوجود إذ لها السرمد والبقاء والدهر‏.‏

ويحكى عنه أنه قال‏:‏ إن الأسطقسات لم تزل تتحرك حركة مشوهة مضطربة غير ذات نظام وإن الباري تعالى نظمها ورتبها فكان هذا العالم‏.‏

وربما عبرة عن الأسطقسات بالأجزاء اللطيفة وقيل‏:‏ إنه عنى بها الهيولى الأزلية العارية عن الصور حتى اتصلت الصور والأشكال بها فترتبت وانتظمت‏.‏

ورأيت في راموز له أنه قال‏:‏ إن النفوس كانت في عالم الذكر مغتبطة مبتهجة بعالمها وما فيه من الروح والبهجة والسرور فأهبطت إلى هذا العالم حتى تدرك الجزئيات وتستفيد ما ليس لها بذاتها بواسطة القوى الحسية فسقطت رياشها قبل الهبوط فهبطت حتى يستوي ريشها وتطير إلى عالمها بأجنحة مستفادة من هذا العالم وحكى ارسطوطاليس عنه‏:‏ أنه أثبت المبادئ خمسة أجناس‏:‏ الجوهر والاتفاق والاختلاف والحركة والسكون‏.‏

ثم فسر كلامه فقال‏:‏ أما الجوهر فنعني به الوجود وأما الاتفاق فلأن الأشياء متفقة بأنها من الله تعالى وأما الاختلاف فلأنها مختلفة في صورها وأما الحركة فلأن لكل شيء من الأشياء فعلاً خاصاً‏.‏

وذلك نوع من الحركة لا حركة النقلة وإذا تحرك نحو الفعل وفعل فله سكون بعد ذلك لا محالة‏.‏

قال‏:‏ وأثبت البخت أيضاً مبدأً سادساً وهو نطق عقلي وناموس لطبيعة الكل وقال جرجيس‏:‏ إنه قوة روحانية مدبرة للكل وبعض الناس يسميه‏:‏ جداً وزعم الرواقيون‏:‏ أنه نظام لعلل الأشياء وللأشياء المعلولة‏.‏

وزعم بعضهم‏:‏ أن علل الأشياء ثلاثة‏:‏ المشتري والطبيعة والبخت‏.‏

وقال أفلاطون‏:‏ إن في العالم طبيعة عامة تجمع الكل وفي كل واحد من المركبات طبيعة خاصة وحد الطبيعة بأنها‏:‏ مبدأ الحركة والسكون في الأشياء أي مبدأ التغير وهي قوة سارية في الموجودات كلها تكون السكنات والحركات بها فطبيعة الكل محركة الكل‏.‏

والمحرك الأول يجب أن يكون ساكناً وإلا تسلسل القول فيه إلى ما لا نهاية له‏.‏

حكي أرسطو طاليس في مقالة الألف الكبرى من كتاب ما بعد الطبيعة‏:‏ أن أفلاطون كان يختلف في حداثته إلى أقراطيلوس فكتب عنه ما روى عن هرقليطس‏:‏ أن جميع الأشياء المحسوسة فاسدة وأن العلم لا يحيط بها‏.‏

ثم اختلف بعده إلى سقراط وكان مذهبه طلب الحدود دون النظر في طبائع المحسوسات وغيرها فظن أفلاطون أن نظر سقراط في غير الأشياء المحسوسة لأن الحدود ليست للمحسوسات لأنها إنما تقع على أشياء دائمة كلية أعني‏:‏ الأجناس‏.‏

والأنواع‏.‏

فعند ذلك‏:‏ سمى أفلاطون الأشياء الكلية صوراً لأنها واحدة ورأى أن المحسوسات لا تكون إلا بمشاركة الصور‏.‏

إذاً‏:‏ كانت الصور رسوماً ومثالات لها‏.‏

متقدمة عليها‏.‏

وإنما وضع سقراط الحدود مطلقاً لا باعتبار المحسوس وغير المحسوس‏.‏

وأفلاطون ظن أنه وضعها لغير المحسوسات فأثبتها مثلاً عامة‏.‏

وقال أفلاطون في كتاب النواميس‏:‏ إن الأشياء التي لا ينبغي للإنسان أن يجهلها منها‏:‏ أن له صانعاً وأن صانعه يعلم أفعاله‏.‏

وذكر‏:‏ أن الله تعالى إنما يعرف بالسلب أي‏:‏ لا شبيه له ولا مثاله‏.‏

أنه أبدع العالم من لا نظام إلى نظام وأن كل مركب فهو إلى الانحلال وأنه لن يسبق العالم زمان ولم يبدع عن شيء‏.‏

ثم إن الأوائل اختلفوا في الإبداع والمبدع‏:‏ هل هما عبارتان عن معبر واحد أم للإبداع نسبة إلى المبدع ونسبة إلى المبدع وكذلك في الإرادة‏:‏ إنها المراد أم المريد على حسب اختلاف متكلمي الإسلام في‏:‏ الخلق والمخلوق والإرادة‏:‏ إنها‏:‏ خلق أم مخلوقة أم صفة في الخالق‏.‏

قال انكساغورس بمذهب فلوطرخيس‏:‏ إن الإرادة ليست هي غير المراد ولا غير المريد وكذلك الفعل لأنهما لا صورة لهما ذاتية وإنما يقومان بغيرهما‏.‏

فالإرادة‏:‏ مرة تكون مستبطنة في المريد ومرة ظاهرة في المراد وكذلك الفعل‏.‏

وأما أفلاطون وأرسطوطاليس فلا يقبلان هذا القول وقالا‏:‏ إن صورة الإرادة وصورة الفعل قائمتان وهما أبسط من صورة المراد كالقاطع للشيء هو المؤثر وأثره في الشيء والمقطوع هو المؤثر فيه القابل للأثر والمؤثر فيه هو الأثر وهو محال فصورة المبدع فاعلة وصورة المبدع مفعولة وصورة الإبداع متوسطة بين الفاعل والمفعول‏.‏

فللفعل‏:‏ صورة وأثر فصورته من جهة المبدع‏.‏

وأثره من جهة المبدع‏.‏

والصورة من جهة المبدع في حق الباري تعالى ليست زائدة على ذاته حتى يقال صورة إرادة وصورة باري مفترقتان بل هي حقيقة واحدة‏.‏

وأما برمنيدس الأصغر فإنه أجاز قولهم في الإرادة ولم يجزه في الفعل وقال‏:‏ إن الإرادة تكون بلا توسط من الباري تعالى‏:‏ فأجاز ما وصفوه‏.‏

وأما الفعل فيكون بتوسط منه وليس ما هو بلا توسط كالذي يكون بتوسط بل الفعل قط لن يتحقق إلا بتوسط الإرادة ولا ينعكس‏.‏

وأما الأولون مثل‏:‏ تاليس وأبندقليس فقد قالوا الإرادة من جهة المبدع هي المبدع ومن جهة المبدع هي المبدع‏.‏

وفسروا هذا بأن الإرادة من جهة الصورة هي المبدع ومن جهة الأثر هي المبدع‏.‏

ولا يجوز أن يقال إنها من جهة الصورة هي المبدع لأن صورة الإرادة عند المبدع قبل أن يبدع فغير جائز أن تكون ذات صورة الشيء الفاعل هي المفعول بل من جهة أثر ذات الصورة هي المفعول‏.‏

ومذهب أفلاطون وأرسطوطاليس هذا بعينه‏.‏

وفي الفصل انغلاق‏.‏**

**الباب الثاني

الحكماء الأصول الذين هم من القدماء

إلا أنا لم نجد لهم رأياً في المسائل المذكورة غير حكم مرسلة عملية أوردناها لئلا تشذ مذاهبهم عن القسمة ولا يخلو الكتاب عن تلك الفوائد‏.‏

فمنهم الشعراء الذين يستدلون بشعرهم‏.‏

وليس شعرهم على وزن وقافية ولا الوزن والقافية ركن في الشعر عندهم بل الركن في الشعر عندهم إيراد المقدمات المخيلة فحسب‏.‏

ثم قد يكون الوزن والقافية معينين في التخيل‏.‏

فإن كانت المقدمة التي نوردها في القياس الشعري مخيلة فقط تمحض القياس شعرياً وإن انضم إليها قول إقناعي يقينياً تركبت المقدمة من معينين شعري وإقناعي وإن كان الضميم إليه قولاً يقينياً تركبت المقدمة من شعري وبرهاني‏.‏

ومنهم النساك ونسكهم وعبادتهم عقلية لا شرعية ويقتصر ذلك على تهذيب النفس عن الأخلاق الذميمة وسياسة المدينة الفاضلة التي هي الجنة الإنسانية‏.‏

وربما وجدنا لبعضهم رأياً في بعض المسائل المذكورة أعني‏:‏ المبدع والإبداع وأنه عالم وأن أول ما أبدعه ماذا وأن المبادئ كم هي وأن المعاد كيف يكون‏.‏

وصاحب الرأي الموافق للأوائل المذكورين أوردنا اسمه وذكرنا مقالته وإن كانت كالمكروه‏.‏

نبتدئ بهم ونجعل فلوطرخيس مبدأ آخر‏.‏

رأي فلوطرخيس قيل إنه أول من شهر بالفلسفة‏.‏

ونسبت إليه المحكمة‏.‏

تفلسف بمصر‏.‏

ثم سار إلى ملطية وأقام بها‏.‏

وقد يعد من الأساطين‏.‏

قال‏:‏ إن الباري تعالى لم يزل بالأزلية التي هي أزلية الأزليات وهو مبدع فقط‏.‏

وكل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته عنده أي كانت معلومة له‏.‏

فالصور عنده بلا نهاية أي المعلومات بلا نهاية‏.‏

قال‏:‏ ولو لم تكن الصور عنده ومعه لما كان إبداع ولا بقاء للمبدع ولو لم تكن باقية دائمة لكانت تدثر بدثور الهيولى ولو كان ذلك كذلك لارتفع الرجاء والخوف ولكن لما كانت الصور باقية دائمة ولها الرجاء والخوف‏:‏ كان ذلك دليلاً على أن الصور أزلية في علمه تعالى‏.‏

قال‏:‏ ولا وجه إلا القول بأحد الأقوال‏:‏ إما أن يقال‏:‏ الباري تعالى لا يعلم شيئاً البتة وهذا من المحال الشنيع وأما أن يقال‏:‏ يعلم بعض الصور دون بعض وهذا من النقص الذي لا يليق بكمال الجلال وإما أن يقال‏:‏ يعلم جميع الصور والمعلومات وهذا هو الرأي الصحيح‏.‏

ثم قال‏:‏ إن أصل المركبات هو الماء فإنه إذا تخلخل صافياً وجد ناراً وإذا تخلخل وفيه بعض الثقل صار هواء وإذا تكاثف تكاثفاً مبسوطاً بالغاً صار أرضاً‏.‏

وحكى فلوطرخيس أن هيرقليطس زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت وجوهر البخت هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي‏.‏

والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

رأي أكسنوفانس كان يقول‏:‏ إن المبدع الأول هو آنية أزلية دائمة ديمومة القدم لاتدرك بنوع صفة منطقية ولا عقلية مبدع كل صفة وكل نعت نطقي وعقلي فإذا كان هذا هكذا فقولنا‏:‏ إن صور ما في هذا العالم المبدعة لم تكن عنده أو كانت أو كيف أبدع ولم أبدع‏.‏

محال لأن العقل مبدع والمبدع مسبوق بالمبدع والمسبوق لا يدرك السابق أبداً فلا يجوز أن يصف المسبوق السابق‏.‏

بل نقول‏:‏ إن المبدع أبدع كيفما أحب وكيفما شاء فهو هو ولا شيء معه‏.‏

قال‏:‏ وهذه الكلمة أعنى‏:‏ هو ولا شيء بسيطاً ولا مركباً معه وهو مجمع كل ما نطلبه من العلم لأنك إذا قلت ولا شيء معه فقد نفيت عنه‏:‏ أزلية الصورة والهيولى وكل مبدع من صورة وهيولى وكل مبدع من صورة فقط‏.‏

