**البنك الإسلامي في الإسلام (1)
بقلم : حمد طبيب - بيت المقدس
لقد ظهرت في حياة المسلمين في العصر الحديث بعض المصطلحات والمسمّيات الغربية، وألبست الّلباس الإسلامي ليكون شكلها الخارجي مقبولاً عند عامة المسلمين، وحتى تلقى قبولاً وترحيباً في حياتهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم العامة والخاصة… وزُينت فوق هذا اللباس الإسلامي ببعض الفتاوى -من بعض المفتين- في هذا الزمان- حتى تزداد ثقة الناس بها، ويُقدمون على التعامل معها أو الانضمام إليها بنفسٍ راضيةٍ مطمئنة..
ومن هذه المسميات التي ظهرت (البنوك الإسلامية، البورصات الإسلامية، الشركات المساهمة الإسلامية، الديمقراطية الإسلامية، (?..
وكان من أخطر هذه المفاهيم التي ظهرت ما يُسمّى(البنك الإسلامي)، فما هي حقيقة هذه البنوك، وما هو الهدف الحقيقي من إنشائها، وهل صحيح أنها قائمة على أحكام الإسلام كما يدّعي أصحابها؟! ..
وقبل أن نذكر حقيقة هذه البنوك، وحكم الإسلام في طريقة تأسيسها ومعاملاتها، نريد أن نقف على الخطّ المستقيم، أي على المعاملات الشرعية المتعلقة بالأموال بشكل عام.. فالإسلام ? كما نعلم ? قد بين الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات المالية سواء أكانت مؤسسات لهذه الأموال، أم أحكاماً تتم بين أفراد المجتمع، ومن هذه المعاملات الجامعة لشؤون المال والأعمال: معاملات الصرف، ومعاملات القروض، ومعاملات البيوع بأنواعها والإجارة، ومعاملات الشركات والهبات والعطايا، ومعاملات الرهن والودائع..
فهذه المعاملات الشرعية المتعلقة بشؤون المال، قد فُصلت تفصيلاً دقيقاً، وتحدثت الأحكام الشرعية عن كل جزئية من جزئياتها، وبينت الطرق المعوجة التي تحيد عن الخط المستقيم فيها، وبالتالي فهذه الأحكام تضبط سلوك المسلم، بحيث تكون معاملاته ضمن دائرة الشرع، ويكسب مالاً حلالاً، ويكون بعيداً عن المعاملات الرأسمالية التي يدخلها الخطأ في طريقة المعاملة، ويداخلها الربا من أبواب عديدة..
والأصل الشرعي في المسلم التقيّ الذي يبتغي مرضاة ربه عز وجل، ويتحرّى الحلال في الكسب، والدقة في المعاملات المالية هو أن يسأل عن حكم الإسلام في معاملته، وأن يؤصّل هذه المعاملة على أصول شرعية صحيحة، لا أن يأتي بمصطلحات غربية قد أسّست على غير تقوى من الله عز وجل، ثم يريد أن يوفق بينها وبين الإسلام..!!
فهذه الطريقة هي سقيمة في أصولها وفروعها، لأن أصلها خبيث فاسد، ولن يثمر إلا الفساد والخبائث.
وإذا نظرنا في واقع البنك الإسلامي فإننا نرى أن أصل التسمية ليست من حضارة المسلمين، ولا من طريقة عيشهم، ولا من الأصول الشرعية المتعلقة بشؤون المال والأعمال..
فكلمة بنك أصلاً في المصطلح الغربي معناها وواقعها مؤسسة ربوية، ولا يوجد أي تجانس بين الواقعين أو بين المفهومين؛ أي بين كلمة بنك وكلمة إسلامي- وعملية المزج بينهما هي عملية تضليلية من أجل تحسين صورة هذا المفهوم في نظر الناس، ومن أجل كسر الحاجز بين المسلمين وبين يَاïپهذا المفهوم الذي وردت آيات صريحة صحيحة تدل على جرمه العظيم، قال تعالى: أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا ومفهوم الربا والبنوك أصله في النظم الغربية نابعïپ?تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ من فكرة الحريات الاقتصادية؛ أي من حرية التملك، وتنمية الملك، والانتفاع والتصرف بهذا الملك بكامل الحرية، فلا مانع عند الغربي إن نمّى أمواله بطريقة الربا، ولا مانع إن أسّس مؤسسات تقوم على فكرة الربا، لأن هذا حرية اقتصادية، أمّا الإسلام فلا يوجد فيه أيّ حرية بهذه المفاهيم السقيمة.
وإلباس هذه الكلمة اللباس الإسلامي لا يجعلها إسلامية؛ لأن حقيقة الجوهر هي فاسدة ابتداءً، هذا عدا عن المعاملات التي تتمّ داخل هذه البنوك؛ سواء المتعلقة بالربا أم بغيره من معاملات فاسدة..
