المعلقات — موضوع مستورد

** 10.معلقة ألأعشى

وَدّعْ هُرَيْرَةَ إنّ الرَّكْبَ مرْتَحِلُ 	=..xx	وَهَلْ تُطِيقُ وَداعاً أَيُّهَا الرَّجُلُ؟ 	

غَرَّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقُولٌ عَوَارِضُهَا xx تَمشِي الهُوَينَا كَمَا يَمشِي الوَجي الوَحِلُ

كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا xx مَرُّ السَّحَابَةِ، لاَ رَيْثٌ وَلاَ عَجَلُ

تَسمَعُ للحَلِي وَسْوَاساً إِذَا انصَرَفَتْ xx كَمَا استَعَانَ برِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ

لَيستْ كَمَنْ يكرَهُ الجِيرَانُ طَلعَتَهَا xx وَلاَ تَرَاهَا لسِرِّ الجَارِ تَخْتَتِلُ

يَكَادُ يَصرَعُهَا، لَوْلاَ تَشَدُّدُهَا xx إِذَا تَقُومُ إلى جَارَاتِهَا الكَسَلُ

إِذَا تُلاعِبُ قِرْناً سَاعةً فَتَرَتْ xx وَارْتَجَّ مِنهَا ذَنُوبُ المَتنِ وَالكَفَلُ

صِفْرُ الوِشَاحِ وَمِلءُ الدّرْعِ بَهكنَةٌ xx إِذَا تَأتّى يَكَادُ الخَصْرُ يَنْخَزِلُ

نِعمَ الضَّجِيعُ غَداةَ الدَّجنِ يَصرَعهَا xx لِلَّذَّةِ المَرْءِ، لاَ جَافٍ، وَلاَ تَفِلُ

هِرْكَوْلَةٌ فُنُقٌ دُرْمٌ مَرَافِقُهَا xx كَأَنَّ أَخْمَصَهَا بِالشّوْكِ مُنْتَعِلُ

إِذَا تَقُومُ يَضُوعُ المِسْكُ أصْوِرَةً xx وَالزَّنْبَقُ الوَرْدُ مِنْ أَرْدَانِهَا شَمِلُ

ما رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الحَزْنِ مُعشبةٌ xx خَضرَاءُ جَادَ عَلَيهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ

يُضَاحكُ الشَّمسَ مِنهَا كَوكَبٌ شَرِقٌ xx مُؤزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ

يَوْماً بِأَطْيَبَ مِنْهَا نَشْرَ رَائِحَةٍ، xx وَلاَ بِأَحسَنَ مِنهَا إِذْ دَنَا الأُصُلُ

عُلّقْتُهَا عَرَضاً، وَعُلِّقَتْ رَجُلاً xx غَيرِي، وَعُلِّقَ أُخرَى غَيرَهَا الرَّجُلُ

وَعُلِّقَتْهُ فَتَاةٌ مَا يُحَاوِلُهَا xx وَمِنْ بَني عَمِّها مَيّتٌ بِهَا وَهِلُ

وَعُلِّقَتْنِي أُخَيْرَى مَا تُلائِمُنِي xx فَاجتَمَعَ الحُبّ حُبّ كُلُّهُ تَبِلُ

فَكُلّنَا مُغْرَمٌ يَهْذِي بِصَاحِبِهِ xx نَاءٍ وَدَانٍ، وَمَخْبُولٌ وَمُخْتَبِلُ

صَدَّتْ هُرَيْرَةُ عَنَّا مَا تُكَلِّمُنَا xx جَهْلاً بأُمّ خُلَيْدٍ حَبْلَ مَنْ تَصِلُ؟

أَأَنْ رَأَتْ رَجُلاً أَعْشَى أَضَرَّ بِهِ xx رَيبُ المَنُونِ، وَدَهْرٌ مفْنِدٌ خَبِلُ

قَالَتْ هُرَيرَةُ لَمَّا جِئتُ زَائِرَهَا xx وَيْلِي عَلَيكَ، وَوَيلِي مِنكَ يَا رَجُلُ

إِمَّا تَرَيْنَا حُفَاةً لاَ نِعَالَ لَنَا xx إِنَّا كَذَلِكَ مَا نَحْفَى وَنَنْتَعِلُ

وَقَدْ أُخَالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ xx وَقَدْ يُحَاذِرُ مِنِّي ثُمّ مَا يَئِلُ

وَقَدْ أَقُودُ الصِّبا يَوْماً فيَتْبَعُنِي xx وَقَدْ يُصَاحِبُنِي ذُو الشّرّةِ الغَزِلُ

وَقَدْ غَدَوْتُ إلى الحَانُوتِ يَتْبَعُنِي xx شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلشُلٌ شَوِلُ

فِي فِتيَةٍ كَسُيُوفِ الهِندِ قَدْ عَلِمُوا xx أَنْ هالِكٌ كُلُ مَنْ يَحْفي وَيَنْتَعِلُ

نَازَعتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتَّكِئاً xx وَقَهْوَةً مُزّةً رَاوُوقُهَا خَضِلُ

لاَ يَستَفِيقُونَ مِنهَا، وَهيَ رَاهنَةٌ xx إِلاَّ بِهَاتِ ! وَإنْ عَلّوا وَإِنْ نَهِلُوا

يَسعَى بِهَا ذُو زُجَاجَاتٍ لَهُ نُطَفٌ xx مُقَلِّصٌ أَسفَلَ السِّرْبَالِ مُعتَمِلُ

وَمُستَجيبٍ تَخَالُ الصَّنجَ يَسمَعُهُ xx إِذَا تُرَجِّعُ فِيهِ القَيْنَةُ الفُضُلُ

وَالسَّاحِبَاتِ ذُيُولَ الرَيْطِ آوِنَةً xx وَالرّافِلاتُ عَلَى أَعْجَازِهَا العِجَلُ

مِنْ كُلّ ذَلِكَ يَوْمٌ قَدْ لَهَوْتُ بِهِ xx وَفِي التَّجَارِبِ طُولُ اللَّهوِ وَالغَزَلُ

وَبَلدَةٍ مِثلِ التُّرْسِ مُوحِشَةٍ xx للجِنّ بِاللّيْلِ فِي حَافَاتِهَا زَجَلُ

لاَ يَتَمَنّى لَهَا بِالقَيْظِ يَرْكَبُهَا xx إِلاَّ الَّذِينَ لَهُمْ فِيمَا أَتَوْا مَهَلُ

جَاوَزْتُهَا بِطَلِيحٍ جَسْرَةٍ سُرُحٍ xx فِي مِرْفَقَيهَا إِذَا استَعرَضْتَها فَتَلُ

بَلْ هَلْ تَرَى عَارِضاً قَدْ بِتُّ أَرْمُقُهُ xx كَأَنَّمَا البَرْقُ فِي حَافَاتِهِ الشُّعَلُ

لَهُ رِدَافٌ، وَجَوْزٌ مُفْأمٌ عَمِلٌ xx مُنَطَّقٌ بِسِجَالِ المَاءِ مُتّصِلُ

لَمْ يُلْهِنِي اللَّهْوُ عَنْهُ حِينَ أَرْقُبُهُ xx وَلاَ اللَّذَاذَةُ مِنْ كَأسٍ وَلاَ الكَسَلُ

فَقُلتُ للشَّرْبِ فِي دُرْنا وَقَدْ ثَمِلُوا xx شِيمُوا، وَكَيفَ يَشِيمُ الشَّارِبُ الثَّمِلُ؟

قَالُوا نِمَارٌ، فبَطنُ الخَالِ جَادَهُمَا xx فَالعَسْجَدِيَّةُ فَالأبْلاءُ فَالرِّجَلُ

فَالسَّفْحُ يَجرِي فَخِنْزِيرٌ فَبُرْقَتُهُ xx حَتَّى تَدَافَعَ مِنْهُ الرَّبْوُ، فَالحُبَلُ

حَتَّى تَحَمَّلَ مِنْهُ المَاءَ تَكْلِفَةً xx رَوْضُ القَطَا فكَثيبُ الغَينةِ السَّهِلُ

يَسقِي دِيَاراً لَهَا قَدْ أَصْبَحَتْ غَرَضاً xx زُوراً تَجَانَفَ عَنهَا القَوْدُ وَالرَّسَلُ

أَبْلِغْ يَزِيدَ بَنِي شَيْبَانَ مَألُكَةً xx أَبَا ثُبَيْتٍ! أَمَا تَنفَكُّ تأتَكِلُ؟

ألَسْتَ مُنْتَهِياً عَنْ نَحْتِ أَثْلَتِنا xx وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أَطَّتِ الإبِلُ

كَنَاطِحٍ صَخرَةً يَوْماً ليَفْلِقَهَا xx فَلَمْ يَضِرْها وَأوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ

تُغْرِي بِنَا رَهْطَ مَسعُودٍ وَإخْوَتِهِ xx عِندَ اللِّقَاءِ فتُرْدِي، ثُمَّ تَعتَزِلُ

لا أَعْرِفَنَّكَ إِنْ جَدَّتْ عَدَاوَتُنَا xx وَالتُمِسَ النَّصرُ مِنكُم عوْضُ تُحتَمَلُ

تُلزِمُ أرْماحَ ذِي الجَدَّيْنِ سَوْرَتَنا xx عِنْدَ اللِّقَاءِ، فتُرْديهِمْ وَتَعْتَزِلُ

لاَ تَقْعُدَنّ وَقَدْ أَكَّلْتَهَا حَطَباً xx تَعُوذُ مِنْ شَرِّهَا يَوْماً وَتَبْتَهِلُ

سَائِلْ بَنِي أُسَدٍ عَنَّا فَقَدْ عَلِمُوا xx أَنْ سَوْفَ يَأتِيكَ مِنْ أَنْبائِنا شَكَلُ

وَاسْأَلْ قُشَيراً وَعَبْدَ اللهِ كُلَّهُمُ xx وَاسْألْ رَبِيعَةَ عَنَّا كَيْفَ نَفْتَعِلُ

إِنَّا نُقَاتِلُهُمْ ثُمَّتَ نَقْتُلُهُمْ xx عِندَ اللِّقَاءِ، وَهُمْ جَارُوا وَهُمْ جَهِلُوا

قَدْ كَانَ فِي آلِ كَهفٍ إِنْ هُمُ احْتَرَبوا xx وَالجَاشِرِيَّةِ ما تَسْعَى وَتَنتَضِلُ

إِنِّي لَعَمْرُ الَّذِي خَطَّتْ مَنَاسِمُهَا xx تَخْدي وَسِيقَ إِلَيْهِ البَاقِرُ الغُيُلُ

لَئِنْ قَتَلْتُمْ عَمِيداً لَمْ يكُنْ صَدَداً xx لَنَقْتُلَنْ مِثْلَهُ مِنْكُمْ فنَمتَثِلُ

لَئِنْ مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبّ مَعرَكَةٍ xx لَمْ تُلْفِنَا مِنْ دِمَاءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ

لا تَنْتَهُونَ وَلنْ يَنهَى ذَوِي شَطَطٍ xx كَالطَّعنِ يَهْلِكُ فِيهِ الزَّيتُ وَالفُتُلُ

حَتَّى يَظَلَّ عَمِيدُ القَوْمِ مَرْتَفِقاً xx يَدْفَعُ بالرَّاحِ عَنْهُ نِسوَةٌ عُجُلُ

أصَابَهُ هِنْدُوَانيٌّ، فَأقْصَدَهُ xx أَوْ ذَابِلٌ مِنْ رِمَاحِ الخَطِّ مُعتَدِلُ

كَلاَّ زَعَمْتُمْ بِأنَّا لاَ نُقَاتِلُكُمْ xx إِنَّا لأَمْثَالِكُمْ يَا قَوْمَنا قُتُلُ

نَحنُ الفَوَارِسُ يَوْمَ الحِنْوِ ضَاحِيَةً xx جَنْبَيْ فُطَيمَةَ لاَ مِيلٌ وَلاَ عُزُلُ

قَالُوا الطِّرادُ، فَقُلنَا: تِلْكَ عَادَتُنَا xx أَوْ تَنْزِلُونَ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ

قَدْ نَخْضِبُ العَيرَ فِي مَكنُونِ فَائِلِهِ xx وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا البَطَلُ**

**أعشى قيس ( ألأعشى )

أعشى قيس ت(7 هـ/629 -570 م) هو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن افصى بن دعمي بن جديلة بن اسد بن ربيعة بن نزار. لقب بالأعشى لأنه كان ضعيف البصر، والأعشى في اللغة هو الذي لا يرى ليلا ويقال له: أعشى قيس والأعشى الأكبر. ويكنى الأعشى: أبا بصير، تفاؤلاً. عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم، ولقب بالأعشى لضعف بصره، وعمي في أواخر عمره. مولده ووفاته في قرية منفوحة باليمامة، وفيها داره وبها قبره. وهو من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، كان كثير الوفود على الملوك من العرب، والفرس، فكثرت الألفاظ الفارسية في شعره. غزير الشعر، يسلك فيه كل مسلك، وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعراً منه. كان يغني بشعره فلقب بصنّاجة العرب، اعتبره أبو الفرج الأصفهاني، كما يقول التبريزي: أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وذهب إلى أنّه تقدّم على سائرهم، ثم استدرك ليقول: ليس ذلك بمُجْمَع عليه لا فيه ولا في غيره. أما حرص المؤرخين على قولهم: أعشى بني قيس، فمردّه عدم اقتصار هذا اللقب عليه دون سواه من الجاهليين والإسلاميين، إذ أحاط هؤلاء الدارسون، وعلى رأسهم الآمدي في المؤتلف والمختلف، بعدد ملحوظ منهم، لقّبوا جميعاً بالأعشى، لعل أبرزهم بعد شاعرنا- أعشى باهلة، عامر ابن الحارث بن رباح، وأعشى بكر بن وائل، وأعشى بني ثعلبة، ربيعة بن يحيى، وأعشى بني ربيعة، عبد الله بن خارجة، وأعشى همدان، وأعشى بني سليم وهو من فحول الشعراء في الجاهلية. وسئل يونس عن أشعر الناس فقال: «امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير ابن ابي سلمى إذا رغب، والأعشى إذا طرب».

نسبه

ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضُبيعة، من بني قيس بن ثعلبة، وصولاً إلى علي بن بكر بن وائل، وانتهاء إلى ربيعة بن نزار وأبوه قيس بن جندل هو الذي سمّي بقتيل الجوع، سمّاه بذلك الشاعر جهنّام في معرض التهاجي فقال: أبوك قتيلُ الجوع قيس بن جندلٍ- وخالُك عبدٌ من خُماعة راضعُ وتفسير ذلك أن قيساً لجأ إلى غار في يوم شديد الحرارة فوقعت صخرة كبيرة سدّت عليه مدخل ذلك الغار فمات جوعاً. يفهم من قول ابن قتيبة: وكان ميمون بن قيس- أعمى، أن لقبه كما يرى- إنّما لحقه بسبب ذهاب بصره، ولعلّ الذين كنّوه بأبي بصير، فعلوا ذلك تفاؤلاً أو تلطفاً، أو إعجاباً ببصيرته القوية، ولذا ربطوا بين هذا الواقع الأليم وبين كنيته “أبي بصير” لكنّ آخرين لم يذهبوا هذا المذهب والعشى في نظرهم تبعاً لدلالته اللغوية ليس ذهاب البصر بل ضعفه، فلئن كان الأعشى لا يبصر ليلاً فلا شيء يحول دون أن يكون سليم البصر نهاراً. ومن هذه الزاوية اللغوية على الأرجح كنّي الأعشى بأبي بصير بباعث الثناء على توقّد بصيرته، وتعويضاً يبعث على الرضا في مقابل سوء بصر، ولعلّ ما جاء في شعر الأعشى حين طلبت إليه ابنته- كما قال في بعض قصائده- البقاء إلى جانبها لتجد بقربه الأمن والسلام ولتطمئن عليه بالكفّ عن الترحال وتحمل مصاعب السفر والتجوال- هو الأقرب إلى تصوير واقعه وحقيقة بصره، فهو يصف ما حلّ به في أواخر حياته من الضعف بعد أن ولّى شبابه وذهب بصره أو كاد وبات بحاجة إلى من يقوده ويريه طريقه، وإلى عصاه يتوكأ عليها، هكذا يصف نفسه فيقول: رأتْ رجُلاً غائب الوافدي- ن مُخلِف الخَلْق أعشى ضَريراً وأما تفسير لقب الأعشى الآخر- أي: “صنّاجة العرب”- فمختلف فيه هو الآخر، فقد سمّي- كذلك- لأنه أول من ذكر الصّنج في شعره، إذ قال: ومُستجيبٍ لصوتِ الصَّنْج تَسَمعُهُ- إذا تُرَجِّع فيه القينةُ الفُضلُ لكن أبا الفرج أورد تعليلاً مخالفاً حين نقل عن أبي عبيدة قوله: وكان الأعشى غنّى في شعره، فكانت العرب تسميه صنّاجة العرب. وإلى مثل هذا أشار حمّاد الرواية حين سأله أبو جعفر المنصور عن أشعر النّاس، فقال “نعم ذلك الأعشى صنّاجها”.

ولادته ونشأته

وقد ولد ونشأ في منفوحة وهي قريه حضريه على ضفاف وادي حنيفة في نجد في ما بات يعرف اليوم بالعربيه السعوديه وقد أصبحت منفوحة اليوم جزءا من مدينة الرياض.وفيها داره وبها قبره.

أما نشأته فموطن الأعشى هي بلدة منفوحة في ديار القبائل البكرية التي تمتد من البحرين حتى حدود العراق. التي نشأ فيها أبو بصير شاعر بني قيس بن ثعلبة. وكانت دياره أرضاً طيبة موفورة الماء والمرعى بغلالها وثمار نخيلها. ولئن كان الأعشى قد رأى الحياة في بلدته منفوحة وأقام فيها فترة أولى هي فترة النشأة والفتوّة، فالراجح أنّه بعد أن تتلمذ لخاله الشاعر المسيّب بن علس، خرج إثر ذلك إلى محيطه القريب والبعيد فنال شهرة واكتسب منزلة عالية بفضل شاعريته الفذّة في المديح بخاصة والاعتداد بقومه البكريين بعامّة. فاتصل بكبار القوم، وكان من ممدوحيه عدد من ملوك الفرس وأمراء الغساسنة من آل جفنة وأشراف اليمن وسادة نجران واليمامة. ومن أبرز الذين تعدّدت فيهم قصائده قيس بن معد يكرب وسلامة ذي فائش وهوذة بن علي الحنفي. ولقد بات الأعشى بحافز من مثله الأعلى في الّلذة التي تجسّدت في الخمرة والمرأة، في طليعة الشعراء الذين وظّفوا الشعر في انتجاع مواطن الكرم يتكسب المال بالمدح، ويستمطر عطاء النبلاء، والسادة بآيات التعظيم والإطراء حتى قيل عنه، كما أورد صاحب الأغاني: " الأعشى أوّل من سال بشعره" لكنّ هذا الحكم لا يخلو من تعريض تكمن وراءه أسباب شتّى من الحسد وسطحية الرأي وربما العصبيّة القبليّة. إن الأعشى نفسه لم ينكر سعيه إلى المال، ولكنّه كان دائماً حريصاً على تعليل هذا المسعى والدافع إليه، فلم يجد في جعل الثناء قنطرة إلى الرخاء والاستمتاع بالتكسّب عاراً فهوعنده جنى إعجابٍ وسيرورة شعر. وفي مثل هذا الاتجاه يقول لابنته مبرّراً مسعاه إلى الثروة، رافضاً الثّواء على الفقر والحرمان: وقد طُفتُ للمالِ آفاقَهُ- عُمانَ فحِمص فأورى شِلمْ أتيتُ النّجاشيَّ في أرضه- وأرضَ النَّبيط، وأرضَ العجمْ فنجران، فالسَّروَ من حِمْيرٍ- فأيَّ مرامٍ له لم أَرُمْ ومن بعدِ ذاك إلى حضرموت- ت، فأوفيت همّي وحينا أَهُمْ ألمْ تري الحَضْرَ إذ أهلُه- بنَعُمى- وهل خالدٌ من نَعِمْ كان الأعشى بحاجة دائمة إلى المال حتى ينهض بتبعات أسفاره الطويلة ويفي برغباته ومتطلباته فراح بلاد العرب قاصداً الملوك.. يمدحهم ويكسب عطاءهم. ولم يكن يجتمع إليه قدر من المال حتى يستنزفه في لذّته.. ثم يعاود الرحلة في سبيل الحصول على مال جديد، ينفقه في لذّة جديدة. هذا هو الغرض من استدرار العطاء بعبارة الثناء، فكسبه النوال إنما كان لتلك الخصال التي عدّدنا، ولم يكن الأعشى في حياته إلا باذلاً للمال، سخيّاً على نفسه وذويه وصحبه من النّدامى ورفاقه في مجالس الشراب، فلا يجد غضاضة أن يحيط ممدوحه بسيرته هذه كقوله مادحاً قيس بن معد يكرب: فجِئتُكَ مُرتاداً ما خبّروا- ولولا الذي خبّروا لم تَرَنْ فلا تحرِمنّي نداكَ الجزيل- فإنّي أُمرؤ قَبْلكُمْ لم أُهَنْ بحكم ما تقدّم من فعل النشأة وتكوين العرى الأولى في شخصيّة الأعشى تطالعنا في ثنايا ديوانه، وبالدرس والتحليل والاستنتاج جوانب غنيّة من عالم الشاعر نكتفي منها بلُمع نتلمس مصادرها في قصائده ومواقفه وردّات أفعاله وانفعالاته. وفي قمة ما يمور به عالمه النفسي والفكري اعتقادٌ أملاه الواقع بعبثية الحياة، وتداخل مهازلها بصلب طبيعتها التي لا تني في تشكيلها وتبدّلها بصور شتى لا تغيّر من جوهرها المرتكز على ظاهرة التلوّن وعدم الثبات والزوال. وقد ضمّن الأعشى شعره هذه التأمّلات وهو يصف الموت الذي يطوي الملوك والحصون والأمم والشعوب كمثل قوله في مطلع مدحه المحلّق: أرقتُ وما هذا السُّهادُ المؤرّقُ- وما بي من سقم وما بي مَعْشَقُ ولكن أراني لا أزالُ بحادثٍ- أُغادي بما لم يمسِ عندي وأطرقُ فما أنتَ إنْ دامتْ عليك بخالدٍ- كما لم يُخلَّدْ قبل ساسا ومَوْرَقُ وكِسرى شهِنْشاهُ الذي سار مُلكُهُ- له ما اشتهى راحٌ عتيقٌ وزنْبقُ ولا عادياً لم يمنع الموتَ مالُه- وحصنٌ بتيماءَ اليهوديّ أبلقُ.

شعره

شعره من الطبقة الأولى. وجود في أبواب الشعر كافة. إلا أن معظم شعره لم يتصل بنا ولا نعلم له الا قصائد معدودة أشهرها “ودع هريرة” وقد عدها البعض من المعلقات والأعشى من كبار شعراء الجاهلية: جعله ابن سلاّم أحد الأربعة الأوائل، في عداد امرئ القيس والنّابغة وزهير فهو “بين أعلام” الجاهلية، وفحول شعرائها، وهو متقدّم كتقدّم من ذكرنا دونما إجماع عليه أو عليهم، ومع ذلك فليس هذا بالقليل: أو ألم يُسأل حسّان بن ثابت… عن أشعر الناس كقبيلة لا كشاعر بعينه فقال: “الزّرق من بني قيس بن ثعلبة” ولا غرو أنّه عنى في المقام الأول الأعشى أبا بصير، وهو ما أكده الكلبي عن مروان بن أبي حفصة حين أشاد بالأعشى وأحلّه مرتبة الشاعر الشاعر لقوله: كلا أبَويْكم كان فرعَ دِعامةٍ- ولكنّهم زادوا وأصبحت ناقصاً وحدّث الرياشي نقلاً عن الشعبيّ ففضّل الأعشى في ثلاثة أبيات واعتبره من خلالها أغزل النّاس وأخنثهم وأشجعهم، وهي على التوالي: غرّاء فرعاءُ مصقولُ عوارضُها- تمشي الهُوَيْنى كما يمْشي الوَجى الوَحِلُ قالتْ هريرةُ لمّا جِئتُ زائرَها- ويلي عليكَ وويلي منك يا رجلُ قالوا الطّرادُ فقلْنا تلكَ عادتُنا- أو تنزِلونَ فإنّا معْشرٌ نُزُلُ كان الأعشى يعتبر الشرّ في الطبيعة البشرية قدراً ليس يدفع فهل غذّى فيه هذا الاعتقاد الكفاح في سبيل متع الوجود وجعله يرتضي بالتالي مصيره، وهو مصير الورى جميعاً أي حتمية الزوال. وأوجز ما يقال في الأعشى شاعراً، أّنه صورة الرجل فيه: فقد كان جريئاً في غزله وخمرته وكانت جرأته واضحة المعالم في صدق مقالته حين يمدح أو يفتخر أو يهجو وهكذا اكتسب شعره سيرورة ونزل من القلوب منزلة رفيعة فكان أقدر الشعراء على وضع الرفيع، ورفع الوضيع، ويكفي برهاناً على الطرف الآخر خبره من المحلَّق الكلابي وهو الخبر الذي تناقلته كتب الأدب وجعلت منه مثالاً، لا لتأثير الشعر في نفوس العرب وحسب، بل ولسموّ الشاعر في صنيعه وهو ما أتاح له أن ينتزع إعجاب الأدباء والشرّاح من ناحية، وأن يتبوّأ بالتالي منزلة رفيعة في تاريخ الشعر الجاهلي، إن لم نقل في تاريخ العربي على مرّ العصور. ولئن تعذر أن نمضي على هذا المنوال، في ثنايا شعر أبي بصير، المقدّم في نظر نفر صالح من النقّاد، على أكثر شعر الجاهليين كافة، ولا سيّما في غزله ومدائحه وملاهيه وأوصافه. ولئن كنّا نتجاوز المواقف المختلفة من سعي الأعشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومسألة إسلامه فنحن نقف عند واحد جامع من آراء الشرّاح القدامى، نرى فيه غاية ما نرمي إليه في هذا الموضع، قصدنا قول أبي زيد القرشي في جمهرته: “الأعشى أمدح الشعراء للملوك، وأوصفهم للخمر، وأغزرهم شعراً وأحسنهم قريضاً”.

له القصائد الطوال الجياد. يتغنى بشعره فسموه: “صناجة العرب وطناجة الغرب” - ويقولون ان الأعشى هو أول من انتجع بشعره، يقصدون بذلك أنه كان يمدح لطلب المال. ولم يكن يمدح قوماً إلا رفعهم، ولم يهج قوماً إلا وضعهم لأنه من أسير الناس شعراً وأعظمهم فيه حظاً. ألم يزوج بنات المحلق بابيات قالها فيه، كما جاء في كتب الأدب اشتهر بمنافرة له مع علقمة الفحل. امتاز عن معظم شعراء الجاهلية بوصف الخمر.

أما معلقته والتي تسمى لامية الاعشى فمطلعها:

ودِّع هريرةَ إنَّ الر?بَ مرتحلُ =ـ وهل تطيقُ وداعاً أيُّها الرجلُ

وتقول العرب ان أقوى بيت في مقطع الهجاءفي معلقته، ذلك الذي أصبح هو الآخر مثلاً، وفيه يقول:

كناطح صخرة يوماًَ ليوهنها ــ فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل

فصار يتمثّلُ به كناية عن حماقة كل من يتصدى لمصاولة ما يفوقه قوة وصموداً

ما بكاء الكبير في الأطلال - وسؤالي وما ترد سؤالي

وقد ترجم بعض قصائده الطوال، المستشرق الألماني “غاير” منها: قصيدته المعلقة، والقصيدة الثانية “ودع هريرة”. وقد عني بشرحها مطولاً، وطبعت معلقته في كتاب: المعلقات العشر.

