الخلافة وطريقة إقامتها

3- إمكانية توسّع هذه الأحداث وامتدادها لتؤدي في النهاية إلى انهدام النظام الرأسمالي برمته:

وذلك كما جرى في المنظومة الاشتراكية.. فالحقيقة أن الأحداث والأزمات الأخيرة قد كشفت أن (النظام الرأسمالي) هو أوهى من بيت العنكبوت، وأن تمسّك أتباعه به هو تمسّكٌ نفعيٌّ ومصلحيّ؛ حيث إن مسألة حرية السوق قد تمّ التنازل والتخلّي عن كثير من معانيها في هذه الأزمة، وفتحت المجال واسعاً للدولة للتدخل في تأميم الشركات المنهارة، وجعلت الدولة تتدخل تدخلاً واسعاً في تحديد كثير من الأمور الاقتصادية، مع أن النظام الرأسمالي لا يؤمن بمسألة تدخل الدولة وإنما بالحرية الاقتصادية التي تشكّل الوضع الاقتصادي الطبيعي في الدولة.

وهذا بحدّ ذاته يُعتبر نكسةً كبيرةً للنظام الرأسمالي القائم على فكرة الحريات؛- ومنها الحرية الاقتصادية- وقد عجز النظام عن معالجة أمورٍ عارضة سببت له المشاكل والأزمات، ولم يجد بدّاً -في نهاية المطاف- من التخلّي عن أفكار أساسية في طريقة علاجها !! .

ولم يقف الأمر عند حد تخلّي الرأسماليين عن بعض الأفكار الرئيسة، وعند سياسة التأميمات، بل إن الدولة أصبحت تمثّل سياسة السلب والنهب لأموال الناس لصالح الأغنياء والشركات الكبرى بدل أن تساعد هؤلاء الناس بسبب غلاء الأسعار وتآكل الأجور وارتفاع معدلات البطالة، فالمليارات التي ضخّتها أميركا في جيوب أصحاب الشركات المتعثرة، أو البنوك المنهارة لإنقاذها، أصبحت أداة نقمةٍ من قبل الناس على الدولة لأن هذه الأموال هي أموال الضرائب التي يدفعها الناس من أجل الخدمات الأساسية في الدولة، فجعلت منها الدولة أداةً لتصبّ في جيوب الأغنياء من أجل إنقاذهم، وترك الناس يعانون من ارتفاع الأسعار ومن الغلاء الفاحش ومن تآكل الأجور وارتفاع سلّم البطالة، وجعلت ميزانية الدولة تعاني من الديون الداخلية والخارجية الكبيرة بسبب هذه الأموال!! ..

ويمكن القول بكل بساطة: إن دائرة الشركات المنهارة تتسّع يوماً بعد يوم بسبب الأزمات، وأن البطالة تتسع وتمتدّ، وأن العجز في ميزان الدول الرأسمالية يزداد ويكبر، وبالتالي فالنتيجة الحتمية هي أن نقمة الناس تزداد وتتّسع، وحجمَ الاحتجاجات سوف يزداد يوماً بعد يوم ليجد الناس أنفسهم في نهاية المطاف أمام الحقيقة التالية: إذا أرادت شعوب الغرب الخلاص من كل هذه الدوّامات فلا بد من إزالة أسبابها؛ أي لا بد من إزالة النظام الرأسمالي المتسبب بها!! ..

4- عدم تملك الدول الرأسمالية حلولاً شافية لهذه المشاكل

في الحقيقة، إن المبدأ الرأسمالي لا يملك أي حلٍّ لمثل هذه الأمور، وليست عنده أيّة أحكامٍ تتعلق بمعالجة الأزمات الاقتصادية سوى التخلي عن مزيد من مبادئه وأفكاره، وبعبارة مختصرة ( المبدأ الرأسمالي مبدأٌ عقيم ) لا يستطيع معالجة الأزمات .

فعندما اشتعلت أزمة الكساد الكبير سنة 1929م كان الحلّ الأميركي لهذه الأزمة هو تصديرها إلى الخارج عن طريق إيجاد المبرّرات للاشتراك ودخول الحرب العالمية الثانية. وتحاول أميركا في هذه الأيام عن طريق سياسة التحكّم النقدي وهيمنة الدولار تحميل العالم أعباء الأزمة الأخيرة وتصديرها لإخماد نارها ولكن دون جدوى لأن حجم الأزمة كبير، والعالم كله يعاني من تبعاتها وآثارها المدمرة، ..وقد حاولت أيضاً من قبل إيجاد القلاقل لمنطقة اليورو لإعادة الدول الأوروبية لحظيرة الدولار، إلا أن مخاطر هذا الأمر في تأجيج نار الأزمة من جديد هذه الأيام، والتأثير الخطير الذي يمكن أن يجره انهيار اليورو على الاقتصاد الأميركي الداخلي يجعلها في تردّد حتى الآن عن هذا الأمر بسبب عمق الأزمة الداخلية عندها وبسبب عدم التعافي ..

ومحصلة الأمر أن حجم الأزمة وامتدادها العالمي لا يمكن معالجته في ظلّ الأوضاع الدولية الحالية، وإنما سوف يزداد الأمر اتساعاً يوماً بعد يوم حتى يقف العالم أمام الحقيقة التالية: حتمية التخلي عن هذا النظام !! ..

5- المستقبل المنظور لأميركا وأوروبا: من يتابع الأحداث يدرك يقيناً أن مستقبل أميركا وكذلك أوروبا هو التخلّي عن كثير من أفكار النظام الرأسمالي كلّما اشتدت الأزمات والأحداث في داخلها، وبالتالي التخلّي شيئًا فشيئًا عن النظام الرأسمالي المالي برمته!!..

ففي المستقبل القريب ستجد الدول الرأسمالية نفسها في مواجهة الجماهير الصاخبة المطالبة بالعدالة في الانتفاع من الأموال والثروات، وسيجد الرأسماليون الكبار أنفسهم وجهاً لوجه مع هذه الجموع الثائرة المتزايدة في كل يوم، وهذا بالتالي سيؤدي حتماً إلى موضوع آخر وهو إحجام المواطنين عن دفع الضرائب للدولة، وذلك بسبب عدم الثقة بينهم وبين الدولة، وهناك أمر ثالث أخطر من هذا وذاك سيحصل في الولايات المتحدة بالتحديد- وقد بدت بعض مظاهره تطفو على السطح في ظل الأزمة الأخيرة_ وهو: مطالبة الولايات الغنية بالانفصال عن الولايات الفقيرة بسبب عمق الأزمة، واتساع دائرة الاحتجاجات ضد الدولة؛ وهذا معناه تفكّك منظومة الولايات المتحدة تماماً كما حصل مع الاتحاد السوفياتي السابق، ومن ثم التخلي نهائياً عن هذا المبدأ!!. وما سيحصل في أميركا سيحصل في أوروبا ولكن بطريقة أخرى؛ ألا وهي انتهاء عقد الاتحاد الأوروبي عندما تجد الشعوب نفسها تتحمّل أوزار الدول المتعثرة- مثل اليونان_ فوق تحمّلها لعثرات الرأسماليين داخل حدودها، وبالتالي فإن منظومة اليورو لن تصمد طويلاً ولن يبقى عند ألمانيا وفرنسا وهولندا النفس الطويل في مواجهة شعوبها الثائرة بسبب تحمّلها لأعباء الدول المتعثرة، -حيث بدأت بوادر هذا الأمر تظهر في ظل الأزمة الأخيرة في الاتحاد الأوروبي- وهذا سيوجه ضربةً قاضيةً للاتحاد الأوروبي تؤدي إلى تفككه وانهياره نهائياً!! ..

إلا أن الخطر الكبير على الغرب ومبدئه سيكون في انهيار أميركا وتفككها؛ لأن أميركا هي رأس العالم، ورأس الغرب اقتصادياً ومبدئياً، وأيُّ انهيارٍ يحصل فيها سيكون بمثابة البركان أو الزلزال الذي يهزّ البلاد الغربية برمتها، وهذا بالتالي سيضع العالم أجمع أمام الحقيقة التالية: البحث عن مخلّصٍ مبدئيٍّ جديد يخلص العالم من هذا الدمار والخراب والشرّ المستطير.. وفي هذا مبشرٌ عظيم- بإذنه تعالى- لأمة الإسلام في عودتها وعودة مبدئها لينقذ البشرية مرةً أخرى مما هي فيه من دمارٍ وضياع..!!

نسأله تعالى أن يسبق هذا الحدث أو يتزامن معه قيامُ دولة الإسلام التي تحمل مشعل الهداية لهذه البشرية التائهة ..آمين يا رب العالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين…

ثورة الشعوب الغربية ضد الرأسمالية مبشرٌ بعودة الخلافة الراشدة !!..

حمد طبيب ? بيت المقدس

لقد تناقلت وسائل الإعلام بشتى أصنافها ما جرى يوم 15/10/2011م من مظاهرات واحتجاجات شديدة ضد أصحاب رؤوس الأموال والمؤسسات المالية والبورصات، وضد النظام الرأسمالي بمجمله الذي جلب عليهم الفقر والبطالة والهزّات المالية والتفاوت الطبقي الكبير .. والحقيقة أن هذا الحدث الكبير يستحق الوقوف والنظر ووضع الأمور في نصابها الصحيح من حيث دوافع هذه الاحتجاجات وأسبابها ونتائجها المستقبلية ..وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح، ونفهم حقيقتها لا بد من الوقوف على هذا الحدث الكبير من عدة جوانب منها:

1- الامتداد الحقيقي لهذه الأحداث:

إن المجتمعات الرأسمالية قد نشأت ابتداءً وكبرت بعد فترة طويلة من الظلم والفقر والحرمان في ظل نظام الكنيسة، فقامت الشعوب على نظام الكنيسة وأزالته من الحياة نهائياً، ووضعت بدلاً منه هذا النظام البشريّ، والذي سمي فيما بعد بالنظام الرأسمالي ..والحقيقة أن هذا النظام كان سقيماً في أساسه وفي طريقة معالجاته من أول يوم؛ حيث كان أساسه ردّة فعل غرائزية على الظلم، ثم كان حلاً غير مبنيّ على العقل عندما توصل المفكرون ورجال الدين إلى (الحلّ الوسط) في بناء النظام الجديد، (فالحلّ الوسط) ليس حلاً مبنياً على عقل سليم، لأنه توسط بين أمرين متناقضين متنافرين متباعدين!!..

أما التشريعات فكانت عقلية نابعة من عقول بشرية قاصرة، مبنيةٍ في أغلبها على النظرة لرأس المال والثروات، وأهملت فيه القيم النبيلة والأخلاق…

وكان من أبرز هذه النظم النظام الاقتصادي الذي يهدف إلى تكثير رأس المال في المجتمع بأية وسيلة دون انضباطٍ بأخلاق ولا قيم، وفي نفس الوقت ينظر إلى توزيع الثروة في المجتمع عن طريق أداةٍ وحيدة هي (جهاز الثمن) .. وهذا الأمر ولّد أموراً كثيرة في المجتمع جلبت الدمار والخراب في داخل المجتمعات الرأسمالية وخارجها؛ حيث كانت الشركات العملاقة والبنوك التي تنهب ثروات الناس تحت عنوان حرية التملك وتنميته والانتفاع بالملك، وكان التفاوت الطبقي الكبير نتيجة سيطرة الأغنياء على الثروات فأصبح نسبة 1-2% في المجتمعات الرأسمالية يسيطرون على أكثر من 98 % من ثروة المجتمع، و 2% من البقية الباقية من الثروات توزّع على 98% من باقي الشعب. أما في سياسة الدول الخارجية فكان الاستعمار وكانت الحروب، وكان مصّ دماء الشعوب الضعيفة، وانتشرت فوق ذلك الجرائم والأمراض الفتاكة كالإيدز نتيجة ارتباط عقول الناس بالمنافع والأموال وعدم ارتباطهم بالقيم والأخلاق، فأصبح مرض الإيدز ينتشر بالملايين في مجتمعات الغرب، وأصبحت الجريمة تقاس بالثانية الواحدة في أرقى مدن الغرب في نيويورك وغيرها ..

لذلك نشأت المشاكل والأزمات في النظام الرأسمالي منذ نشأته وتكوّنه، وصارت تكبر وتزداد مع امتداد هذا النظام وتوسّعه، فكان من مظاهر هذه الأزمات -في أوائل النشوء في القرن التاسع عشر- أزمة الأجور وساعات العمل في أميركا حيث استمرت إضرابات العمال فترةً طويلة حتى توصّلوا بعدها إلى حلّ وسط في تحديد الأجور وساعات العمل .. وكان بعد ذلك أزمة الكساد العظيم في بدايات القرن العشرين سنة 1929م، وكانت أزمة الحروب الطاحنة للسيطرة على الأسواق ورؤوس الأموال؛ فكانت الحرب العالمية الأولى ثم الثانية التي حصدت أكثر من 20 مليون إنسان،وعشرات ملايين الجرحى والمعوقين وجلبت الخراب والدمار والرعب والأمراض النفسية، ثم استمرت أزمات الصراع الدولي الساخن والبارد بين الدول العظمى، واستمرّ تسابق التسلح وإنفاق المليارات على ذلك من أجل الردع، وتخلّل هذه المرحلة الاستعمارُ العسكريّ لكثير من بلاد العالم من أجل خدمة أصحاب رؤوس الأموال والشركات الرأسمالية، ثم حصلت الأزمة الحالية في بدايات القرن الواحد والعشرين حيث بدأت بأزمة الرهن العقاري وامتدت كالنار في الهشيم وجلبت على العالم الدمار الاقتصادي وخساراتٍ تقدر بأكثر من 14 تريليون دولار من بداية الأزمة حتى سنة 2008م، ثم ازدادت سنة 2011م لتصل إلى حوالى 60 تريليون دولار، عدا عن انهيارات في مؤسسات مالية كبيرة، وغلاء الأسعار وارتفاع البطالة وانخفاض الأجور، وازدياد عدد الفقراء وازدياد عدد المهددين بالموت جوعاً، وما زالت الأزمة تضرب هنا وهناك، وتنفلت نارها هنا وهناك، ويحاول قادة الغرب إطفاءها والسيطرة عليها لكن دون جدوى!! ..

وعليه يمكن القول بكل بساطة: إن امتداد هذه الأحداث -الحاصلة اليوم على شكل مظاهرات واحتجاجات- يضرب بجذوره إلى بداية نشوء الرأسمالية، وإلى طبيعة نظامها السقيم، وهي ليست مجرّد احتجاج على ناحية واحدة فقط، وقد ظهر هذا الأمر في كثير من كلام المحتجّين عندما هتفوا بسقوط سياسات السوق والنظام الربوي. والحقيقة أن الاحتجاجات ليست الأولى ضد النظام الرأسمالي ومظاهره في الحياة العملية، ولكنها الأولى بهذا الزخم وبهذه الطريقة في الاحتجاج في رفض أفكار النظام الرأسمالي من أساسها؛ فقد كانت تجري احتجاجات سابقاً في مناسبات عديدة وخاصة عندما تنعقد القمم للدول العشرين أو الدول الثماني الصناعية، فكانت تقوم على المناداة لمحاربة البطالة، وتحسين الأوضاع والعمل على علاج مسألة النقد العالمي، والمناداة لمحاربة المجاعات والفقر، أما هذه المرة فكانت مميزة في أنها ضدّ النظام الرأسمالي ابتداءً!!. وربما لا يغيب عن أذهاننا ما جرى في المجتمعات والدول الرأسمالية عندما ظهرت الاشتراكية في بدايات القرن الماضي (القرن العشرين)؛ كيف أن كثيراً من دول أوروبا قد تحولت إلى النظام الاشتراكي هرباً من نار الرأسمالية وشرورها، وطمعاً في تحقيق المبادئ والأفكار التي نادت بها الاشتراكية؛ من المساواة والعدالة وغير ذلك .. ولا يغيب عن الذهن أيضاً ما كان يجري من اتساع شعبية الأحزاب الاشتراكية حتى في داخل دول أوروبا الغربية، ولولا ما حصل لاحقاً من فساد في النظام الاشتراكي -بسبب بطلانه من أساسه- لجرى تحوّلٌ كبير في دول أوروبا نحو الاشتراكية! .

فهذه الأحداث في أوروبا وأميركا لم تأت من ردة فعل أيام أو أشهر إنما هي امتدادٌ لسنوات طويلة من رؤية الفساد ومعايشته، وامتدادٌ للمعاناة الطويلة والفساد، وهي تنظر إلى الخلاص؛ لذلك كان التعبير صريحاً بالانعتاق من الرأسمالية، والأمر ربما لا يبعد كثيراً عمّا جرى في الاتحاد السوفياتي السابق وانحلال منظومته في نهايات القرن الماضي، وانحلال حلف وارسو ولكن بطريقة مختلفة قليلاً من حيث إن الثورة ضد النظام قد ظهرت مرةً واحدة في روسيا بعد أن وصل الأمر إلى حدّ الانفجار .. فكانت النتيجة أن انهار النظام الاشتراكي نهائياً، وذهب إلى غير رجعة، وتحوّل كثيرٌ من دوله إلى النظام الرأسمالي، وانضموا إلى منظوماته السياسية كما جرى في دول البلطيق عندما انضمت إلى الاتحاد الأوروبي!! ..

2- قيام الناس بزخم كبير على رجال المال والأعمال:

إن رجال المال والأعمال يمثّلون رأس المال؛ أي يمثلون النظام في هذه الدول، وهم في نظر عامة الناس سبب البلاء والحرمان؛ لأنهم يسيطرون على رؤوس الأموال، ويحتكرون الشركات والمشاريع، ويتحكمون في السياسة وفي الأجور وفي غلاء الأسعار، وبشكل عام هم في نظر الشعوب الغربية سبب الأزمات لأن النظام الرأسمالي هو في خدمتهم وخدمة مشاريعهم وأعمالهم، لذلك انصبّ جلُّ غضب الناس على هؤلاء الناس لأنهم يعكسون صورة النظام الرأسمالي في المجتمع، ويجسّدون أفكاره عملياً في المجتمع، لأن ثورة الناس ضد الرأسماليين والبنوك والبورصات ومراكز المال والأعمال إنما هي ثورة ابتداءً على النظام الذي أوجدها، والقوانين التي جعلت لها هذه الصلاحيات الواسعة وخاصة مبدأ الحريات الثلاث المتعلقة بالاقتصاد (الملكية، الانتفاع بالملك، تنمية الملك).