ومن قال أن الصور أزلية مع آنيته فليس هو فقط بل هو وأشياء كثيرة فليس هو مبدع للصور بل كل صورة إنما أظهرت ذاتها فعند إظهارها ذاتها ظهرت هذه العوالم‏.‏

وهذه أشنع ما يكون من القول‏.‏

وكان تيرز والقادميون يقولان‏:‏ ليست أوائل البتة ولا معقول قبل المحسوس بحال فلا مثل بدعة الأشياء مثل الذي يفرخ من ذاته بلا حدث ولا فعل ظهر فلا يزال يخرجه من القوة إلى الفعل حتى يوجد فيكمل فنحسه وندركه وليس شيء معقول البتة‏.‏

والعالم دائم لا يزول ولا يفنى فإن المبدع لا يجوز أن يفعل فعلاً يدثر إلا وهو داثر مع دثور فعله وذلك محال‏.‏

رأي زينون الأكبر زينون الأكبر ابن ماوس‏:‏ من أهل قنطس‏.‏

كان يقول‏:‏ إن المبدع الأول كان في علمه صورة إبداع كل جوهر وصورة دثور كل جوهر فإن علمه غير متناه والصور التي فيه من حيث الإبداع غير متناهية وكذلك صور الدثور غير متناهية فالعوالم تتجدد في كل حين وفي كل دهر فما كان منها مشاكلاً لنا أدركنا حدود وجوده ودثوره بالحواس والعقل وما كان غير مشاكل لنا لم ندركه إلا أنه ذكر وجه التجدد فقال‏:‏ إن الموجودات باقية دائرة‏:‏ أما بقاؤهما فبتجدد صورها وأما دثورها فبدثور الصورة الأولى عند تجدد الأخرى‏.‏

وذكر أن الدثور قد يلزم الصورة والهيولى معاً‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ إن الشمس والقمر والكواكب تستمد القوة من جوهر السماء فإذا تغيرت السماء تغيرت النجوم أيضاً‏.‏

ثم هذه الصور كلها‏:‏ بقاؤها ودثورها في علم الباري تعالى والعلم يقتضي بقاءها دائماً وكذلك الحكمة تقتضي ذلك لأن بقاءها على هذه الحال أفضل‏.‏

والباري تعالى قادر على أن يفني العوالم يوماً ما إن أراد‏.‏

وهذا الرأي و وقد مال إليه الحكماء المنطقيون الجدليون دون الإلهيين‏.‏**

**وحكى فلوطرخيس أن زينون كان يزعم أن الأصول هي الله عز وجل والعنصر فقط فالله هو العلة الفاعلة والعنصر هو المنفعل‏.‏

حكمه‏:‏ قال‏:‏ أكثروا من الإخوان فإن بقاء الإخوان كما أن شفاء الأبدان بالأدوية‏.‏

وقيل‏:‏ رأى زينون فتى على شاطئ البحر محزوناً يتلهف على الدنيا فقال له‏:‏ يا فتى‏!‏ ما يلهفك على الدنيا لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر قد انكسرت السفينة وأشرفت على الغرق كانت غاية مطلوبك النجاة وتفوت كل ما في يدك قال‏:‏ نعم قال‏:‏ لو كنت ملكاً على الدنيا وأحاط بك من يريد قتلك‏:‏ كان مرادك النجاة من يده وتفوت كل ملكك قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فأنت الغني وأنت الملك الآن فتسلى الفتى‏.‏

وقال لتلميذه‏:‏ كن بما تأتي من الخير مسروراً وبما تجتنب من الشر محبوراً‏.‏

وقيل له‏:‏ أي الملوك أفضل‏:‏ ملك اليونانيين أم ملك الفرس قال‏:‏ من ملك غضبه وشهوته‏.‏

وسئل عد أن هرم‏:‏ ما حالك قال‏:‏ هو ذا أموت قليلا قليلا على مهل‏.‏

وقيل له‏:‏ إذا مت‏!‏ من يدفنك‏.‏

قال‏:‏ من يؤذيه نتن جيفتي‏.‏

وسئل‏:‏ ما لذي يهرم قال‏:‏ الغضب والحسد وأبلغ منهما الغم‏.‏

وقال‏:‏ الفلك تحت تدبيره‏.‏

ونعى إليه ابنه فقال‏:‏ ما ذهب ذلك على إنما ولدت ولداً يموت وما ولدت ولداً لا يموت‏.‏

وقال‏:‏ لا تخف موت البدن ولكن يجب عليك أن تخاف موت النفس‏.‏

فقيل له‏:‏ لما قلت خف موت النفس والنفس الناطقة عندك لا تموت فقال‏:‏ إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى حد البهيمية وإن كان جوهرها لا يبطل فقد ماتت من العيش العقلي‏.‏

وقال‏:‏ أعط الحق من نفسك فإن الحق يخصمك إن لم تعطه حقه‏.‏

وقال‏:‏ محبة المال وتد الشر لأن سائر الآفات تتعلق بها ومحبة الشرف وتد العيوب لأن سائر العيوب متعلقة بها‏.‏

وقال‏:‏ أحسن مجاورة النعم فتنعم بها ولا تسيء بها فتسيء بك‏.‏

وقال‏:‏ إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته وإذا أدركها الطالب لها قتلته‏.‏

وقيل له وكان لا يقتي إلا قوت يومه‏:‏ إن الملك يبغضك فقال‏:‏ وهل يحب الملك من هو أغنى منه‏.‏

وسئل‏:‏ بأي شيء يخالف الناس في هذا الزمان البهائم فقال‏:‏ بالشرور‏.‏

قال‏:‏ وما رأينا العقل قط إلا خادماً للجهل وفي رواية للسجزي إلا خادماً للجد والفرق بينهما ظاهر فإن الطبيعة ولوازمها إذا كانت مستولية على العقل‏:‏ استخدمه الجهل وإذا كان ما قسم للإنسان من الخير والشر فوق تدبيره العقلي‏:‏ كان الجد مستخدماً للعقل ويعظم جد الإنسان ما يعقل وليس يعظم العقل ما يجد ولهذا‏!‏ خيف على صاحب الجد ما لم يخف على صاحب العقل‏.‏

والجد‏:‏ أصم أخرس لا يفقه ولا ينقه وإنما هو ريح تهب وبرق يلمع ونار تلوح وصحو يعرض وحلم يمتع‏.‏

وهذا اللفظ أولى فإنه عمم الحكم فقال ما رأينا العقل قط وقد يعرض للعقل أن يرى ولا يستخدمه الجهل وذلك هو الأكثر‏.‏

وقال زينون‏:‏ في الجرادة خلقة سبعة جبابرة‏:‏ رأسها راس فرس وعنقها عنق ثور وصدرها صدر أسد وجناحها جناح رأي ديمقريطيس وشيعته كان يقول في المبدع الأول‏:‏ إنه ليس هو العنصر فقط ولا العقل فقط بل الأخلاط الأربعة وهي الاسطقسات‏:‏ أوائل الموجودات كلها ومنها أبدعت الأشياء البسيطة كلها دفعة واحدة وأما المركبة فإنها كونت دائمة داثرة إلا أن ديمومتها بنوع ودثورها بنوع‏.‏

ثم إن العالم بجملته باق غير داثر لأنه ذكر أن هذا العالم متصل بذلك العالم الأعلى كما أن عناصر هذه الأشياء متصلة بلطيف أرواحها الساكنة فيها‏.‏

والعناصر وإن كانت تدثر في الظاهر فإن صفوها من الروح البسيط الذي فيها فإذا كان كذلك فليس يدثر إلا من جهة الحواس فأما من نحو العقل فإنه ليس يدثر فلا يدثر هذا العالم إذا كان صفوها فيه وصفوه متصل بالعوالم البسيطة‏.‏

وإنما شنع عليه الحكماء من جهة قوله‏:‏ إن أول مبدع هو العناصر وبعدها أبدعت البسائط الروحانية فهو يرتقي من الأسفل إلى الأعلى ومن الأكدر إلى الأصفى‏.‏

ومن شيعته فليوخوس إلا أنه خالفه في المبدع الأول وقال بقول سائر الحكماء غير أنه قال‏:‏ إن المبدع الأول هو مبدع الصورة فقط دون الهيولى فإنها لم تزل مع المبدع‏.‏

فأنكروا عليه وقالوا‏:‏ إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة‏:‏ لما قبلت الصور ولما تغيرت منحال إلى حال ولما قبلت فعل غيرها إذ الأزلي لا يتغير‏.‏

وهذا الرأي مما كان يعزى إلى أفلاطون الإلهي والرأي في نفسه مزيف والعزوة إليه غير صحيحة‏.‏

ومما نقل عن ديمقريطيس وزينون الأكبر وفيثاغورث أنهم كانوا يقولون‏:‏ إن الباري تعالى متحرك بحركة فوق هذه الحركة الزمانية‏.‏

وقد أشرنا إلى المذهبين وبينما المراد بإضافة الحركة والسكون إلى الله تعالى‏.‏

ونزيده شرحا من احتجاج كل فريق على صاحبه‏.‏

قال أصحاب السكون‏:‏ إن الحركة لا تكون أبداً إلا ضد السكون والحركة لا تكون إلا بنوع زمان إما ماض وإما مستقبل والحركة لا تكون إلا مكانية إما منتقلة وإما مستوية ومن المستوية تكون الحركة المستقيمة والحركة المعوجة والمكانية تكون مع الزمان فلو كان الباري تعالى متحركاً لكان داخلاً في الدهر والزمان‏.‏

قال أصحاب الحركة‏:‏ إن حركته أعلى من جميع ما ذكرتموه وهو مبدع الدهر والمكان وإبداعه ذلك هو يعنى بالحركة‏.‏

والله أعلم‏.‏

رأي فلاسفة أقاديما كانوا يقولون‏:‏ إن كل مركب ينحل ولا يجوز أن يكون مركباً من جوهرين متفقين في جميع الجهات وإلا فليس بمركب فإذا كان هذا هكذا فلا محالة أنه إذا انحل المركب رحل كل جوهر فاتصل بالأصل الذي كان منه فما كان منها بسيطاً روحانياً لحق بعالمه الروحاني البسيط والعالم الروحاني باق غير داثر ويرجع حتى يصل إلى ألطف من كل لطيف فإذا لم يبق من اللطافة شيء اتحد باللطيف الأول المتحد به فيكونان متحدين إلى الأبد وإذا اتحدت الأواخر بالأوائل وكان الأول هو أول مبدع ليس بينه وبين مبدعه جوهر آخر متوسط فلا محالة أن ذلك المبدع الأول متعلق بنور مبدعه فيبقى خالداً دهر الدهور‏.‏

وهذا الفصل أيضاً قد نقل عنهم وهو يتعلق بالمعاد لا بالمبدأ وهؤلاء يسمون‏:‏ مشائي أقاديما وأما المشاءون المطلق فهم‏.‏

أهل لوقيون وكان أفلاطون يلقن الحكمة ماشياً تعظيماً لها وتابعه على ذلك **

**أرسطوطاليس‏.‏

ويسمى هو وأصحابه‏:‏ المشائين‏.‏

وأصحاب الرواق هم أهل المظال‏.‏

وكان لأفلاطون تعليمات‏:‏ تعليم كليس وهو الروحاني الذي لا يدرك بالبصر ولكن بالفكر اللطيف وتعليم كأيس وهو الهيولانيات‏.‏

والله الموفق للصواب‏.‏

رأي هرقل الحكيم كان يقول‏:‏ إن الباري تعالى هو النور الحق الذي لا يدرك من جهة عقولنا لأنها أبدعت من ذلك النور الأول الحق وهو اسم الله حقاً وهو اسم الله باليونانية حقاً‏.‏