من قصيدة “هيفاء مثل المهرة”:

صَحَا القَلبُ مِن ذِكرَى قُتَيلَةَ بَعدَمَا ـ يَكُونُ لَهَا مِثلَ الأَسِيرِ المُكَبَّلِ

لَهَا قَدَمٌ رَيَّا، سِبَاطٌ بَنَانُهَ ـ قَدِ اعتَدَلَت فِي حُـسنِ خَلقٍ مُبتَّلِ

وَسَاقَانِ مَارَ اللَّحمُ مَورَاً عَلَيهِما _ إلَى مُنتَهَى خَلخَالِهَا المُتَصَلصِلِ

إذَا التُمِسَت أُربِيّتَاهَا تَسَانَدَت ـ لَهَا الكَفُّ فِي رَابٍ مِنَ الخَلقِ مُفضِلِ

إلَى هَدَفٍ فِيهِ ارتِفَاعٌ تَرَى لَهُ _ مِنَ الحُسنِ ظِلاً فَوقَ خَلقٍ مُكَمَّلِ

منقوووووووووول**

**8.معلقة عبيد بن الأبرص

أَقـفَـرَ مِـن أَهــــلِـهِ مَلْـحـوبُ =فـالـقُــــطـبـيَّــات فـالـذَّنـــوبُ
فَــراكِـــسٌ فــثــُعَــيــلٍبـــــاتٌ =فَــذاتَ فَــرقَــيـنِ فـالـقَــلِـيـبُ
فَــعَـــرْدةٌ ، فَــقَــفـــا حِـــبِــرٍّ =لَـيــسَ بِــها مِـنـهُــمُ عَـــريبُ
إن بُـدِّلَــتْ أهْـلِـهـا وُحـوشًـا =وغًــيَّـرتْ حـالَـهـا الخُطُــوبُ
أرضٌ تَـوارَثَـهـــا الــجُــدوبُ =فَـكُـلُّ مـن حَـلَّـهــا مَـحْــروبُ
إمَّــا قَــتــيـــلاً وإمَّــا هَــلْكـًــا = والـشَّـيْـبُ شَــيْـنٌ لِمَنْ يَشِيبُ
عَـيـنــاكَ دَمْـعُـهـمــا سَـروبٌ =كــأنَّ شَــأنَـيـهِـمــا شَـــعِـيـبُ
واهِـيـــةٌ أو مَـعــيـنُ مَمـــعْـنٍ =مِـنْ هَـضْـبــةٍ دونَـهـا لَـهـوبُ
أو فَـلــْجُ وادٍ بِـبَــطْــنِ وادٍ =لِلـمــاءِ مِـنْ تَـحـتِـهـا سَـكوبُ
أوْ جَــدولٌ فـي ظِـلالِ نَـخْــلٍ =لِلـمــاءِ مِـنْ تَـحْـتِـهــا قَسـيبُ
تَـصْبـو وأنَّـى لـكَ التَّصابي ؟ =أنَّـي وقَـد راعَــكَ الـمَـشـيبُ؟
فـإنْ يَـكُــنْ حــــالَ أجْـمَـعِهـا =فــــلا بَــدِيٌّء ولا عَـــجـــيـبُ
أوْ يــكُ أقْـفَــرَ مِـنـهـا جَــوُّها =وعـادَهـا المَـحْـلُ والجُـدوبُ
وكُــلُّ ذي نِـعْــمــةٍ مَـخـلـوسٌ =وكُـــلُّ ذي أمَــــلٍ مَــكــذوبُ
وكُـــلُّ ذي إبِــــلٍ مَــــوْروثٌ =وكُــلُّ ذي سَــلْـبٍ مَـسْــلـوبُ
وكُـــلُّ ذي غَـــيْــبـــةٍ يَــؤوبُ =وغــائِــبُ الـمَـــوْتِ لا يَـؤوبُ
أعــاقِـــرٌ مِــثْــلُ ذاتِ رَحْـمٍ؟ =أم غــانِـمٌ مِـثْــلُ مَـنْ يَـخـيبُ؟
مَـنْ يَـسْــألِ الـنَّـاسَ يَـحْرِمُوهُ =وســــائِــلُ اللهِ لا يَــخـــيــبُ
أفْلِحْ بِما شِئْتَ قدْ يَبلُغُ بالـ =ضَّعْــفِ وقَـدْ يُـخْـدَعُ الأرِيبُ
لا يَعِـظُ النَّاسُ مَنْ لا يَعِـظُ الدْ =دَهْــرُ ولا يَــنْـفَــعُ الـتَّـلْـبِـيـبُ
إلاَّ سَــجِيـَّـاتُ مــا الـقُـلُــوبُ =وكـم يُـصَـيِّـرْنَ شـانـئـاً حَبِيبُ
سـاعِـدْ بِـأرضٍ إنْ كُـنتَ فيها =ولا تَــقُــلْ إنَّــنــي غَـــريــبُ
قـدْ يُـوصَلُ النَّازِحُ النَّائي وقد =يُـقْـطَـعُ ذو السُّــهْمَةِ القَــريبُ
والـمَرْءُ مـا عـاشَ في تَكْذيبٍ =طُــولُ الحـَيــاةِ لــهُ تَـعْـذيـبُ
بـل رُبَّ مــاءٍ وَرَدتُّ آجِــــنٍ =سَـــبــيــلُــهُ خــائفٌ جَــدِيـبُ
رِيـشُ الـحَمـامِ عـلى أرْجائِـهِ = لِـلـقَـلـبِ مِـنْ خَـوْفِــهِ وَجِـيبُ
قَـطَـعـتــهُ غُــدْوة مُـشِــيـحــاً =وصــاحِـبـي بـــادِنٌ خَـبــوبُ
غَــيْـرانـةٌ مُـوجَـــدٌ فَـقـارُهــا =كـــأنَّ حــارِكَــهـــا كَـثـِـيــبُ
أَخـلَـفَ مـا بــاذلاً سَـديـسُـهـا = لا حِــقَّـــةٌ هِــيَ ولا نَــيُــوبُ
كَـأنَّـهـا مِـن حَــمــيـرِ غــابٍ =جَــوْنٌ بِـصَـفْـحــَتِـــهِ نُــدوبُ
أَو شَـبَـبٌ يَـحـفِـرُ الرُخـامـى =تَــلـــُفُّــهُ شَــمـــألٌ هُــبـــوبُ
فــذاكَ عَصْـرٌ ، وقـدْ أرانــي =تَـحـمِـلُـنـي نَـهـدَةٌ سُـرحـوبُ
مُـضَبَّـرٌ خَـلـقُـهـا تَـضـبـيــراً =يَـنـْشَـقُّ عَنْ وَجْـهِهـا السَّبيبُ
زَيـتِــيَّـةٌ نــاعِــمٌ عُــروقُــهــا =وَلَــيِّــنٌ أَســـرُهــا رَطــيــبُ
كَـــأَنَّــهــا لِــقـــوةٌ طَــلـــوبُ =تُـخـزَنُ فـي وَكـرِها الـقُـلوبُ
بـانَــت عَــلــى إِرَمٍ عَــذوبــاً =كَــأَنَّــهــا شَــيــخَــةٌ رَقــوبُ
فَـأَصـبَـحـَت فـي غَـداةِ قِــرَّةٍ =يَسْـقُطُ عَنْ رِيشِـها الضَّـريبُ
فَـأَبـصـَرَت ثَـعـلـَباً مِن ساعَةٍ =وَدونَــهُ سَــبــسَــبٌ جَــديـبُ
فَنـَفَضَـت ريـشَهـا وَاِنتَفَضَـت =وَهيَ مِن نَـهــضَــةٍ قَــريــبُ
فَاِشتالَ وَاِرتاعَ مِن حَسيسِهـا = وَفِـعـلَـهُ يَــفــعَـلُ الـمَــذؤوبُ
فَـنَـهـَضَـت نَـحـوَهُ حَـثـيـــثَــةً =وَحَـــرَدَت حَـــردَةً تَـســيــبُ
يَـدِبُّ مِــن حِـسـِّهـا دَبـيـبــاً =وَالـعَـيـنُ حِـمـلاقُـهـا مَـقلوبُ
فَــأَدرَكَــتـــهُ فَـــطَــرَّحَــتــهُ =والصَّـيْدُ مِنْ تَحْتِهـا مَكْــروبُ
فَــجَــدَّلَــتــهُ فَــطَــرَّحَــتــهُ =فــكَـدَّحَـتْ وَجْـهَـهُ الـجَـبـوبُ
فــعـاوَدَتْـــهُ فَـــرَفَّـــعَـــتْـــهُ =فــأرْسَـلَـتْــهُ وهُــوَ مَـكْـروبُ
يَـضغـو وَمِـخلَـبـُهـا فـي دَفّـِهِ = لا بُــدَّ حَـيْـزومُـــهُ مَــنـقُــوبُ**

**عنترة بن شداد

عنترة بن عمرو بن شداد بن معاوية بن قراد العبسي (525 م - 601 م) هو أحد أشهر شعراء العرب في فترة ما قبل الإسلام، اشتهر بشعر الفروسية، وله معلقة مشهورة. وهو أشهر فرسان العرب وأشعرهم وشاعر المعلقات والمعروف بشعره الجميل وغزله العفيف بعبلة.

واشتقاق اسم عنترة من ضرب من الذباب يقال له العنتر وإن كانت النون فيه زائدة فهو من العَتْرِ والعَتْرُ الذبح والعنترة أيضاً هو السلوك في الشدائد والشجاعة في الحرب. وإن كان الأقدمون لا يعرفون بأيهما كان يدعى: بعنتر أم بعنترة فقد اختلفوا أيضاً في كونه اسماً له أو لقباً. كان عنترة يلقب بالفلحاء ـ من الفلح ـ أي شق في شفته السفلى وكان يكنى بأبي الفوارس لفروسيتة و يكنى بأبي المعايش وأبي أوفى وأبي المغلس لجرأته في الغلس أو لسواده الذي هو كالغلس، وقد ورث ذاك السواد من أمه زبيبة، إذ كانت أمه حبشية وبسبب هذا السواد عده القدماء من أغرب العرب.

نسبه

في نسب عنترة روايات متعددة أبرزها :

*عنترة بن شداد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس

*عنترة بن عمرو بن شداد بن قراد بن مخزوم بن عوف بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض

حياته

اشتهر عنترة بالفروسية والشعر والخلق السمح. ومما يروى أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من بني عبس فأصابوا منهم، فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم وعنترة فيهم فقال له أبوه: كر يا عنترة، فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلب والصر، فقال كر وأنت حر، فكر وأبلى بلاء حسناً يومئذ فادعاه أبوه بعد ذلك وألحق به نسبه، وقد بلغ الأمر بهذا الفارس الذي نال حريته بشجاعته أنه دوخ أعداء عبس في حرب داحس والغبراء الأمر الذي دعا الأصمعي إلى القول بأن عنترة قد أخذ الحرب كلها في شعره وبأنه من أشعر الفرسان.

أما النهاية التي لقيها الشاعر فالقول فيها مختلف، فئة تقول بأنه مات بسهم مرهرط من رجل أعماه اسمه جابر بن وزر يلقب بالأسد الرهيص أثناء إغارة قبيلة عبس على قبيلة طيئ وانهزام العبسيين، وهذا الرجل انتقم من عنترة بسبب العمى الذي سببه له عنترة في حروب داحس والغبراء ويقال أن الأسد الرهيص كان أحد الفرسان الأقوياء بذاك العصر. ويروى أن عنترة بعد هزيمة قومه وإصابته بالسهم المسموم ظل يسير على قومه. يلاحظ المؤرخ فيليب حتي «تاريخ العرب» - في حرب البسوس، وهي أقدم الحروب وأشهرها، وقد شبه المؤرخ عنترة - شاعراً ومحارباً - بأخيل، كرمز لعصر البطولة العربية.

أخلاق الفرسان

اشتهر عنترة بقصة حبه لابنة عمه عبلة بنت مالك، وكانت من أجمل نساء قومها في نضارة الصبا وشرف الأرومة، بينما كان عنترة بن عمرو بن شداد العبسي ابن جارية فلحاء، أسود البشرة، وقد ولد في الربع الأول من القرن السادس الميلادي، وذاق في صباه ذل العبودية، والحرمان وشظف العيش والمهانة، لأن أباه لم يستلحقه بنسبه، فتاقت روحه إلى الحرية والانعتاق. غير أن ابن الفلحاء عرف كيف يكون من صناديد الحرب والهيجاء، يذود عن الأرض، ويحمي العرض، ويعف عن المغنم. يقول عنترة:

ينبئك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم

وعنترة (كمثال لأخلاقية الحرب والنبل والشهامة والحميّة)، استحق تنويه النبي محمد عندما تُلي أمامه قول عنترة:

ولقد أبيت على الطوى وأظلّه = حتى أنال به كريم المأكلِ

يقول صاحب الأغاني: «قال عمر بن الخطاب للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف فارس حازم. قال: كيف يكون ذلك؟ قال: كان قيس بن زهير فينا، وكان حازماً فكنا لا نعصيه. وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم. وكان فينا الربيع بن زياد وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه. وكان فينا عروة بن الورد فكنا نأتم بشعره… إلخ». ولعل في هذا المثل السالف آية وعلامة على «فن الحرب» الذي كان يعتمد في العصور القديمة على الرأي والاستراتيجية والقيادة الحكيمة، والشعر (التعبئة) والقوة القائمة على العنف والغلبة.

قيل لعنترة: أأنت أشجع العرب وأشدها؟ فقال: لا. فقيل. فبماذا شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً، ولا أدخل إلا موضعاً أرى لي منه مخرجاً، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة التي يطير لها قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله. وهذه الآراء تؤكد اقتران الحيلة والحنكة في فن الحرب عند عنترة وأقرانه في عصر السيف والرمح والفروسية. لا مراء في أن عنترة كان أشهر فرسان العرب في الجاهلية، وأبعدهم صيتاً، وأسيرهم ذكراً وشيمة، وعزة نفس، ووفاءً للعهد، وإنجازاً للوعد وهي الأخلاقية المثلى في قديم الزمان وحديثه.

بالرغم من هذا، فقد خرج عنترة في كنف أب من أشراف القوم وأعلاهم نسباً، ولكن محنته جاءته من ناحية أمه «الأَمَة» ولم يكن ابن الأمة يلحقه بنسب أبيه إلا إذا برز وأظهر جدارته واستحقاقه للحرية والعتق والشرف الرفيع، وهذا ما حصل في حال عنترة الذي اشترى حريته بسيفه وترسه ويراعه (لسانه) الشعري، وأثبت أن الإنسان صانع نفسه، وصاحب مصيره، بغض النظر عن أصله وفصله وجنسه ولونه وشكله.

يقول عنترة:

لا تسقني ماءَ الحياة بذلةٍ =فاسقني بالعز كأس الحنظَلِ

ماءُ الحياة بذلةٍ كجهنم ***********-_ وجهنم بالعزِّ أطيب منزل

وقد كانت عبلة وظلت الأثيرة في حياته وحتى مماته. وقد انتهت حياة البطل عنترة بعد أن بلغ من العمر عتياً، ويشبه مماته ميتة أخيل، كفارس يقاتل في التسعين من عمره، في كبره، ومات مقتولاً إثر رمية سهم، وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص من قبيلة طيء. وكان لامارتين الشاعر الفرنسي معجباً بميتة عنترة الذي ما إن أصيب بالسهم المسموم وأحسّ أنه ميت لا محالة، حتى اتخذ خطة المناضل ? حتى بعد مماته ? فظل ممتطياً صهوة جواده، مرتكزاً على رمحه السمهري، وأمر الجيش بأن يتراجع القهقرى وينجو من بأس الأعداء، وظل في وقفته تلك حامياً ظهر الجيش والعدو يبصر الجيش الهارب، ولكنه لا يستطيع اللحاق به لاستبسال قائده البطل في الذود عنه ووقوفه دونه، حتى نجا الجيش وأسلم عنترة الروح، باقياً في مكانه، متكئاً على الرمح فوق جواده الأبجر.

وفاته

صورة حديثة لصخرة عنترة في منطقة الجواء في السعودية أين كان يلتقي مع حبيبته عبلة

في موت عنترة ثلاث روايات أشهرها صاحب الأغاني قال إنه أي عنترة أغار على بني نبهان فأطرد لهم طريدة وهو شيخ كبير وجعل يرتجز:

حظ بني نبهان الأخبث…كأنما آثارهما بالحثحث.

وكان جابر بن وزر النبهاني الملقب بالأسد الرهيص في فتوة فرماه وقال: خذها وأنا ابن سلمى فقطع ظهره فتحامل بالرمية حتى أتى أهله وهو مجروح فقال أبياتاً مطلعها:

وإن ابن سلمى فأعلموا عنده دمي وهيهات لا يرجى ابن سلمى ولا دمي.

يريد أن قومه لن يتمكنوا من الأخذ بثأره.**

عنترة بن شداد في السينما و التلفزيون

جسدت شخصية عنترة بن شداد العبسي في السينما مرتان و مثل الفيلمين فريد شوقي و كوكا، تم عمل مسلسل عن عنترة أيضا و قد قام بتجسيد شخصيته الممثل الكويتي فيصل العميري و قامت بتجسيد عبلة الممثلة السورية كندة حنا و هو من إخراج المخرج رامي حنا

فيلم عنترة بن أبي شداد**

www.youtube.com

**عبيد بن الأبرص

عبيد بن الأبرص بن حنتم بن عامر بن مالك بن زهير بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد، وقيل عبيد بن عوف بن جشم الأسدي من قبيلة بني أسد الخندفية المضرية، زمن مولده غير معروف، شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات ويعد من شعراء الطبقة الأولى، قتله المنذر بن ماء السماء حينما وفد عليه في يوم بؤسه.عاصر امرؤ القيس وله معه مناظرات ومناقضات، وهو شاعر من دهاة الجاهلية وحكمائها، وأحد أصحاب المجمهرات المعدودة طبقة ثانية عن المعلقات، على أن محمد بن سلاّم جعله في الطبقة الرابعة، وقال فيه: “عبيد بن الأبرص قديم الذكر عظيم الشهرة، وشعره مضطرب، ذاهب لا أعرف إلاّ قوله في كلمته: أقفر من أهله ملحوب، ولا أدري ما بعد ذلك”.

مات في (24 ق هـ / 598 م ) هي روايتان ألأولى: مسندةٌ على الشرقيّ بن القطامي، قال: كان المنذر بن ماء السماء قد نادمه رجلان من بني أسد، أحدهما خالد بن المضلِّل والآخر عمرو بن مسعود بن كَلَدة، فأغضباه في بعض المنطق، فأمر بأن يحفر لكلّ منها حفيرة بظهر الحيرة ثمّ يجعلا في تابوتين ويدفنا في الحفرتين، ففُعل بهما ذلك، حتى إذا أصبح سأل عنهما فأُخبر بهلاكهما، فندم على ذلك وغمّه، ثم ركب حتى نظر إليهما فأمر ببناء الغَرِيّين فبنيا عليهما، وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما عند الغريّين أحدهما يوم السعد والآخر يوم التعس ، فأوّل من يطلع عليه في يوم نعيمه (يوم السعد) يعطيه مائة من الإبل شؤماً، أي سوداً، وأول من يطلع عليه يوم بؤسه (يوم التعس) يعطيه رأس ظَرِبان أسود، ثم يأمر به فيذبح ويغرّى بدمه الغريّان. فلبث بذلك برهة من دهره. ثم إن عبيد بن الأبرص كان أوّل من أشرف عليه يوم بؤسه فقال: هلاّ كان الذّبحُ لغيرك، يا عبيد فقال: أتتك بحائن رجلاه، فأرسلها مثلاً. فقال المنذر: أو أجلٌ بلغ أناه. ثم قال له: أنشدني فقد كان شعرك يعجبني. فقال حال الجريض دون القريض، وبلغ الحِزام الطِّبيين، فأرسلها مثلاً. فقال له آخر: ما أشدّ جزعك من الموت! فقال: لا يرحلُ رحلك من ليس معك، فأرسلها مثلاً. فقال له المنذر: قد أمللتني فأرحني قبل أن آمر بك! فقال عبيد: من عزّ بزّ، فأرسلها مثلاً. فقال المنذر: أنشدني قولك: “أقفر من أهله ملحوب” فقال:

أقفر من أهله عبيدُ =ــ فليس يُبدي ولا يُعيدُ

عنّت عنّةٌ نَكودُ ــ وحان منه لها وُرودُ

فقال له المنذر:

يا عبيد! ويحك أنشدني ــ قبل أن أذبحك. فقال عبيد:

واللهِ إن متُّ لما ضرّني __وإن أعِش ما عشتُ في واحدة

فقال المنذر: إنّه لا بدّ من الموت، ولو أن النعمان، أي ابنه، عرض لي في يوم بؤس لذبحته، فاختر إن شئت الأكحل، وإن شئت الأبجل، وإن شئت الوريد. فقال عبيد: ثلاث خصال كسحابات عاد واردها شرّ وُرّاد، وحاديها شرّ حاد، ومعادها شرّ معاد، ولا خير فيها لمرتاد، وإن كنتَ لا محالة قاتلي، فاسقني الخمر حتى إذا ماتت مفاصلي وذَهِلت ذواهلي فشأنك وما تريد. فأمر المنذر بحاجته من الخمر، حتى إذا أخذت منه وطابت نفسه دعا به المنذر ليقتله، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

وخيّرني ذو البؤس في يوم بؤسه ــ خَصالاً أرى في كلّها الموتَ قد برَق

كما خُيّرتْ عادٌ من الدّهر مرّةً ــ سحائبَ ما فيها لذي خِيرةٍ أنَقْ

سحائب ريحٍ لم تُوكَّل ببلدةٍ ـــفتتركها إلاّ كما ليلةِ الطّلَقْ

فأمر به المنذر ففصد، فلما مات غذي بدمه الغريّان. وقد يضرب المثل بيوم عبيد، عند العرب، لليوم المشؤوم الطالع. أما رواية مقتله في الديوان، فقد رويت في الأغاني أيضاً عن هشام بن الكلبي، على شيء من الاختلاف، كما أشرنا إليه سابقاً، قال: وكان من حديث عبيد وقتله أن المنذر بن ماء السماء بنى الغريّين، فقيل له: ماذا تريد بهما وكان بناهما على قبري رجلين من بني أسد كانا نديميه: أحدهما خالد بن نضلة الفقعسيّ، وكان أُسر يوم جبَلة، والآخر عمرو بن مسعود. فقال: ما أنا بملك إن خالف الناس أمري؛ لا يمرّ أحد من وفود العرب إلا بينهما. وكان له في السنة يومان معروفان بيوم بؤس ويوم نعمة، فكان إذا خرج في يوم بؤسه يذبح فيه أوّل من يلقاه كائناً من كان؛ وإذا خرج في يوم نعمته يصِل أوّل من يلقاه ويحبوه ويُحسن إليه. فبينما هو يسير في يوم بؤسه إذ أشرف له عبيد، فقال لرجل ممّن كان معه: من هذا الشقيّ فقال له: هذا عبيد بن البرص. فأُتي به فقال له الرجل: أبيت اللعن اتركه، فإن عنده من حسن القريض أفضل ممّا تدرك في قتله، مع أنّه من رؤساء قومه وأهل النجدة والشأن فيهم، فاسمع منه وادعه إلى مدحك، فإن سمعت ما يعجبك كنت قد عفت له المنّة فإن مِدْحَته الصنيعة. فإن لم يعجبك قوله كان هنيئاً عليك قتله، فإذا نزلنا فادع به! قال: فنزل المنذر، فطعِم وشرب، وبينه وبين الناس حجاب يراهم منه ولا يرونه، فدعا بعبيد من وراء الستر فقال له رديفة: ما ترى يا أخا أسد. قال: أرى الحوايا عليها المنايا. قال: فعليك بالخروج له ليقرّبك ذاك من الخلاص. قال: ثكلتك الثّواكل، إنّي لا أعطي باليد، ولا أُحضر البعيد، والموت أحبّ إليّ. قال له الملك: أفقلت شيئاً. قال: حال الجريض دون القريض. قال المنذر: أنشدني من قولك “أقفر من أهله ملحوب”. قال عبيد:

أقفر من أهله عبيدُ ــ فليس يُبدي ولا يُعيد

قال: أنشدنا أيضاً! فقال:

هي الخمر تكنى بأمّ الطّلاء ــ كما الذّئبُ يدعى أبا جعدةِِ

فقال: قل فيّ مديحاً يسير في العرب! قال: أمّا والصَّبّار فيما عجل فلا! قال: نطلقك ونحسن إليك. قال: أمّا وأنا أسير في يديك فلا. قال: نردّك إلى أهلك ونلتزم رفدك. قال: أمّا على شرط المديح فلا! قال عبيد:

أوَصيِّ بَنِيّ وأعمامهم ــ بأنّ المنايا لهُم راصده

لها مدّةٌ، فنفوسُ العِباد ــ إليها، وإن جهَدوا، قاصِده

فوالله إنْ عشتُ ما سرّني ــ وإن متُّ ما كانت العائده

فقال بعض القوم: أنشِد الملك! قال: لا يرجى لك من ليس معك. قال بعضهم من القوم: أنشد الملك! قال: وأُمِرَّ دون عبيده الوَذَمُ. قال له المنذر: يا عبيد أي قتلة أحبّ إليك أن أقتلك. قال: أيّها الملك روّني من الخمر وافصدني، وشأنك وشأني. فسقاه الخمر ثم أقْطَعَ له الأكحل فلم يزل الدم يسيل حتى نفد الدم وسالت الخمر، فمات.

مطلع معلقة عبيد الأبرص

أقفـرَ من أهلهِ مَلْحـوبُ *** فالقُطبيَّــات فالذَّنوبُ

فَراكِـسٌ فثُعَيـلٍبــاتٌ *** فَـذاتَ فَـرقَـينِ فالقَـلِيبُ

فَعَـرْدةٌ، فَقَفــا حِـبِرٍّ *** لَيسَ بِها مِنهُــمُ عَـريبُ

وبُدِّلَتْ مِنْ أهْلِها وُحوشًا *** وغًـيَّرتْ حالَها الخُطُــوبُ

أرضٌ تَوارَثَهـا الجُدوبُ *** فَكُـلُّ من حَلَّهـا مَحْـروبُ

إمَّـا قَتيـلاً وإمَّـا هَلْكـًا *** والشَّيْبُ شَـيْنٌ لِمَنْ يَشِـيبُ

منقوووووووووول**

**6.معلقة عنترة بن شداد

هل غادر الشعراء مـن متـردم ==أم هل عرفت الدار بعـد توهـم

يا دار عبلـة بالجـواء تكلمـي ==وعمي صباحاً دار عبلة و اسلمي

فوقفـت فيهـا ناقتـي و كأنهـا ==فـدنٌ لأقضـي حاجـة المتلـوم

و تحل عبلـة بالجـواء و أهلنـا ==بالحـزن فالصمـان فالمتثـلـم

حييت مـن طلـلٍ تقـادم عهـده ==أقـوى و أقفـر بعـد أم الهيثـم

حلت بأرض الزائرين فأصبحـت ==عسراً علي طلابك ابنـة محـرمٍ

علقتها عرضـاً وأقتـل قومهـا ==زعماً لعمر أبيك ليـس بمزعـم

و لقد نزلت فـلا تظنـي غيـره ==منـي بمنزلـة المحـب المكـرم

كيف المزار و قد تربـع أهلهـا ==بعنيزتيـن وأهلـنـا بالغيـلـم

إن كنت أزمعـت الفـراق فإنمـا ==زمـت ركابكـم بليـلٍ مظـلـم

مـا راعنـي إلا حمولـة أهلهـا ==وسط الديار تسف حب الخمخـم

فيها اثنتـان وأربعـون حلوبـةً ==سوداً كخافيـة الغـراب الأسحـم

إذ تستبيك بذي غـروبٍ واضـحٍ ==عـذبٍ مقبلـه لذيـذ المطـعـم

و كـأن فـارة تاجـرٍبقسيمـةٍ ==سبقت عوارضها إليك مـن الفـم

أو روضةً أنفـاً تضمـن نبتهـا ==غيثٌ قليل الدمـن ليـس بمعلـم

جادت عليـه كـل بكـرٍحـرةٍ ==فتركـن كـل قـرارةٍ كالدرهـم

سحـاً و تسكابـاً فكـل عشيـةٍ ==يجري عليها الماء لـم يتصـرم

و خلا الذباب بها فليـس ببـارحٍ ==غرداً كفعـل الشـارب المترنـم

هزجـاً يحـك ذراعـه بذراعـه ==قدح المكب على الزنـاد الأجـذم

تمسي وتصبح فوق ظهر حشيـةٍ ==وأبيت فوق سراة أدهـم ملجـم

وحشيتي سرجٌ على عبل الشـوى ==نهـدٍ مراكلـه نبيـل المـخـرم

هـل تبلغنـي دارهـا شدنـيـةٌ ==لعنت بمحروم الشـراب مصـرم

خطـارةٌ غـب السـرى زيافـةٌ ==تطس الإكام بوخـد خـفٍ ميتـم

و كأنما تطـس الإكـام عشيـةً ==بقريب بيـن المنسميـن مصلـم

تأوي له قلص النعـام كمـا أوت ==حـذقٌ يمانيـةٌ لأعجـم طمطـم

يتبعـن قلـة رأسـه وكـأنـه ==حدجٌ علـى نعـشٍ لهـن مخيـم

صعلٍ يعود بذي العشيرة بيضـه ==كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلـم

شربت بماء الدحرضين فأصبحت ==زوراء تنفر عن حيـاض الديلـم

وكأنما تنـأى بجانـب دفهـاال ==ـوحشي من هزج العشي مـؤوم

هرٍ جنيـبٍ كلمـا عطفـت لـه ==غضبى اتقاهـا باليديـن وبالفـم

بركت على جنب الـرداع كأنمـا ==بركت على قصبٍ أجش مهضـم

وكـأن ربـاً أو كحيـلاً معقـداً ==حش الوقود بـه جوانـب قمقـم

ينباع من ذفرى غضوبٍ جسـرةٍ ==زيافـةٍ مثـل الفنيـق المـكـدم

إن تغدفي دونـي القنـاع فإننـي ==طـبٌ بأخـذ الفـارس المستلئـم

أثني علـي بمـا علمـت فإننـي ==سمـحٌ مخالقتـي إذا لـم أظلـم

وإذا ظلمت فـإن ظلمـي باسـلٌ ==مـرٌ مذاقـه كطـعـم العلـقـم

ولقد شربت من المدامـة بعدمـا ==ركد الهواجر بالمشـوف المعلـم

بزجاجـةٍ صفـراء ذات أسـرةٍ ==قرنت بأزهر في الشمـال مفـدم

فـإذا شربـت فإننـي مستهلـكٌ ==مالي وعرضي وافـرٌ لـم يكلـم

وإذا صحوت فما أقصرعن ندىً ==وكما علمت شمائلـي وتكرمـي

وحليـل غانيـةٍ تركـت مجـدلا ==ًتمكو فريصتـه كشـدقٍ الأعلـم

سبقت له كفـي بعاجـل طعنـةٍ ==ورشـاش نافـذةٍ كلـون العنـدم

هلا سألت الخيل يـا بنـة مالـكٍ ==إن كنت جاهلةً بمـا لـم تعلمـي

إذ لا أزال على رحالـة سابـحٍ ==نهـدٍ تعـاوره الكـمـاة مكـلـم

طـوراً يجـرد للطعـان وتـارةً ==يأوي إلى حصد القسي عرمـرم

يخبرك من شهد الوقيعـة أننـي ==أغشى الوغى وأعف عند المغنـم

ومدجـج كـره الكمـاة نـزالـه ==لا ممعـنٍ هربـاً ولا مستسـلـم

جادت له كفـي بعاجـل طعنـةٍ ==بمثقفٍ صـدق الكعـوب مقـوم

فشككت بالرمـح الأصـم ثيابـه ==ليس الكريم على القنـا بمحـرم

فتركتـه جـزر السبـاع ينشنـه ==يقضمن حسن بنانـه والمعصـم

ومسك سابغـةٍ هتكـت فروجهـا ==بالسيف عن حامي الحقيقة معلـم

ربـذ يـداه بالقـداح إذا شـتـا ==هتـاك غايـات التجـار ملـوم

لمـا رآنـي قـد نزلـت أريـده ==أبـدى نواجـذه لغيـر تبـسـم

عهدي بـه مـد النهـار كأنمـا ==خضب البنان ورأسـه بالعظلـم

فطعنتـه بالرمـح ثـم علـوتـه ==بمهنـدٍ صافـي الحديـدة مخـذم

بطلٍ كـأن ثيابـه فـي سرحـةٍ ==يحذى نعال السبت ليـس بتـوءم

يا شاة ما قنصٍ لمن حلـت لـه ==حرمت علي و ليتها لـم تحـرم

فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبـي ==فتجسسي أخبارها لـي واعلـم

قالت رأيت من الأعـادي غـرةً ==والشاة ممكنةٌ لمـن هـو مرتـم

و كأنمـا التفتـت بجيـد جدايـةٍ ==رشأٍ مـن الغـزلان حـرٍ أرثـم

نبئت عمراً غير شاكـر نعمتـيو الكفر مخبثـةٌ لنفـس المنعـم

و لقد حفظت وصاة عمي بالضحا ==إذ تقلص الشفتان عن وضح الفـم

في حومة الحرب التي لا تشتكـي ==غمراتها الأبطـال غيـر تغمغـم

إذ يتقون بـي الأسنـة لـم أخـم ==عنها و لكنـي تضايـق مقدمـي

لما رأيت القـوم أقبـل جمعهـم ==يتذامرون كـررت غيـر مذمـم

يدعون عنتر و الرمـاح كأنهـا==أشطان بئرٍ فـي لبـان الأدهـم

ما زلت أرميهـم بثغـرة نحـره ==و لبانـه حتـى تسربـل بالـدم

فازور مـن وقـع القنـا بلبانـه ==و شكا إلـي بعبـرةٍ و تحمحـم

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ==و لكان لو علـم الكـلام مكلمـي

و لقد شفى نفسي و أبرأ سقمهـا ==قبل الفوارس ويـك عنتـر أقـدم

وَالخَيلُ تَقتَحِـمُ الخَبـارَ عَوابِسـاً ==مِن بَينِ شَيظَمَـةٍ وَآخَـرَ شَيظَـمِ

ذُلُلٌ رِكابي حَيثُ شِئتُ مُشايِعـي ==لُبّـي وَأَحفِـزُهُ بِأَمـرٍ مُـبـرَمِ

وَلَقَد خَشيتُ بِأَن أَموتَ وَلَم تَـدُر ==لِلحَربِ دائِرَةٌ عَلى اِبنَي ضَمضَـمِ

الشاتِمَي عِرضي وَلَـم أَشتِمهُمـا ==وَالناذِرَينِ إِذا لَـم اَلقَهُمـا دَمـي

إِن يَفعَـلا فَلَقَـد تَرَكـتُ أَباهُمـا ==جَزَرَ السِباعِ وَكُلِّ نَسـرٍ قَشعَـمِ


**العصر جاهلي

عدد الأبيات 84

البحر الكامل

مصدر القصيدة ديوان عنترة (186-222)، تحقيق ودراسة محمد سعيد مولوي، المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الثانية 1403هـ-1983م

معلقة عنترة بن شداد**

www.youtube.com

**عمرو بن كلثوم

هو عمرو بن كلثوم بن عمرو بن مالك بن عتّاب بن سعد بن زهير بن جُشَم بن حُبيب بن غنم بن تغلب بن وائل، أبو الأسود (نحو … - 39 ق. هـ = … - 584 م). شاعر جاهلي مشهور من شعراء الطبقة الأولى، ولد في شمالي جزيرة العرب في بلاد ربيعة، وتجول فيها وفي الشام والعراق ونجد. كان من أعز الناس نفساً، وهو من الفتاك الشجعان، ساد قومه تغلب وهو فتى، وعمر طويلاً، وهو الذي قتل الملك عمرو بن هند، فتك به وقتله في دار ملكه وانتهب رحله وخزائنه التغالبة إلى بادية الشام، ولم يصب أحد من أصحابه.

