أللهُمَّ إنْي نَاصَحُ أمْين
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:
{قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }( 1) {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(2 ) {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }(3 ) {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }(4 ) وقال تعالى :(فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا. ((5 ) (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)(6 ). وقال سبحانه وتعالى : ( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* َيفْقَهُوا قَوْلِي( ( 7)
وفي الحديث الشريف:عن حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم يكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت . (8 ).
ومن منطلق مفهوم ما روي عن تميم بن أوس الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( الدين النصيحة ثلاثا قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )(9 ).فقد هداني الله لهذا البحث في واقع جماعة الاخوان المسلمين منهجا وخط مسير مستعينا بما ورد في مصادرهم، وتمّ بناء على هذا الفهم مناقشة منهج وخط مسير الجماعة على ضوء نصوص الشريعة الغراء، متضمنا ذلك أشهر ما كتب عن الجماعة من المأيدين لها والمعارضين، موثقا كل ذلك ببيان المصادر التي تمّ النقل عنها، وقد هالني أنّ بعض ما كتب عن الجماعة من خصومهم قد تجاوز أصول النقد البناء بلجوء أصحابه للشتيمة والتجريح الشخصي والتجني مما يخالف أخلاق المسلمين وآدابهم، وفي محصلة البحث توصلت لأسباب فشل الجماعة وعدم تقيدها بالطريقة الشرعية في التغيير.
فقد قلنا أن الفلسفة الحقيقية للنهضة هي مبدأ يجمع الفكرة والطريقة معا . وهما لا بد من تفهمهما لكل تكتل يهدف إلى القيام بعمل جدي يؤدي إلى النهضة، ومتى وضح المبدأ وصار تفهمه لأجل التكتل متيسرا . ولذلك فالطبيعي بعد ذلك البيان الشافي للمبدأ ، أن يكون التكتل المسبوق بهذا التفهم تكتلا مؤثرا ، إنشائيا ارتقائيا ، جديرا بأن يحتضنه المجتمع ويتكفله ، وأن يضطلع بأعبائه ، لأنه تكتل هاضم لفكرته ، مبصر لطريقته ، فاهم لقضيته .
وفي بعض الحركات المنتسبه للاسلام تجد اطلاق للشعارات والأمنيات المناقض جوهرها لبعضها مع البعض الآخر، علاوة على مخالفة بعضها صراحة لمبدا الاسلام
، وعدم انتهاج طريقة ثابتة واضحة المعالم وتغير الثوابت لا بل والنكول عنها ومخالفتها، وانتهاج التبريرات الواهية لتلك المخالفات، مع اعتماد الأدلة العقلية لا الشرعية في أعمالهم، معتمدين مبدأ المصلحة في ذلك مع مراعاة الطريقة الفردية في الدعوة منسجمة مع نهجهم الترقيعي المسمى " الطريقة الاصلاحية " والمناداة بما يخالف الاسلام من التشريعات من مثل ( الشعب مصدر السلطات ) والاشتراك في أنظمة الحكم القائمة والتي تخالف نظام الاسلام في أصولها وفروعها.
وغالبية تلك الحركات والجماعات هي دعوات اصلاح فردية تعتمد على تسلسل: اصلح الفرد تصلح الأسرة فيصلح المجتمع، وهي طريقة سقيمة لا تنتج نتائج بل يدور صاحبها في حلقة مفرغة في نهايتها سينتهي حيث بدأ، وطريق النهضة الآن يجب أن يترسم خطوات الرسول صلى الله عليه وسلّم، فطريقة الرسول التي أدّى بها الرسالة هو أنه بدأ بالأفراد بوصفهم أجزاء في المجتمع رجالاً ونساء، فعلمهم وثقفهم بالإسلام، وهيأهم بعقائده، وغيّر مفاهيمهم المغلوطة بمفاهيم صحيحة. أخذ الإسلام هؤلاء لا ليربيهم تربية فردية كتربية المدارس وإنّما ليربيهم تربية جماعية جذرية. لإنّ طريق النهضة الصحيحة هي الحركة التي تعالج مشاكل الإنسان كلها، وتنظر للإنسان كلاً لا يتجزأ ، لذلك فهي تعالج مشاكله بطريقة واحدة، هي التي بُني نظام الإسلام عليها، فقد بُنِيَ نظام الإسلام على أساس روحي، هو العقيدة ، فكانت الناحية الروحية هي أساس حضارته، وهي أساس شريعته، وأساس دولته. ومع أنّ الشريعة الإسلامية فصّلت الأنظمة تفصيلاً دقيقاً كأنظمة المعاملات والعقوبات والعبادات، فإنّها لم تجعل للإخلاق نظاماً مفصلاً، وإنّما عالجت أحكام الأخلاق باعتبارها أوامر ونواه من الله تعالى.
لقد أنتهجت تلك الجماعات نهج الاصلاح الفردي الترقيعي المخالف للطريقة الشرعية المستنبطة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وما ورد من الأدلة الشرعية، فلم تر ضيرا في السير في ركاب الحكام وفي المشاركة في وزارات الأنظمة القائمة وجميعها جاهلية طاغوتية، فنادت بالديموقراطية والتقيد برأي الأغلبية، وأكثر من هذا فقد شاركت في التشريع والاشتراك في المجالس التشريعية المتحاكمة للطاغوت، بل وأبلغ من هذا فقد شاركت بالحكم بغير ما أنزل الله تعالى.وبالتالي فإنّ الفشل الذريع الذي منيت به تلك الجماعات كان أهم أسبابه مخالفة الحكم الشرعي للطريقة مما جعلها غير مبرئة لذمة المنتسبين لها، .
لم يكن من دواعي وغايات هذا البحث التجريح أو بيان فساد، فمعاذ الله تعالى أن يكون هذا من مقاصدي، غير أني وقد قمت ببحث في واقع مدرك خطورته لكل باحث ومفكر، ومع هذا آثرت أن أقوم به فأهديه لأخوة لنا في الدين مبينا خطأ مسيرات بدأ بعضها منذ زوال نجم الخلافة ولم تفلح في احداث أي تغيير بل أنها كانت أحد العوامل التي أثرت بصورة أو أخرى على نجاح مسيرة قيام دولة الخلافة الراشدة.لذا كان بحثي هذا مُعينا لهم في مراجعة النفس وإعادة النظر في مسيرة فشلت لفساد خط مسيرتها ومخالفته لشرع الله، وبناء عليه أن أهديهم نصيحة مخلصة أدعو الله تعالى أن يدرسوها ويعملوا بها.
(1) - يوسف (108).
(2) - الأنعام (153).
(3) - الحشر (7).
(4) -الأحزاب (21 ).
(5) - سورةالأنعام(125)
(6) - الكهف(6)
(7)- طه ( 25-28 )
(8) - رواه ألإمام أحمد والطبراني
(9) - رواه مسلم