إنها تدل عليه إنه مبدع الكل‏.‏

وهذا الاسم عندهم شريف جداً‏.‏

وكان يقول‏:‏ إن بدء الخلق وأول شيء أبدع والذي هو أول لهذه العوالم هو المحبة والمنازعة‏.‏

وقال هرقل‏:‏ السماء كرة متحركة من ذاتها والأرض مستديرة ساكنة جامدة بذاتها ة الشمس حللت كل ما فيها من الرطوبة فاجتمعت فيها فصار البحر والذي حجرت الشمس ونفذت فيه حتى لم تذر فيه شيئاً من الرطوبة صار منه‏:‏ الحصى والحجارة والجبل وما لم تنفذ فيه الشمس أكثر ولم تنزع عنه الرطوبة كلها فهو التراب‏.‏

وكان يقول إن السماء في النشأة الأخرى تصير بلا كواكب لأن الكواكب تهبط سفلاً حتى تحيط بالأرض وتلتهب فيصير متصلاً ببعضها البعض حتى تكون كالدائرة وحول الأرض وإنما يهبط منها ما كان من أجزائها ناراً محصنة ويصعد منها ما كان نوراً محصناً فتبقى النفوس الشريرة الدنسة الخبيثة في هذا العالم الذي أحاط به النار إلى الأبد في عقاب السرمد وتصعد النفوس الشريفة الخالصة الطيبة إلى العالم الذي تمحض نوراً وبهاءً وحسناً في ثواب السرمد‏.‏

وهناك‏:‏ الصور الحسان لذات البصر والألحان الشجية لذات السمع ولأنها أبدعت بلا توسط مادة وتركب اسطقسات فهي‏:‏ جواهر شريفة روحانية نورانية‏.‏

وقال‏:‏ إن الباري تعالى يمسح تلك الأنفس في كل دهر مسحة فيتجلى لها حتى تنظر إلى نوره المحض الخارج من جوهره الحق فحينئذ يشتد عشقها وشوقها ونورها ومجدها‏.‏

فلا تزال كذلك دائماً إلى الأبد‏.‏

رأي أبيقورس خالف الأوائل في الأوائل‏.‏

قال المبادئ اثنان‏:‏ الخلاء والصورة أما الخلاء فمكان فارغ وأما الصورة فهي فوق المكان والخلاء ومنها أبدعت الموجودات وكل ما كون منها فإنه ينحل إليها فمنها المبدأ وإليها المعاد‏.‏

وربما يقول‏:‏ الكل يفسد وليس بعد الفراق حساب ولا قضاء ولا مكافئة ولا جزاء بل كلها تضمحل وتدثر‏.‏

والإنسان كالحيوان مرسل مهمل في هذا العالم‏.‏

والحالات التي ترد على الأنفس في هذا العالم كلها من تلقائها على قدر حركاتها وأفاعيلها فإن فعلت خيراً وحسناً فيرد عليها سرور الفرح وإن فعلت شراً وقبيحاً فيرد عليها حزن وترح‏.‏

وإنما سرور كل نفس بالأنفس الأخرى وكذا حزنها مع الأنفس الأخرى‏.‏

بقدر ما يظهر لها من أفاعيل‏.‏

وتبعه جماعة من التناسخية على هذا الرأي حكم سولون الشاعر وكان عند الفلاسفة من الأنبياء العظام بعد هرمس وقبل سقراط وأجمعوا على تقديمه والقول بفضائله‏.‏

قال سولون لتلميذه‏:‏ تزود من الخير وأنت مقبل خير لك من أن تتزود منه وأنت مدبر‏.‏

وقال‏:‏ من فعل خيراً فليتجنب ما خالفه وإلا دعي شريراً‏.‏

وقال‏:‏ إذا عرضت عليك فكرة سوء فادفعها عن نفسك ولا ترجع باللائمة على غيرك لكن ما رأيك بما أحدث عليك‏.‏

وقال‏:‏ إن فعل الجاهل في خطابه أن يذم غيره وفعل طالب الأدب أن يذم نفسه وفعل الأديب أن لا يذم نفسه ولا غيره‏.‏

وقال‏:‏ إذا انكب الدن وأريق الشراب وانكسر الإناء‏.‏

فلا تغتم بل قل‏:‏ كما أن الأرباح لا تكون إلا فيما يباع ويشترى كذلك الخسرانات لا تكون إلا في الموجودات فانفي الغم والخسارة عنك فإن لكل ثمناً وليس يجيء بالمجان‏.‏

وسئل‏:‏ أيما أحمد في الصبا‏:‏ الحياء أم الخوف قال‏:‏ الحياء لأن الحياء يدل على العقل والخوف يدل على المقة والشهوة‏.‏

وقال لابنه دع المزاح فإن المزاح لقاح الضغائن‏.‏

وسأله رجل فقال‏:‏ هل ترى أن أتزوج أم أدع قال‏:‏ أي الأمرين فعلت ندمت عليه‏.‏

وسئل‏:‏ أي شيء أصعب على الإنسان قال‏:‏ أن يعرف عيب نفسه وأن يمسك عما لا يتكلم به‏.‏

ورأى رجلاً عثر فقال له‏:‏ لأن تعثر برجلك خير من أن تعثر بلسانك‏.‏

وسئل‏:‏ ما الحياة فقال‏:‏ التمسك بأمر الله تعالى‏.‏

وسئل‏:‏ ما النوم فقال‏:‏ النوم موتة خفيفة والموت نومة طويلة‏.‏

وقال‏:‏ ليكن اختارك من الأشياء حديثها‏.‏

ومن الإخوان أقدمهم‏.‏

وقال‏:‏ أنفع العلم ما أصابته الفكرة وأقله نفعاً ما قلته بلسانك‏.‏

وقال‏:‏ ينبغي أن يكون المرء‏:‏ حسن الشكل في صغره وعفيفاً عند إدراكه وعدلاً في شبابه وذا رأي في كهلولته وحافظاً للستر عند الفناء حتى لا تلحقه الندامة‏.‏

وقال‏:‏ ينبغي للشاب أن يستعد لشيخوخته مثل ما يستعد الإنسان للشتاء من البرد الذي يهجم عليه‏.‏

وقال‏:‏ يا بني‏!‏ احفظ الأمانة تحفظك وصنها حتى تصان‏.‏

وقال‏:‏ جوعوا إلى الحكمة واعطشوا إلى عبادة الله تعالى قبل أن يأتيكم المانع منهما‏.‏

وقال لتلامذته‏:‏ لا تكرموا الجاهل فيستخف بكم ولا تتصلوا بالأشرار فتعدوا فيهم ولا تعتمدوا الغنى إن كنتم تلامذة الصدق ولا تهملوا أمر أنفسكم في أيامكم ولياليكم ولا تستخفوا بالمساكين في جميع أوقاتكم‏.‏

وكتب إليه بعض الحكماء يستوصفه أمر عالمي العقل والحس فقال‏:‏ أما عالم العقل فدار ثبات وسئل‏:‏ ما فضل علمك على علم غيرك قال‏:‏ معرفتي بأن علمي قليل‏.‏

وقال‏:‏ أخلاق محمودة وجدتها في الناس إلا أنها إنما توجد في قليل‏:‏ صديق يحب صديقه غائباً كمحبته حاضراً وكريم يكرم الفقراء كما يكرم الأغنياء ومقر بعيوبه إذا ذكرت وذاكر يوم نعيمه في يوم بؤسه ويوم بؤسه في يوم نعيمه وحافظ لسانه عند غضبه‏.‏

وآمر بالمعروف دائماً‏.‏ **

**حكم بطلميوس وهو صاحب المجسطى الذي تكلم في هيئات الفلك واخرج علم الهندسة من القوة إلى الفعل‏.‏

فمن حكمه أنه قال‏:‏ ما أحسن الإنسان أن يصبر عما اشتهى وأحسن منه أن لا يشتهي إلا ما ينبغي‏.‏

وقال‏:‏ الحليم الذي إذا صدق صبر لا الذي إذا قذف كظم‏.‏

وقال‏:‏ لمن يغني الناس ويسأل أشبه بالملوك ممن يستغني بغيره ويسأل‏.‏

وقال‏:‏ لان يستغني الإنسان عن الملك أكرم له من أن يستغني به‏.‏

وقال‏:‏ موضع الحكمة من قلوب الجهال كموقع الذهب والجوهر من ظهر الحمار‏.‏

وسمع جماعة من أصحابه وهم حول سرادقه يقعون فيه ويثلبونه فهز رمحاً كان بين يديه ليعلموا وقال‏:‏ العلم من موطنه كالذهب في معدنه‏:‏ لا يستنبط إلا بالدءوب والتعب والكد والنصب ثم يجب تخليصه بالفكر كما يخلص الذهب بالنار‏.‏

وقال بطلميوس‏:‏ دلالة القمر في الأيام أقوى‏.‏

ودلالة الشمس والزهرة في الشهور أقوى ودلالة المشتري وزحل في السنين أقوى‏.‏

ومما ينقل عنه أنه قال‏:‏ نحن كائنون في الزمن الذي يأتي بعد وهذا رمز إلى المعاد إذ الكون والوجود الحقيقي‏:‏ ذلك الكون والوجود في ذلك العالم‏.‏

حكم أهل المظال ومنهم خروسيبس وزينون وقولهما الخالص‏:‏ إن الباري تعالى المبدع الأول‏:‏ واحد محض هو إن فقط أبدع العقل والنفس دفعة واحدة ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما وفي بدء ما أبدعهما أبدعهما جوهرين لا يجوز عليهما الدثور والفناء‏.‏

وذكروا‏:‏ أن للنفس جرمين‏:‏ جرم من النار والهواء وجرم من الماء والأرض فالنفس متحدة بالجرم الذي من النار والهواء والجرم الذي من النار والهواء متحد بالجرم الذي من الماء والأرض والنفس تظهر أفاعيلها في ذلك الجرم وذلك الجرم ليس له طول ولا عرض ولا قدر مكاني وباصطلاحنا سميناه جسماً وأفاعيل النفس فيه نيرة بهية ومن الجسم إلى الجرم ينحدر‏:‏ النور والحسن والبهاء‏.‏

ولما ظهرت أفاعيل النفس عندنا بمتوسطين كانت أظلم ولم يكن لها نور شديد‏.‏

وذكروا‏:‏ أن النفس إذا كانت طاهرة زكية استخصت الأجزاء النارية والهوائية وهي جسمها واستصحبت في ذلك العالم جسماً روحانياً نورانياً علوياً طاهراً مهذباً من كل ثقل وكدر‏.‏

وأما الجرم الذي من الماء والأرض فيدثر ويفنى لأنه غير مشاكل للجسم السماوي لأن ذلك الجسم خفيف لطيف لا وزن له ولا يلمس وإنما يدرك من البصر فقط كما تدرك الأشياء الروحانية من العقل فألطف ما يدرك الحس البصري من الجواهر هي النفسانية وألطف ما يدرك من إبداع الباري تعالى الآثار التي عند العقل‏.‏

وذكروا أن النفس ما هي مستطيعة ما خلاها الباري تعالى أن تفعل وإذا ربطها فليست بمستطيعة كالحيوان الذي إذا خلاه مدبره أعني الإنسان كان مستطيعاً في كل ما دعي إليه وتحرك إليه وإذا ربطه لم يقدر حينئذ أن يكون مستطيعاً‏.‏

وذكروا‏:‏ أن دنس النفس وأوساخ الجسد إنما تكون لازمة للإنسان من جهة الأجزاء وأمات التطهير والتهذيب فمن جهة الكل لأنه إذا انفصلت النفس الكلية إلى النفس الجزئية والعقل الجزئي من العقل الكلي‏:‏ غلظت وصارت من حيز الجرم لأنها كلما سفلت اتحدت بالجرم والجرم من حيز الماء والأرض وهما ثقيلان يذهبان سفلاً وكلما اتصلت النفس الجزئية بالنفس الكلية والعقل الجزئي بالعقل الكلي‏:‏ ذهبت علواً لأنها تتحد بالجسم والجسم من حيز النار والهواء وكلاهما لطيفان يذهبان علواً‏.‏