وأمُّ عمرو، كما قالت رحاب عكاوي في سيرته، هي ليلى بنت المهلهل أخي كليب، اشتهرت بالأنفة وعظم النفس، كما كانت لجلالة محتدها من فضليات السيدات العربيات قبل الإسلام. قيل إنّ المهلهل لما تزوج هنداً بنت بعج بن عتبة ولدت له ليلى فقال المهلهل لامرأته هند: اقتليها، على عادة عرب الجاهلية، فلم تفعل أمها، وأمرت خادماً لها أن تغيّبها عنها. فلما نام المهلهل هتف به هاتف يقول:

كم من فتى مؤمَّلِ- وسيّد شَمَرْدَلِ

وعُدّةٍ لا تجْهَلِ- في بطنِ بنتِ مهلهلِ

فاستيقظ مذعوراً وقال: يا هند أين ابنتي، فقالت: قتلتها. قال: كلاّ وإله ربيعة، وكان أول من حلف بها، فأصدقيني. فأخبرته، فقال: أحسني غذاءها، فتزوّجها كلثوم بن عمرو ابن مالك بن عتّاب. فلما حملت بعمرو، قالت: إنه أتاني آتٍ في المنام فقال:

يا لك ليلى من ولد- يُقدِمُ إقدام الأسدْ

من جُشمٍ فيه العددْ- أقول قيلاً لا فَنَدْ

فولدت عمراً. ولما أتت عليه سنة قالت: أتاني ذلك الآتي في الليل فأشار إلى الصبيّ وقال:

إني زعيمُ لكِ أمَّ عمرو- بماجدِ الجدّ كريم النَّجْرِ

أشجعُ من ذي لبيدٍ هزبرِ- وقّاص آدابٍ شديد الأشْرِ

يسودُهم في خمسةٍ وعشرِ

وقد قيل إنه كان الأمر كما سمعت وساد عمرو بن كلثوم قومه تغلب وهو ابن خمس عشرة سنة. وتغلب هم من هم في الشرف والسيادة والمجد وضخامة العدد وجلال المحتد والأرومة. وأسرة عمرو سادات تغلب ورؤساؤها وفرسانها حتى قيل: لو أبطأ الإسلام لأكلت تغلب الناس. ولد ونشأ في أرض قومه التغلبيين، وكانوا يسكنون الجزيرة الفراتية وما حولها، وتخضع قبيلته لنفوذ ملوك الحيرة مع استقلالهم التام في شؤونهم الخاصة والعامة، والحيرة كما نعلم إمارة عربية أقامها الفرس على حدود الجزيرة العربية وحموها بالسلاح والجنود.

ولد عمرو إذاً بين مجد وحسب وجاه وسلطان، فنشأ شجاعاً هماماً خطيباً جامعاً لخصال الخير والسؤدد والشرف، وبعد قليل ساد قومه وأخذ مكان أبيه، وقال الشعر وأجاد فيه وإن كان من المقلّين.

ويقال إنّ قصيدته المعلقة كانت تزيد على ألف بيت وإنها في أيدي الناس غير كاملة وإنما في أيديهم ما حفظوه منها. وكان خبر ذلك ما ذكره أبو عمر الشيباني، قال: إنّ عمرو بن هند لما ملك، وكان جبّاراً عظيم الشأن والملك، جمع بكراً وتغلب ابني وائل وأصلح بينهم بعد حرب البسوس، وأخذ من الحيّين رهناً من كل حيّ مائة غلام من أشرافهم وأعلامهم ليكفّ بعضهم عن بعض. وشرط بعضهم على بعض وتوافقوا على أن لا يُبقي أحد منهم لصاحبه غائلةً ولا يطلبه بشيءٍ مما كان من الآخر من الدماء. فكان أولئك الرهن يصحبونه في مسيره ويغزون معه، فمتى التوى أحد منهم بحق صاحبه أقاد من الرهن.

وحدث أن سرّح عمرو بن هند ركباً من بني تغلب وبني بكر إلى جبل طيّئ في أمر من أموره، فنزلوا بالطرفة وهي لبني شيبان وتيم اللات أحلاف بني بكر. فقيل إنهم أجلوا التغلبيين عن الماء وحملوهم على المفازة فمات التغلبيون عطشاً، وقيل بل أصابتهم سموم في بعض مسيرهم فهلك عامّة التغلبيين وسلم البكريون. فلما بلغ ذلك بني تغلب غضبوا وطلبوا ديات أبنائهم من بكر، فأبت بكر أداءها. فأتوا عمرو بن هند فاستعدوه على بكر وقالوا: غدرتم ونقضتم العهد وانتهكتم الحرمة وسفكتم الدماء. وقالت بكر: أنتم الذين فعلتم ذلك، قذفتمونا بالعضيهة وسوّمتم الناس بها وهتكتم الحجاب والستر بادعائكم الباطل علينا. قد سبقنا أولادكم إذ وردوا وحملناهم على الطريق إذ خرجوا، فهل علينا إذ حار القوم وضلّوا أو أصابتهم السموم! فاجتمع بنو تغلب لحرب بكر واستعدت لهم بكر، فقال عمرو بن هند: إني أرى الأمر سينجلي عن أحمر أصمّ من بني يشكر.

فلما التقت جموع بني وائل كره كل صاحبه وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت. فدعا بعضهم بعضاً إلى الصلح وتحاكموا إلى الملك عمرو. فقال عمرو: ما كنت لأحكم بينكم حتى تأتوني بسبعين رجلاً من أشراف بكر فأجعلهم في وثاق عندي، فإن كان الحق لبني تغلب دفعتهم إليهم، وإن لم يكن لهم حق خلّيت سبيلهم. ففعلوا وتواعدوا ليوم يعيّنه يجتمعون فيه. فقال الملك لجلسائه: من ترون تأتي به تغلب لمقامها هذا? قالوا: شاعرهم وسيّدهم عمرو بن كلثوم. قال: فبكر بن وائل? فاختلفوا عليه وذكروا غير واحد من أشراف بكر. قال عمرو: كلا والله لا تفرجُ بكر إلا عن الشيخ الأصمّ يعتز في ريطته فيمنعه الكرم من أن يرقعها قائده فيضعها على عاتقه، وأراد بذلك النعمان بن هرم. فلما أصبحوا جاءت تغلب يقودها عمر بن كلثوم حتى جلس إلى الملك، وجاءت بكر بالنعمان بن هرم، وهو أحد بني ثعلبة بن غنيم بن يشكر، فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان: يا أصمّ جاءت بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم وهم يفخرون عليك. فقال النعمان: وعلى من أظلّت السماء كلها يفخرون ثم لا ينكر ذلك. فقال عمرو بن كلثوم: أما والله لو لطمتك لطمةً ما أخذوا لك بها. فقال له النعمان: والله لو فعلت ما أفلتّّ بها أنت ومن فضّلك. فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر، فقال لابنته: يا حارثة، أعطيه لحناً بلسان أنثى، أي شبيه بلسانك. فقال النعمان: أيها الملك، أعطِ ذلك أحبَّ أهلك إليك. فقال: يا نعمان أيسرُّك أني أبوك? قال: لا، ولكن وددت أنك أمي، فغضب عمرو غضباً شديداً حتى همّ بالنعمان وطرده. وقام عمر بن كلثوم وأنشد معلقته، وقام بإثره الحارث بن حلّزة وارتجل قصيدته.

وقصيدة عمرو بن كلثوم لم ينشدها على صورتها، كما وردت في أثناء المعلقات، وإنما قال منها ما وافق مقصوده، ثم زاد عليها بعد ذلك أبياتاً كثيرة، وافتخر بأمور جرت له بعد هذا العهد، وفيها يشير إلى شتم عمرو بن هند لأمه ليلى بنت مهلهل. وقد قام بمعلقته خطيباً بسوق عكاظ، وقام بها في موسم مكة. إلا أن عمرو بن هند آثر قصيدة الحارث بن حلزة وأطلق السبعين بكرياً، فضغن عمرو بن كلثوم على الملك، وعاد التغلبيون إلى أحيائهم. وما تفضيل الملك عمرو لقصيدة الحارث إلا لأنه كان جباراً متكبّراً مستبدّاً، وكان يريد إذلال عمرو بن كلثوم وإهانته ويضمر ذلك في نفسه، فقضى لبكر حسداً لعمرو لإذلاله بشرفه وحسبه ومجده.

ثم إن الملك عمراً كان جالساً يوماً مع ندمائه، فقال لهم: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي هند? فقالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم. قال: وَلِمَ? قالوا: لأنّ أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب بن وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو وهو سيّد قومه، وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر، وكانت أم ليلى بنت مهلهل هي بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس وبينهما هذا النسب. فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره، ويسأله أن يزير أمه أمه. فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت ليلى أمه في ظعن من بني كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأم عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على الملك عمرو في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق. وكان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا الطُرُف وتستخدم ليلى. ودعا الملك عمرو بمائدة، ثم دعا بطرف، فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق، فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها فصاحت ليلى: واذلاّه، يا لتغلب! فسمعها ابنها عمرو، فثار الدم في وجهه. ونظر إليه عمرو بن هند فعرف الشرَّ في وجهه، فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيف لعمرو بن هند معلق بالرواق، ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس ابن هند وقتله، وكان ذلك نحو سنة 569م، ثم نادى عمرو في بني تغلب فانتبهوا ما في الرواق وساقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة، وجاشت نفس عمرو وحمي غضبه وأخذته الأنفة والنخوة فنظم بعض معلقته في هذه الحادثة يصف فيها حديثه مع ابن هند ويفتخر بأيام قومه وغاراتهم المشهورة.

ومن أخبار عمرو بن كلثوم بعد ذلك أنه أغار على بني تميم، ثم مرّ من غزوه ذلك على حي من بني قيس بن ثعلبة، فملأ يديه منهم وأصاب أسارى وسبايا، وكان فيمن أصاب أحمر بن جندل السعدي، ثم انتهى إلى بني حنيفة باليمامة وفيهم أناس من عجل، فسمع بها أهل حجر، فكان أول من أتاه من بني حنيفة بنو سحيم عليهم يزيد بن عمرو بن شمر، فلما رآهم عمرو بن كلثوم ارتجز وقال:

مَن عالَ منا بعدها فلا اجتَبَرْ- ولا سقى الماءً ولا أرعى الشَّجَرْ

بنو لُجيمٍ وجعاسيسُ مُضَرْ- بجانب الدوِّ يُديهونَ العَكَرْ

فانتهى إليه يزيد بن عمرو فطعنه فصرعه عن فرسه وأسره، وكان يزيد شديداً جسيماً، فشدّه في القدّ وقال له: أنت الذي تقول:

متى تُعقد قرينتُنا بحبلٍ- نجذّ الحبلَ أو نَقْصِ القرينا

أما إني سأقرنك إلى ناقتي هذه فأطردكما جميعاً. فنادى عمرو بن كلثوم: يا لربيعة، أمثلة! قال: فاجتمعت بنو لجيم فنهوه، ولم يكن يريد ذلك به، فسار به حتى أتى قصراً بحجر من قصورهم، وضرب عليه قبّة ونحرَ له وكساه وحمله على نجيبة وسقاه الخمر، فلما أخذت برأسه تغنّى:

أأجمعُ صُحبتي الشَّحَرَ ارتحالاً- ولم أشْعُرْ بِبَينٍ منك هالا

ولم أرَ مثلَ هالَةَ في معَدٍّ- أُشَبّهُ حسْنَها إلاَّ الهِلالا

ألا أبْلِغ بني جُشَمِ بْنَ بكرٍ- وتغلبَ كلّما أتَيا حَلالا

بأنَّ الماجدَ القرْمَ ابن عمرو- غداة نُطاعُ قد صدَقَ القِتالا

كتيبَتُهُ مُلَمْلمَةٌ رَداحٌ- إذا يرمونها تُفني النّبالا

جزى الله الأغَرَّ يزيدَ خيراً- ولقَّاه المسَرَّة والجمالا

بمآخذِه ابنَ كُلثومَ بنَ عمرٍو- يزيدُ الخيرِ نازَلَهُ نِزالا

بِجمعٍ مِن بني قرَّان صِيدٍ- يُجيلونَ الطّعانَ إذا أجالا

يزيدُ يُقَدّم السُّفراءَ حتى- يُروّي صدرها الأسَلَ النِّهالا

وعنه أخبر ابن الأعرابي، قال: إن بني تغلب حاربوا المنذر بن ماء السماء، فلحقوا بالشام خوفاً، فمرّ بهم عمرو بن أبي حجر الغسّاني فلم يستقبلوه. وركب عمرو بن كلثوم فلقيه، فقال له الملك: ما منع قومك أن يتلقوني? قال: لم يعلموا بمرورك. فقال: لئن رجعت لأغزونّهم غزوة تتركهم أيقاظاً لقدومي. فقال عمرو: ما استيقظ قوم قط إلاّ نبلُ رأيهم وعزّت جماعتهم، فلا توقظن نائمهم. فقال: كأنك تتوعّدني بهم، أما والله لتعلمنّ إذا نالت غطاريف غسّان الخيل في دياركم أن أيقاظ قومك سينامون نومة لا حلم فيها تجتثُّ أصولهم وينفى فلُّهم إلى اليابس الجرد والنازح الثمد. ثم رجع عمرو بن كلثوم عنه وجمع قومه وقال:

ألا فاعلم أبيت اللعن أنّا- على عمدٍ سنأتي ما نريدُ

تعلّمْ أنّ محملنا ثقيلٌ- وأنّ زِنادَ كبَّتنا شديدُ

وأنّا ليس حيٌّ من مَعِدٍّ- يوازينا إذا لُبسَ الحديدُ

فلما عاد الحارث الأعرج غزا بني تغلب، فاقتتلوا واشتد القتال بينهم. ثم انهزم الحارث وبنو غسّان وقتل أخو الحارث في عدد كثير، فقال عمرو بن كلثوم:

هلاّ عطفتَ على أخيك إذا دعا- بالثكل ويل أبيك يا ابنَ أبي شَمِرْ

قذفَ الذي جشّمت نفسك واعترف- فيها أخاك وعامر بن أبي حُجُرْ

هكذا عاش عمرو بن كلثوم عظيماً من عظماء الجاهلية وأشرافهم وفرسانهم، عزيز النفس، مرهوب الجانب، شاعراً مطبوعاً على الشعر. وقد عمّر طويلاً حتى إنهم زعموا أنه أتت عليه خمسون ومائة سنة، وكانت وفاته في حدود سنة 600 م. وقد روى ابن قتيبة خبر وفاته، قال: فانتهى (ويعني يزيد بن عمرو) به إلى حجر فأنزله قصراً وسقاه، فلم يزل يشرب حتى مات. وذكر ابن حبيب خبراً آخر في موت عمر بن كلثوم فقال: وكانت الملوك تبعث إليه بحبائه وهو في منزله من غير أن يفد إليها، فلما ساد ابنه الأسود بن عمرو، بعث إليه بعض الملوك بحبائه كما بعث إلى أبيه، فغضب عمرو وقال: ساواني بعَوْلي! ومحلوفه لا يذوق دسماً حتى يموت، وجعل يشرب الخمر صرفاً على غير طعام، فلما طال ذلك قامت امرأته بنت الثُوير فقتّرت له بشحم ليقرم إلى اللحم ليأكله، فقام يضربها ويقول:

معاذَ الله تدعوني لِحنْثٍ- ولو أقْفَرْتُ أيّاماً قُتارُ

فلم يزل يشرب حتى مات.

ولعمرو ابن اسمه عبّاد بن عمرو بن كلثوم، كان كأبيه شجاعاً فارساً، وهو الذي قتل بشر بن عمرو بن عدس، كما أنّ مرة بن كلثوم، أخا عمرو، هو الذي قتل المنذر بن النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وفي ذلك يقول الأخطل التغلبي مفتخراً:

أبني كليب إنّ عميَّ اللذا- قتلا الملوكَ وفكّكا الأغلالا

وله عقب اشتهر منهم كلثوم بن عمرو العتّابي الشاعر المترسّل، من شعراء الدولة العباسية.

ماذا قال المستشرقون عن عمرو بن كلثوم:

اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، وفي هذا السياق ننقل لكم ما ورد عن عمرو بن كلثوم في عملين رائدين قام بترجمتهما صلاح صلاح: أحدهما من تأليف ليدي آن بلنت وفلفريد شافن بلنت، والآخر من تحرير دبليو إى كلوستون:

ليدي آن بلنت وفلفريد شافن بلنت:

قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن عمرو بن كلثوم في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: يقف عمرو بن كلثوم، شيخ قبيلة بني تغلب، في الصف الأول لشعراء ما قبل الإسلام. يقال إنه ولد قبل بداية القرن السادس وأصبح شيخاً لقبيلة في سن الخامسة عشرة وتوفي قرابة نهاية القرن، اثنا وعشرون سنة قبل الهجرة.

يقال إن والد أمه ليلى بنت المهلهل، سيدة أصبحت لها مكانة مرموقة بين العرب لاحقاً، قد أمر بوأدها كما كانت عادة العرب آنذاك، لكنه أبقى على حياتها بعد تحذير رآه في حلم.

كان عمرو شخصاً حاد الطبع، متكبراً، كريماً، محبوباً من أبناء قبيلته وشاعراً منذ نعومة أظافره. ذكر سبب نظم معلقته في كتاب الأغاني على النحو التالي:

قصة قتله لعمرو بن هند: قال أبو عمرو حدثني أسد بن عمرو الحنفي وكرد بن السمعي وغيرهما، وقال ابن الكلبي حدثني أبي وشرقي بن القطامي، وأخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة: أن عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي، فقالوا: نعم! أم عمرو بن كلثوم. قال: ولم، قالوا: لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو وهو سيد قومه. فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه أمه. فأقبل عمرو من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب. وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب. فدخل عمرو بن كلثوم على عمر بن هند في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق. وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر، وكانت أم ليلى بنت مهلهل بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس، وبينهما هذا النسب. وقد كان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ليلى. فدعا عمرو بمائدةٍ ثم دعا بالطرف. فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق. فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فأعادت عليها وألحت. فصاحت ليلى: واذلاه! يا لتغلب! فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه، ونظر إلى عمر بن هند فعرف الشر في وجهه، فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيفٍ لعمرو بن هند معلقٍ بالرواق ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس عمرو بن هند، ونادى في بني تغلب، فانتهبوا ما في الرواق وساقوا نجائبه، وساروا نحو الجزيرة.

هكذا وردت الحكاية. وزن معلقة عمرو بن كلثوم والحارث أقصر من الآخرين، لكن معلقة عمرو ليست بأقل من الأخريات. لعلها أفضل للسمة الجدلية للقصائد وبها إيقاع ما ورنين في غاية الجاذبية. تروق المواضيع التي تتطرق إليها المعلقات، سياسية في معظمها، بقوة إلى القارىء الإنجليزي المعاصر، غير أنها تتحلى بالنسبة لمن يعرف الشعر العربي المعاصر بأهمية خاصة جداً لأنها تظهر كم قليلاً تغير عالم البدو في أفكاره السياسية أو حتى في وضعه السياسي في 1400 سنة الماضية. يصعب وجود فكرة عبر عنها المدافعون عن قضية لا تسمع اليوم من أفواه شيوخ القبائل المتنازعة الذين ارتحلوا إلى حايل لإنهاء خلافاتهم أمام ابن رشيد. الفرق الوحيد أن خطب المتنافسين اليوم لم تعد تقدم عبر القصائد.

دبليو إى كلوستون:

قال عنه كلوستون في كتاب من تحريره عن الشعر العربي: كان عمرو بن كلثوم أميراً من قبيلة أرقم، أحد فخوذ بني تغلب. كانت أمه ليلى ابنة المهلهل وهند، التي أراد والدها وأدها كما كانت عادة العرب، لكنه سمع صوتاً في منامه يقول له إن ابنته ستصبح أم بطل. طلب إعادتها إلى البيت وكانت ما تزال على قيد الحياة. تزوجت ليلى من كلثوم وحلمت بعد مولد عمرو أنه سيكون أشجع المحاربين.

دارت حرب طويلة بين تغلب وبني بكر إثر مقتل كليب بن ربيعة. اتفق على وقف الحرب وليحكم فيها عمرو بن هند، ملك الحيرة، الملك نفسه الذي أمر بقتل طرفه. كان عمرو بن كلثوم المدافع عن بني تغلب والحارث بن حلزة المدافع عن بني بكر. يورد النقاش في معلقته. وحيث إن الملك لم يسر بتفاخر عمرو بن كلثوم، حكم لصالح بني بكر، فقتله عمرو بن كلثوم ثأراً، كما يظن لقتله طرفه، آخرون يرون وربما هم أصوب، لحكمه ضد بني تغلب.

ذكرت ظروف مقتل الملك على النحو التالي:

قصة قتله لعمرو بن هند: قال أبو عمرو حدثني أسد بن عمرو الحنفي وكرد بن السمعي وغيرهما، وقال ابن الكلبي حدثني أبي وشرقي بن القطامي، وأخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة: أن عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي? فقالوا: نعم! أم عمرو بن كلثوم. قال: ولم? قالوا: لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو وهو سيد قومه. فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه أمه. فأقبل عمرو من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب. وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب ?. فدخل عمرو بن كلثوم على عمر بن هند في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق. وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر، وكانت أم ليلى بنت مهلهل بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس، وبينهما هذا النسب. وقد كان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ليلى. فدعا عمرو بمائدةٍ ثم دعا بالطرف. فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق. فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فأعادت عليها وألحت. فصاحت ليلى: واذلاه! يا لتغلب! فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه، ونظر إلى عمر بن هند فعرف الشر في وجهه، فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيفٍ لعمرو بن هند معلقٍ بالرواق ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس عمرو بن هند، ونادى في بني تغلب، فانتهبوا ما في الرواق وساقوا نجائبه، وساروا نحو الجزيرة.

نظم عمرو بن كلثوم علاوة على معلقته بعض قصائد الهجاء المرير للنعمان ملك الحيرة وأمه التي كانت ابنة صائغ.

لما حضرت عمرو بن كلثومٍ الوفاة وقد أتت عليه خمسون ومائة سنة، جمع بنيه فقال: يا بني، قد بلغت من العمر ما لم يبلغه أحد من آبائي، ولا بد أن ينزل بي ما نزل بهم من الموت. وإني والله ما عيرت أحداً بشيء إلا عيرت بمثله، إن كان حقاً فحقاً، وإن كان باطلاً فباطلاً. ومن سب سب؛ فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لكم، وأحسنوا جواركم يحسن ثناؤكم، وامنعوا من ضيم الغريب؛ فرب رجلٍ خير من ألف، ورد خير من خلف. وإذا حدثتم فعوا، وإذا حدثتم فأوجزوا؛ فإن مع الإكثار تكون الأهذار . وأشجع القوم العطوف بعد الكر، كما أن أكرم المنايا القتل. ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب، ولا من إذا عوتب لم يعتب . ومن الناس من لا يرجى خيره، ولا يخاف شره؛ فبكؤه خير من دره، وعقوقه خير من بره. ولا تتزوجوا في حيكم فإنه يؤدي إلى قبيح البغض."


لمزيد من التفصيل أنظر:

د. رحاب عكاوي، شرح ديوان عمر بن كلثوم التغلبي، بيروت: دار الفكر العربي،1996، ط 1، ص 5- 19.

وانظر أيضاً ما ترجمه صلاح صلاح في ما يلي:

Blunt, Lady Anne (Translated from the original Arabic) & Blunt, Wilfred Scawen (done into English Verse). The seven golden Odes of Pagan Arabia: known also as the Mo-Allakat. London: The Chiswick press, 1903, PP. 37-38. Clouston, W A (edited with introduction and notes). Arabian Poetry and English Readers. London: Darf Publishers Limited,1986, PP. xlviii- li.**

**5. معلقة عمرو بن كلثوم

لا هُـبَّي بِصَحْنِكِ فاصْبَحِينا *** ولا تُـبْقِي خُـمورَ الأنْدَرِينا

مُـشَعْشَعَةً كَـأنَّ الحُصَّ فِيها *** إذا مـا الماءُ خَالَطَها سَخِينا

تَـجُورُ بِذي الُّلبانَةِ عَنْ هَواهُ *** إذا مـا ذَاقَـها حَـتَّى يِـلِينا

تَرَى الَّلحِزَ الشَّحيحَ إذا أُمِّرَتْ *** عَـلَيِهِ لِـمالِهِ فِـيها مُـهِينا

صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو *** وكـانَ الكَأْسُ مَجْراها الَيمِينا

ومَـا شَـرُّ الثَّلاثَةِ أُمَّ عَمْرٍو *** بِـصاحِبِكِ الذي لا تَصْبَحِينا

وكَـأْسٍ قَـدْ شَرِبْتُ بِبَعَلْبَكٍ *** وأُخْرَى في دِمَشْقَ وقاصِرِينا

وإنَّـا سَـوْفَ تُدْرِكُنا المَنايَا *** مُـقَـدَّرَةً لَـنـا ومُـقَدَّرِينا

قـفِي قَـبْلَ التَّفَرُّقِ يا ظَعِينا *** نُـخَبِّرْكِ الـيَقِينَ وتُـخْبِرِينا

قِفِي نَسْأَلْكِ هَلْ أَحْدَثْتِ صَرْماً *** لِـوَشْكِ البَيْنِ أَمْ خُنْتِ الأَمِينا

بِـيَوْمِ كَـرِيهَةٍ ضَرْباً وَطَعْناً *** أَقَـرَّ بِـها مَـوَالِيكِ العُيُونا

وإنَّ غَـداً وإنَّ الـيَوْمَ رَهْنٌ *** وبَـعْدَ غَـدٍ بِـما لا تَعْلَمِينا

تُـرِيكَ إذا دَخَلْتَ عَلَى خَلاءٍ *** وقَـدْ أَمِنَتْ عُيونَ الكَاشِحِينا

ذِراعَـيْ عَـيْطَلٍ أَدْماءَ بِكْرٍ *** هِـجانِ الـلَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا

وثَدْياً مِثْلَ حُقِّ العَاجِ رَخْصاً *** حَـصَاناً مِنْ أَكُفِّ اللاَّمِسِينا

ومَـتْنَىْ لَدْنَةٍ سَمَقَتْ وطَالَتْ *** رَوَادِفُـها تَـنُوءُ بِـما وَلِينا

ومَـأْكَمَةً يَضِيقُ البابُ عَنْها *** وكَـشْحاً قَدْ جُنِنْتُ بِه جُنونَا

وسـارِيَتَيْ بِـلَنْطٍ أوْ رُخـامٍ *** يَـرِنُّ خَـشاشَ حُلَيْهِما رَنِينا

فَـمَا وَجَدَتْ كَوَجْدِي أُمُّ سَقْبٍ *** أَضَـلَّتْهُ فَـرَجَّعَتِ الـحَنِينا

ولا شَـمْطاءُ لَمْ يَتْرُكْ شَقَاها *** لَـها مِـنْ تِـسْعَةٍ إلاَّ جَنِينا

تَـذَكَّرْتُ الصِّبْا واشْتَقْتُ لَمَّا *** رَأَيْـتُ حُمُولَها أُصُلاً حُدِينا

فَأَعْرَضَتِ اليَمامَةُ واشْمَخَرَّتْ *** كَـأَسْيافٍ بِـأَيْدِي مُـصْلِتِينا

أبَـا هِـنْدٍ فَـلا تَعْجَلْ عَلَيْنا *** وأَنْـظِرْنَا نُـخَبِّرْكَ الـيَقِينا

بِـأَنَّا نُـورِدُ الرَّايَاتِ بِيضاً *** ونُـصْدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رَوِينا

وأَيَّــامٍ لَـنا غُـرٍّ طِـوالٍ *** عَـصَيْنا المَلْكَ فِيها أنْ نَدِينا

وسَـيِّدِ مَـعْشَرٍ قَـدْ تَوَّجُوهُ *** بِتاجِ المُلْكِ يَحْمِي المُحْجَرِينا

تَـرَكْنا الـخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ *** مُـقَـلَّدَةً أَعِـنَّـتَها صُـفُونا

وأَنْـزَلْنا البُيُوتَ بِذي طُلُوحٍ *** إِلَى الشَّاماتِ تَنْفِي المُوعِدِينا

وقَـدْ هَرَّتْ كِلابُ الحَيِّ مِنَّا *** وشَـذَّبْنَا قَـتَادَةَ مَـنْ يِـلِينا

مَـتَى نَـنْقُلْ إلى قَوْمٍ رَحَانَا *** يَـكُونُوا في اللِّقاءِ لَها طَحِينا

يَـكُونُ ثِـفَالُها شَـرْقِيَّ نَجْدٍ *** ولَـهْوَتُها قُـضاعَةَ أَجْمَعِينا

نَـزَلْتُمْ مَـنْزِلَ الأضْيافِ مِنَّا *** فَـأَعْجَلْنا القِرَى أنْ تَشْتِمُونا

قَـرَيْـناكُمْ فَـعَجَّلْنا قِـرَاكُمْ *** قُـبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُونا

نَـعُمُّ أُنَـاسَنا ونَـعِفُّ عَنْهُمْ *** ونَـحْمِلُ عَـنْهُمُ مَـا حَمَّلُونا

نُطاعِنُ مَا تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّا *** ونَضْرِبُ بِالسُّيوفِ إذا غُشِينا

بِـسُمْرٍ مِـنْ قَنا الخَطِّيِّ لَدْنٍ *** ذَوَابِـلَ أوْ بِـبِيضٍ يَـخْتَلِينا

كَـأَنَّ جَـمَاجِمَ الأبْطَالِ فِيها *** وُسُـوقٌ بِـالأماعِزِ يَرْتَمِينا

نـشقُّ بها رُءُوسَ القوم شَقّاً *** ونَـخْتِلبُ الـرِّقابَ فَتَخْتَلينا

وإنَّ الضِّغْنَ بَعْدَ الضِّغْنِ يَبْدُو *** عَـلَيْكَ ويُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِينا

وَرِثْـنا المَجْدَ قَدْ عَلِمْتَ مَعَدٌّ *** نُـطاعِنُ دُونَـهُ حَـتَّى يَبِينا

ونَـحْنُ إذا عِمادُ الحَيِّ خَرَّتْ *** عَنِ الأَحْفاضِ نَمْنَعُ مَنْ يِلِينا

نَـجُذُّ رُءُوسَـهَمْ في غَيْرِ بِرٍّ *** فَـمَا يَـدْرُونَ مـاذَا يَـتَّقُونا

كَـأَنَّ سُـيوفَنَا فِـينَا وفِيهِمْ *** مَـخَارِيقٌ بِـأَيْدِي لاعِـبِينا

إذا مَـا عَـيَّ بِالإِسْنافِ حَيٌّ *** مِـنَ الهَوْلِ المُشَبَّهِ أنْ يَكُونَا

نَـصَبْنا مِثْلَ رَهْوَةَ ذاتَ حَدٍّ *** مُـحَافَظَةً وكُـنَّا الـسَّابِقِينا

بِـشُبَّانٍ يَـرَوْنَ القَتْلَ مَجْداً *** وشِيبٍ في الحُرُوبِ مُجَرَّبِينا

حُـدَّيا الـنَّاسِ كُـلِّهِمِ جميعاً *** مُـقارَعَةً بَـنِيهِمْ عَـنْ بَنِينا

فـأَمَّا يَـوْمُ خَـشْيَتِنَا عَلَيْهِمْ *** فَـتُصْبِحُ خَـيْلُنا عُصَباً ثَبِينا

وأمَّـا يَـوْمُ لا نَخْشَى عَلَيْهِمْ *** فَـنُـمْعِنُ غـارَةً مُـتَلَبِّبينا

بِرَأْسٍ مِنْ بَني جُشَمِ بِنِ بَكْرٍ *** نَـدقُّ بِـهِ السُّهُولَةَ والحُزُونَا

ألاَ لاَ يَـعْـلَمُ الأَقْـوامُ أنَّـا *** تَـضَعْضَعْنا وأَنَّـا قَـدْ وَنِينا

ألاَ لاَ يَـجْهَلْنَ أَحَـدٌ عَـلَيْنا *** فَـنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينا

بِـأَيِّ مَـشِيئَةٍ عَمْرَو بنَ هِنْدٍ *** نَـكُونُ لِـقَيْلِكُمْ فِـيهَا قَطِينا

بِـأَيِّ مَـشِيئَةٍ عَمْرَو بنَ هِنْدٍ *** تُـطِيعُ بِـنا الوُشَاةَ وتَزْدَرِينا

تَـهَـدَّدْنا وأوعِـدْنا رُوَيْـداً *** مَـتَى كُـنَّا لأُمِّـكَ مُـقْتَوِينا

فـإِنَّ قَـناتَنا يَا عَمْرُو أَعْيَتْ *** عَـلَى الأعْدَاءِ قَبْلَكَ أنْ تَلِينا

إذَا عَضَّ الثِّقَافُ بِها اشْمَأَزَّتْ *** وَوَلَّـتْهُمْ عَـشَوْزَنَةً زَبُـونا

عَـشَوْزَنَةً إذَا انْقَلَبَتْ أَرَنَّتْ *** تَـشُجُّ قَـفَا المُثَقَّفِ والجَبِينا

فَهَلْ حُدِّثْتَ في جُشَمِ بن بَكْرٍ *** بِـنَقْصٍ في خُطُوبِ الأوَّلِينا

وَرِثْـنَا مَجْدَ عَلْقَمَةَ بن سَيْفٍ *** أَبَـاحَ لَنا حُصُونَ المَجْدِ دِينا

وَرِثْـتُ مُـهَلْهِلاً والخَيْرَ مِنْهُ *** زُهَـيْراً نِـعْمَ ذُخْرُ الذَّاخِرِينا

وعَـتَّـاباً وكُـلْثُوماً جَـمِيعاً *** بِـهِمْ نِـلْنا تُـرَاثَ الأَكْرَمِينا

وذَا الـبُرَةِ الذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ *** بِهِ نُحْمَى وَنحْمِي المُحْجَرِينا

ومِـنَّا قَـبْلَهُ الـسَّاعِي كُلَيْبٌ *** فَـأَيُّ الـمَجْدِ إلاَّ قَـدْ وَلِينا

مَـتَى نَـعْقُدْ قَـرِينَتَنا بِحَبْلٍ *** تَـجُذُّ الحَبْلَ أو تَقَصِ القَرِينا

ونُـوجَدُ نَـحْنُ أَمْنَعَهمْ ذِماراً *** وأَوْفَـاهُمْ إذَا عَـقَدُوا يَـمِينا

ونَحْنُ غَدَاةَ أُوقِدَ في خَزَازَى *** رَفَـدْنَا فَـوْقَ رَفْـدِ الرَّافِدِينا

ونَحْنُ الحَابِسُونَ بِذِي أَرَاطَى *** تَـسَفُّ الـجِلَّةُ الخورُ الدَّرِينا

ونَـحْنُ الحاكِمُونَ إذَا أُطِعْنا *** ونَـحْنُ العازِمُونَ إذَا عُصِينا

ونَـحْنُ التَّارِكُونَ لِمَا سَخِطْنا *** ونَـحْنُ الآخِذُونَ لما رَضِينا

وكُـنَّا الأيْـمَنِينَ إذا الْـتَقَيْنا *** وكـانَ الأيْـسَرِينَ بنُو أَبِينا

فَـصَالُوا صَـوْلَةً فِيمَنْ يَلِيهِمْ *** وصُـلْنا صَـوْلَةً فِيمَنْ يَلِينا

فَـآبُوا بِـالنِّهَابِ وبِـالسَّبايا *** وأُبْـنَا بِـالمُلُوكِ مَـصَفَّدِينا

إِلَـيْكُمْ يَـا بَـني بَكْرٍ إِلَيْكُمْ *** أَلَـمَّا تَـعْرِفوا مِـنَّا الـيَقِينا

أَلَـمَّا تَـعْرِفُوا مِـنَّا ومِـنْكُمْ *** كَـتـائِبَ يَـطَّعِنَّ ويَـرْتَمِينا

عَـلَيْنا البَيْضُ واليَلَبُ اليَمَانِي *** وأَسْـيافٌ يُـقَمْنَ ويَـنْحَنِينا

عَـلَيْنا كُـلُّ سـابِغَةٍ دِلاصٍ *** تَرَى فَوْقَ النِّطاقِ لَها غُضُونا

إذا وُضِعَتْ عَنِ الأبْطالِ يَومًا *** رَأَيْـتَ لَها جُلُودَ القَوْمِ جُونا

كـأَنَّ غُـضُونَهُنَّ مُتُونُ غُدْرٍ *** تُـصَفِّقُها الـرِّياحُ إذَا جَرَيْنا

وتَـحْمِلُنا غَـدَاةَ الرَّوْعِ جُرْدٌ *** عُـرِفْنَ لَـنا نَـقَائِذَ وافْتُلِينا

وَرَدْنَ دَوارِعاً وخَرَجْنَ شُعْثَا *** كَـأَمْثالِ الـرَّصائِعِ قَـدْ بِلِينا

ورِثْـناهُنَّ عَـنْ آبَاءِ صِدْقٍ *** ونُـورِثُـهَا إذا مُـتْنا بَـنِينا

عَـلَى آثَـارِنا بِـيضٌ حِسانٌ *** نُـحَاذِرُ أنْ تُـقَسَّمَ أَوْ تَـهُونا

أَخَـذْنَ عَـلَى بُعُولَتِهِنَّ عَهْدَا *** إذا لاقَـوْا كَـتائِبَ مُـعْلِمِينا

لَـيَسْتَلِبُنَّ أفْـراساً وبِـيضاً *** وأَسْـرَى فـي الحَدِيد مُقَرَّنِينا

تَـرَانا بَـارِزِينَ وكُـلُّ حَيِّ *** قَـدِ اتَّـخَذوا مَـخَافَتَنا قَرِينا

إذا مَـا رُحْـنَ يَمْشِينَ الهُوَيْنا *** كَمَا اضْطَرَبَتْ مُتْونُ الشَّارِبِينا

يَـقُتْنَ جِـيَادَنا ويَـقُلْنَ لَسْتُمْ *** بُـعُـولَتَنَا إذا لَـمْ تَـمْنَعونا

إذا لَـمْ نَـحْمِهِنَّ فَـلاَ بَـقِينا *** لِـشَيْءٍ بَـعْدَهُنَّ ولاَ حَـيِينا

ظَعَائِنَ مِن بَني جُشَمِ بن بَكْرٍ *** خَـلَطْنَ بِـمَيَسمٍ حَسَبًا ودِينا

ومَا مَنَعَ الظَّعَائِنَ مِثْلُ ضَرْبٍ *** تَـرَى مِـنْهُ السَّواعِدَ كالقُلِينا

كَـأَنَّا والـسُّيوفُ مُـسَلَّلاتٌ *** وَلَـدْنا الـنَّاس طُراًّ أَجْمَعِينا

يُدْهَدُونَ الرُّءُوسَ كَمَا تُدَهْدِي *** حَـزَاوِرَةٌ بِـأَبْطَحِها الكُرِينا

وقَـدْ عَـلِمَ الـقَبائِلُ مِنْ مَعَدٍّ *** إذا قُـبَّـبٌ بِـأَبْطَحِها بُـنِينا

بِـأَنَّا الـمُطْعِمُونَ إذا قَـدَرْنا *** وأَنَّـا الـمُهْلِكُونَ إذا ابْـتُلِينا

وأَنَّـا الـمَانِعونَ لِـمَا أَرَدْنا *** وأنَّـا الـنَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينا

وأنَّـا الـتَّارِكُونَ إذا سَخِطْنا *** وأنَّـا الآخِـذُونَ إذا رَضِـينا

وأنَّـا الـعَاصِمُونَ إذا أُطِعْنا *** وأنَّـا الـعازِمُونَ إذا عُصِينا

ونَشْرَبُ إنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً *** ويَـشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وطِينا

أَلاَ أَبْـلغْ بَـنِي الطَّمَّاح عَنَّا *** وَدُعـميّا فَـكَيْفَ وَجَـدْتُمُونَا

إذا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً *** أَبَـيْنا أَنْ نُـقِرَّ الـذُّلَّ فِـينا

لـنَا الـدُّنْيَا ومَنْ أمْسَى عَلَيْها *** ونَـبْطِشُ حَيِنَ نَبْطِشُ قَادِرِينا

بُـغَاةٌ ظَـاِلَمينَ وَمَـا ظُلِمْنَا *** وَلـكِـنَّا سَـنَـبْدَأُ ظَـاِلِميِنَا

مَـلأنَا الـبَرَّ حَتَّى ضاقَ عَنَّا *** ونَـحْنُ الـبَحْرُ نَمْلَؤُهُ سَفِينا

إذا بَـلَغَ الـرَّضِيعُ لَنَا فِطاماً *** تَـخِرُّ لَـهُ الـجَبابِرُ ساجِدِينا


العصر جاهلي

عدد الأبيات 103

معلقة عمرو بن كلثوم

**الحارث بن حلزة اليشكرينحو (… - 54 ق. هـ = … - 570 م)

    هو الحارث بن حلّزة بن مكروه بن يزيد بن عبد الله بن مالك بن عيد، ينتهي نسبه، كما ذكر التبريزي، إلى يشكر بن بكر بن وائل بن نزار. شاعر جاهلي من أصل بادية العراق، كان أبرص فخوراً، ارتجل معلقته بين يدي عمرو بن هند الملك بالحيرة. جمع بها كثيراً من أخبار العرب ووقائعهم حتى صار مضرب المثل في الافتخار، فقيل: أفخر من الحارث بن حلزة. اختلف الرواة اختلافاً بيّناً، حول عصره وولادته، وسنّه يوم إنشاد معلّقته: ذكر التبريزي أنه ألقى قصيدته هذه وهو في العقد الرابع بعد المئة، وذهب المستشرق "دوبرسفال" إلى أنه عمّر بعد تلك المناسبة ما يزيد على خمسة عشر عاماً، ومات ابن مئة وخمسين سنة. 

ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف فالحارث أحد المعمّرين ويتفق الرواة على أنه كان يكبر عمرو بن كلثوم حين ناظره في مجلس عمرو بن هند بدليل ما في شعره من الاعتداد الرّصين بقومه البكريين، وما أبدى من الحنكة والدراية بنفسية الملوك وحسن خطابهم في تلك المناسبة. فقد كان الحارث يشكو من وضح (أي برص)، جعله يتردّد أول الأمر في تمثيل قبيلته ومواجهة عمرو بن كلثوم شاعر تغلب. وهو لذلك لم يتقدّم بادئ ذي بدء وأفسح المجال للنعمان بن هرم، الذي كان تيّاهاً متعاظماً، فلم يحسن خطاب الملك، وإذ اندفع بتهوره إلى إغاظته وإيغار صدره حتى أمر بطرده من مجلسه.

وأمام هذه الحادثة، ثارت الحميّة في نفس الحارث فارتجل قصيدته. وكان الملك قد أقام بينه وبينه سبعة ستور، ثم راح يرفعها الواحد بعد الآخر، إعجاباً بذكاء الحارث، وتقديراً لشاعريته. ونظراً لأهمية هذه المناظرة في حياة هذا الشاعر وظروف الخصومة بين بكر وتغلب على إثر حرب البسوس، فقد رأينا من المستحسن أن نثبت رواية أبي عمرو الشيباني، التي جاءت أكثر كتب الأدب على ذكرها، وفي مقدمتها الأغاني لأبي فرج الذي قال: قال أبو عمرو الشيباني: كان من خبر هذه القصيدة والسبب الذي دعا الحارث إلى قولها أن عمرو بن هند الملك- وكان جبّاراً عظيم الشأن والمُلك- لما جمع بكراً وتغلب ابني وائل، وأصلح بينهم، أخذ من الحييّن، رهناً من كل حيّ مائة غلام ليكف بعضهم عن بعض. فكان أولئك الرهن- يكونون معه في سيره ويغزون معه. فأصابتهم ريح سَمُومٌ في بعض مسيرهم فهلك عامّة التغلبيين، وسلم البكريون. فقالت تغلب لبكر: أعطونا ديات أبنائنا، فإن ذلك لكم لازم، فأبت بكر بن وائل. ثم اجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم وأخبروه بالقصة. فقال عمرو- لقومه-: بمن ترون بكر تعصب أمرها اليوم قالوا: بمن عسى إلا برجل من أولاد ثَعْلَبة. قال عمرو: أرى والله الأمر سينجلي عن أحمر أصلج أصّم من بني يشكر. "فجاءت بكر بالنعمان بن هرم: أحد بني ثعلبة… وجاءت تغلب بعمرو بن كلثوم. فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان بن هرم: يا أصمّ! جاءت بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم وهو يفخرون عليك! فقال النعمان: وعلى من أظلّت السماءُ كلُّها يفخرون، ثم لا يُنكر ذلك. فقال عمرو له: أما والله لو لطمتُك لطمة ما أخذوا لك بها. فجاء جواب النعمان نابياً وبذيئاً. فغضب عمرو بن هند وكان يؤثر بني تغلب على بكر، فقال: يا جارية أعطيه لَحْياً بلسان أنثى (أي اشتميه بلسانك). فقال: أيها الملك أعط ذلك أحب أهلك إليك. فقال: يا نعمانُ أيسرُّك أني أبوك قال: لا! ولكن وددت أنّك أميّ. فغضب عمرو بن هند غضباً شديداً حتى همّ بالنّعمان.

وقام الحارث بن حلّزة فارتجل قصيدته هذه ارتجالاً: توكّأ على قوسه وأنشدها وانتظم كفّه وهو لا يشعر من الغضب حتى فرغ منها. وأورد ابن الكلبي حول تلك المناسبة قوله: "أنشد الحارث عمرو بن هند هذه القصيدة وكان به وضَح. فقيل لعمرو بن هند: إنّ به وضحاً. فأمر أن يجعل بينه وبينه ستر فلما تكلّم أعجب بمنطقه، فلم يزل عمرو (أي الملك) يقول: أدنوه حتى أمر بطرح الستر وأقعده معه قريباً منه لإعجابه به.

وجاء في خزانة الأدب للبغدادي أن الذي يقول “ارفعوا ستراً، وأدنوا الحارث”، هي هند أم الملك. ولم تزل تقول ذلك، والملك بما أمرت، حتى رفعت الستور وكانت سبعة فأدنى ابن حلزة منه وأطعمه في جفنته وأمر أن لا ينضح أثره بالماء. وأضاف البغدادي بأنّ الملك أمر بجزّ نواصي السبعين بكريّاً الذين كانوا رهناً عنده، ودفعها إليه. ويذكر الباحثون أن هذه النّواصي بقيت في بني يشكر بعد الحارث وكانت موضع فخارها بشاعرها. ويروى أن الملك أراد أن يؤكد للحارث تقديره لهذه المعلقة المفخرة فأمره ألا ينشدها إلا متوضئاً.

وخبر الحارث في بلاط عمرو بن هند هو أبرز مواقف حياته وفيه ورد أفضل ما قاله من الشعر وهو المعلّقة. وفي خلال ذلك لم يردنا الكثير عن حياة هذا الشاعر، ولاسيما أيامه الأخيرة ووفاته. لكنّ نفراً من الأدباء في المراجع القديمة اتفق على أن الحارث كان بين المعمّرين من الشعراء، وعنهم أخذ الأب شيخو فذكر أن الشاعر اليشكري مات سنة 580م وكان عمره مئة وخمسين سنة، فتكون ولادته بحسب هذه الرواية في حدود 430م.

وأبرز ما قيل في شخصية الحارث متصل بهذا الحدث المشهور في سيرته وشعره. فقد أعجب المؤرخون بحكمته وحسن درايته بمواطن الشاعرية، وتفوقه على خصمه في استمالة الملوك واستدرار رعايتهم وتحويل قلوبهم من الحذر إلى الودّ. ويكفي هذا شاهداً على الإرادة القوية والأناة والجرأة في الأوقات العصيبة الحرجة، عند الحاجة إلى ذكاء العقل في دفع الملمّات. وشعر الحارث، متوّجاً بالمعلقة، يجمع بين القيمة التاريخية والأدبيّة ويجعل من صاحبها الشاعر الخطيب، والخطيب المنافح عن قومه وعزّتهم بكبرياء لا يخالطه صلف، وأنفة لا تشوبها غلظة أو غرور فارغ. فهو أحد شعراء المعلقات الأكثر بعداً عن الهوس والحماس الطائش، والدفاع الأرعن المتهوِّر. وأظهر ما في أسلوب الحارث، روعة الإيجاز وقوة الحجة والعناية بالتمثيل البياني والوصف البليغ والحرص على المتانة وقوة التركيب وقد تنوّعت في ديوان الحارث الأوزان والقوافي وبرّزت معلّقته على ما عداها من قصائد الكبار بفخامتها وجرسها فكانت سبب خلود صاحبها حتى قال الشيباني: لو قال الحارث معلّقته في حول لم يُلم.

وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن الحارث بن حلزة في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: لم يقدم من شرحوا المعلقات كثيراً عن الحارث بن حلزة من بني بكر، سوى ما يتعلق بالدفاع عن قضية قبيلته أمام عمرو بن هند ضد تغلب. كان نبيلاً ومحارباً مثل كل شعراء المعلقات، كما عمر طويلاً ويقال إنه نظم معلقته في سن المئة. إذا ما صدقت هذه الرواية، يكون أقدم شعراء المعلقات مولداً، إذ أن إلقاء المعلقة يعود إلى سنة 560 ميلادية. باستثناء ما يعرف عن معلقته ليس هناك من شيء مدون حول حياته.

معلقته من أولها إلى آخرها قطعة من الدفاع الخاص، أي أن موضوعها سياسي، وهذا ما يجعلها الأقل مثارة للاهتمام من بين المعلقات السبع. إلى حد ما، هي ليست مزخرفة بالأوصاف الطبيعية البرية للحيوانات والطيور والأشجار، ما يصنع سحر وفتنة المعلقات الأخرى، كما ليس هناك كثيراً من الأصالة أو العاطفة الجياشة في مطلعها، لعله ذكر هذا كنوع من التقليد المرعي، وربما استعاره في عمره المتقدم من شعر شبابه، إذ أنها لا تتقاسم سمات بقية المعلقة، ولا صدى لها في بقية المعلقة. القصيدة نقاش طويل يعبر عنه بحماس وليس دون جمال، لكن بمديح للأمير المخاطب، أمر شائع بين شعراء ما قبل الإسلام. يقال إن هند أم الأمير سرت لذكر اسمها في أبيات القصيدة الأولى وأنها أثرت على ابنها عمرو لتلبية مطلب الحارث. يقدم التبريزي بعض التفاصيل حول هذه النقطة.

قال إن الحارث أعد معلقته لهذه المناسبة لكنه شعر بالخجل لإلقائها بسبب إصابته بالجذام. طلب الملك منه إلقاءها من وراء سبع ستائر، وبعد ذلك طلب غسل موطيء قدميه بالماء، لكنه في الأخير اقتنع وألقى الحارث قصيدته من خلف ستارة. كانت هند تسمع وقالت " تالله لم أر مثل هذا اليوم الذي يتكلم فيه رجل من خلف سبع ستائر. أمر الملك برفع الستارة الثالثة والثانية ثم رفعها كلها حتى يقف الشاعر أمام الملك ، وطلب منه تناول الطعام من طبقه، وعندما خرج أمر بعدم غسل موطيء قدميه. وهكذا حقق الحارث مأربه بإصدار ابن هند مرسوماً لصالح قبيلته.

وقال عنه دبليو إى كلوستون في كتاب من تحريره عن الشعر العربي: أرسل الحارث بن حلزة وقد جاوز المئة من العمر، وإن كان ما يزال قوياً نسبياً، إلى بلاط عمرو بن هند، ملك الحيرة ليمثل قبيلة بني بكر إثر خلافها مع بني تغلب. تحتوي معلقته النقاش الذي دار في هذه المناسبة، التي كان تأثيرها من القوة حتى أن أمير الحيرة حكم لصالح بني بكر، وتكريماً للشاعر رفع الملك الستائر السبع التي وضعها أثناء إلقائه قصيدته وطلب منه الجلوس بجانبه. هناك اعتقاد أن الملك قتل بسبب هذا الحكم على يد عمرو بن كلثوم كما ذكر سابقاً.

معلقته**

أنشد الشاعر معلقته للملك عمرو بن هند رداً على عمرو بن كلثوم. وقيل أنه قد أعدّها وروّاها جماعة من قومه لينشدوها نيابة عنه لأنه كان برص وكره أن ينشدها من وراء سبعة ستور ثم يغسل أثره بالماء، كما كان يفعل بسائر البرص ثم عدل عن رأيه وقام بإنشادها بين يدي الملك وبنفس الشروط السابقة. لما سمعها الملك وقد وقعت في نفسه موقعاً حسناً أمر برفع الستور وأدناه منه وأطمعه في جفنته ومنع أن يغسل أثره بالماء.

كان الباعث الأساسي لإنشاد المعلقة دفاع الشاعر عن قومه وتفنيد أقوال خصمه عمرو بن كلثوم. تقع المعلقة في خمس وثمانين بيتاً، نظمت بين عامي 554 و569 م. شرحها الزوزني وطبعت في إكسفورد عام 1820 م ثم في بونا سنة 1827 م. ترجمت إلى اللاتينية والفرنسية.

وهي قصيدة همزية على البحر الخفيف وتقسم إلى:

مقدمة: فيها وقوف بالديار وبكاء على الأحبة ووصف للناقة (الأبيات 1 - 14)

المضمون: تكذيب أقوال التغلبيين من (الأبيات 15 - 20) وعدم اكتراث الشاعر وقومه بالوشايات (الأبيات 21 - 31) ومفاخر البكريين (الأبيات 32 - 39) ومخازي التغلبيين ونقضهم للسلم (الأبيات 40 - 55) واستمالة الملك وذكر العداوة (الأبيات 59 - 64) ومدح الملك (الأبيات 65 - 68) وخدم البكريين للملك (الأبيات 69 - 83) القرابة بينهم وبين الملك (الأبيات 84 - 85).

وتعتبر هذه المعلقة نموذج للفن الرفيع في الخطابة والشعر الملحمي وفيها قيمة أدبية وتاريخية كبيرة تتجلى فيها قوة الفكر عند الشاعر ونفاذ الحجة كما أنها تحوي القصص وألوانا من التشبيه الحسّي كتصوير الأصوات والاستعداد للحرب وفيها من الرزانة ما يجعله أفضل مثال للشعر السياسي والخطابي في ذلك العصر.


اعتمدنا في ذلك على: ابن الخطيب التبريزي، شرح المعلقات العشر المذهبات، تحقيق د. عمر فاروق الطباع، بيروت: دار الأرقم، د. ت، ص 259- 263.

أعلام الزركلي.

وأنظر أيضاً ما ترجمه صلاح صلاح في ما يلي:

Blunt, Lady Anne (Translated from the original Arabic) & Blunt, Wilfred Scawen (done into English Verse). The seven golden Odes of Pagan Arabia, known also as the Mo-Allakat. London: The Chiswick press, 1903, P.44. Clouston, W A (edited with introduction and notes). Arabian Poetry and English Readers. London: Darf Publishers Limited, 1986, PP.li- lii.

المصدر : موقع الوراق

**طرفة بن العبد ( الغلام القتيل )

طَرَفَة بن العبد شاعر جاهلي مجيد بحراني من شعراء المعلقات.

وقيل اسمه طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد أبو عمرو لُقّب بطَرَفَة، وهو من بني قيس بن ثعلبة من بني بكر بن وائل، ولد حوالي سنة 543 في قرية المالكية في البحرين من أبوين شريفين وكان له من نسبه العالي ما يحقق له هذه الشاعرية فجده وأبوه وعماه المرقشان وخاله المتلمس كلهم شعراء

مات أبوه وهو بعد حدث فكفله أعمامه إلا أنهم أساؤوا تريبته وضيقوا عليه فهضموا حقوق أمه وما كاد طرفة يفتح عينيه على الحياة حتى قذف بذاته في أحضانها يستمتع بملذاتها فلها وسكر ولعب وبذر وأسرف فعاش طفولة مهملة لاهية طريدة راح يضرب في البلاد حتى بلغ أطراف جزيرة العرب ثم عاد إلى قومه يرعى إبل معبد أخيه ثم عاد إلى حياة اللهو بلغ في تجواله بلاط الحيرة فقربه عمرو بن هند فهجا الملك فأوقع الملك به مات مقتولاً وهو دون الثلاثين من عمره سنة 569.

وينتمي طرفة لأسرة عرفت بكثرة شعرائها من جهة الأب والأم. وكان في صباه عاكفا على حياة اللهو، يعاقر الخمر وينفق ماله عليها. ولكن مكانه في قومه جعله جريئا على الهجاء. وقد مات أبوه وهو صغير فأبى أعمامه أن يقسموا ماله وظلموه.

ولما اشتدّت عليه وطأة التمرد عاد إلى قبيلته وراح يرعى إبل أخيه “معبد” إلا أنها سرقت منه. ولما قصد مالكاً ابن عمه نهره. فعاد مجدداً إلى الإغارة والغزو.

حياته

يتم طرفة من ابيه صغيرا فأبى اعمامه ان يقسموا له نصيبه من ارث ابيه وظلمو حقه فنشأ مع امه في بؤس

فعانى طرفة من اعمامه كثيراولم يجد دفعا لظلمهم عنه سوى الانغماس في اللهو الذي أسلمه للإهمال في رعاية ما تبقى للعائلة من إبل، مما أغضب شقيقه معبد منه…ولما قصد ابن عمه شاكيا نهره بقسوة فعاد لقبيلته مجددا، لكن ذلك لم يدم طويلا، فقد ضاقت القبيلة بتصرفاته اللاهيه فحكمت عليه بالابتعاد عنها، فصوّر ذلك في معلقته بصورة تهكمية، مستمدة من ملامح بيئته الصحراوية، حيث رأى نفسه وكأنه بعير مصاب بالجرب وينبغي إبعاده، بعد تعبيده بالقار علاجا له، عن بقية القطيع حتى لا تصاب بالعدوى، فكان الشاعرطرفه ذلك البعير المعبّد.. المفرد.

حينها بدأ تجوله في جزيرة العرب محتميا بهجائه المهذب, دفعا لغوائل المتربصين بنزقه الملكي، باحثا عن كنزه المفقود وحكمته المتناسلة من أرحام القوافي. وبين تضاعيف ذلك التطواف نظم تلك المعلقة التي ارتفعت به إلى الصف الأول من شعراء العربية على حداثة سنه وقلة إنتاجه. لكن شعره بما فيه المعلقة التي احتلت سدس ديوانه تقريبا، تميز بذلك الحس الإنساني الفريد من نوعه في جاهلية القصيدة العربية. وأضفت نظراته العميقة للموت والحياة وتصاريفهما فلسفة شعرية قلما انتبه إليها المتقدمون من الشعراء. بلغ طرفة في نهاية رحلة التيه مملكة الحيرة، فنادم مليكها عمرو بن كلثوم، لكن لذة الشاعر الموزعة في مثلث المرأة والفروسية والخمر.. كخلاصة لمعنى الحياة أوغرت صدر الملك عليه. فربما هجا الشاعر الملك، أو تباهى عليه بفروسيته، أو شبب بشقيقته فغضب الملك من شاعر النزق الملكي وحكم عليه بالموت. لكنه خشي من مواجهة الشاعر السليط بذلك الحكم القاتل فكتب الملك إلى عامله بالبحرين ان يقتل طرفة فسجنه ثم قتله وهو في نحو السادسة والعشرين من عمره وقد كانت معلقته الذهبية الخالدة قد اكتملت فعلا

وقداشترك طرفة في حرب البسوس وكان معاصرا لملك الحيرة عمرو بن هند وصديقا لاخيه عمرو بن مامة.

موته

توجه طرفة إلى بلاط الحيرة حيث الملك عمرو بن هند، وكان فيه خاله المتلمّس (جرير بن عبد المسيح).

وكان طرفة في صباه معجباً بنفسه يتخلّج في مشيته. فمشى تلك المشية مرة بين يديّ الملك عمرو بن هند فنظر إليه نظرة كادت تبتلعه. وكان المتلمّس حاضراً ، فلما قاما قال له المتلمّس: “يا طرفة إني أخاف عليك من نظرته إليك”. فقال طرفة: “كلا”…

بعدها كتب عمرو بن هند لكل من طرفة والمتلمّس كتاباً إلى المكعبر عامله في البحرين وعمان، وإذ كانا في الطريق بأرض بالقرب من الحيرة، رأيا شيخاً دار بينهما وبينه حديث. ونبّه الشيخ المتلمّس إلى ما قد يكون في الرسالة. ولما لم يكن المتلمّس يعرف القراءة، فقد استدعى غلاماً من أهل الحيرة ليقرأ الرسالة له، فإذا فيها:

“باسمك اللهم.. من عمرو بن هند إلى المكعبر.. إذا أتاك كتابي هذا من المتلمّس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً”.

فألقى المتلمّس الصحيفة في النهر، ثم قال لطرفة أن يطّلع على مضمون الرسالة التي يحملها هو أيضاً فلم يفعل، بل سار حتى قدم عامل البحرين ودفع إليه بها.

فلما وقف المكعبر على ما جاء في الرسالة أوعز إلى طرفة بالهرب لما كان بينه وبين الشاعر من نسب ، فأبى . فحبسه الوالي وكتب إلى عمرو بن هند قائلاً : “ابعث إلى عملك من تريد فاني غير قاتله”.

فبعث ملك الحيرة رجلاً من تغلب، وجيء بطرفة إليه فقال له: “إني قاتلك لا محالة .. فاختر لنفسك ميتة تهواها”.

