ويستطيعُ كُلُّ ذي لُبٍّ وبصيرة أن يدرك آثار الفشل الذي حاق بتجارِب المجتمع الأوروبي والأمريكي في هذه الناحية، مع أن هذه الآثار لم تبلغ بعدُ منتهى مَدَاها، ولا يزال سائر عقابيلها في الطريق؛ فهذا الجيل من التائهينَ والضائعينَ، المُحَطَّمي الأعصاب، والمُبَلْبَلِي الأفكار، والقَلِقِي النفوس، وهذه النسبة الآخذة في الارتفاع ? حَسَبَ إحصاء الغربيين أنفسِهم - للانحراف والشذوذ بكل ضروبه وألوانه، هذه الظواهر كلها هي من آثار التجرِبة التي خاضَها الغرب في المرأة؛ لأنَّ هؤلاء جميعًا هم أبناء العاملات والمُوظَّفات، الذين عانَوْا من إرهاق أُمَّهاتهم وهم في بطونِهنَّ، ثُمّ تعرضوا لإهمالِهِنَّ بعد أن وضعنهم، ثم لم يجدوا ما يردعهم عما تدعوهم إليه النفس من شَطَط، في ظل الأجواء التي تُقدِّس الحرية في كل صورها دون حدود، وقد كان هتلر على حقٍّ حين هداه تفكيره إلى حلِّ كثير من مشاكل مجتمَعِهِ الألماني عن طريق عودة المرأة إلى البيت.
والعجيب من أمر هذه القضيَّة المَوْهُومة أن المرأة لم تقم فيها بالخطوة الأولى، ولم تحمل أعباءها فيما تلا من خطوات، ولكن الرجال هم الذين قاموا بهذا العِبْء من بدئه حتى نهايته ولا يزالون؛ بل هم يُعارِضُون الآن أشدَّ المعارضة ما يُبْدِيهِ بعض العقلاء من الدعوة إلى مراجعة التجرِبة الفاشلة، وعودة المرأة لميدانها الأصيل وهو البيت، ويهاجمون الداعين إليه والداعيات أشدَّ المُهاجَمَة، ويطلقون على الدعوة - استخفافًَا بعقول الناس - (العودة إلى عصر الحريم):
والقائمون بذلك والمتحمِّسون له أحد شخصينِ:
مَفْتُون بحضارة الغرب، أعمتْهُ الفتنة عنِ اكتشاف عيوبِها، ثُمَّ لم يَعْصِمْه إيمانٌ يَشْرَحُ اللَّه معه صدره للإسلام وتشريعه.
وطالِبُ مُتْعة من غير وَجْهِهَا الحلال وطريقِها المشروع، لا يريد أن يَحْرِمَ نفسَهُ متعة الحديث والنظر، والأُنس والسمر، ولا أجاوز ذلك إلى ما وراءه.
والظلم في القضية كلها حائِقٌ بالمرأة، كانت رَيْحانَةً تُشَمُّ، فأصبحت مشكِلاً يتطلب الحلَّ، وكانت عِرْضًا يُصان، وأمانة تُحْفَظ، فأصبحت عِبْئًا يَضيق به الأبُ والأخُ، ويتحتَّم معه على المرأة أن تَعْمَلَ لِتَعِيش، وماتَتِ المُروءَةُ الَّتي كانت تدفع إلى القِيام بِحَقِّها، والغَيْرَةُ الَّتي كانتْ سَببًا في المُحَافَظة عليْها، وأصبح القانون يُلْزِمُها بالعمل في النظام الشيوعي، وأصبح الواقع يُلْزِمها به في النظام الليبرالي، وأصبحتِ التي لا تعمل لا تجد اللقمة ولا تجد الزوج، ولئِنْ كانتِ المرأةُ الَّتِي خاضَتْ مَعْرَكَةً ظَفِرَتْ فيها بحق العمل، فما أظن أن الوقت يطول قبل أن تخوض معركة أخرى أشقَّ وأصعَبَ للظفر بحق العودة للبيت.
وقد لا تكون هناك نصوص صريحة في القرآن أو السنة تَمْنَعُ المرأة من العمل في خارج البيت؛ لكَسْبِ عَيْشِها حين تدعو إلى ذلك ضرورة؛ ولكن من المؤكَّد أنَّ اتخاذ هذه القاعدةِ أصلاً من أصول التنظيم الاجتماعيِّ يُخَالِفُ رُوح الشريعة، ويُناقِض كثيرًا من نصوصها، ويتعارَض مع كثير من شرائعها وحدودها تعارُضًا صريحًا؛ فهو يدعو إلى إعادة النَّظَر في التشريعات الإسلامية الَّتي تتعلَّق بقِوَامَةِ الزوج وبالميراث وبالنفقة؛ لأنها جميعًا مَبْنِيَّة على أنَّ الرجل هو الذي يعمل، وهو المكلَّف بالإنفاق، ويجب أن يكون واضحًا أن قِوامة الرجل على المرأة لا تقتضي تفضيله عليها في الدين أو الدنيا؛ ولكن هذه القِوَامَة قاعدةٌ تنظيميةٌ تستلزمها هندسةُ المجتمَع واستقرارُ الأوضاع في الحياة الدنيا، ولا تَسْلَمُ الحياة في مجموعها إلا بالْتِزَامِها، فهي تُشبه قِوَامة الرؤساء وأُولِي الأمر، التي لا تستلزم أن يكون الرؤساء أفضلَ من كلِّ المحكومين؛ ولكنها مع ذلك ضرورة يَستلزمها المجتمع الإنسانيُّ، ويأثم المسلم بالخروج عليها، مهما يكن من فضله على وَلِيِّ الأمر في العلم، أو في الدين.
والسلام عليكم ورحمة الله.
منقول عن : ![]()
رابط الموضوع: www.alukah.net
المصدر: كتاب “أزمة العصر”