>>>>>>>>>2

جواز التعدد من مفهوم الآية لا من منطوقها، حيث إنها تطلب التصدي لهذا الشأن على الأقل من جماعةٍ واحدةٍ من المسلمين، ليسقط الإثم عنهم وعن غيرهم، وإلا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير. فلا مناص إذاً من تعددها - إن لزم - ومضاعفة الجهود حتى تحصل الكفاية (كما تجدر الإشارة إلى أن «من» في الآية الكريمة تبعيضية عند أهل التفسير).

وجود هذه التكتلات السياسية مطلوبٌ أن يكون حالةً دائميةً للأمة بحيث لا يجوز شرعاً خلُوُّها منها في جميع أوضاعها وتقلباتها. هذا جزء هنا من معنى كون الواجب واجباً.

يجد المدقق في الآية أيضاً أنه لا يحتاج إنشاءُ حزب سياسيٍّ في الأمة إلى إذن الحاكم مطلقاً في حال وجود الدولةِ الإسلامية، ومن باب أولى في حال عدم وجودها. ذلك أن إقامة ما أوجب الله لا يجوز أن يمنعه أو يعترضَه أحد من البشر، كما لا يصح أن يُستأذن فيه الخلق.

إلا أن المدقق أكثر في معنى الآية يرى أمراً آخر مهماً وأساسياً لا يراه كثير ممن يقرؤونها ويمرُّون عليها، وهو أنه

7- لا يصح ولا يتأتى لمقلِّدٍ لا يقدر على الاستنباط من النصوص الشرعية أن يؤسس حزباً سياسياً في الأمة! ولا أن يستمر هذا الحزب - لو حصلت بالفعل نشأته كأمر واقع - بأمثاله. بل يجب أن يكون على درجةٍ من العلم ولو في الدرجة السفلى من المقدرة على الاجتهاد والنظر وتنزيل الأحكام على الوقائع والأحداث في الواقع المعقَّد والمتغير والمتشعب، خصوصاً في حالة انحطاط الأمة ومرضها. ذلك أن فقهَ الأولين من السلف لم يتضمن بشكل مفصلٍ علاجَ حالة عدم وجود دولة الخلافة وذهاب الحكم الإسلامي، وقلما تناول العلماءُ مشكلةَ وحالةَ ضياع سيادةِ الشرع وسلطانِ الأمة معاً، وإلا لكفانا فقهُهم أو ربما بعضُه على الأقل حلَّ المعضلة بالاتباع دون الاجتهاد. فيلزم من هذا أن على العاملين الآن لتصويب وضع الأمة النظرُ في النصوص الشرعية كتاباً وسنةً وفي السيرة النبوية وسيرة الصحابةِ من أجل الاستنباط، وهو ما لا يتأتى لأهل التقليد. يلزم منه أيضاً الحذرُ من فقه مرحلة الانحطاط ولاسيما ما بعد ذهاب دولة الخلافة أي فقه المحدَثين من غير العلماء المجتهدين، حتى وإن كانوا مخلصين للأمة، لأنه لا يخلو من تسلط غلبة الغالب ـ وهو الغرب الحاقد - على فكر وثقافة المغلوب. فما بالك بفقه الدوائر الحكومية العلمانية في دول التَّبعية، وما بالك بفقهِ زبانية حكام العمالة والخيانة وأبواقهم من «العلماء» المأجورين الذين لا فقه لهم سوى تفسير النصوص وخلط الأمور بما يُبقي على الوضع القائم ويطيل مرحلةَ هيمنة الكافر على بلاد المسلمين، وهو ما نراه اليوم بالفعل ماثلاً أمام أعيننا من محاولات لتسويق إسلام مصمم ومطروز في دوائر الغرب. ولا يزال الأعداء يحاربون الإسلام والمسلمين بهذه الطريقة حتى يهيئ الله لهذه الأمة من أمرها رشداً، فيأتي نصر الله وتقوم الخلافة. لذا صار لابد من فقهِ وعلمِ وفهمِ العلماء المجتهدين الصادقين الواعين العاملين المخلصين.

فبطبيعة النشأةِ والوظيفةِ ينبغي أن يكون عالماً مجتهداً من أهل الدراية لتتحقق به وبأتباعه الكفايةُ، حيث ينبغي لمن يُقْدم على المحاسبة خصوصاً في واقعنا اليومَ ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون عالماً بالمعروف معروفاً وبالمنكر منكراً. كما أن العلمَ بالشرع هو الكفيل بتحديد المنكرات ومراتبها وأنواعها، وأيها أولى بالتغيير وكيف، وهذا مقرر في شرائط القيام بهذه الفريضة العظيمة في الفقه. كما أن هذا الحزب الذي أنشأه عالمٌ من علماء الأمةِ مجتهدٌ لا يصح أن يستمر ويشتغل في الأمة بغير أمثاله! كما وأن العلم والاجتهادَ في أصل النشأةِ يُجنِّب الحزبَ ابتداءً الخطأَ والزللَ في أصل الفكر القائمِ عليه ويقيه المراجعاتِ والتراجعاتِ مستقبلاً.

إلا أن هذا لا يعني أنه لا يجوز لآحاد الأمة القيامُ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقاً، كلٌ حسب درجةِ علمه واستطاعته، لأن الكلامَ هنا عن إنشاء وتأسيس تكتلاتٍ سياسية تتصدى للشأن العام وتعمل على تولي الحكم، وليس عن تغيير مطلقِ منكرٍ، فهذا الأخير وإن تَطلَّبَ علماً إلا أنه منوطٌ بالاستطاعة ومحلُّ تفصيل في الفقه الإسلامي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن في الشريعة الإسلامية طريقة متعينة في أخذ الحكم وهي - في حال عدم وجود الدولة، كما هي الحال الآن، وكما هو معلوم من فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - طلبُ نصرة أصحابِ القوة وأهل المنَعة كقادة الجيوش والزعماء باعتبارهم أهل القدرة والاستطاعة على هذا المستوى الرفيع والجليل من أعمال الأمر بالمعروف وأعمال تغيير المنكر، ألا وهو إقامة دولة الإسلام وسلطان المسلمين.

والأحزاب السياسية تنشأ طبيعياً في الأمة الحية بالعلماء العاملين لأنهم هم الحريصون والعليمون بكيفية سير الأمور في المجتمعات، وبمدى مطابقتها لنظام الإسلام وشريعته. وهؤلاء طبيعياً لهم أتباع يفهمون فهمَهم، ويتحركون مثلهم وعلى منوالهم. والحاصل أن الأمة الحية لا يمكن ولا يجوز أن تخلو من المجتمعين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي من الأحزاب السياسية، فهم علامة الحياة فيها، وهم نبض الحيوية والخير، وهم ليسوا - على تنوعهم واختلافهم داخل دائرة الإسلام- علامةَ تفرق وتشتتٍ كما يراد لنا أن نعتقد.

ولا يقتصر دور الأحزاب على المحاسبة بمعنى الرقابة وتصحيح الأخطاء إن وقعت، بل يشمل جميع أنواع الحرص والمحاسبة والقوامة والرعاية بالتوعية والنصح للراعي والرعية، بما يضمن الرقيَّ ودوامَ الارتقاء في الفكر والحس وحسنَ تطبيق الشريعة، ويضمن مكانةَ المسلمين ومكانة دولتِهم في العالم، كما يضمن تفوقَهم فكرياً وسياسياً واقتصادياً وحضارياً، ويحول بين الأمة الإسلاميةِ والهبوط، ناهيك عن السقوط.

والعالِم إذا كان عامِلاً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، داعياً إلى الخير، فثقافته بطبيعتها سياسية تعالج الواقع وليست أكاديمية، وحتما سيُكتِّل الناسَ من حوله، وحتماً سيكون له من يؤازره ويؤيده، يقول قولَه ويعمل عملَه، فهو حزب سياسي.

والأحزاب السياسيةُ في الأمة الإسلامية في حال النهضةِ ووجود الدولةِ هي القَوَّامة على المجتمع، وهي التي تعمل بين الناس دون كللٍ ولا مللٍ للحيلولة دون انتكاسته، كما تحاسب الحكام على الرعاية على أساس الإسلام وعلى أكمل وجه. أما في الحالة الشاذة الاستثنائية - وهي حالة الأمة بدون خلافة! - فينبغي ألا يكون لها من عملٍ سوى العمل على إقامتها، لأن ذهابَ الدولة الإسلاميةِ، والتي هي الخلافة، معناه ترك الإسلام عملياً، وهو رأس جميع المفاسد والمنكرات، وهو سبب تعطل الحياة عند المسلمين. وهو سبب الضياع والتشتت والذل، وعلـةُ غياب المسلمين الرهيب عن الساحة الدولية، على كثرة عددهم، وسبب توقف حمل رسالةِ الإسلام إلى العالم على الوجه المطلوبِ شرعاً.

من هنا وجب التركيز في العمل على إقامتها بالعمل السياسي على أساس الإسلام، أي بالدعوة إلى الإسلام وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أعلى مستوى، وإلا فأحوال المسلمين في طول البلاد الإسلامية وعرضِها سوف تزداد تحت هذه الأنظمة التي أنشأها الكافر المستعمر مع الوقت سوءاً، وأوضاعهم على كافة المستويات سوف تزداد في ظلها مع الأيام تعقيداً.

والخلافة هي نقطة الانطلاق في عودة الأمة إلى سابق عزها ومجدها. وهي ليست نهايةً يصادفها أو يلتقي معها المسلمون في آخر الزمان، وإنما هي بداية وحالة دائمية يجب شرعاً أن تكون، لأننا مسلمون والحمد لله، ولا ينبغي لنا شرعاً أن نعيش حياة غير إسلامية كما هي الحال الآن.

الخلافة هي الدواء وليست داء

ألكاتب : شريف زايد

طالعتنا صحيفة الوفد يوم الجمعة 2014/7/4م، بمقال للكاتب المسرحي لينين الرملي يحمل عنوان (الداء في الخلافة)، يعلق الكاتب فيه على تلك الخريطة التي نشرها “تنظيم الدولة الإسلامية” لدولة الخلافة والتي تضم حسب تصورهم ثلاث عشرة ولاية.

التعليق:

ما لفت نظري في المقال هو إدراك الكاتب أن الجيش وحده لن يحل المشكلة ما إذا كان هناك توجه لجعل مصر جزءاً من دولة الخلافة، إذ إن هذا فيه دليل على إدراكه لعمق فكرة الخلافة في نفوس الناس. وهذا ما حذا به للدعوة للتصدي للفكرة قبل الحديث عن قدرة الجيش المصري للتصدي لتهديد “تنظيم الدولة” المزعوم، فالرجل كما غيره من رجالات العلمانية في مصر يعتبر عودة الخلافة عودة للعصور الوسطى كما يقول، هذا ما تعلمه وتربى عليه، والعصور الوسطى ومن ثم عصر التنوير هو ما اطلع عليه من تاريخ البشرية، فتاريخ البشرية عنده هو تاريخ أوروبا، نعم كانت هناك عصور وسطى، وعصور ظلام في أوروبا، لكن في نفس التوقيت كانت دولة الخلافة الإسلامية هي منارة العلم والحضارة في العالم. وعصورك الوسطى يا سيد لينين لم توجد أبدا في بلاد الإسلام إلا في أواخر الدولة الإسلامية عندما تخلى المسلمون عن التمسك بدينهم والعض عليه بالنواجذ واتبعوا سنن من قبلهم من اليهود والنصارى، بل ودخلوا جحر الديمقراطية العفنة وراءهم، فضعفت الدولة نتيجة فصل الطاقة العربية عن الطاقة الإسلامية وإهمال أمر الاجتهاد، ومن ثم تم هدم دولة الخلافة سنة 1924م بتخطيط وترتيب من أعدى أعداء الأمة حينها الإنجليز وبمعونة خونة الأمة من الترك والعرب وعلى رأسهم الخائن الأكبر مجرم العصر مصطفى كمال.

ونحن نسأل الرملي وغيره، هل يمكن لعاقل أن يرفض الدعوة لإقامة الخلافة الإسلامية، لمجرد أنه يرى “أنها تدعونا للماضي بصراحة ووضوح وكأن الدنيا لم تتغير”. وما العيب في الماضي حتى يرفض، وهل ترفض سيادتك الشيء لمجرد أنه قديم؟! وهل الديمقراطية التي تتغنون بها وأمثالكم مقبولة لأنها جديدة من أيام اليونان فقط؟!، وهل الدين مرفوض عندكم لأنه قديم؟!، أين عقولكم؟! وهل تعلمتم أو عُلمتم أن الصواب والخطأ يعرف بتقادم الزمان، فما كان قديما فهو خطأ وما كان جديدا فهو صواب؟! ما لكم كيف تحكمون؟!.

عموما أنا هنا لست بصدد تفنيد هذا المقال المتهافت، ولكنني بصدد الحديث عن تلك الهستيرية التي أصابت البعض، وكذا موجة السخرية التي تعرضت لها فكرة الخلافة بمجرد إعلان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، قيام الخلافة الإسلامية ومبايعة أمير التنظيم خليفة للمسلمين. فبنظرة سريعة لعناوين الأخبار والمقالات التي تناولت الخبر ودون الدخول في تفاصيل ما كتب تدرك حجم التشويه الذي نالته فكرة الخلافة كما تدرك حجم التندر عليها وعلى من أعلن عن قيامها بهذا الشكل المسرحي وكأن الخلافة يمكن أن تكون مجرد خبر يقال وإعلان على اليوتيوب. فأحدهم يكتب مقالا بعنوان “بين الخلافة والتخلف” والآخر يكتب “بين الديمقراطية والخلافة” وثالث بين أيدينا يكتب “داء الخلافة”.

قد يكون إعلان “تنظيم الدولة” إقامة الخلافة بهذه الطريقة يصب في مصلحة أعداء الخلافة، الذين يرتعبون من ذكرها ويتوجسون خيفة من اليوم الذي تزلزل فيه الخلافة عروشهم، ولذا فنحن نرى أنهم تعاملوا مع هذا الإعلان بخفة فلم ترتعد فرائصهم ولم ترتجف قلوبهم، وما كان من الممكن أن تكون هذه حالهم لو كانت تلك الخلافة خلافة حقيقية تتوفر فيها الشروط الشرعية بأن يكون لها سلطان ظاهر في هذا المكان الذي أقيمت به، يحفظ فيه أمنه في الداخل والخارج، وأن يكون هذا المكان فيه مقومات الدولة في المنطقة التي تعلن فيها الخلافة، فكيف يكون المكان دولة خلافة ولا توجد فيه مقومات الدولة؟".

وأخيرا لا بد من التأكيد على حقيقة أن أمر الخلافة محفور في صدر الأمة وهي تتوق لليوم الذي تعز فيه بإقامتها، وهي أعظم من أن تشوه أو أن ينفض الناس من حول دعاتها الذين يسيرون على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامتها ويعملون مع الأمة وبينها لجعلها واقعا ملموسا على الأرض. نعم الأمة هي من سيقيم الخلافة بقيادة حزب مبدئي، لا ينظر للأمة باعتبارها مجموعة من المرتدين، أو فصائل تجب مقاتلتها، بل الأمة هي التي بها تقام الخلافة.

نعم الخلافة الحقيقية وليست الموهومة هي الدواء لكل الأمراض التي تعاني منها الأمة، وبها وحدها تعود الأمة إلى سابق عزها ومجدها، ناشرة للخير في ربوع العالم، فتقهر أعداء الله الكفار المستعمرين وتُعز المسلمين المؤمنين، ليعلن التاريخ بدء عهد جديد للبشرية يشع نورا وخيرا كما شعّ نور الإسلام من قبل على البشرية جمعاء فأنار لها الطريق، وأخذ بيد من شاء الله لعز الدارين.

كتبه :شريف زايد

دور الأحزاب السياسية في حياة الأمة

صادق محيي الدين-الجزائر

أقسى ما يمكن أن يصيب أمةً في حياتها هو تخلِّيها عن مبدئها لأنه هو وجودها وهويتها. وأسوأ مـا يصيبها في معترك السياسة الدَّولية هو ذهاب دولتـها وذهاب وحدتِـها. فإن كانت الدولة موجودةً كان للأمة وجود في المعترك الدَّولي وإلا فلا.

والوضع الطبيعي للأمة الإسلامية هو أن تعيش حياةً إسلاميةً. ومعنى هذا الكلام هو أن تكون القِوامةُ بمعنى رعايةِ الشأن العام منوطـةً فيها بدولةٍ تقوم على أساس العقيدة الإسلامية، وهي دولة الخلافة وليست شيئاً آخر. وتتولى الدولةُ بطبيعة وظيفتها تطبيقَ جميع أحكام الشريعة داخلياً وخارجياً، معتمدةً في التنفيذ على مدى تقيد الأفراد بالأحكام الشرعية في المجتمع، وعلى مدى شعور الناس بسمو وعدالة الإسلام، وفي الوقت نفسه على قوة السلطان لديها. وهذا هو معنى أن تكون الحياة إسلاميةً. وبذلك تستقيم شؤونُ الأمة الإسلامية جميعاً في ظل الإسلام، ويسعد الناس في الدنيا والآخرة.

