العائلة... قلعة حصّنها الله ورسوله

الفصل الثاني

ـ القناعة بالمرأة وفيها عِوَج

ـ طاعة الزوج يَِعدِل ثوابها استشهاد الرجل

ـ عصيان الزوج من الكبائر في دين الله

ـ الإسعاد واجب الزوجة

1ـ عدم الشكر فسقٌ وكفرٌ بِنِعَم الله

ـ مكارِه الزواج وثوابه

1ـ الصبر على المكاره طريق الجنة**

**تحريم إفشاء السرِّ بين الزوجين والكفر بالعشير

العشرة الزوجية أكرمها الله والرسول بالعناية وشرّع الله والرسول ما يصونها من كل سوء أو مكروه وبحفظها بكرامة وعفة. فمنع الإسلام النميمة والغيبة وكشف السرِّ بين الأزواج، لما يؤدي ذلك إلى زرع الحقد والكراهية ممّا يجعل الحياة مع بعضهما مستحيلةً فينتصر الشيطانُ بِأَهوَن سبيل. وحرمة إفشاء السرِّ من أحد الزوجين جزء من حفظ الأمانة بين الناس. روى مسلم وأبو داود عن الرسول r قال: “إنّ من أعظم الأمانة عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها”. وفي نفس المعنى عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: “إنَّ من شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجل، يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثمَّ ينشر أحدهما سرَّ صاحبه”. وعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله r، قال: “المجالس بالأمانة، إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق”.

وغالباً ما يأتي إفشاءُ السرِّ بعد أن تجحد المرأة إحسانَ زوجِها ولذلك حرّم الله سبحانه وتعالى الجحودَ ووصفه عليه الصلاة والسلام بالكفر، فعن جابر قال:"شهدت العيد مع رسول الله r، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة. ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ الناس وذكّرهم، ثم أتت النساء فوعظهنَّ وذكَّرهنَّ، وقال عليه الصلاة والسلام: “تصدقنّ فإن أكثركنَّ حطبُ جهنّم، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لأنكنَّ تكثرنَ الشكاة، وتكفرنَ العشير?. فجعلن يتصدَّقنَ من حليهنَّ، ويلقينَ في ثوب بلال”.

معنى سطة النساء: أوسطهنَّ حسباًَ ونسباً. وسفعاء الخدين: فيهما سواد. الشكاة: الشكوى, العشير: الزوج.

وعن أبي سعيد الخدري قال: “خرج رسول الله r في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمرّ على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقنَّ فإني رأيتكنَّ أكثر أهل النار. فقلنَ: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: تكثرنَ اللعن وتكفرنَ العشير.. الحديث”. متَّفَقٌ عليه. والمعنى رأيتكنَّ على سبيل الكشف، أو طريق الوحي.

فكثرة التذمر وكثرة اللعن والكفر بالعشير أي جحود إحسان الرجل وإفشاء السر حرمها الإسلام تحريماً واضحاً غير مبهم. وقد ساوى الإسلام في العقاب على هذه المحرمات بالنار لعظيم خطرها على الزواج وتعريضه للخطر. لأنّها جميعها أو منفردة توحي عن عدم رضى المرأة عن حياتها مع الرجل وهذا ما يؤدّي حتماً إلى الطلاق. فلا يجوز للمرأة أن تتذمّر من أيّ شيء من أمور الحياة إذا كان الرجل يؤدّي حقّها في المعاملة بتقوى الله ويعاشرها بالمعروف والحسنى. ومّا أن تتذمّر المرأة من مسكن أو فرش أو إصلاح عطب في الأدوات أو تغيير ستائر أو في طلبات ضروريّة كانت أو غير ضروريّة أو كثرة مؤن أو قلّة في المؤن أو مرض أو سياحة أو خروج أو استقبال وحتّى من قلّة الطعام أو كثرة في العمل وامتناع الخدم، كلّها لا يصلح معها التذمّر وتحرُم معها الشكوى إلاّ بالطلب الرقيق.

نعود إلى الكفر بالعشير، يقول الله سبحانه في القرآن الكريم: ﴿ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ سورة إبراهيم 7، جاء في تفسير القرطبي في معناها: أي جحدتم حقّي وقيل نِعَمِي انتهى. فالكفر هو الجحود بحقّ الله وفضله. وقد جعل الله ورسوله لجحود الزوجة بحقّ الرجل ونِعَمِهِ عليها كفراً بمعنى جحود الحق. لأنّ الله قد أقام نظام التقاء الذكر بالأنثى وتكاثر الناس وترابطهم وتراحمهم والنسب والصهر يقوم كلّه على نظام الزواج، وقاعدة هذا النظام جعلها الله قيامة الرجل على المرأة بكلّ ما في ذلك من واجبات الرعاية والمسؤوليّة. وهذه القاعدة تلتها قاعدة أو حكم آخر لمجازاة الرجل في الحياة على تحمّله هذا العبء. فقد أمَّنَ وضَمِن للرجل إيفاءه بعض حقّه في الدنيا حتّى يخفّف عنه بعضٍ من هذه الأعباء، فلا يقنط أو ييأس ويتهرّب أو يعزف عنها كلّها أو عن أكثرها ثقلاً الذي هو الزواج.

فرض الله للتخفيف عن الرجل بعض أعبائه، وفرضه عدل، ليحفظ نظام الزواج للقصد الذي أراده له سبحانه وليس لمجرّد المتعة الجنسيّة التي من خصائصها أن تزول مع الوقت أو مع التعودّ على العشير، فأمر الزوجة بالترفيه والتخفيف عن زوجها، وجعل هذا الترفيه وطاعتَها لزوجها أساساً في نظام الزواج كفرض الرعاية على الرجل. لأنّ من طبيعة الرجل أنّه لا يقبل رعاية من يعصيه. فصاحب المتجر إذا كان له شريك يخالفه فأحد أمرين إمّا أن يبيع المتجر ويَفُضّ الشراكة أو يستمرّ فيؤثر ذلك سلباً على العمل. وأيّ ربّ عمل إن عصاه من يعمل عنده عزله مهما كانت أهمّيته له. والأب إن عصاه ابنه نبذه ونفاه من بيته. فالمعصية من الزوجة محرّمة تحريماً قاطعاً لأنّها تؤدّي حتماً، إلاّ في الحالات النادرة التي لها ظروفها، إلى التخلّص منها أي إلى فضّ الزواج كما في حال الشريكين. فلو أجيزت المعصية الزوجيّة في الإسلام كما أجازتها بعض المجتمعات الغربيّة في القرن الأخير لسقطت جميع القيم التي أمر الله بها المسلمين لأنّه لا يكون هناك وجود لكيان العائلة كما نعرفه. ولا مجال هنا للمقارنة أو للحديث عن حالة العائلة في تلك المجتمعات التي تقوم ركيزتها على إباحة الزنى.**

الرعاية

إذا كانت الرعاية تدبير شؤون الغير الحياتية من كافة جوانبها بأفضل الطرق والأساليب لتحقيق الأهداف والغايات التي تؤمن أفضل الظروف لحياة هنيئة راقية وهو المفهوم الشرعي لها، فإنها تكون جزءاً من أمانة الإسلام التي عهد الله بها للإنسان بالأصل وخصّها بالمسلم بعد بعثه الرسول r. هذه الرعاية عبءٌ ثقيلٌ على كلِّ مَن يتفهم مسؤولياتها، ومشقتها من جنس مشقة المقاتلة والعراك الدموي. لذلك جعلها الإسلام من أصناف الجهاد وجعل الموت دفاعاً عن ركن من مقوِّماتها استشهاداً، فحماية العرض ركن من الرعاية وحماية المال الواجب للرعاية ركن من الرعاية وهكذا فالموت دون العرض استشهاد والموت دون المال استشهاد لإقامة حكم من أحكام الإسلام. هذه أمثلة للتدليل أنّ الرعاية مسؤوليّة رئيسيّة في الحياة ولعلَّها المسؤوليَّة بعد مسؤوليّة حمل الدعوة الإسلاميّة للناس من أجل إقامة حكم الله في الأرض.
رعاية الزوج لزوجها ألزمها الله على الرجل بمفهومها الشرعي الذي حدّده القرآن الكريم والرسول r. إطارها العام حماية الزوجة من كل شيء. مثل: حمايتها من الاعتداء، حمايتها من الجوع، حمايتها من البرد، حمايتها من المرض، حمايتها من العري، حمايتها من الحرّ، حمايتها من العطش، حمايتها من شظف العيش وخشونته وهكذا. أمّا هدفها المحدّد فتأمين “الخير” للزوجة. في تحديد الإطار الشرعي للرعاية يقول الله سبحانه وتعالى ï´؟الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِï´¾أي الرجل هو الذي يدبِّر شؤون المرأة الحياتية وهذا ليس أمراً فيه خيار قبول والرفض بل واجب شرعي. وحتى لا يُفهم من هذا أنه تفضيل للرجل فينطلق بنزوات قد يظلم بها المرأة. أو يتردّد بتحمّل أعباء مسؤولية الرعاية، أكمل الله تعالى الآية ليوضح سبب إلقاء هذه المهمة على عاتق الرجل فقال: ï´؟الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍï´¾. ومفهوم الآية العام كما يفهم من كتب التفسير بما خصّ الله بعضهم أي الرجال بقدرة تتناسب ومتطلبات قوامة الرجل على المرأة، ومؤهلات لا بدّ منها للقيام بمسؤولية الرعاية. فثواب رعاية الرجل لزوجه أقلُّ من ثواب طاعة المرأة لزوجها. ولهذا لا يتعلّق التفضيل بالآية بالثواب والعقاب بل يتعلّق بتخصيص الرجل بمقومات رعاية العائلة ليقوم بدوره، وحقُّ الرعاية للرجل يوجب على المرأة طاعة زوجها في أمور الحياة حتى يستطيع القيامَ بفرض الرعاية بأرقى مستوى. فالتخصيص متعلّق بدور الرجل وليس بذات الرجل تماماً كما يتعلّق تخصيص دور المرأة برعاية الطفل والبيت. هذا التخصيص للدور مرتبط أيضاً بمسؤولية أخرى أساسية وهي الإنفاق.
المال وسيلة رئيسية لتدبير شؤون القوم والعائلة للسير في الحياة والعيش الرغيد. ولهذا، ولأن مجامع المال في المجتمعات تكون بطبيعتها بيد الرجال فإنه سبحانه وتعالى ألزمهم بالإنفاق على المرأة حتى لو كان عندها أموال تستغني بها عن مال زوجها. فجعل مبرّر إعطاء الرعاية للرجل بالإضافة إلى تفضيله بالقدرة للقيام بهذا الدور كذلك بسبب تمكّنه من الإنفاق أساساً، وفرض الإنفاق عليه للزوجة فأكمل الآية: ï´؟الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْï´¾. فالتفضيل أو تخصيص الرجل بالطاقة الجسدية ومنها العقلية وبالقدرة المالية مع إلزامه بالإنفاق على زوجه، وهما شرطان رئيسان للقيام بالرعاية، جعل فرض الرعاية للرجل من الله أمراً طبيعياً يتناسب مع تكوين المجتمع الإسلامي. ولو وقفت الآية عند هذا كان يمكن للمسلم أن يستنتج من قاعدة “ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب”. إن قوامة الرجل على المرأة وتفضيله بمسؤولية الرعاية يوجب على المرأة طاعته وخدمته بأموره المعيشية وحفظ ماله وأن لا تنفق من مالها إلاّ بإذنه وأن تنفق من مالها إذا عجز عن الإنفاق وأن لا تخونه في غيبته وتحفظ سره، ولكن الله سبحانه وتعالى يصرّح بتحديد إطار الطاعة بنفس آية تحديد إطار الرعاية فيكمل الآية ويقول: ï´؟الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُï´¾. وجاء في تفسير القرطبي بشرحها: بما يجب عليهنَّ من حقوق أزواجهنَّ بالطاعة لهم.
بعد تحديد مسؤولية الرعاية وتحديد مسؤولية الطاعة لا بدّ من تحديد إطار الرعاية أو طرق مباشرتها وتحديد هدفها أو غايتها. لأن أي عمل يحتاج إلى أمرين طريقة تنفيذ وتحديد هدف وبدون أي منهما يتحوّل العمل إلى فوضى أو ضياع. والتحديد لا بدّ أن يكون من الله الذي أمر بالرعاية والطاعة أساساً. ففي تحديد الإطار أو طريقة التنفيذ يقول الله تعالى: ï´؟وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِï´¾. ويقول r في حجة الوداع يوصي المسلمين: “ألا واستوصوا بالنساء خيراً”. وفي حديث آخر يقول r: “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم”. فالتعامل مع الزوجة يلزم أن يكون من جنس العمل. العمل هو الرعاية، والرعاية لا تكون إلاّ بالرأفة والحنان، بالمعروف والخلق الحسن واللفظ الجميل، بمعذرة المقصِّر والعفو عن السيئة وغضّ النظر عن الشواذ الذي لا يخالف بذاته شرعاً، والتراحم بالصلة هو أساسي بمباشرة الرعاية. فالرجل مقيّد بطريقة مباشرة الرعاية إذا أراد من هذه المباشرة إرضاء الله والوصول إلى جنته.
ولا شك أن عملاً هذه طريقته لا بدّ أن تكون غايته وهدفه من جنسه فإذا كانت طريقته “خيراً” “وبالمعروف” فلا بدّ أن تكون غايته خيراً. صحيح أنّ جميع أحكام الإسلام يؤدي التقيّد بها إلى خير في الدنيا وخير في الآخرة دون استثناء، إلاّ أنّ سبحانه وتعالى ورسوله يؤكدان بكل وضوح هذه الغاية ووجوب تحقّقها من فرض الرعاية فيقول الله في القرآن الكريم: ï´؟وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًاï´¾ الخير نتيجة مباشرة الرعاية بطريقتها الشرعية “بالمعروف” حتى لو كنت تكره أمراً أو شيئاً من زوجتك، ولا تبقيها إلاّ على مضض. فمن باب أولى أن يكون الخير لك ولزوجك إذا كنت لا تكره منها شيئاً، وتهنأ بقربها وحديثها ومجالستها. فالخير نتيجة لحسن الرعاية وليس للود. فإذا كان الودُّ يكون الخير أكثر ولا شك. أمّا الرسول r فيقول: “خيركم خيركم للنساء” ويقول r “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”. ومفهوم هذا الحديث أن حسن الرعاية تجعل من الرجل “خير” لزوجه. وإذا تحوّل الرجل إلى “خير” للزوجة، فإنها تكون قد ملكت نعيم الدنيا والآخرة. لأن الرجل لا يمكن أن يتحوّل إلى “خير” إلاّ إذا أطاعته وأرضته زوجه، ومن ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة. وإذا أمعن الرجل نظره في هذه الآية: ï´؟وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًاï´¾. يدرك أن أجر المعاشرة بالمعروف، ولو على مضض وتململ وإعراض في نفسه عن الميل إلى زوجه، أو كرهه لبعض تصرّفاتها وطباعها، هو الجنّة. لأنّ الله يعد على هذا المعروف “خيراً كثيراً” والخير الكثير في الدنيا يكون بتقوى الله والسعادة وردّ البلاء وفي الآخرة يكون بمغفرة الله والسعادة الدائمة بالدخول إلى الجنّة، فخير الدنيا الشرعي الكثير يؤدّي إلى الخير الدائم في الآخرة.
مع بيان طريقة الرعاية الواضح وهدفها قد يتغطرس الرجل ويعصي الله بظلمه لزوجه لخشونةٍ في نفسه أو عصبيّة في مزاجه أو سوءٍ في طبعه. صحيح أنّ الإيمان يوجب السيطرة على الانفعالات النفسيّة والارتدادات العاطفيّة. فلا ينطق الفم إلاّ بما سمح به الشرع في تلك الحالة. وصحيح أنّ مقياس المؤمن للأمور هو المقياس الشرعي، إلاّ أنّ وضوح معنى العبوديّة لله وتسليم الأمر لله قد يعلوه الغبار عند الناس إذا لم يستمرّ المسلم ببلورة وصقل معلوماته وأفكاره الشرعيّة الأساسيّة. لهذا لم يترك أمر الرعاية للرجل دون توضيح وتحديد وترغيب وترهيب. الله سبحانه وعد الرجل الذي يعاشر زوجه بالمعروف ولو كان لا يطيقها بأجر كبير. ولكنّه سبحانه أيضاً يذكّر ويهدّد مَن يتجاوز حدود الرعاية التي فرضها الله، وهو قادر على ظلم زوجه بما مكّنه الله فيه من الكمال النسبي في خلقه، يذكّره بوعيد أنّه مهما أحسست أنّ لك قدرة في التسلّط وظلم زوجك، أُذكُر أنّ الله هو الذي جعل فيك تلك القدرة وأنّه أقدر عليك من قدرتك على زوجك. فيقول في نفس الآية [34 النساء] ï´؟فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًاï´¾. فلا يتعالى أو يتكبّر مسلم على زوجه بفضل ما حباه الله به، فإن الله هو المتعالي ووحده الذي يحق له التعالي وهو المتكبر ووحده الذي يحقّ له التكبّر. ذلك أنّ الإنسان مهما بلغت قدرته ونفوذه يبقى محدوداً في قدرته ونفوذه. لأنّ هذه القدرة تعتمد على عناصر لوجودها واستمرارها فمتى ذهبت عناصرها ذهبت معها. أما قدرة الله سبحانه فلا تعتمد على عناصر بل جميع عناصر الوجود من خلق تلك القدرة وكلّ ما في الوجود يعتمد على تلك القدرة. فتعالي وتسلّط الرجل على الزوجة سوء لاستعمال القدرة التي قدّرها الله له ويمنع تحقق غاية “الخير” التي أمر الله والرسول بتحقيقها أساساً بممارسة فرض الرعاية. وهذا يعطل أحكاماً شرعية عدة أمر الله بها مما يجعل هذه المعصية جريمة نكراء، إثمها وإثم جميع ما يترتب على تعطيل غاية الرعاية يكون على المذنب وحده.

