**المجتمَع المختلَط
د. محمد محمد حسين
كثُر كلام الناس في هذه الأيام ? في الصُّحف وفي دور العلم، وأقسام الفلسفة، ومعاهد تخريج المدرسين، والإِخْصَائِيِّينَ الاجتماعِيِّينَ منها خاصة - عن الكبت الجنسي ومضارِّه، وشاع بين كثير ممن ينتحلون الدراساتِ النفسيَّةَ ? والفرويدية منها خاصة ? أن السبيل إلى تلافي الأضرار المتولِّدة عن هذا الكبتِ هي اختلاط الذكور بالإناث، وتخفُّف النساء منَ الحجاب ومنَ الثياب، وهو تخفُّفٌ لا يعرف الداعون إليه مدًى ينتهي عنده، ولعله ينتهي إلى ما انتهى إليه الأمر في مُدُنِ العراة التي نُكِست فيها المَدَنِيَّةُ فارتدَّتْ إلى الهمجية الأولى! ذلك هو “المجتمع المختلَط” الذي يَدْعون إلى تعميمه في المدارس، وفي الإدارات الحكومية، وفي المصانع، وفي الشركات، وفي الأندية والمجتمعات. وقد أخذت هذه الدعوة سبيلها إلى التنفيذ في بعض هذه الميادين.
والواقع أنَّ هذا الاتجاه هو جزء منَ اتجاه أكبرَ وأعمَّ، يُرادُ به فَرْنَجَةُ المرأة، وحملها على أساليب الغرب في شتى شؤونها: في الزواج، وفي الطلاق، وفي المشاركة في العمل والإنتاج، في شتى الميادين، وفي الزيِّ وفي المحافل والمراقص، إلى آخر ما هنالك، وهذا الاتجاه هو بدوره جزء من اتجاه أكبر، يراد به سَلْخُنا من أدب إسلامنا وتشريعه، وإلحاقُنا بالغرب في التشريع، والأدب، والموسيقى، والرسم، وفي فنون الحياة بين جِدٍّ ولَهْو.
والموضوع ذو جوانبَ متعددِّةٍ؛ ولكن أبرز جوانبه ناحيتان:
ـ اختلاط النساء بالرجال.
ـ واشتغال النساء بأعمال الرجال.
وسأعالج الناحية الأولى منه في هذا المقال، مرجِئًا الشقَّ الثانيَ إلى مقالٍ تالٍ إن شاء الله.
وأخطر ما في هذه الدعوات الجديدة أنَّ أصحابَها يلجَؤُونَ إلى تَدْعِيمِها، وتثبيتِ جُذُورِها الغربية في أرضنا، بأسانيدَ من الدين، بعد أن يُحَرفوا الكَلِمَ عن مواضعه في نصوصه الشريفة؛ من قرآن أو حديث أو خبر؛ لذلك رأيت أن أبدأ هذه الكلمةَ بتقديم طائفة من الآيات القرآنية، تبين بوجهٍ قاطع حُكْمَ الإسلام الصريح في هذه الأمور:
1 ? يقول الله - تبارك وتعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59].
تأمر هذه الآية المسلمات بإطالة الثياب، وبإدناء بعض أطرافها منَ البعض الآخر، حتى تَستُر الصدور والظهور والأذرُعَ والسُّوق، وتُصرح بالحكمة في ذلك، وهو تمييز الأحرار منَ النساء، وتكريمُهن بصَوْنهن عن أذى الذين يتعرَّضون للبغايا والخليعات، لأنَّ التبرُّج والتبذُّل يسلكهنَّ في مسالك الريب، ويُطمِع الفُسَّاق في التعرّض لهنَّ، وإيذائهنَّ في حيائهنَّ، وفي أعراضهن بالأقوالِ أوِ الأفعال.
2 ? ويقول ? تعالى -: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 30 - 31]:
تأمر هاتان الآيتان الرجلَ والمرأة كليهما بغضِّ البصر عند رؤية أحدهما للآخر، وتُردِف الأمر بالمحافظة على العفاف مع الأمر بغضِّ البصر؛ كأن النظر هو سبيل التفريط في العفَّة، ثم هي تأمر المرأةَ بأن تحرص على ستر مواضع الفتنة والأنوثة منها، وعدمِ إفشائها بأدوات الزينة والتجميل المختلفة، أوِ الثياب الضيِّقة أو الشفَّافة، أوِ الحركات الخليعة التي تُذيع صوت ما تتحلى به من حُلِيٍّ، كما تأمُرُها أن تغطِّيَ رأسها بالخمار، وأن تضرب بفُضُوله على صدرها ليَستُر فتحة ثوبها.