وهذان الجرمان مركبان وكل واحد منهما من جوهرين‏.‏

واجتماع هذين الجرمين يوجب الاتحاد شيئاً واحداً عند الحس البصري فأما عند الحواس الباطنة وعند العقل فليست شيئاً واحداً فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم لأنه أشد روحانية ولأن هذا العالم ليس مشاكلاً له ولا مجانساً له والجرم مشاكل ومجانس لهذا العالم فصار لجرم أظهر من الجسم لمجانسة هذا العالم وتركيبه وصار الجسم مستبطناً في الجرم لأن هذا العالم غير مشاكل له وغير مجانس له‏.‏

فإما في ذلك العالم فالجسم ظاهر على الجرم لأن ذلك العالم‏:‏ عالم الجسم لأنه مجانس ومشاكل له ويكون لطيف الجرم الذي هو من لطيف الماء والأرض المشاكل لجوهر النار والهواء مستبطناً في الجسم كما كان الجسم مستبطناً في هذا العالم في الجرم‏.‏

فإذا كان هذا فيما ذكروا هكذا كان ذلك الجسم باقياً دائماً لا يجوز عليه الدثور ولا الفناء ولذته دائمة لا تملها النفوس ولا العقول ولا ينفد ذلك السرور والحبور‏.‏

ونقلوا عن أفلاطون أستاذهم‏:‏ لما كان الواحد لا بدء له صار‏:‏ نهاية كل متناه وإنما صار الواحد لا نهاية له لأنه لا بدء له لا أنه لا بدء لهلأنه لا نهاية وقال‏:‏ ينبغي للمرء أن ينظر كل يوم إلى وجهه في المرآة فإن كان قبيحاً‏:‏ لم يفعل قبيحاً فيجمع بين قبيحين وإن كان حسناً‏:‏ لم يشنه بقبيح‏.‏

وقال‏:‏ إنك لن تجد الناس إلا أحد رجلين‏:‏ إما مؤخراً في نفسه قدمه حظه أو مقدماً في نفسه آخره دهره فارضى بما أنت فيه اختياراً وإلا رضيت اضطراراً‏.‏**

**قال ديمقريطيس‏:‏ إن الجمال الظاهر يشبه به المصورون بالأصباغ ولكن الجمال الباطن لا يشبه به إلا من هو له بالحقيقة وهو مخترعه ومنشئه‏.‏

وقال‏:‏ ليس ينبغي أن تعد نفسك من الناس ما دام الغيظ يفسد رأيك ويتبع شهوتك‏.‏

وقال‏:‏ ليس ينبغي أن يمتحن الناس في وقت ذلتهم بل في وقت عزتهم وملكهم ومنا أن الكير يمتحن به الذهب كذلك الملك يمتحن به الإنسان فيتبين خيره وشره‏.‏

وقال‏:‏ ينبغي أن تأخذ في العلوم بعد أن تنفي عن نفسك العيوب وتعودها الفضائل فإنك إن لم تفعل هذا لم تنتفع بشيء من العلوم‏.‏

وقال‏:‏ من أعطى أخاه المال فقد أعطاه خزائنه ومن أعطاه علمه ونصيحته فقد وهب له نفسه‏.‏

وقال‏:‏ لا ينبغي أن تعد النفع الذي فيه الضرر العظيم نفعاً ولا الضرر الذي فيه النفع العظيم وقال‏:‏ مثل من قنع بالاسم كمثل من قنع عن الطعام بالرائحة‏.‏

وقال‏:‏ عالم معاند خير من جاهل منصف‏.‏

وقال‏:‏ ثمرة الغرة التواني وثمرة التواني الشقاء وثمرة الشقاء ظهور البطالة وثمرة البطالة‏:‏ السفه والعبث والندامة والحزن‏.‏

وقال‏:‏ يجب على الإنسان أن يطهر قلبه من المكر والخديعة كما يطهر بدنه من أنواع الخبث‏.‏

وقال‏:‏ لا تطمع أحداً أن يطأ عقبك اليوم فيطأك غداً‏.‏

وقال‏:‏ لا تكن حلواً جداً لئلا تبلع ولا مراً جداً لئلا تلفظ‏.‏

وقال‏:‏ ذنب الكلب يكسب له الطعام وفمه يكسب له الضرب‏.‏

وكان بأثينية نقاش غير حاذق فأتى ديمقريطيس‏.‏

وقال‏:‏ جصص بيتك فاصوره قال‏:‏ صوره أو لا حتى أجصصه‏.‏

وقال‏:‏ مثل العلم مع من لا يقبل وإن قبل لا يعمل كمثل دواء مع سقيم وهو لا يداوي به‏.‏

وقيل له‏:‏ لا تنظر فغمض عينيه قيل له‏:‏ لا تسمع فسد أذنيه قيل له‏:‏ لا تتكلم فوضع يده على شفتيه قيل له‏:‏ لا تعلم قال‏:‏ لا أقدر‏.‏

وإنما أراد به‏:‏ أن البواطن لا تندرج تحت الاختيار فأشار إلى ضرورة السر واختيار الظاهر‏.‏

ولما كان الإنسان مضطر الحدوث كان معزول الولاية عن قلبه وهو بقلبه أكبر منه بسائر جوارحه فلهذا لم يستطع أن يتصرف في أصله لاستحالة أن يكون الفاعل أصله‏.‏

ولهذا الكلام شرح آخر وهو أنه أراد التمييز بين العقل والحس فإن الإدراك العقلي لا يتصور الانفكاك عنه وإذا حصل لن يتصور نسيانه بالاختيار والإعراض عنه بخلاف الإدراك الحسي‏.‏

وهذا يدل على أن العقل ليس من جنس الحس ولا النفس من حيز البدن‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن الاختيار في الإنسان مركب من افعالين‏:‏ أحدهما انفعال نقيصة والثاني انفعال تكامل وهو إلى الانفعال الأول أميل بحكم الطبيعة والمزاج والآخر ضعيف فيه إلا إذا وصل إليه مدد من جهة العقل والتمييز والنطق فمتى وقف هذا المدد من القوة الاختيارية كانت الغلبة للانفعال الآخر ولولا تركب الاختيار عن هذين الانفعالين أو انقسامه إلى هذين الوجهين لتأتى للإنسان جميع ما يقصده بالاختيار بلا مهلة ولا ترجح ولا هنية ولا تريح ولا استشارة ولا استخارة‏.‏

وهذا الرأي الذي رآه هذا الحكيم‏:‏ لم أجد أحداً أبه له ولا عثر عليه أو حكم به وأومأ إليه‏.‏

والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

حكم أوقليدس وهو أول من تكلم في الرياضيات وأفرده علماً نافعاً في العلوم منقحاً للخاطر ملقحاً للفكر‏.‏

وكتابه معروف باسمه وكذلك حكمته‏.‏

وقد وجدنا له حكماً متفرقة فأوردناها على سوق مرامنا وطرد كلامنا‏.‏

فمن ذلك قوله‏:‏ الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية‏.‏

وقال له رجل يتهدده‏:‏ إني لا آلو جهداً في أن أفقدك حياتك قال أوقليدس‏:‏ وأنا لا آلو جهداً في أن أفقدك غضبك‏.‏

وقال‏:‏ كل أمر تصرفنا فيه وكانت النفس الناطقة هي المقدرة له فهو داخل في الأفعال الإنسانية وما لم تقدره النفس الناطقة فهو داخل في الأفعال البهيمية‏.‏

وقال‏:‏ من أراد أن يكون محبوبه محبوبك وافقك على ما تحب فإذا اتفقتما على محبوب واحد صرتما إلى الاتفاق‏.‏

وقال‏:‏ إفزع إلى ما يشبه الرأي العام التدبيري العقلي واتهم ما سواه‏.‏

وقال‏:‏ كل ما أستطيع خلعه ولم يضطر إلى لزومه المرء فلم الإقامة على مكروهه‏.‏

وقال‏:‏ الأمور جنسان‏:‏ أحدهما يستطاع خلعه والمصير إلى غيره والآخر منهما غير سائغ في الرأي‏.‏

وقال‏:‏ إن كانت الكائنات من المضطرة فما الاهتمام بالمضطر إذ لا بد منه وإن كانت غير مضطرة فلم الهم فيما يجوز الانتقال عنه وقال‏:‏ الصواب إذا كان عاماً كان أفضل لأن الخاص يقع بالتحري وتلقاء أمر ما‏.‏

وقال‏:‏ العمل على الإنصاف ترك الإقامة على المكروه وقال‏:‏ إذا لم يضطرك إلى الإقامة عليه شيء فإن أقمت رجعت باللائمة عليك‏.‏

وقال‏:‏ الحزم هو العمل على أن لا تثق بالأمور التي في الإمكان عسرها ويسرها‏.‏

وقال‏:‏ كل فائت وجدت في الأمور منه عوضاً أو أمكنك اكتساب مثله فما الأسف على فوته وإن لم يكن منه عوض ولا يصاب له مثل فما الأسف على ما لا سبيل إلى مثله والإمكان في دعه‏.‏

وقال‏:‏ لما علم العاقل أنه لا ثقة بشيء من أمر الدنيا‏:‏ ألقى منها ما منه بد واقتصر على ما لا بد منه وعمل فيما يوثق به بأبلغ ما قدر عليه وقال‏:‏ إذا كان الأمر تمكنا فيه التصرف فوقع بحال ما تحب فاعتده رحاً وإن وقع بحال ما تكره فلا تحزن فإنك قد كنت عجلت فيه على غير ثقة بوقوعه على ما تحب‏.‏

وقال‏:‏ لم أر أحداً إلا ذاما للدنيا وأمورها إذ هي على ما هي من التغير والتنقل فالمستكثر منها يلحقه أن يكون أشد اتصالا بما يذم وإنما يذم الإنسان ما يكره والمستقل منها مستقل مما يكره وإذا أستقل مما يكره كان ذلك أقرب إلى ما يحب‏.‏

وقال‏:‏ أسوأ الناس حالا من لا يثق بأحد لسوء ظنه ولا يثق به أحد لسوء فعله‏.‏

وقال‏:‏ الجشع بين شرين فالإعدام يخرجه إلى السفه والجدة تخرجه إلى الأشر‏.‏

وقال‏:‏ لا تعن أخاك على أخيك في خصومة فإنهما يصطلحان عن قليل وتكتسب المذمة‏.‏**

**الباب الثاني‏

الجبرية

الجبر‏:‏ هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى والجبرية أصناف‏:‏ فالجبرية الخالصة‏:‏ هي التي لا تثبت للعبد فعلاً ولا قدرة على الفعل أصلاً والجبرية المتوسطة‏:‏ هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلاً فأما من أثبت للقدرة أثراً ما في لفعل وسمى ذلك كسباً فليس بجبري‏.‏

والمعتزلة يسمون من لم يثبت للقدرة الحادثة أثراً في الإبداع والإحداث استقلالاً‏:‏ جبرياً ويلزمهم أن يسموا من قال من أصحابهم بأن المتولدات أفعال لا فاعل لها‏:‏ جبرياً إذ لم يثبتوا للقدرة الحادثة فيها أثراً‏.‏

والمصنفون في المقالات عدوا النجارية والضرارية‏:‏ من الجبرية وكذلك جماعة الكلابية‏:‏ من الصفاتية‏.‏

والأشعرية سموهم تارة حشوية وتارة جبرية‏.‏

ونحن سمعنا إقرارهم على أصحابهم من النجارية والضرارية فعددناهم من الجبرية ولم نسمع إقرارهم على غيرهم فعددناهم من الصفاتية‏.‏

الجهمية

أصحاب جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة‏.‏

ظهرت بدعته بترمذ وقتله سالم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية‏:‏ وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء‏:‏ منها قوله‏:‏ لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقضي تشبيهاً فنفى كونه‏:‏ حياً عالماً وأثبت كونه‏:‏ قادراً فاعلاً خالقاً لأنه لا يوصف شيء من خلقه‏:‏ بالقدرة والفعل والخلق‏.‏