أما حالة الاستثناء في الأمة الإسلامية فهي عدم وجود هذه الدولة، كما هي الحال الآن، مع كون معظمِ الناس مسلمين! وهذه حالةٌ لم تُجرِّبها ولم تدخل فيها الأمة إلا مؤخراً، وهي حالة شاذة للغاية لا يمكن أن يستقيم فيها أو معها شأنٌ واحدٌ من شؤون الأمة، لا في الأمور الداخلية ولا في العلاقات الخارجية، بل تكاد تكون هذه الحالةُ حالةَ تعطلٍ تام. وهي تشبه حالةَ الطوارئ عند النوازل، ويُفترض أن تستنهض الجميعَ من أجل التغيير - إذا لم يتبلد الإحساس! ولا يمكن للجماعة في هذه الحالة الاستثنائيةِ ولا للفرد أن يؤدي دوره المحمودَ في الحياة مهما بذل من جهدٍ، وفي أيِّ اتجاه، إلا على سبيل العمل الدؤوب من أجل تصحيح الوضع، بإقامة دولةِ الخلافة، لكي يعود القطار إلى السكة وتعود المياه إلى مجاريها. وكل ما عدا ذلك مما يقوم به الأفراد أو الجماعات في طريق الترقيع أو الإصلاح أو للالتفاف على الواقع يكون إما ثانوياً أو جانبياً.

ولما كانت الشريعة الإسلامية حاكمةً على الزمان والمكان وليس الزمان حاكماً عليها، ولا المكانُ، فزعَ أرباب العقول من أبناء الأمة من أهل العلم والفهم إلى استنطاقها قرآناً وسنةً فوجدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ من أولِ يوم في مكةَ يستهدف تغييرَ المجتمع تغييراً جذرياً من الأساس على جميع الصُّعد، إذ كان مدار حياةِ قريش وقتذاك على ما كان في مكة أمِّ القرى من ثقلٍ سياسي وثقافي واقتصادي واجتماعي بوصفها مقر الآلهة، وموطنَ رؤوسِ الشرك، ومكانَ عبادةِ الأوثان، ومحط أنظارِ العرب، ومركزَ تجارةِ المواسم،ِ وغير ذلك. وكان عمله صلى الله عليه وسلم عملاً جماعياً من أول يومٍ، إذ كان يكتل الناس من حوله من أجل التصدي لبِنية المجتمع برمته، وكان طبيعياً أن يبرز على دعوته تصديه لعقيدة الشرك وما نتج عنها من نظمٍ، لأنها هي أساس المجتمع، وهذا هو موضع التأسي، ولم يقبل من زعماء مكة أيَّ حل وسط يُبقي على النظام القائم آنذاك رغم كل الإغراءات والمساومات والمحاولات، ورغم كل الدعايات والإشاعات والمضايقات.

ولما كانت السياسة هي الرعاية والاهتمام بالشأن العام، فإن الحزب السياسي (أو الأحزاب السياسية) في الإسلام ليست شيئاً غير هذه أو تلك الجماعة المؤمنة المتكتلة على أساس الإسلامِ الذي هو الخير كل الخير، والدعوةِ إليهِ بوصفه عقيدةً سياسيةً ونظاماً يحكم الحياة، وكان العمل السياسي من أجل عودة الإسلام إلى معترك الحياة (في هذا الزمان الذي غابت فيه دولة الإسلام) من أعظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير، وهو الأمر الذي جاء في الآية 104 من سورة آل عمران حيث يقول الله سبحانه وتعالى:  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  والناظر في الآية الكريمة يجد فيها ستةَ أمور:

وجوب العمل، أي كون المطلوب في الآية فرضاً. حيث إن صيغة الأمر في النص للوجوب باتفاق، وأنه من فروض الكفاية. والمقصود هو إيجادُ وإقامة التكتل الذي يدعو إلى الإسلام ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

أن يكون العمل جماعياً: أمةٌ يدعونَ إلى الخير.

أنَّ التكتل لابد أن يكون سياسياً، أي أن يستهدفَ الحكم ويهدف إلى أن تكون الرعايةُ العامة في الأمة وفقَ أحكام الشريعة. ذلك أن أعظم منكر هو تعطيلها من طرف الحاكم، إذ هو صاحب الولاية العامة على الناس. فيلزم شرعاً أن يكون اهتمام التكتل أو الحزب شاملاً نواحي الحياة جميعاً. ولا يصح أن يكون مقتصرا ً على جانبٍ من حياة الأمة دون آخر، كأن يكون مثلاً تكتلاً خيرياً أو تعليمياً أو أخلاقياً يعالج أو يسعى لمعالجة بعضِ المفاسد المترتبةِ على مفاسدَ أكبر منها أو الناجمةِ في الأساس عن إبعاد الإسلامِ ككلٍّ عن الحكم، لأن ذلك يطمس الحقيقةَ ويغطي على منبع الفساد الأول. علماً أن قيام الأفراد بمختلف أنواع الخير والبر عموماً أمر ٌ مطلوب مطلقاً.

وهنا مفارقة عجيبة: يظن كثير ممن في قلبه وعقله شيء من مرض فصل الدين عن الحياة الخبيث الذي وفد إلينا من الغرب العدو الحاقد، مع حملة الغزو الاستعماري الثقافي والسياسي والعسكري، أنَّ جعلَ الجماعةِ أو التكتل سياسياً هو قصر له على جانبٍ من الإسلام دون آخر. ذلك أن فصلَ الدين عن الحياة نتج عنه في عقول هؤلاء طبيعياً فصلُ الدين عن السياسة، وفصله عن الدولة، وأنتج في قلوبهم تضاداًّ في الشعور وفي اللاشعور بين الدين والسياسة، فصاروا طبيعياً ينفرون من الأحزاب السياسية، وصاروا ينفرون ويفرُّون من السياسة متمسكين في زعمهم بالدين. كما صارت السياسةُ عند كثير من أبناء الأمة الإسلامية - قياساً على ما حصل في الغرب من معنى ومن تطبيقٍ للسياسة - لا تعني سوى الانفلات من الدين من أجل خدمةِ وتحقيق المصالح عبر كل الوسائل. والحقيقة هي أن كون التكتل سياسياً هو الضمانة الشرعية والحقيقية أن يشمل اهتمامُ المهتمين وعملُ العاملين فيه نواحي الحياة جميعاً في الأمة، وليس العكس. لا فرق بين ما هو من شؤون الحكم أو الاجتماع أو التعليم أو الاقتصاد أو غير ذلك، فكله من الدين. ذلك أن الإسلام دين منه الدولة، وليس ديناً مفصولاً عن الدولة، وأن الحزب السياسي عملُه فكريٌّ وسياسيٌّ ينصبُّ على رعاية شؤون الأمة جميعاً بالإسلام، وحرصُه شديدٌ على أن تكون وفقَ ما جاء في الكتاب والسنة، فهو يشمل كافةَ مجالاتِ الحياة لا يتخلف عنها واحد! أما العلمانية فهي نوعٌ من أنواع الشرك، لأنها لا ترضى أن تُسيَّر الحياةُ وفق أوامر الله ونواهيه، فهي تتناقض مع الإسلام كلياًّ وفي الأساس، ولا يدين بها إلاَّ هالك.

وللبحث بقية

إن لم تكن الخلافة نهجا إسلاميا فماذا تكون؟!

الكاتب :شريف زايد

هو عنوان مستفز لمشاعر المسلمين في كل مكان، ذلك العنوان الذي صدره موقع يسمى 24 عندما عنون للقاءٍ مع عضو مجمع البحوث الإسلامية ووكيل الأزهر الأسبق الشيخ محمود عاشور بهذا العنوان المستفز “الخلافة ليست نهجا إسلاميا”.

ثم يعود الشيخ ليكرر في حواره استفزازات أخرى، فيقول أن “الخلافة ليست فكرة إسلامية”، وأنها “ليس منصوصا عليها في الشريعة الإسلامية في الأساس”، وأنها “ليست فرضا إسلاميا”، وأنها “ليست نصا إسلاميا”، وأنها “ليست أصلا في حد ذاته نظاما يوحد الشعوب الإسلامية” ، وأنها “لم تكن النظام الوحيد في الدولة الإسلامية”، وهكذا يظل الشيخ سادرا في غيه، لا يردعه شيء، فلا تاريخ الأمة العظيم في ظل خلافتها لأكثر من ثلاثة عشر قرنا يكفيه، ولا إجماع الصحابة على وجوب تنصيب خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يلجمه عن وصف الخلافة بأنها ليست نهجا إسلاميا، ونحن بدورنا نسأل؛ هل كانت إذا نهجا من الجاهلية الأولى؟! فهي إن لم تكن نهجا إسلاميا فهي بمفهوم المخالفة نهجا كفريا، وهل كانت كما قال أحدهم اختراع الصحابة، فهل يقبل عاقل هذا الكلام فضلا عن أن يكون وكيلا للأزهر وعضوا في مجمع البحوث الإسلامية؟! وهل يا ترى يكفيه ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن طريق نافع قال: قال لي ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». أو ما قاله صلى الله عليه وسلم:«إنما الإمام جُنة يُقاتَل من ورائه ويُتّقى به»، أو ما رواه مسلم عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر»، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم». أو ما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية».

وإن لم يكفه كل ذلك فليعتبر بسلفه الشيخ علي عبد الرازق الذي أخرجه الأزهر من زمرة العلماء لأنه جدف كما يجدف هو في أمر عظيم كأمر الخلافة يتوقف عليه إقامة الدين وتنفيذ أحكام الشرع في جميع شؤون الحياة الدنيا والأخرى، ولا يتصور أن الشيخ عاشور لا يعرف القاعدة الأصولية الشهيرة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). لقد قامت هيئة كبار العلماء في الأزهر بمحاكمة علي عبد الرازق وأخرجته من زمرة العلماء وفصلته من العمل كقاضٍ شرعي، وقد وجهت الهيئة ست تهم، تتهم فيها كتاب “الإسلام وأصول الحكم”، وكاتبه بالضلال، حيث قالت إن الكتاب تسبب في:

1- جعل الدين لا يمنع من أن جهاد النبي كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين ولا لإبلاغ الدعوة للعالمين.

2- اعتبار نظام الحكم في عهد النبي موضع غموضٍ أو إبهام أو اضطراب أو نقص وموجبًا للحيرة.

3- اعتبار أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بلاغًا للشريعة مجردة عن الحكم والتنفيذ.

4- إنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وأنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمورها في الدين والدنيا.

5- إنكار أن القضاء وظيفة شرعية.

6- اعتبار حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعده حكومةً لادينية.

فهل خرج ما قالة الشيخ عاشور عما وقع فيه الشيخ عبد الرازق، ولو كان الأزهر اليوم كما كان بالأمس لما كان من الشيخ عاشور وأمثاله ما كان، ولما قال ما قال، ولو خافوا الله واتقوه حق تقاته لما اتهموا دينه بأنه أهمل أمرا عظيما كأمر الحكم، فتركه ولم يبينه للأمة، وكأنه أمر هامشي لا يتوقف عليه وجود الإسلام في الحياة.

لقد تجاوزت الأمة مسألة فرضية الخلافة وكونها هي فقط نظام الحكم في الإسلام، فهي وعد الله وبشرى رسوله صلى الله عليه وسلم، والأمة الآن تتوق لليوم الذي تقوم فيه هذه الخلافة على منهاج النبوة، نعم لقد تجاوزت الأمة تلك المسألة بينما لا يزال هناك فئة من المشايخ والعلماء ومدعي الفكر يرددون هذا الكلام المملول المكرر الذي عفى عليه الزمن وتجاوزته الأمة.

كان الأجدر بالشيخ عاشور أن ينضم للأمة في سعيها لإعادة خلافتها مرة ثانية ليعز فيها الإسلام وأهله ويذل بها الشرك والكفر وأهله، ليكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

كتبه :شريف زايد

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرى الحرب العالمية الأولى والخلافة

ألكاتب: شريف زايد

استطاعت القوى الغربية في الحرب العالمية الأولى توجيه ضربة موجعة للأمة الإسلامية تمثلت في هزيمة الدولة العثمانية والقضاء على الخلافة واستعمار ولاياتها العربية وفق اتفاقية سايكس-بيكو 1916م، وأتبعتها بضربة موجعة أخرى هي إعطاء وعد بلفور لليهود في 1917م، ومساندتهم في إيجاد دولة لهم في فلسطين. ويكاد يكون ذلك أهم إنجاز للغرب في تلك الفترة، ورغم ذلك لا يعرف الكثير من المسلمين عن الحرب العالمية الأولى سوى أنها كانت بين ألمانيا ودول الغرب بريطانيا وفرنسا وأمريكا ومن ثم روسيا، وفي هذه الأيام تمر ذكرى اندلاع تلك الحرب وبالتحديد في 1914/7/28م، ومن اللافت أن معظم التقارير والأفلام الوثائقية تتجاهل الحديث عما حدث للدولة العثمانية، وإن تحدثت يكون حديثا مقتضبا لا يلامس الواقع التاريخي بشكل حقيقي ولا يبين مدى الكارثة التي حلت بالأمة الإسلامية من جراء تلك الحرب، وكأن الدولة العثمانية آنذاك كانت دولة هامشية لا قيمة لها، وكأن تداعيات تلك الحرب لم يكن لها أكبر الأثر في قلب موازين القوى في العالم، وخلق واقع جديد كان الغرب يحلم به ويسعى إليه، بل ويتمنى أن يستيقظ من نومه ليرى ذهاب دولة المسلمين دولة الخلافة العثمانية، ليرتاح الغرب ويطمئن أن لا راعي ولا حامي للأمة الإسلامية بعد القضاء على ما تبقى من دولتهم، والتي على ضعفها وهزالها في أواخر أيامها استطاعت أن تقف سدا منيعا أمام مخططات يهود ومن ورائهم الغرب للسيطرة على فلسطين وإقامة دولتهم المزعومة فيها، لتكون خنجرا مسموما في خاصرة الأمة الإسلامية يمنعها من الوحدة مرة ثانية وإعادة أمجاد المسلمين. ولا تزال الأمة تعاني حتى اليوم من غياب دولة المسلمين فتداعت الأمم على أمة الإسلام كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، احتلال هنا وقتل وتدمير وتشريد هناك، ونهب منظم لثروات الأمة، وتبديد لمقدراتها، وإفقار لشعوبها بأيدي حكام رويبضات رضوا بأن يكونوا أدوات في يد الغرب الكافر ليمنعوا أي عمل يستهدف عودة العزة للأمة الإسلامية.

كان السلطان عبد الحميد يدرك جيدا أنه في يوم من الأيام ستنشب مثل تلك الحرب بين دول أوروبا التي تتربص بالخلافة وتنوي لها كل شر، وكانت خطته تتلخص في الاستعداد لذلك اليوم بتقوية الدولة عسكريا وتجهيزها وتطويرها، ومن ثم الانضمام لدولة تسود البحار ليتمكن من مواجهة أعداء الدولة الذين يكيدون لها وبخاصة إنجلترا وفرنسا، ولكن تم التآمر على السلطان وعزله في 1909، وبعد ذلك بخمس سنوات قامت الحرب وانحازت الدولة العثمانية لألمانيا ولكنها لم تكن جاهزة لدخول مثل تلك الحرب، فأصابتها الهزيمة التي كانت مقدمة للقضاء عليها ومحوها من خارطة القوى السياسية العالمية التي كانت لها فيها كلمتها المسموعة.

لقد نص بروتوكول معاهدة لوزان المعقود بين الحلفاء والدولة التركية عام 1923 على الشروط المعروفة بشروط كرزون الأربعة على ما يلي:

أولا - قطع كل صلة بالإسلام.

ثانيا - إلغاء الخلافة الإسلامية.

ثالثا - طرد الخليفة خارج الحدود، ومصادرة أمواله.

رابعا - اتخاذ دستور مدني بدلا من دستور تركيا القديم المؤسس على الإسلام.

والمتأمل في تلك الشروط يدرك مدى الحقد الذي كان يحرك الحلفاء تجاه الدولة العثمانية باعتبارها دولة للمسلمين، وله أن يتساءل ما علاقة تلك الشروط بقضية الحرب، وهل كانت هناك شروط مماثلة تتعلق بألمانيا، إلا إذا كان الأمر يتعلق بخوف حقيقي من دولة الخلافة وحرص شديد من الغرب على القضاء عليها. لقد كانت هناك معارضة شديدة من قبل بعض أعضاء مجلس العموم البريطاني لانسحاب قوات التحالف من اسطنبول والاعتراف بالجمهورية التركية، لكن كرزون وزير خارجية بريطانيا آنذاك اعتبر تلك المعارضة والخوف من بعض نواب المجلس غير مبرر، ذلك أنه أدرك أن تركيا لن تقوم لها قائمة بعد القضاء على مصدر قوتها الإسلام والخلافة، وهذا هو ما قاله لهم بالنص، “القضية أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها: الخلافة والإسلام”.

كل هذا وأكثر يتم تجاهله من قبل كل من أحيا ذكرى الحرب العالمية الأولى، فهو لا يريد تذكير المسلمين بتكالب دول الغرب الكافر على دولتهم دولة الخلافة العثمانية، وهو لا يريد تذكير المسلمين بالنتائج الخطيرة التي أضرت بالمسلمين أكثر من غيرهم، برغم أن تلك الحرب هي من دق المسمار الأخير في نعش خلافة المسلمين، ونحن هنا نريد أن نؤكد للأمة إدراك الغرب لخطورة أن يكون للمسلمين دولة بحجم دولة الخلافة، فإذا كان الغرب يدرك ذلك ويخاف منه فيجب على المسلمين أن يهبوا لإقامة تلك الدولة مرة ثانية ولتكن على منهاج النبوة حتى تزلزل كيان الغرب الكافر وتجعل كيدهم في نحرهم، وما ذلك على الله بعزيز.