ولا تُبيح الآيتان للمرأة أن تتخلَّى عن هذا الحجاب؛ إلا في حضرة الذين لا تُثِيرُهم مَفَاتِنَهَا؛ منَ المحارم أوِ الأطفال الذين لم يَبْلُغوا الحُلُم، أو ناقصي الذكورة منَ التَّبَع، والخَدَمِ الَّذين لا أَرَبَ لَهُمْ في النساء، وتكشف الآية الأولى عنِ الحكمة فيما تطلب إلى المؤمنين من غض الأبصار؛ فتقول: إنه أَدْعَى إلى تزكية النفس وتطهيرها، والسموِّ بها عن مواطن الدنس، وتقول للمرتابين في صدق هذا الأمر وحكمته: إن الله أخبَرُ بطبائع خلْقِه وبمذاهبهم فيما يصنعون من أنفسهم.
وتَختِم الآيتان هذه الحدودَ المرسومةَ بدعوة المؤمنين جميعًا إلى أن يعودوا إلى طريق الله بعد أن نأتْ بهم عنه الشهواتُ ودعوات المضلِّلينَ؛ لأن التزام طريق الله هو سبيل الفلاح والنجاح.
3 ? يقول ? تعالى -: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 60]:
أمَّا هذه الآيةُ: فَهِيَ لا تبيح التَّخفُّف من بعض الثياب - كالجلباب والرداء والقناع فوق الخمار - إلا للطاعنات في السن؛ ممن ذهب رَوْنَقُهُنَّ، وفارقْنَ سِنَّ الزواج، ولم يَعُد مثلُ هذا الصنيع منهن يثير الناظرَ إليهن، ومع ذلك فهُنَّ مأمورات بأن يَلزَمْنَ جانب الحشمة؛ فلا يُبْرِزْنَ ما يتكلَّفن من زينة، وتَحُثُّهُنَّ الآيةُ على التزام القصد فيما أباحت لهن، وتصف الاحتشام أمام الغرباء بالعِفَّة؛ حيث تقول: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ}.
4 ? يقول ? تعالى -: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 32 - 33]:
الحديث في هاتين الآيتَيْنِ موجَّهٌ إلى نساء النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يتضمَّن أَمْرَهُنَّ بأن يَلْزَمْنَ بُيُوتَهُنَّ، ولا يَصْنَعْنَ صنيعَ الجاهليات في التبرج، وبأنْ يَقْصِدْنَ في محادثة الرجال إذا دعتْ إليه ضرورةٌ؛ فيَذْهَبْنَ به مَذْهَبَ الجِدِّ والحزمِ والإيجاز، وبأن يُقِمْنَ شعائر الدين؛ من صلاة وزكاة، ويَلْزَمْنَ حدود الله، وتعلل الآية ذلك كله بأنه سبيل الطهارة، والبعد عن مظانِّ الرِّيبَةِ، وإطماع مرضى القلوب.
وقد يَظن بعض الناس أن توجيه الحديث في هاتين الآيتين إلى نساء الرسول - صلى الله عليه وسلم - يَعني أنهن قد خُصِصْنَ به دُونَ سائِرِ المُسْلِمات، وأنَّ حُكْمه لا يَتَعَدَّاهُنَّ إلى غَيْرِهنَّ، وهو خطأ ظاهر؛ فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو قدوة المسلمين، ومَثَلُهم الأعلى، ونساؤه قدوةُ المسلمات، ومثلُهُنَّ الأعلى؛ فالله - سبحانه وتعالى - يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
فإذا كان هذا هو الأحوطَ، وهو الأطْهَرُ، وهو الأدعى إلى إذهاب الرجس عن بيت سيدنا رسول الله، وعن نسائه الطاهرات رضوان الله عليهن ـ: فلا شكَّ أنَّ عامَّة المسلمات ? وهنَّ أبعد عن العصمة جدًّا ? أحوج إلى الأخذ به والتزامه. وإذا كانت إلانَةُ القول وإطالته في غير موجِب من جانب نساء الرسول ? وهنَّ أُمَّهات المؤمنين ? مَظِنَّةَ إطماع مرضى القلوب، فكيف يكون الحال بالقياس إلى سائر المسلمات، اللاتي لا يُحيطهن من أسباب العصمة، وذَوْدِ الشر، ودفْعِ الأطماع والإغراء ما كان يحيط بنساء الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟!
5- يقول ? تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب: 53].
هذه الآية خاصَّة بنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضًا، وهي تُنبِّه المسلمين إلى أنْ يُخفِّفُوا عند زياته والإلمام ببيته، وأن لا يُثقِلوا بإطالة الحديث بعد قضاء حاجاتهم، أو تناوُل ما دُعُوا إليه من طعام. كما تأمرهم إنِ احتاجُوا إلى طلبِ شَيْءٍ من نساء الرسول أن يكون حديثُهُمْ إليهن من خلف ستار، يَحجُبُ كُلاًّ منهم عن الآخر. وتعلِّل الآية الكريمة ذلك بأنه أدعى إلى طهارة الطرفين، وأحوط في تجنب أسباب الفتنة. وليتَ شِعْرِي إذا كان نساء النبي ? وهنَّ مَنْ هُنَّ ? وصحابة رسول الله ? وهُمْ مَنْ هُمْ ? مأمورين بذلك، فكيف لا نكون نحن مأمورين به؟!
6 ? يقول ? تعالى -: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 25 - 28].
وللبحث بقية تتبع**