ومنها لإثباته علوماً حادثة للباري تعالى لا في محل قال‏:‏ لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه لأنه لو علم ثم خلق‏!‏ أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق فإن بقى فهو جهل فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد وإن لم يبق فقد تغير والمتغير مخلوق ليس بقديم‏.‏

ووافق في هذا مذهب هشام بن الحكم كما تقرر قال‏:‏ وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو‏:‏ إما أن يحدث في ذاته تعالى وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته وأن يكون محلاً للحوادث وإما أ يحدث في محل فيكون المحل موصوفا به لا الباري تعالى‏.‏

فتعين أنه لا محل له فأثبت علوما حادثة بعدد الموجودات المعلومة‏.‏

ومنها قوله في القدرة الحادثة‏:‏ إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور في أفعاله‏:‏ لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات كما يقال‏:‏ أثمرت الأشجار وجرى الماء وتحرك الحجر وطلعت الشمس وغربت وتغيمت السماء وأمطرت واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك‏.‏

والثواب والعقاب جبر كما أن الأفعال كلها جبر قال‏:‏ وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضاً كان جبراً‏.‏

ومنها قوله‏:‏ إن حركات أهل الخلدين تنقطع والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها وتألم أهل النار بحميمها إذ لا تتصور حركات لا تتناهى آخراً كما لا تتصور حركات حركات لا تتناهى أولاً وحمل قوله تعالى‏:‏ خالدين فيها على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد كما يقول‏:‏ خلد الله ملك فلان واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ‏"‏‏.‏

فالآية اشتملت على شريطة واستثناء‏.‏

والخلود والتأييد لا شرط فيه ولا استثناء‏.‏

ومنها قوله‏:‏ من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده لأن العلم والمعرفة لا يزلان بالجحد فهو مؤمن قال‏:‏ ولا يتفاضل أهله فيه فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد إذ المعارف لا تتفاضل‏.‏

وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه‏.‏

ونسبته إلى التعطيل المحض‏.‏

وهو أيضاً موافق للمعتزلة في نفي الرؤية وإثبات خلق الكلام وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود السمع‏.‏**

**وزعم فرفوريوس‏:‏ أن من الأصول الثلاثة التي هي الهيولى والصورة والعدم‏:‏ أن كل جسم إما ساكن وإما متحرك وههنا شيء يكون ما يتكون ويحرك الأجسام وكل ما كان واحداً بسيطاً ففعله واحد بسيط وكل ما كان كثيراً مركباً فأفعاله كثيرة مركبة وكل موجود ففعله مثل طبيعته ففعل الله بذاته فعل واحد بسيط وباقي أفعاله يفعلها بمتوسط مركب‏.‏

قال‏:‏ وكل ما كان موجوداً فله فعل من الأفعال مطابق لطبيعته ولما كان الباري تعالى موجوداً ففعله الخاص هو الإجتلاب إلى الوجود ففعل فعلاً واحداً وحرك حركة واحدة وهو الإجتلاب إلى شبهة يعني الوجود‏.‏

ثم إما يقال‏:‏ كان المفعول معدوماً يمكن أن يوجد وذلك هو طبيعة الهيولى بعينها فيجب أن يسبق الوجود طبيعة ما قابلة للوجود‏.‏

وإما أن يقال‏:‏ لم يكن معدوماً ما يمكن أن يوجد بل أوجده عن لا شيء وأبدع وجوده من غير توهم شيء سبقه وهو ما يقوله الموحدون‏.‏

قال‏:‏ فأول فعل فعله هو الجوهر إلا أن كونه جوهراً وقع بالحركة فوجب أن يكون بقاؤه جوهراً بالحركة وذلك أنه ليس للجوهر أن يكون بذاته بمنزلة الوجود الأول لكن من التشبه بذلك الأول‏.‏

وكل حركة تكون فإما أن تكون على خط مستقيم وإما على الاستدارة فتحرك الجوهر بهاتين الحركتين‏.‏

ولما كان وجود الجوهر بالحركة وجب أن يتحرك الجوهر في جميع الجهات التي يمكن فيها الحركة فيتحرك جميع الجوهر في جميع الجهات حركة مستقيمة على جميع الخطوط وهي ثلاثة‏:‏ الطول والعرض والعمق إلا أنه لم يكن له أن يتحرك على هذه الخطوط بلا نهاية إذ ليس يمكن فيما هو بالفعل أن يكون بلا نهاية فتحرك الجوهر في هذه الأقطار الثلاثة حركة متناهية على خطوط مستقيمة وصار بذلك جسماً‏.‏

وبقي عليه أن يتحرك بالاستدارة على الجهة التي يمكن فيها أن يتحرك بأجمعه حركة على الاستدارة لأن الدائر يحتاج إلى شيء ساكن في وسط منه فعند ذلك انقسم الجوهر فتحرك بعضه على الاستدارة وسكن بعضه في الوسط‏.‏

قال‏:‏ وكل جسم يتحرك فيماس جسماً ساكناً في طبيعته فبول التأثير منه حركه معه وإذا حركه سخن وإذا سخن لطف وانحل وخف‏.‏

فكانت النار تلي الفلك‏.‏

والجسم الذي يلي النار يبعد عن الفلك ويتحرك بحركة النار فتكون حركته أقل فلا يتحرك لذلك بأجمعه لكن جزء منه فيسخن دون سخونة النار‏.‏

وهو الهواء‏.‏

والجسم الذي يلي الهواء لا يتحرك لبعده عن المحرك فهو بارد لسكونه وحار حرارة يسيرة بمجاورته الهواء ولذلك انحل قليلاً‏.‏

وهو الماء‏.‏

وأما الجسم الذي يلي الماء في الوسط فلأنه بعد في الغاية عن الفلك ولم يستفد من حركته شيئاً ولا قبل منه تأثيراً‏:‏ سكن وبرد‏.‏

وهذه هي الأرض‏.‏

وإذا كانت هذه الأجسام تقبل التأثير بعضها من بعض اختلطت وتولد عنها أجسام مركبة‏.‏

وهذه هي الأجسام المحسوسة‏.‏

وقال‏:‏ الطبيعة تفعل بغير فكر ولا عقل ولا إرادة ولكنها ليست تفعل بالبخت والاتفاق والخبط بل لا تفعل إلا ماله نظم وترتيب وحكمة وقد تفعل شيئاً من أجل شيء كما تفعل البر لغذاء الإنسان وتهيئ أعضائه لما يصلح له‏.‏

وقد قسم فرفوريوس مقالة أرسطو طاليس في الطبيعة خمسة أقسام‏:‏ أحدها العنصر والثاني الصورة والثالث المجتمع منهما كالإنسان والرابع الحركة الجاذبة في الشيء بمنزلة حركة النار الكائنة الموجودة فيها إلى فوق والخامس الطبيعة العامة للكل لأن الجزئيات لا يتحقق وجودها إلا عن كل يشملها‏.‏

ثم اختلفوا في مركزها‏:‏ فمن الحكماء من صار إلى أنها فوق الكل وقال آخرون إنها دون الفلك قالوا‏:‏ والدليل على وجودها أفعالها وقواها المنبثة في العالم الموجبة للحركات والأفعال كذهاب النار والهواء إلى فوق وذهاب الماء والأرض إلى تحت فعلم يقيناً أنه لولا قوى فيها أوجبت تلك الحركات وكانت مبدأ لها لم توجد فيها وكذلك ما يوجد في النبات والحيوان من قوة الغذاء وقوة النمو والنشوء‏.‏**

**الباب الأول

وهم أصناف منكرو الخالق والبعث والإعادة

فصنف منهم أنكروا الخالق ولبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد‏:‏ ‏"‏ وقالوا‏:‏ ما هي إلا حياتنا الدنيا‏:‏ نموت ونحيا ‏"‏ إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصراً للحياة والموت على تركبها وتحللها فالجامع هو الطبع والملك هو الدهر‏:‏ ‏"‏ وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ‏"‏‏.‏

فاستدل عليهم بضرورات فكرية وآيات فطرية في كمآية وكم سورة فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ أو لم يتفكروا بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين ‏"‏ ‏"‏ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ أو لم يروا إلى ما خلق الله ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ‏"‏ فأثبت الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق وأنه قادر على الكمال ابتداء وإعادة‏.‏

منكرو‏:‏ البعث والإعادة وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع وأنكروا البعث والإعادة وهم الذين أخبر عنهم القرآن‏:‏ ‏"‏ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال‏:‏ من يحيي العظام وهي رميم ‏"‏ فاستدل عليهم بالنشأة الأولى إذ اعترفوا بالخلق الأول فقال عز وجل‏:‏ ‏"‏ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ افعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد‏!‏ ‏"‏‏.‏

منكرو الرسل‏:‏ عبّاد الأصنام وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا المقربين وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر‏.‏

وأحلوا وحرموا وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم وهم الذين أخبر عنهم التنزيل‏:‏ ‏"‏ وقالوا‏:‏ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ‏"‏‏.‏

إلى قوله‏:‏ ‏"‏ إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً‏!‏‏.‏

فاستدل عليهم بأن المرسلين كلهم كانوا كذلك قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ‏"‏‏.‏

شبهات العرب وشبهات العرب كانت مقصورة على هاتين الشبهتين‏:‏ إحداهما إنكار البعث‏:‏ بعث الأجسام والثانية جحد البعث‏:‏ بعث الرسل‏.‏

فعلى الأولى قالوا‏:‏ ‏"‏ أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون إلى أمثالها من حياة ثم موت ثم نشر حديث خرافة يا أم عمرو ولبعضهم في مرثية أهل بدر من المشركين‏:‏ فماذا بالقليب قليب بدر من الشيزي تكلل بالسنام يخبرنا الرسول‏:‏ بأن سنيحاً و كيف حياة أصداء وهام‏!‏ ومن العرب من يعتقد التناسخ فيقول‏:‏ إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته فانتصب طيراً هامة فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة‏.‏

وعن هذا‏:‏ أنكر عليهم الرسول عليه السلام فقال‏:‏ لا هامة ولا عدوى ولا صفر‏.‏

وأما الشبهة الثانية فكان إنكارهم لبعث لرسول صلى الله عليه وسلم في الصورة البشرية أشد وإصرارهم على ذلك أبلغ‏.‏

وأخبر التنزيل عنهم بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا‏:‏ أبعث الله بشراً رسولاً ‏"‏ أبشر يهدوننا ‏"‏‏.‏

فمن كان يعترف بالملائكة كان يريد أن يأتي ملك من السماء وقالوا‏:‏ لولا أنزل عليه ملك ومن كان لا يعترف بهم كان يقول‏:‏ الشفيع والوسيلة لنا إلى الله تعالى هم الأصنام المنصوبة إما الأمر والشريعة من الله تعالى إلينا فهو المنكر‏.‏

أصنام العرب وميولهم‏:‏ فيعبدون الأصنام التي هي وسائل وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً‏.‏

وكان ود لكلب وهو بدومة الجندل وسواع لهذي وكانوا يحجون إليه وينحرون له ويغوث لذحج ولقبائل من اليمن ويعوق لهمدان ونسر لذي الكلاع بأرض حمير‏.‏

وكانت اللات لثقيف بالطائف والعزي لقريش وجميع بني كنانة وقوم من بني سليم ومناة للأوس والخزرج وغسان‏.‏

وهبل أعظم الأصنام عندهم وكان على ظهر الطعبة وأساف ونائلة على الصفا والمروة وضعهما عمر بن لحي وكان يذبح عليهما نجاة الكعبة وزعموا‏:‏ أنهما كانا من جرهم‏:‏ أساف بن عمرو ونائلة بنت سهل تعاسقا ففجرا الكعبة فمسخا حجرين وقيل‏:‏ لا بل كانا صنمين جاء بهما عمرو بن لحي فوضعهما على الصفا‏.‏