كتبه :شريف زايد

ثم يرى سيادته أن هيمنة وسيطرة الخلافة على العالم آنذاك ليست ميزة يتفاخر بها المسلمون، فالاسكندر سيطر وهيمن على العالم أيضا حسب قوله. وتناسى عيسى أو تغافل عن أن هيمنة الاسكندر وسيطرته كانت هيمنة استعمارية انتهت بموته وزوال ملكه بينما الفتوحات الإسلامية صهرت الشعوب المفتوحة في بوتقة الإسلام برغم اختلافاتهم العرقية واللغوية، وحققت الدولة الإسلامية نجاحًا منقطع النظير في إيجاد تلك الأمة الإسلامية المترامية الأطراف، وهذا ما لم يحدث لأي مبدأ أو دين سوى للإسلام وللدولة الإسلامية. وبرغم زوال الدولة الإسلامية وسلطان المسلمين من الأرض وتعرض أغلب شعوب الأمة للقمع والاضطهاد بسبب إسلامها إلا أنها ظلت متمسكة بإسلامها وعقيدتها تعض عليها بالنواجذ، فكيف لهذا الرجل أن يساوي بين الفتح الإسلامي والاستعمار المقدوني للشعوب وإذلالها ونهب ثرواتها وخيراتها؟!

وأما قوله “أن الخلافة كانت موجودة والصليبيين احتلوا المسلمين، والمغول كمان”، فقول ساقط لا يمكن أن يكون مبررا لرفض الخلافة، فالخلافة دولة بشرية وليست دولة إلهية يصيبها ما يصيب الدول من ضعف وفتور، ولكنها برغم تلك الهزيمة عادت فلملمت شتاتها وطردت الصليبيين شر طردة، وهزمت المغول، بل واعتنق المغول دين الإسلام وحملوه للعالم بالدعوة والجهاد، وبنفس منطق إبراهيم عيسى المعوج هذا سيرفض دولة النبوة كذلك لأنها هُزمت في أحد، وكاد أن يُعصف بها في حصار الأحزاب، وكاد أن يفتك بجيشها في مؤتة لولا الانسحاب الماهر للجيش بقيادة خالد بن الوليد.

ثم لماذا لا نرى الصحفي الهمام يشن حملة مماثلة على النظامين الملكي والجمهوري اللذين في ظلهما ضاعت فلسطين وهزمت جيوش سبع دول عربية أمام عصابات يهود، وفي ظل النظام الجمهوري ضاعت سيناء والجولان والضفة وغزة، هزائم تتلوها هزائم في ظل تلك الأنظمة العفنة التي لا تقارن بدولة الخلافة، فقد احتلت أفغانستان والعراق، ويقتل الآلاف من أهلنا في فلسطين تحت سمع وبصر أنظمة عربية مهترئة ولا حياة لمن تنادي، هل تقارن تلك الدول المهللة بمواقف الخلافة الإسلامية التي كانت لها الكلمة العليا واليد الطولى في كل أنحاء العالم، مَنْ مِن حكام العرب والمسلمين اليوم يمكن أن يصرخ المسلمون باسمه كالمعتصم، أو هارون الرشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟!.

ونحن عندما نحكم على النظام الجمهوري بالفشل نحكم عليه من ناحية فساد الأسس التي قام عليها كفكرة السيادة للشعب وفكرة الحريات المقيتة، لا لأن الجمهورية الفرنسية مثلا سقطت في الحرب العالمية الثانية واحتُلت باريس من قبل ألمانيا.

والرجل يزداد تضليله وغيّه عندما يدعي أن عمر وعثمان رضي الله عنهما توليا الخلافة بالتعيين، وما كان لعمر أن يكون خليفة للمسلمين بمجرد ترشيح أبي بكر له، بل أصبح خليفة للأمة ببيعة الأمة له بعد موت أبي بكر، ناهيك عن أن الأمة هي من طلبت من أبي بكر أن يعهد لأحد من بعده، ولقد رأى رضي الله عنه أن الأمة لا تعدل عن عمر لغيره. وما كان اختيار عثمان إلا بعد ثلاثة أيام من وفاة عمر قضاها عبد الرحمن بن عوف في استطلاع رأي أهل المدينة شيوخا وشبابا، رجالا ونساء، حتى استقر الأمر لعثمان، وليس كما يدعي عيسى أن عثمان تم تعيينه من قبل الستة مرشحين. ثم ليقل لنا السيد عيسى المغرم بالنظام الجمهوري كيف وصل عبد الناصر للحكم؟! أليس من خلال انقلاب عسكري؟!، وهل تم انتخاب السادات أو مبارك أم تم تعيينهما؟ وهل يقال على الانتخابات الهزلية التي خاضها السيسي إلا أنها صورة مزيفة وما هي إلا تعيين له في هذا المنصب؟!

وبالنهاية فإن الخلافة على منهاج النبوة هي نظام الحكم الذي فرضه رب العالمين على هذه الأمة والنصوص في ذلك كثيرة ومستفيضة، لا يرفضها إلا من كان به صمم، والمسلمون يدركون ذلك ويسعون بكل جد واجتهاد لإعادة تلك الخلافة مرة ثانية ليس لأنها نظام جميل وجيد وحسن وإن كانت كذلك بالفعل، ولكن لأنها فرض من رب العالمين شاء من شاء وأبى من أبى.

شريف زايد

بسم الله الرحمن الرحيم
الخلافة القادمة الغائظة لأذناب العلمانية
مقالــة بقلم : شريــف زايـــد
ما زال بعض أذناب العلمانية في مصر يُصر على السير في طريق التضليل حتى نهايته، فمنهم من يسن قلمه ومنهم من يطلق لسانه لضرب الإسلام من ناحية سياسية، ليوهم الأمة أن ليس للإسلام نظامٌ سياسيٌ محددٌ، بل وليس من شأن الإسلام أن يكون له صلة بالحكم والسياسة، ويكاد يظهر الغيظ من الخلافة في كلامهم جميعا، والكل ينهل مما أسس له الكتاب الساقط “الإسلام وأصول الحكم” الذي يقرر كاتبه بكل صلف واستكبار “أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة. الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية. كلا، ولا القضاء ولا وظائف الحكم ومراكز الدولة، إنما تلك خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع منها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة”.

إن هذا الكلام يعد عند هؤلاء العلمانيين كلامًا محترمًا ينسف فكرة الخلافة عند الإسلاميين الذين يدعون لها، خاصة وقد صدر عن شيخ معمم من علماء الأزهر الشريف، وبرغم أن الأزهر أخرجه من زمرة العلماء حينها، إلا أن هذا القرار عند هؤلاء العلمانيين هو قرار سياسي صدر بإيعاز من الملك فؤاد الذي كان يخطط لأن يكون خليفة المسلمين حينها، وبرغم أنه صدرت الكثير من الكتب التي تفند دعاوى الكاتب الساقطة إلا أن هؤلاء العلمانيين لم يكلفوا أنفسهم عناء قراءة تلك الكتب التي تتميز عن كتابهم الأيقونة هذا بالعمق والشمول وإيراد الأدلة الشرعية على أقوالهم. لقد عميت قلوب هؤلاء عن كل هذا وانبروا يرددون ما كتبه علي عبد الرازق متصورين أنه قد يسعفهم في معركتهم التي يخوضونها ضد الإسلام باعتباره نظامًا كاملًا شاملًا والحكم جزء منه.

ففي 27 سبتمبر الماضي كتب إبراهيم العريس في جريدة الحياة مقالا بعنوان “«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق: معركة حول قضية الخلافة”، والمقال عبارة عن محاولة لاستدعاء الكتاب والكاتب في معركة فاشلة يخوضها التيار العلماني ضد دولة الخلافة بشكل خاص وضد فكرة أن الإسلام دين ومنه الدولة بشكل عام، والعجيب أن الكاتب يعترف بفشل الكتاب وكاتبه في خوض المعركة وقتئذ، وبرغم ذلك يستدعيه اليوم في معركة أكثر من فاشلة، فالأمة اليوم أكثر وعيًا على إسلامها، وأكثر التفافا حول فكرة الخلافة باعتبارها نظام حكم إسلامي وفريضة فرضها الله على هذه الأمة.

وعلى صعيد مواز على شاشة التلفاز نسمع ونرى إبراهيم عيسى يوجه سهامًا طائشة نحو دولة الخلافة، وهو أيضا لم يأت بجديد، فهو يردد ما قرأه في كتب المستشرقين وأعداء الخلافة والأمة، فالخلافة بالنسبة له نظام أسود وقمعي، فهو يردد في برنامجه هذا الكلام الساقط كالببغاء قائلا: “إن الحكم الإسلامي منذ بدايته لم يستقر على نظام شوية أبو بكر بالانتخاب، وعمر بالتعيين، وعثمان بالتعيين، وعلي بالانتخاب، ومعاوية بحرب أهلية طاحنة، وبعد كده كل واحد بيورث ابنه”. بل ويعتبر عيسى “الدعوة للخلافة هي دعوة للجهالة، فالخلافة كانت موجودة والصليبيين احتلوا المسلمين، والمغول كمان”، مضيفًا: "الخلافة كانت نظام أسود وكله قمع وحروب أهلية وصراعات.

>>>>>>>>>>>>>>2

بسم الله الرحمن الرحيم

خبر وتعليق

العالم الآن في حاجة إلى دولة خلافة

الكاتب : مصطفى هاشم زايد - مصر

الخبر:

ذكرت شبكة الإعلام العربية محيط على موقعها الإلكتروني يوم الاثنين 2015/1/12، نقلا عن وزير الأوقاف المصري، محمد مختار جمعة، إن مصر في مقدمة الدول التي تحارب الإرهاب، مؤكداً استعداد مصر لنشر ثقافة التسامح في العالم كله، كما أشار في مداخلة هاتفية مع فضائية «أون تي في»، اليوم الاثنين، إلى أن الإرهاب لا دين له ولا وطن ويهدد دول العالم ككل، معرباً عن خشيته في أن يخلط اليمين المتطرف بين موقف الإسلام والإرهاب، وأضاف أن الوطن العربي يُحرق بنار الإرهاب، وأن العالم بحاجة لاتفاق إنساني دولي لمواجهة التنظيمات الإرهابية أياً كان انتماؤها.

التعليق:

الإرهاب كلمة مشتقة من فعل أرهبَ يُرهب، إرهابًا، فهو مُرهِب، والمفعول مُرهَب بمعنى خائف أو مروع، ومنه قوله تعالى ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكمْ﴾ أي تقذفون الرعب والرهبة في نفوسهم، هذا هو المعنى اللغوي والذي يختلف عن مفهوم الغرب للإرهاب واستعماله له كمصطلح، فالغرب اعتبر الإرهاب هو كل ما يهدد مصالحه وبقاءه ونهبه لثروات الأمة، وهيمنته على خيراتها ومقدراتها. ولهذا أصبح الإرهاب من منظوره هو الإسلام الذى يهدد هذه المصالح بل يهدد وجوده وعملاءه من الحكام والعلمانيين المضبوعين بثقافته. ومن هنا أعلن الغرب حربه على الإرهاب والتي وجهت بكل قوتها إلى المسلمين قتلا وحرقا وتدميرا وتشريدا، فصرنا لا نكاد نرى بقعة إلا وفيها نهر من دماء المسلمين، فمن بورما إلى مالي إلى غزة إلى أفغانستان والعراق وسوريا وغيرهم. وهنا نتساءل: من الذي يصنع الإرهاب؟! القاتل أم المقتول؟! المحتل الغاصب أم صاحب الأرض؟!

إننا لا نستهجن دعاوى الغرب وعملائه وأذنابه وادعاءهم على الأمة فهذا شأنهم وتلك حربهم الأخيرة، إنما المستهجن أن يدور في الإطار نفسه من يسمون أنفسهم علماء، ويتقولون بأنهم وحدهم المنوط بهم اعتلاء المنابر وأنهم وحدهم من يؤخذ منهم فهم الإسلام، فصرنا نراهم يرددون ما يريده الغرب كالأبواق، منتفضين معه وفي ركابه من أجل اعتداءات لم يتم التحقق من فاعليها ورغم كونها قد تمت في حق من نالوا من الإسلام في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما لم نسمع منهم كلمة واحدة ينتصرون بها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نراهم يطالبون بتعاون عالمي ضد الإرهاب بمفهومه الغربي.

يا مشايخ الأزهر والأوقاف أليس في نشر تلك الرسوم المسيئة لنبيكم إرهاب؟! فأين أنتم ممن سخروا من نبيكم ومن دينكم على ملأ من الناس أجمعين؟!

الغرب يقتل أبناء الأمة فى كل مكان ولا يراق دم في الأرض إلا دم المسلمين، فأين أنتم من هذه الدماء؟! أليس قتل المسلمين في مالي بطائرات فرنسا إرهابا؟! أليس قتل أطفال غزة بقصف طائرات يهود وحصارهم وغلق المعابر عنهم إرهابا؟! فمن هم صانعو الإرهاب؟!

أيها المسلمون، راجعوا تاريخ أمريكا وهو ليس بالبعيد، وانظروا كيف أبادوا شعبا كاملا ليبنوا دولتهم. وتاريخ فرنسا في الجزائر وقتلهم وقطعهم رؤوس المسلمين هناك، وتاريخ بريطانيا في فلسطين وتسليمها لليهود وتآمرها مع الهالك مصطفى كمال لهدم الخلافة حصن الأمة الحصين والتي لم يكن الغرب ليجرؤ على التطاول على الاسم ولا على نبينا في وجودها، راجعوا تاريخ الغرب في الأندلس ومحاكم التفتيش لتعلموا ما هو الإرهاب ومن يصنعه.

إن الغرب هو الذي صنع الإرهاب ورعاه ووجهه نحو أمتنا ليمنعها من قيام دولتها التي تحررها من هيمنته عليها ونهبه لخيراتها وثرواتها ومقدراتها، فلا تكونوا من أدواته ولا تسيروا في ركابه فباطله حتما إلى زوال، والأمة على موعد قريب مع خلافة على منهاج النبوة، لن ترضى عنها بديلا، والغرب يدرك ذلك يقينا، ويعد لذلك العدة، بل إن تصعيده فى حربه ضد الأمة ليست إلا لاستشعاره قربها وخوفه منها حين تحاسبه على ما نهب من ثروات الأمة وما سفك من دم أبنائها الطاهر النقي، فيسعى لتأخيرها قدر استطاعته ومثله كمثل الذي يريد أن يطفئ الشمس بفيه.

وإن العالم الآن وبعد ما ذاق من ويلات الغرب وإرهابه وقتله وتدميره يحتاج إلى خلافة ثانية على منهاج النبوة تملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا وظلما، تطبق الإسلام فيراه الناس واقعا عمليا مطبقا، فيرون الفرق بونا شاسعا بين قيادة الإسلام للعالم بعدل أحكامه الصادرة عن وحي الله لنبيه، وبين وحشية الغرب ورأسماليته التى طالما نهبت وخربت وقتلت وأرهبت، فيدخلون في دين الله أفواجا وأمما ولا يبقى بيت حضر ولا وبر إلا ويظله الإسلام بعدله ورعايته.

يا علماء الأزهر وشيوخ الأوقاف؛ كونوا في صف الأمة لا في صف عدوها، وارجعوا إلى ما تعلمتم من كتاب وسنة، وانظروا إلى وعد الله بالنصر والتمكين وخلافة ثانية على منهاج النبوة؛ وعد حق وصدق آت لا محالة وإن كره الغرب الكافر وحارب وفعل ما فعل فسنتهم سنة أبي جهل وملأ قريش، وسينالون ما نالوا من حسرة وخسران، فلا تكونوا معهم فينالكم نصيب مما يكسبون، وكونوا مع من سنتهم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام فتفوزوا فوزهم وتنالوا عزهم، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

مصطفى هاشم زايد

فطلب النصرة هو حكم شرعي يقوم بموجبه طالب النصرة بطلبها من أجل أن يمكن ليقيم شرع الله تعالى في كيان سياسي تنفيذي هو دولة الخلافة، وهذا الحكم لا يتحقق إلا إذا حقق مناط تطبيقه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال للعباس (لا أجد فيك ولا في أخيك منعة) وطلب النصرة بعدها من القبائل، وهذا يبين لنا كيف يحقَّق مناطُ الحكم، ومن تتبع سيرته صلى الله عليه وسلم في طلبه للنصرة نجده قد طلبها ممن يستطيع أن يمكنه من السلطان والحكم لتطبيق الإسلام، فقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب النصرة بزعماء القبائل وذوي الشرف والمكانة ممن لهم أتباع يسمعون لهم ويطيعون، لأن هؤلاء هم القادرون على توفير الحماية للدعوة ولصاحبها. أما الانقلاب فإنه ليس حكما شرعيا، والقول أنه بعينه طلب النصرة يعني أنه حكم شرعي وأنه من الطريقة الشرعية التي يجب أن نلتزم بها، فلا بد من أخذ الحكم بالانقلاب، وهذا غير صحيح، إذ إن الانقلاب أسلوب من أساليب أخذ الحكم يقوم به أهل النصرة (وفق ما يرونه باعتبارهم القادرين على إعطاء الحكم) فقد يقول أهل النصرة لطالبها نعطيك الحكم بانقلاب، وقد يقولون له لا حاجة لانقلاب. فالانقلاب وسيلة يقررها أهل النصرة، أي من بيدهم إعطاء الحكم وهم أهل القوة والتأثير في البلد، وقد أعطى الأنصار الرسول صلى الله عليه وسلم النصرة دون أن يقوموا بانقلاب لأنهم كانوا الحكام الفعليين في يثرب. ولذا لا بد من التركيز على بناء القاعدة الشعبية أو القاعدة الكبرى وإيجاد الرأي العام الكاسح للفكرة في المكان المراد إقامة الدولة فيه، وهذا ما لا يراعيه الانقلاب العسكري، فهو لا يحسب حسابًا للناس ولا لآرائهم، ولا يستند إلى قاعدة شعبية تكونت من خلال وعي عام على الفكرة التي تحرك من أجلها أهل القوة والنصرة، وهي هنا الخلافة.