فقال: “إن كان ولا بدّ فاسقني الخمر وأفصدني”. ففعل به ذلك.

شعره

شعر طرفة قليل لأنه لم يعش طويلاً. ولكنه حافل بذكر الأحداث، ويعكس أفكاره وخواطره بالحياة وبالموت، وتبرز فيه الدعوة لقطف ثمار اللذة الجسدية والمعنوية قبل فوات العمر.

وقد ترك لنا طرفة ديواناً من الشعر أشهر ما فيه “المعلّقة”.

ويحوي الديوان 657 بيتاً ، أما المعلقة فيبلغ عدد أبياتها (104) بيتاً وهي على البحر الطويل. ومن موضوعاتها:

1 - الغزل - الوقوف على الأطلال ووصف خولة.

2 - وصف الناقة.

3 - يعرّف نفسه ثم يعاتب ابن عمه.

4 - ذكر الموت، ووصيته لابنة أخيه أن تندبه.

طرفة بين فكّي التاريخ

طرفة الشاعر الجاهلي المبدع عانى من ظلم الأقرباء وهو أشنع ضروب الاستبداد لأنه يأتي من الأيدي التي نحبها والتي نظنّ أننا نأمن شرّها. ولم تمهله المؤامرات التي حيكت ضده كثيرا فمات في ربيع عمره عن 0(26) عاما، حيث قتل بوحشية لا لذنب اقترفه سوى إبداعه وإن كان بالهجاء.

سقط الشاعر ضحية لخلاف شخصي مع الملك. وإذا صحّت الرواية حول موته وأنه حمل الكتاب الذي يحوي أمراً بقتله، فإنّ هذا يدلّ على مدى عزّة النفس والثقة التي كان طرفة يتمتّع بها، وإن كانت في آخر الأمر، سبب مقتله.

بمقتل طرفة بن العبد في ربيع عمره وفي بداية عطائه حرم عشاق الأدب العربي والباحثين في علوم الصحراء والبداوة وتاريخ العرب من مصدر خصب كان يمكن أن يزوّدهم بالمعلومات التي يحتاجونها، وحرموا من عطاء خيال مبدع.

وتبقى معلّقة الشاعر شاهدا على مجد صاحبها وعلى الظلم والنهاية المؤلمة للشاعر.

من آثاره

ديوان شعر أشهر ما فيه المعلقة… نظمها الشاعر بعدما لقيه من ابن عمه من سوء المعاملة وما لقيه من ذوي قرباه من الاضطهاد

في المعلقة ثلاثة أقسام كبرى (1) القسم الغزلي من (1 ـ 10) ـ (2) القسم الوصفي (11 ـ 44) ـ (3) القسم الإخباري (45 ـ 99).

و سبب نظم المعلقة إذا كان نظمها قد تم دفعة واحدة فهو ما لقيه من ابن عمه من تقصير وإيذاء وبخل وأثرة والتواء عن المودة وربما نظمت القصيدة في أوقات متفرقة فوصف الناقة الطويل ينم على أنه وليد التشرد ووصف اللهو والعبث يرجح أنه نظم قبل التشرد وقد يكون عتاب الشاعر لابن عمه قد نظم بعد الخلاف بينه وبين أخيه معبد.

شهرة المعلقة وقيمتها

بعض النقاد فضلوا معلقة طرفة على جميع الشعر الجاهلي لما فيها من الشعر الإنساني ـ العواصف المتضاربة ـ الآراء في الحياة ـ والموت جمال الوصف ـ براعة التشبيه، وشرح لأحوال نفس شابة وقلب متوثب. ولعل انتمائه إلى منطقة من أكثر الأماكن تحضرا في الجزيرة العربية (إقليم البحرين)، جعل ذلك الشعر الإنساني أكثر بروزاً لديه مقارنة بغيره من شعراء الجاهلية.

في الخاتمة ـ يتجلى لنا طرفة شاعرا جليلاً من فئة الشبان الجاهليين ففي معلقته من الفوائد التاريخية الشيء الكثير كما صورت ناحية واسعة من أخلاق العرب الكريمة وتطلعنا على ما كان للعرب من صناعات وملاحة وأدوات.**

**3. معلقة طرفة بن العبد

لخولة أطلال ببرقة ثهمد *** تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

وقوفا بها صحبي علي مطيهم *** يقولون لا تهلك أسى وتجلد

كأن حدوج المالكية غدوة *** خلايا سفين بالنواصف من دد

عدولية أو من سفين ابن يامن *** يجور بها الملاح طورا ويهتدي

يشق حباب الماء حيزومها بها *** كما قسم الترب المفايل باليد

وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن *** مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد

خذول تراعي ربربا بخميلة *** تناول أطراف البرير وترتدي

وتبسم عن ألمى كأن منورا *** تخلل حر الرمل دعص له ندي

سقته إياة الشمس إلا لثاته *** أسف ولم تكدم عليه بإثمد

ووجه كأن الشمس حلت ردائها *** عليه نقي اللون لم يتخدد

وإني لأمضي الهم عند احتضاره *** بعوجاء مرقال تروح وتغتدي

أمون كألواح الإران نسأتها *** على لاحب كأنه ظهر برجد

جمالية وجناء تردي كأنها *** سفنجة تبري لأزعر أربد

تباري عتاقا ناجيات وأتبعت *** وظيفا وظيفا فوق مور معبد

تربعت القفين في الشول ترتعي *** حدائق مولي الأسرة أغيد

تريع إلى صوت المهيب وتتقي *** بذي خصل روعات أكلف ملبد

كأن جناحي مضرحي تكنفا *** حفافيه شكا في العسيب بمسرد

فطورا به خلف الزميل وتارة *** على حشف كالشن ذاو مجدد

لها فخذان أكمل النحض فيهما *** كأنهما بابا منيف ممرد

وطي محال كالحني خلوفه *** وأجرنة لزت بدأي منضد

كأن كناسي ضالة يكنفانها *** وأطرقسي تحت صلب مؤيد

لها مرفقان أفتلان كأنها *** تمر بسلمي دالج متشدد

كقنطرة الرومي أقسم ربها *** لتكتنفن حتى تشاد بقرمد

صهابية العثنون موجدة القرا *** بعيدة وخد الرجل موارة اليد

أمرت يداها فتل شزر وأجنحت *** لها عضداها في سقيف مسند

جنوح دفاق عندل ثم أفرعت *** لها كتفاها في معالى مصعد

كأن علوب النسع في دأياتها *** موارد من خلقاء في ظهر قردد

تلاقى وأحيانا تبين كأنها *** بنائق غر في قميص مقدد

وأتلع نهاض إذا صعدت به *** كسكان بوصي بدجلة مصعد

وجمجمة مثل العلاة كأنما *** وعى الملتقى منها إلى حرف مبرد

وعينان كالماويتين استكنتا *** بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد

طحوران عوار القذى فتراهما *** كمكحولتي مذعورة أم فرقد

وخد كقرطاس الشآمي ومشفر *** كسبت اليماني قده لم يجرد

وصادقتا سمع التوجس للسرى *** لهجس خفي أو لصوت مندد

مؤللتان تعرف العتق فيهما *** كسامعتي شاة بحومل مفرد

وأروع نباض أحذ ململم *** كمرداة صخر في صفيح مصمد

وإن شئت سامى واسط الكور رأسها *** وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد

وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت *** مخافة ملوي من القد محصد

وأعلم مخروت من الأنف مارن *** عتيق متى ترجم به الأرض تزدد

على مثلها أمضي إذا قال صاحبي *** ألا ليتني أفديك منها وأفتدي

وجاشت إليه النفس خوفا وخاله *** مصابا ولو أمسى على غير مرصد

إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني *** عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

أحلت عليها بالقطيع فأجذمت *** وقد خب آل الأمعز المتوقد

وذالت كما ذالت وليدة مجلس *** تري ربها أذيال سحل ممدد

ولست بحلال التلاع مخافة *** ولكن متى يسترفد القوم أرفد

وإن تبغني في حلقة القوم تلقني *** وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد

متى تأتني أصبحك كأسا روية *** وإن كنت عنها ذا غنى فاغن وازدد

وإن يلتق الحي الجميع تلاقني *** إلى ذروة البيت الرفيع المصمد

نداماي بيض كالنجوم وقينة *** تروح علينا بين برد ومجسد

رحيب قطاب الجيب منها رقيقة *** بجس الندامى بضة المتجرد

إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا *** على رسلها مطروقة لم تشدد

وما زال تشرابي الخمور ولذتي *** وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي

إلى أن تحامتني العشيرة كلها *** وأفردت إفراد البعير المعبد

رأيت بني غبراء لا ينكرونني *** ولا أهل هذاك الطراف الممدد

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى *** وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي *** فدعني أبادرها بما ملكت يدي

ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى *** وجدك لم أحفل متى قام عودي

فمنهن سبقي العاذلات بشربة *** كميت متى ما تعل بالماء تزبد

وكري إذا نادى المضاف محنبا *** كسيد الغضا نبهته المتورد

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب *** ببهكنة تحت الطراف المعمد

كأن البرين والدماليج علقت *** على عشر أو خروع لم يخضد

فذرني أروي هامتي في حياتها *** مخافة شرب في الحياة مصرد

كريم يروي نفسه في حياته *** ستعلم إن متنا صدى أينا الصدي

أرى قبر نحام بخيل بماله *** كقبر غوي في البطالة مفسد

ترى جثوتين من تراب عليهما *** صفائح صم من صفيح منضد

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي *** عقيلة مال الفاحش المتشدد

أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة *** وما تنقص الأيام والدهر ينفد

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى *** لكالطول المرخى وثنياه باليد

فما لي أراني وابن عمي مالكا *** متى أدن منه ينأ عني ويبعد

يلوم وما أدري علام يلومني *** كما لامني في الحي قرط بن معبد

وأيأسني من كل خير طلبته *** كأنا وضعناه إلى رمس ملحد

على غير ذنب قلته غير أنني *** نشدت فلم أغفل حمولة معبد

وقربت بالقربى وجدك إنني *** متى يك أمر للنكيثة أشهد

وإن أدع للجلى أكن من حماتها *** وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد

وإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم *** بشرب حياض الموت قبل التهدد

بلا حدث أحدثته وكمحدث *** هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي

فلو كان مولاي امرأ هو غيره *** لفرج كربي أو لأنظرني غدي

ولكن مولاي امرؤ هو خانقي *** على الشكر والتسآل أو أنا مفتد

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند

فذرني وعرضي إنني لك شاكر *** ولو حل بيتي نائيا عند ضرغد

فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد *** ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد

فأصبحت ذا مال كثير وزارني *** بنون كرام سادة لمسود

أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه *** خشاشا كرأس الحية المتوقد

وآليت لا ينفك كشحي بطانة *** لعضب رقيق الشفرتين مهند

أخي ثقة لا ينثني عن ضريبة *** إذا قيل مهلا قال حاجزه قدي

حسام إذا ما قمت منتصرا به *** كفى العود منه البدء ليس بمعضد

إذا ابتدر القوم السلاح وجدتني *** منيعا إذا بلت بقائمه يدي

وبرك هجود قد أثارت مخافتي *** بواديها أمشي بعضب مجرد

فمرت كهاة ذات خيف جلالة *** عقيلة شيخ كالوبيل يلندد

يقول وقد تر الوظيف وساقها *** ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد

وقال ألا ماذا ترون بشارب *** شديد علينا بغيه متعمد

فقال ذروه إنما نفعها له *** وإلا تكفوا قاصي البرك يزدد

فظل الإماء يمتللن حوارها *** ويسعى علينا بالسديف المسرهد

فإن مت فانعيني بما أنا أهله *** وشقي علي الجيب يا ابنة معبد

ولا تجعليني كامرئ ليس همه *** كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي

بطيء عن الجلى سريع إلى الخنى *** ذلول بأجماع الرجال ملهد

فلو كنت وغلا في الرجال لضرني *** عداوة ذي الأصحاب والمتوحد

ولكن نفى عني الرجال جراءتي *** عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي

لعمرك ما أمري علي بغمة *** نهاري ولا ليلي علي بسرمد

ويوم حبست النفس عند عراكها *** حفاظا على عوراته والتهدد

على موطن يخشى الفتى عنده الردى *** متى تعترك فيه الفرائص ترعد

أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى *** بعيدا غدا ما أقرب اليوم من غد

ويأتيك بالأخبار من لم تبع له *** بتاتا ولم تضرب له وقت موعد**


**العصر جاهلي

عدد الأبيات 104

البحر طويل

الروي حاء

الغرض فخر

مصدر القصيدة ديوان طرفة بن العبد (6-48) بشرح الأعلم الشنتمري، تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقال، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1395هـ-1975م

لخولة أطلال ببرقة ثهمد.. مشهد غنائي راقص**

www.youtube.com

امرؤ القيس
هو: امْرُؤُ القَيْس بن حجر بن الحارث الكندي، من بني آكل المرار
تاريخ الوفاة 545 م
ترجمة المصنف امْرُؤُ القَيْس (نحو 130 - 80 ق هـ = نحو 497 - 545 م)

امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من بني آكل المرار: أشهر شعراء العرب على الإطلاق. يماني الأصل. مولده بنجد، أو بمخلاف السكاسك باليمن. اشتهر بلقبه، واختلف المؤرخون في اسمه، فقيل حندج وقيل مليكة وقيل عديّ. وكان أبوه ملك أسد وغطفان.
وأمه أخت المهلهل الشاعر، فلقنه المهلهل الشعر، فقاله وهو غلام، وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب، فبلغ ذلك أباه، فنهاه عن سيرته فلم ينته. فأبعده إلى (دمّون) بحضرموت، موطن آبائه وعشيرته، وهو في نحو العشرين من عمره. فأقام زهاء خمس سنين، ثم جعل يتنقل مع أصحابه في أحياء العرب، يشرب ويطرب ويغزو ويلهو، إلى أن ثار بنو أسد على أبيه وقتلوه، فبلغ ذلك امرأ القيس وهو جالس للشراب فقال: رحم الله أبي! ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدا! اليوم خمر، وغدا أمر!، ونهض من غده فلم يزل حتى ثأر لأبيه من بني أسد، وقال في ذلك شعرا كثيرا. وكانت حكومة فارس ساخطة على بني آكل المرار (آباء امرئ القيس) فأوعزت إلى المنذر (ملك العراق) بطلب امرئ القيس، فطلبه، فابتعد، وتفرق عنه أنصاره، فطاف قبائل العرب حتى انتهى إلى السموأل، فأجاره. فمكث عنده مدة. ثم رأى أن يستعين بالروم على الفرس. فقصد الحارث ابن أبي شمر الغساني (والي بادية الشام) فسيره هذا إلى قيصر الروم يوستينيانس Justinianus ( ويسمى Justinien ler في القسطنطينية، فوعده ومطله، ثم ولاه إمرة فلسطين (البادية) ولقّبه (فيلارق) Phylarck) أي الوالي، فرحل يريدها. فلما كان بأنقرة ظهرت في جسمه قروح. فأقام إلى أن مات في أنقرة. وقد جُمع بعض ما ينسب إليه من الشعر في ديوان صغير (ط) وكثر الاختلاف في ما كان يدين به، ولعل الصحيح إنه كان على المزدكية، وفي تاريخ ابن عساكر أن امرأ القيس كان في أعمال دمشق وأن (سقط اللوى) و (الدخول) و (حومل) و (توضيح) و (المقراة) الواردة في مطلع معلقته، أماكن معروفة بحوران ونواحيها. وقال ابن قتيبة: (هو من أهل نجد. والديار التي يصفها في شعره كلها ديار بني أسد).
وكشف لنا ابن بليهد (في صحيح الأخبار) عن طائفة من الأماكن الوارد ذكرها في شعره، أين تقع وبماذا تسمى اليوم، وكثير منها في نجد. ويعرف امرؤ القيس بالملك الضّليل (لاضطراب أمره طول حياته) وذي القروح (لما أصابه في مرض موته) وكتب الأدب مشحونة بأخباره.
وعني معاصرونا بشعره وسيرته، فكتب سليم الجنديّ (امرؤ القيس - ط) ومحمد أبو حديد (الملك الضّليل امرؤ القيس - ط) ومحمد هادي ابن علي الدفتر (امرؤ القيس وأشعاره - ط) ومحمد صالح سمك (أمير الشعر في العصر القديم - ط) ورئيف الخوري (امرؤ القيس - ط) ومثله لفؤاد البستاني، ولمحمد صبري.
نقلا عن: الأعلام للزركلي

وجاء في كتاب " ألأغاني " لأبي فرج الأصفهاني.:
امرؤ القيس بن حجر الكندي واسمه حُندج (520 م - 565 م) شاعر و فارس عربي إذ روى الأصمعي أن أبا عبيد سئل في خير الشعراء فقال :"امرؤ القيس إذا ركب والأعشى إذا طرب وزهير ‏ إذا رغب والنابغة إذا رهب " أحد أشهر شعراء العصر الجاهلي رأس الطبقة الأولى من الشعراء العرب والتي تشمل زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني والأعشى وأحد أصحاب المعلقات السبعة المشهورة كان من أكثر شعراء عصره خروجاً عن نمطية التقليد، وكان سباقاً إلى العديد من المعاني والصور. وامرؤ القيس صاحب أوليات في التشابيه والاستعارات وغير قليل من الأوصاف والملحات إذ كان أول من بكى و تباكى و شبه النساء بالظبيان البيض و قرون الماعز بالعصي

نسبه

حندج بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر (آكل المرار) الِكندي. وله ثلاث كنى وهي : أبو وهب وأبو الحارث وأبو زيد. إشتهر بلقب إمرئ القيس ومعناه " رجل الشدة " لقبه الرسول بالملك الضليل وعرف بذي القروح لإصابته بالجدري خلال عودته من القسطنطينية وتوفي بسببه و كندة قبيلة قحطانية من قبائل كهلان من سبأ أقاموا دولة في عام خمس مئة وخمس وعشرين للميلاد وأكملوا مسيرهم شمالا حتى أسس بنو معاوية دولتهم في نجد. وولد شاعرنا هذا في نجد في اليمامة عند أخواله من بنو تغلب إذ قيل أن أمه كانت أخت المهلهل بن ربيعة وهي فاطمة بنت ربيعة و قيل أن أمه تملك بنت عمرو بن الزبيدية من مذحج
من أشعاره حول نسبه يقول:
تطاول الليل علينا دمون دمون إنا معشر يمانيون وإنا لأهلنا محبون
ولادته

يذهب لويس شيخو إلى أن امرأ القيس ولد في نجد سنة 520 م

  • يذكر صاحب الروائع أن ولادته سنة 500م وعلّق على ما قاله شيخو بصدد تاريخ ولادته قائلاً: قد رجعنا…ما يذكره مؤرخو الروم عن شاعرنا، وقارنا بين حوادث حياته وماجرى على عهده في البلاد العربية. فرأينا أن نأخذ برأي دي برسفال الجاعل ولادته حول سنة 500 م ووفاته حول 540 م.
    نشأته

ولد في نجد ونشأ ميالا إلى الترف واللهو شأن أولاد الملوك وكان يتهتك في غزله ويفحش في سرد قصصه الغرامية وهو يعتبر من أوائل الشعراء الذين ادخلوا الشعر إلى مخادع النساء كان ماجنا كثير التسكع مع صعاليك العرب ومعاقرا للخمر (520 سلك امرؤ القيس في الشعر مسلكاً خالف فيه تقاليد البيئة، فاتخد لنفسه سيرة لاهية تأنفها الملوك كما يذكر ابن الكلبي حيث قال: كان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح وشرب الخمر وسقاهم وتغنيه قيانة، لايزال كذلك حتى يذهب ماء الغدير ويبتقل عنه إلى غيره. إلتزم نمط حياة لم يرق لوالده فقام بطرده ورده إلى حضرموت بين أعمامه وبني قومه أملا في تغييره. لكن حندج استمر في ما كان عليه من مجون وأدام مرافقة صعاليك العرب وألف نمط حياتهم من تسكع بين أحياء العرب والصيد والهجوم على القبائل الأخرى وسبي متاعها.
وقال ابن قتيبة : هو من أهل كندة من الطبقة الاُولى. كان يعدّ من عشّاق العرب، ومن أشهر من أحب هي فاطمة بنت العبيد التي قال فيها في معلّقته الشهيرة :
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل… وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

ديانته

كان دين امرئ القيس الوثنية وكان غير مخلص لها. فقد روي أنه لما خرج للأخذ بثأر أبيه مر بصنم للعرب تعظمه يقال له ذو خلصة. فاستقسم بقداحه وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص. فأجالها فخرج الناهي. فعل ذلك ثلاثاً فجمعها وكسرها. وضرب بها وجه الصنم. وقال: “لو كان أبوك قتل ما عقتني”.

موت والده

كان لموت والده حجر على يد بني أسد أعظم الأثر على حياته ونقلة أشعرته بعظم المسؤولية الواقعة على عاتقه. رغم أنه لم يكن أكبر أبناء أبيه, إلا أنه هو من أخذ بزمام الأمور وعزم الانتقام من قتلة أبيه لإنه الوحيد الذي لم يبكي ويجزع من إخوته فور وصول الخبر إليهم في حضرموت يروى أنه قال بعد فراغه من اللهو ليلة مقتل أباه على يد بني أسد : ضيعني صغيرا, وحملني دمه كبيرا. لا صحو اليوم ولا سكر غدا. اليوم خمر وغدا أمر أنشد شعرا وهو في دمون (واد في حضرموت) قال فيه
تطاول الليل علينا دمون *** دمون إنا معشر يمانون
وإنا لأهلنا محبون
فلبس رداء الحرب في اليوم التالي وإتجه صوب بني أسد فخافوا منه وحاولوا استرضاءه إلا أنه لم يرض وقاتلهم حتى حتى أثخن فيهم الجراح وفاحت رائحة الجثث. وذكر الكلبي: أن امرأ القيس أقبل براياته يريد قتال بني أسد حين قتلوا أباه، فمر بتبالة وبها ذو الخلصة (صنم من أصنام العرب) وكانت العرب تستقسم عنده، فاستقسم فخرج القدح الناهي، ثم الثانية، ثم الثالثة كذلك، فكسر القداح وضرب بها وجه ذي الخلصة وقال: عضضت بأير أبيك لو كان أبوك المقتول لما عوقتني. ثم أغار على بني أسد فقتلهم قتلا ذريعا. ويروي اليعقوبي أن إمرؤ القيس قصد بني أسد في أول الأمر ولكنه أوقع بــــ كنانة فصاح قائلا : " ياللثارات" مزهوا بما ظنه ثأرا من قتلة أبيه. فأجابه القوم : " والله ما نحن إلا من كنانة ". فأنشد قائلا :
ألا يا لهف نفسي، بعد قومهم كانوا الشفاء، فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم *** وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريضاً *** ولو أدركنه صفر الوطاب
و حينها أنشد قاتل أبيه عبيد بن الأبرص الأسدي قائلا :
يا ذا المعيرنا بقتل
أبيه إذلالاً وحينا
أزعمت أنك قد قتلت*** سراتنا كذباً ومينا
هلا على حجر بن أم*** قطام تبكي لا علينا
إنا إذا عض الثقاف*** برأس صعدتنا لوينا
نحمي حقيقتنا، وبعض*** القوم يسقط بين بينا
وفي هذا يقول أيضاً في قصيدة له طويلة :
يا أيها السائل عن مجدنا *** إنك مستغبى بنا جاهل
إن كنت لم تأتك أنباؤنا *** فاسأل بنا يا أيها السائل
سائل بنا حجراً، غداة الوغى *** يوم يؤتى جمعه الحافل
يوم لقوا سعداً على مأقط *** وحاولت من خلفه كاهل
فأوردوا سرباً له ذبلاً *** كأنهن اللهب الشاعل
و إتجه إمرؤ القيس إلى اليمن و أقام بها زمانا يطلب مددا من قومه. فجمع جمعا من حمير و مذحج أمده بهم الملك ذي جذن الحميري. فأتجه صوب بني أسد بذلك الجمع و إنتقم من قاتل أبيه و ذبح عمرو بن الأشقر سيد بني أسد. حينها أنشد الشاعر قائلا مزهوا بنصره :
قولا لدودان نجد عبيد العصا *** ما غركم بالأسد الباسل
قد قرت العينان من مالك *** ومن بني عمرو ومن كاهل
ومن بني غنم بن دودان إذ *** نقذف أعلاهم على السافل
نطعنهم سلكى ومخلوجة *** لفتك لأمين على نابل
إذ هن أقساط كرجل الدبى *** أو كقطا كاظمة الناهل
حتى تركناهم لدى معرك *** أرجلهم كالخشب الشائل
حلت لي الخمر وكنت أمرأ *** عن شربها في شغل شاغل
فاليوم أسقى غير مستحقب *** إثما من الله ولا واغل

نهاية حياته

لم تكن حياة امرؤ القيس طويلة بمقياس عدد السنين ولكنها كانت طويلة وطويلة جدا بمقياس تراكم الإحداث وكثرة الإنتاج ونوعية الإبداع. لقد طوف في معظم إرجاء ديار العرب وزار كثيرا من مواقع القبائل بل ذهب بعيدا عن جزيرة العرب ووصل إلى بلاد الروم إلى القسطنطينية ونصر واستنصر وحارب وثأر بعد حياة ملأتها في البداية باللهو والشراب ثم توجها بالشدة والعزم إلى أن تعب جسده وأنهك وتفشى فيه وهو في أرض الغربة داء كالجدري أو هو الجدري بعينه فلقي حتفه هناك في أنقرة في سنة لا يكاد يجمع على تحديدها المؤرخون وان كان بعضهم يعتقد أنها سنه 540م، وقبره يقع الآن في تلة هيديرليك بأنقرة.
لقد ترك خلفه سجلا حافلا من ذكريات الشباب وسجلا حافلا من بطولات الفرسان وترك مع هذين السجلين ديوان شعر ضم بين دفتيه عددا من القصائد والمقطوعات التي جسدت في تاريخ شبابه ونضاله وكفاحه. وعلى الرغم من صغر ديوان شعره الذي يضم الآن ما يقارب مئة قصيدة ومقطوعة إلا أنه جاء شاعراً متميزاً فتح أبواب الشعر وجلا المعاني الجديدة ونوع الإغراض واعتبره القدماء مثالا يقاس عليه ويحتكم في التفوق أو التخلف إليه.
ولذلك فقد عني القدماء بشعره واحتفوا به نقداً ودراسة وتقليداً كما نال إعجاب المحدثين من العرب والمستشرقين، فأقبلوا على طباعته منذ القرن الماضي، القرن التاسع عشر في سورية ومصر وفرنسا وألمانيا وغيرها من البلدان التي تهتم بشؤون الفكر والثقافة

مصادر
1 أ كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني.
2أ كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني
3 أ ديوان امرئ القيس:دار الأرقم بن الأرقم.
4 أ بغية الطلب الوزير ابن القاسم المغربي.
5 أ تاريخ ابن خلدون
6 الموجزو في الشعر العربي -الجزء الأول صفحة28 - فالح الحجية
7 أ ب أشعار الشعراء السته الجاهليين
8 ديوان الفرزدق:دار الأرقم بن الأرقم.
9 ديوان الفرزدق:دار الأرقم بن الأرقم.
10 جريدة الأنباء

** 2. معلقة امرؤ القيس**
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول وحومل

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها *** لما نسجتها من جنوب وشمأل

ترى بعر الأرآم في عرصاتها *** وقيعانها كأنه حب فلفل

كأني غداة البين يوم تحملوا *** لدى سمرات الحي ناقف حنظل

وقوفا بها صحبي علي مطيهم *** يقولون لا تهلك أسى وتجمل

وإن شفائي عبرة إن سفحتها *** وهل عند رسم دارس من معول

كدينك من أم الحويرث قبلها *** وجارتها أم الرباب بمأسل

ففاضت دموع العين مني صبابة *** على النحر حتى بل دمعي محملي

ألا رب يوم لك منهن صالح *** ولا سيما يوم بدارة جلجل

ويوم عقرت للعذارى مطيتي *** فيا عجبا من رحلها المتحمل

يظل العذارى يرتمين بلحمها *** وشحم كهداب الدمقس المفتل

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة *** فقالت لك الويلات إنك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معا *** عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

فقلت لها سيري وأرخي زمامه *** ولا تبعديني من جناك المعلل

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا *** فألهيتها عن ذي تمائم مغيل

إذا ما بكى من خلفها انحرفت له *** بشق وشق عندنا لم يحول

ويوما على ظهر الكثيب تعذرت *** علي وآلت حلفة لم تحلل

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل *** وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

وإن كنت قد ساءتك مني خليقة *** فسلي ثيابي من ثيابك تنسل

أغرك مني أن حبك قاتلي *** وأنك مهما تأمري القلب يفعل

وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي *** بسهميك في أعشار قلب مقتل

وبيضة خدر لا يرام خباؤها *** تمتعت من لهو بها غير معجل

تجاوزت أحراسا وأهوال معشر *** علي حراص لو يشرون مقتلي

إذا ما الثريا في السماء تعرضت *** تعرض أثناء الوشاح المفصل

فجئت وقد نضت لنوم ثيابها *** لدى الستر إلا لبسة المتفضل

فقالت يمين الله ما لك حيلة *** وما إن أرى عنك العماية تنجلي

خرجت بها تمشي تجر وراءنا *** على أثرينا ذيل مرط مرحل

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى *** بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل

إذا التفتت نحوي تضوع ريحها *** نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

إذا قلت هاتي نوليني تمايلت *** علي هضيم الكشح ريا المخلخل

مهفهفة بيضاء غير مفاضة *** ترائبها مصقولة كالسجنجل

كبكر مقاناة البياض بصفرة *** غذاها نمير الماء غير المحلل

تصد وتبدي عن أسيل وتتقي *** بناظرة من وحش وجرة مطفل

وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش *** إذا هي نصته ولا بمعطل

وفرع يغشي المتن أسود فاحم *** أثيث كقنو النخلة المتعثكل

غدائره مستشزرات إلى العلا *** تضل المدارى في مثنى ومرسل

وكشح لطيف كالجديل مخصر *** وساق كأنبوب السقي المذلل

وتعطو برخص غير شثن كأنه *** أساريع ظبي أو مساويك إسحل

تضيء الظلام بالعشاء كأنها *** منارة ممسى راهب متبتل

وتضحي فتيت المسك فوق فراشها *** نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل

إلى مثلها يرنو الحليم صبابة *** إذا ما اسبكرت بين درع ومجول

تسلت عمايات الرجال عن الصبا *** وليس صباي عن هواها بمنسل

ألا رب خصم فيك ألوى رددته *** نصيح على تعذاله غير مؤتل

وليل كموج البحر أرخى سدوله *** علي بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لما تمطى بجوزه *** وأردف أعجازا وناء بكلكل

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح فيك بأمثل

فيا لك من ليل كأن نجومه *** بكل مغار الفتل شدت بيذبل

كأن الثريا علقت في مصامها *** بأمراس كتان إلى صم جندل

وقد أغتدي والطير في وكناتها *** بمنجرد قيد الأوابد هيكل

مكر مفر مقبل مدبر معا *** كجلمود صخر حطه السيل من عل

كميت يزل اللبد عن حال متنه *** كما زلت الصفواء بالمتنزل

مسح إذا ما السابحات على الونى *** أثرن غبارا بالكديد المركل

على العقب جياش كأن اهتزامه *** إذا جاش فيه حميه غلي مرجل

يطير الغلام الخف عن صهواته *** ويلوي بأثواب العنيف المثقل

درير كخذروف الوليد أمره *** تقلب كفيه بخيط موصل

له أيطلا ظبي وساقا نعامة *** وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