وكان لبني ملكان من كنانة صنم يقال له سعد وهو الذي يقول فيه قائلهم‏:‏ أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعد وهل سعد إلا صخرة بتنوفة من الأرض لا يدعو لغي ة لا رشد وكانت العرب إذا لبت وهللت‏:‏ قالت‏:‏ لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ومن العرب من كان يميل إلى اليهودية ومنهم من كان يميل إلى النصرانية ومنهم من كان يصبو إلى الصابئة ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات حتى لا يتحرك ولا يسكن ولا يسافر ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء ويقول‏:‏ مطرنا بنوء كذا ومنهم من كان يصبوا إلى الملائكة فيعبدهم بل كانوا يعبدون الجن ويتعقدون فيهم أنهم بنات الله‏.‏

تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً‏.‏**

**الباب الثاني

المحصلة من العرب علومهم

اعلم أن العرب في الجاهلية كانت على ثلاثة أنواع من العلوم‏:‏ أحدها علم الأنساب والتواريخ والأديان ويعدونه نوعاً شريفاً خصوصاً معرفة أنساب أجداد النبي عليه الصلاة والسلام والإطلاع على ذلك النور الوارد من صلب إبراهيم إلى إسماعيل عليهما الصلاة وتواصله في ذريته إلى أن ظهر بعض الظهور في أسارير عبد المطلب‏:‏ سيد الوادي‏:‏ شيبة الحمد وسجد له الفيل الأعظم وعليه قصة أصحاب الفيل‏.‏

وببركة ذلك النور‏:‏ دفع الله تعالى شر أبرهة وأرسل عليهم طيراً أبابيل‏.‏

وببركة ذلك النور‏:‏ رأى تلك الرؤيا في تعريف موضع زمزم ووجدان الغزالة والسيوف التي دفنتها جرهم‏.‏

وببركة ذلك النور‏:‏ ألهم عبد المطلب النذر الذي نذر في ذبح العاشر من أولاده وبه افتخر النبي عليه الصلاة والسلام حين قال‏:‏ أنا ابن الذبيحين‏:‏ أراد بالذبيح الأول إسماعيل عليه السلام وهو أول من انحدر إليه النور فاختفى وبالذبيح الثاني عبد الله بن عبد المطلب وهو آخر من انحدر إليه النور فظهر كل الظهور‏.‏

وببركة ذلك النور‏:‏ كان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي‏.‏

ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور‏.‏

وببركة ذلك النور‏:‏ كان قد سلم إليه النظر في حكومات العرب والحكم بين المتخاصمين فكان يوضع له وسادة عند الملتزم فيستند إلى الكعبة وينظر في حكومات القوم‏.‏

وببركة ذلك النور‏:‏ قال لأبرهة‏:‏ إن لهذا البيت رباً يحفظه ويذب عنه وفيه قال وقد صعد إلى جبل أني قبيس‏:‏ لا هم إن المرء يمنع حله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم و محالهم عدواً محالك إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدا لك وببركة ذلك النور‏:‏ كان يقول في وصاياه‏:‏ إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه وتصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم حتف أنفه لم تصبه عقوبة فقيل عبد المطلب في ذلك ففكر وقال‏:‏ والله إن وراء هذه الدار دار يجزي فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها المسيء بإساءته‏.‏

ومما يدل على إثباته المبدأ والمعاد‏:‏ أنه كان يضرب بالقداح على ابنه عبد الله ويقول‏:‏ يا رب أنت الملك المحمود و أنت ربي المبدىء والمعيد من عندك الطارف والتليد ومما يدل على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة‏:‏ أن أهل مكة لما اصابهم ذلك الجدب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم فأحضره وهو رضيع في قماط فوضعه على يديه واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء وقال‏:‏ يا رب‏!‏ بحق هذا الغلام ورماه ثانياً وثالثاً‏.‏

وكان يقول‏:‏ بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هطلاً فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد‏.‏

وأنشد أبو طالب ذلك الشعر اللامي الذي منه‏:‏ وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل و لا نسلمه حتى نصرع حوله ز نذهل عن أبنائنا والحلائل وقال العباس بن عبد المطلب في النبي عليه الصلاة والسلام‏:‏ قصيدة منها‏:‏ من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حين يخصف الورق ثم هبطت البلاد‏:‏ لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسراً وأمهله الغرق تنقل من صلب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن في خندف علياء تحتها النطق و أنت لما ظهرت أشرقت الأ رض وضاءت بورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد‏:‏ نخترق وأما النوع الثاني من العلوم فهو علم الرؤيا وكان أبو بكر رضي الله عنه ممن يعبر الرؤيا في الجاهلية ويصيب فيرجعون إليه ويستخبرون عنه‏.‏

وأما النوع الثالث فهو علم الأنواء وذلك مما يتولاه الكهنة والقافة منهم وعن هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من قال‏:‏ مطرنا بنوء كذا فقد كفر بما أنزل على محمد ‏"‏‏.‏

معتقداتهم وم العرب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر وينتظر النبوة‏.‏

وكانت لهم سنن وشرائع قد ذكرناها لأنها نوع تحصيل‏.‏

فممن كان يعرف النور الظاهر والنسب الطاهر ويعتقد الدين الحنيفي وينتظر المقدم النبوي‏.‏

زيد بن عمرو بن نفيل كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول‏:‏ أيها الناس هلموا إلي فإنه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيري‏.‏

وسمع أمية بن أبي الصلت يوماً ينشد‏:‏ كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة‏:‏ زور فقال له‏:‏ صدقت‏.‏

وقال زيد أيضاً‏:‏ فلن تكون لنفس منك واقية يوم الحساب إذا ما يجمع البشر وممن كان يعتقد التوحيد ويؤمن بيوم الحساب‏:‏ قس بن ساعدة الإيادي قال في مواعظه‏:‏ كلا ورب الكعبة‏!‏ ليعودون ما باد ولئن ذهب ليعودن يوماً‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ كلا بل هو الله إله واحد ليس بمولود ولا والد أعاد وأبدى و إليه المآب غداً وأنشد في معنى الإعادة‏:‏ يا باكي الموت والأموات في جدث عليهم من بقايا بزهم خرق حتى يجيئوا بحال غير حالهم خلق مضى ثم هذابعد ذا خلقوا منهم عراة ومنهم في ثيابهم منها الجديد ومنها الأزرق الخلق ومنهم‏:‏ عامر بن الظرب العدواني وكان من شعراء العرب وخطبائهم وله وصية طويلة يقول في آخرها‏:‏ ني ما رايت شيئاً قط خلق نفسه ولا رأيت موضوعاً إلا مصنوعاً ولا جاثياً إلا ذاهباً ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء‏.‏

ثم قال‏:‏ إني أرى أموراً شتى وحتى قيل له‏:‏ وما حتى قال‏:‏ حتى يرجع الميت حياً ويعود لا شيء شيئاً ولذلك خلقت السموات والأرض فتولوا عنه ذاهبين وقال‏:‏ ويل إنها نصيحة لو كان من يقبلها‏!‏‏.‏

وكان عامر قد حرم الخمر على نفسه فيمن حرمها وقال فيها‏:‏ إن أشرب الخمر أشربها للذتها و إن أدعها فإني ماقت قال لولا اللذاذة والقينات لم أرها و لا رأتني إلا من مدى عالي سآله للفتى ما ليس في يده ذهابه بعقول القوم والمال تورث القوم أضغاناً بلا إحن مزرية بالفتى ذي النجدة الحالي أقسمت بالله‏:‏ اسقيها وأشربها حتى يفرق ترب الأرض أوصالي وممن كان قد حرم الخمر في الجاهلية‏:‏ قيس بن عاصم التميمي وصفوان ابن أمية بن محرث الكناني وعفيف بن معدي كرب الكندي وقالوا فيها أشعاراً‏.‏

وقال الاسلوم اليالي وقد حرم الخمر والزنا على نفسه‏:‏ سالمت قومي بعد طول مضاضة و السلم أبقى في الأمور وأعرف وتركت شرب الراح وهي أثيرة و المومسات وترك ذلك أشرف وعففت عنه يا أميم تكرماً وكذاك يفعل ذو الحجى المتعفف وممن كان يؤمن بالخالق تعالى وبخلق آدم عليه السلام‏:‏ عبد لطابخة بن ثعلب ابن وبرة من قضاعة وقال فيه‏:‏ وأدعوك يا ربي بما أنت أهله دعاء غريق قد تشبث بالعصم لأنك اهل الحمد والخير كله و ذو الطول لم تعجل بسخط ولم تلد وأنت الذي لم يحيه الدهر ثانياً و لم ير عبد منك في صالح وجم وأنت القديم الأول الماجد الذي تبدأت خلق الناس في أكثم العدم وأنت الذي أحللتني غيب ظلمة إلى ظلمة من صلب آدم في ظلم من هؤلاء النابغة الذبياني آمن بيوم الحساب فقال‏:‏ فعلتهم‏:‏ ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب ز من هؤلاء زهير بن أبي سلمى المزني وكان يمر بالعصاة وقد أورقت بعد يبس فيقول‏:‏ لولا أن تسبني العرب لآمنت أن الذي أحياك بعد يبس سيحيي العظام وهي رميم ثم آمن بعد ذلك وقال في قصيدته التي أولها أمن أم أوفى دمنة لم تكلم‏.‏

وهي من السبعيات‏:‏ يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب أو يعجل فينقم ومنهم علاف بن شهاب التيمي كان يؤمن بالله تعالى وبيوم الحساب وفيه قال‏:‏ ولقد شهدت الخصم يوم رفاعة فأخذت منه خطة المقتال وعلمت أن الله جاز عبده يوم الحساب بأحسن الأعمال وكان بعض العرب إذا حضره الموت يقول لولده‏:‏ ادفنوا معي راحلتي حتى أحشر عليها فإن لم تفعلوا حشرت على رجلي‏.‏**

**قال جريبة بن الأشيم الأسدي في الجاهلية وقد حضره الموت يوصي ابنه سعداً‏:‏ ((( يا سعد إما أهلكن فإنني أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب لا تتركن أباك يعثر راجلاً في الحشر يصرع لليدين وينكب واحمل أباك على بعير صالح و ابغ المطية إنه هو أصوب وقال عمرو بن زيد بن المتمني يوصي ابنه عند موته‏:‏ ابني‏!‏ زودني إذا فارقتني في القبر راحلة برحل قاتر للبعث أركبها إذا قيل اظعنوا متساوقين معاً لحشر الحاشر من لا يوافيه على عشرائه فالخلق بين مدفع أو عاثر وكانوا يربطون الناقة معكوسة الرأس إلى مؤخرها مما يلي ظهرها أو مما يلي كأكلها وبطنها ويأخذون ولية فيشدون وسطها ويقلدونها عنق الناقة ويتركونها حتى تموت عند القبر ويسمون الناقة‏:‏ بلية والخيط الذي تشد به‏:‏ ولية‏.‏ …)

وقال بعضهم يشبه رجالاً في بلية‏:‏ كالبلايا في أعناقها الولايا‏.‏

سننهم التي وافقهم القرآن عليها وبعض عاداتهم قال محمد بن السائب الكلبي‏:‏ كانت العرب في جاهليتها تحرم أشياء نزل القرآن بتحريمها‏.‏

كانوا لا ينكحون الأمهات ولا البنات ولا الخالات ولا العمات‏.‏

وكان أقبح ما يصنعون أن يجمع الرجل بين الأختين أو يختلف على امرأة أبيه وكانوا يسمون من فعل ذلك الضيرن قال‏:‏ اوس بن حجر التميمي يعير قوماً من بني قيس بن ثعلبة تناوبوا على امرأة أبيهم ثلاثة واحداً بعد آخر‏:‏ نيكوا فكيهة وامشوا حول قبتها مشي الزرافة في آباطها الحجف وكان أول من جمع بين الأختين من قريش أبو أحيحة سعيد بن العاص جمع بين هند وصفية ابنتي المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم‏.‏