وفي النهاية فإن الكاتب السيد اللواء الذي أخذ يصول ويجول ليهاجم فكرة الخلافة وينفي عنها صفة الحكم الشرعي ويتهمها بأنها كانت سببا لسفك دماء المسلمين؛ لم يقل لنا وللقارئ الكريم، إذا كانت الخلافة بهذا السوء كما يصورها، فهل حققت الأنظمة العلمانية المتعاقبة في بلاد المسلمين للمسلمين أمنا وأمانا؟!، وهل حفظت دماءهم وأعراضهم؟! أم إنها أوغلت في دمائهم وتربعت على كرسي الحكم فوق أشلائهم لتذيقهم صنوفا من الذل والهوان، وتسلمهم وثرواتهم لعدو لئيم ظل متربصا بها لعقود طويلة، وخاض ضدها حربا صليبية لم يعلن عن نهايتها إلا عندما قضى على خلافتها واحتل أرضها وشتت شملها في مزق تسمى دولا، لا تملك قرارا ولا ترد يد لامس ولا تحفظ عرضا ولا تصون أرضا.

إن الخلافة التي نريدها هي خلافة راشدة على منهاج النبوة وليست ملكا عاضا ولا مسخا مشوها كخلافة تنظيم الدولة، وهي وحدها التي ستنقذ الأمة من مستنقع الفقر والعوز والفوضى والأزمات المتلاحقة التي وقعت فيها، وهي مشروع الأمة العظيم الذي ستلتف حوله بكل تأكيد، لأنه يشكل حضارة وتاريخ هذه الأمة فضلا عن أنه حكم شرعي واجب الاتباع وبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيقه.

وأما السنة:

فقد روى مسلم عن طريق نافع قال لي ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» والبيعة لا تكون إلا لخليفة لا غير. فالواجب هو وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة، لأن الذي ذمَّه الرسول هو خلوُّ عنق المسلم من بيعة حتى يموت، ولم يذم عدم البيعة. وروى مسلم عن أبي حازم قال: "قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر»، قالوا: فما تأمرنا، قال: «فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم».

وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»، فالأمر بطاعة الإمام أمر بإقامته والأمر بقتال من ينازعه قرينه على الجزم في دوام إيجاد خليفة واحد.

وأما إجماع الصحابة:

فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله بعد موته وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر ثم لعمر ثم لعثمان بعد وفاة كل منهم، وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم عقب وفاته واشتغالهم بنصب خليفة له، مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض، ويحرم على من يجب عليهم الاشتغال في تجهيزه ودفنه الاشتغال في شيء غيره حتى يتم دفنه، وقد تأخر دفن الرسول صلى الله عليه وسلم ليلتين مع إجماع الصحابة على عدم إنكار ذلك ومع قدرتهم على دفن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكان ذلك إجماعًا على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الرسول، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت. فكان إجماع الصحابة دليلا صريحا وقويا على وجوب نصب الخليفة. فالقعود عن إقامة خليفة للمسلمين معصية من أكبر المعاصي لأنه قعود عن القيام بفرض من أهم فروض الإسلام ويتوقف عليه إقامة أحكام الدين بل يتوقف عليه وجود الإسلام في معترك الحياة.

وهنا أنقل رأي بعض العلماء في الخلافة:

قال أبو المعالي الجويني (في غيَّاث الأمم): “… فإذا تقرر وجوب نصب الإمام فالذي صار إليه جماهير الأئمة أن وجوب النصب مستفاد من الشرع المنقول”. وقال ابن حزم (في الفصل في الملل والأهواء والنحل): “اتفق جميع أهل السنة وجميع الشيعة، وجميع الخوارج (ما عدا النجدات منهم) على وجوب الإمامة”. وقال الماوردي (في الأحكام السلطانية): “وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم”. وقال ابن حجر العسقلاني (في فتح الباري): “وقال النووي وغيره: …وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل”. وقال ابن حجر الهيثمي (في الصواعق المحرقة): "اعلم أيضا أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

والغريب أن الكاتب عندما قام بنقل مواقف العلماء من الخلافة لم يجد من يستشهد به لرفض الخلافة كنظام حكم للمسلمين إلا الشيخ محمد عبده والشيخ علي عبد الرازق، ومعروف للكثيرين من هما هذان الشيخان؛ فالأول هو زعيم مدرسة التوفيق بين الحضارة الغربية والإسلام ورجل اللورد كرومر في مصر الذي تولى عملية التغريب في مصر، والذي يعتبره العلمانيون زعيم الإصلاح الديني حتى الآن، والثاني هو صاحب كتاب “الإسلام وأصول الحكم” الذي شذ به عما يشكل إجماعا لعلماء الأمة قديما وحديثا من أن الخلافة هي نظام الحكم في الإسلام الذي ارتضاه الله لهذه الأمة. والذي بسببه تم طرده من الأزهر الشريف وإخراجه من زمرة العلماء.

وقد تجاهل كاتب المقال بشكل متعمد قرار الهيئة العلمية الدينية الكبرى بالديار المصرية قي شأن الخلافة والذي صدر في 25 مارس سنة 1924م برئاسة فضيلة شيخ الجامع الأزهر ورئيس المعاهد الدينية العلمية الإسلامية وبعضوية أصحاب الفضيلة رئيس المحكمة العليا الشرعية ومفتي الديار المصرية ووكيل الجامع الأزهر ومدير المعاهد الدينية والسكرتير العام لمجلس الأزهر الأعلى والمعاهد الدينية وشيوخ المعاهد الدينية الكبرى ومشايخ الأقسام بالجامع الأزهر والكثير من هيئة كبار العلماء، وأنا أحيل السيد كاتب المقال للاطلاع على فحوى هذا القرار الذي يؤكد على أن ما قام به مصطفى كمال من إعلان للجمهورية وإلغاء للخلافة هو “بدعة ما كان يعرفها المسلمون من قبل”، فهل كانت هذه الثلة من علماء الأزهر من خوارج العصر آنذاك أيها السيد اللواء؟!.

أما ما ورد في المقالة من ادعاء أن صالح سرية الذي قاد عملية الفنية العسكرية في مصر هو زعيم حزب التحرير فهو ادعاء غير صحيح وكان الأحرى بالكاتب أن يتحرى الدقة ولا ينقل كل ما يقع تحت يديه دون تمحيص وتدقيق، فالمعلوم للقاصي والداني أن لا علاقة لحزب التحرير بتلك الحادثة لا من قريب ولا من بعيد وعلى الكاتب أن يرجع للقضية وتحريات النيابة آنذاك حتى يتأكد مما ينقله باعتباره مسلَّمة لا شك فيها. أما ما نقله عن عمر بكري عندما كان عضوا في حزب التحرير، من أنه يدعو للانقلابات العسكرية ليتم بموجبها عودة الخلافة، فهذا يعني أن الكاتب ضد الانقلابات العسكرية، ولذا فأنا أسأله ولماذا لم تتوجه بالنقد للنظام الحالي في مصر الذي تمكن من رقاب الناس بانقلاب عسكري دموي، ودَعْكَ من تلك النغمة المملولة المكررة عن ثورة شعبية انحاز لها الجيش فالأمر أوضح من الشمس في رابعة النهار، أم أنه حرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس؟! ولكنني مع ذلك أوضح للكاتب ما استغلق عليه فهمه من فارق كبير بين الانقلاب وبين ما يتبناه الحزب مما يسميه طلب النصرة.

>>>>>>>>>3

الإمام المهدي والعمل لإقامة الخلافة

في كتاب ?مسائل فقهية مختارة? الطبعة الثانية الصادرة في 2008 للشيخ أبي إياس محمود عبد اللطيف بن محمود (عويضة) ورد جواب لسؤال حول الإمام المهدي والعمل للخلافة، ولأهمية الموضوع نضعه بين يدي زوار الموقع لتعم به الفائدة إن شاء الله تعالى

**(3) السؤال:**يعتقد كثير من المسلمين وأَخُصُّ المتدينين منهم، بأن الخلافة ستقوم وأنها ستكون خلافةً على مِنهاج النُّبوَّةِ يعنون بذلك أنها خلافة راشدة، ولكني لا أرى هؤلاء يعملون لإقامة هذه الخلافة، وإذا سألتهم عن سبب قعودهم عن العمل لإقامتها أجابوك بأن الإمام المهدي هو الذي سيقيمها، وأن الخلافة قبل مجيء المهدي لن تقوم، وبالتالي فإنه لا ضرورة تدعوهم إلى العمل لإقامتها، والسؤال هو: هل ستقوم الخلافة فعلاً، وهل المهدي هو الذي يقيمها ؟

(3) الجواب: إن القول بأن الخلافة ستقوم هو قول صحيح، دلت عليه أحاديث نبوية كثيرة، وحيث أن هذه الأحاديث كلَّها صحيحةٌ أو حسنةٌ، وليس منها حديث واحد متواتر فإنه لا يجوز الاعتقاد في هذه المسألة، فالقول إن المسلمين يعتقدون بأن الخلافة ستقوم هو قول غير صائب، ذلك أن الاعتقاد لا يكون إلا بآية قرآنية أو بحديث متواتر، وقيام الخلافة ورد في أحاديث صحيحة وحسنة ولكنها غير متواترة فلا يجوز الاعتقاد بقيامها، وإنما نُصدِّقُ بقيامها تصديقاً غير جازم، ونقول إن الخلافة ستقوم بإذن الله، وهذه الأحاديث هي:

  1. عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ? إن الله زَوَى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها وإن أمتي سيبلغُ مُلكُها ما زُوِي لي منها? ? رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي. قول الحديث ? وإن أمتي سيبلغ ملكُهاما زُوي لي منها ? لم يتحقق حتى الآن، إذ لم يملك المسلمون مشارق الأرض ومغاربها بعد، وسيكون هذا في المستقبل، وهو يشير إلى قيام دولةٍ للمسلمين في الأيام القادمة تفتح الأرض مشارقَها ومغاربَها.

  2. عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ? إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذنابَ البقر، ورضيتم بالزرعِ وتركتم الجهادَ، سلَّط الله عليكم ذُلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ? رواه أبو داود. قوله ?حتى ترجعوا إلى دينكم ? معناه حتى تعودوا إلى العمل به وتحكيمه في شؤون حياتكم فهو بشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المسلمين سيعودون ثانية إلى دينهم بعد أن يكونوا قد تركوه.

  3. عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وسُئل أيُّ المدينتين تُفتَح أولاً القسطنطينية أو رومية. فدعا عبد الله بصندوق له حلقٌ فأخرج منه كتاباً قال، فقال عبد الله ? بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيُّ المدينتين تُفتح أولاً أقسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولا _ يعني القسطنطينية ? رواه أحمد.

فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن فتح المدينتين القسطنطينية ورومية _ وهي روما عاصمة إيطاليا _ لم يَنْفِ فتحَ رومية، وإنما قال إن القسطنطينية تفتح أولاً، وهذا يدل على أن رومية ستفتح بعدها، وحيث أن رومية لم يفتحها المسلمون حتى اليوم، فإن في هذا الحديث بشارةً بأن المسلمين سيفتحون عاصمة إيطاليا، ولا يتصور أن يفتحها المسلمون قبل عودة الخلافة التي تستأنف الجهاد في سبيل الله وفتح البلدان.

  1. عن النعمان بن بشير عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ? تكون النبوَّةُ فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة، ثم سكت ? رواه أحمد والطبراني. فهذا الحديث يبين أن الخلافة ستقوم بعد الملك العاض والجبري، وأنها ستكون على منهاج النبوة، أي أنها وُصفت بنفس ما وُصفت به الخلافة أيام الخلفاء الراشدين، فتكون بإذن الله خلافة راشدة. هذا هو الجواب على الشق الأول من السؤال. أما الجواب على الشق الثاني فهو كما يلي :

إن الأحاديث النبوية الشريفة إن هي ذكرت أن المهدي سيقيم الخلافة فإن ذلك ليس دالاً على أن المسلمين يجب أن ينتظروا المهدي حتى يقيم لهم الخلافة، فالواجب عليهم يبقى واجباً وهو إقامة الخلافة، فإقامة الخلافة كما هي واجبة على المهدي هي واجبة على غيره من المسلمين، فهؤلاء المتدينون كما وصفتُهم لا حجة لهم للقعود عن العمل لإقامة الخلافة بدعوى القول إن المهدي هو الذي سيقيم الخلافة كما يظهر ذلك جلياً، ولذا فإن هؤلاء المتدينين الذين قعدوا عن العمل لإعادة الخلافة آثمون لقعودهم وسيسألهم الله عز وجل عن قعودهم هذا فإن ماتوا قبل إقامة الخلافة ماتوا ميتة جاهلية، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ? من خلع يداً من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة لا حُجَّةَ له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية ? رواه مسلم. وينجو من الميتة الجاهلية من يعمل لإقامة الخلافة. فليحذر هؤلاء المتدينون من أن يموتوا ميتة جاهلية. هذا أولاً.

وثانياً: إن الأحاديث النبوية الشريفة لم تذكر مطلقاً أن المهدي هو الذي سيقيم الخلافة على كثرة الأحاديث المروية عنه، وكل ما ذكرته الأحاديث هو أنه خليفةٌ صالح يحكم بالعدل [ يملأ الأرض قِسْطاً وعدلاً كما مُلِئت ظلماً وجَوْراً ] فأين النص الذي يستشهدون به على أنه هو الذي سيقيم الخلافة ؟ بل إن لدينا نحن النصُّ الذي ينفي مفهومه عن المهدي أنه سيقيم الخلافة، ويبين أن المهدي سيكون خليفةً بعد موت خليفةٍ قبله، وهذا يؤكد بأن الخلافة ستكون قائمة قبل أن يصبح المهدي خليفة، فالمهدي هو خليفة مسبوق بخليفة في دولة الخلافة الراشدة القادمة بإذن الله، وهذا يؤكد بأن المهدي ليس هو الذي سيقيم هذه الخلافة، وبالتالي تسقط حجة هؤلاء بالقعود عن العمل وانتظار المهدي الذي يزعمون أنه هو الذي سيقيم لهم الخلافة. فقد روت أم سَلََمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ? يكون اختلافٌ عند موتِ خليفة، فيخرج رجل من بني هاشم فيأتي مكة فيستخرجه الناسُ من بيته وهو كاره، فيبايعونه بين الرُّكن والمقام، فيُجَهَّز إليه جيشٌ من الشام حتى إذا كانوا بالبيداءِ خُسِف بهم، فيأتيه عصائب العراق وأبدال الشام، وينشأ رجلٌ بالشام وأخواله كَلبٌ، فيُجهَّز إليه جيشٌ فيهزمهم الله فتكون الدائرة عليهم، فذلك يوم كَلْب الخائبُ مَن خاب من غنيمة كلب فيستفتح الكنور ويَقْسم الأموال، ويُلقي الإسلامُ بجِرانِه إلى الأرض، فيعيش بذلك سبع سنين، أو قال تسع سنين ?. رواه الطبراني في الأوسط، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال (رجاله رجال الصحيح) وهذا الحديث يتفق رواةُ الحديث وشُرَّاحُه على أن الخليفة المذكور في هذا الحديث هو المهدي. وهذا الحديث نص صريح بأن الخليفة هذا سيأتي بعد خليفة قبله ? يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل? ? وليس هو الذي سيقيم الخلافة، وليس هو الخليفة الأول في دولة الخلافة الراشدة القادمة بإذن الله فلم يبق أمام كل مسلم يخشى من الميتة الجاهلية إلا أن ينهض للعمل لإقامة الخلافة ونصب خليفة.

منقول

فاستناداً لفقه آي الذكر الحكيم هذه، فإنه من أحب طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فعليه أن يعمل بجد واجتهاد لإقامة الخـلافة الراشدة وتنصيب إمامٍ يُقاتل من ورائه ويتقى به، ليقود جحافل المؤمنين الصادقين للجهاد في سبيل الله: [فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا]، فبالخــلافـة وحدها تَـنْـفِرون لقتال عدوّكم، خليفتُكم أمامَكم في القتال لا أمامكم في الفرار، تتقون به وتقاتلون من ورائه، فيقودكم من نصر إلى نصر، لا من هزيمة إلى هزيمة.

ثالثاً: نعلم أن الأمة تتشوق لعودة الحكم بالإسلام، ولكنّا نرى أن تبني العمل المادي المسلح للوصول لتلكم الغاية، خطأ مخالف لسيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

إن العمل بإخلاص ولكن دون وعي وبينة شرعية، ودون اقتداءٍ بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، كالمسافر يملأ جيبه رملاً يثقله ولا ينفعه!، فمن أحب العمل لإقامة الخلافة الراشدة، وعودة الحكم بالإسلام فلا بد له أن يمتثل الطريقة الشرعية في ذلك، ولا ينجذب فينجر وراء شعوره بالحرقة والغضب فيبحث عن المخرج السريع ليشفي غليله ويطفئ حرقته مقنعاً نفسه بأنه برَّأ ذمته، فليس الأمر هكذا، بل إن الإسلام كما حدد الهدف الذي على المسلم أن يسعى إليه بيَّن أيضاً طريقة الوصول إلى هذا الهدف، وألزم المسلم التَقَيُّدَ بها، فإن أحكام الشرع كما وردت فكرتها في الإسلام وردت كذلك طريقة تطبيقها، فالله تعالى حينما قال: [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ]، لم يترك الأمر على إطلاقه ليصلي كلٌّ على شاكلته وكما يحلو له، بل بيَّن أيضاً الكيفية التي يريدنا أن نصلي ونتقرب إليه بها، بيَّنها لنا في عمل رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث قال لنا المصطفى عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، فكيف تُقام الخلافة دون اتباع الطريق التي رسمها لنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في إقامتها؟

وطريقة الرسول هذه في إقامة الدولة لم تكن الجهاد، نعم… الجهاد فرض على المسلمين، وهو ماضٍ إلى يوم القيامة، منذ أن بعث الله نبيه إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، ولا جدال في ذلك، ولكن الجهاد هو الطريقة الشرعية لدفع العدو عن احتلال أرض إسلامية، أو لفتح البلدان لنشر الإسلام فيها، وليس هو الطريقة الشرعية التي بينها لنا الرسول لإقامة دولة الإسلام. فقد ورد في سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام بيان واضحٌ لطريقة إقامتها بإقامة حزب متفهم للإسلام، ثم مخاطبة المجتمع لإيجاد رأي عام فيه منبثق عن وعي عام على العقيدة الإسلامية وما ينبثق عنها من أحكام وأنظمة تفرض علينا إقامة دولة الخلافة التي تطبق الإسلام وتحمله رسالة إلى العالم بالدعوة والجهاد، ثم بطلب نصرة أهل القوة من القبائل ومن الأنصار في المدينة، فقد طلب رسول الله عليه الصلاة والسلام النصرة من القبائل (لأنهم أهل قوة) بضع عشرة مرة، ولم يستجيبوا، بل ردوه ردّاً سيئاً في بعضها، وأدمَوا قدميه في بعضها الآخر، واشترطوا عليه عليه الصلاة والسلام شروطاً لا تصح… ومع ذلك فلم يغير عليه الصلاة والسلام طريقته مع أن المشقة كانت تصاحبه، والمشقة والعذاب كانا يقعان عليه وعلى أصحابه، كبلال في رمضاء مكة وآل ياسر يقتلون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في أمس الحاجة لاستخدام السلاح والقتال لرد الصاع صاعين، وكان قادراً على ذلك بمن معه من الفرسان الأبطال كعمر وحمزة، ولكنه لم يفعل، بل منع المسلمين من القتال ورد عليهم حينما طلبوا منه ذلك: «لم أؤمر بذلك، كفوا أيديكم»، وشبَّه الوحي حالهم بحال بني إسرائيل، وحذّرهم من عصيان أمره في جميع حاله، حال النهي عن القتال وحال فرضه، وحذّرهم من التخاذل كما تخاذلت بنو إسرائيل، قال تعالى: [ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً].