كأن على الكتفين منه إذا انتحى *** مداك عروس أو صرية حنظل

وبات عليه سرجه ولجامه *** وبات بعيني قائما غير مرسل

فعن لنا سرب كأن نعاجه *** عذارى دوار في الملاء المذيل

فأدبرن كالجزع المفصل بينه *** بجيد معم في العشيرة مخول

فألحقنا بالهاديات ودونه *** جواحرها في صرة لم تزيل

فعادى عداء بين ثور ونعجة *** دراكا ولم ينضح بماء فيغسل

فظل طهاة اللحم من بين منضج *** صفيف شواء أو قدير معجل

ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه *** متى ما ترق العين فيه تسهل

كأن دماء الهاديات بنحره *** عصارة حناء بشيب مرجل

وأنت إذا استدبرته سد فرجه *** بضاف فويق الأرض ليس بأعزل

أحار ترى برقا كأن وميضه *** كلمع اليدين في حبي مكلل

يضيء سناه أو مصابيح راهب *** أهان السليط في الذبال المفتل

قعدت له وصحبتي بين حامر *** وبين إكام بعد ما متأمل

وأضحى يسح الماء عن كل فيقة *** يكب على الأذقان دوح الكنهبل

وتيماء لم يترك بها جذع نخلة *** ولا أطما إلا مشيدا بجندل

كأن طمية المجيمر غدوة *** من السيل والغثاء فلكة مغزل

كأن أبانا في أفانين ودقه *** كبير أناس في بجاد مزمل

وألقى بصحراء الغبيط بعاعه *** نزول اليماني ذي العياب المخول

كأن سباعا فيه غرقى غدية *** بأرجائه القصوى أنابيش عنصل

على قطن بالشيم أيمن صوبه *** وأيسره على الستار فيذبل

وألقى ببسيان مع الليل بركه *** فانزل منه العصم من كل منزل

_


أسم الشاعر امرؤ القيس
العصر جاهلي
عدد الأبيات 77
البحر طويل
الروي لام
الغرض وصف
مصدر القصيدة الديوان (8-26)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم
تنبيه هذه معلقة امرئ القيس، وهي برواية الأصمعي

www.youtube.com

زهير بن أبي سلمى

(..- 13 ق. هـ … - 609 م)
هو زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رياح بن قرّة بن الحارث بن إلياس بن نصر بن نزار، المزني، من مضر. حكيم الشعراء في الجاهلية، وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة. كان له من الشعر ما لم يكن لغيره، ولد في بلاد مزينة بنواحي المدينة، وكان يقيم في الحاجر من ديار نجد، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام. قيل كان ينظم القصيدة في شهر ويهذبها في سنة، فكانت قصائده تسمى الحوليات. إنه، كما قال التبريزي، أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه، والآخران هما امرؤ القيس والنّابغة الذبياني. وقال الذين فضّلوا زهيراً: زهير أشعر أهل الجاهلية، روى هذا الحديث عكرمة عن أبيه جرير. وإلى مثل هذا الرأي ذهب العبّاس بن الأحنف حين قال، وقد سئل عن أشعر الشعراء. وقد علّل العبّاس ما عناه بقوله: ألقى زهير عن المادحين فضول الكلام كمثل قوله:

فما يَكُ من خيرٍ أتوه فإنّما- توارثه آباء آبائهم قبْل

وكان عمرو بن الخطاب شديد الإعجاب بزهير، أكد هذا ابن عبّاس إذ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في أول غزاة غزاها فقال لي: أنشدني لشاعر الشعراء، قلت: “ومن هو يا أمير المؤمنين?” قال: ابن أبي سلمى، قلت: وبم صار كذلك? قال: لا يتبع حوشي الكلام ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف ولا يمتدح أحداً إلا بما فيه". وأيّد هذا الرأي كثرة بينهم عثمان بن عفان، وعبد الملك بن مروان، وآخرون واتفقوا على أنّ زهيراً صاحب “أمدح بيت… وأصدق بيت… وأبين بيت”. فالأمدح قوله:

تراهُ إذا ما جئْتَه مُتَهَلِّلا- كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائلُهْ

والأصدق قوله:

ومهما تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍ- وإنْ تَخْفى على الناس تُعْلَمِ

وأما ما هو أبين فقوله يرسم حدود الحق:

فإنّ الحقّ مقطعُه ثلاثٌ- يمينٌ أو نفارُ أو جلاءُ

قال بعضهم معلّقاً: لو أن زهيراً نظر في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ما زاد على قوله المشار إليه، ولعلّ محمد بن سلاّم أحاط إحاطة حسنة بخصائص شاعرية زهير حين قال: “من قدّم زهيراً احتجّ بأنه كان أحسنهم شعراً وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من الألفاظ، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالاً في شعره”. وسنورد لاحقاً جملة أخرى في مثل هذه الخصائص التي تطالعنا بها أشعاره والتي تكشف عن أهمية شعره وقيمته.

لكن زهيراً- كما يفهم من حديثه وأهل بيته- كان من مزينة- وما غطفان إلا جيرانهم، وقِدْماً ولدتهم بنو مرّة وفي الأغاني حديث زهير في هذا الشأن رواه ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني، ولم نر ضرورة إثباته.

ولعلّ البارز في سيرة زهير وأخباره تأصّله في الشاعرية: فقد ورث الشعر عن أبيه وخاله وزوج أمه أوس بن حجر. ولزهير أختان هما الخنساء وسلمى وكانتا أيضاً شاعرتين. وأورث زهير شاعريته لابنيه كعب وبجير، والعديد من أحفاده وأبناء حفدته. فمن أحفاده عقبة المضرّب وسعيد الشاعران، ومن أبناء الحفدة الشعراء عمرو بن سعيد والعوّام ابنا عقبة المضرّب..

ويطول الكلام لو أردنا المضي في وراثة زهير الشعر وتوريثه إياه. يكفي في هذا المجال الحوار بينه وبين خال أبيه بشامة بن الغدير الذي قال حين سأله زهير قسمة من ماله: “يا ابن أختي، لقد قسمت لك أفضل ذلك وأجزله” قال: “ما هو?”، قال: شعري ورثتنيه". فقال له زهير: “الشعر شيء ما قلته فكيف تعتدّ به عليّ?”، فقال له بشامة: “ومن أين جئت بهذا الشعر? لعلك ترى أنّك جئت به من مزينة? وقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر لهذا الحيّ من غطفان، ثم لي منهم وقد رويته عنّي”.

فإذا تحوّلنا من شاعرية زهير إلى حياته وسيرته فأول ما يطالعنا من أخباره أنه كان من المعمّرين، بلغ في بعض الروايات نحوا من مئة عام. فقد استنتج المؤرخون من شعره الذي قاله في ظروف حرب داحس والغبراء أنه ولد في نحو السنة 530م. أما سنة وفاته فتراوحت بين سنة 611و 627م أي قبل بعثة النبيّ بقليل من الزمن، وذكرت الكتب أن زهيراً قصّ قبل موته على ذويه رؤيا كان رآها في منامه تنبأ بها بظهور الإسلام وأنه قال لولده: “إني لا اشكّ أنه كائن من خبر السماء بعدي شيء. فإن كان فتمسّكوا به، وسارعوا إليه”.

ومن الأخبار المتّصلة بتعمير زهير أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إليه “وله مائة سنة” فقال: اللهم أعذني من شيطانه"، فما لاك بيتاً حتى مات. وأقلّ الدلالات على عمره المديد سأمه تكاليف الحياة، كما ورد في المعلّقة حين قال:

سئمتُ تكاليفَ الحياة، ومَنْ يعِش- ثمانينَ حولاً لا أبا لكَ، يسأَمِ

والمتعارف عليه من أمر سيرته صدق طويته، وحسن معشره، ودماثة خلقه، وترفعه عن الصغائر، وأنه كان عفيف النفس، مؤمناً بيوم الحساب، يخاف لذلك عواقب الشرّ. ولعلّ هذه الأخلاق السامية هي التي طبعت شعره بطابع الحكمة والرصانة، فهو أحد الشعراء الذين نتلمس سريرتهم في شعرهم، ونرى في شعرهم ما انطوت عليه ذواتهم وحناياهم من السجايا والطبائع. وأكثر الباحثين يستمدّ من خبر زهير في مدح هرم بن سنان البيّنة التي تبرز بجلاء هذه الشخصية التي شرفتها السماحة والأنفة وزيّنها حبّ الحق والسّداد: فقد درج زهير على مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف لمأثرتهما في السعي إلى إصلاح ذات البين بين عبس وذبيان بعد الحرب الضروس التي استمرّت طويلاً بينهما.

. قيل إن هرماً حلف بعد أن مدحه زهير أن لا يكف عن عطائه، فكان إذا سأله أعطاه، وإذا سلّم عليه أعطاه. وداخل زهير الاستحياء، وأبت نفسه أن يمعن في قبول هبات ممدوحه، فبات حين يراه في جمع من القوم يقول “عموا صباحاً غير هرم … وخيركم استثنيت”.

ذكر أن ابن الخطاب قال لواحد من أولاد هرم: أنشدني بعض مدح زهير أباك، فأنشده، فقال الخليفة: إنه كان ليحسن فيكم القول"، فقال: “ونحن والله كنّا نحسن له العطاء”، فقال عمر بن الخطاب: “قد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم”. نعم لقد خلد هرم بفضل مديح زهير الصادق ومنه قوله:

منْ يلقَ يوماً على عِلاّته هرماً- يلقَ السماحةَ منه والنّدى خلقَا

ولزهير ديوان شعر عني الأقدمون والمحدثون بشرحه. وأبرز الشّراح الأقدمين الأعلم الشنتمري. وفي طليعة من حقّق ديوان زهير حديثاً المستشرق لندبرغ في ليدن سنة 1881م. ويدور شعر الديوان في مجمله حول المدح والفخر ودور زهير في ظروف حرب السباق، وتتوّج الحكمة هذا الشعر بهالة من الوقار تعكس شخصية الشاعر الحكيم.

وقد اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن زهير بن أبي سلمى في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: شخصية زهير نقيض لإمرئ القيس وطرفة. كان امرؤ القيس وطرفة رجلين طائشين وحياتهما غير منضبطة، وماتا ميتة عنيفة في عز شبابهما. بينما عاش زهير حياة طويلة ونال احترام الجميع لحكمته وأخلاقه العالية ولم يكن بحاجة للآخرين. عاصر الشاعرين المذكورين في مولده، لكنه قارب أيام ظهور الإسلام. يقال إنه في سن التسعين جاء إلى النبي فاستعاذ منه وقال: “اللهم أعذني من شيطانه” قول قامت عليه تعاليم بعض علماء المسلمين الذين قالوا بفكرة إن الوحي نزل على الرسول بالقرآن، وكذلك كان لكل شعراء الجاهلية شيطاناً يوحي لهم بما يقولون. كان زهير بن أبي سلمى من قبيلة “مزينة” ويعود من ناحية أم والده إلى قبيلة “مرة” في الحجاز. يروى إن والد زهير ذهب مع أقربائه من بني “مرة” - أسد وكعب - في غزوة ضد طيْ، وإنهم غنموا إبلاً عديدة. قال افردا لي سهماً، فأبيا عليه ومنعاه حقه، فكف عنهما، حتى إذا الليل أتى أمه فقال : والذي أحلف به لتقومن إلى بعير من هذه الإبل فلتقعدن عليه أو لأضربن بسيفي تحت قرطيك. فقامت أمه إلى بعير منها فاعتنقت سنامه وساق لها أبو سلمى وهو يرتجز ويقول: قادهم أبو سلمى من مضارب “مرة” حتى وصل قومه. لم يمض وقت طويل قبل التحاقه “بمزينة” في غزوة على بني ذبيان، فخذ من “مرة”. عندما بلغوا غطفان، جيران مرة، عاد غزاة مرة خائفين إلى خيام غطفان ومكثوا معهم. وهكذا قضى زهير طفولته معهم وليس مع قبيلته.
ذكر ابن العربي إن زهير كان له ابن يدعى سالم، كان في غاية الوسامة حتى إن امرأة عربية قالت عندما رأته قرب نبع ماء على صهوة جواده مرتدياً عباءة مخططة بخطين “لم أر حتى يومنا مثيلاً لهذا الرجل ولا هذه العباءة ولا هذا الجواد”. فجأة تعثر الجواد وسقط، فدقت عنقه وعنق راكبه. ذكر ابن العربي أيضاً إن والد زهير كان شاعراً، وكذلك أخ أمه وأخته سلمى وأخته الخنساء وابناه وحفيده المضرب بن كعب.
قسم عمه باشاما عند موته ثروته بين أقربائه، لكنه لم يعط زهير شيئاً بالرغم من حبه له. قال زهير: “وماذا أيضاً، ألم تترك قسطاً لي”. أجاب العجوز: " كلا، تركت لك أفضل ما عندي موهبتي في نظم الشعر". قال زهير: “هذه خاصتي منذ البداية”. لكن العجوز رد: “ليس صحيح، يعلم العرب جيداً أنها جاءتك مني”.
وقال عنه دبليو إى كلوستون في كتاب من تحريره عن الشعر العربي: تميز زهير بن أبي سلمى منذ نعومة أظفاره بنبوغه الشعري. كان المفضل عند عمه باشاما، الذي كان بنفسه شاعراً مشهوراً، لكن عندما أحس العجوز بدنو أجله قسم أملاكه بين أقاربه ولم يترك لزهير شيئاً. قال زهير: “وماذا أيضاً، ألم تترك قسطاً لي?” أجاب العجوز: “كلا، تركت لك أفضل ما عندي، موهبتي في نظم الشعر”. قال زهير: “هذه خاصتي منذ البداية”. لكن العجوز رد: “ليس صحيح, يعلم العرب جيداً أنها جاءتك مني”.
قصة المعلقة

نظمت معلقته لما آلت إليه حرب داحس والغبراء، وفي مديح الحارث بن عوف وهرم بن سنان، صانعي السلام. كما نظم زهير عديداً من القصائد في مدح حارم بن سنان، الذي لم يقم على تلبية كل طلبات الشاعر فقط، بل كان يمنحه لقاء قصيدة مديح إما جارية أو حصان. شعر زهير بالخجل لهذه المكرمة حتى أنه كان يقول عندما يدخل على قوم فيهم حارم " السلام عليكم جميعاً باستثناء حارم، رغم أنه أفضلكم".
قرأ أحد أبناء حارم قصيدة مديح في عائلته للخليفة عمر الذي قال إن زهير مدحكم مدحاً جميلاً. فرد الابن موافقاً وقال لكننا أجزلنا له العطاء. قال عمر “ما منح يفنى مع الزمن، لكن مديحه خالد”. لم يكن عمر من المعجبين بالشعر، لكنه مدح زهير لأنه مدح في شعره من يستحق المديح مثل حارم بن سلمى.
كانت أم أوفى التي ذكرها في مطلع المعلقة زوجة زهير الأولى التي طلقها بسبب غيرتها وندم لاحقاً على فعلته. مات كل الأبناء التي أنجبتهم صغار السن. أنجبت زوجته الثانية ولدين: كعب من نظم قصيدة البردة الشهيرة والمعروفة في الشرق بمطلع " بانت سعاد ?" وألقاها في حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام (630 ميلادية) عندما عقد صلحاً معه ودخل الإسلام، والابن الثاني بوجير وكان من أوائل من دخل الإسلام.

7.معلقة لبيد بن ربيعة العامري

عفتِ الديارُ محلُّها فمُقامُهَا *****بمنًى تأبَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا

فمدافعُ الرَّيَّانِ عرِّيَ رسْمُها*****خلقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها

دمِنٌ تَجَرَّمَ بعدَ عَهْدِ أنِيسِهَا*****حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُهَا وحَرَامُهَا

رزقَتْ مرابيعَ النُّجومِ وصابَهَا*****ودقُ الرواعدِ جوْدُهَا فرهامُها

منْ كلِّ سَارِيَة ٍ وغادٍ مُدْجِنٍ*****وعشيَّة ٍ متجاوبٍ إرْزامُهَا

فَعَلا فُرُوعُ الأيْهُقَانِ وَأطْفَلَتْ*****بالجلهتين ظباؤهَا ونعامُها

والعينُ ساكِنة ٌ على أطْلائِها*****عُوذاً تَأجَّلُ بالفضَاءِ بِهَامُها

وجَلا السُّيولُ عن الطّلُولِ كأنّها*****زبرٌ تجِدُّ متونَها أقْلامُها

أوْ رَجْعُ واشِمة ٍ أُسِفَّ نَؤورُهَا*****كففاً تعرَّضَ فوقَهنَّ وشامُها

فوقفتُ أسْألُهَا ، وكيفَ سُؤالُنَا*****صُمّاً خوالدَ ما يُبينُ كلامُها

عرِيتْ وكان بها الجميعُ فأبكرُوا*****منها وَغُودرَ نُؤيُهَا وَثُمَامُها

شاقتكَ ظُعْنُ الحيِّ حينَ تحمّلُوا*****فتكنَّسُوا قُطُناً تَصِرُّ خِيَامُها

من كلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ*****زوْجٌ عليه كلَّة ٌ وفرامُهَا

زُجَلاً كأنَّ نِعَاجَ تُوضِحَ فَوْقَهَا*****وظِباءَ وجرَة َ عُطَّفاً آرَامُهَا

حُفِزَتْ وَزَايَلَهَا السَّرَابُ كأنها*****أجْزَاعُ بِيشة َ أثْلُهَا وَرُضَامُهَا

بلْ ما تذكرُ منْ نوارَ وقد نأتْ*****وَتَقَطَّعَتْ أسْبَابُهَا وَرِمَامُهَا

مُرِّيَّة ٌ حَلَّتْ بِفَيْدَ وَجَاوَرَتْ******أهْلَ الحِجَازِ فأيْنَ مِنْكَ مَرَامُهَا

بمشارقِ الجبلين أو بِمُحَجَّرٍ*****فَتَضَمَّنَتْهَا فَرْدَة ٌ فَرُخَامُهَا

فَصُوَائقٌ إنْ أيْمَنَتْ فَمَظِنَّة ٌ*****فيها وحافُ القَهْرِ أوْ طِلْخامُهَا

فاقطعْ لُبانَة َ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ*****ولَشرُّ واصلِ خُلَّة ٍ صَرَّامُها

واحبُ المُجَامِلَ بالجزيلِ وصرمُهُ*****باقٍ إذا ضلعَتْ وزاغَ قوامُهَا

بِطَليحِ أسْفَارٍ تَرَكْنَ بقيَّة ً*****منها فأحنقَ صُلْبُها وسنامُها

وإذا تغالى لحمُها وتحسَّرتْ*****وتَقَطَّعَتْ بعد الكَلالِ خِدَامُهَا

فلها هبابٌ في الزِّمامِ كأنَّها*****صهباءُ خَفَّ مع الجنوبِ جَهَامُها

أو ملمِعٌ وسقَتْ لأحقبَ لاحَهُ*****طَرْدُ الفُحول وَضَرْبُهَا وَكِدَامُهَا

يعلوُ بها حدبُ الإكامِ مسحَّجٌ*****قَد رابَهُ عصيانُهَا ووحَامُها

بأحِزَّة ِ الثَّلَبُوتِ يَرْبَأُ فَوْقَهَا*****قَفْر المَرَاقِبِ خَوْفُهَا آرامُهَا

حتى إذا سَلَخَا جُمَادَى ستَّة ً*****جَزءاً فطالَ صِيامُهُ وَصِيَامُها

رَجَعَا بأمرهما إلى ذي مِرَّة ٍ*****حصدٍ، ونجحُ صريمة ٍ إبرامُهَا

ورمى دوابرَهَا السَّفَا وتهيَّجَتْ*****ريحُ المصايِفِ سَوْمُهَا وسِهامُهَا

فتنازعا سَبِطاً يطيرُ ظلالُهُ*****كدخانِ مُشْعَلة ٍ يُشَبُّ ضِرَامُهَا

مشمُولة ٍ غلِثَتْ بنابتِ عرْفَجٍ*****كَدُخَانِ نارٍ سَاطِعٍ أسْنَامُها

فمضى وَقَدَّمَهَا وكانتْ عادة ً*****منه إذا هِيَ عَرَّدَتْ إقدامُها

فتوسَّطا عرضَ السَّريَّ وصدَّعا*****مسجورة ً متجاوراً قُلاَّمُهَا

محفوفة ً وسطَ اليراعِ يُظِلُّها*****مِنه مُصَرَّعُ غَابة ٍ وقِيامُها

أفَتِلْكَ أم وحْشِيَّة ٌ مسبوعَة ٌ*****خذلتْ وهادية ُ الصِّوارِ قِوَامُها

خَنْساءُ ضَيَّعَتِ الفَريرَ فلمْ يَرِمْ*****عرضَ الشَّقائِقِ طوفُها وبغامُها

لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنَازَعَ شِلْوَهُ*****غُبْسٌ كواسِبُ لا يُمَنُّ طَعَامُها

صَادَفْنَ منها غِرَّة ً فَأصَبْنَهَا*****إنَّ المنايا لا تطيشُ سهامُهَا

باتَتْ وَأسْبَلَ واكفٌ من ديمة ٍ*****يروِي الخمائلَ دائماً تسجامُها

يعدُو طريقة َ متنِهَا متواتِرٌ*****في ليلة ٍ كَفَرَ النُّجومَ غَمَامُهَا

تجتافُ أصْلاً قالِصاً متنبّذاً*****بعجوبِ أنْقاءٍ يميلُ هُيَامُها

وتُضيءُ في وَجْهِ الظلام مُنِيرة ً*****كجمانَة ِ البحريِّ سُلَّ نظامُها

حتى إذا انحسَرَ الظلامُ وَأسْفَرَتْ*****بكرتْ تزلُّ عن الثَّرَى أزْلامُها

عَلِهَتْ تَرّدَّدُ في نِهاءِ صَعَائِدٍ*****سَبْعاً تُؤاماً كاملاً أيَّامُها

حتى إذا يَئسَتْ وأسْحَقَ حَالِقٌ*****لم يُبلهِ إرْضاعُها وفِطَامُها

وتوجسَّتْ رزَّ الأنيسِ فَرَاعَها*****عن ظهرِ غَيْبٍ، والأنيسُ سَقَامُها

فَغَدَتْ كلا الفَرجَينِ تَحْسَبُ أنَّهُ*****مَولى المخافة خلفُها وأمامُها

حتى إذا يئسَ الرُّماة ُ وأرْسَلُوا*****غضفاً دواجنَ قافلاً أعْصامُها

فَلَحِقْنَ واعتكرتْ لها مَدْرِيَّة ٌ*****كالسَّمهريَّة ِ حَدَّهَا وتَمَامُهَا

لِتذَودَهُنَّ وَأيقنتْ إن لم تَذُدْ*****أن قد أحمَّ مع الحتوفِ حمامُها

فتقصدَتْ منها كَسابِ فضُرِّجتْ*****بدمٍ وغودرَ في المَكَرِّ سُخَامُها

فبتلْكَ إذْ رقَصَ اللوامعُ بالضُّحى*****واجتابَ أردية َ السَّرَابِ إكامُها

أقضي اللُّبانة َ لا أفرِّطُ ريبة ً*****أو أن يلومَ بحاجة ٍ لُوَّامُهَا

أوَلم تكنْ تدري نَوَارُ بأنَّني*****وَصَّالُ عَقْدِ حَبَائِلٍ جَذَّامُها

تَرَّاكُ أمكنة ٍ إذا لم أرْضَهَا*****أوْ يعتلقْ بعضَ النفوسِ حِمامُها

بل أنتِ لا تدرين كم مِنْ ليلة ٍ*****طَلْقٍ لذيذٍ لَهْوُها ونِدَامُها

قَد بِتُّ سامِرَها، وغَاية تاجرٍ*****وافيتُ إذ رُفِعَتْ وَعَزَّ مُدَامُها

أُغْلي السِّباءَ بكلِّ أدْكَنَ عاتقٍ*****أو جَوْنَة ٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها

بصَبوحِ صافية ٍ وجذبِ كرينة ٍ*****بموَتَّرٍ تأتالُهُ إبهامُهَا

بادرتُ حاجتَها الدّجاجَ بسحرَة ٍ*****لأعَلَّ منها حينَ هبّ نيامُها

وغداة ِ ريحٍ قَدْ وزعتُ وَقَرَّة ٍ*****إذ أصْبَحَتْ بيدِ الشَّمالِ زمامُها

ولقَد حميْتُ الحيَّ تحملُ شِكَّتي*****فرطٌ، وشاحي إذْ غدوتُ لجامُها

فعَلوتُ مرتقباً عَلى ذي هَبْوَة ٍ*****حَرِجٍ إلى أعلامِهِنَّ قَتَامُها

حتى إذا ألْقَتْ يداً في كافرٍ*****وَأجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلامُها

أسْهلْتُ وانتصَبتْ كجذع منيفَة ٍ*****جَرْدَاءَ يَحْصَرُ دونها جُرَّامُها

رَفَّعْتُهَا طَرَدَ النَّعامِ وَشَلَّهُ*****حتى إذا سَخِنَتْ وَخَفَّ عظامُها

قَلِقَتْ رِحَالَتُهَا وَأسْبَلَ نَحْرُهَا*****وابتلَّ من زَبَدِ الحمِيمِ حِزَامُهَا

تَرْقَى وَتَطَعْنُ في العِنَانِ وتَنْتَحي*****وِرْدَ الحمَامة إذ أجَدَّ حَمَامُها

وكثيرة ٍ غُرَباؤهَا مَجْهُولَة ٍ*****ترجَى نوافِلُها ويخْشَى ذامُها

غُلْبٌ تَشَذَّرُ بالذُّحُولِ كأنَّهَا *****جنُّ البديِّ رواسياً أقدامُها

أنكرتُ باطلَها وَبُؤْتُ بحقِّها*****عندي، ولم يَفْخَرْ عليَّ كرامُها

وَجزَورِ أيْسَارٍ دَعَوْتُ لحتفِها*****بِمَغَالِقٍ مُتَشَابهٍ أجسامُها

أدعُو بهنَّ لعاقِرِ أوْ مطفِلٍ*****بذلَتْ لجيرانِ الجميعِ لحامُها

فالضيفُ والجارُ الجنيبُ كأنّما*****هبَطَا تبالَة َ مخصِباً أهْضَامُها

تأوِي إلى الأطْنابِ كلُّ رذيَّة ٍ*****مِثْلُ البَلِيّة ِ قَالصٌ أهدَامُها

ويكلّلُونَ إذا الرياحُ تناوحَتْ*****خُلُجاً تمدُّ شوارعاً أيْتَامُها

إنّا إذا التقتِ المجَامِعُ لم يَزَلْ *****منّا لِزَازُ عظيمة ٍ جَشّامُها

وَمُقَسِّمٌ يُعْطِي العشيرة َ حَقَّهَا*****وَمُغَذْمِرٌ لحقوقِها هَضَّامُها

فضلاً، وذو كرمٍ يعينُ على النَّدى*****سمحٌ كسُوبُ رغائبٍ غنّامُها

مِنْ معشرٍ سنَّتْ لهمْ آباؤهُمْ*****ولكلِّ قومٍ سُنَّة ٌ وإمامُهَا

لا يَطبَعونَ وَلا يَبورُ فَعالُهُم*****إِذ لا يَميلُ مَعَ الهَوى أَحلامُها

فاقْنَعْ بما قَسَمَ المليكُ فإنّمَا*****قسمَ الخلائقَ بينَنا علاَّمُها

وإذا الأمانة ُ قُسِّمَتْ في مَعْشَرٍ*****أوْفَى بأوْفَرِ حَظِّنَا قَسّامُهَا

فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكُهُ *****فَسَما إليه كَهْلُهَا وَغُلامُها

وَهُمُ السُّعَاة ُ إذا العشيرة ُ أُفْظِعَتْ*****وهمُ فوارِسُهَا وَهمْ حُكّامُها

وهمُ رَبيعٌ للمُجَاورِ فيهمُ*****والمرملاتِ إذا تطاولَ عَامُها

وَهُمُ العَشيرة ُ أنْ يُبَطِّىء َ حاسدٌ*****أو أن يميلَ معَ العدوِّ لئامُها
معلقة لبيد بن ربيعة العامري إلقاء عبدالرحمن السعيد

www.youtube.com

**ألمُعَلَّقات

المعلقات هي من أشهر ما كتب العرب في الشعر وسميت معلقات. وقد قيل لها معلقات لأنها مثل العقود النفيسة تعلق بالأذهان. ويقال أن هذه القصائد كانت تكتب بماء الذهب وتعلق على استار الكعبة قبل مجيء الإسلام، وتعتبر هذه القصائد أروع وأنفس ما قيل في الشعر العربي القديم لذلك اهتم الناس بها ودونوها وكتبوا شروحا لها, وهي عادة ما تبدأ بذكر الأطلال وتذكر ديار محبوبة الشاعر وتكون هذه المعلقات من محبته له شهاره الخاص.

وقيل إن حماد الراوية هو أول من جمع القصائد السبع الطوال وسماها بالمعلقات (السموط). وكان يقول أنها من أعذب ماقالت العرب وأن العرب كانو يسمونها بالسموط(المعلقات). ذهب الأدباء والكتاب من بعده لدراستها. مثل ابن الكلبي. وابن عبد ربه صاحب العقد الفريد وأضاف بكتابه أمر تعليقها بالكعبة. قد تجدهم سبع قصائد في كل كتاب قديم لكن منهم من أضاف قصيدة لشاعر وأهمل قصيدة الاخر. فاحتاروا من هم السبعة. فجعلوها عشر. (تاريخ الأدب العربي. [شوقي أبو خليل]).وكتبت هذه المقاله من كتاب اسمه البطوله الذي كتبه ورد خطيب

أصل كلمة"المعلقات" :

فالمعلّقات لغةً من العِلْق : وهي المال الذي يكرم عليك، تضنّ به، تقول : هذا عِلْقُ مضنَّة. وما عليه علقةٌ إذا لم يكن عليه ثياب فيها خير، والعِلْقُ هو النفيس من كلّ شيء، وفي حديث حذيفة : «فما بال هؤلاء الّذين يسرقون أعلاقنا» أي نفائس أموالنا. والعَلَق هو كلّ ما عُلِّق.

و اصطلاحاً :قصائد جاهليّة بلغ عددها السبع أو العشر ـ على قول ـ برزت فيها خصائص الشعر الجاهلي بوضوح، حتّى عدّت أفضل ما بلغنا عن الجاهليّين من آثار أدبية.

والناظر إلى المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد العلاقة واضحة بينهما، فهي قصائد نفيسة ذات قيمة كبيرة، بلغت الذّروة في اللغة، وفي الخيال والفكر، وفي الموسيقى وفي نضج التجربة، وأصالة التعبير، ولم يصل الشعر العربي إلى ما وصل إليه في عصر المعلّقات من غزل امرؤ القيس، وحماس المهلهل، وفخر ابن كلثوم، إلاّ بعد أن مرّ بأدوار ومراحل إعداد وتكوين طويلة.

المعلقات السبع

سبع معلقات تضاف إليها ثلاث لتصبح عشر معلقات والسبع هي:

صفحة - مطلع القصيدة … ( صاحب القصيدة )

02- أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَـةٌ لَمْ تَكَلَّـمِ (زهير بن ابي سلمى).

04- قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ (امرؤ القيس).