قال‏:‏ وكان الرجل من العرب إذا مات عن المرأة أو طلقها قام أكبر بنيه فإن كان له فيها حاجة طرح ثوبه عليها وإن لم يكن له فيها حاجة تزوجها بعض أخوته بمهر جديد قال‏:‏ وكانوا يخطبون المرأة إلى أبيها أو إلى أخيه أو عمها أو بعض بني عمها‏.‏

وكان يخطب الكفء إلى الكفء فإن كان أحدهما أشرف من الآخر في النسب رغب له في المال وإن كان هجيناً خطب إلى هجين فزوجه هجينة مثله ويقول الخاطب إذا أتاهم‏:‏ أنعموا صباحاً ثم يقول نحن أكفاؤكم ونظراؤكم فإن زوجتمونا فقد أصبنا رغبة وأصبتموها وكنا لصهركم حامدين وإن رددتمونا لعلة نعرفها رجعنا عاذرين فإن كان قريب القرابة من قومه قال لها أبوها أو أخوها‏:‏ إذا حملت إليه أيسرت وأذكرت ولا أنثت جعل الله منك عدداً وعزاً وحلباً‏.‏

أحسني خلقك وأكرمي زوجك وليكن طيبك الماء‏.‏

وإذا زوجت في غربة قال لها‏:‏ لا أيسرت ز لا أذكرت فإنك تدنين البعداء وتلدين الأعداء‏.‏

أحسني خلقك وتحببي إلى احمائك فإن لهم عيناً ناظرة إليك وأذناً سامعة‏.‏

وكانوا يطلقون ثلاثاً على التفرقة قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أول من طلق ثلاثاً على التفرقة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام‏.‏

وكان العرب يفعلون ذلك فيطلقها واحدة وهو أحق الناس بها حتى إذا استوفى الثلاث‏:‏ انقطع السبيل عنها ومنه قول الأعشى‏:‏ ميمون بن قيس حين تزوج امرأة فرغب قومها عنه فآتاه قومها فهددوه بالضرب أو يطلقها‏:‏ أيا جارتي بيني فإنك طالقة كذاك أمور الناس غاد وطارقة قالوا‏:‏ تنه فقال‏:‏ وبيني فإن البين خير من العصا و أن لا ترى لي فوق رأسك بارقة قالوا‏:‏ ثلث فقال‏:‏ وبيني حصان الفرج غير ذميمة و موموقة قد كنت فينا ووامقة قال وكان أمر الجاهلية في نكاح النساء على أربع‏:‏ رجل يخطب فيتزوج وامرأة يكون لها خليل يختلف إليها فإن ولدت قالت‏:‏ هو لفلان فيتزوجها بعد هذا وامرأة يختلف إليها النفر وكلهم يواقعها في طهر واحد فإذا ولدت ألزمت الولد أحدهم وهذه تدعى المقسمة وامرأة ذات راية‏:‏ يختلف إليها الكثير وكلهم يواقعها فإذا ولدت جمعوا لها القافة فيلحقون الولد بشبيهه‏.‏

قال‏:‏ وكانوا يحجون البيت ويعتمرون ويحرمون قال زهير‏:‏ وكم بالقيان من محل ومحرم‏.‏

ويطوفون بالبيت سبعاً ويمسحون بالحجر ويسعون بين الصفا والمروة قال أبو طالب‏:‏ وأشواط بين المروتين إلى الصفا و ما فيهما من صورة وتخايل وكانوا يلبون إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته في قوله‏:‏ إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ويقفون المواقف كلها قال العدوي‏:‏ فأقسم بالذي حجت قريش و موقف ذي الحجيج على اللآلي وكانوا يهدون الهدايا ويرمون الجمار ويحرمون الأشهر الحرم فلا يغزون ولا يقاتلون فيها‏.‏

إلا طي وخثعم وبعض بني الحارث بن كعب‏:‏ فإنهم كانوا لا يحجون ولا يعتمرون ولا يحرمون الأشهر الحرم ولا البلد الحرام‏.‏

وإنما سمت قريش الحرب التي كانت بينها وبين غيرها‏:‏ عام الفجار لأنها كانت في الأشهر الحرم حيث لا تقاتل فلما قاتلوا فيها قالوا‏:‏ قد فجرنا فلذلك سموها‏:‏ حرب الفجار‏.‏

وكانوا يكرهون الظلم في الحرم وقالت امرأة منهم تنهي ابنها عن الظلم‏:‏ ابني‏!‏ لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير ابني‏!‏ من يظلم بمكة يلق أطراف الشرور لبني‏!‏ أمن طيرها و الوحش تامن في ثبير ومنهم من كان ينسىء الشهور وكانوا يكبسون في كل عامين شهراً وفي كل ثلاثة أعوام شهراً وكانوا إذا حجوا في شهر من السنة لم يخطئوا أن يجعلوا يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر كهيئة ذلك في شهر ذي الحجة حتى يكون يوم النحر اليوم العاشر من ذلك الشهر ويقيمون بمني فلا يبيعون في يوم عرفة ولا في أيام منى وفيهم أنزلت‏:‏ ‏"‏ إنما النسيء زيادة في الكفر ‏"‏‏.‏

وكانوا إذا ذبحوا للأصنام لطخوها بدماء الهدايا يلتمسون بذلك الزيادة في أموالهم‏.‏

وكان فصي بن كلاب ينهى عن عبادة غير الله من الأصنام وهو القائل‏:‏ أباً واحداً أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزي جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير فلا العزي أدين ولا أبنتيها و لا صنمي بني غنم أزور وقيل هي لزيد بن عمرو بن نفيل فلقي في ذلك من قريش شراً حتى أخرجوه عن الحرم فكان لا يدخله إلا ليلاً‏.‏

وقال القلمس بن أمية الناني يخطب للعرب بفناء مكة‏:‏ أطيعوني ترشدوا قالوا‏:‏ وما ذاك‏!‏ قال‏:‏ إنكم قد تفرقتم بآلهة شتى وإني لأعلم ما الله راض به وإن الله رب هذه الآلهة وإنه ليجب قال‏:‏ وكانوا يغتسلون من الجنابة ويغسلون موتاهم قال الأفوه الأودي ألا عللاني واعلما أنني غرر فما قلت ينجيني الشقاق ولا الحذر وما قلت يجديني ثيابي إذا بدت مفاصل أوصالي وقد شخص البصر وجاءوا بماء بارد يغسلونني فيالك من غسل سيتبعه غبر قال‏:‏ وكانوا يكفنون موتاهم ويصلون عليهم وكانت صلاتهم‏:‏ إذا مات الرجل حمل على سريره ثم يقوم وليه فيذكر محاسنه كلها ويثنى عليه ثم يدفن ثم يقول‏:‏ عليك رحمة الله وبركاته‏.‏**

**وقال رجل من كلب في الجاهلية لإبن ابن له‏:‏: أعمرو إن هلكت وكنت حيا فإني مكثر لك في صلاتي وأجعل نصف مالي لابن سام حياتي إن حييت وفي مماتي قال‏:‏ وكانوا يداومون على طهارات الفطرة التي ابلي بها غبراهيم عليه السلام وهي الكلمات العشر فإنهن‏:‏ خمس في الرأس وخمس في الجسد‏.‏

فأما اللواتي في الرأس‏:‏ فالمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والفرق والسواك‏.‏

وأما اللواتي في الجسد‏:‏ فالاستنجاء وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان‏.‏ فلما جاء الإسلام قررها سنة من السنن‏.‏

وكانوا يقطعون يد السارق اليمنى إذا سق‏.‏

وكانوا يوفون بالعهود ويكرمون الجار ويكرمون الضيف‏.‏

قال حاتم الطائي‏:‏ إلههم ربي وربي ألههم فأقسمت لا ارسو ولا اتعذر وقال أيضاً‏:‏ لقد كان في البرايا الناس أسوة كأن لم يسق جحش بعير ولا حمر وكانوا أناساً موقنين بربهم بكل مكان فيهم‏:‏ عابد بكر

الجزء الرابع آراء الهند

ميول الهند وفرقهم‏:‏ قد ذكرنا أن الهند أمة كبيرة وملة عظيمة وآراؤهم مختلفة‏.‏

فمنهم البراهمة وهم المنكرون للنبوات أصلاً ومنهم من يميل إلى الدهر ومنهم من يميل إلى مذهب الثنوية ويقول بملة إبراهيم عليه السلام‏.‏

وأكثرهم على مذهب الصابئة ومناهجها‏:‏ فمن قائل بالروحانيات ومن قائل بالهياكل ومن قائل بالأصنام إلا أنهم مختلفون في شكل الهياكل التي ابتدعوها وكيفية أشكال وضعوها ومنهم حكماء على طريق اليونانيين‏:‏ علماً وعملاً‏.‏

فمن كانت طريقته على منهاج الدهرية والثنوية والصابئة فقد أغنانا حكاية مذاهبهم قبل عن حكاية مذهبه ومن انفرد عنهم بمقالة ورأي فهم خمس فرق‏:‏ البراهمة وأصحاب الروحانيات وأصحاب الهياكل وعبدة الأصنام والحكماء‏.‏

ونحن نذكر مقالات هؤلاء كما قد وجدنا في كتبهم المشهورة‏.‏

الباب الأول البراهمة

انتساب البراهمة وما يجمعهم‏:‏ من الناس من يظن أنهم سموا براهمة لا نتسابهم إلى إبراهيم عليه السلام وذلك خطأ فإن هؤلاء القوم هم المخصوصون بنفي النبوات أصلاً ورأساً فكيف يقولون بإبراهيم عليه السلام والقوم الذين اعتقدوا نبوة إبراهيم عليه السلام من أهل الهند فهم الثنوية منهم القائلون بالنور والظلمة على رأي أصحاب الاثنين وقد ذكرنا مذاهبهم‏.‏

وهؤلاء البراهمة إنما انتسبوا إلى رجل منهم يقال له براهم وقد مهد لهم نفي النبوات أصلاً وقرر استحالة ذلك في العقول بوجوه‏.‏

منها أن قال‏:‏ إن الذي يأتي به الرسول لم يخل من أحد أمرين‏:‏ إما أن يكون معقولاً وإما أن لا يكون معقولاً فإن كان معقولاً فقد كفانا العقل التام بإدراكه والوصول إليه فأي حاجة لنا إلى الرسول وإن لم يكن معقولاً فلا يكون مقبولاً إذ قبول ما ليس بمعقول خروج عن حد الإنسانية ودخول في حريم الهيمية‏.‏

ومنها أن قال‏:‏ قد دل العقل على أن الله تعالى حكيم والحكيم لا يتعبد الخلق إلا بما تدل عليه عقولهم وقد دلت الدلائل العقلية على أن للعالم صانعاً عالماً قادراً حكيماً وأنه أنعم على عباده نعماً توجب الشكر فننظر في آيات خلقه بعقولنا ونشكره بآلائه علينا‏.‏

وإذا عرفناه وشكرنا له استوجبنا ثوابه وإذا أنكرناه وكفرنا به استوجبنا عقابه فما بالنا نتبع بشراً مثلنا‏!‏ فإنه إن كان يأمرنا بما ذكرناه من المعرفة والشكر فقد استغنينا عنه بعقولنا وإن كان يأمرنا بما يخالف ذلك كان قوله دليلاً ظاهراً على كذبه‏.‏

ومنها أن قال‏:‏ قد دل العقل على أن للعالم صانعاً حكيماً والحكيم لا يتعبد الخلق بما يقبح في عقولهم وقد وردت أصحاب الشرائع بمستقبحات من حيث العقل‏:‏ من التوجه إلى بيت مخصوص في العبادة والطواف حوله والسعي ورمي الجمار والإحرام والتلبية وتقبيل الحجر الأصم وكذلك ذبح الحيوان وتحريم ما يمكن أن يكون غذاء للإنسان وتحليل ما ينقص من بنيته‏.‏