واستمر رسول الله عليه الصلاة والسلام على طريقته في طلب النصرة إلى أن شاء الله استجابةَ الأنصار فبايعوه العقبة الثانية، ومن ثَمّ أقيمت الدولة في المدينة المنورة. وكما هو في أصول الفقه، فإن استمرار الرسول عليه الصلاة والسلام على فعلٍ معينٍ مع المشقة فيه هو قرينة جازمة على وجوب اتباع هذا الفعل، وعليه فلا يجوز اتخاذ الأعمال المادية المسلحة طريقةً لإقامة الدولة، بهذا ينطق فعل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فلنكن ممن يطيعون الله ورسوله فيحق عليهم قول الحق سبحانه وتعالى: [وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا].

إننا نشدد على أمرين اثنين:

أولهما: قوله عليه الصلاة والسلام: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ» أخرجه مسلم، فلا يمكننا أن نخذل إخواننا المجاهدين في سوريا، فنحن نريد الجنة ولا نريد للمسلمين الجلوس بلا عمل لنصرة أهل الشام، ونصرتهم لأهل الشام تكون بالعمل الجاد لإقامة الخلافة الراشدة الثانية التي تقطع دابر الكافرين وأعوانهم من بلاد المسلمين، وتُفشل خطط الكفار المستعمرين في بلاد المسلمين.

ثانيهما: لحبنا الخير للأمة، فقد أخرج البخاري عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُ لِنَفْسِهِ»، فنحن نحب أن يشاركنا هذا الفضل العظيم كل المخلصين من أبناء الأمة؛ فضل العمل لإقامة الخـلافة الراشدة، فالخـلافة هي مبعث عز الأمة الإسلامية وقاهرة أعدائها وصائنة أعراضها، ومحررة أرضها، فمن أولى منكم يا أبناء الأمة المخلصين لأداء هذا الفرض العظيم؟!، فإن المؤمن التقي النقي هو أحقُّ بهذا الأمر وأهلُه، وموقعه أن يكون في الصفوف الأولى في كل مواقع الخير، ولذلك فإننا نقول لكل أبناء الأمة المخلصين وبكل ما في النفس من مشاعر أخوة وإخلاص: لا تجلسوا بلا عمل!، بل اعملوا لنصرة المسلمين نصرةً حقيقةً فاعلةً، بانضمامكم لركب الخير الواصل ليله بنهاره لإعادة الخـلافة الراشدة، فإننا مطمئنون إلى نصر الله وقرب بزوغ فجر الخلافة بعون الله، وإن هذا لكائن بجبروت الله: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون].

** الخلافة وطريقة إقامتها؛ طوق نجاة للأمة**
بيَّن الإسلام حقيقة الخلافة بياناً تامَّاً، وحدد طريقة إقامتها في واقع الحياة تحديداً بيِّناً، فصاحب السيرة العطرة صلى الله عليه وسلم هو الَّذي عبَّد الطريق العمليِّ الموصل لإقامتها، وهو صلى الله عليه وسلم الَّذي أقام الدولة الإسلاميَّة الأولى وأرسى دعائمها وأركانها وجلَّى أحكامها وحدد شروطها، وجعلها وطريقة إقامتها معلماً ثابتاً إلى يوم الدين، وقد توعَّد الله تعالى المخالفين عن أمره بقوله عزَّ وجل: ï´؟فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌï´¾ [النور: 63].
وعليه، فاتباع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الخلافة أمرٌ تكليفيٌّ وحكمٌ شرعيٌّ، فهي واجبة الاتباع لأنَّها محل أسوة، وجزءٌ من أحكام الإسلام، ولا يحلُّ لجماعة من المسلمين التنكب عن جادتها تحت أي طريقة عقليَّة، فالعقل محكوم بخطاب الشارع الحكيم لا حاكماً عليه، وإلا لاختلفت الطرق على المسلمين باختلاف العقول والأهواء، ولتبدَّلت معه طرائق السير نحوها بتبدّل العصور والرؤى، ولعادت عقولهم عليهم بالضلال والشقاء.
وقد تعرَّض الرسول صلى الله عليه وسلم في طريقه لإقامة الدولة إلى محاولات كثيرة لحرفه عن مساره القويم من قبل الحكام في مكة وخارجها. ففي مكة ساومه كفار قريش على دعوته بالملك، وعرضوا عليه حكماً توافقياً يتبادلون معه الآلهة بالعبادة، فرفض التنازل عن مبدئه رفضاً قاطعاً، وفي خارج مكة اشترطت إحدى القبائل لنصرته، الرئاسة من بعده، فرفض قائلاً: «إنَّ الأمر لله يضعه حيث يشاء»، وعرضت أخرى عليه حكماً منقوصاً، فرفض قائلاً: «إنَّ هذا الأمر لا يصلح له إلا من أحاطه من جميع جوانبه».
وظلَّ ماضياً في طريقه مستقيماً بوحي ربِّه، صادعاً بالحق المنزل إليه متوكِّلاً على الله متذرِّعاً بالصبر، محتسباً عمله الدؤوب لتكوين الرأي العام لفكرته، وإيجاد القوة الناصرة لدعوته، دون أن يستعمل سلاحاً ماديَّاً لتحقيقها، أو يحيد عن طريقه الشرعيّ المرسوم له إلى قوةٍ غير إسلاميَّة محليَّة أو إقليميَّة أو دوليَّة حتى بلغ غايته وأقام دولته، وتركنا بعده على المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
والآن، وقد دارت السنون والأيام، وانفصل السلطان عن القرآن، وعاد مجتمعنا بعلاقاته الجديدة مجتمعاً غير إسلامي، فقد هدم الكافر المستعمر الخلافة منذ عقود، وجعلها دولاً متفرِّقة، تستند في سلطاتها إلى عقيدته الباطلة، وترزح تحت وطأة جوره وجور حكامه؛ فقُطعت معهم حياتنا الإسلاميَّة وتوقَّفت مسيرتنا العالميَّة.
وكان أن قصَّر حينها المسلمون عن مجابهة من أظهر في ديارهم الكفر البواح بهدمها، وانقطع حكم الإسلام في البلاد من يومها، فبات حالنا كحال الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته في مكة قبل الهجرة، وعدنا من حيث بدأنا، عدنا ملزمين بالسير على نفس طريقته، ولتحقيق نفس غايته. عدنا للسير على طريقته لإقامة الخلافة من جديد، ولنحقق نفس غايته الأولى؛ لنستأنف ما انقطع من حياتنا الإسلاميَّة ونصل ما توقَّف من مسيرتنا العالميَّة، فما أشبه اليوم بالبارحة.
هذا هو واجب الأمَّة اليوم، فهي المخاطبة بالإسلام، وعليها تقع مسؤوليَّة حفظه وتطبيقه، وهي لذلك صاحبة السلطان، وعن طريقها فقط يتم الوصول إلى الحكم أو الخلافة. ونظراً لتخلُّف الأمَّة في الآونة الأخيرة عن مكانتها المرموقة بين الأمم، وتراجع دولتها عن مركزها القيادي في العالم، لطروء عوامل ضعف داخليَّة وخارجيَّة عديدة، فقد شتَّ العقل وقلَّ البصر بالإسلام لدى الكثير من الحركات الإسلاميَّة عن الطريقة الإسلاميَّة الوحيدة لإقامة الخلافة، فكانوا طرائق قددا، وظلَّ سيرهم بعيداً عنها يراوح مكانه بلا تغيير أو تقدُّم.
كما قد تكاثرت رؤى المسلمين ومواصفات الدول لديهم حداً مستهجناً في الأمَّة الشهيدة على الأمم، فقد أساؤوا في رؤاهم إلى درجة استبدال شرع الله تعالى، كمن يستبدل بتحرير فلسطين المفاوضة أو المقاومة، كما أساؤوا في مواصفات الدولة التي يريدونها إلى درجة أن تجد لديهم دولاً لا تزال تستند إلى إدارة عدوها الكافر المستعمر، كما تجد دويلات تستند إلى حكومة تخضع لسطوة أذل الخلق يهود كالسلطة الفلسطينيَّة أو سلطة غزَّة، كما أنَّك تجد كتائب تقاتل مغتصب سلطة الأمَّة بالشام وتغتصب هي ذات سلطتها وتدَّعي أنَّها أقامت خلافة الإسلام للأمَّة وهي تقطع رؤوس أبنائها، وأخرى تجعل من تنظيمها العسكريّ إمارةً سياسيَّة في مجاهل الصحراء. وتجد آخرين يسعون إلى إقامة دولة الخلافة داخل نفوس أصحابها متوهِّمين أنهم إن فعلوا ذلك أقاموها في واقع الحياة!! وهكذا حتى أصبحنا أضيع من الأيتام على مائدة اللئام.
وكان المؤمَّل من الحركات الإسلامية بعدما عسعس ليلها وقارب أن يتنفس صبحها، بعد حالة الحراك الواعدة التي اشتدت في ثورات بلادها؛ كان المؤمل أن تتدارك ما فاتها وأن تبصر قضيتها الرئيسيَّة وتستكمل وعيها على طريقة رسولها لإقامة دولة الخلافة بصورة سريعة لافتة للنظر؛ خاصة وأنَّ القرآن العظيم لا يزال يتلى غضاً طرياً بين أظهرها، والكافر المستعمر ينكِّل بأبنائها، وينكشف معه فساد أحوالها وفداحة أخطائها وعقم مناهجها… الأمر الذي يقتضيها أن تنكبَّ على إسلامها بالدراسة والتدقيق والتمحيص لتلتقط طوق النجاة الذي يخلِّص الأمَّة الإسلاميَّة من القبضة الغربيَّة المستحكمة، ويعيد لها خلافتها الموعودة، وفردوس حياتها الإسلاميَّة المفقودة… فتستجمع قواها وتنهض من وهدتها وتبلور مشروعها وتتولى زمام أمرها وتستنقذ أمَّتها، بل والعالم من حولها.
وأستغرب كثيرا، كيف لم تهتد تلك الحركات إلى طوق نجاتها بعد؟!، كيف لم تهتد إلى طريقة إقامة خلافتها الشرعيَّة المحددة والتي انتهجها رسولهم العظيم من قبل؟! وهي تعلم يقيناً أنَّ من أراد أن يقوم بالصلاة؛ فإنَّ عليه أن يدرس أدلة الصلاة وأحكامها، وأنَّ من أراد أن يجاهد فعليه أن يدرس أدلة وأحكام الجهاد، وأنَّ من أراد أن يتاجر فعليه أن يدرس أدلة البيوع والشركات والإجارة وكل ما يلزمه من الإسلام لتجارته… وكذلك الشأن مع الجماعة التي تريد إقامة الخلافة. كما وتعلم يقيناً أنَّ الصلاة لا تؤدى إلا بكامل مقوِّماتها الشرعيَّة التي قرَّرتها الأدلة الشرعيَّة من أقوالٍ وأفعالٍ وهيئاتٍ مخصوصة؛ وكذلك الشأن مع إقامة الخلافة. كما وتعلم يقيناً أنَّ تقصُّد الإخلال بأحد أركان العمل موجبٌ للفشل ومحبطٌ للأجر، كحال ذلك الأعرابيّ الذي صلَّى أمام النبيّ وأساء في صلاته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ» فكان حكم المسيء صلاته كحكم غير المصلِّي سواءً بسواء؛ لأنَّ المسيء لم يوقع صلاته على الوجه الشرعيّ المطلوب، فكان فعله كالمعدوم،لم يقع ولم يترتَّب عليه أثر؛ وكذلك المسيء في إقامة الخلافة.
>>>>>>>>2

بسم الله الرحمن الرحيم
الخلافة نظام سياسي منبثق من مبدأ الإسلام العظيم
الكاتب: شريف زايد - مصر
يعجب المرء كثيرا عندما يقرأ لبعض الكتاب في مصر عندما يتحدثون عن الخلافة الإسلامية، فبقدرة قادر يجعلون من أنفسهم علماء أفذاذاً ومحدثين عظاماً ومفكرين لا يُبارَوْن وفقهاء لا يُشق لهم غبار، وهم في واقع الأمر علمانيون حتى النخاع لا يرون في الإسلام سوى أنه دين روحي ينظم علاقة الإنسان بربه وما يتضمنه ذلك من عقائد وعبادات، كما ويهتم بالنواحي الأخلاقية، وفي أحسن الأحوال يرضون له أن يكون حاضرا في بعض العلاقات التي تنظم الحياة الاجتماعية في العلاقة بين الرجل والمرأة وما تتضمنه من زواج وطلاق وما شابه، أما أن يكون له شأن بالسياسة والحكم والدولة فهذا ما لا يقبلونه أبدا، فهم يؤمنون بما صدّره الغرب لنا من مبدأ فصل الدين عن الدولة. ولأن الحديث عن الخلافة اليوم كاد أن يكون هو حديث الساعة، ولأن الأمة بدأت تلتفت وبشكل قوي لنظام الخلافة وتتمنى أن يعود مرة ثانية ليكون هو النظام الذي تُحكم به، ولأن ذاكرة الأمة ما زالت تستحضر أيام مجدها وعزها في ظل الخلافة على مدار تاريخها الطويل، ولأن الأمة ما زالت تردد “وا معتصماه” “وا خليفتاه” كلما اعتدى عليها معتد أو اغتصب أراضيها كافر مستعمر أو قتل أبناءها محتل غاشم، لكل هذا ولغيره فإن سهام أولئك الكتاب لا تتوقف عن التوجه لفكرة الخلافة لتضربها وتشوهها بل ولتجعل منها أكذوبة أو أمرا ثانويا أو لا علاقة للإسلام بها.

والجديد في تناول الإعلام المصري ورجاله من العلمانيين المضبوعين بالغرب وثقافته وحضارته أنهم بدأوا في تناول الخلافة من ناحية فقهية، ليقرروا، وهم أبعد الناس عن الفقه ونصوصه وتفريعاته؛ أن الخلافة ليست من الإسلام وأن الشريعة لم تأمرنا بإقامة شيء اسمه خلافة كما يدعون. ولعل آخر ما قرأت في هذا الصدد ما كتبه اللواء حسام سويلم في جريدة الوفد بتاريخ 18 يناير الجاري تحت عنوان: “خوارج العصر صنعوا نظاماً سياسياً ألبسوه لباس الدين”، وكأن الخلافة التي تسعى الأمة لإعادتها اليوم ما هي إلا نظامٌ سياسيٌ مختلَق لا أصل له في دين الإسلام، وأن من أسماهم بخوارج العصر هم من ألبسوه لباس الدين، والغريب أن السيد اللواء قد استنبط حكما شرعيا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاده أن تستمر الخلافة لمدة ثلاثين سنة فقط، ومعنى ذلك الفهم المعوج للحديث «الخلافة من بعدي ثلاثون عاما ثم تكون ملكا عضودا» أنه لا يجوز أن نقيم خلافة إسلامية كالخلافة الأولى على منهاج النبوة.
ولأن الكاتب يستشهد بالحديث الشريف السابق فأرجو ألا يناقض نفسه فيرفض الحديث الشريف الذي يتكلم عن عودة تلك الخلافة على منهاج النبوة مرة ثانية في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه الله، قال: كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة. فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة» ثم سكت.
فلا تعارض بين الحديث الأول وهذا الحديث فالخلافة الأولى كانت على منهاج النبوة واستمرت ثلاثين عاما، حدث بعدها إساءة في تطبيق نظام البيعة التي هي الطريقة الوحيدة لتنصيب الخليفة فأصبح هناك ما يسمى بولاية العهد بأن يعهد الخليفة السابق لابنه أو أخيه أو غيرهما، وأما الخلافة الثانية التي ستأتي إن شاء الله بعد هذا الملك الجبري فهي ستكون على منهاج النبوة أيضا كما في نص الحديث، ولا أظن أن الكاتب المحترم يرفض مثل هذه الخلافة، فهل من عاقل يرفض نظاما كنظام الخلافة الراشدة الأولى؟!

