**شروط صاحب الشرطة
ولذلك حرصت مؤسسة الحكم على اختيار الأذكياء والنابهين لولاية الشرطة، ولم تشترط أن يكونوا من أصحاب البأس والقوة فقط، ومما يُدلل على ذلك أن أحضر بعض أصحاب الشرطة شخصين متَّهمين بسرقةٍ، “فأمر أن يؤتى بكوزٍ من ماءٍ، فأخذه بيده ثمَّ ألقاه عمدًا فانكسر، فارتاع أحدهما، وثبت الآخر فلم يتغيَّر، فقال للَّذي انزعج: اذهب. وقال للآخر: أحضر العملة. فقيل له: ومن أين عرفتَ ذلك؟ فقال: اللِّصُّ قويُّ القلب لا ينزعج، والبريء يرى أنَّه لو تحرَّكت في البيت فأرةٌ لأزعجته، ومنعته من السَّرقة!”.
وقد عُرِفَتْ وظيفة صاحب الشرطة في معظم الدول الإسلامية، واتخذت أسماء مختلفة، فسُمِّيَ صاحبُ الشرطة في إفريقية الحاكمَ، وفي عصر المماليك الوالي، وكانت الشرطة في الديار المصرية من أهمِّ وظائف الدولة، وكان صاحبها من عظماء الرجال، فكان ينوب عن الوالي في الصلاة، وفي توزيع الأعطيات، وفي غير ذلك من الأعمال، وكان مَقَرُّ الشرطة في مصر ملاصقًا لجامع العسكر، وكانت تُسَمَّى الشرطة العليا، وقد جَرَتِ العادة أن والي (صاحب) الشرطة يستعلم متجددات ولاياته من قتل أو حريق كبير، أو نحو ذلك في كل يوم من نُوَّابه، ثم تُكْتَبُ مطالعة جامعة بذلك، وتُحْمَلُ إلى السلطان صبيحة كل يوم فيقف عليها.
هذا، وكان أصحاب الشرطة يحملون آلة من السلاح تُسَمَّى الطَّبَرْزِين، وهي عبارة عن سكين طويل يحملونها مُعَلَّقة في أوساطهم.
الشرطة في الأندلس
وابتكر الأندلسيون لمنصب صاحب الشرطة قسمين مهمين، فأما القسم الأول: فسُمِّيت بالشرطة الكبرى، وكان هدفها الضرب على أيدي أقارب السلطان ومواليه وأهل الجاه، ولصاحب الشرطة الكبرى كرسي بباب السلطان، وكان من المرشحين دائمًا للوزارة أو الحجابة، ولا شكَّ أن ابتكار هذا المنصب ليُدلل على أن الحضارة الإسلامية كانت حضارة تحترم القوانين التشريعية، والأعراف المجتمعية، لا فرق فيها بين غني أو فقير، أو بين رئيس ومرءوس. وكان القسم الثاني: الشرطة الصغرى، وهي مخصَّصَة للعامَّة وسواد الناس، وكان صاحب الشرطة في الأندلس يُلَقَّب بصاحب المدينةِ.
إن الحضارة الإسلامية حضارة بَنَّاءة مبتكرة، ولا شكَّ أن منصب صاحب الشرطة كان موجودًا بالفعل في الأمم السابقة؛ إذ أحوال المجتمعات وتشابك الأفراد يجعل مثل هذا المنصب ملحًّا في أي وقت وأي مكان، لكنه في الحضارة الإسلامية كان مغايرًا كل المغايرة عما كان عليه عند الفرس أو الرومان؛ فقد أضاف المسلمون -كما رأينا- لهذا المنصب كل جديد، وجعلوه متقيدًا بآداب الإسلام وتشريعاته.
الشُّرْطة: حفظة الأمن في البلاد، الواحد شرطي، وصاحب الشرطة رئيسها، سُمُّوا بذلك لأَنهم أَعَدُّوا لذلك، وأَعْلَمُوا أَنفسَهم بعلامات يُعْرَفون بها، وقيل: لأَن شُرْطةَ كل شيء خِيارُه، وهم نُخْبةُ السلطانِ من جُنده. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة شرط 7/329، والمعجم الوسيط، مادة شرط ص479.
البخاري: كتاب الأحكام، باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه (6736).
العسُّ: هو أن يطوف شخص بالليل يحرس الناس، ويكشف أهل الريبة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة عسس 6/139.
انظر: الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/567.
مطارد جمع طِرد: وهو الرُّمح القصير، لأنَّ صاحبه يُطَارِد به، وهو الألوية كذلك. انظر: الزبيدي: تاج العروس، باب الدال فصل الطاء مع الراء 8/320.
انظر: كمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ص137، 138.
انظر: ابن كثير: البداية والنهاية 8/156.
الطبري: تاريخ الأمم والملوك 4/136.
اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي 2/235.
طويل الجلوس: كناية عن الصبر وطول البال.
سمين الأمانة: تعبير عن قوة الأمانة.
أعجف الخيانة: تعبير عن الأمانة أيضًا بانعدام الخيانة، والعجف هو الهزال. انظر: المعجم الوسيط 2/585.
لا يخفق في الحق على جرة: أي لا يتهاون في أقل شيء من الحق.
يهون عليه سبال الإشراف في الشفاعة: أي لا يقبل الوساطات من أشراف القوم وعليتهم، والسبال جمع سبلة، وهي مقدمة اللحية ورأس الإناء، والجزء الطويل من الثياب، وهي كناية عن الشرف والمكانة.
ابن قتيبة: عيون الأخبار 1/7، وابن حمدون: التذكرة الحمدونية 1/91، وأبو إسحاق القيرواني: زهر الآداب وثمر الألباب 2/381.
ابن قتيبة: عيون الأخبار 1/16.
ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/222.
انظر: الطبري: تاريخ الأمم والملوك 3/224، 225.
أبو يوسف: الخراج ص161.
سَخَّمَ وجهه أَي سوَّده، والسخام: الفَحْم وسواد القدر. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة سخم 12/282.
ابن فرحون: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام 5/319.
ابن الأثير: الكامل في التاريخ 5/455.
ابن كثير: البداية والنهاية 11/166.
ناصر الأنصاري: تاريخ أنظمة الشرطة في مصر ص46.
أعفار جمع العُفْرُ: وهو الشجاع الجَلْدُ، وقيل: الغليظ الشديد. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة عفر 4/583.
ابن القيم: الطرق الحكمية ص65.
المصدر السابق ص67.
المقريزي: الخطط المقريزية 1/840، 841.
القلقشندي: صبح الأعشى 4/61.
آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 2/275.
ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/251، وشوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص313، 314.
عن هدي الإسلام**