وغير ذلك وكل هذه الأمور مخالفة لقضايا العقول‏.‏

والنفس والعقل يأكل مما تأكل ويشرب مما تشرب حتى تكون بالنسبة إليه كجماد يتصرف فيك رفعاً ووضعاً أو كحيوان يصرفك أماماً وخلفاً أو كعبد يتقدم إليك أمراً ونهياً فأي تميز له عليك وأية فضيلة أوجبت استخدامك وما دليله على صدق دعواه فإن اغتررتم بمجرد قوله فلا تمييز لقول على قول وإن حسرتم بحجته ومعجزته فعندنا من خصائص الجواهر والأجسام ما لا يحصى كثرة ومن المخبرين عن مغيبات الأمور من ساوى خبره قالت لهم رسلهم‏:‏ إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده فإذا اعترفتم بأن للعالم صانعاً وخالقاً وحكيماً فاعترفوا بأنه آمر وناه‏:‏ حالك على خلقه وله في جميع ما نأتي ونذر ونعمل ونفكر‏.‏

حكم وأمر‏.‏

وليس كل عقل إنساني على استعداد ما يعقل عنه أمره ولا كل نفس بشرى بمثابة من يقبل عنه حكمه بل أوجبت منته ترتيباً في العقول والنفوس واقتضت قسمته أن يرفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون فرحمة الله الكبرى هي النبوة والرسالة وذلك خير مما يجمعون بعقولهم المختالة‏.‏

ثم إن البراهمة تفرقوا أصنافاً‏:‏ فمنهم أصحاب البددة ومنهم أصحاب الفكرة ومنهم أصحاب التناسخ‏.‏

أصحاب البددة ومعنى البد عندهم‏:‏ شخص في هذا العالم‏:‏ لا يولد ولا ينكح ولا يطعم ولا يشرب ولا يهرم ولا يموت‏.‏

وأول بد ظهر في العالم اسمه شاكمين وتفسيره السيد الشريف ومن وقت ظهوره إلى وقت الهجرة خمسة آلاف سنة‏.‏

قالوا ودون مرتبة البد‏:‏ مرتبة البوديسعية ومعناه الإنسان الطالب سبيل الحق وإنما يصل إلى تلك المرتبة بالصبر والعطية وبالرغبة فيما يجب أن يرغب فيه‏.‏

وبالامتناع والتخلي عن الدنيا والعزوف عن شهواتها ولذاتها والعفة عن محارمها‏.‏

والرحمة على جميع الخلق وبالاجتناب عن الذنوب العشرة‏:‏ قتل كل ذي روح واستحلال أموال الناس والزنا والكذب والنميمة والبذاء والشتم وشناعة الألقاب والسفه والجحد لجزاء الآخرة وباستكمال عشرة خصال‏:‏ إحداها الجود والكرم والثانية العفو عن المسيء ودفع الغضب بالحلم والثالثة التعفف عن الشهوات الدنيوية والرابعة الفكرة في التخلص إلى ذلك العالم الدائم الوجود من هذا العالم الفائي الخامسة رياضة العقل بالعلم والأدب وكثرة النظر إلى عواقب الأمور والسادسة القوة على تصريف النفس في طلب العلييات والسابعة لين القول وطيب الكلام مع كل أحد والثامنة حسن المعاشرة مع الإخوان بإيثار اختيارهم على اختيار نفسه والتاسعة الإعراض عن الخلق بالكلية والتوجه إلى الحق بالكلية والعاشرة بذل الروح شوقاً إلى الحق ووصولاً إلى جناب الحق‏.‏**

**وزعموا‏:‏ أن البددة أتوهم على عدد الهياكل من نهر الكنك وأعطوهم العلوم وظهروا لهم في أجناس وأشخاص شتى ولم يكونوا يظهرون إلا في بيوت الملوك لشرف جواهرهم‏.‏

قالوا‏:‏ ولم يكن بينهم اختلاف في ما ذكر عنهم من ازلية العالم وقولهم في الجزاء على ما ذكرنا‏.‏

وإنما اختص ظهور البددة بأرض الهند لكثرة ما فيها من خصائص التربة والإقليم ومن فيها من أهل الرياضة والاجتهاد وليس يشبه البد على ما وصفوه إن صدقوا في ذلك إلا بالخضر الذي يثبته أهل الإسلام‏.‏

أصحاب الفكرة والوهم وهؤلاء أعلم منهم بالفلك والنجوم وأحكامها المنسوبة إليهم‏.‏

وللهند طريقة تخالف طريقة منجمي الروم والعجم وذلك أنهم يحكمون أكثر الأحكام باتصالات الثوابت دون السيارات وينشئون الأحكام عن خصائص الكواكب دون طبائعها ويعدون زحل السعد الأكبر وذلك لرفعة مكانه وعظم جرمه وهو الذي يعطي العطايا الكلية من السعادة والجزئية من النحوسة‏.‏

وكذلك سائر الكواكب لها طبائع وخواص فالروم يحكمون من الطبائع والهند يحكمون من الخواص‏.‏

وكذلك طبهم فإنهم يعتبرون خواص الأدوية دون طبائعها والروم تخالفهم في ذلك‏.‏

وهؤلاء أصحاب الفكرة يعظمون الفكر ويقولون‏:‏ هو المتوسط بين المحسوس والمعقول فالصور من المحسوسات ترد عليه والحقائق من المعقولات ترد عليه أيضاً فهو مورد العلمين من العالمين‏.‏

فيجتهدون كل الجهد حتى يصرفوا الوهم والفكر عن المحسوسات بالرياضات البليغة والاجتهادات المجهدة حتى إذا تجرد الفكر عن هذا العالم تجلى له ذلك العالم فربما يخبر عن مغيبات الأحوال وربما يقوى على حبس الأمطار وربما يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الحال ولا يستعبد ذلك فإن للوهم أثراً عجيباً في تصريف الأجسام والتصرف في النفوس‏:‏ أليس الاحتلام في النوم تصرف الوهم في الجسم أليست إصابة العين تصرف الوهم في الشخص أليس الرجل يمشي على جدار مرتفع فيسقط في الحال ولا يأخذ من عرض المسافة في خطواته سوى ما أخذه على الأرض المستوية‏.‏

والوهم إذا تجرد عمل أعمالاً عجيبة ولهذا كانت الهند تغمض عينها أياماً لألا يشتغل الفكر والوهم بالمحسوسات ومع التجرد إذا اقترن به وهم آخر اشتركا في العمل خصوصاً إذا كانا متفقين غاية الاتفاق ولهذا كانت عادتهم إذا دهمهم أمر أن يجتمع أربعون رجلاً من المهذبين المخلصين المتفقين على رأي واحد في الإصابة فيتجلى لهم المهم الذي يهضمهم حمله ويندفع عنهم البلاء الملم الذي يكادهم ثقله‏.‏

ومنهم البكر نتينية يعني‏:‏ المصفدين بالحديد‏.‏

وسنتهم‏:‏ حلق الرؤوس واللحي وتعرية الأجسام ما خلا العورة وتصفيد البدن من أوساطهم إلى صدورهم لألا تنشق بطونهم من كثرة العلم وشدة الوهم وغلبة الفكر ولعلهم رأوا في الحديد خاصية تناسب الأوهام وإلا فالحديد كيف يمنع انشقاق البطن وكثرة العلم كيف توجب ذلك أصحاب التناسخ وقد ذكرنا مذاهب التناسخية‏.‏

وما من ملة من الملل إلا وللتناسخ فيها قدم راسخ وإنما تختلف طرقهم في تقرير ذلك‏.‏

فأما تناسخية الهند فأشد اعتقاداً لذلك لما عاينوا من طير يظهر في وقت معلوم فيقع على شجرة معلومة فيبيض ويفرخ ثم إذا تم نوعه بفراخه حك بمنقاره ومخالبه فتبرق منه نار تلتهب فيحترق الطير ويسيل منه دهن يجتمع في أصل الشجرة في مغارة ثم إذا حال الحول وحان وقت ظهوره انخلق من هذا الدهن مثله طير فيطير ويقع على الشجرة وهو أبداً كذلك‏.‏

قالوا فما مثل الدنيا وأهلها في الأدوار والأكوار إلا كذلك‏.‏

قالوا‏:‏ وإذا كانت حركات الأفلاك دورية فلا محالة يصل رأس الفرجار إلى ما بدأ ودار دورة ثانية على الخط الأول‏:‏ أفاد لا محالة ما أفاد الدور الأول إذ لا اختلاف بين الدورين حتى يتصور اختلاف بين الأثرين فإن المؤثرات عادت كما بدأت والنجوم والأفلاك دارت على المركز الأول وما اختلفت أبعادها واتصالاتها ومناظراتها ومناسباتها بوجه فيجب أن لا تختلف المتأثرات الباديات منها بوجه وهذا هو تناسخ الأدوار والأكوار‏.‏

ولهم اختلافات في الدورة الكبرى‏:‏ كم هي من السنين وأكثرهم على أنها ثلاثون ألف سنة وبعضهم على أنها ثلاثمائة ألف سنة وستين ألف سنة‏.‏

وإنما يعتبرون في تلك الأدوار سير الثوابت لا السيارات‏.‏

وعند الهند أكثرهم‏:‏ إن الفلك مركب من الماء والنار والريح وأن الكواكب فيه نارية هوائية فلم تعدم الموجودات العلوية إلا العنصر الأرضي فحسب‏.‏

الباب الثاني أصحاب الروحانيات

ومن أهل الهند جماعة أثبتوا متوسطات روحانية يأتونهم بالرسالة من عند الله في صورة البشر من غير كتاب فيأمرهم بأشياء وينهاهم عن أشياء ويسن لهم الشرائع ويبين لهم وإنما يعرفون صدقه بتنزهه عن حطام الدنيا واستغنائه عن‏:‏ الأكل والشرب والبعال‏.‏

الباسنوية زعموا‏:‏ أن رسولهم ملك روحاني نزل من السماء على صورة بشر فأمرهم بتعظيم النار وأن يتقربوا إليها بالعطر والطيب والأدهان والذبائح ونهاهم عن القتل والذبح إلا ما كان للنار وسن لهم إن يتوشحوا بخيط يعقدونه من مناكبهم الأيامن إلى تحت شمائلهم ونهاهم أيضاً عن الكذب وشرب الخمر وأن لا يأكلوا من أطعمة غير ملتهم ولا من ذبائحهم وأباح لهم الزنا لئلا ينقطع النسل‏.‏

وأمرهم أن يتخذوا بالمعازف والتبخير والغناء والرقص وأمرهم بتعظيم البقرة والسجود لها حيث رأوها وأن يفزعوا في التوبة إلى التمسح بها وأمرهم أن لا يجوزوا نهر كنك‏.‏

الباهودية زعموا‏:‏ أن رسولهم ملك روحاني على صورة بشر واسمه باهود أتاهم وهو راكب على ثور على رأسه إكليل مكلل بعظام الموتى من عظام الرؤوس‏.‏

ومتقلد من ذلك بقلادة وبإحدى يديه قحف إنسان وبالأخرى مزراق ذو ثلاث شعب‏.‏

يأمرهم بعبادة الخالق عز وجل وبعبادته معه وأن يتخذوا على مثاله صنماً يعبدونه وأن لا يعافوا شيئاً وأن تكون الأشياء كلها في طريقة واحدة لأنها جميعاً صنع الخالق عز وجل وأن يتخذوا من عظام الناس قلائد يتقلدونها وأكاليل يضعونها على رؤوسهم وأن يمسحوا أجسادهم ورؤوسهم بالرماد‏.‏

وحرم عليهم الذبائح والنكاح وجمع الأموال وأمرهم برفض الدنيا ولا معاش لهم فيها إلا من الصدقة‏.‏**