يتبع بمشيئة الله وعونه.

تمهيد بدون عنوان

حقائق كثيرة فاجأتني بنتائجها التي كنت أستنتجها من أحاديث الرسول ïپ². أترك لكم تقدير مستوى تأثيرها على مسار حياتكم ومساعدتكم على وضع أيّ خلافٍ زوجي في إطاره الصحيح وسهولة معالجته أو إزالته بالرضوخ لحكم الله.

أمرَ الله الأقارب والحكّام بنصح الزوجين وتذكيرهما بحكم الله في أمرهما قبل إيقاع الطلاق بينهما. ولكن الفرديّة طغت على العلاقات وأصبح المرء يخجل من استشارة غيره أو يأنف منها، وبذلك عزف عن الاستنصاح وأخذ يعتمد على اجترار أفكاره عساه يستنبط منها رشداً. ونسيَ أنّ ذلك حرام محرّم على المسلم لأن الأمر كلّه يعود إلى ما أمرَ به الله ورسوله. فإلى الذي يرغب بالنصيحة ويظنّ أن طلبها وضيعة، وإلى الذي يريد رشداً ويظن مصادره صعبة، وإلى الذي يظن امرأته سيئة غير قابلة لإصلاح أمرها، وإلى من تظنُّ زوجها سيئاً لا حياة لها معه، إلى المرأة التي عميت بصيرتها عن وضوح رؤية دورها في الحياة، إلى المرأة التي أمسك الشيطان بأطراف أمرها يتقاذفها كيف يشاء وهي في بُعدٍ سحيق عن إدراك مصيرها، إلى المرأة التي تقوم بالمعصية الزوجيّة طائعة للشيطان وتمتنع عن الزنى خوفاً من الله، إلى المرأة التي تصلّي لأنها اتخذت الله ربّاً وعصت زوجها منصاعةً لهواها، فجعلت لنفسها ربّين دون أن تدري: ربّاً للصلاة وربّاً للمعصية، بينما الله ربُّ كل شيء في الوجود؛ رب خالق مطاع بالعقل والهوى، وإليه وحده يصعد العمل الطيّب، إلى المرأة التي تطلب السعادة في الحياة والجنة في الآخرة.

وحتى تقلّ حالات سوء الفهم الناتجة عن الجهل في بواقع الزواج، ومن أجل وضع كثير من الخلافات في إطارها الواقعي، فلا تتحوّل إلى مأساة طلاق وتشريد عائلة، ندعو إلى التزام أحكام ديننا وتحكيمها في أمورنا، للتقيُّد به والعمل به. والتخلّي عن ذلك ارتكاب لثلاث معاصٍ شرعيّة أدناها كبيرة من الكبائر وثانيها كفرٌ عظيم:

1ـ التخلّي عن الإيمان لأن الإيمان تصديقٌ وعمل، وتصديق بدون عمل يضع الإنسان في خانة المنافقين أو مرتكبي الكبائر.

2ـ خروج من صفة “عبادي” التي يسمّي بها الله أهل الجنة وبذلك تحرَّم الجنة على مَن يعرف حكم الله ولا يعمل به لأنه يكون قد أطاع الشيطان.

3ـ معصية إقامة كيان العائلة على غير الأساس الذي أمر الله به وما يؤدّي ذلك إلى هدم أحكام الإسلام في الحياة يستحقُّ فاعله أشدَّ العذاب.
فالتقيّد بحكم الله في كلّ أمر هو الطريق الوحيد إلى الجنة وإلى المجد والسعادة في الدنيا والآخرة. ومعرفة الحكم إنما تكون لغاية محددة واضحة.
أهميّة موضوع العائلة في دين الله الذي جبَّ جميع الأديان التي أنزلها الله قبل الإسلام، كموضوع الحكم بما أنزل الله للفصل في خلافات البشر وإعلان الحرب على مَن يمنع انتشار فكر الإسلام واعتناقه وإقامة أحكامه بين الناس وبين الدول؛ ركيزة من ركائز هذا الدين وقاعدة من قواعده إن لم يكن قاعدة من قاعدتين.
البحث في العائلة، رغم محاولات كثيرة قام بها المؤلَّفون، لم يُعطَ حقه في التجديد والاستنارة. والكتب التي كُتبت عن العائلة كما أمر بها سبحانه وتعالى أن تكون وبما جاء في هدي سنّة رسوله ïپ²، كانت دائماً دون تحديد لواقعها مشتّتة غير متوحّدة الموضوع وكأن القصد محصور في جمع أحكامها. وأيضاً، في غالبيّتها أُخذت لذاتها ودونما اعتبارٌ لمتعلّقاتها. فغاب عنها الهدف من الكتابة فيه ممّا أفقدها العمق اللازم للبحث وبالتالي أفقد تلك الكتابات قدرة التأثير والتوجيه في صيانة العائلة المسلمة من التيارات الفكريّة الشيطانية التي عمل الكفَّار، أعداء الله وأعداء كلِّ مَن آمن بالله ورسوله، مئات السنين دون كللٍ أو مللٍ ليلَ نهار لتحويل العائلة المسلمة إلى كيان يعشِّشُ فيه الضلالُ والباطلُ فيزدهر وينتشر منها باطلٌ وكفرٌ وابتداعٌ شيطاني جديد.
الفكر الإسلامي وحده من بين أفكار الدنيا الذي يحتّم ممارسة العمل به ويجعله شرط الإيمان والكفر والجنّة والنّار. فلا يكون الإنسان مسلماً ولا مؤمناً إن عرف أحكاماً إسلاميّة ولم يطبِّقها على نفسه وفي حياته حيث يلزم. ونحن إذ نقدِّم هذه المفاهيم الإسلامية التي تحدِّد كيان العائلة المسلمة وهدفها من هذا الكيان إنّما بقصد التزام المسلمين بها لتعود العائلة معقلاً لإقامة أحكام الله ومنارةً للهداية إلى دين الله ويهزموا الشيطان الذي سيطر على حياتهم سنين دون وعي منهم على الجهل والضلال الذي يحيون فيه. فالشيطان لا ينهزم إلاّ بإقامة حكم الله. ففي كلِّ أمر يواجهه المسلم يحاول الشيطان أن يغريه بمعالجة الأمر بأيّة وسيلة غير الوسيلة الشرعيّة. وحده التمسُّك بالمعالجة الشرعيّة يهزم الشيطان.
في هذا العصر الذي تكاثرت فيه شياطين الأنس على شياطين الجنّ، وفي هذا الزمن الذي لم يَبقَ في الأرض موطنٌ واحدٌ للإيمان حيث أحكم إبليس قبضته على عنق البشر أجمعين؛ لم يعد لأيّ فرد أو أمّة الإسلام غير القرار الجازم بمواجهة الواقع، وقائع الحياة بأحكام الله ورسوله. فمعرفة الحكم الذي يحتاجه الواقع من أجل التقيّد بذلك الحكم وتطبيقه هو الوسيلة الوحيدة للنجاة من غضب الله وعذابه.
جديد هذا الكتاب أنّه أكمل نواقص الموضوع وأزال الغموض عن غوامضه واستغنى عن طويله بعمقِه ووحَّدَ مُتَفَرِّقَهُ بالتركيز على مقصدِهِ، وفي ترتيب أحكامه أبان التوافق والتلاقي في الأحكام والمقاصد بدل الاختلاط والإبهام. وفي كلّ هذا ومن كلّ هذا جاء النتاج ليس جديداً بقدر ما هو متمايز مغاير غير مشابه لكلّ ما قيل وكُتب في موضوع العائلة.
الله من وراء القصد: الأول أن يتحرّك المسلم في إقامة كيان ذاتي يحارب به الشيطان ويتّخذه عدوّاً كما أمره الله.
الثاني أن يقرِّر المسلم القبول والرضى بحكم الله وطاعته لله سبحانه بالتقيّد بأحكامه حتّى تتحوَّل حياته إلى حياة مؤمن يصدّق ويعمل بأمر الله، فيتحوّل إلى جرّافة تهدم الغثَّ البالي من بنيان الكفر في المجتمع، ومع غيره يشيع حكم الله في المجتمع وتقوم دولة تحكم بما أنزل وأمر به الله وحده.

المؤلف : يوسف بعدراني
.