ومن المستغرب أن يقرر السيد اللواء أنه بحديث “الخلافة ثلاثون عاما” يتضح أن الإسلام لم يأمرنا بإقامة الخلافة في الأمة وأنه لم يرد في القرآن أمر بإقامتها، وأنا هنا أضع بين يديه مجموعة من الأدلة تبين له عكس ما يقول، كما سأنقل بعض أقوال الفقهاء في وجوب الخلافة وأؤكد له أن هؤلاء الفقهاء ليسوا من خوارج هذا العصر ولا العصور التي سبقته، بل هم من علماء الأمة الأفذاذ الذين فهموا النصوص الشرعية أفضل ألف مرة مني ومنه، ليتبين له ولمن يردد مثل هذا الكلام أن الخلافة نظام سياسي منبثق من مبدأ الإسلام العظيم.
فمن الكتاب:
أن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله وكان أمره له بشكل جازم حيث قال تعالى: ï´؟فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّï´¾ وقال: ï´؟وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَï´¾ ، ولفظ “ما” في قوله ï´؟بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُï´¾ من ألفاظ العموم، أي فاحكم بينهم بكل ما أنزل الله، والقاعدة الشرعية أن الخطاب للرسول خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به عليه الصلاة والسلام. وهنا لم يرد دليل فيكون خطابا للمسلمين وأمرًا لهم بالحكم بكل ما أنزل الله أي بأحكام الشريعة جمعاء، وتطبيق الأحكام على الناس منوط بالحاكم، إذ إنه لا يجوز للعامة أن يطبقوا الأحكام من حدود وعقوبات وفصل الخصومات بين الناس من تلقاء أنفسهم، فيكون أمر الله تعالى في كتابه بالحكم بما أنزله من أحكام هو أمر ضمني بإيجاد الحاكم الذي يطبقها، وهذا الحاكم هو عينه الخليفة الذي يبايعه الناس عن رضا واختيار ليطبق أحكام الإسلام عليهم، وهذه من دلالة الاقتضاء في القرآن الكريم كما يسميها علماء الأصول، حيث إن أمر الله تعالى بالحكم بما أنزل يقتضي إيجاد الحاكم الذي يطبق هذه الأحكام.


-المائدة48
-المائدة49

>>>>>>>>>2

وإذا تتبعنا ما قرَّره الرسول صلى الله عليه وسلم في دولة الإسلام الأولى التي أقامها في المدينة بوصفه الرسول الأسوة، نلحظ ما يلي:

1- جعل الرسول صلى الله عليه وسلم سلطان دولته سلطاناً ذاتيَّاً يستند إلى قوة المسلمين من قبيلتيّ الأوس والخزرج المالكتين لزمام الأمور في المدينة مقر دولته، وذلك ظاهرٌ من اشتراطه عليهما في بيعة العقبة الثانيَّة، أن يُخرجا من بينهما اثني عشر نقيباً منهم، ليكونوا عليهم وعلى من وراءهم من أهل المدينة كفلاء؛ ليضمن رضاهم وعدم منازعة أحدٍ من أهل البلاد للدولة الجديدة، واشترطوا من جهتهم عليه القدوم إلى المدينة. وبذلك ضمن الرسول صلى الله عليه وسلم تحقيق السلطان الذاتي لدولته واجتماع الكلمة له بها بلا منازع.

2- جعل الرسول صلى الله عليه وسلم أمان دولته بأمان المسلمين أنفسهم، فبقوة المسلمين العسكريَّة وحدها تحققت حماية الدولة والأمَّة من المعتدين، أي تحقق فيها الأمن الداخليَّ والخارجي، وطبيعيٌّ أنَّ الأمان الذاتيَّ يتحقق بالسلطان الذاتي. فبعد أن حقق الرسول السلطان الذاتيَّ ببيعة العقبة الثانيَّة قال لأصحابه: «قد جعل الله لكم دار هجرةٍ تأمنون فيها» وفعلاً فقد تحقق الأمان الذاتي بالهجرة للرسول وللمهاجرين، وظهر ذلك بحفاوة الاستقبال الجماهيري، وإذعان عبد الله بن أُبي ومشركي ويهود المدينة لسلطان الإسلام.

3- باشر الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيق الإسلام في دولته الناشئة تطبيقاً كاملاً وفوريَّاً من ساعة دخوله المدينة المنوَّرة. إذ بنى المسجد ليكون دار عبادةٍ ودار حكم، وأعلن الدستور للنَّاس ليحدد علاقاتهم وليبيِّن لهم حقيقة دولتهم وأنظمتهم التي يحكمون بها، وآخى بين المهاجرين والأنصار ليحقِّق الأخوَّة العمليَّة بين المسلمين والتوازن الاقتصاديّ في مجتمعهم… وبذلك باشر الرسول صلى الله عليه وسلم الحكم كاملاً من خلال أجهزةٍ ومؤسساتٍ مستقرةٍ تقوم بمهمة إدارة البلاد ورعاية الشؤون في جميع جوانب الحياة، كما هو الشأن في الدولة بوصفها كياناً تنفيذيَّاً كاملاً.

4- عقد الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأنصار عقداً أقام بموجبه الدولة الإسلاميَّة في المدينة، عقد معهم عقد الخلافة بكامل أركان العقد وشروطه الشرعيَّة؛ فكان عقداً صحيحاً منتجاً أي مبرئاً ومترتِّباً عليه آثاره الشرعيَّة. ووجود المتعاقدين بأوصافهما الشرعيَّة أول أركان العقد الشرعي الذي يجسِّد رضا طرفيْ العقد المخوَّليْن بإبرامه؛ فالأمَّة اليوم أو من يجسِّد رضاها المعروفون بأهل الحل والعقد هم المتعاقدون (المبايعون)، وطالب الخلافة في الجانب الآخر هو المتَعاقد معه (المبايَع)، ولا يصحُّ عقد الخلافة شرعاً إلا بهما إذا استوفى شروطه الشرعيَّة المحددة. أمَّا طالب الخلافة أي (المبايَع)؛ فيجب أن تتوفَّر فيه شروطٌ عديدة، وهي على الأقل ما يسمَّى بشروط الانعقاد التي تتطلَّب تمتعه بسبع صفاتٍ، منها: أن يكون معلوماً من أهل البلاد، أي غير مجهول الحال والعدالة من قبلهم، كما كان حال الرسول صلى الله عليه وسلم لدى الأنصار من الأوس والخزرج.

وأمَّا المبايِعون لطالب الخلافة؛ فيشترط أن يكونوا من أهل البلاد المالكين لها القادرين على تجسيد رضا النَّاس وجمع كلمتهم فيها له، كما كان نقباء الأنصار من أهل المدينة المالكين لزمامها القادرين على تجسيد رضا وكلمة أهلها، فقد كانوا فعلاً أمام الرسول صلى الله عليه وسلم على من فيهم وعلى قومهم كفلاء، وكانوا يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم حقَّ المعرفة، ولذلك صحَّت البيعة من قبلهم.

وأمَّا عن المعقود عليه؛ وهو نظام الحكم الذي يبرم العقد بين المتعاقدين على العمل به، فإنَّه يجب أن تتَّفق إرادة المتعاقدين أو المتبايعين في عقد الخلافة على تحديد دستور الدولة وأنظمتها تحديداً واضحاً يعكس رضاهما التَّام، ولا يكفي في عقد الخلافة العموم؛ وذلك لأمرين اثنين، الأول: لوقاية الدولة والقضاء من الفوضى والتناقض في الأحكام بتعدد الاجتهادات، التي تنجم عن جهالة مصادر التشريع وجهالة طريقة الاجتهاد. والثاني: لتمكين الأمَّة من القيام بواجبها تجاه الدولة بالمراقبة والمحاسبة، ممَّا يضمن حسن تطبيقها للإسلام وحسن سيرها في الحياة.

وقد أدرك الأنصار علام يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم إدراكاً محدَّداً في بيعة العقبة قبل أن يبرما معه عقد الحكم. كما أظهر الصَّحابة فيما بعد حرصهم على وضوح المتعاقد عليه، حينما اشترطوا على عثمان وعلي رضي الله عنهما ضرورة الالتزام بمنهج الشيخين قبلهما في الحكم حتى تُجري العقد لأحدهما. وذلك لأنَّ الجهالة بأساسيّات نظام الحكم الضروريَّة للنَّاس يضر بالدولة والمجتمع والأمَّة، وعليه فلا تنعقد الخلافة شرعاً لمن جُهل دستوره ومنهاجه وطريقة اجتهاده. ومن الجهالة بمكان، العمل على المذاهب الأربعة لاختلاف طرائقها في الاجتهاد، واختلاف الأحكام بينها.

إنَّ الجماعة التي تسعى لإقامة الخلافة الإسلاميَّة يجب أن تتَّبع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامتها ويتحتَّم عليها أن تتلبَّس بالأعمال المباشرة المحدَّدة لإقامتها، ويحرم عليها أن تخالفها، كما أنَّ دولة الإسلام لا تقام بغير طريقتها الشرعيَّة.

ويمكننا إجمال طريقة الإسلام في إقامة الدولة بالأمور الآتية:

1- أن تحمل الجماعة الدعوة إلى الأمَّة الإسلاميَّة حملاً مؤثراً؛ حتى يوجد لديها الرأي العام المنبثق عن وعيٍ عامٍ على دولة الإسلام ودستورها وتشريعاتها، لتصبح مطلباً ملحَّاً للأمَّة. كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، إذ أرسل مصعب بن عمير إلى أهلها وهو يحمل لهم مشروعاً نهضويَّاً إسلاميَّاً محدَّداً، فقد دعا إليه أهل المدينة ليقتنعوا به ولينقادوا له ولدعوته.

فيتبيَّن من ذلك أنَّه لا يكفي أن تقدِّم الجماعة إلى النَّاس شعاراتٍ فضفاضةً أو أفكاراً جزئيَّة غير مترابطةٍ ولا تغطّي احتياجات الأمَّة في الدولة والمجتمع والحياة؛ وذلك لأنَّ السلطان للأمَّة فهي المسؤولة في الأساس عن حفظ الإسلام وتطبيقه في الحياة، والخليفة نائبٌ عنها في الحكم، فلا بد أن تعرف علام تنيبه وأن ترضى بدعوته لتختاره؛ ومن يأتي بغير اختيار الأمَّة ورضاها عنه وعن مشروعه فسلطانه غير شرعيٍّ، ويحرم عليه أن يمارس الحكم بلا سلطانٍ منها حتى وإن حكم بالإسلام، بل يجب منعه من الحكم لقوله صلى الله عليه وسلم : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»، وعدم الركون إليه لقوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النَّار…﴾.

2- أن تبحث الجماعة عن أهل النصرة في مراكز القوة والمنعة في البلاد كقادة جيوش الأمَّة لاسترجاع سلطانها المغتصب من حكام الضرار في بلادها. فقد بحث الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبائل العرب القويَّة، ولم يقهر أهل مكَّة ولا غيرها من القبائل الصغيرة رغم قدرته على ذلك، واستمر في طلب النصرة من أصحابها رغم ما لقيه من صعوبات حتَّى وافاه الأنصار، فثبت بذلك أنَّ التزام هذا الطريق واجبٌ حتميٌّ على كلِّ جماعة إسلاميَّةٍ تعمل لإقامة الخلافة.

3- أن تعمل الجماعة في وجهاء النَّاس وقادة الفكر في الأمَّة لجذبهم إليها وإلى مشروعها الإسلامي الذي تحمله. فقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم زعماء مكَّة إلى الإسلام، وخاطب صغار القبائل به من غير أن يطلب النصرة منهم.

4- بعد تمكن الجماعة من الحكم تعلن على الأمَّة عن البيعة التي أخذت وعن الخليفة الذي بويع وعن العاملين الذين انعقدت بهم البيعة، وتستدعي أولئك الوجهاء والقادة، وتطلب منهم مبايعة خليفة المسلمين، لترسِّخ البيعة وتضمن مناصرة الدولة. وبذلك تكون الأمَّة ومن يمثلها؛ هم الذين أقاموا الخلافة بعد استرجاع سلطانها المغتصب، وتكون الجماعة المظفَّرة هي التي حقَّقت الرجوع إلى الأمَّة وأخذ مشورتها ورضاها عمَّن ينوب عنها، وعمَّا تنيبه فيه حسب الأصول الشرعيَّة المقرَّرة.

وأخيراً أقول لكلِّ من يسعى لإقامة الخلافة على منهاج النبوة؛ هذا هو طريقة إقامتها فسيروا به واقتفوا به أثر رسولنا الكريم ولا يلفتنكم عنه صعوبة الطريق وكثرة التضحيات ولتعلموا أن الخلافة عصية على التشويه مهما حاول البعض تشويهها؛ ونقول لهذا البعض دون تردد خبتم وخاب مسعاكم، فالخلافة الراشدة المرتقبة تتأبَّى على التشويه، وتتعالى على التزييف، ولن يعيقها كيد الكائدين ولا بطش الباطشين أبداً؛ لأنَّها تجذَّرت في قلوب الأمَّة المؤمنة، ويحمل لواءها رجال ربانيون نذروا أنفسهم لله، وهم بإذن الله تعالى ماضون حتى إقامتها؛ راشدة على منهاج النبوَّة، هذا هو الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، ولمثل هذا فليعمل العاملون.

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

إقامة الخلافة طريق الخلاص

الكاتب: شريف زايد - مصر

لقد أثارت هموم الأمة الإسلامية بعامةٍ ومصاب إخواننا في الشام بخاصةٍ حالة من الشجن والهمّ أصابت العديد من أبناء الأمة، كما أصابهم الحزن الشديد على إخوانهم المكْتَوين بنيران الظلم والتقتيل على يد طاغية الشام بشار وأعوانه، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فمصاب المسلمين واحد وجراحهم واحدة مصداقاً لقول الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام : «الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» أخرجه مسلم.

إن الكثير من أبناء الأمة يتوقون شوقاً لعودة الحكم بالإسلام، ويتوقون شوقاً للجهاد في سبيل الله والدفاع عن أعراض المسلمين في الشام الأبية، ويتوقون شوقاً للجنان العُلى، فأنعم بها من أشواق جليلة عظيمة، ولذا ترى العديد من شباب هذه الأمة المباركة يتحرقون شوقا إلى الذهاب لسوريا للقتال ضد طاغية الشام، ومع كل هذا الخير العميم في أبناء الأمة، والشعور الطيب، إلا أنني وجدت نقاطاً تحتاج لتوضيح وبيان لتُصحح وتُقوَّم، لنزداد وأبناء الأمة خيراً على خير، فنكون من فُعّال الخير: [وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى]، ولذلك أقول مستعيناً بالله:

أولاً: إن قضية المسلمين المصيرية التي يجب اتخاذ إجراء الحياة أو الموت تُجاهها، هي إعادة الحكم بما أنزل الله؛ بإقامة دولة الخـلافة الراشـدة، فالإسلام يجب أن يسود بلاد المسلمين، وذلك لا يكون إلا ببيعة خليفة يحكمهم بما أنزل الله، ويجاهد بهم في سبيل الله، يقول الله عز وجل : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ] ولا يأمر الله بطاعة من لا وجود له. فدل على أن إيجاد ولي الأمر أي الخليفة واجب. فالله تعالى حين أمر بطاعة ولي الأمر فإنّه يكون قد أمر بإيجاده. فإن وجود ولي الأمر يترتب عليه إقامة الإسلام، وترك إيجاده يترتب عليه تضييع الحكم بالإسلام، فيكون إيجاده واجباً لما يترتب على عدم إيجاده من حُرمة، وهي تضييع الحكم بالإسلام.

وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله: «إنّما الإمام جُنّة يقاتَل مِن ورائه ويُتّقى به»، فهذا الحديث فيه وصفٌ للخليفة بأنه جُنّة أي وقاية. فوصف الرسول بأن الإمام جُنّة هو إخبار عن فوائد وجود الإمام؛ فهو طلب، لأن الإخبار من الله ومن الرسول إن كان يتضمن الذم فهو طلب ترك أي نهي، وإن كان يتضمن المدح فهو طلب فعل. فإن كان الفعل المطلوب يترتب على فعله إقامة الحكم الشرعي أو يترتب على تركه تضييعه، كان ذلك الطلب جازماً، أي فرض كما هو معمول به في أصول الفقه.

وعليه فإن دولة الخـلافة هي أهم أمر فَرَضَهُ رب العالمين، يضمن وحدة الأمة، ويرفع الغُمة، ويصون أعراض نساءِ الأمة، ويوفر الأمن والأمان للرعية في الشام الأبية وفي وفلسطين وأفغانستان والشيشان وكل بلاد المسلمين، ودولة الخـلافة الراشدة ليست هي سبيل عز المسلمين ووحدتهم فحسب!، بل هي فرض عظيم، وأيُّ فرض، هي تاج الفروض لا مندوحة عنها، والقعود عنها إثم كبير، ومعصية عظيمة يعذِّب الله عليها أشد العذاب…، إننا أيتها الأمة الكريمة ننصحكم نصيحة مخلصة ملؤها الحب في الله عملاً بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه البخاري، إننا نخاطبكم بهذا الفرض العظيم الذي به تُحل كل قضايا المسلمين لا قضية الشام الأبية فحسب!، بل كل القضايا والمشكلات لأمة صارت كالأيتام على مأدبة اللئام، أيتام ينزفون منذ 1948م في فلسطين الجريحة، ومنسيون في الشيشان الصامدة أمام الدب الروسي منذ 1994م وفي كشمير الإسلامية منذ 1948م، وأيتام في أفغانستان منذ 2001م، وأيتام في بلاد الرافدين المكلومة منذ 2003م، أيتام هنا وهناك…، فهلا هبت الأمة لتضميد جراحها كلها بإقامة أم المسلمين الحنون؛ الخـلافة الراشدة؟!، وعلى سبيل المثال لا الحصر فمشكلة الشام الأبية تكمن في أن حكام المسلمين تآمروا على إخواننا بالشام، فلا سلاحاً قدموا ولا جيشاً حركوا، بل وقفوا يتفرجون ويعدون القتلى!، فتحركت دول الغرب وعلى رأسها بريطانيا، فقدمت السلاح للمقاتلين مشروطاً بألا يصل إلا لمن يتبنون ديمقراطية الغرب الكافرة وحرياته الفاجرة، وللأسف فتحت الضغط قَبِل بعضهم بالتخلي عن مطلب إسقاط النظام وإقامة دولة الإسلام الخلافة الراشدة، فوقعوا في فخ الكفار المستعمرين، كما فعل رئيس هيئة الأركان للجيش الحر اللواء (سليم إدريس) في تصريحاته لقناة العربية بتاريخ 07/03/2013م، فكانت جروح أهل الشام الظاهرة منها والباطنة نتيجة طبيعية لتخاذل حكام المسلمين وإغلاقهم للحدود وتطبيقهم لأنظمة الكفر… وأين؟ في بلاد المسـلمين! [سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ]، فلا مناص في أن الحل يكمن في خـلافةٍ راشدة تحُطم الحدود الوهمية، وتحرك الجيوش الأبية؛ للجهاد في سبيل الله، فحيّهلا حيهلا للعاملين لهذه الخـلافة، هذه هي نصيحتنا لكم ولسان حالنا قول نبي الله هود: [وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ].