والحقيقة أن البنوك المسماة إسلامية مخالفة للإسلام في عدة أحكام، نحاول حصرها في الأمور التالية:
1- طريقة التأسيس 2- المعاملات الداخلية 3- المعاملات الخارجية 4- فتاوى وأقوال لعلماء معاصرين تتعلق بحرمة هذه البنوك والتعامل معها…
أما ما يتعلق بالجانب الأول: فإن طريقة تأسيس البنوك الإسلامية قائم على أساس طريقة تأسيس الشركة المساهمة الرأسمالية، وهذه الشركات تخالف ? كما نعلم ? الطريقة الشرعيّة في تأسيس الشركة في الإسلام، حيث إنها عبارة عن شركة أموال خالية من عنصر البدن(شركات رأسمالية مساهمة)، والمساهمون في هذه الشركة غير منضبطين، وغير معروفين لدى المساهمين الآخرين، أما التحكم بهذه الشركة فإنه مرهون بالهيئة التأسيسية للشركة، ولا قيمة للمساهمين في قرارات هذه الشركة إلا بقدر رأس المال الموجود باسم المساهم..
أما بالنسبة لرأس مال هذه الشركة والأعمال التي ستقوم بها مستقبلاً فإنها مفتوحة غير محدّدة، وهي رهن بعدد المساهمين الجدد، ورهن بقرارات اللجنة التأسيسية؛ فأحياناً تقبل ودائع المساهمين أو المودعين، وأحياناً تقترض من البنوك الربوية، وأحياناً تقترض من البورصة، وأحياناً أخرى تقترض من شركات برباً مركب.. وهكذا فان رأس مالها ليس منضبطاً ولا معروفاً معرفة تنفي عنه الجهالة أو الشبهة ..
هذا من حيث طريقة التأسيس لهذه الشركات المسماة بالبنوك، أما أعمالها فإنها تنقسم إلى قسمين، الأول: يقوم به البنك مع زبائنه، والثاني: يقوم به البنك مع مؤسسات وهيئات مالية خارجية كالبنوك والبورصات والشركات الأخرى..
أما المعاملات الداخلية لهذه البنوك فهي كثيرة أبرزها: البيع والشراء، الإقراض، الشراكة، الإيداع من أجل تشغيل الأموال، الكفالات والتأمينات بأنواعها…
أما بالنسبة للبيع والشراء بواسطة البنك، أو عن طريقة مباشرة فإنها معاملات باطلة سواء أسميت بعقود البيع للآمر بالشراء، أم سميت مرابحة أم غير ذلك، وسواء أصدرت فتاوى تُضفي اللباس الشرعي على مثل هذه المعاملات أم لم تصدر..
فعقود البيع والشراء التي تتم عن طريق البنك الإسلامي ينقصها أركان وشروط البيع الصحيح، وهي الإيجاب من قبل البائع أو المشتري، والقبول من قبل البائع أو المشتري، وأن يكون محل المعاملة (العقد) جائزاً شرعاً، وأن يستوفي هذا العقد الشروط الشرعية..
فالبيع الذي يتم عن طريق البنك الإسلامي لم يحصل فيه إيجاب وقبول صحيح؛ لأنه أولاً صادر عن هيئة اعتبارية تُجري العقود، وليس صادراً عن شخصية حقيقية أو وكيل عنها، ولأنه أيضاً معلّق على إحضار السلعة، أو قد يكون وعداً بالبيع، رغم أن البنك يُجري هذا العقد ويتمّ كتابته والإشهاد عليه وغير ذلك من إجراءات كتابة العقود، ولا يوجد هناك عقد صحيح ..لأن السلعة غير مملوكة أصلاً لدى البنك، وبالتالي فالإيجاب والقبول تم على معدوم أو مجهول، وهذا خلل في شروط العقد..
والصورة في عملية الشراء عن طريق البنك أن يذكر المشتري حاجته من السلعة للبنك، ثم يوقّع عقد الشراء ويحدد المبلغ لقيمة السلعة، وكلّ إجراءات البيع القانونية، وتكون السلعة غير مملوكة لدى البنك، حيث يقوم البنك بعد ذلك بشراء السلعة بناءً على طلب المشتري بعد استكمال كل إجراءات العقد، وهذا يجعل الإيجاب والقبول في أصله باطلاً شرعاً، لأن عقد البيع بين المشتري وبين البنك قد تمّ على موصوف ليس مملوكاً في اليد .
أما بالنسبة لإجراءات البيع وتوابعه فهي أيضاً باطلة ولا تجوز، حيث يتمّ رهن المبيع لدى البنك، بحيث يكون صاحب السلعة (المشتري) عاجزاً عن إجراء أية معاملة تتعلق بهذه السلعة حتى يتم تسديد كامل الأقساط، وهذا خللٌ كبير في عملية التملك للمبيع، وهو شرط دخل في عملية البيع نفسها جعلها خالية من حقيقة منفعة التملك والتصرف في المملوك، وهذا باطل شرعاً ..**