وصيةُ أمٍّ لجميلةٍ من العرب
روى أبو الفرج جمال الدين بن الجوزي: رُويت لنا هذه الحكاية مبسوطة فقد روى أبو روفق الهمداني( ) عن أبي حاتم السجستاني( ) قال: قالوا: كان ملك من ملوك اليمن يقال له الحارث بن عمرو الكندي بلغه أن لعوف الكندي ابنة ذات جمال وكمال فبعث إلى امرأة من قومها يقال لها عصام فقال: إنه بلغني عن بنت عوف جمال وكمال، فاذهبي واعلمي لي عليها. فانطلقت حتى دخلت على أمها وهي أمامة بنت الحارث فأخبرتها ما جاءت له وإذا أمّها كأنها خاذل من الطباء، وحولها بنات كأنهن شوادن الغزلان، فأرسلت إلى ابنتها فقالت: يا بنية إنّ هذه خالتك أتتك لتنظر إلى شأنك، فاخرجي إليها ولا تستتري عنها بشيء، وناطقيها فيما استنطقتك فيه. فدخلت عليها، ثم خرجت من عندها وهي تقول: ترك الخداع من كشف القناع، فأرسلتها مثلاً. فلما جاءت إلى الحارث قال: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أيها الملك صرح المخض عن الزبد، فأرسلتها مثلاً. ثم قالت: أقول حقاً وأخبرك صدقاً لقد رأيت وجهاً كالمرآة المضيئة يزينه شعر حالك كأذناب الخيل (المضفورة) إن أرسلته خلته سلاسل، وإن مشّطته خلته عناقيد كرم جلالها وابل، لها حاجبان كأنما خطّا بقلم أو سوِّدا بحمم (فحم) فقد تقوّسا على مثل عيني الظبية العبهرة (الرقيقة البشرة الناصعة البياض) التي لم تر قانصاً ولم يُذعرها قسورة (الأسد) يبهتان المتوسم، بينهما أنف كحد السيف المصقول ولم يخنس به قصر، ولم يمعن به طول، حفّت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجمان (اللؤلؤ) شُقَّ فيه فمٌ لذيذُ الملثم فيه ثنايا غر، وأسنان كالدرِّ ذات أشر، ينطلق به لسان ذو فصاحة وبيان، يحرِّكه عقل وافر وجوابٌ حاضر تلتقي دونه شفتان حمراوان كأنهما في لبن الزبد. يحملان ريقاً كالشهد نُصب ذلك على عنق أبيض كأنه إبريق فضة، لها صدر كصدر التمثال مدّت فيه عضدان مدمجتان ممليتان لحماً، مكسوتان شحماً، متصلة بهما ذراعان ما فيهما عظم يمس، ولا عرق يجس عصبتهما، يعقد إن شئت منهما الأنامل، وتركب الفصوص في حفر المفاصل، نتأ في ذلك الصدر ثديان يخرقان عليهما ثياباً ويمنعانهما أن تقلد سحاباً، أسفل من ذلك بطن طوي كطي القباطي المدمجة كسي عكنا كالقراطيس المدرجة كمدهن العاج لها ظهر فيه كالجدول ينتهي إلى خصر لولا رحمة ربك لانبتر، لها كفل يكاد يقعدها إذا نهضت، وينهضها إلى قعدت، كأنه حقف (قطعة من الرمل مستديرة) من الرمل لَبَدَه سقوط الطل (المطر)، أسفل من ذلك فخذان لفاوان كأنما نُصبا على نضَدٍ جُمان (كاللؤلؤ جُعل بعضه فوق بعض) متصلة بهما ساقان بيضاوان خَدلَجتان (ممتلئتان)، حمَلَ ذلك كله قدمان كحذوِ اللسان تبارك الله مع لطافتهما كيف يطيقان حمل ما فوقهما. وأما ما سوى ذلك فإني تركت نعته ووصفه لوقته، إلا أنه أكمل وأحسن مما وصف في شعر أو قول. فبعث الملك إلى أبيها فخطبها إليه فزوجها إياه، فبعث إليها من الصداق بمثل مهور نساء الملوك مائة ألف درهم وألف من الإبل، فلما حان أن تحمل إليه دخلت أمها لتوصيها فقالت:
أي بنية إن الوصية لو تركت لعقل أو أدب أو مكرمة في حسب لتركت ذلك منك ولزويته عنك، ولكن الوصية تذكرة للعاقل ومنبهة للغافل. أي بنية إنه لو استغنت المرأة عن زوجها بغنى أبيها وشدة حاجتها إليه لكنت أغنى الناس عن الزواج ولكن للرجال خُلِق النساء كما لهنَّ خُلِقَ الرجال أي بنية: إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، والوكر الذي فيه دَرَجْتِ إلى وكرٍ لم تعرفيه وقرينٍ لم تألفيه فأصبح بملكه عليك مَلِكاً فكوني له أمَةً يكن لك عبداً، واحفظي عني خصالاً عشراً تكن لك دركاً وذخراً، فأما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة وحسن السمع والطاعة رأفة الرب وأما الثالثة والرابعة: فلا تقع عيناه منك على قبيح ولا يشم أنفه إلا أطيب ريح. واعلمي أي بنية أن الماء أطيب الطيب المفقود وأن الكحل أحسن الحسن الموجود، وأما الخامسة والسادسة: فالتعهد لوقت طعامه والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله والرعاية على حشمه وعياله. فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير والرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير. وأمّا التاسعة والعاشرة: فلا تفشي له سراً ولا تعصي له أمراً. فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوْغَرْتِ صدره، واتقي الفرح لديه إن كان تَرِحاً، والإكتئاب إذا كان فرحاً. فإن الأولى من التقصير والثانية من التكدير، واعلمي أنك لن تصلي إلى ذلك منه حتى تُؤثِري هواه على هواك ورضاهُ على رضاك فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك بخيرته ويصنع لك برحمته.
فلما حملت إليه غلبت على أمره وولدت له سبعة أولاد ملكوا بعده( ).

**“ونحن المقيمات فلا نظعن أبداً”، عهدٌ آخر من نسوة أهل الجنة لأزواجهنَّ أن لا يفارقنَ أو يبرحنَ مكانهنَّ حين غياب أزواجهنَّ بل يبقين في بيوتهنَّ ينتظرنَ عودة أزواجهنَّ مهما طال الزمن. الزمن هناك لا يعدُّ بسنين أهل الأرض فهناك خلود الزمن من غير نوع كما أن النور من غير نوع، وقد يمتدُّ غياب الرجل بحسابنا مئات وآلاف السنين ومع هذا فعهدُ الزوجة الدائم والمتجدّد أنّها لا تظعن أبداً أي لا تفارق ولا تبارح. وهذا يدلُّ أنها لا تبارح إلا بإذن زوجها ولو غاب ما غاب من تعداد السنين التي نفهمها. وهو يدل على الطاعة المطلقة للزوج في الجنّة، فللرجل قد تكون زوجةٌ واحدة من أهل الأرض، وقد لا تكون له زوجة من نساء أهل الأرض ولكن له آلاف من الزوجات. عن عبد الله بن الأوفى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: “إنّ الرجل من أهل الجنّة ليُزوَّج خمسمائةِ حوراء، وأربعةَ آلافِ بكرٍ، وثمانية آلاف ثيِّبٍ، يعانقُ كلَّ واحدةٍ منهُنَّ مقدارَ عمره في الدنيا”. فالغلّ والغيرة والمعصية منزوعة من صدور نساء أهل الأرض في الجنّة ومن النساء اللاتي خُلقنَ للجنّة. وتجديد العهد للزوج عند كلِّ إياب أنّنا لا نغادر مكاننا بانتظارك إلاّ بإذنك دليل على عظيم شأن هذه الطاعة في الجنّة. تماماً كما جعلها الله في الأرض فرضاً من أهمّ الفروض على الزوجة ومخالفةً من أشدِّ المعاصي وأكبرها التي تقوم بها المرأة المتزوّجة تستحقُّ عليها لعنة كلّ ملك في السماء وكل معدن ونبات ومخلوق وجماد غير الإنس والجنّ.

يبدأ شدوها بالقول “نحن الخالدات فلا نموت” فيه التذكير بنعمة الله عليها أنّها خالدة بالحياة في الجنّة وخالدة بالجمال والحسن الذي عليها لأنّ في الجنّة لا شيء يبلى والحسن والجمال لا يذبل. وكأنها تذكّر أنّ نعمة الله عليها خلود الحسن والجمال عليها لا خلودها الشخصي وكفى. والتذكير بخلود حسنها وجمالها هو لتذكير زوجها بدوام حالها وطيبها، وفيه تودُّدٌ وتحبُّب وتذكير بما يمكن أن يسرّه ويلذّه منها. كلُّ هذا التذكير ووصف ما فيها على لسانها يجري برقَّةٍ وحياء وإيحاء وإيماء لأنّ التصريح يجرح الكرامة ويكون فيه تبذّل والله جعل أهل الجنّة أكرم مخلوقاته فأبى عليهم ما يخدش كرامتهم. فلله الحمد حتى يرضى.

كلّما خرج الرجل من قصره أو قصوره في الجنّة وعاد إليها تجري بينه وبين زوجه المجاملة التالية. صلى الله عليه وسلّم روى البيهقي عن أنس بن مالك عن رسول الله أنّه قال: “إنَّ في الجنَّةِ لسوقاً كثبانَ مِسكٍ يخرجون إليها ويجتمعون إليها، فيبعثُ الله عزَّ وجلَّ ريحاً فيدخِلُها بيوتَهُم، فيقولُ لهم أهلوهُم إذا رَجعوا إليهم: قد ازددتُم حسناً بعدنا! فيقولون لأهلِهِم: قد ازددتُم أنتنَّ أيضاً حُسناً بعدنا”.

وفي رواية أخرى عن أنس بن مالك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: “يقولُ أهلُ الجنّةِ: انطلقوا إلى السوقِ، فينطلقونَ إلى كثبانِ المِسكِ، فإذا رجعوا إلى أزواجهم قالوا: إنّا لنجد لَكُنَّ ريحاً ما كانت لَكُنَّ! فيقلنَ: ولقد رَجَعتُم بريحٍ ما كانت لكم إذ خرجتُم من عندنا”.

الحديثان يدلاّن أنّ الأزواج في الجنّة يتجاملون ويتمادحون ويتسابقون على ذلك. في الحديث الأوّل الزوجة تسبق زوجها بإطرائه على بهيِّ طلعته التي يعودُ بها إليها وكثير الحسن الذي أُضفيَ عليه في أثناء خروجه. وكأنّها تقول له: لقد اشتقت إليك إلى درجة أنّي أراك أجمل بكثير ممّا كنتُ أتخيَّلك. فالجمال لا يُرى بمقياس العين ولكن يُرى بمقياس الحبّ والرضى. فهذا الإطراء ليس تعبيراً أنّ الرجل يخرج جميلاً ويعود أجمل، بل تعبير ووصف دقيق لنفسيّة الزوجة والزوج في الجنّة، فهما يزدادان حبّاً لبعضهما والزوجة تزداد تعلُّقاً بزوجها بعد كلِّ مغادرة له ويزداد إكباره في نفسها. وفي الحديث أيضاً تواضعٌ بكلّ رقةِ واستحياء من الزوجة فهي تقول: “قد ازدَدتُم حسناً بعدنا”. ولا تقف عند ازددتم حسناً ليكون إطراءً فقط بل تُضيف: “بعدنا”. وفي هذا لعمري عذوبة في التواضع. فهي تقول أنّ بُعدك عنّا يزيدك حسناً، وكأنّه عتاب في غاية الرقّة لغيابه عنها وهو تساؤل ضمني: ألسنا جديرين بك؟ ألأنّك أجمل منّا؟ أَإذا تركتمونا تجدون خيراً منّا؟ أَترى أنّ الله أنعمَ عليك فلا نصلح لك وأنت بهذه الحال؟ فيسارع زوجها يُطمئنها إلى أنّها أيضاً ازدادت حسناً بعده أي أنّها ما زالت حبيبته وزوجه وإلى أنّه مشتاق إليها وكأنّه بَعُدَ عنها دهراً. وأن حبَّه لم يفتر بل ازداد ولهذا يراها أجمل ممّا كانت. ويجاريها في تواضعها ويفاخرها بإطرائها بما أطرته.

في الحديث الثاني يبادر الزوج بالإطراء وبإبداء الشوق، فالحياة تجري طبيعيّة يسودها الودُّ والتوادد والتحابب وهو يدلُّ أنّ المعاشرة الزوجيّة في الجنّة تجري بجميع أحكام الإسلام التي فرضها الله على عباده في الأرض. وأنّ أيّ زوجين مسلمين يتقيّدان بحكم الله في تنظيم حياة الزواج يسعدان وينعمان بحياة تكون أقرب ما يمكن إلى حياة الأزواج في الجنّة. مع الوعي الدائم إلى اختلاف خصائص أهل الأرض عن خصائص الذين يُبعثون للدخول إلى الجنّة**

**يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا، لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [85/87 مريم

سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلّم عن تفسير هذه الآية فقال علي: صلى الله عليه وسلّم يا رسول الله، ما الوفد إلاّ ركب؟ فقال النبي: “والذي نفسي بيده إنّهم إذا خرجوا من قبورِهمِ استُقبِلوا بنوقٍ بيضٍ لها أجنحةٌ عليها رِحال الذهب، شوكُ نِعالِهم نورٌ يتلألأ كلَّ خطوةٍ مثلَ مدِّ البَصَرِ، وينتهون إلى بابِ الجنَّةِ، فإذا حلقةٌ من ياقوتةٍ حمراءَ على صفائحِ الذهب، وإذا شجرةٌ على باب الجنّةِ ينبعُ من أصلها عينان، فإذا شربوا من أحَدِهِما جَرَت في وجوهِهِم بنضرةِ النعيم، وإذا توضَّؤوا من الأخرى لم تَشعَث أشعارُهُم أبداً، فيضربونَ الحلَقَةَ بالصفيحةِ، فَيبلُغُ كلَّ حَوراءَ أنّ زوجَها قد أَقبَلَ، فتستخفُّها العجلةُ فتبعثُ قيِّمَها، فيفتحُ لهُ البابَ فيقول: أنا قيِّمُك الذي وُكِّلتُ بأمرِك. فيتبَعَهُ فيَقفو أثَرَهُ فيأتي زوجتَهُ فتستخفُّها العَجَلَةُ فتخرجُ فتُعانقُهُ وتقول: أنتَ حبِّي، وأنا حبُّك، وأنا الراضية فلا أسخطُ أبداً، وأنا الناعمةُ فلا أبأسُ أبداً، وأنا الخالدةُ فلا أظعنُ أبداً”.إنّ الله ينزع الغلَّ من صدور أهل الجنَّة عندما يُعيد خلقهم فهم لا يتخلّون عن الغلّ طواعيةً باختيارهم. بينما أهل الأرض يورثهم الله الغلَّ بطبيعتهم ويسلِّط عليهم الشيطان لإثارتها ويفرض الله على البشر محاربة الشيطان بكبتهم نار الغلِّ التي يوقدها. وهذه المحاربة للشيطان هي التي تحدِّد درجة الإيمان في الدنيا ودرجة الجنّة في الحياة الآخرة. وإنّنا نخصُّ بهذا البحث “الزوجة” حتّى تفوز بالجنّة ولو بعملٍ تعمله بآخر يوم من حياتها، أي ولو تابت قبل موتها بيومٍ واحد.

صفات الزوجة في الجنّة هي التي يجب أن تكون صفات الزوجة في الأرض. والتعرُّف إلى صفاتِ وفعالِ الزوجة في الجنّة ودرسها بعمقٍ لتعلّمها وممارستها هو عمل الزوجة الأرضيّة الأساسي ورسالتها الوحيدة في الحياة. وإذا نجحت كزوجة أرضيّة فإنّها حتماً ستكون من أهل الجنّة وزوجة فيها دائمة السعادة إن شاء الله. مقارنة أعمال أهل الجنّة والتعرّف إلى صفاتهم يؤدّي بنا للتعرُّف إلى الخصائص المنزوعة منهم وهي الخصائص التي تؤدّي إلى أعمال تسعد الشيطان حين نقوم بها هي التي يجب تحاشيها والابتعاد عنها لأنّها هي المحرّمة.

إنّ الزوجة في الجنّة عندما تستقبل زوجها “تستخفُّها العجلة” أي ترتبك من الفرح وتحتار في تخيّر حسن ألفاظ الاستقبال فتقول ما معناه: أنت لي وأنا لك، وأنا السعيدة الهانئة برضاك عنّي والراضية بكلّ صفاتك وتصرّفاتك لا يزعجني منك شيء، وأنا المحظوظة بقربك، وأنا التي تنتظرك أبداً أبداً دون أن تفارق مكانها.