ثانياً: إننا عندما نقرأ قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا]، فنفهم منه وجوب خروج الناس من بلد الكنانة مصر، وغيرها من بلاد المسلمين؛ أفراداً أو جماعات دون وجود خليفة ودولة تقودنا لندافع عن إخواننا في الشام الأبية، نكون قد فهمنا قوله سبحانه وتعالى فهما ناقصا، والحقُ أن آي الذكر الحكيم وردت في سياق آياتٍ موضوعها اتباع حكم الشرع، وعدم اتخاذ الهوى حكماً ودليلاً ووجوب أخذ الطريقة من الشرع وحده، وطاعة الرسول وعدم التخلف عن الجهاد معه، فنص الآيات هو: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا]. والفهم الصحيح لفقه آي الذكر الحكيم هذه، هو أن ينقاد المسلمون لخليفتهم وإمامهم إذا ما أمرهم بالخروج للجهاد في سبيل الله، وذلك يكون في حال وجود دولة وبقيادة إمام، انظروا لقول العلامة المفسر شيخ الإسلام (ابن الجوزي) في تفسيره (زاد المسير في التفسير) قوله: “والأمر في ذلك بحسب ما يراه الإِمام… أي إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه، وهو قول ابن عباس…” [زاد المسير].

>>>>>>>>>2

**في طريق إقامة الخلافة :**مواصفات الجماعة المبرئة للذمة

الكاتب : أبو دجانة

من خلال استقراء الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة نجد أن الشارع قد حدد الصفات أو المواصفات التي يجب أن تتصف بها الجماعة التي أخذت على عاتقها العمل للنهوض بالأمة الإسلامية، والخروج بها من هذا الواقع المذل المهين الذي ما برحت تعيش فيه منذ نيف وثمانين عاماً؛ لتعود خير أمة أخرجت للناس، ولتبرئ هذه الجماعة ذمتها أمام الله سبحانه وتعالى. وأهم هذه المواصفات هي:

أولاً: أن تكون هذه الجماعة إسلامية:

أما كون هذه الجماعة يجب أن تكون إسلامية فذلك واضح تماماً في قوله سبحانه وتعالى:  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  [آل عمران 104] والخير هو الإسلام قولاً واحداً، روى البخاري عن حذيفة بن اليمان قال: «كان الناس يسألون رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله وسلم) ‏‏عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟…» الحديث. فالخير الذي جاء به الله سبحانه وتعالى على يدي رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الإسلام. فمعنى يدعون إلى الخير إذن أي يدعون إلى الإسلام. هذا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً أعمال إسلامية من يقوم بها يجب أن يكون مسلماً، ولا يمكن أن يكون غير ذلك. وهكذا تخرج من الحسبان من كونها مبرئة للذمة كل الحركات والجماعات التي كان الأساس في نشأتها الشيوعية، أو العلمانية الرأسمالية الديمقراطية، أو القومية، أو البعثية، أو الوطنية، أو الإثنية، أو المصلحية، وما شابه ذلك من الجماعات التي لم ينـزل الله بها سلطاناً.

ثانياً: أن تكون مبدئية:

أما كونها مبدئية فلا يكفي في الجماعة المبرئة للذمة أن تكون إسلامية فقط تدعو إلى بعض الإسلام، أي إلى بعض فروض الإسلام دون سائر الفروض، كإقامة جماعة تدعو إلى الصلاة، وأخرى تدعو إلى الصيام، وثالثة تدعو إلى الأخلاق… فهذه الأمور وهذه الدعوات وإن كانت من الإسلام إلا أنها لا تبرئ ذمة الجماعة التي تعمل للنهوض بالأمة أمام الله سبحانه وتعالى، بل يجب أن يكون الإسلام هو القاعدة الفكرية التي تنبثق منها جميع الأحكام التي تتبناها هذه الجماعة، وتضبط سلوكها وأعمالها وغاياتها وأهدافها على أساسها، وأن يكون الإسلام هو القاعدة الفكرية التي تبني عليها هذه الجماعة جميع أفكارها. والقاعدة الشرعية «الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي» توجب أن يكون كل فعل وكل تصرف أي كل سلوك، وتوجب أن يكون كل هدف وكل غاية، مستنداً إلى الحكم الشرعي ومشفعاً بالدليل الشرعي، وإلا كانت هذه الجماعة ومع كونها إسلامية إلا أنها ليست مبدئية. قال تعالى:  وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  [الحشر 7 و مَا  هنا من صيغ العموم، أي كل ما أتاكم به الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) وجب عليكم أن تأخذوه أيها المسلمون، وتعملوا على أساسه وتتقيدوا به، وكل ما نهاكم عنه يجب عليكم أن تنتهوا عنه، وما جاء به الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) هو القرآن والسنة، فلا اعتبار هنا إذن للمصلحة العقلية أي للهوى، ولا اعتبار للظروف والواقع، أو لموازين القوى والمواقف الدولية، ولا مجال أيضا للانتقاء والتخيّر بين فروض الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:  أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  [البقرة 85] وقال:  الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا  [المائدة 3] فهذا وذاك أي جعل المصلحة حسب ما يحددها العقل هي الحكم، أو التعذر بالواقع والخضوع لموازين القوى الدولية وغيرها، فهذا وذاك كما أسلفت أيضاً يجعل الجماعة غير مبدئية، وإن كان ما تقوم به من الإسلام أي كونها جماعة إسلامية. وهكذا تخرج من الحسبان أيضاً من كونها مبرئة للذمة كل الحركات أو الجماعات التي لم تجعل من الإسلام، والإسلام فقط، مصدراً لتفكيرها ولم تجعل من الإسلام القاعدة الفكرية الوحيدة التي تنبثق منها جميع أحكامها، وتبنى عليها جميع أفكارها، ولو كانت هذه الجماعات إسلامية لكنها ليست مبدئية، وبالتالي فهي ليست مبرئة للذمة.

ثالثاً: أن تكون سياسية:

وأما كون الجماعة المبرئة للذمة يجب أن تكون سياسية فأدلة ذلك من القرآن والسنة أما القرآن فقوله تعالى:  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  [آل عمران 104]. أما كون الأمر في الآية بإيجاد جماعة هو أمر بإقامة أحزاب سياسية فذلك آتٍ من كون الآية عينت عمل هذه الجماعة، وهو الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعمل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر جاء عاماً فيشمل أمر الحكام بالمعروف، ونهيهم عن المنكر ،وهذا يعني وجوب محاسبتهم. ومحاسبة الحكام عمل سياسي، تقوم به الأحزاب السياسية،وهو من أهم أعمال الأحزاب السياسية؛ لذلك كانت الآية دالة على إقامة أحزاب سياسية لتدعو إلى الإسلام، ولتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحاسب الحكام على ما يقومون به من أعمال وتصرفات.

أما السنة فقد جاء في صحيح البخاري ‏عن خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا. قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». كما جاء في تفسير ابن كثير عن ابن عباس «أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا النبي ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم» وفي الحادثتين كأن بعض الصحابة رضوان الله عليهم إستأخروا النصر، أو استبطأوا طريقة الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) في الصراع الفكري والكفاح السياسي في الوصول إلى النصر والتمكين، فأرادوا أن يتحول عليه الصلاة والسلام إلى العمل المادي، وفي كلتا الحادثتين وفي غيرهما أصر ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) على السير في نفس الطريقة، بل وغضب ممن أراد أن يثنيه عنها. وإصرار الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) على القيام بأي أمر رغم تحمله الأذى في سبيله دليل شرعي على أن هذا الأمر فرض في حقه ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا دليل على أن الجماعة العاملة لإنهاض الأمة يجب أن تكون جماعة سياسية، وبهذا تخرج من الحسبان أيضا كل جماعة تسعى لتحكيم شرع الله سبحانه وتعالى بغير هذه الطريقة التي سار عليها ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تعتبر مبرئة للذمة مع الاعتبار وعدم غض الطرف عن أنها إسلامية.

رابعاً: أن تكون عالمية:

وأما كون هذه الجماعة يجب أن تكون عالمية فلا نعني بقولنا هذا إنه يجب أن يكون لهذه الجماعة فروع أو مراكز أو أتباع أو أنصار أو ما شابه ذلك متواجدون أو متمركزون في جميع أنحاء العالم أبداً، لا نعني ذلك، بل نعني أنه يجب أن تكون هذه الجماعة مستهدفة العالم كل العالم، أي تسعى لتحرير الإنسان كل الإنسان من عبودية الإنسان إلى عبودية الله رب الإنسان، وتحرير الأرض كل الأرض من حكم الطاغوت للحكم بما أنزل الله عز وجل، حتى لو كانت هذه الجماعة مازالت تعمل في بقعة صغيرة من الأرض.

قال تعالى:  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  [الأنبياء 107] وقال تعالى:  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ  [سبأ 28] وقال:  وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ  [الأنعام 19] وقال:  قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا  [الأعراف 158] فهذه الآيات، وغيرها الكثير، دالة على أن الإسلام لم يأت لفئة معينة أو قطر معين دون غيره، بل جاء لكل الناس. والدعوة إليه والعمل على إيجاده يجب أن يكون لكل الناس وفي كل مكان. أما أدلة وجوب أن تكون الجماعة عالمية من السنة المطهرة منها ما أوردناه آنفا في حديث الخباب بن الأرت (رضي الله عنه) الذي رواه البخاري في صحيحه «… والله ليُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه…» فالرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) يعذب ويستهزأ به وبدعوته، وأصحابه يعذبون ويقتلون، ورسالته ودعوته لم تخرج من مكة سوى بعض الأفراد الذين آمنوا به وعادوا إلى بلادهم، ورسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر بعيداً خارج مكة يستهدف العالم، وقوله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمه أبي طالب عندما شكته إليه قريش حيث قال: ‏أريدهم على كلمة واحدة‏ ‏تدين‏ ‏لهم بها‏‏ العرب، ‏وتؤدي ‏‏العجم‏ ‏إليهم ‏الجزية والحديث في مسند الإمام أحمد وفي كتب السير: أرأيتم إن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها، ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم. ووعده ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) سراقة بسواري كسرى أثناء هجرته وهو طريد ملاحق من قبل قريش، وجاء أيضاً في مسند الإمام أحمد ‏حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن أبي الأشعث عن إسماعيل ابن إياس بن عفيف الكندي عن أبيه عن جده قال: «كنت امرأً تاجراً، فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرأً تاجراً، فوالله إنني لعنده بمنًى إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس فلما رآها مالت يعني قام يصلي، قال ثم خرجت امرأةٌ من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه يصلي، قال فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، قال فقلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة بنت خويلد. قال قلت: من هذا الفتى؟ قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه. قال فقلت: فما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي، وهو يزعم أنه نبي ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى، وهو يزعم أنه سيفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. قال: فكان عفيف وهو ابن عم الأشعث بن قيس يقول وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثالثاً مع علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)». فهذه الأحاديث كلها تدل دلالةً واضحةً على أن الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستهدف العالم كل العالم من اللحظة الأولى، ولم تكن دعوته قاصرة على مكة وعلى أهل مكة، بل نظرته كانت عالمية واستهدافه كان للعالم ولم يكن لمكة فقط. وفي الحديث الأخير، ورغم أنه لم يكن قد آمن معه إلا ثلاثة نفر، إلا أنه كان يصرح بل يعلن أنه سيفتح كنوز كسرى وقيصر، فهو استهداف للعالم من أول لحظة للدعوة. وهكذا تخرج من الحسبان كل جماعة وكل حركة تقف في دعوتها وفي عملها عند حدود قطر معين أو دولة بذاتها، حتى لو كانت تسعى لإقامة دولة إسلامية في هذا القطر وتغلق على نفسها حدود سايكس بيكو السياسية التي وضعها الكفار عندما هدموا دولة الخلافة العثمانية.

خامساً: أن تعمل لاستئناف الحياة الإسلامية:

وهذا الهدف وهو استئناف الحياة الإسلامية، سواء أعلن صراحة أو عبر عنه بتعابير وأسماء تحمل نفس المعنى، مثل إعلاء كلمة الله، أو العودة إلى الله، أو إعادة مجد المسلمين وعزتهم، أو إحياء الخلافة، أو النهوض بالمسلمين… أو غير ذلك من التعابير، فكلها تدور حول معنى واحد، وهو الهدف الذي يجب أن يسعى إليه جميع المسلمين، وجميع الحركات الإسلامية. وقولنا استئناف الحياة الإسلامية ليس معناه إيجاد حياة إسلامية ابتداءً، وإنما هو استئناف لما كان موجوداً، أي استئناف لما بدأه رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث إنه قد أُبعد منذ فترة من الزمن، والعملية الآن هي استئناف لما كان، أي لما بدأه الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) وهدمه أتاتورك، عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ومن البديهي أن هذا الأمر لا يتحقق إلا بوجود سلطان للمسلمين، أي أن يكون للمسلمين خليفة ينوب عنهم في تنفيذ أحكام الشرع المترتبة عليهم مثل إقامة الحدود، ورعاية الشؤون، وحماية الثغور، وحمل الدعوة للعالم؛ لأن ذلك هو الطريقة الوحيدة لتحقيق هذه الأمور والقيام بهذا الواجب. قال تعالى:  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا  [النساء 60-61] وقال عز من قائل:  فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  [النساء 65] وقال:  أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  [المائدة 50] وقال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «حدّ يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً» [رواه النسائي وابن ماجه]. وقال ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» [رواه مسلم]. وقال: «إنما الإمام جنّة يقاتل من ورائه ويتقى به» [رواه مسلم]. وقد انعقد إجماع الصحابة، رضوان الله عليهم، على لزوم إقامة خليفة لرسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر ثم لعمر ثم لعثمان ثم لعلي، رضي الله عنهم جميعاً. والقاعدة الشرعية: « ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» تحتم وجود الخليفة؛ لأن إقامة الدين وتنفيذ أحكام الشرع ولمّ شعث المسلمين حول راية الإمام لا تتم دون وجود الخليفة. فهذه الأدلة وكثير غيرها من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة تدل دلالة واضحة على وجوب استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الإسلامية؛ ولذلك يجب شرعاً على الجماعة التي تريد أن تعمل لإنهاض الأمة أن تعمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية، وهي الطريقة الوحيدة لاستئناف الحياة الإسلامية، وعليه فبراءة الذمة لأي جماعة أمام الله سبحانه وتعالى تقتضي منها أن تعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية.

سادساً: أن تكون طريقتها لذلك شرعية وليست عقلية:

قال تعالى مخاطباً رسوله محمداً ‏(صلى الله عليه وآله وسلم):  قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ  [يوسف 108]. وقال تعالى مخاطباً المؤمنين:  وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  [الحشر 7] كما قال أيضاً:  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  [الأحزاب 21] وقال:  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  [النور 63] ولقد خط رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) خطاً مستقيماً على الرمل وجعل على جانبيه خطوطاً متعددة، وقال هذا صراطي مستقيماً، وهذه السبل على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو له، وتلا قوله تعالى:  وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  [الأنعام 153]. وقال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [رواه البخاري ومسلم]. وقال: «ألم آت بها بيضاء نقية…» [رواه أحمد والبزار وابن أبي شيبة]. وقال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: أمرا بيّنا، كتاب الله وسنة نبيه» [سيرة ابن هشام]. فهذه النصوص توجب بوضوح الاقتداء والتقيد بطريقة رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) بحمله للدعوة لا نحيد عنها قيد شعرة، ولا نبتعد عنها تحقيقاً لمصلحة، ولا تهرباً من شدة أو بطش، ولا نتركها بحجة اختلاف العصر وتطور الحياة، فهي الطريق القويم، والمحجة البيضاء؛ ولهذا فإن سيرة الرسول وكيفية حمله للدعوة هي الواجبة الاتباع، وهي المقياس لمعرفة الطريق القويم.

سابعاً: أن يكون لها أمير واجب الطاعة:

إن وجود أمير واجب الطاعة له من قبل جميع أفراد الجماعة هو أمر حتمي لا بد منه للجماعة؛ لأن الذي يُبقيها جماعة وهي تعمل هو وجود أمير لها تجب طاعته؛ لأن الشرع أمر كل جماعة بلغت ثلاثة فصاعداً بإقامة أمير لهم، قال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «ولا يَحلّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم» [رواه أحمد من طريق عبد الله بن عمرو]. يقول ابن تيمية: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم، فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم، كان ذلك تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك…» فتاوى ابن تيمية.

علاوة على ذلك يجب أن تكون هذه الأحزاب علنية غير سرية؛ لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، والعمل للوصول إلى الحكم عن طريق الأمة، تكون علنية وصريحة، ولا تكون في السرِّ والخفاء، حتى تؤدي الغرض المطلوب منها.

هذه هي معظم بل وأهم المواصفات التي يجب أن تتصف بها كل جماعة جعلت النهوض بالأمة الإسلامية قصدها الذي تسعى للوصول إليه وتبغي تحقيقه، لتبرئ ذمتها أمام الله سبحانه وتعالى.

وختاماً نذكر أنفسنا والمسلمين أجمعين بقوله تعالى:  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  [النور 63].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أبو دجانة

منقول عن:مجلة الوهي العدد 228 ، السنة العشرون ، محرّم 1426هـ ، شباط 2006م

الخلافة وطريقة إقامتها