06- لخولة أطلال ببرقة ثهمد، لـ (طرفة بن العبد).

08- آذَنَتنَـا بِبَينهـا أَسـمَــاءُ (الحارث بن حلزة).

10- أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا (عمرو بن كلثوم).

12- هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَـرَدَّمِ (عنترة بن شداد).

14- عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَـا (لبيد بن ربيعة).

المعلقات العشر

ويضاف أيضاً إلى تلك القصائد ثلاثة أخرى، لتسمى جميعها المعلقات العشرة وهي:

صفحة - مطلع القصيدة … ( صاحب القصيدة )

17- أقفر منا أهله ملحوب، لـ (عبيد بن الأبرص).

19- يا دارمية بالعلياء والسند لـ (النابغة الذبياني).

21- ودع هريرة إن الركب مرتحل، ل (الأعشى).

بذل كثير من الأدباء جهوداً في شرح المعلقات، فمن أولئك :

الحسين بن أحمد الزوزنى المتوفى 486هـ، الذي شرح المعلقات السبع. -

فتح الكبير المتعال إعراب المعلقات العشر الطوال تأليف محمد علي طه الدرة، -

منتهى الأرب شرح معلقات العرب.-

تعريف للمعلقات

 كان فيما اُثر من أشعار العرب ، ونقل إلينا من تراثهم الأدبي الحافل بضع قصائد من مطوّلات الشعر العربي ، وكانت من أدقّه معنى ، وأبعده خيالاً ، وأبرعه وزناً ، وأصدقه تصويراً للحياة ، التي كان يعيشها العرب في عصرهم قبل الإسلام ، ولهذا كلّه ولغيره عدّها النقّاد والرواة قديماً قمّة الشعر العربي وقد سمّيت بالمطوّلات ، وأمّا تسميتها المشهورة فهي المعلّقات . نتناول نبذةً عنها وعن أصحابها وبعض الأوجه الفنّية فيها :



 فالمعلّقات لغةً من العِلْق : وهو المال الذي يكرم عليك ، تضنّ به ، تقول : هذا عِلْقُ مضنَّة . وما عليه علقةٌ إذا لم يكن عليه ثياب فيها خير ، والعِلْقُ هو النفيس من كلّ شيء ، وفي حديث حذيفة : «فما بال هؤلاء الّذين يسرقون أعلاقنا» أي نفائس أموالنا . والعَلَق هو كلّ ما عُلِّق .



 وأمّا المعنى الاصطلاحي فالمعلّقات : قصائد جاهليّة بلغ عددها السبع أو العشر ـ على قول ـ برزت فيها خصائص الشعر الجاهلي بوضوح ، حتّى عدّت أفضل ما بلغنا عن الجاهليّين من آثار أدبية4 .



 والناظر إلى المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد العلاقة واضحة بينهما ، فهي قصائد نفيسة ذات قيمة كبيرة ، بلغت الذّروة في اللغة ، وفي الخيال والفكر ، وفي الموسيقى وفي نضج التجربة ، وأصالة التعبير ، ولم يصل الشعر العربي إلى ما وصل إليه في عصر المعلّقات من غزل امرئ القيس ، وحماس المهلهل ، وفخر ابن كلثوم ، إلاّ بعد أن مرّ بأدوار ومراحل إعداد وتكوين طويلة .



 وفي سبب تسميتها بالمعلّقات هناك أقوال منها :



 لأنّهم استحسنوها وكتبوها بماء الذهب وعلّقوها على الكعبة ، وهذا ما ذهب إليه ابن عبد ربّه في العقد الفريد ، وابن رشيق وابن خلدون وغيرهم ، يقول صاحب العقد الفريد : « وقد بلغ من كلف العرب به )أي الشعر) وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم ، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة ، وعلّقتها بين أستار الكعبة ، فمنه يقال : مذهّبة امرئ القيس ، ومذهّبة زهير ، والمذهّبات سبع ، وقد يقال : المعلّقات ، قال بعض المحدّثين قصيدة له ويشبّهها ببعض هذه القصائد التي ذكرت :

برزةٌ تذكَرُ في الحسـ = ـنِ من الشعر المعلّقْ

كلّ حرف نـادر منـ = ـها له وجـهٌ معشّ

 أو لأنّ المراد منها المسمّطات والمقلّدات ، فإنّ من جاء بعدهم من الشعراء قلّدهم في طريقتهم ، وهو رأي الدكتور شوقي ضيف وبعض آخر . أو أن الملك إذا ما استحسنها أمر بتعليقها في خزانته .

هل علّقت على الكعبة؟

 سؤال طالما دار حوله الجدل والبحث ، فبعض يثبت التعليق لهذه القصائد على ستار الكعبة ، ويدافع عنه ، بل ويسخّف أقوال معارضيه ، وبعض آخر ينكر الإثبات ، ويفنّد أدلّته ، فيما توقف آخرون فلم تقنعهم أدلّة الإثبات ولا أدلّة النفي ، ولم يعطوا رأياً في ذلك .

المثبتون للتعليق وأدلّتهم :

 لقد وقف المثبتون موقفاً قويّاً ودافعوا بشكل أو بآخر عن موقفهم في صحّة التعليق ، فكتبُ التاريخ حفلت بنصوص عديدة تؤيّد صحّة التعليق ، ففي العقد الفريد ذهب ابن عبد ربّه ومثله ابن رشيق والسيوطيوياقوت الحموي وابن الكلبي وابن خلدون ، وغيرهم إلى أنّ المعلّقات سمّيت بذلك; لأنّها كتبت في القباطي بماء الذهب وعلّقت على أستار الكعبة ، وذكر ابن الكلبي : أنّ أوّل ما علّق هو شعر امرئ القيس على ركن من أركان الكعبة أيّام الموسم حتّى نظر إليه ثمّ اُحدر ، فعلّقت الشعراء ذلك بعده .



 وأمّا الاُدباء المحدّثون فكان لهم دور في إثبات التعليق ، وعلى سبيل المثال نذكر منهم جرجي زيدان حيث يقول :

» وإنّما استأنف إنكار ذلك بعض المستشرقين من الإفرنج ، ووافقهم بعض كتّابنا رغبة في الجديد من كلّ شيء ، وأيّ غرابة في تعليقها وتعظيمها بعدما علمنا من تأثير الشعر في نفوس العرب؟! وأمّا الحجّة التي أراد النحّاس أن يضعّف بها القول فغير وجيهة ; لأنّه قال : إنّ حمّاداً لمّا رأى زهد الناس في الشعر جمع هذه السبع وحضّهم عليها وقال لهم : هذه هي المشهورات ، وبعد ذلك أيّد كلامه ومذهبه في صحّة التعليق بما ذكره ابن الأنباري إذ يقول : وهو ـ أي حمّاد ـ الذي جمع السبع الطوال ، هكذا ذكره أبو جعفر النحاس ، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنّها كانت معلّقة على الكعبة . »

 وقد استفاد جرجي زيدان من عبارة ابن الأنباري : « ما ذكره الناس » ، فهو أي ابن الأنباري يتعجّب من مخالفة النحاس لما ذكره الناس ، وهم الأكثرية من أنّها علقت في الكعبة .

النافون للتعليق :

 ولعلّ أوّلهم والذي يعدُّ المؤسّس لهذا المذهب ـ كما ذكرنا ـ هو أبو جعفر النحّاس ، حيث ذكر أنّ حمّاداً الراوية هو الذي جمع السبع الطوال ، ولم يثبت من أنّها كانت معلّقة على الكعبة ، نقل ذلك عنه ابن الأنباري  . فكانت هذه الفكرة أساساً لنفي التعليق :



 كارل بروكلمان حيث ذكر أنّها من جمع حمّاد ، وقد سمّاها بالسموط والمعلّقات للدلالة على نفاسة ما اختاره ، ورفض القول  : إنّها سمّيت بالمعلّقات لتعليقها على الكعبة ، لأن هذا التعليل إنّما نشأ من التفسير الظاهر للتسمية وليس سبباً لها ، وهو ما يذهب إليه نولدكه .



 وعلى هذا سار الدكتور شوقي ضيف مضيفاً إليه أنّه لا يوجد لدينا دليل مادّي على أنّ الجاهليين اتّخذوا الكتابة وسيلة لحفظ أشعارهم ، فالعربية كانت لغة مسموعة لا مكتوبة . ألا ترى شاعرهم حيث يقول :



فلأهدينّ مع الرياح قصيدة          =        منّي مغـلغلة إلى القعقاعِ



ترد المياه فـما تزال غريبةً          =       في القوم بين تمثّل وسماعِ؟



 ودليله الآخر على نفي التعليق هو أنّ القرآن الكريم ـ على قداسته ـ لم يجمع في مصحف واحد إلاّ بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) (طبعاً هذا على مذهبه) ، وكذلك الحديث الشريف . لم يدوّن إلاّ بعد مرور فترة طويلة من الزمان (لأسباب لا تخفى على من سبر كتب التأريخ وأهمّها نهي الخليفة الثاني عن تدوينه) ومن باب أولى ألاّ تكتب القصائد السبع ولا تعلّق .



 وممّن ردّ الفكرة ـ فكرة التعليق ـ الشيخ مصطفى صادق الرافعي ، وذهب إلى أنّها من الأخبار الموضوعة التي خفي أصلها حتّى وثق بها المتأخّرون  .



 ومنهم الدكتور جواد علي ، فقد رفض فكرة التعليق لاُمور منها :



1 ـ أنّه حينما أمر النبي بتحطيم الأصنام والأوثان التي في الكعبة وطمس الصور ، لم يذكر وجود معلقة أو جزء معلّقة أو بيت شعر فيها .



 2 ـ عدم وجود خبر يشير إلى تعليقها على الكعبة حينما أعادوا بناءَها من جديد .



 3 ـ لم يشر أحد من أهل الأخبار الّذين ذكروا الحريق الذي أصاب مكّة ، والّذي أدّى إلى إعادة بنائها لم يشيروا إلى احتراق المعلّقات في هذا الحريق .



 4 ـ عدم وجود من ذكر المعلّقات من حملة الشعر من الصحابة والتابعين ولا غيرهم .



 ولهذا كلّه لم يستبعد الدكتور جواد علي أن تكون المعلّقات من صنع حمّاد  ، هذا عمدة ما ذكره المانعون للتعليق .



 بعد استعراضنا لأدلة الفريقين ، اتّضح أنّ عمدة دليل النافين هو ما ذكره ابن النحاس حيث ادعى أن حماداً هو الذي جمع السبع الطوال .



 وجواب ذلك أن جمع حماد لها ليس دليلا على عدم وجودها سابقاً ، وإلاّ انسحب الكلام على الدواوين التي جمعها أبو عمرو بن العلاء والمفضّل وغيرهما ، ولا أحد يقول في دواوينهم ما قيل في المعلقات . ثم إنّ حماداً لم يكن السبّاق إلى جمعها فقد عاش في العصر العباسي ، والتاريخ ينقل لنا عن عبد الملك أنَّه عُني بجمع هذه القصائد (المعلقات) وطرح شعراء أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة  .



 وأيضاً قول الفرزدق يدلنا على وجود صحف مكتوبة في الجاهلية :

أوصى عشية حين فارق رهطه = عند الشهادة في الصحيفة دعفلُ

أنّ ابن ضبّة كـان خيرٌ والداً = وأتمّ في حسب الكرام وأفضلُ

 كما عدّد الفرزدق في هذه القصيدة أسماء شعراء الجاهلية ، ويفهم من بعض الأبيات أنّه كانت بين يديه مجموعات شعرية لشعراء جاهليين أو نسخ من دواوينهم بدليل قوله :

والجعفري وكان بشرٌ قبله = لي من قصائده الكتاب المجملُ

 وبعد أبيات يقول :

دفعوا إليَّ كتابهنّ وصيّةً = فورثتهنّ كأنّهنّ الجندلُ

 كما روي أن النابغة وغيره من الشعراء كانوا يكتبون قصائدهم ويرسلونها إلى بلاد المناذرة معتذرين عاتبين ، وقد دفن النعمان تلك الأشعار في قصره الأبيض ، حتّى كان من أمر المختار بن أبي عبيد و إخراجه لها بعد أن قيل له : إنّ تحت القصر كنزاً  .



 كما أن هناك شواهد أخرى تؤيّد أن التعليق على الكعبة وغيرها ـ كالخزائن والسقوف والجدران لأجل محدود أو غير محدود ـ كان أمراً مألوفاً عند العرب ، فالتاريخ ينقل لنا أنّ كتاباً كتبه أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة في حلف خزاعة لعبد المطّلب ، وعلّق هذا الكتاب على الكعبة . كما أنّ ابن هشام يذكر أنّ قريشاً كتبت صحيفة عندما اجتمعت على بني هاشم وبني المطّلب وعلّقوها في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم  .



 ويؤيّد ذلك أيضاً ما رواه البغدادي في خزائنه  من قول معاوية : قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حِلزه من مفاخر العرب كانتا معلّقتين بالكعبة دهراً  .



 هذا من جملة النقل ، كما أنّه ليس هناك مانع عقلي أو فنّي من أن العرب قد علّقوا أشعاراً هي أنفس ما لديهم ، وأسمى ما وصلت إليه لغتهم; وهي لغة الفصاحة والبلاغة والشعر والأدب ، ولم تصل العربية في زمان إلى مستوى كما وصلت إليه في عصرهم . ومن جهة أخرى كان للشاعر المقام السامي عند العرب الجاهليين فهو الناطق الرسمي باسم القبيلة وهو لسانها والمقدّم فيها ، وبهم وبشعرهم تفتخر القبائل ، ووجود شاعر مفلّق في قبيلة يعدُّ مدعاة لعزّها وتميّزها بين القبائل ، ولا تعجب من حمّاد حينما يضمّ قصيدة الحارث بن حلزّة إلى مجموعته ، إذ إنّ حمّاداً كان مولى لقبيلة بكر بن وائل ، وقصيدة الحارث تشيد بمجد بكر سادة حمّاد ، وذلك لأنّ حمّاداً يعرف قيمة القصيدة وما يلازمها لرفعة من قيلت فيه بين القبائل .



 فإذا كان للشعر تلك القيمة العالية ، وإذا كان للشاعر تلك المنزلة السامية في نفوس العرب ، فما المانع من أن تعلّق قصائد هي عصارة ما قيل في تلك الفترة الذهبية للشعر؟



 ثمّ إنّه ذكرنا فيما تقدّم أنّ عدداً لا يستهان به من المؤرّخين والمحقّقين قد اتفقوا على التعليق .



 فقبول فكرة التعليق قد يكون مقبولا ، وأنّ المعلّقات لنفاستها قد علّقت على الكعبة بعدما قرئت على لجنة التحكيم السنوية ، التي تتّخذ من عكاظ محلاً لها ، فهناك يأتي الشعراء بما جادت به قريحتهم خلال سنة ، ويقرأونها أمام الملإ ولجنة التحكيم التي عدُّوا منها النابغة الذبياني ليعطوا رأيهم في القصيدة ، فإذا لاقت قبولهم واستحسانهم طارت في الآفاق ، وتناقلتها الألسن ، وعلّقت على جدران الكعبة أقدس مكان عند العرب ، وإن لم يستجيدوها خمل ذكرها ، وخفي بريقها ، حتّى ينساها الناس وكأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً .

منقوووووووووول**

**4.معلقة الحارث بن حلزة اليشكري

آذَنْـتَـنـا بِـبَـيْـنِها أسْـمـاءُ *** رُبَّ ثــاوٍ يُـمَلُّ مِـنْهُ الـثَّواءُ

بَـعْـدَ عَـهْدٍ لَـنَا بِـبُرْقَةِ شَـمَّا *** ءَفَـأَدْنَـى دِيـارِهـا الـخَلْصاءُ

فَـالـمُحَيَّاةُ فـالـصِّفاحُ فَـأَعْـنا *** فــي فِـتَـاقٍ فَـعاذِبٌ فَـالوَفاءُ

فَـرِياضُ الـقَطَا فَـأَوْدِيَةُ الشُّرْبِ *** فـالـشُّـعْـبَتَانِ فــالإِبْــلاءُ

لا أَرَى مَـنْ عَـهِدْتُ فِيها فَأَبْكِي *** الـيَوْمَ دَلْـهاً ومَـا يُـحِيرُ البُكاءُ

وبِـعَيْنَيْكَ أَوْقَـدَتْ هِـنْدٌ الـنَّارَ *** أَخِـيـرًا تَـلْـوِى بِـها الـعَلْياءُ

فَـتَـنَوَّرْتُ نَـارَها مِـنْ بِـعيدٍ *** بِـخَزَازَى هَـيْهَاتَ مِنْكَ الصِّلاءُ

أَوْقَـدَتْها بَـيْنَ الـعَقِيقِ فَشَخْصَيْنِ *** بِـعُـودٍ كَـمَـا يَـلُوحُ الـضِّياءُ

غَـيْرَ أَنِّـي قَدْ أَسْتَعينُ عَلَى الهَمِّ *** إذَا خَــفَّ بِـالـثَّوِيِّ الـنَّـجاءُ

بِـزَفُـوفٍ كـأنَّـهَا هِـقْـلَةُ أْمِّ *** رِئَـــالٍ دَوِّيَّـــةٌ سَـقْـفَاءُ

آنَـسَتْ نَـبْأَةً وأَفْـزَعَها القُنَّاصُ *** عَـصْـراً وقَـدْ دَنَـا الإمْـساءُ

فَـتَرَى خَـلْفَها مِنَ الرَّجْعِ والوَقْعِ *** مَـنِـيـناً كــأَنَّـه أَهْــبـاءُ

وطِـراقاً مِـنْ خَـلْفِهِنَّ طِـراقٌ *** سـاقِطاتٌ أَلْـوَتْ بِـها الصَّحْراءُ

أَتَـلَـهَّى بِـها الـهَواجِرَ إذْ كُـلُّ *** ابــن هَــمِّ بَـلِـيَّةٌ عَـمْـياءُ

وأَتَـانَا مِـنَ الـحَوادِثِ والأنْباءِ *** خَـطْـبٌ نُـعْـنَى بِـهِ ونُـساءُ

أنَّ إخْـوانَـنَا الأَراقِــمَ يَـغْلُونَ *** عَـلَـيْنا فــي قِـيـلِهِمْ إِحْـفاءُ

يَـخْلِطُونَ البَريءَ مِنَّا بِذِي الذَّنْبِ *** ولاَ يَـنْـفَعُ الـخَـلِيَّ الـخَـلاَءُ

زَعَـمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ ضَرَبَ العَيْرَ *** مُــوَالٍ لَـنَـا وأَنَّــا الـوَلاَءُ

أَجْـمَـعُوا أَمْـرَهُمْ عِـشاءً فَـلَمَّا *** أَصْـبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ

مِنْ مُنادٍ ومِنْ مُجِيبٍ ومِنْ تَصْهالِ *** خَـيْـلٍ خِــلالَ ذاكَ رُغــاءُ

أَيُّـهَـا الـنَّاطِقُ الـمُرَقِّشُ عَـنَّا *** عِـنْدَ عَـمْرٍو وهَـلْ لِـذَاكَ بَقاءُ

لا تَـخَـلْنا عَـلَى غَـراتِكَ إنَّـا *** قَـبْلَ مَـا قَـدْ وَشَـى بِنا الأَعْداءُ

فَـبَـقِينا عَـلَى الـشَّناءَةِ تَـنْمِينا *** حُـصُـونٌ وَعِــزَّةٌ قَـعْـساءُ

قَـبْلَ مَـا الـيَوْمَ بَـيَّضَتْ بِعُيُونِ *** الـنَّـاسِ فِـيـها تَـغَيُّظٌ وإِبـاءُ

وكَـأَنَّ الـمَنُونَ تَرْدِى بِنا أَرْعَنَ *** جَـوْنـاً يَـنْجابُ عَـنْهَ الـعَمَاءُ

مُـكْفَهِرّاً عَـلَى الحَوادِثِ لا تَرْتُوه *** لِـلـدَّهْـرِ مُــؤْيِـدٌ صَـمَّـاءُ

إِرَمِــيٌّ بِـمِثْلِهِ جَـالَتِ الـخَيْلُ *** فَـآبَـتْ لِـخَـصْمِها الأَجْــلاء

مَـلِكٌ مُـقْسِطٌ وأَفْضَلُ مَنْ يَمْشِي *** ومِــنْ دُونِ مَـا لَـدَيْهِ الـثَّناءُ

أَيّـمَـا خُـطَّـةٍ أَرَدْتُـمْ فَـأَدُّوهَا *** إِلَـيْـنا تَـمْـشِي بِـها الأمْـلاءُ

إنْ نَـبَشْتُمْ مَا بَيْنَ مِلْحَةَ فالصَّاقِبِ *** فِـيـهِ الأمْــواتُ والأحْـيـاءُ

أوْ نَـقَشْتُمْ فـالنَّقْشُ يَجْشَمُهُ النَّاسُ *** وفِـيـهِ الـصَّـلاحُ والإِبْــراءُ

أوْ سَـكَتُّمْ عَـنَّا فَكُنَّا كَمَنْ أَغْمَضَ *** عَـيْـناً فــي جَـفْـنِها أَقْـذاءُ

أَوْ مَـنَـعْتُمْ مَـا تُـسْأَلُونَ فَـمَنْ *** حُـدِّثْـتُمُوهُ لَـهُ عَـلَيْنا الـعَلاءُ

هَـلْ عَـلِمْتُمْ أيَّـام يُنْتَهَبُ النَّاسُ *** غِــواراً لِـكُـلِّ حَـيٍّ عُـواءُ

إذْ رَكِبْنا الجِمالَ مِنْ سَعَفِ البَحْرَيْنِ *** سَـيْـراً حَـتَّى نَـهاهَا الـحِساءُ

ثُـمَّ مِـلْنا عَـلَى تَـميمٍ فَأَحْرَمْنا *** وفِـيـنا بَـنـاتُ قَــوْمٍ إِمـاءُ

لا يُـقِيمُ الـعَزِيزَ بِـالبَلَدِ الـسَّهْلِ *** ولا يَـنْـفَعُ الـذَّلِـيلَ الـنَّـجاءُ

لَـيْسَ يُـنْجِي مُـوائِلاً مِنْ حِذارٍ *** رَأْسُ طَــوْدٍ وحَــرَّةٌ رَجْـلاءُ

فَـمَـلَكْنا بِـذَلِكَ الـنَّاسَ حَـتَّى*** مَـلَكَ الـمُنْذِرُ بـن مـاءِ السَّماءُ

مَـلِكٌ أَضْـرَعَ الـبَرِيَّةَ لا يُوجَدُ *** فِـيـها لِـمـا لَـدَيْـهِ كِـفـاءُ

مـا أَصـابُوا مِنْ تَغْلَبِيٍّ فَمَطْلُولٌ *** عَـلَـيْهِ إذا أُصِـيـبَ الـعَـفاءُ

كَـتَكالِيفِ قَـوْمِنا إذْ غَـزَا المُنْذِرُ *** هَـلْ نَـحْنُ لابْـنِ هِـنْدٍ رِعـاءُ

إذْ أَحَـلَّ الـعَلْياءَ قُـبَّةَ مَـيْسُونَ *** فَـأَدْنَـى دِيـارَهـا الـعَـوْصاءُ

فَـتَـأَوَّتْ لَــهُ قَـراضِبَةٌ مِـنْ *** كُــلِّ حَــيٍّ كـأنَّـهُمْ أَلْـقاءُ

فَـهَـداهُمْ بِـالأَسْوَدَيْنِ وأَمْـرُ اللهِ *** بَـلْـغٌ تَـشْـقَى بِـهِ الأَشْـقِياءُ

إذْ تَـمَـنَّوْنَهُمْ غُـرُوراً فَـساقَتْهُمْ *** إلَـيْـكُـمْ أُمْـنِـيَّـةٌ أَشْــراءُ

لَــمْ يَـغُرُّوكُمْ غُـرُوراً ولَـكِنْ *** رَفَـعَ الآلُ شَـخْصَهُمْ والـضَّحاءُ

أَيُّـهـا الـنَّـاطِقُ الـمُبَلِغُ عَـنَّا *** عِـنْدَ عَـمْرِو وهَـلْ لِذاكَ انْتِهاءُ

مَـنْ لَـنا عِـنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ آياتٌ *** ثَــلاثٌ فــي كُـلِّهِنَّ الـقَضاءُ

آيَـةٌ شـارِقُ الـشَّقِيقَةِ إذْ جاءُوا *** جَـمِـيعاً لِـكُـلِّ حَــيٍّ لِـواءُ

حَـوْلَ قَـيْسٍ مُـسْتَلْئِمِينَ بِكَبْشٍ *** قَــرَظِـيٍّ كَــأَنَّـهُ عَـبْـلاءُ

وصَـتِيتٍ مِـنَ الـعَوَاتِكِ لا تَنْهاهُ *** إلاَّ مُـبْـيَـضَّـةٌ رَعْــــلاءُ

فَـرَدَدْناهُمُ بِـطَعْنٍ كَـمَا يَـخْرُجُ *** مِــنْ خُـرْبَـةِ الـمَزادِ الـماءُ

وحَـمَلْناهُمْ عَـلَى حَـزْمِ ثَـهْلانَ *** شِـــلالاً ودُمِّــىَ الأنْـسـاءَ

وجَـبَهْناهُمُ بِـطَعْنٍ كـما تُـنْهِزُ *** فــي جَـمَّـة الـطَّوَيِّ الـدِّلاءَ

وفَـعَـلْنا بِـهِـمْ كـمَا عَـلِمَ اللهُ *** ومَــا إنْ لـلـخَائِنِينَ دِمــاءُ

ثُـمَّ حُـجْراً أعْـنِي ابْنَ أُمِّ قَطامٍ *** ولَـــهُ فـارِسِـيَّةٌ خَـضْـراءُ

أَسَـدٌ فـي الـلِّقاءِ وَرْدٌ هَـمُوسٌ *** ورَبِـيـعٌ إنْ شَـمَّـرَتْ غَـبْراءُ

وفَـكَكْنا غُـلَّ امْرِىء القَيْسِ عَنْهُ *** بَـعْدَ مـا طـالَ حَـبْسُهُ والعَنَاءُ

ومَـعَ الـجَوْنِ جَـوْنِ آلِ بَـنِي *** الأوْسِ عَـنُـودٌ كَـأَنَّـها دَفْـواءُ

مَـا جَزِعْنا تَحْتَ العَجاجَةِ إذْ وَلَّوْا *** شِــلالاً وإذْ تَـلَـظَّى الـصِّلاءُ

وأَقَـدْنـاهُ رُبَّ غَـسَّانَ بِـالمُنْذِرِ *** كَـرْهـاً إذْ لا تُـكـالُ الـدِّمـاءُ

وأَتَـيْـناهُمُ بِـتِـسْعَةِ أَمْــلاكٍ *** كِـــرامٍ أسْـلابُـهُمْ أَغْــلاءُ

وَوَلَـدْنا عَـمْرَو بـن أُمِّ إيـاسٍ *** مِـنْ قَـرِيبٍ لَـمَّا أَتَـانا الحِباءُ

مِـثْلَها يُـخْرِجُ الـنَّصِيحَةَ لِلْقَوْمِ *** فَــلاةٌ مِــنْ دُونِـهـا أَفْـلاءُ

فـاتْرُكُوا الـطَّيْخَ والتَّعاشِي وإمَّا *** تَـتَعَاشَوْا فَـفِي الـتَّعاشِي الـدَّاءُ

واذْكُـروا حِـلْفَ ذِي المَجازِ ومَا *** قُــدِّمَ فِـيهِ الـعُهُودُ والـكُفَلاءُ

حَـذَرَ الـجَوْرِ والـتَّعَدِّي وهَـلْ *** يَـنْقُضُ مَـا في المَهَارِقِ الأهْواءُ

واعْـلَـمُوا أَنَّـنا وإيَّـاكُمُ فِـيمَا *** اشْـتَرَطْنا يَـوْمَ اخـتَلَفْنا سَـواءُ

عَـنناً بـاطِلاً وظُـلْماً كَـمَا تُعْتَرُ *** عَـنْ حُـجْرَةِ الـرَّبِيضِ الـظِّباءُ

أَعَـلَـيْـنا جُـنـاحُ كِـنْـدَةَ أنْ *** يَـغْـنَمَ غـازِيهُمْ ومِـنَّا الـجَزاءُ

أمْ عَـلَـيْنا جَــرَّى إيـادٍ كَـمَا *** قـيـلَ لِـطَسْمٍ أخُـوكمُ الأبـاءُ

لَـيْسَ مِـنَّا المُضَرَّيونَ ولا قَيْسٌ *** ولا جَــنْــدَلٌ ولا الــحَـدَّاءُ

أَمْ جَـنايَا بَـنَي عَـتِيقٍ فَمَنْ يَغْدِرْ *** فـإنَّـا مِــنْ حَـرْبِـهِمْ بُـرآءُ

أَمْ عَـلَيْنا جَـرَّى الـعِبادِ كَمَا نِيطَ *** بِـجَـوْزِ الـمُـحَمَّلِ الأعْـبـاءِ

وثَـمـانُونَ مِـنْ تَـمِيمٍ بِـأَيْدِيهِمْ *** رِمــاحٌ صُـدُورُهُـنَّ الـقَضاءُ

تَـركُـوهُمْ مُـلَـحَّبِينَ وآبُــوا *** بِـنَـهابٍ يُـصِمُّ مِـنْها الـحُداءُ

أَمْ عَـلَيْنا جَـرَّى حَـنِيفَةَ أَوْ مَـا *** جَـمَّعَتْ مِـنْ مُـحارِبٍ غَـبْراءُ

أَمْ عَـلَيْنا جَـرَّى قُضاعَةَ أمْ لَيْسَ *** عَـلَـيْنا فِـيـما جَـنْـوا أَنْـداءُ

ثُـمَّ جـاءُوا يَسْتَرْجِعونَ فَلَمْ تَرْجِعْ *** لَــهُـمْ شـامَـةٌ ولا زَهْــراءُ

لَـمْ يُـحِلُّوا بِـنِي رِزاحٍ بِـبَرْقاءِ *** نِـطـاعٍ لَـهُـمْ عَـلَيْهِمْ دُعـاءُ

ثُـمَّ فـاءُوا مِـنْهُمْ بِقاصِمَةِ الظَّهْرِ *** ولا يُـبْـرِدُ الـغَـلِيلَ الـمـاءُ

ثُـمَّ خَـيْلٌ مِنْ بَعْدِ ذاكَ مَعَ الغَلاقِ *** لا رَأْفَـــــةٌ ولا إِبْــقــاءُ

وهُـو الـرَّبُّ والـشَّهِيدُ عَلَى يَوْمِ *** الـحِـيارَيْنِ والـبَـلاءُ بَــلاءُ


"

العصر جاهلي

عدد الأبيات 85

البحر الخفيف

-منقول غن موسوعة الشعر العربي.