لعلّ نساء الأرض لا يستطعنَ التلفُظَ بهذه العبارات لما عندهُنَّ من عقدٍ نفسيّة ومحاذير وتخوُّفات وتحسّبات يوحي بها الشيطان. ولعلّ الغرور يمنعهنَّ من الهرولة لاستقبال أزواجهنَّ حين يرجعون إليهنَّ. نساء أهل الجنّة متحرِّرات من كلِّ هذه العقد والاعتبارات. تهرع لاستقبال زوجها وتعلن فرحها بعودته وتنشد أحلى الكلمات للترحيب به. الله سبحانه فرض على نساء الأرض أن يتحرّرن من جميع العقد والتخوُّفات والتحسُّبات مع أزواجهنَّ وأن ينطلقنَ دون تردُّد للعيش في نعيم التحبّب والطاعة لأزواجهنَّ. وأمر أن يكون ذلك فعل اختيار لا فعل إكراه. أي أن على المرأة أن تنقاد لحكم الله في طاعة زوجها لا أن تُكره عليه وجعل أجر ذلك الجنة. وإذا رفضت اختيار الطاعة فجهنّم لها. فهل يدلُّ هذا أنَّ الله سبحانه وتعالى أمر النساء بطاعة أزواجهنَّ في الأرض تدريباً لهنَّ للعيش في الجنّة حتى تصفِّي المرأة نفسها من شوائب المعصية فتطهرها لتصبح قبل أن تموت بطهارة أهل الجنة! الله أعلم. الثابت الواضح أن الطاعة مفروضة في الدنيا وهي جزء من طبيعة الخلق في الآخرة. وجميع أوامر الله المتعلّقة بالتحريم والفرض إذا درسناها بمقارنتها مع ما أعلمنا به القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلّم عن صفات أهل الجنة، نجد أن كل فعل محرّم في الدنيا محرّم في الآخرة وكل مفروض في الدنيا هو طبيعة أهل الجنة إلاّ ما حُرّم لاختصاص أهل الجنة به أو لتعلّقه بالواقع الظرفي للحياة في الأرض وانتفاء ذلك الظرف في الآخرة. وما ينطبق على أهل الجنة وصفاتهم ينطبق على أهل النار وفعالهم في الدنيا.**

ولا شك أنّ أقرب الناس إلى دخول الجنة برحمة ربهم هم الذين يتخلّقون في الدنيا بصفات أهل الجنة. فإذا كان من صفات المسلم بالحياة أنه من البخلاء مثلاً فمن الصعب دخوله الجنة لأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: “لا يجاورني فيك بخيل” ويقول في القرآن الكريم: ï´؟وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَï´¾. [9 الحشر]. ومن كان في الدنيا يشرب الخمر أو يتعامل بالربا أو يغش في بيعه أو يكذب في حديثه أو يوقع بين الناس أو يؤذي جاره أو امرأة تحدِّث عن زوجها بالسوء أو تعصيه في السر والعلن أو تُدخِلُ بيته بدون إذنه أو تخرج دون إذنه، ولا ترحب به حين دخوله البيت ولا تسعى لإرضائه ولا تطيعه في أمره أو تمتنع عنه في الفراش وتقبل بالنوم وهو عنها غضبان ولا تطيعه إذا أمرها ولا تكلمه بما يحب، فهذه كلها أعمال وصفات يصعب جداً أن يدخل صاحبها الجنة لأنها كلها أعمال محرّمة في الدنيا ممنوعة في الآخرة. وهي تناقض طبيعة الحياة في الجنة وخصائص أهل الجنة. فأعمال كهذه لا يدخل الجنة من مات عليها إلاّ أن يقبل الله توبته عنها قبل الموت أو ينقذه الله من جهنم بما وسعت رحمته كل شيء. والإنسان فرض الله عليه العمل ليستحق الجنة فأمره بفروض وحرّم عليه محارم فمن ترك الفروض وأباح المحارم في الدنيا، فالله يذكره تكراراً أنه شديد العقاب.
في محاولة لتبسيط الأمر على المرأة المسلمة التي ترغب بالوصول إلى الجنة بطاعة زوجها، وتسهيلاً للفهم على المرأة المسلمة التي عزمت وقرّرت العمل بعمل نساء الجنة حتى تصبح منهنَّ بعد القيام من القبور، ولذلك فهي تطلب التوضيح المبسَّط لتعمل به بعد أن اقتنعت بكل الحيثيات والمبرّرات والأدلة الشرعية التي مرّ بحثها، نقول:

ـ إنّ المرأة في الجنة تبادر الترحيب بزوجها كلما عاد إليها دون عتاب أو إظهار التململ من غيابه والعتب عليه بل بإظهار الشوق له والرضى برجوعه.

ـ لا تفارق المرأة في الجنة المكان الذي يتركها فيه زوجها والحال الذي تركها عليه ولا بحث هناك في المدة والظروف.

ـ كلما عاد الرجل إلى امرأته بالجنة تراه بعين الحب والود أجمل مما ذهب به من حسن.

ـ المرأة في الجنة دائمة الرضى والسعادة بزوجها فلا شكوى ولا مظلمة تبدر عنها منه.

ـ عمل المرأة الوحيد في الجنة إسعاد زوجها وأن تكون مصدر سعادة وحبور له وهي دائمة التهيؤ له بأجلى وأحسن مظهر ونفس مفعمة بالأمل برفقته ومعاشرته.

ـ تحرص المرأة في الجنة على الاعتراف بقدر زوجها وإطرائه.

ـ الله ينزع من خلقه في الجنة الغلَّ والحسد والكذب والغيبة والنميمة والمكر والخداع والمراوغة والطمع والشؤم والبؤس والعبوس والقنوط وكل ما يأمر به الشطيان.

ـ المرأة في الجنة: ثيِّباً، بكراً وحوراءَ تقنع بزوجها قناعة أبدية وترضى به ولياً أبدياً وتلتزم كل واجبات الزوجة المطيعة التزاماً أبدياً.

ـ المرأة في الجنة دائمة الاستحياء والتواضع في حضرة زوجها.

ـ المرأة في الجنة إذا تكلمت ففي خفر ودلال وخجل لأن الله نزع الوقاحة من نساء الجنة.

**طاعة المرأة للرجل ليست أمراً من صنع الرجل ولا عادة هو أقرّها بل هو فرض من الله سبحانه، واعتراف المرأة الزوجة بهذا الفرض وانصياعها له فرض من الله وليس من الرجل. إذا عصت الزوجة زوجها ولم يطلّقها، لأنّه ليس عنده عقاب غيره، يبقى عقابها على معصيتها تلقاه عقاباً موفوراً يوم الحساب. هذا الفرض، فرض طاعة المرأة لزوجها، ليس عبئاً زائداً على المرأة بل هو عبء قد يوازي بعض عبء الرجل في الحياة وهو الجزء المتعلّق برعاية زوجته وأولاده، وليس هو عبء يوازي كلّ ما حمّله الله للرجل من واجبات. فهذه الطاعة من الزوجة تؤدّي أو تعمل كوقود جديد للرجل ليتمكّن من السير في الحياة يواجه أعباءها الأخرى. وعدم الطاعة كحرمانه من الوقود الضروري له في الحياة. فهو بدون زواج يستطيع مواجهة أعباء الحياة الأخرى. وبالزواج وطاعة زوجته يستطيع أيضاً أن يواجه أعباء الحياة الأخرى وهي الأعباء التي لا علاقة لها بأعباء الزواج. ولكن بزواج ومعصية زوجته تثقل همّته ويعجز بطبيعته عن تحمّل أعباء الحياة الأخرى. لهذا، والله أعلم، جُعل فرض الطاعة من الله وبالتالي حقّاً لله يؤدّى للزوج. ونظراً لعظيم خطره على كيان الأمّة وإقامة أحكام الدين في الأرض فقد جعله سبحانه وتعالى ربّ السموات والأرض الجبّار العظيم حقّاً لله مقدّماً على كافة حقوق الله، فكتب جلّ جلاله أمراً في السماء والأرض أن لا يسمع صلاة أو دعاء المرأة العاصية غير أذنيها، فلا يكتبها ملك أو يحفّ بها ملك ولا يقبلها الجبّار العظيم. هذا جحود بحقّ الله وهو بذلك كالكفر ويقول الله: ﴿ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. جاء في تفسيرها أي جحدتم حقّي. ومعصية الزوجة لزوجها قد تكون من أكبر وأجلى معالم وقائع جحود حقّ الله. فهل تتبرّأ يوم الحساب زوجة واحدة عصت زوجها من عقوبة جحود حقّ الله وهو الكفر؟

كان هذا في ما يتعلّق بحقّ الله والله أعلم، فلننظر لجحود نِعَم الله. كثير من الناس قد لا يقدّرون نعمةً من أَنعُمِ الله أو قد لا يتنبّهون لها حقّ التنبّه. فمثلاً لا يمكن لصحيح الجسم أن يعرف حقيقة عبء المرض حتّى يجرّبه، والبصير لا يعرف حقيقة الفرق بالعيش بينه وبين الأعمى، ولا يمكن تعداد الأمثلة لأنّها في كلّ أمرٍ وشيء. هكذا الزواج هو نعمة من الله على الإنسان الذكر منه والأنثى دون تفريق. تماماً كما هي الحياة نعمة على الإنسان الذكر منه والأنثى. ولكن بعض الشّاذين قد يصل بشذوذه الفكري للاقتناع بأنّ الحياة شقاء للإنسان فيتخلّص منها فينتحر، وقد يدري أنّ جزاء فعلته خلود في النار ومع هذا لا يأبه فينتحر. عندما منَّ الله على عباده بنعمه للاستمتاع بها حدّد لهم كيفيّة الاستمتاع بأنعمه عليهم وحرّم عليهم التنكّر لهذه النعم أو منعها عن أحد من موقع السلطة والقوّة والقدرة على التعدّي والظلم. فلكلّ فردٍ الحرّيّة في الحصول على نعمة الله يسَّرَ الله له الحصول عليها ليستمتع بها بالوجه المباح له بالقدر الذي يريده أو يستطيع، كَثُرَ ذلك الاستمتاع المباح أو قلّ. وإذا كان التمتّع بنعمة مقتصراً على فعلٍ من ذاته لذاته ولا يتعلّق به حقّ الغير فله الحقّ في التّمتّع أو عدمه بتلك النعمة. مثلاً: التفّاحة نعمة من الله ولأنّ أكلها لا يتعلّق فيه حقّ الغير فله التمتّع بأكلها أو لا. النظر إلى نجوم السماء في الليل أو في قراءة الكتب نعمة مباحة ولكنّ النظر إلى عورة الجار محرّمة. وهكذا الأمثلة لا تنتهي والزواج أحدها وهو موضع بحثنا، وهو نعمة من الله بواقع الحال وبوصف الله له. ولكن هذه النعمة فيها حقّان وواجبان ومسؤولان هما الزوج وزوجه. فإذا تمّ الزواج بين اثنين تحقّقت نعمة الله عليهما. وإذا انقضى عقد زواجهما ذهبت معها نعمة الله لأنّ مهبطها الزواج وليس الرجل وحده ولا المرأة. لحفظ هذه النعمة أمر الله بحفظ الزواج بين عباده، فإن ظلم الرجلُ زوجَه فقد حرمها من نعمة أسبغها الله عليها وبذلك استحقّ عليه عقاباً في الآخرة وأوجد تشريعاً في وضع حدٍّ لظلمه في الدنيا. ولكن في معظم الحالات ظلم الرجل للمرأة يكون متوهّم التحقّق وليس واقعاً لأنّ حدود الظلم في الشرع يندر أن يستطيع الرجل الوصول إليها إلاّ في الشواذ من الناس. والتشريعات الإسلاميّة التي ينظّم الله بها حياة الأزواج تعالج ظلم الرجل المؤمن بسهولة ويندر أن يكون ظلمه سبباً في تطليق المرأة.**

الزوجة الملعونةإنّ الإسلام هو دين الله الحق والنبي محمد r رسول الله إلى البشر أجمعين. والإسلام أكبر نعمة في الحياة لمن يوفِّقه الله إلى الاهتداء إليه والعمل به. ومع هذا نرى المؤمنين قلّة في الحياة والكفار هم أكثرية الجنس البشري. فالمعصية لله الواحد الجبار عامة بين الناس أكثر من طاعته. وإعجاز القرآن الكريم والسنّة النبوية بيَّنا في نواحٍ عديدة لا مجال لحصرها، التحذير العام من مطلق معصية والتحذير الخاص من كل معصية بحدّ ذاتها. وبعد أن أوضحا قواعد اجتماع الرجل والمرأة في الحياة معاً في معاشرة زوجية وبيّنا واجبات كلٍّ تجاه الآخر وحقوق كلٍّ من الآخر، اعتنى الشارع، وهو أدرى بطبيعة الرجل والمرأة، بتكرار التنبيه والتحذير والتبيين للمرأة. ولأنه سبحانه خلق المرأة وفيها عِوَج، جاء الرسول يكرّر عليها التحريم والتخويف من عذاب الله ويذكّرها بواجباتها تكراراً وتكراراً رحمة من الله بها ورأفة وترفّقاً وإمعاناً بالحرص عليها من أن تقع في المعصية، فتستوجب غضب الله وعذاب جهنّم. فبعد أن كرر بيان واجباتها قام بتكرار ذكر الحالات التي تستوجب عليها غضب الله وسخطه ولعنة الملائكة التي هي غضب الله على فعلٍ محرَّم.
إنّ الله سبحانه وتعالى يتخلّى عن المرأة. والعياذ بالله. إذا لم تشكر لزوجها وتعترف بجميل صنعه حتّى لو لم تعصه في أمر. عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله r، قال: “لا ينظر الله تبارك وتعالى إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه”. رواه النسائي والبزار والحاكم وقال صحيح الإسناد. في العلم اليقيني أنّ الإنسان لا يدخل الجنّة بعمله مهما تعبَّد وتقرَّب وحرص على التقيّد بالحكم الشرعي. لأن أي تعبّد لا يمكن أن يؤدّي حقّ الله بالشكر على نعمةٍ واحدةٍ من نعمه التي لا تعدُّ. فالإنسان لا يدخل الجنّة إلاّ بنظرة العطف والرحمة من الله تبارك وتعالى. فإذا أعلن الله سبحانه أنّه لن ينظر إلى من يفعل كذا، معناه أنّ فعل ذلك حرام، وفاعله لا يمكن أن يدخل الجنّة. فإذا كانت الزوجة لا تدخل الجنّة لأنّها لم تشكر لزوجها في حياته معها، ولم تُشعره أنّها مدينة له بفضله وحسنه إليها. وهي بعدم إظهار الامتنان لزوجها تحرم نفسها من أن ينظر إليها الله برحمةٍ منه، فكيف يكون حال المرأة التي تنام وزوجها غاضب أو هو عليها ساخط ولم تسترضه؟ وكيف حال الزوجة تُغضب وتُسخط زوجها؟ وكيف حال الزوجة تُدخل بيتها وتوطيء فرشها من لا يرضاه زوجها؟ وكيف حال الزوجة تُخرج من بيتها شيئاً بغير إذن زوجها؟ وكيف حال الزوجة تَخرج من غير إذن زوجها؟ وكيف حال الزوجة تخرج رغم منع زوجها لها من الخروج؟ وكيف حال الزوجة يسألها الزوج نفسها فتأبى أو تفعل متذمِّرة متنافرة متباعدة؟ وكيف حال المرأة يأمرها زوجها بالاحتشام في لباسها فتخرج كاسية عارية؟ وكيف حال المرأة تخون أمانة الله بنشر سرِّ العشرة والكفر بها؟ وكيف حال الزوجة تكثر اللعن والشكوى؟ بل كيف تستطيع الزوجة أن تقصِّر في تأدية واجبها والقيام بحقِّ زوجها عليها؟ وهذا التقصير الذي هو دون المعصية بكثير، يؤدّي إلى رفض الله سبحانه وتعالى لقبول صلاة وطاعات وعبادة هذه الزوجة المقصِّرة مع زوجها، والرسول r يقول: “والذي نفسي بيده لا تؤدّي المرأة حقِّ ربِّها حتى تؤدّي حقَّ زوجها”. رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه واللفظ له. هذا في المرأة المقصِّرة وليست العاصية، يمحو الله صلاتها وصدقتها. فكيف تدخل امرأة جنّة ربها إذا لم تكتب لها صلاة. إنّ رحمة الله ممتنعة عن أيّ إنسان دون صلاة. فالصلاة عماد الدين وركنه الأساسي ومن لا صلاة له لا دين له. في الشرع من يصرّ على عدم إقامة الصلاة يُقتل لأنها إثبات للكفر. فكيف تستطيع مؤمنة أن تحيا الدنيا وتحيا في الموت وتحيا في البعث وهي تُدرك أنّها لم تكتب لها صلاتها ولا حسنة قدَّمتها في دنياها؟
في تفصيل المعاصي التي تقوم بها الزوجة وتتجاوز بها حدود عدم إظهار الشكر لزوجها. وحدود التقصير في تأدية حقّ زوجها، وهما أمران خطيران لأنّ الأولى تمنع رحمة الله والثانية تمحو صلاتها. في المعاصي التي لا تصل حدَّ الزنى نبيّن حالات خاصة للتذكير وإن كان قد سبق ذكرها.
.

**لعنة السماء والأرض على …!

في خروج المرأة من بيتها دون إذن زوجها حرام كبير وإثم فظيع. عن ابن عبّاس في حديث قصّة المرأة الخثعميّة جاء بآخره عن رسول الله r، قال: “… ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع”. رواه الطبراني. هذا إذا خرجت دون أن تتمكّن من استئذانه لعدم تواجده مثلاً كأن يكون في عمله فتخرج وتعود قبل أن يرجع، دون أن يؤدّي ذلك بالضرورة إلى تقصير بواجباتها اليوميّة من طبخ وتنظيف. وقد يكون في المنزل فتخرج دون استئذانه لطغيانها عليه مثلاً ويسكت حتى لا يصل إلى طلاقها. وقد يكون خروجها لأمرٍ طارئ من مثل حاجتها لزيارة شقيقتها المريضة أو أمّها أو شراء حاجة ما فتعذر نفسها وتخرج بدون استئذان زوجها. ولكن أيّ أمر أو حاجة ليس عذراً للمرأة تخرج به من بيتها دون استئذان زوجها. حكم الله أن المرأة في بيتها لا تخرج مطلقاً لأيّ سببٍ ولو مات أبوها أو ماتت أمّها وهو أقصى أسباب الأمر الطارئ والملحّ إلا بإذن زوجها. فإن فعلت وسارت لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب تنهمر عليها كيفما سارت وأينما سارت أو دخلت أو جلست، ولازمتها اللعنات من ملائكة السماء والرحمة والعذاب حتى تعود إلى منزلها. هذا إن لم تستأذن زوجها في الخروج وإذا لم يكن أعطاها إذناً عاماً بالخروج للأمور العاديّة دون حاجة لإذن خاص في كلّ أمر. فكيف إذا استأذنته ورفض أن يأذن لها بالخروج ولكنّها أصرّت وخرجت؟ عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله r يقول: “إنّ المرأة إذا خرجت من بيتها، وزوجها كاره، لعنها كلّ ملك في السماء وكل شيء مرّت عليه، غير الإنس والجنّ حتى ترجع”. رواه الطبراني في الأوسط، ورواته ثقات الأسويد بن عبد العزيز. لأنّ إذن الخروج من المنزل هو بمثابة إعطاء الثقة للزوجة أو تعبير عنها أي الثقة المطلقة بأنّ الزوجة أهلٌ لأن تتصرّف وحدها كما لو أنّ زوجها معها. أمّا الخروج بدون إذن الزوج فمعناه أنّ الزوجة تريد أن تكون وحدها لتفعل ما يرضيها هي وليس ما يرضي زوجها. لأنها عندما تكون مع زوجها تفعل ما يرضيه أو لا تفعل ما يغضبه وإن خرجت بأمانه وثقته التزمت بقاعدة إرضائه وعدم معصيته أو استغابته أو إضراره في غيبته أو خيانته في ماله وعرضه. ولكن إذا خرجت من دون معرفته أو إذنه أو كرهاً عنه فقد بلغت بها المعصية وبلغ بها الفسوق حدَّ التخلي عن أهمّ قاعدة لسلامة الزواج وديمومته. ولا يستبعد ويكاد يكون من المحتّم أن يؤدّي هذا الانفلات إلى الإضرار بالزوج في معيشته وخيانته في ماله أو عرضه.

إنّ خروج المرأة من منزلها من دون إذن زوجها يعني أنّ المرأة قد وقعت في فخّ الخطيئة، فخّ الشيطان، ومن سقط هذه السقطة السحيقة يمكن أن يفعل كلّ ما يأمره به الشيطان، بل من المؤكَّد في معظم الأحيان أن يفعل كلّ ما يأمره به الشيطان. واستغابة الزوج والإضرار به في ماله وعرضه تصبح من المسلّمات خاصة في هذا الزمن زمن الديمقراطية.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله r قال: “ثلاثة حرّم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديُّوث الذي يقر الخبث في أهله”. رواه أحمد والنسائي والبزار والحاكم وقال: صحيح الإسناد. انتهى. الديوث هو ولي الأمر الذي لا يهمه من يدخل على زوجته أو على من هم في رعايته من بنت أو أخت أو غيرهما. أي الرجل الذي لا يكترث بزنى من هم في رعايته أي من يوافق على فعل الزنى تفعله زوجته أو من هي في رعايته. أو هو الرجل الذي يشك بأن الذي يدخل على أهله إنما يدخل بقصد الزنى فيسكت عن ذلك أو هو الذي يقرّ اختلاء زوجه أو من في رعايته بأحد الغرباء وهو لا يعلم ما يجري بينهم ويشك فيهما بالزنى. ونقول في الدخول على أهله لأن الشرع منع خروج المرأة من بيتها لأي أمر إلا بعد أن يوافق الزوج على خروجها والطبيعي أن الزوج يسمح بالخروج بعد أن يعلم السبب والقصد من الخروج. بهذا الإجراء الشرعي لا يتيسر للمرأة الخروج من المنزل بقصد الزنى لأن كذبها بسبب الخروج سرعان ما ينكشف. فلا يبقى للمرأة التي تريد الزنى خارج المنزل في حال عدم كون زوجا ديُّوثاً إلا تعطيل هذا الإجراء الشرعي حتى يتيسر خروجها ودخولها بيتها دون موافقة زوجها. فأحد مقاصد تحريم خروج المرأة من بيتها إلا بموافقة زوجها هو تعقيد الظروف الواقعية لمن لا يحرم الزنى من اتباع الشيطان اللعين. فتسهيل اتصال المرأة بالأجنبي دون مبرّر أو رقابة هو تسهيل بالنهاية للاختلاء وإيجاد المناخ الملائم لمعصية الزنى بالانتشار. لهذا حرص الشرع الحنيف على بناء جدار بين المرأة والملأ من الناس وهو الخروج من بيتها بالحكم الشرعي الذي يحتّم عليها بتقواها لله عز وجل والخضوع لأحكامه وقوة الحاكم أن لا تخرج إلا بموافقة زوجها وإلا كانت ناشزة عاصية لله العلي العظيم**

**وقد تنبّه إبليس الملعون المرجوم إلى هذه الخصائص في طبيعة المرأة والرجل ورأى أنّ باب الولوج إلى العائلة والمجتمع لإفساده هو في السيطرة على المرأة. فمتى سيطر إب:ليس على المرأة أفسد العائلة وفكّكها وأمكنه هذا الإنهيار أن يوجد الأجواء المؤاتية لبثّ أيّ فكرٍ شيطاني لتفسيخ المجتمع وهدم ما يقوم عليه من أفكار وقيم، ويؤدّي به إلى الانحلال وتحكّم الطاغوت به. فليس تجنّياً أن يركّز الرسول عليه الصلاة والسلام إلى تحذير المرأة والرجل من سيطرة الشيطان على المرأة، وليس رجماً بالغيب أن يقول ما معناه أنّ أكثر النساء في جهنّم بسبب سهولة انجرافهنَّ إلى مكائد إبليس اللعين. وضعف حوّاء واستسلامها إلى إبليس ومشيئته بأكل ثمرة الجنّة التي حرّمها الله عليها وعلى آدم ليمتحنهما كان النجاح الأوّل لإبليس في تجربته الخبيثة. فقد رأى إبليس أنّه لا سبيل للإيقاع بآدم عليه السلام إلا بواسطة حوّاء التي بعد غواية الشيطان لها واستسلامها، بذلت جهدها لإقناع آدم بقطف الثمرة المحرّمة، وقد عارض آدم وتردّد ولكنّها بعد أن تبنّت قضيّة إبليس حاورته وبقيت عليه مصرّة تعطيه الحجّة الشيطانيّة تلو الأخرى حتّى استسلم ووقع وأوقع نسله بالندامة. وقد قال “الخمر جماع الإثم، والنساء حبائل الشيطان”، أي مكائد الشيطان وقال: “إتّقوا النساء فإنّ أول فتنة بني إسرائيل كان من النساء” وقال عليه الصلاة والسلام:“إنّ المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان”.

: “إنّ أقلّ ساكني الجنّة النساء”، لذلك وحتّى يدرأ الله خطر النساء ويخفف تأثيرهنَّ على مسيرة حياة الأمّة بسبب سهولة خضوعهنّ للشيطان أمرت أحكامُهُ بفصل مجتمع النساء عن الرجال، وبحجابهنَّ، حتّى يصعب على الشيطان استشرافهنّ ونفخ طلباته فيهنَّ بإثارة رغباتهنَّ أو تحريكها. ومنع المخالطة ومشاركتهنَّ في الحياة العامة وقال عليه الصلاة والسلام: “أخّروا النساء حيث أخّرهنَّ الله”. ومعناه لا تقدّموهنَّ ذكراًَ وحكماّ ومرتبة.وقال: “المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان” ومعناه نظر الشيطان إليها ليغويها ويغوي بها. ولهذا قال

كلّ هذا ليس ذمّاً للمرأة ولا تقليصاً لدورها في الحياة ومن باب أولى ليس إجحافاً بحقّ لها أو استعباداً، بل تشريعاً يوافق طبيعتها حقّ التوافق وإنصافاً يعطيها حجمها ودورها الطبيعي في الحياة، ورحمة من الله بها بأن لا يحمّلها ما يثقل عليها بما يخالف قدراتها العقليّة والجسديّة.

أمر الرجل بالقيام بأمور الحياة عنها ترفيهاً لها وتوفيراً لطاقتها كي تصرف في أداء رسالتها ببقاء عمليّة تناسل الجنس البشري تسير بيسر وسهولة، وخدمة زوجها بما يلزمه في بيته. وكلا الدورين جعله الله مقابل قيام الرجل بخدمتها في أمور الحياة وحمايتها. ولا مجال للمقارنة والمفاضلة بين دورها ودوره فقد أحكم الله الخالق توزيع المسؤوليّة بحسب طبيعة الذكر والأنثى وموقع كلّ منهما في المجتمع ودوره في محاربة عدوّ الله إبليس. ذلك أنّ الحياة على الأرض هي امتحان لكلّ فرد أن يتمسّك بهداية الله وذلك بطاعته في أوامره واجتناب محرّماته أو بالانزلاق والسير برغبات إبليس. وأكبر إنجاز لإبليس وللملايين من زبانيته على الإطلاق هو تفتيت أواصر العائلة التي أحكم الله بنيانها بحسب التشريع الإسلامي. فالإسلام قد جعل العائلة بالأحكام التي نظّم بها الزواج وحياته قلعة حصينة يستحيل لإبليس أن ينفذ منها إلى أيّة عائلة مسلمة تقيم أحكام الله في أمورها. ولهذا فالعائلة هي أكبر تحدٍّ لإبليس في الحياة وهدمها أكبر إنجاز له. وقد ثبت أنّ إبليس لا يقرب أحداً من زبانيته ولا يدخل عرشه، أي مجلسه، إلاّ من نجح بهدم عائلة. فشيطان الخمر وشيطان الزنى وشيطان السرقة وشيطان الدسّ وشيطان الربا وشيطان القمار وشيطان القتل وشيطان الخيانة ومئات غيرهم يبعدهم إبليس وينفر منهم ويصرخ وينادي أين شيطان الطلاق إئتوني به فإنّه حبيبي والمفضّل عندي من المفسدين كلّهم، أي من جميع الشياطين.