.معلقة الحارث بن حلزة اليشكري

القاء : أجمذ الحقيل**

www.youtube.com

**9.معلقة النابغة الذبياني

يا دارَ ميَّةَ بالعَلياءِ فالسَّندِ ===أقوَت وطالَ عليها سالِفُ الأبَدِ
وقفتُ بها أصَيلاً كي أُسائلَها ===عيَّت جَواباً وما بالرَّبع من أحدِ
إلاّ الأَوارِيَّ لَأياً ما أبيّنُها ===والنُؤيَ كالحوضِ بالمظلومةِ الجلَدِ
رَدّت عليهِ أقاسيهِ ولَبَّدَهُ ===ضَربُ الوَليدَةِ بالمِسحاةِ في الثَّأَدِ
خَلَّتْ سَبيلَ أَتِيٍّ كانَ يَحْبِسُهُ ===ورفَّعَتهُ إلى السَّجفَين، فالنَّضَد
أَمْستْ خَلاءً، وأَمسَى أَهلُها احتَمَلُوا ===أَخْنى عَليها الّذي أَخْنى على لُبَدِ
فَعَدِّ عَمَّا ترى، إذ لا ارتجاعَ لهُ ===وانْمِ القُتُودَ على عيْرانَةٍ أُجُدِ
مَقذوفَةٍ بِدَخيسِ النَّحضِ، بازِلُها ===له صريفٌ، صَريفُ القَعْوِ بالمَسَدِ
كأَنَّ رَحْلي، وقدْ زالَ النَّهارُ بنا ===يومَ الجليلِ، على مُستأنِسٍ وحِدِ
مِنْ وَحشِ وَجْرَةَ، مَوْشِيٍّ أَكارِعُهُ ===طاوي المصيرِ، كسيفِ الصَّيقل الفَرَدِ
سَرتْ عليهِ، مِنَ الجَوزاءِ، ساريَةُ ===تَزجِي الشَّمَالُ عليهِ جامدَ البَرَدِ
فارتاعَ مِنْ صَوتِ كَلَّابٍ، فَبَاتَ لَهُ ===طَوعَ الشَّوَامتِ منْ خوفٍ ومنْ صَرَدِ
فبَّهُنَّ عليهِ، واستَمَرَّ بهِ ===صُمْع الكُعُوبِ بَريئاتٌ منَ الحَرَدِ
وكانَ ضُمْرانُ مِنهُ حَيثُ يُوزِعُهُ ===طَعْنَ المُعارِكِ عندَ المُحْجَرِ النَّجُدِ
شَكَّ الفَريصةَ بالمِدْرَى، فأننفذها ===طَعْنَ المُبَيطِرِ، إذْ يَشفي من العضَدِ
كأَنَّه، خارجا منْ جنب صَفْحَتِهِ ===سَفّودُ شِرْبٍ نَسُوهُ عندَ مُفْتَأَدِ
فَظلّ يَعْجُمُ أَعلى الرَّوْقِ، مُنقبضاً ===في حالِكِ اللّنِ صَدْقٍ، غَيرِ ذي أَوَدِ
لَمَّا رَأَى واشِقٌ إِقعَاصَ صاحِبِهِ ===ولا سَبيلَ إلى عَقْلٍ، ولا قَوَدِ
قالتْ لهُ النَّفسُ: إنِّي لا أرَى طَمَعاً ===وإنَّ مولاكَ لَمْ نَسلَمْ، ولَمْ يَصِدِ
فتلكَ تُبْلغُني النُّعمانَ، إنَّ لهُ فَضلاً ===على النّاس في الأَدنى، وفي البَعَدِ
ولا أَرى فاعِلاً، في النّاس، يُشبهُهُ ===ولا أُحاشي، منَ الأَقوامِ، من أحدِ
إلَّا سُليمانَ، إذْ قالَ الإلهُ لهُ ===قُمْ في البَريَّة، فاحْدُدْها عنِ الفَنَدِ
وخيّسِ الجنّ! إنِّي قدْ أَذنتُ لهم ===يبنونَ تدْمُرَ بالصُّفّاحِ والعمدِ
فمن أطاعكَ، فانفعهُ بطاعتهِ ===كما أطاعكَ، وادلُلهُ على الرَّشَدِ
ومن عصاكَ، فعاقبهُ معاقبةً ===تنهى اللظَّلومَ، ولا تقعد على ضَمَدِ
إلَّا لمثلكَ، أو من أنت سابقُهُ ===سَبقَ الجوادِ، إذا اشتولى على الأَمَدِ
أعطى لفارهةٍ، حُلوٍ توابعها ===من المواهبِ لا تُعطى على نَكَدِ
الواهِبُ المائَةِ المَعْكاءِ، زَيَّنها ===سَعدانُ تُضِحَ في أَوبارِها اللِّبَدِ
والأُدمَ قدْ خُيِّستْ فُتلاَ مَرافِقُها ===مشدودةَ برحالِ الحيرةِ الجُدُدِ
والرَّاكضاتِ ذُيولَ الرّيْطِ، فانَقَها===بَرْدُ الهواجرِ، كالغِزْلانِ بالجَرَدِ
والخيلَ تمزَعُ غرباً في أعِنَّتها كالطَّيرِ===تنجو من الشّؤبوبِ ذي البَرَدِ
احكُمْ كحُكمِ فتاةِ الحيِّ، إذْ نظرَت===إلى حَمامِ شِراعٍ، وارِدِ الثَّمَدِ
يَحُفّهُ جانبا نيقٍ، وتُتْبِعُهُ===مِثلَ الزُّجاجةِ، لم تُكحَل من الرَّمَدِ
قالت: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا===إلى حمامتنا ونصفُهُ، فَقَدِ
فحَسَّبوهُ، فألفوهُ، كما حَسَبَتْ===تِسعاً وتسعينَ لم تَنقُصْ ولم تَزِدِ
فكمَّلَتْ مائَةً فيها حَمامَتُها===وأسرعت حِسبةً في ذلك العَددِ
فلا لَعمرُ الذي مسَّحتُ كعبَتَهُ وما===هُريقَ، على الأَنصابِ، من جَسَدِ
والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ، تمسحُها===رُكبانُ مكَّةَ بينَ الغيْلِ والسَّعَدِ
ما قُلتُ من سيّءٍ ممّا أُتيتَ بهِ===إذاً فلا رفَعَتْ سوطي إلىَّ يدي
إلاّ مَقالة أقوامٍ شقيتُ بها===كانتْ مقالَتُهُم قرعاً على الكبِدِ
إذاً فعاقَبَني ربّي مُعاقَبةً===قَرَّتْ بها عينُ من يأبيكَ بالفَنَدِ
أُنبئتُ أنَّ أبا قابوسَ أوعدّني===ولا قَرارَ على زأرٍ من الأسَدِ
مهلاً، فداءٌ لك الأقوامُ كلّهُمُ===وما أثَمّرُ من مالٍ ومن ولدِ
لا تقْذِفَنّي بُركْنٍ لا كِفاءَ له===وإن تأثّفَكَ الأعداءُ بالرِّفَدِ
فَما الفُراتُ إذا هبَّ الرِّياحُ له===ترمي أواذيُّهُ العِبْرينِ بالزَّبدِ
يمُدّهُ كلّ وادِ مُتْرَعٍ، لجبٍ===فيه رِكامٌ من الينبوبِ والخَضَدِ
يظلُّ من خوفِهِ، الملاَّحُ مُعتَصِماً===بالخَيزُرانَة، بعد الأينِ والنَّجَدِ
يوماً، بأجوَدَ منهُ سيْبَ نافِلَةٍ===ولا يَحولُ عطاءُ اليومِ دونَ غدِ
هذا الثَّناءُ، فإنْ تسمع به حَسَناً===فلمْ أُعرِّض، أبَيتَ اللّعنَ، بالصَّفدِ
ها إنَّ ذي عِذرَةٌ إلَّا تكن نَفَعَتْ===فإنَّ صاحبها مشاركُ النَّكَدِ**

**النابغة الذبياني

النابغة الذبياني (؟؟؟ -18 ق.هـ/؟؟؟ -605 م). شاعر. له قصيدة يعدها البعض من المعلقات، ومطلعها:

يا دار مية بِالعلياء فالسند ــ أَقوت وطال عليها سالف الأَبد

هو : زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، أبو أمامة. وبنو مرة بن عوف قوم النابغة أصل نسبهم يرجع إلى مرة بن عوف بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ، من قبيلة قريش من بني كنانة ولكن عوف بن لؤي خرج من قومه ودخل في بني ذبيان الغطفانيين وانتسب إلى سعد بن ذبيان.

النابغة لقب بهذا اللقب لأنه نبغ في الشعر اي أبدع في الشعر دفعة واحده, واختلف النقاد في تعليله وتفسيره، أما ابن قتيبة فيذكر أنه لقب بالنّابغة لقوله:

وحلّت في بني القين بن جسرــ فقد نبغت لهم منا شؤون

وردّ ابن قتيبة هذا اللقب إلى قولهم: “ونبغ- بالشعر- قاله بعد ما احتنك وهلك قبل أن يهتر”. وفي رأي البغدادي، أن هذا اللقب لحقه لأنه لم ينظم الشعر حتى أصبح رجلاً. وربّما كان اللقب مجازاً، على حدّ قول العرب: نبغت الحمامة، إذا أرسلت صوتها في الغناء، ونبغ الماء إذا غزر. فقيل: نبغ الشاعر، والشاعر نابغة، إذا غزرت مادة شعره وكثرت.

ولا يعرف شيئاً يذكر عن نشأة الشاعر قبل اتصاله بالبلاط، فيما خلا ما نقله صاحب الروائع عن المستشرق دي برسفال، من مزاحمة النّابغة لحاتم الطائيّ على ماوية، وإخفاقه في ذلك.

ويذكر ابن قتيبة أن النّابغة كان شريفاً فغضّ الشعر منه، ويرى صاحب أدباء العرب أن النّابغة من سادات قومه، ويخالف هذا الاتجاه حين يقول: نشأ النّابغة في الوسط من قومه، لا في الذروة من الشرف. ويقول آخرون: ولا معنى لقول الرواة: أنه أحد الأشراف الذين غضّ الشعر منهم.

والنابغة من سادات قومه، لما كان للشعراء من منزلة في الجاهلية وللدور الذي لعبه في توسطه لقومه عند الغساسنة ومنعهم من حربهم، في مواقف عديدة. أما لماذا “غضّ الشعر منه” فزعم لا يقبله النقد الحديث، فقد كان النّابغة معزّزاً عند الملوك، ومكرماً في قومه، وإنما هو حسد الحاسدين الذين لم يقووا على الارتفاع إلى منزلة الشاعر، فراحوا يعيّرونه لتكسبه بالشعر، وربّما قصد بتلك الغضاضة هروبه من بلاط النعمان إثر حادثة “المتجردة”.

كان أول اتصال النّابغة ببلاط الحيرة، دخوله على المنذر الثالث ابن ماء السماء في أواخر ملكه على ما يرجّح النقاد. ومع اندحار اللخميين أمام الغساسنة في معركة يوم حليمة التي دارت بين جيش المنذر الثالث وجيش الحارث بن جبلة الغسّاني، فقد ظل النّابغة وطيد الصلة بالمناذرة إذ هنأ عمرو بن هند حين ارتقى العرش بعد أبيه. ولكن علاقة الشاعر بالمناذرة انقطعت بعد ذاك ولا سيما في الفترة بين (570- 580)، وهي الفترة التي مثّل فيها دور الشاعر السياسي، لاهتمامه آنذاك بحوادث حرب السباق. ومن الطبيعي أن يمثل النّابغة في حرب “السباق” دوراً له شأنه، وهو الشاعر الرفيع المكانة.

ولما كان للشعر، منزلته في نفوس القوم، ومكانته في مواطن المنافرة والخصومة إذ من شأنه أن يكسب القبيلة من القوة ومنعة الجانب، ما لا تظفر به في قتال، رأينا النّابغة الذبياني، يهتم في ظروف هذه الحرب، بأمور قومه فراح يخوض غمارها بشعره، لا بسيفه فكشف لنا بذلك عن جانب حيّ من شاعريته، وناحية رئيسة من شخصيته.

كان همّ الشاعر في تلك الرحى الدائرة، أن يرجّح كفة ذبيان، على عبس فاستهدف في شعره “السياسي”: اصطناع الأحلاف لقبيلته، من أحياء العرب ومن بينها بنو أسد. وكما مثّل النّابغة دور الشاعر السياسي، في ظروف حرب داحس والغبراء فقد مثّل دور شاعر القبيلة، في التوسط لقومه عند الغساسنة في أكثر من موقف: كانت بعض القبائل العربية، تنتهز فرصة انشغال الغساسنة في حربهم ضد المناذرة، فتغير على أرض غسّان طمعاً في الغنيمة، ومن بين هذه القبائل، قوم الشاعر بنو ذبيان.

وكان الغساسنة بكتائبهم، يوقعون بهؤلاء المغيرين، فيأسرون رجالاً منهم وكثيراً ما وقع رجال من فزارة أقرباء ذبيان، في قبضة الغساسنة، فكان النابغة بما له من مكانة عند أمراء الغساسنة، يتلطّف في الشفاعة لهم، ويتوسط للعفو عنهم.

وعندما رقي النعمان الثالث، أبو قابوس عرش الحيرة، أراد أن يظهر بمظهر الملك العزيز الجانب وينافس أعداءه الغسانيين بمظاهر العظمة. وكان النعمان على ما يظهر محباً للأدب أو كان يدرك على الأقل ما للشعر من أثر كبير في الدعاية للبلاط وتصويره بصورة الفخامة، وهكذا اجتمع في بلاطه جملة من الشعراء كان النّابغة أبرزهم وقد ترك آنذاك الغساسنة وعاد إلى الحيرة.الحمدلله.

وتتفق روايات المؤرخين على أن النّابغة نال حظوة كبيرة عند النعمان الذي قرّبه إليه بعد أن أحسن وفادته. ولا شك أن الشاعر نزل من نفس الملك منزلة طيبة فآثره هذا بأجزل عطاياه وأوفر نعمه، مما لم ينله شاعر قبله، ويذكر أبو الفرج في أغانيه أن النّابغة كان يأكل ويشرب في آنية من الفضة والذهب. وعن ابن قتيبة عن ابن الكلبي الرواية الآتية التي تثبت مكانة الشاعر عند النعمان. قال حسان بن ثابت: رحلت النعمان فلقيت رجلاً فقال: أين تريد فقلت هذا الملك قال: فإنك إذا جئته متروك شهراً، ثم يسأل عنك رأس الشهر ثم أنت متروك شهراً آخر ثم عسى أن يأذن لك فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه، وإن رأيت أبا أمامة النّابغة فاظعن، فإنه لا شيء لك. قال: فقدمت عليه، ففعل بي ما قال، ثم خلوت به وأصبت منه مالاً كثيراً ونادمته فبينما أنا معه في قبة إذ جاء رجل يرجز. فقال النعمان: أبو أمامة فأذنوا له، فدخل فحيا وشرب معه، ووردت النعم السود،

فلما أنشد النابغة قوله:

فإنك شمسٌ والملوكُ كواكب- إذا طلعت لم يبدُ منهنَّ كوكبُ

دفع إليه مائة ناقة من الإبل السود، فيها رعاؤها، فما حسدت أحداً حسدي النّابغة لما رأيت من جزيل عطيته، وسمعت من فضل شعره. واستبد النابغة بمودة الملك النعمان وجزيل عطائه وسابغ نعمه، فلا عجب أن يثير هذا حفيظة الشعراء ليعملوا على إفساد علاقته ببلاط الحيرة. ومهما يكن من أمر فإن الدسيسة قد نجحت بعد لأي، وبات الشاعر مهدداً بدمه وحياته، لكنّ حاجب أبي قابوس عصام بن شهبر الجرمي- وكان بينه وبين النّابغة إخاء وصداقة- حذّره من غضب النعمان، ونصحه بترك البلاط، فاضطر النّابغة إلى الفرار، فلجأ إلى الغساسنة، وفي نفسه حسرة، وغيظ، وأمل في العودة. يذكر ابن قتيبة، أن الرواة اختلفوا في السبب الذي حمل الملك النعمان على أن ينذر دم شاعره، على أننا نستطيع أن نحيط بأبرز الدوافع التي أوقعت الجفاء بين أبي قابوس والنابغة.

وذكر قوم أن النابغة هجا الملك بقوله:

نتت قبّح الله ثم ثنّى بلعن- وارثَ الصائغ الجبانَ الجهولا.

اتصال النابغة بالغساسنة:

يقال بأن السبب في مفارقة النّابغة النعمان، ومصيره إلى غسّان، خبر يتصل بحادثة المتجردة. والمتجردة هذه، امرأة النعمان، وكانت فائقة الحسن، بارعة الجمال، وكان النعمان على ما يروى قصيراً دميماً أبرش. وقد تعددت الروايات حول وصف النابغة للمتجردة. قيل بأن النابغة دخل على النعمان، ذات يوم، فرأى زوجته المتجردة وقد سقط نصيفها فاستترت منه بيدها. فأمره النعمان بأن يصفها له فأنشأ قصيدته التي يقول فيها:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه- فتناولتْه واتّقتنا باليدِ

وأردف ابن قتيبة يقول: وكان للنعمان نديم يقال له المنخّل اليشكري يتهمِ بالمتجردة ويظن بولد النعمان منها أنهم منه، وكان المنخّل جميلاً، وكان النعمان قصيراً دميماً، فلما سمع المنخل هذا الشعر، قال للنعمان: ما يستطيع أن يقول مثل هذا الشعر إلا من قد جرّب. فوقر ذلك في نفسه، وبلغ النابغة ذلك فخافه فهرب إلى غسان. ولعلّ اتصال النابغة بالغساسنة، أعداء المناذرة، كان سبباً آخر من أسباب حقد الملك على الشاعر، ولا مسوّغ هنا للتفصيل ومناقشة هذه الآراء. وأقام النابغة في بلاط الغساسنة، منقطعاً إلى عمرو بن الحارث الأصغر وإلى أخيه النعمان بن الحارث، وقد امتدح هؤلاء بقصائد عديدة، منها القصيدة البائية التي قالها في مدح عمرو بن الحارث الأصغر والتي مطلعها:

كليني لهمّ يا أميمة ناصب- وليل أقاسيه بطيء الكواكب

وبقي النابغة عند الغساسنة مدة من الزمن، ينشدهم شعره، ويشاركهم في محافلهم ومجالسهم، جاهداً في ذكر مفاخرهم وانتصاراتهم، إلى أن توفرت أسباب عودته إلى بلاط النعمان فترك جوارهم. وذكر ابن قتيبة أن النعمان قد غمّه امتداح النابغة للغساسنة أعدائه وأيقن أن الذي قذف به عنده باطل، فبعث يستقدمه إليه من جديد بقوله: “إنك صرت إلى قوم قتلوا جدّي فأقمت فيهم تمدحهم، ولو كنت صرت إلى قومك لقد كان لك فيهم ممتنع وحصن إن كنا أردنا بك ما ظننت، وسأله أن يعود إليه”. هكذا نظم النابغة اعتذارياته، ثم جاء أبا قابوس مع رجلين من فزارة هما: زيّان بن سيار ومنظور بن سيّار الفزاريين وبينهما وبين النعمان مودة وصفاء وكان الملك قد ضرب لهما قبة، وهو لا يعلم أن النابغة معهما. وقد أشار النابغة على إحدى القيان أن تغني أبياتاً من قصيدته “يا دار مية” ومنها قوله:

أنبئت أن أبا قابوس أوعدني- ولا قرار على زأر من الأسد

فلما سمع الملك النعمان، هذا الشعر قال: هذا شعر علوي، هذا شعر النابغة. وسأل عنه، فأخبر مع صديقيه الفزاريين، الذين كلّماه فيه، فأمّنه النعمان. ومهما يكن من أمر الاختلاف حول أسباب عودة النابغة إلى بلاط الحيرة، فإن الشاعر استرجع مكانته عند الملك النعمان واستأنف مدائحه فيه.

رأي النقاد

اجتمعت كلمة النقاد على أن النابغة أحد شعراء الطبقة الأولى إن لم يكن رأس هذه الطبقة بعد امرئ القيس، وليس أدلّ على علو منزلته من ترأسه سوق عكاظ وفي ذلك يقول الأصمعي: كان النابغة يضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. ومما روي عن أبي عبيدة قوله: يقول من فضّل النابغة على جميع الشعراء: هو أوضحهم كلاماً وأقلهم سقطاً وحشواً، وأجودهم مقاطع، وأحسنهم مطالع ولشعره ديباجة. وذكر أبو عبيدة أيضاً أنه سمع أبا عمرو بن العلاء يقول: “كان الأخطل يشبّه بالنابغة”. وعن أبي قتيبة، قال الشعبي: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل لا أعرفه، فالتفت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس فقال: أنا، فأظلم ما بيني وبينه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين فتعجب عبد الملك من عجلتي فقال: هذا الأخطل، فقلت أشعر منه الذي يقول:

هذا غلام حسن وجهه- مستقبل الخير سريع التمّام

فقال الأخطل: صدق أمير المؤمنين، النابغة أشعر مني، فقال عبد الملك: ما تقول في النابغة قلت قد فضله عمر بن الخطاب على الشعراء غير مرّة. ولم تكن منزلة النابغة عند المحدثين بأقل منها عند الأقدمين فقد شهد كثيرون منهم بما في شعره من إيقاع موسيقي، وروعة في التشبيه، وبراعة في أغراض الشعر المتباينة ولا سيما في الوصف والمدح والاعتذار، وفي ديوانه من هذه الفنون العديد من القصائد الدالة على نبوغه وشاعريته، في مخاطبة الملوك وكسب مودّتهم والاعتذار إليهم حتى قيل “وأشعر الناس النابغة إذا رهب”، وقال عنه بديع الزمان الهمذاني: والنابغة “لا يرمي إلا صائباً”.

وفي طليعة العوامل التي أسهمت في تفوق شاعرية أبي أمامة في ضروب المعاني ومختلف الأساليب، رجاحة فكره، إذ كان ذا بصيرة بمواطن الكلام، متميزاً بنظرته الثاقبة والقدرة على الملاءمة بين الأقوال والمواقف، يحسن بباعث الموهبة والذائقة التي صقلتها الدربة والمراس، الملاءمة بين ركني المقال أي بين الصورة والجوهر، فهو يؤدي الدلالات دقيقة لأنه يجيد انتقاء الألفاظ الدالة ووضعها في مواضعها الصحيحة في سياقه الشعري العام.

ولعلّ السمة اللافتة في شعره ذاك التأثر بالظروف المكانية والزمانية الذي حمله على أن يضفي على فنونه طابعاً من الواقعية مستمداً من البيئة البدوية أو الحضرية، فهو جزل شديد الأسر في أوصافه الصحراوية، رقيق عذب واضح العبارة بعيد عن الخشونة ممعن في السهولة، في وصف حالات الوجدان، وفي أداء الخواطر أو إرسال الحكم، إلا إذا اقتضت البلاغة الإبقاء على لفظة غير فصيحة لكنها دالة، كلفظة الشعثِ في قوله:

ولستَ بِمُسْتبْق أخا- لا تلمّه على شَعَثِ.

أيّ الرجال المهذّبُ. اعتمدنا في ذلك على: ابن الخطيب التبريزي، شرح المعلقات العشر المذهبات، تحقيق د. عمر فاروق الطباع، بيروت: دار الأرقم، د. ت، ص 317-326.

منقوووووووووول**

**لبيد بن ربيعة ألعامري

لَبيد بن ربيعة بن مالك أبو عقيل العامِري عامر بن صعصعة من هوازن (توفي 41 هـ/661 م) أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية،عمه ملاعب الأسنة وأبوه ربيعة بن مالك والمكنى بربيعة المقترن لكرمه. من أهل عالية نجد، مدح بعض ملوك الغساسنة مثل: عمرو بن جبلة وجبلة بن الحارث. أدرك الإسلام، ووفد على النبي (صلى الله عليه وسلم) مسلما، ولذا يعد من الصحابة، ومن المؤلفة قلوبهم. وترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلا بيتاً واحداً. وسكن الكوفة وعاش عمراً طويلاً. وهو أحد أصحاب المعلقات.

الميلاد: 560 م الوفاة: 661 م

حياته في الجاهلية:

وفد أبو براء ملاعب الأسنة -وهو عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب- وإخوته طفيل ومعاوية وعبيدة، ومعهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر، وهو غلام، على النعمان بن المنذر، فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسي، وكان الربيع ينادم النعمان مع رجل من أهل الشام تاجر، يقال له: سرجون بن نوفل، -وكان حريفاً للنعمان- يعني سرجون- يبايعه، وكان أديباً حسن الحديث والمنادمة، فاستخفه النعمان، وكان إذا أراد أن يخلو على شرابه بعث إليه وإلى النطاسي- متطبب كان له- وإلى الربيع بن زياد، وكان يدعى الكامل. فلما قدم الجعفريون كانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فإذا خلا الربيع بالنعمان طعن فيهم، وذكر معايبهم، ففعل ذلك بهم مراراً، وكانت بنو جعفر له أعداء، فصده عنهم، فدخلوا عليه يوماً فرؤوا منه تغيراً وجفاء، وقد كان يكرمهم قبل ذلك ويقرب مجلسهم، فخرجوا من عنده غضاباً، ولبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم كل صباح، فيرعاها، فإذا أمسى انصرف بإبلهم، فأتاهم ذات ليلة فألفاهم يتذاكرون أمر الربيع، وما يلقون منه؛ فسالهم فكتموه، فقال لهم: والله لا أحفظ لكم متاعاً، ولا أسرح لكم بعيراً أو تخبروني.

وكانت أم لبيد امرأة من بني عبس، وكانت يتيمة في حجر الربيع، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك، وصد عنا وجهه، فقال لهم لبيد: هل تقدرون على أن تجمعوا بينه وبيني فأزجره عنكم بقول ممض، ثم لا يلتف النعمان إليه بعده أبداً. فقالوا: وهل عندك من ذلك شيء? قال: نعم، قالوا: فإنا نبلوك بشتم هذه البقلة - لبقلة قدامهم دقيقة القضبان قليلة الورق لاصقة فروعها بالأرض، تدعى التربة - فقال: هذه التربة التي لا تذكى ناراً، ولا تؤهل داراً، ولا تسر جاراً، عودها ضئيل، وفرعها كليل، وخيرها قليل، بلدها شاسع، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها ضائع، أقصر البقول فرعاً، وأخبثها مرعى، وأشدها قلعاً، فتعساً لها وجدعاً، القوا بي أخا بني عبس، أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس. فقالوا: نصبح فنرى فيك رأينا. فقال لهم عامر: انظروا غلامكم؛ فإن رأيتموه نائماً فليس أمره بشيء، وإنما يتكلم بما جاء على لسانه، ويهذي بما يهجس في خاطره، وإذا رأيتموه ساهراً فهو صاحبكم. فرمقوه بأبصارهم، فوجدوه قد ركب رحلاً، فهو يكدم بأوسطه حتى أصبح.

فلما أصبحوا قالوا: أنت والله صاحبنا، فحلقوا رأسه، وتركوا ذؤابتين، وألبسوه حلة، ثم غدوا به معهم على النعمان، فوجدوه يتغذى ومعه الربيع وهما يأكلان، ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة من الوفود. فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، وقد كان تقارب أمرهم، فذكروا للنعمان الذي قدموا له من حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد يرتجز، ويقول:

يا رب هيجاً هي خير من دعه أكل يوم هامتي مقزعه

نحن بنو أم البنين الأربعه ومن خيار عامر بن صعصعه

المطعمون الجفنة المدعدعه والضاربون الهام تحت الخيضعه

يا واهب الخير الكثير من سعه إليك جاوزنا بلاداً مسبعه

يخبر عن هذا خيبر فاسمعه مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه

إن استه من برص ملمعه وإنه يدخل فيها إصبعه

يدخلها حتى يواري أشجعه كأنما يطلب شيئاً أطعمه

فلما فرغ من إنشاده التفت النعمان إلى الربيع شزراً يرمقه، فقال: أكذا أنت? قال: لا، والله، لقد كذب علي ابن الحمق اللئيم. فقال النعمان: أف لهذا الغلام، لقد خبث علي طعامي. فقال: أبيت اللعن، أما إني قد فعلت بأمه. فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، وهي من نساء غير فعل ، وأنت المرء فعل هذا بيتيمة في حجره. فأمر النعمان ببني جعفر فأخرجوا. وقام الربيع فانصرف إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله. وكتب إليه الربيع: إني قد تخوفت أن يكون قد وقر في صدرك ما قاله لبيد، ولست برائم حتى تبعث من يجردني فيعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال. فأرسل إليه: إنك لست صانعاً بانتفائك مما قال لبيد شيئاً، ولا قادراً على ما زلت به الألسن، فالحق بأهلك.

حياته في الأسلام:

استقر لبيد في الكوفة بعد إسلامه حيث وافته المنية قرابة نهاية عهد معاوية (660 ميلادية) في سن 157 سنة كما يذكر ابن قتيبة أو 145 كما ورد في الأغاني، تسعون منها في الجاهلية وما تبقى في الإسلام. أرسل حاكم الكوفة يوماً في طلب لبيد وسأله أن يلقي بعضاً من شعره فقرأ لبيد (سورة البقرة) وقال عندما انتهى " منحني الله هذا عوض شعري بعد أن أصبحت مسلماً." عندما سمع الخليفة عمر بذلك أضاف مبلغ 500 درهم إلى 2000 درهم التي كان يتقاضها لبيد. حين أصبح معاوية خليفة اقترح تخفيض راتب الشاعر، ذكره لبيد أنه لن يعيش طويلاً. تأثر معاوية ودفع مخصصه كاملاً، لكن لبيد توفي قبل أن يصل المبلغ الكوفة.

من شعره:

وكائنْ رأيتُ مِنْ ملوكٍ وسوقة ٍ وَصاحَبْتُ مِن وَفدٍ كرامٍ ومَوكِبِ

وسانَيْتُ مِن ذي بَهْجَة ٍ ورَقَيْتُهُ عليهِ السّموطُ عابسٍ متغضّبِ

وفارَقْتُهُ والوُدُّ بَيني وبَينَهُ بحسنِ الثناءِ منْ وراءِ المغيّبِ

وَأبّنْتُ مِنْ فَقْدِ ابنِ عَمٍّ وخُلَّة ٍ وفارَقتُ من عَمٍّ كريمٍ ومن أبِ

فبانُوا ولمْ يحدثْ عليَّ سبيلهُمْ سوَى أمَلي فيما أمامي ومرغبي

فَأيَّ أوَانٍ لا تَجِئْني مَنِيَّتي بقَصْدٍ مِنَ المَعْرُوفِ لا أتَعَجَّبِ

فلستُ بركنٍ منْ أَبانٍ وصاحة ٍ وَلا الخالداتِ مِنْ سُوَاجٍ وغُرَّبِ

قضيتُ لباناتٍ وسليتُ حاجة ً ونفسُ الفتى رهنٌ بقمرة ِ مؤربِ

وفيتانِ صدقٍ قد غَدوتُ عليهمُ بِلا دَخِنٍ وَلا رَجيعٍ مُجَنَّبِ

بمجتزفٍ جونٍ كأَنَّ خفاءَهُ قَرَا حَبَشِيٍّ في السَّرَوْمَطِ مُحْقَبِ

معلقته

كان لبيد إذا قال شعراً قال لنفسه:لا تظهره، ولكن عندما قال:

ِعَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا بِمِنَىً تَأَبَّـدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَـا

بدأ بإظهاره.

قالها لبيد للشاعر النابغة الذبياني عندما رأى عليه علامات الشاعريه فقال له:“يا غلام إن عينيك لعينا شاعر أنشدني” فانشده أثنتين فقال له:زدني فأنشده المعلقة فقال له النابغة:أذهب فأنت أشعر العرب، وفي رواية أشعر هوازن. وعلى ذلك لبيد نظم معلقته وأساسها الطلول ومنتصفها وصف الخمرة والمحبوبه وأخرها كان على الكرم والفخر،,هيالمنشورة في الصفحة السابقة.**