قال:عن جابر، عن النبي “إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً ثم يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا حتّى فرّقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت فيلتزمه”. فتماسك العائلة والحفاظ على الرباط الزوجي أعظم فشل لإبليس الذي يفعل كلّ ما يستطيع فعله لضربها وتفكيكها، ويعتبر نجاحه في ذلك أعظم انتصار له في الحياة على الأرض. لهذا أحكم الله تعالى تفصيلات العلاقة بين المرء وزوجه، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وبيَّن فيها حكمه إلى يوم الدين. وبعد تفصيل أحكام العلاقة أجزل في الثواب للرجل على صبره بتقصير الزوجة في حقّه أو على ما لا يرضيه فيها أو في أخلاقها وسلوكها، ورغّب المرأة بالجنّة إذا أحسنت أداء حقِّ زوجها وهدّدها بالعذاب إذا أهملت حقّه عليها. فالثواب الكبير جدّاً الذي وعد الله به الرجل الذي يصبر على سوء خلق زوجه أو مرضها أو تقصيرها في حقّه هو الدرع القوي الذي يردعه عن استعماله رخصته في الطلاق الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: “ما أحلّ الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق” فلا يصل المؤمن إلى طلاق زوجه إلاّ في حال نشوزها أي معصيتها المتعمّدة المتكرّرة وإصرارها على عدم طاعته. أو إتيانها بفاحشة مبيّنة أي تطاولها باللسان على زوجها باستعمال بذيء الكلام أو بعلوّ صوتها على صوته ممّا يؤدّي إلى صعوبة التعايش معها لسوء خلقها فيسود القلق الدائم حياة الزوجيّة بدل السكينة والوداعة والطمأنينة.**

**ألحقيقة الثانية أن المرأة المتزوّجة إذا دخلت الجنّة فإنّها تلتحق بزوجها وليس لها الخيرة في استبداله. أمّا إذا كانت متزوّجة بأكثر من رجل فلها أن تختار أفضلهم معاملةً لها في الدنيا. فقد روى الطبراني عن سيّدتنا أمّ المؤمنين أمُّ سَلَمَة زوجُ النبي صلى الله عليه وسلّم ما يلي: قالت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عزَّ وجلّ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [70 الرحمن] قال: “خيِّراتُ الأخلاقِ حسانُ الوجوه”، قالت: فأخبرني عن معنى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [48 و49 الصافّات] قال: “رقَّتُهُنَّ كرقَّةِ الجلدِ الذي في داخل البيضةِ ممّا يلي القشرَ”، قالت: يا رسولَ الله.. أنِساءُ الدنيا أفضلُ أم الحورُ العينُ؟ قال: “نساءُ الدنيا أفضلُ من الحورِ العينِ كفضلِ الظَّهارَةِ على البِطانَةِ”، قالت: يا رسول الله: وبمَ هذا؟ قال: “بصلاتِهِنَّ وصيامِهِنَّ وعبادتِهنَّ الله عزَّ وجلَّ، ألبسَ الله سبحانه وتعالى وجوهَهُنَّ النورَ، وأجسادَهُنَّ الحرير، بيضُ الألوانِ، خُضْرُ الثيابِ، صُفرُ الحُليِّ، مجاحِرُهُنَّ الدُّرُّ، وأمشاطهُنَّ الذَّهَبُ، وهنَّ يرفَعنَ بأصواتٍ لم تسمع الخلائقُ بِمثلِها، يقلن: … ألا ونحنُ الخالداتُ فلا نموتُ، ألا ونحنُ الناعماتُ فلا نبأسُ أبداً، ألا ونحن المقيماتُ فلا نَظعَنُ أبداً، ألا ونحنُ الراضياتُ فلا نسخطُ أبداً، طوبى لمن كنّا له وكان لنا”. قالت المرأة منّا قد تتزوّج أكثر من زوج واحدٍ في الدنيا؟ قال: “يا أمَّ سَلَمَة، إنّها تُخيَّرُ فتختارُ أحسَنَهُم خُلُقاً، فتقولُ: أي ربّي إنّ هذا كان أحسَنَهُم معي خُلُقاً في دارِ الدنيا فزوِّجنيهِ. يا أمَّ سَلَمَة، لقد ذَهَبَ حُسنُ الخُلُقِ بخيرِ الدنيا والآخرة”.

مفهوم سؤال أمِّ المؤمنين أمُّ سَلَمة عليها السلام عن مصير التي تزوّجت بأكثر من رجلٍ في الدنيا وجواب الرسول صلى الله عليه وسلّم يدلُّ أنّ التي لا تتزوّج غير رجلٍ واحدٍ في الدنيا وتتوفّى وهو عنها راضٍ يبعثها الله من أهل الجنّة أيضاً زوجة له. فكما على الأرض تحتاج المرأة إلى قيِّم عليها كذلك في الجنّة الرجال قوَّامون على النساء. وهذا دليلٌ آخر يضاف إلى الأدلّة السابقة التي وردت في هذا البحث أنّ الزوجة الصالحة في الدنيا هي الزوجة في الجنّة إلى جانب زوجات الرجل الكثيرات من الحور والعين. وهو يدلُّ أيضاً أنّ شعور الغيرة والحسد والضغينة منزوع من قلوب أهل الجنّة نساءً ورجالاً، لأنّه إن كان غناءهنَّ في استقبال أزواجهنَّ فيه “ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً” فهذا يعني نزع الغلِّ كلّيّة من صدور أهل الجنّة. الغلُّ من العواطف التي ابتلى الله بها عباده أهل الأرض ليمتحنهم بها وليس في الجنّة ابتلاء فلا حاجة له. مصداق ذلك قول الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [43 الأعراف].فجميع أهل الجنّة يعيشون إخواناً دون تنافر أو تنابذ أو تنافس أو تكابر وهم جميعهم متحابّون متوادّون الواحد أرحم بالآخر من تراحم الأب وابنه وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [47 الحجر]. ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [96 مريم].

الزوجة في الجنّة تصدح بصوتها فتقول: “أنا الناعمة فلا أبأس أبداً” أي الرقيقة التي لا تؤذي فلا تُرَدُّ لها الأذيّة وعلى ذلك فهي لا تحزن فيسبّب حزنها كآبة للآخرين أي لزوجها ولمن يراها من نساء زوجها. فهي تعاهد أن لا تكون مصدراً لأيّ إزعاج لأيّ كائن وخاصة لزوجها لأنّها تقول هذا كلّما استقبلت زوجها وكلّما عاد إليها في الجنّة.

والناعمة تأتي بمعنى المتنعِّمة، أي أنّني كثيرة النعم، أو أُسبغَ عليَّ الكثير من النعم فتنادي بافتخار أنّها الناعمة أي المحظيّة. ولما كان هذا الجهر بالتفاخر حين وصول زوجها إلى قصرها فإنّ ذلك يدلّ على أنّ تفاخرها بعظيم النِعَمِ عليها أنّ أساس تلك النعم كلّها هو زوجها وليس أيّ شيء آخر. والدليلُ أنّ زوجها هو عُصبةُ النعم كلّها عليها في الجنّة عهدها اللاحق بقولها: (أنا الناعمة) فلا أبأس أبداً. أي لا أشقى أبداً وأنت تعود إليَّ ولأنّي لا أشقى فإنّي أعدك بإسعادك كلّما رجعتَ إليَّ. (أنا الناعمة فلا أبأس أبداً). مفهوم واضح أنني أنا الراضية القانعة بقسمة ربّي ولا أطمع بأكثر فيكون طمعي سبباً في تعكير جوِّ حياتي واضطراب علاقتي بمن حولي. فهي تُطمئن زوجها حين يصل عائداً إليها وهي تعلم أنّه كان عند غيرها، أنّها لا تكنُّ غيرةً ولا ضغينةً لفراقه لها وتدعوه للدخول إليها باطمئنان واستبشار فهي تُطمئنه عن حالها ليدخل عليها دون التوهُّم من اللحظة الأولى أو التخوُّف من ردَّة فعلها. والله أعلم**

**ـ العائلة… قلعة الإسلام حصّنها الله ورسوله من الشيطان

ـ المعاشرة

1ـ تحريم إفشاء السرّ بين الزوجين والكُفر بالعشير

2ـ الغيبة

ـ الرعاية

العائلة… قلعة الإسلام حصَّنها الله ورسوله من الشيطان

إن التخلّف الذي يعيشه المسلمون واقع ملموس في جميع نواحي الحياة. والتخلّف أو الانحطاط عندما يعمّ الجميع يكون سببه الأساسي واحداً، ومن المحتّم أن يكون سببه واحداً لأنّ السلوك الإنساني كله وتجاه أيّ شيء ينطلق من قاعدة واحدة هي العقل، الذي بعقيدته الرئيسية للأفكار وقناعاته يوجّه سلوك الإنسان تجاه الموجودات والأحداث. فانحطاط الإنسان أو ارتقاؤه يرتبط مباشرة بحال عقيدته الرئيسيّة لأفكاره التي تحدّد له مساره في الحياة لأنها في ذاتها تحدّد له مهمّته التي عليه إنجازها خلال مدة بقائه حيّاً على هذه الأرض، بغضّ النظر عن مدة حياته وعن إمكانياته المادية أو الفكرية. ولا بد أن يكون لكل أمة ولكل مجتمع ولكل عائلة ولكل فرد ذكراً أو أنثى مثل هذه القاعدة الرئيسية للأفكار حتى لو كانت مزيجاً تاقهاً أو متناقضاً مما استطاع أن يجمعه من أفكار يشكّل به قاعدة يقتنع بها.

وبحسب صلاح وتماسك هذه القاعدة الرئيسية للأفكار وبحسب الالتصاق والتقيّد بما توجبه يكون مستوى الرقي الإنساني فردياً، عائلياً، مجتمعاً أو أمة.

أما الدليل القاطع لصلاح هذه القاعدة الفكرية فهو توافقها مع طبيعة الإنسان وفطرته. وطبيعة الإنسان ليست مجموعة غرائز وحسب بل جوعات وغرائز وعقل وميول، فأيّ قاعدة فكرية تغفل جزءاً من طبيعته يؤدّي السلوك بحسبها إلى التعاسة والشقاء. وبذلك لا تكون صالحة لأن أمنية الإنسان في الحياة هي السعادة نقيض التعاسة والشقاء. والإنسان بطبيعتة وفطرته أي بجوعاته وغرائزه وعقله ضعيف جداً وعاجز كلياً أن يقرّر ما هو الصالح وما هو شر له، لذلك منذ بدء وجوده استعان بالله تعالى ليساعده في تبيان الخير والشر له، وكان الله يمدّه دائماً بسبل الهداية.

لكن إبليس كان يقعد للإنسان في كلّ مكان وناحية ويوسوس له في كلّ أمرٍ ليضلّه عن الرأي السديد الذي هداه الله إليه، وبذلك انقسم الجنس البشري إلى من يتمسك بهداية الله له وإلى من يستجيب لتضليل إبليس. فمن اهتدى سُمّي مؤمناً ومن لم يهتدِ سُمّي بما رضي أن يفعله ليرضي إبليس به وليس نفسه، لأن النفس تشقى وتتألم وتتعذّب من السير بأفعال إبليس، فكان من تسمياته بحسب فعاله مشركاً أو كافراً أو فاسقاً أو منافقاً أو ظالماً أو عاقاً أو خائناً وهكذا. وحياة المؤمن كانت حياةً سعيدة هانئة لأنه تستحيل الحياة السعيدة والهنيئة مع إبليس كما يستحيل الشقاء بالإيمان، ومصير المؤمن إلى جنّة لا يمكن لعقل أو لسان وصفها لكثرة النعم فيهاِ، ويستحيل أن لا يكون مصيره إلى الجنة إذا رحمه ربه لأن الله كتب على نفسه الرحمة للمؤمنين وغفران ذنوبهم التي لا تخرجهم عن الإيمان مهما كانت كثيرة، صغيرة أو كبيرة. تماماً بعكس مصير رفيق إبليس أو تابعه الطاغوت؛ الذي رضي التصرّف بغير حكم الله، الذي يستحيل أن يكون بإذن الله إلاّ في جهنّم لأن الله كتب على نفسه أن يملأها بمن رضي بالطاغوت حكماً وإبليس سيداً. وجهنم أيضاً يعجز العقل واللسان عن وصف شدة العذاب فيها.

الفرد في العائلة تختلف نوعيّة واجباته عمّا في الجهاد أو في العمل، فحياة وكيان العائلة جزء من عالم الحياة. والتنظيم الذي أتى به القرآن الكريم والسنّة الشريفة، تنظيم للحياة التي جزء كبير منها العائلة.

فالله خلق آدم أوّلاً وجعل له في صدره ثمانية عشر ضلعاً في جهة اليمين وأخر في جهة اليسار من صدره، فلّما أراد أن يخلق حوّاء أخذ الضلع الأعلى من الجهة اليسرى في صدر آدم عليه السلام وهو أكثر الأضلع الثمانية عشر اعوجاجاً، وخلق منه أمّنا حوّاء. ولهذا بقي في الجهة اليسرى من كلّ رجل يولد سبعة عشر ضلعاًَ.

… وللبحث بقية

.**

الإهداء
بعد، سيّدات أهل الجنة اللاتي سمّاهنَّ الرسول ïپ²:

  • سيِّدتنا آسيا بنت مزاحم، إمرأة فرعون، ملك الأرض في زمنه، التي تابت إلى ربّها توبى لا تصل إلى درجتها إمرأة إلى يوم القيامة.

  • سيِّدتنا مريم المتعبِّدة التي نذرت نفسها للعيش في المحراب موضع العبادة لله، معجزة الله الفريدة منذ خلق حوَّاء إلى قيام الساعة، أمّ نبيّ الله ورسوله وعبده المطيع عيسى عليه السلام.

  • سيدِّتنا خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، أمّ المؤمنين، وأولى المؤمنين بنبوَّة الرسول ïپ² أمّ سيدِّتنا فاطمة.

  • سيِّدتنا فاطمة بنت رسول الله ïپ² سيّد الأنبياء والرسل والبشر أجمعين، أرقى نساء أهل الأرض نَسَبَاً وأجلّهم حَسَباً.

  • سيِّدتنا عائشة بنت أبي بكر، أمّ المؤمنين رضي الله عنها، أحبّ أزواج الرسول ïپ² إلى قلبه الطاهر المطهّر وينبوع سروره.
    أجل، بعد هذه السيّدات الطاهرات المطهّرات، سيّدات نساء أهل الجنّة قاطبةً اللاتي يقفن وحدهنَّ أمة من دون باقي البشر، يستطيع المرء أن يتذكّر ويدعو بالرضوان والمغفرة إلى المرأة التي أثّرت فيه فكريّاً أو عاطفيّاً.

ثلاث فاطمات في الدنيا أثّرنَ فيَّ تأثيراً جامعاً لا يمكن لأحد آخر أن يشاركهنَّ فيه بشيء ولو يسير:

فاطمة ابنة الخليفة عبد الملك. شقيقة الخلفاء الأربعة. الوليد وسليمان ويزيد وهشام. وزوجة الخليفة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، محطّ كل الإعجاب والتقدير التي يمكن للنفس البشريّة أن تتجيّش به من كتب التاريخ، أعرق نساء زمنها حسباً، تلبَّسَها المجد والسؤدد تلبس السوار بالمعصم، أحاط بها الفخر والملك كما يحيط الرداء بجسد المرأة المؤمنة، فضفاضاً، أنار لها الجاه والعزّ كلّ طريق وأغناها الغنى عن كل ذهب وجوهر.
هذه السيدة التي استبدلت كلّ نعم الله عليها بنعمة طاعتها لزوجها المؤمن الذي استخلفه الله في عباده فانشغل عنها بعبادة الأمر بحكم الله بين الناس.
هذه المرأة، التي جعلها الله آيةً من آياته بين الناس، ونبراساً تراه الأمم من النساء فلا يكون المجد بعدها لأي إمرأة سبباً في التكبّر على الرجل، ولا يكون النفوذ مهما اتسع بعد نفوذها سبباً في التقصير بإرضاء زوجها، ولا يكون الجمال بعد جمالها سبباً في الغرور والتعالي عن فرض الخضوع والتواضع للزوج.
هذه المؤمنة التي نبذت كلّ أمجاد الدنيا وكنوزها لتتفرّغ إلى تأدية حقّ زوجها ليتقبّل الله منها عبادتها، حباها الله بِمجدٍ وجمالٍ ودينٍ ما لم يعطه لإمرأة أخرى قد يكون في التاريخ كلّه ليمتحن إيمانها، ولتكون منارةً بين نساء الأرض يضيء نور هدايتها ظلمات الشيطان بالنفوس.
لروح هذه السيّدة، فاطمة زوج الخليفة عمر بن عبد العزيز، أتضرّع إلى الله داعياً لها بالمغفرة والرضوان أن ينزل على روحها في قبرها السكينة والطمأنينة.

وفاطمة أميّ. أحببتها حبّاً موصوفاً، كنت أبكي عندما أذكرها وهي حيّة بعيدة، وما زلت أبكي عندما أذكرها وهميّة في قبرها منذ ثلاثة عشر عاماً. أبكي تفانيها في حبّ والدي وتأمين الراحة له وخدمته في أيّام مرضه وتربيتنا لطاعته وعبادة الله.
أبكي صبرها على بلاء الله الذي لم يكن عائقاً للسعي في ترفيه زوجها والقيام بواجبه. أبكي سعيها الدؤوب دون ملل أو كلل بتحمّل مسؤوليّاتها الزوجيّة وواجبات الأمومة بحسن الخلق والحمد الدائم للباري تعالى على فضله عليها بالزوج والبنين.
أمي، كانت زوجة يفزع الشيطان من حضورها لرسوخ إيمانها وخيفتها من ذات المعصية قبل أن يصل تفكيرها إلى الربط بين المعصية وعقاب الله عليها.
لنفسها الزكيّة أستمطر رحمة ربّي وأسجد داعياً بنفس عابدة خاشعة أن يحقّق فينا وعده باجتماع الصالحين نسباً وذرّيّة في الآخرة.
إلى ذكراها التي كانت حافزاً لهذا الموضوع أقول لأمي: هنيئاً لك بما أسلفت ولترضَ روحك فالشيطان قد خزاه الله في ذرّيتك كما خزاه في دارتك.
وفاطمة، زوجتي!!عربون حبٍّ وأمل لابنتيَّ عبير وعلا وأخواتي وبنات إخوتي أن يهتدينَ ويكنَّ من القانتات الحافظات للغيب العابدات لله الصالحات، إليهنَّ وإلى كلّ إمرأة تطمح برحمة ربّها وجنّة عرضها السموات والأرض أهدي: العائلة… قلعة حصنها الله ورسوله.

يوسف بعدراني - بيروت
.

برُّ الزوجة بزوجها
عن محمد بن الحسين السلمي( ) قال: قال أبو محمد الحريري: كنت عند بدر المغازلي( ) وكانت امرأته باعت داراً بثلاثين ديناراً فقال لها بدر: نفرق هذه الدنانير في إخواننا، ونأكل رزق يومٍ بيوم، فأجابته إلى ذلك، وقالت: تزهدُ أنت ونرغبُ نحن هذا ما لا يكون.

وصيَّة تقيّ لابنته يومَ زواجها

قال القرشي( ) وحدّثني( ) محمد بن الحسين( ) قال: حدَّثنا عبد الله بن بكر السهمي( ) قال: حدّثني بشر أبو نصر أنّ أسماء بن خارجة( ) زوَّج ابنته فلّما أراد أن يهديها إلى زوجها أتاها فقال: يا بنيَّة إنّ النساء أحقُّ بأدبك منّي ولا بدَّ من تأديبك كوني لزوجك أمَةً( )، يكن لك عبداً ولا تدني منه فيملك ولا تباعدي منه فتثقلي عليه ويُثقل عليك وكوني كما قلت لأمُّك:
خذي العفو منّي تستديمي مودَّتي ولا تنطقي في ثورتي حين أغضب
فإنّي رأيتُ الحبَّ في القلب والأذى إذا اجتمعا لم يلبثِ الحبُّ يذهب

فصيح العرب يوصي ابنته

قال عبد الله بن محمد القرشي ابن أبي الدنيا: وحدّثني إبراهيم بن سعيد قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال حدَّثنا غسَّان قال حدَّثنا سعيد بن يزيد أن أبا الأسود الدُّؤلي( ) زوَّج ابنةً له فأتته فقالت: يا أبتي إنّي لم أكن أحبُّ أن أفارقكَ. فأمّا إذا زوَّجتني فأوصني قال: إنّك لن تنالي ما عندهُ إلا باللطفِ، واعلمي أنّ أطيب الطيب الماء.

وصيَّة حكيمٍ من العرب لبناته الأربع

عن أبي عبيدة قال: زوَّج رجلٌ من العرب أربع بناتٍ له فزار أوَلهنَّ فقال: كيف ترينَ بعلَكِ يا بنيَّة؟ فقالت السهل بأرض محل إن سألتُ أعطى، وإن سكت ابتدأ من غير منِّ وأذى فقال: أي بنيَّة رزقته بجدِّك لا بكدِّك. ثم زار الثانية فقال: أيُّ بعلٍ بعلك؟ فقالت: جبَّار عنيد من الخيرات بعيد لا توقَدُ لهُ نار( ) ولا يأمنُ لهُ جار فقال: أي بنيّة صُبَّت عليك بليَّة فليكن الصبر منك سجيَّة، حتَّى تأتيك المنيَّة. ثم زار الثالثة فقال: كيف زوجِك؟ فقالت: ذو خلقٍ نزق وشرٍّ علق يجود لي في الغنى ويحرمني إذا افتقر فقال: أي بنيَّة تذمّين وتحمدين وكذا الدهر يكون، حين وحين ويحمل الغَثَّ والسمين. ثمَّ زار الرابعة فقال: أيّ بعلٍ بعلِك؟ ذو خلقٍ جميل ورأي أصيل مقبل على أهله متكرِّم في رِحله فقال: أي بنيَّة رزقته ماجداً فامنحيه ودَّكِ والطفِيه جهدكِ.

حكمة مؤمنة

قال الأصمعي( ): دخلتُ البادية فإذا امرأة حسناء لها رجلٌ قبيح فقلتُ لها: كيف رضيتِ لنفسكِ أن تكون تحت مثله؟ فقالت: لعلَّهُ أحسن فيما بينه وبين خالقِهِ فجعلني ثوابَهُ ولعلِّي أسأتُ فجعلهُ عقابي.

**الزواج أحد المهام التي أوكلها الله إلى عباده من ذكور وإناث. وككل مهمة تصادف الإنسان في الحياة يَلزمه التوقّف عندها لدراسة أمر مواجهتها أو حمل أعبائها بما يكفل نجاحه. غير أن المسلم يتوقّف عند كلِّ مهمة وأمر في الحياة ليعرف الطريقة التي أمر الله بها بمعالجة ذلك الأمر. فالمسلم لا يبتدع تنظيماً أو حكماً بل يبحث عن التنظيم والحكم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويعمل بموجبه. فالعلم بحكم الله في الأمر الذي يواجه المسلم شرط الإيمان، تماماً كوجوب العمل بحكم الله شرط الإيمان ويقول الله تعالى في بيان ذلك: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ المجادلة 11. لأن الإيمان يشترط العمل بالحكم والعمل يشترط العلم بالحكم. فلا إيمان في الإسلام بمعرفة أحكام الإسلام وترك العمل بها. فالتعاشر بالمعروف بين الأزواج حقّ من الله للرجل على زوجته وحق من الله مكرر التأكيد عليه للمرأة على زوجها. وكما أن هذا حق لكل منهما من الآخر يكون واجباً على كلّ منهما تجاه الآخر. فعلى الزوج أن يبادر إلى رفع مستوى المعاشرة مع زوجه إلى درجة “المعروف” دون اهتمام أو اعتبار للمستوى الذي تتعاشر به الزوجة معه، فالواجب عليه أولاً ولا يسقطه عنه عدم مبادلة زوجه له بمعاشرته بمعروف، فذلك حقّ له واجب على الزوجة. فقيامه بواجب يسقط الإثم عنه، وصبره على عدم حصوله على حقّه بالمعروف من زوجته له فيه أجر الصبر. وهذا عينه ينطبق على الزوجة التي عليها أن تبادر إلى رفع مستوى تعاشرها مع زوجها إلى درجة “المعروف” حتّى يسقط الفرض عنها. ومسألة حقها لا تسقط بقيامها بواجبها وهي إن لم تحصل على حقها من زوجها وصبرت فلها أجر الصبر كما وعدها الله به. هذا التعاشر الذي أمر به الإسلام يحتم على الأزواج التسابق على التعامل بواجب المعروف ويجعل الحياة الزوجية مباراة دائمة بين من يزيد في صنع المعروف مع الآخر ليتباهى يوم الحشر بكثير معروفه. وهكذا يكون الزواج في الإسلام طريقة في العيش متميّزة عن أي طريقة أخرى في أيّ أمّة وشعب أو ملّة. وبهذا يتحقّق شرط الإسلام في أن تكون حياة الزواج جزءاً من حياة المؤمن في الدنيا يعيشها بأرقى مستوى وسعادة يتفوق بها على سائر البشر.

تصرّف المؤمنِ وسلوكُهُ في الحياة طريقة ثابتة ليس فيها تردّد أو اهتزاز لأنّ جميع تصرّفاته يجب أن تكون مرتبطة بالحكم الشرعي لا برأيه ولا بتقلّباته النفسيّة، وغير متأثّرة بالتأثيرات الخارجيّة الاستفزازيّة التي يمكن أن تخرجه عن طوره وبالتالي من الإيمان أي الالتزام بالحكم الشرعي. فالمؤمن لا يتصرّف بما يمليه الواقع بل بما يمليه الشرع حيال الواقع. الإيمان طريقة عيش للحياة وليس ارتباط ظرفي بفكر أو هدف أو غاية، جميع أمور الحياة ومشاكلها وظروفها يواجهها المؤمن بعقيدة الإيمان الراسخة في نفسه وما تفرضه من التزام بالحكم الشرعي طالما فيه رمق حيّ. وفي ذلك ينبّهنا الرسول r فيقول: “لا تكونوا إمَّعة إن أحسن الناس أحسنتم وإن أساؤوا أسأتم، بل وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أحسنتم وإن أساؤوا تجنّبتم الإساءة إليهم”.

ولا ينسى المؤمن ولا تنسى المؤمنة أنّ الصبر على ما يكرهه المرء فيه أجر من الله وهو غسل للذنوب. وفي ذلك أحاديث كثيرة عن النبي r. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: “ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتّى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة”. فالرجل يكره من زوجه ويصبر عليها والزوجة تكره من زوجها وتصبر عليه فهو غسلٌ لذنوبهما إن شاء الله. وقد أدرك علماء الأمّة وأخيارها وصلحاؤها حقيقة ذلك فعاشوه. ذكر ابن العربي قال: أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهديّة، عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبد الرحمن حيث قال: كان الشيخ أبو محمّد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة. وكانت له زوجة سيّئة العشرة وكانت تقصّر في حقوقه وتؤذيه بلسانها فيقال له في أمرها ويُعذَل بالصبر عليها، فكان يقول: أنا رجلٌ قد أكمل الله عليَّ النعمةَ في صحّة بدني ومعرفتي وما مَلَكَت يميني، فلعلّها بُعثَت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشدُّ منها.

أساس المعاشرة الزوجيّة هو قبول النفس من ذكر وأنثى تأديه دورها في الحياة بما هيّأه الله فيها من خاصيّات وقدرات برضى. فأيّ تمرّد على الطبيعة في النفس أو تململ من واجب قد يبرّر بدء الانحراف عن مسار المفاهمة الكاملة للعشرة الهنيئة. والمعاشرة لا يمكن أن تنجح من الرجل وحده ولا من المرأة وحدها. كما أنّ المعاشرة وهي في الزواج تعني مخالطة الجسد للجسد والأحاسيس بالأحاسيس وممازجة الفكر للفكر ومزاملة الروح للروح، لا بدّ لها من تنظيم وتبيان لواجبات الرجل وحقوقه وواجبات الزوجة وحقوقها. ومن إمعان النظر في الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة الواردة في هذا البحث ندرك أنّ الله لم يغادر كبيرة ولا صغيرة في تنظيم حياة العائلة التي يوجدها الزواج. وهي كخلقه سبحانه وتعالى للكون لم يغادر كبيرة ولا صغيرة إلاّ وأنعم بكمال إتمامها**

**استغناء امرأة بالإسلام

عن ابن سيرين أنّ أبا بكر رضي الله عنه أتى بمال فقسمه بين الناس فبعث منه إلى امرأة من المهاجرات فلما أتت به قالت: ما هذا؟ قالوا: أبو بكرٍ جاءه فقسمه في الناس فقسم منه في نظرائك فقالت: أتخافونني أن أدع الإسلام؟ قالوا: لا فقالت: أَفَتَرشونَني على ديني؟ قالوا: لا قالت: لا حاجة لي فيه.

الزوج أمير

عن عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني عن أبيه قال: قالت ابنة سعيد بن المسيب ما كنّا نكلِّم أزواجنا إلاّ كما تكلِّمون أمراءَكُم.

وعنه أيضاً قال: قالت امرأةُ سعيد بن المسيب: ما كنّا نكلِّم أزواجنا إلاّ كما تكلِّمون أمراءكم: أصلحك الله عافاك الله.

بهيَّة بنت أوس بن حارثة الطائي عاقلة من العرب

قال الحارث بن عوف لخارجه بن سنان أتراني أخطب إلى أحد فيردّني؟ فقال لغلامه إرحل بنا فركبا حتّى انتهيا إلى أوس، فلمّا رأى الحارث بن عوفٍ قال مرحباً بكَ يا حارث ما جاء بكَ قال: جئتك خاطباً قال: لست هناك فانصرف ولم يكلِّمهُ ودخل أوس على امرأته مغضباً وكانت من بني عبس فقالت: من رجلٌ وقف عليك فلم يطل؟ قال: ذاك سيّد العرب الحارث بن عوف قالت: فمالك لم تستنفر له قال: إنه استحمقَ جاءني خاطباً قالت: فإذا لم تزوِّج سيد العرب فمَنْ؟ قال: قد كان ذلك قالت: فتدارك ما كان منك قال: بماذا؟ قالت: أن تلحقه فتردَّه وتقول: إنّك لقيتني وأنا مغضب. فلحقه فقال لهُ ذلك فرجع مسروراً فقال أوْس لزوجته ادعي أكبر بناتي فأتته فقال: يا بنيَّة هذا الحارث بن عوف سيّد من سادات العرب قد جاءني خاطباً وأردت أن أزوِّجَكِ منه قالت: لا تفعل فإني لستُ بابنة عمّه فيرعى حقّي، وليس بجارك فيستحي منكَ، ولا آمن أن يرى منّي ما يكره فيطلِّقني، فدعا الوسطى فأجابت بمثل ذلك فدعا الصغيرة فأخبرها فقالت: لكنّي والله الجميلة الوجه الصنَّاع يداً فإن طلَّقني فلا أخلفَ الله عليه بخير فخرج إليه فقال: قد زوَّجتكَ بهيَّة بنت أوس، فأمر أمّها أن تهيِّئها ثمَّ أمر ببيت فضرب لهُ، قال خارجه: فخرج إلينا فقلنا لهُ: أفرغتَ من شأنك قال: لا والله، قال: كيف؟ قال: لمّا مددتُ يدي لها قالت: مه أعندَ أهلي وإخوتي هذا والله ما لا يكون. فارتحلنَ فسرنَ ما شاء الله ثمَّ عدل بها الطريق ثمَّ لحقناه فقلتُ: أفرغت؟ قال: لا والله، قلتُ: ولمَ، قال: قالت أوَ كما يُفعل بالأمَةِ والسبيَّةِ لا والله حتَّى تُنحَرَ الجزور وتُذبَحَ الغنم وتدعو العرب وتعمل ما تعمل بمثلي، قلتُ: إنّي والله لأرى همَّةً وعقلاً، فرحنا حتَّى جئنا بلادنا فأحضر الإبل والغنم ثمَّ دخل عليها ثمَّ خرج فقلتُ، أفرغت قال: لا قلتُ: ولمَ؟ قال: دخلتُ عليها فقلتُ قد أحضرنا من المال ما تريدين فقالت: والله قد ذكرتَ لي من الشرف ما لا أراه فيكَ، قلتُ كيف؟ قالت: أتفرغ لنكاح النساء والعرب تقتلُ بعضَها بعضاً (وذلك في أيام حرب عبس وذبيان) قلتُ ماذا، قالت: أخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم ثمّ ارجع إلى أهلك فلن يفوتكَ، قلتُ: والله إنّي لأرى همَّة وعقلاً. فخرجنا حتَّى أصلحنا بينهم وحملنا عنهم الديَّات وكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين فانصرفنا بأجمل الذكر.

برُّ الله بالمؤمن

أخبرنا محمد بن ناصر قال: أبو علي بن المهدي قال: أخبرني والدي قال: سمعتُ ميمونة بنت شاقون الواعظة تقول: هذا قميص له اليوم سبع وأربعون سنة، ألبسه وما تخرَّق غزلته لي أمي، وصبغته بماء السنابك (أوّل المطر). والثوب إذا لم يُعصَ الله فيه لا يتخرَّق سريعاً وسمعتها تقول: آذانا جارٌ لنا فصلّيت ركعتين وقرأت من فاتحة كلّ سورة آية حتّى ختمتُ القرآن الكريم وقلتُ أللهم اكفنا أمره ثمَّ نمت ففتحت عيناني فرأيتُ النجوم مصطفَّةً فقرأت: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [137 البقرة]. فلمّا كان السحَر قام ذلك الإنسان لينزل فزلقت قدمه فوقع فمات.

قال: وأخبرني ابنها عبد الصمد قال: كان في دارنا حائط له جوفٌ فقلتُ لها: أمضي استدعي البنّاء فقالت: هات رقعة والدواة فناولتها فكتبت فيها شيئاً وقالت: دعهُ في ثقبٍ منه ففعلت فبقي الحائط نحواً من عشرين سنة فلمّا ماتت ذكرت ذلك القرطاس فقمت فأخذته لأقرأه فوق الحائط وإذا في الرقعة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [41 فاطر].**

**إذا خرجت المرأة من بيت زوجها دون إذنه أو رغم عدم سماحه لها بذلك ولكنه لم يشك بها إطلاقاً من حيث العفّة وكان يثق بأنها لا تنساق إلى ارتكاب معصية من معاصي الله، كانت المرأة عاصية لله ورسوله واستحقّت لعنة ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب وكل ملك آخر نعلم له اسماً أو لا نعلم وكل شيء تمر عليه من أي مادة أو جنس كان غير الإنس والجن. وكفى بالله وكيلاً على ذلك.

أمّا إذا خرجت المرأة رغماً عن زوجها ويشك الزوج بضعفها أمام المعصية ويشك باحتمال سقوطها في المعصية ولو مرة واحدة ويسكت على خروجها مع شكه بها مجرد شك، فإن عليه اتخاذ الإجراء المناسب لردعها فوراً فإن لم ترتدع فيطلب التحكيم في محاولة لإنقاذ الزواج وعدم الخضوع للشيطان بطلاقها فوراً. فإن لم تستجب لحكم الله وبقي يشك في أمر خروجها فقد ينطبق عليه صفة “الديُّوث” إذا لم يبادر إلى تطليقها، والله أعلم.

إنّ الرجل عندما يطلِّق امرأته إذا خرجت من بيته بدون إذنه ليس لأنها خرجت وكفى بل لأنه يخاف على نفسه في الآخرة من عقوبة “الديُّوث” التي تحرِّم عليه الجنة. فزنى المرأة التي تخرج من بيتها بغير إذن زوجها وهو مسؤول عنها في الدنيا والآخرة لا يبرئه حرص على عدم هدم العائلة والتفريط بالعشرة. فإن الأمر يكون قد خرج من يده ومن هذا النطاق إلى نطاق عقوبة الآخرة عليه وعلى زوجته أو على زوجته وحدها وإنقاذ نفسه. لأن المسألة دخلت في نطاق المشاركة بالمعصية أو الخروج منها منفرداً. تحوطاً لهذا ولأسباب غيرها منع الله خروج المرأة من دون إذن زوجها وجعله جريمة تضجُّ منها السماء والأرض بلعن المرأة التي ترتكب هذا المحرّم. وهو كبيرة من الكبائر إذ يقول ابن عباس رضي الله عنهما في توضيح صفة الكبيرة والكبائر في الشرع في القرطبي تفسير سورة النساء آية 31: “الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب”. والكبائر ليس لها كفارة في الدنيا مهما بلغت النوافل. والصدقات لا تمحو كبيرة فالكفارة تمحو السيئة وليس الكبيرة. ولا تُمحى الكبيرة إلا بتوبة مقبولة من الله أو يغفرها كرماً منه ورحمة يوم الحساب أو إقامة الحد الشرعي في الحياة الدنيا. والله أعلم.

في حال عدم استئذان تنصبُّ على المرأة لعنات ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب أمّا في حال الخروج رغماً عن نهي الزوج فإن كل ملك في السماء يشترك في لعنها. في الحديث الأول يبيّن أن ثلاثة أنواع من الملائكة توحدت مهمتها في لعن من تخرج بغير استئذان زوجها. في الحديث الثاني يقول: “كل ملك في السماء” فهل في السماء أكثر من ثلاثة أنواع من الملائكة أم كلمة “كل ملك” جمعاً لهم، الله أعلم. ولكنَّ الحديث يبقى معناه أن ملائكة السماء كلها تتحد في مهمة لعن التي خرجت من بيتها رغماً عن زوجها. وأضاف إلى لعنة ملائكة السماء لعنة “وكل شيء مرّت عليه”. أي كل حجر ومعدن وماء ونبات وهواء ومخلوق غير الإنس والجن. فهل بعد هذا البيان التفصيلي لحرمة الخروج من المنزل دون موافقة الزوج يمكن لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج من بيتها دون إذن زوجها! قد تقول بعض النساء إن الإيمان بالله واليوم الآخر أمر وحرية المرأة بالخروج أمر آخر. والإسلام يقول نعم هما أمران مختلفان في عقيدة الشيطان لا في عقيدة التوحيد والإيمان، لأن عقيدة الإسلام توجب التقيد بجميع أحكام الله والامتناع عن حرماته. وحده الشيطان قال: لا، أؤمن ببعض ولا أؤمن ببعض، والمرأة التي تقول بهذا باعت نفسها للشيطان وصدَّقت قوله وعملت بعمله، وهي المرأة التي ينطبق عليها حديث الرسول r: “النساء حبائل الشيطان”. فالإيمان ليس هوى ولا خيار فيه بين الفرض والحرام. الإسلام تسليم مطلق لأمر الله والمرأة إمّا أن تكون امرأة مطيعة فهي من أهل الجنة برحمة ربها أو أنها امرأة ناشزة عاصية من حبائل الشيطان فهي تُحشر معه في المغضوبين يوم الدين وتُلقى معه في الجحيم. فالدنيا بلاء لإثبات من عمل صالحاً ومن عمل محرماً والمصير إلى جنة أو نار وليس هناك بين بين. والمرأة التي تخرج من بيتها بدون إذن زوجها إنما تقوم بفعل العاهرات من دون فعل الزنى!**

**لعن المرأة تمتنع عن زوجها
الزواج معاشرة الجسد للجسد وامتزاج الروح بالروح والعقل بالعقل وهي علاقة ميّزها الله عن سائر علاقات البشر وميّزها وخصّها لأن فيها بقاء النوع البشري والتناسل. ولهذا فقد أوجد فيها خاصية لا توازيها خاصية أخرى في التمتع والتلذذ بنعم الله. فالجماع متعة أنعم الله بها على عباده في الحياة، ولهذا جعل لها تشريعاً خاصاً ينظمها ويحميها وجعل لها قواعد تحدّ من طغيانها واستيلائها على إرادة الإنسان، حتى لا تجره إلى الشر وفعل الحرام فتكون شراً عليه بدل أن تكون نعمة له. ولمّا كان في الزواج معاشرة جسدية بين الرجل والمرأة فقد جاء التشريع ينظمه بكل دقة وتفصيل دون مواربة ولا حياء لأنه على التقيّد الدقيق بأحكامه ينتج فعل محرّم أو مباح وبه يصل إلى الجنة أو النار.
ومن تنظيم أمر الجماع بين الزوجين وتوافقاً مع طبيعة الرجل والمرأة حرّم الله على المرأة الامتناع على زوجها. فإذا سألها زوجها نفسها ليس لها أن ترفض إطلاقاً لأي سبب كان، ولا يقبل لها أي عذر. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: “إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح”. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. وفي حديث آخر قال r: “أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تراجع وتضع يدها في يده”. وأيضاً يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها، حتى يرضى عنها زوجها”. رواه البخاري ومسلم. إنّ عدد الذين يدخلون الجنة يوم الحساب أقلّ بكثير من الذين يُرمون في جهنم. ونسبة أهل الجنة إلى أهل النار كما يقول علماؤنا وكتب التفسير والله أعلم لا تزيد عن واحد بالألف. أي واحد في الجنة يدخلها مقابل ألف يقذف في النار. وعدد النساء اللواتي يدخلن الجنة أقل بكثير من عدد الرجال كما ثبت في حديث الرسول r: “إنّ أقلّ ساكني الجنة النساء”. وأكثر الأسباب التي تمنع دخول النساء الجنة وأعمُّها هو استباحتها لحرمات زوجها وتفريطها بحقه. وقد لا يكون سبب ذلك الكفر أو الضلال أو الجرأة على الله بفعل محرّم، بل قد يكون لغلبة نزوتها على دينها، أو قد يكون لطغيان انفعالها على إرادتها، أو قد يكون استخفافاً بتقدير حرمة التفريط بحق الزوج، أو قد يكون أنها اعتادت على معصيته فلا تعود تراها معصية، أو قد يكون جهلاً بواجبها الزوجي. جميع هذه الأسباب وعشرات غيرها قد يقبلها عقل الجاهل أو يجعل لها الشيطان تبريراً، مرفوضة وتكون سبباً في دخول المرأة الساذجة البسيطة إلى جهنم. وهذا ما حذّر منه الرسول عليه الصلاة والسلام جمهور النساء منه في عدة أحاديث، فهلاّ تداركت المرأة استشراف الشيطان لها وتفقَّهت في دينها بما يلزمها في حياتها مع زوجها وتربية أطفالها؟ لأنه لا سبيل إلى عدم ارتكاب الحرام إلا معرفة الحلال من الحرام. ولا سبيل إلى درء سيطرة الشيطان إلا فهم الحكم الشرعي والتقيّد به. فالشيطان لا يستطيع استشراف أو غواية إلا من جَهِلَ حكم الله، ولأن المرأة عادة تميل إلى عدم التفقه في دينها تكاسلاً وتواكلاً فهي أكثر ضعفاً أمام الشيطان من الرجل، خاصة وأن في طبعها ليونة. وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: “المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان”. أي نفخ فيها ليغوي بها أو لتكون وسيلة للإغواء، ولا تمتنع امرأة على الشيطان إلا بفهمها لدينها. فكيف تمنع امرأة نفسها عن زوجها وتكون من أهل الجنة والرسول r يقول من حديث معاذ رواه الحاكم المرفوع منه، ولفظه: “قال: لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقّه عليها، ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حقّ زوجها، ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب”.